← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاِتحَةَ وَيُؤَمِّنُ سِرًّا كالمَأْمُومِ، === «مختصر ابن خُزَيْمَةَ»: «فكانوا يُسِرُّون ببسم الله الرحمن الرحيم». ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرَّج لهم في «الصحيحين» (١) . ومنها قول ابن عبد الله بن مُغَفَّل (٢) : «وسمعني أبي وأنا اقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم ـ أي جهراً ـ فقال: أي بُنَيَّ، إياك والحَدَثَ، قال: ولم أر أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام ـ يعني منه ـ فإني صلّيت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها، فلا تقلها أنت، وإذا صليت فقل: الحمد لله رب العالمين». رواه الطحاوي وابن ماجه والنَّسائي والترمذي، وقال: حديث حسنٌ. والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين ﵃، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، والثَّوْرِيّ، والحسن، والأَوْزَاعِيّ، والشعْبِيّ، والنَّخَعِي. هذا، وقد قال الشافعيّ: البسملة من الفاتحة قولاً واحداً، وكذا من غيرها على الصحيح. وعندنا: هي آية أنْزِلت للفصل بين السُّور، ليست من الفاتحة، ولا من كل سورة. لِمَا رُوِيَ عن ابن عباس: «أنه ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى نزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم». رواه أبو داود والحاكم في «مستدركه». (ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ) أي وجوباً (وَيُؤَمِّنُ) أي يقول آمين حال كونه منفرداً أو إماماً، استحباباً (سِرّاً كالمَأْمُومِ) أي كما يُؤَمِّن المأموم سرّاً كما سبق. وإنما يُؤَمّن المصلي لما روى الشيخان عن أبي هريرة: أنَّ النبي ﷺ قال: «إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه». ولفظ «أحدكم» يندرج فيه الإمام والمنفرد والمأموم. ولما روى مالك، والجماعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أمَّنَ الإمام فأَمِّنُوا، فإنه من وافق تأمينُه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه». قال النووي في «شرح مسلم»: والصحيح الصواب أن المراد: الموافقة في وقت التأمين، أي لا في الكيفية من خلو الرياء والسمعة، كما قال به ابن حِبّان. ولا يبعد أنْ يُرَاد به الأعمّ والله تعالى أعلم. وقيل الملائكة: هم الحفظة، وقيل غيرهم، لقوله ﷺ في الحديث الآخر:

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === «فوافق قوله قول أهل السماء». وفي رواية: قالت الملائكة في السماء، ولا منع من الجمع. وفي آمين لغتان: المد، وهو الأشهر، ومنه قول بعضهم: ويرحم الله عبداً قال آميناً. أو القصر، ومنه قول الشَّاطِبِيّ: * أَمِينَ وأمناً للأَمينِ بِسِرِّها ** وإن عَثَرَتْ فَهُوَ الأَمُونُ تحمُّلاً وهو اسم فعل ومعناه: استجب، عند أكثر أهل العلم. وقيل معناه: كذلك فليكن. وقال الترمذي: معناه لا تُخَيِّب رجاءنا. قال الجَوْهَرِيّ: وهو مبني على الفتح كأين، وتشديد الميم خطأ، قيل: تفسد الصلاة، وقيل: لا تفسدها، لأن نظير لفظه موجود في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ﴾ (١) وقد حكى القُشَيْري: التشديد عن الحسن، وجعفر الصادق، فيكون مِنْ أمَّ إذا قصد. فالتقدير: دعوناك قاصدين، فلا تردَّنا خائبين. واستدل الشافعي في جهر آمين، بما في سنن أبي داود والترمذي عن سفيان، عن سَلَمة بن كُهَيْل، عن حُجْر بن العَنْبَس، عن وائل بن حُجْر، واللفظ لأبي داود قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ﴿ولا الضَّالَين﴾، قال: آمين ورفع بها صوته». ولفظ الترمذي: «ومدَّ بها صوته»، وقال حديثٌ حسنٌ. قلنا رواه شُعْبَة عن سَلَمة بن كُهَيْل، عن حُجْر بن العنبس، عن عَلْقَمَة بن وَائِلٍ، عن أبيه، وقال فيه: «وخفض بها صوته». إلاَّ أنَّ أبا زُرْعَةَ والبخاري جعلا حديث سفيان أصح من حديث شُعْبَة. والبَيْهَقِيّ روى عنه موافقةً لسفيان: «يرفع الصوت بها». لكن روى الطَّحاوي في «آثاره» عن أبي وائل قال: «كان عمر وعليّ لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا بالتعوذ، ولا بآمين». وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه»: أخبرنا مَعْمَر، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِي قال: «أربع يُخْفِيهن الإمام: التَّعوُّذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، واللهم ربّنا لك الحمد، وآمين». ثم قال: أخبرنا الثَّورِي، عن مَنْصُور، عن إبراهيم قال: «خمس يُخْفِيهن الإمام … فذكرها وزاد: سبحانك اللهم وبحمدك». فهذا يدل على أن الجهر بها في بعض الأحيان كان للتعليم فعلاً كما ورد: وكان يُسْمِعُنا الآية أحياناً، لا ليكون سنةً مستمرة، وإلاَّ لما تركه عمر وعليّ ولما ساغ لإبراهيم النَّخَعِي الحكم بخلافه من عنده.

стр. 248

ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ خَافِضًا، ويَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيهِ، مُفَرِّجًا أصَابِعَهُ، بَاسِطًا ظَهْرَهُ، غَيرَ رَافِعٍ ولا مُنَكِّسٍ رَأْسَهُ. === (ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ خَافِضاً) أي حال كونه منحطاً، بأن يكون ابتداء التكبير عند انحطاطه، وهذا موافق لما في «الجامع الصغير» حيث قال: ويكبر مع الانحطاط. وقيل: يكبر قائماً، ثم يركع. وعن محمد: ما يدل عليه، وهو: وإذا أراد أنْ يركع يكبّر. وروى النَّسائي، والترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، عن عبد الله بن مسعود قال: «كان النبيّ ﷺ يكبّر في كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود، وأبو بكر وعمر». وقوله في كل خفض: أي عند إرادة كل خفض إلى آخره. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حسنٌ صحيحٌ، والعمل عليه عند أصحاب النبيّ ﷺ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ وغيرهم ﵃، ومن بعدهم من التابعين، وعليه عامة العلماء. (ويَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) أي: ناصباً ساقيه. وأما انحناؤهما شبه القوس، كما يفعله بعض الناس فمكروه. وإنما يضع على ركبتيه لما في الصحيحين، عن مُصْعَب بن سعد بن أبي وَقَّاص قال: «صليت إلى جَنْب أبي فطَبَّقْتُ بين كفيَّ، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي، وقال: كنّا نفعله فَنُهِينَا عنه، وأُمِرْنا أنْ نضع أيدينا على الركب (إلا في السجود)» (١) . (مُفَرِّجاً أصَابِعَهُ) ليكون أمكن من أخذهما. ولما روى الطبرانيّ في «معجمه» عن أنس: أن النبيّ ﷺ قال له: «يا بني إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك، وفَرِّج بين أصابعك، وارفع يديك عن جنبيك». قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين، ومن بعدهم، ولا اختلاف بينهم في ذلك إلاَّ ما رُوِيَ عن ابن مسعود، وبعض أصحابه: أنهم كانوا يُطَبِّقُون، والتطبيق منسوخ عند أهل العلم. قال سعد بن أبي وقَّاص: «كنا نفعل ذلك، فَنُهِينَا عنه، وأُمِرْنا أنْ نضع الأكف». وحديث سعد هذا متفق عليه. (بَاسِطاً ظَهْرَهُ) لما روى ابن ماجه في «سننه»، عن راشد قال: سمعت وابِصَة ابن مَعْبَد يقول: «رأيت رسول الله ﷺ يصلّي، وكان إذا ركع سَوَّى ظهره حتى لو صُبَّ عليه الماءُ لاستقرَّ». (غَيْرَ رَافِعٍ ولا مُنَكِّسٍ) بتشديد الكاف المكسورة (رَأْسَهُ) بالنصب على أنه مفعول تنازع فيه الفعلان. وذلك لما روى مسلم عن عائشة، في حديث طويل: «وكان إذا ركع لم يُشْخِصْ رأسه (٢) ، ولم يُصَوِّبْه، ولكن بين ذلك».

стр. 249

ويُسَبِّحُ ثَلاثًا، وهوَ أَدْنَاهُ، === وإشخاص الرأس: رفعه. وتصويبه: خفضه. (ويُسَبِّحُ ثَلاثاً) يقول كل مرة: سبحان ربي العظيم. وفي رواية: وبحمده. ولو رفع الإمام رأسه قبل أن يتم المأموم ثلاثاً، يتم في رواية، ويُتَابع في أخرى، وهو الصحيح. وقيل: إنّ تسبيحه، وتسبيح السجود، وتكبيرهما واجبات. (وهُوَ) أي التسبيح ثلاثاً (أَدْنَاهُ) أي أدنى الكمال. لِمَا روى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربّي العظيم وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، وذلك أدناه»، ولما روى الترمذي مُرسلاً أنه ﷺ قال: «إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تمَّ ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تمَّ سجوده وذلك أدناه». ولِمَا في «السنن الأربعة» من قول حُذَيْفَة: «صليت مع رسول الله ﷺ وكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى». ولقول عُقْبَة بن عامر الجُهَنِي: «لمَّا نزلت ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّك العظيم﴾ (١) ، قال لنا رسول الله ﷺ اجعلوها في ركوعكم، ولمَّا نزلت ﴿سَبِّحْ اسمَ رَبِّك الأَعْلَى﴾ قال لنا رسول الله ﷺ اجعلوها في سجودكم». رواه أبو داود، وابن ماجه، والطحاوي، وجعله ناسخاً للأذكار التي كانت تقال فيهما قبل نزولهما. وهي: ما رواه هو وغيره عن عليّ قال: «كان رسول الله ﷺ يقول وهو راكع: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وأنت ربي خشع لك سمعي وبصري، ومُخِّي وعظمي لله رب العالمين». وزاد في رواية: «وما استقلت به قدمي لله رب العالمين ـ ويقول في سجوده: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وصوَّره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين». وفي رواية أخرى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «نُهِيتُ أن أقرأ وأنا راكع أو ساجد، فأمَّا الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فَقَمِنٌ (٢) أن يستجاب لكم». وعن عائشة قالت: «فَقَدْت النبي ﷺ ذات ليلة، فظننت أنَّه أتى جاريته،

стр. 250

ثُمَّ يُسَمِّعُ رَافِعًا رَأْسَه. ويَكْتَفِي بِهِ الإمَامُ، وبالتَّحْمِيدِ المُؤْتَمُّ، ويَجْمَعُ المُنْفَرِدُ بَيْنَهُمَا === فالتمسته بيدي، فوقعت يدي على صدر قدميه وهو ساجد يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثْنَيْتَ على نفسك». وليس النسخ في قول الطحاوي بمعنى أنه لا يجوز غيره، بل المراد أنه أفضل، وإنْ جُمِعَ بينهما فهو أكمل. (ثُمَّ يُسَمِّعُ) ـ بتشديد الميم المكسورة ـ أي يقول المصلّي: سمع الله لمن حمده، بهاء الكناية أو السكتة والاستراحة. ومعنى سمع: أجاب لأن الإجابة مُسَبَّبة عن السماع، واللام في لمن للمنفعة. وقيل: زائدة أي قَبِلَ حَمْدَ مَنْ حَمِدَه، على أنه خبر مبنىً، ودعاء معنىً. (رَافِعاً رَأْسَهُ) أي لا حالة قيامه، ويقول: ربنا لك الحمد خافضاً (ويَكْتَفِي بِهِ) أي بالتسميع وحده (الإمَامُ و) يَكْتَفِي عند أبي حنيفة (بالتَّحْمِيدِ المُؤْتَمُّ) لاكتفاء القوم بالتحميد اتفاقاً، وبه قال مالك. وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع الإمام بين التسميع والتحميد. واختاره الطحاوي، وهو رواية عن أبي حنيفة. وهو الأصح من مذهب الشافعي لما روى البخاري عن أبي هريرة قال: كان النبيّ ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربّنا لك الحمد». وقد يجاب بأنه محمول على حال انفراده، أو لبيان جوازه، ومع الاحتمال لا يصلح للاستدلال. ولأبي حنيفة ما رواه الجماعة إلاَّ ابن ماجه، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه». وفي رواية لأبي داود وابن ماجه والنَّسائي والطحاوي أنه قال ﷺ «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم». ووجه الدلالة أنه ﷺ قَسَّمَ بين ما يقول الإمام والمأموم، والقسمة تنافي الشركة. فإن قيل: قد وقعت القسمة في قوله ﷺ «إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضّالين﴾، فقولوا: آمين». مع أن الإمام يشارك المأموم في قوله آمين، فالجواب أنَّ الشركة بين الإمام والمأموم في قول آمين ثبتت بما روى النَّسائي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول آمين، وإن الإمام يقول آمين». ويقول: ربنا ولك الحمد، أو: اللهم ربنا لك الحمد وقد ورد الأثرُ بهما. (ويَجْمَعُ المُنْفَرِدُ بَيْنَهُمَا) أي بين التسميع والتحميد عند أبي يوسف ومحمد، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو الأصح. كذا في «الهداية»، لأنه إمام نفسه

стр. 251

ويَقُوم مسْتَوِيًا، === فَيُسَمِّعُ، وليس معه أحد يأتم به، فَيُحَمَّدُ. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنّ المنفرد يكتفي بالتحميد. قال في «المبسوط»: هو الأصح، لأنَّ التسميع حث على التحميد، وليس معه أحد يحثّه عليه. (ويَقُومُ مُسْتَوِياً) ويطمئن. ولا يُسَنُّ رفع اليدين في حالة الركوع وقيامه عندنا، خلافاً للشافعي فيهما لقول عليّ كرَّم الله وجهه: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبَّر، ورفع يديه حَذْوَ منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك». رواه أصحاب السنن، والطحاوي، وكذا البخاري في كتابه في رفع اليدين. ولقول ابن عمر: «رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة، رفع يديه حتى يكونا حَذْوَ منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبِّر للركوع، وحين يرفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في سجوده». كذا في لفظ البخاري. ولفظ مسلم: «كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة، رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم كبَّر، وإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله (١) حين يرفع رأسه من السجود». ولفظ الطَّحَاوي: قال: «رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع، ولا يرفع بين السجدتين». ولقول مالك بن الحُوَيْرِث: «إنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا كبَّر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، (فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك) (٢) ». رواه الشيخان والطَّحَاوي واللفظ لمسلم. ولقول وَائِل بن حُجْر: «رأيت رسول الله ﷺ حين يكبر للصلاة، وحين يركع، وحين يرفع رأسه من الركوع، جعل يديه حذاء أذنيه». رواه الطحاوي، وأخرجه مسلم بمعناه، وحكاه أبو هُرَيْرَة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك وغيرهم عنه ﷺ وقد جاءت عدة من الآثار بمعنى هذه الأخبار.

стр. 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ولنا ما روى الطَّحاوي عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ ﷺ «أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود». وأخرج أبو داود والتِّرْمِذِيّ عن وَكِيع بسنده إلى عبد الله (بن مسعود قال:) (١) «ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ فصلى، ولم يرفع يديه إلاَّ أوَّل مرة. وفي لفظ: فكان يرفع يديه أول مرة ثم لا يعود. وكان هو لا يرفع يديه في شيء من الصلاة إلا في الافتتاح». وما رواه عن البَرَاء بن عَازِب قال: «كان النبيّ ﷺ إذا كبَّر لافتتاح الصلاة، رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريباً من شحمتي أذنيه، ثم لا يعود». وأخرجه أبو داود عن شَرِيك، عن يزيد بن أبي زياد، وساقه بسنده ومعناه وفيه من الآثار. ما رواه الطَّحَاوي ثم البَيْهَقُي من حديث الحسن بن عَيَّاش بسنده إلى الأسود قال: «رأيت عمر بن الخطَّاب يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود. وقال: ورأيت إبراهيم والشَّعْبِيّ يفعلان ذلك». قال الطَّحَاوِي: والحديث صحيح، فإن مداره على الحسن بن عَيَّاش، وهو ثقة حجّة، ذكر ذلك يحيى بن مَعِين وغيره. أفَتَرَى عمر بن الخطاب خَفِي عليه أن النبي ﷺ كان يرفع في الركوع والسجود، وعَلِمَ ذلك مَنْ دونه، ومَنْ هو معه يراه يفعل غير ما رأى رسول الله ﷺ يفعل، ثم لا ينكر ذلك عليه؟ وهذا عندنا محال. وفِعلُ عمر هذا، وتَرْكُ أصحاب رسول الله ﷺ إياه على ذلك، دليلٌ صحيح أن هذا هو الحق الذي لا ينبغي لأحد خلافه. انتهى. وما رواه أيضاً عن أبي بكر النَّهْشَلِيّ: حدّثنا عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه: «أنَّ علياً كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يرفع بعده». وهو أثر صحيح. ورواه الدَّارَقُطْنِيّ من حديث النَّهْشَلِيّ وجعل وقفه على عليّ صواباً، ورفعه وهماً. فَترْكُهُ الرفع فيما روى هؤلاء يدل على انتساخه. وما رواه عن مُجَاهِد: قال: «صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة». فَتَرْكه بعد رواية: أن النبيّ ﷺ يفعله، لا يكون إلا بعد ما ثبت عنده انتساخ ما رأى أن النبيّ ﷺ يفعله. فظهر بما رَوَيْنا من الطرفين: ثبوت كلٍ من الأمرَيْن عن النبيّ ﷺ ثم اختلف أصحابه في بقائه وعدمه. فآثرنا قول ابن مسعود ومن وافقه، لِمَا قد عُلِمَ أنه كان في

стр. 253

ثُمَّ يُكَبِّرُ ويَسْجدُ، فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ === الصلاة أقوال مباحة، وأفعال جائزة من جنس هذا الرفع، وقد عُلِمَ نسخها. فلا بد أن يكون هو مشمولاً به، كما رُوِي عن ابن الزُّبَيْر ما يدلّ عليه. كيف لا وقد ثبت ما يعارضه ثبوتاً لا مردَّ له بخلاف عدمه، فإنه لا يتطرق إليه احتمال عدم الشرعية، لأنه ليس من جنس ما عُهِدَ فيه ذلك، بل من جنس السكوت الذي هو طريق ما أُجْمِعَ على طلبه في الصلاة ـ أعني الخشوع ـ. وعن إبراهيم: أنه ذكر عنده وَائِل بن حُجْر: «أنه رأى النبيّ ﷺ يرفع يديه عند الركوع وعند السجود، فقال: أعرابيٌّ لم يُصَلِّ مع النبيّ ﷺ صلاةً أُرى قبلها قط، أفهو أعلم من عبد الله بن مسعود وأصحابه؟ حَفِظَ، ولم يَحْفَظُوا». وفي رواية: وقد حدّثني من لا أحصي عن عبد الله: «أنه رفع يديه في بدء الصلاة فقط»، وحكاه عن النبي ﷺ وعبد الله عالم بشرائع الإسلام، وحدود الأحكام، مُتَفَقِّد لأحوال النبي ﷺ ملازم له في إقامته وأسفاره في جميع الأيام، وقد صلّى معه ما لا يُحْصَى، فيكون الأخذ به عند التعارض أولى من إفراد مقابله من القول بسنية كلٍ من الأمرين، والله أعلم. ومما يؤيد ما اختاره علماؤنا ما روى الطبرانيّ بسنده إلى ابن أبي ليلى عن الحَكَمِ، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: «لا تُرْفَع الأيدي إلاَّ في سبع مواطن: حين يفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت، وحين يقوم إلى الصفا، وحين يقوم على المَرْوَة، وحين يقوم مع الناس عشية عَرَفة، وبجَمْعٍ (١) والمَقَامَيْن حين يرمي الجمرة». ومما استدل لنا حديث جابر بن سَمُرَة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ (٢) ؟ اسكنوا في الصلاة». رواه مسلم، ويفيد النسخ. وحمله البخاري على آخر الصلاة عند التسليم. قلنا: العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب. إلاَّ أن آخر الصلاة لا يُقَال له في الصلاة. (ثُمَّ يُكَبِّرُ ويَسْجدُ) مُطْمَئِناً (فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ) لِمَا روى أصحاب «السنن» من حديث وَائِل قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه». وقال مالك بالعكس لقوله ﷺ «إذا سجد أحدكم فلا

стр. 254

ضَامًّا أصَابِعَهُ، ثُمٌ يَضَعُ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفيهِ، مُبْدِيًا ضَبْعَيْهِ، مُجَافِيًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، === يَبْرُك كما يَبْرُك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه». رواه أبو داود، والنَّسائي. قال أبو سُلَيْمَان الخَطَّابي: حديث وائل أثبت من هذا، وقيل إنَّه منسوخ. (ضَامَّاً أصَابِعَهُ) ليصير متوجّهاً إلى القبلة، كذا ذكره الشارح. وفيه أنه لا تَلازُم بين الضم والتوجه. (ثُمَّ يَضَعُ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ) لِمَا روى مسلم من حديث وائل: «أن رسول الله ﷺ لَمَّا سجد وضع وجهه بين كفيه». لكنه يُعَارِض ما في البخاري من حديث أبي حُمَيْد: «أنه ﷺ لَمَّا سجد وضع كفّيه حَذْو منكبيه». وفي معناه: في أبي داود والترمذي. ويُقَدَّم عليه حديث مسلم، لأن فُلَيْح بن سليمان الواقع في مسند البخاري وإنْ تَرَجَّحَ تثبيته، لكن قد تُكلِّمَ فيه: فَضَعَّفَه ابن مَعِين، وأبو داود، والنَّسائي وغيرهم. ولِمَا في «مسند إسحاق بن رَاهُوَيه»، قال: أخبرنا الثوريّ، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر قال: «رَمَقْت النبيّ ﷺ فلما سجد وضع يديه حَذْوَ أذنيه». ولِمَا في الطحاويّ عن حَفْص بن غِيَاث، عن الحَجَّاج، عن أبي إسحاق قال: «سألت البَرَاء بن عازب أين كان النبيّ ﷺ يضع جبهته (إذا صلّى؟) (١) قال: بين كفيه». قال بعض المحققين: ولو قال قائل: إنَّ السنة أن يفعل أيهما تيسَّر جمعاً للمرويات، بناء على أنه كان النبي ﷺ يفعل هذا أحياناً، إلا أن بين الكفين أولى، لأن فيه من تخليص المجافاة المسنونة ما ليس في الآخر، لكان حسناً. (مُبْدِياً) بالياء أي مُظْهِراً (ضَبْعَيْهِ) بفتح وسكون أي وسط عَضُده (٢) لقول مَيْمُونَة: «كان النبي ﷺ إذا سجد جافى، حتى يَرَى مَنْ خلفه وَضَحَ إبطيه»، أي بياضهما. وفي رواية «الصحيحين»: «فرَّج بين يديه حتى يَبْدُو بياضُ إبطيه». ولما في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن مالك بن بُحَيْنَة قال: «كان رسول الله ﷺ يُجَنِّحُ في سجوده حتى يرى وَضَح إبطيه». وقوله يُجَنِّحُ بجيم مفتوحة ونون مكسورة مشددة من الجَناح بالفتح أي: يُجَافي أو يُبَاعد بين جنبيه كما يشير إليه. قوله: (مُجَافِياً) أي مُبَاعِداً (بَطْنَهُ عَنْ فَخْذَيْهِ) لقول مَيْمُونة: «أن النبيّ ﷺ كان إذا سجد جَافَى حتى لو شاءت بهيمة أن تَمُرّ بين يديه لمَرَّت». رواه مسلم.

стр. 255

مُوَجِّهًا أَصَابعَ رِجْلَيهِ نَحْوَ القِبْلَةِ. ويَجُوزُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَجِدُ حَجْمَهُ، وتَسْتَقِرُّ جَبْهَتُهُ عَلَيهِ، === ولما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثوريّ، عن آدم بن عليّ البكْرِي قال: «رآني عمر وأنا أصلّي، لا أتجافى عن الأرض بذراعي فقال: يا ابن أخي، لا تَنْبَسِطْ بَسْطَ السَّبُعِ وادَّعِم على راحتَيْك، وأبْدِ ضَبْعَيك ». ورواه ابن حِبَّان والحاكم وصححاه مرفوعاً: «لا تنبسط بَسْطَ السَّبُع وادَّعِم على راحتيك». ولقوله ﷺ «اعتدلوا في السجود، لا يَبْسُط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب». متفق عليه. ولقوله ﷺ «لا تَنْبَسِط بسط السَّبُع، وادَّعِم على رَاحَتَيْكَ وأبْدِ ضَبْعَيك، فإنك إذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك». رواه ابن حِبّان والحاكم وصححاه. وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله ﷺ «أبْدِ ضَبْعَيكَ»، فلم يُعْرَف مرفوعاً. نعم ثَبَتَ أنه ﷺ «كان إذا صلّى فَرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه». حديث متفق عليه. وقوله ادَّعِم بتشديد الدال المهملة، وكسر العين المهملة أي: اتّكاء. (مُوَجِّهاً أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ القِبْلَةِ) لما روى البخاري من حديث أبي حُمَيْد السَّاعِدِيّ قال: «كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ رأيته إذا كبَّر جعل يديه حِذَاء منكبيه، وإذا ركع أمْكَنَ يديه من ركبتيه، ثم هَصَر ظهره ـ أي أماله ـ فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فَقَارٍ مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا ناصب، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة». وأما قول صاحب «الهداية» لقوله ﷺ «إذا سجد المؤمن، سجد كل عضو منه، فليوجه من أعضائه القبلة ما استطاع»، فليس بمعروف. (ويُسَبِّحُ ثَلَاثَاً) ولو زاد على الثلاثة، وختم بفرد لكان أحب، إلا أن الإمام لا يزيد بحيث يَمَلُّ القوم. (ويَجُوزُ) السُّجُودُ (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) أي من الجمادات والنباتات، دون الحيوانات إلا للضرورة. (يَجِدُ) المصلّي (حَجْمَهُ وتَسْتَقِرُّ جَبْهَتُهُ عَلَيْهِ) عطف تفسيري: وهو أنْ يكون بحيث لو بالغ في تسفيل رأسه لم ينزل. فلو سجد على الأَرُزِّ والذرة والجاوَرْس (١) لا يجوز، لأن الجبهة لا تستقر عليه. ولو سجد على الحِنْطَة أو الشعير جاز، لأن الجبهة تستقر عليه، كذا في «المحيط». وسُئِلَ الفقيه عبد الكريم الجُرْجَانيّ عن من وضع جبهته على الكف للسجدة

стр. 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فقال: لا يجوز. وقال غيره من أصحابنا: يجوز، وهو الأصح، كذا في «الظهيرية». ولا بد أنْ تكون الكف موضوعة على الأرض، وإلا فلا يجوز اتفاقاً. والأصح: أنه إذا سجد على فخذيه أو ركبتيه بعذر جاز، كذا في «شرح المُنْيَة». ولو سجد على كُمَّيْه أو ذيله أو كَور عِمامته يُكْرَه. وفي مذهب الشافعي: لا يصح، لقوله ﷺ «مَكِّنْ جبهتك من الأرض حتى تجد حجمها». وهذا مانع منه. وثوبه تابع له، فلا يصح السجود عليه. وفي «الحِلْيَة» عن ابنِ عباس: «أنّ النبيّ ﷺ كان يسجد على كَوْر عمامته». ورواه الطَبَرانيّ في «معجمه الأوسط» عن ابن أبي أوفى قال: «رأيت رسول الله ﷺ يسجد على كَوْر العمامة». ورواه ابن عَدِيّ في «الكامل» عن أنس: «أنّ النبيّ ﷺ كان يسجد على كور العمامة». وهكذا روى الحافظ أبو القاسم تَمَّامُ بن محمد الرَّازي في «فوائده» عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ وفي «سنن البيهقي» عن هِشَام، عن الحَسَنِ قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويَسْجُد الرجل منهم على عِمَامَته». وذكر البخاري في «صحيحه» تعليقاً فقال: «وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العِمَامة والقَلَنْسُوَة ، ويداه في كُمِّه». وفي الثوب ما رواه ابن أبي شَيْبَة في «مُصَنَّفِهِ» عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ صلّى في ثوب واحد يَتَّقِي بفُضُولِه (١) حَرَّ الأرض وبردها». ورواه أحمد، وأبو يَعْلَى المَوْصِليّ في آخرين. وفي الكتب الستة عن أنس قال: «كنّا نُصَلِّي مع النبيّ ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّنَ وجهه من الأرض، بَسَطَ ثوبه فسجد عليه». ولفظ البُخَاريّ: «كنا نُصَلِّي مع النبيّ ﷺ يضع أحدنا طرف الثوب من شدَّة الحر في مكان السجود». وهذا ظاهر في المَلْبُوس، وإرادة غيره خلافه، فلا يُصَار إليه، على أنّ الحائل (المنفصل) (٢) ليس بمانع منه اتفاقاً. ولم يَزِد (٣) ما نحن فيه إلا اتصاله به، ونمنع تأثيره في الفساد لو تجَرَّد عن الآثار، فكيف وفيه ما أوْرَدْنَاه وإنْ تُكُلِّمَ في بعضها، كفى ما بَقِيَ منها. وعلى فَرْض ضَعف كلها، كانت حسنة لتعدد طرقها وكثرتها. وقول الحسن: كان القوم … إلخ، يُقَوِّي ظنّ صحة المرفوعات، إذ ليس معنى الضعيف: الباطل في نفس الأمر، بل ما لم يثبت بالشروط المُعْتَبرة عند أهل الحديث، مع تجويز

стр. 257

وَعَلَى ظَهْرِ مَنْ يُصَلِّي صَلاتهُ في الزِّحَامِ. والمَرْأَةُ تَخْفِضُ وتُلْزِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا. ويَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبرًا، ويَجْلِسُ مُطْمَئِنًّا، ويُكبِّرُ ويَسْجُدُ مُطْمَئِنًّا ويُكبِّرُ ويَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيهِ، ويَقُومُ بِلا اعْتِمَادٍ عَلَى الأَرْضِ === صحته في حد ذاته، فيجوز أن تقوم قرينة تحقق ذلك. ثم لا يُكْرَه السجود على جلد ونَسْج وقُطْن وكَتَّان ونحو ذلك. وكرِهَهُ مالك لأنه ﷺ كان يطلب الخُمْرة (١) إذا أراد الصلاة ليسجد عليها. ولنا ما رُوِيَ أنه ﷺ سجد على فروة مدبوغة، وعلى بساط، وعلى حصير. ويَجِلُّ منصبه عن فعل المكروه. (وَ) يجوز السجود (عَلَى ظَهْرِ مَنْ يُصَلِّي صَلَاتَهُ) أي مع الإمام (في الزِّحَامِ) لضرورة ضيق المقام. وعند الشافعي، والحسن بن زياد: لا يجوز. وإن كان موضع السجود أرفع من موضع القدمين بأن كانت الأرض هَبُوطاً (٢) : إن كان التفاوت مقدار لَبِنَة أو لَبِنَتَيْنِ: يجوز. وإنْ كان أكثر: لا يجوز. أراد به المنصوبة لا المفروشة، كذا في «الظَّهِيريَّة». وعدم الجواز محمول على غير الضرورة. (والمَرْأَةُ تَخْفِضُ) حال السجود (وتُلْزِقُ بَطْنَهَا) من الإلزاق أي تُلْصقه (بِفَخِذَيْهَا) لأن ذلك أستر لها. (ويَرْفَعُ) المصلي (رَأْسَهُ) عن السجدة (مُكَبِّراً) للإعلام بالانتقال (ويَجْلِسُ مُطْمَئِناً) ولو لم يَسْتَو جالساً وسجد: أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد، بناء على أن الاستواء في الجِلْسَة سُنَّةٌ عندهما. والمعتمد في المذهب أنه واجب. وفي «الهداية»: الأصح أنه إنْ كان إلى السجود أقرب لا يجوز، لأنه يُعَدُّ ساجداً، أي فلا يتحقق تعدد السجود. وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز لأنه يُعَدُّ جالساً. وقالوا: وليس بين السجدتين ولا بعد الرفع من الركوع ذكر مسنون. وما ورد فيهما محمول على التَّهَجُّدَ. (ويُكَبِّرُ ويَسْجُدُ مُطْمَئِنَّاً ويُكَبِّرُ) أي للنهوض (ويَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ)، لِمَا تقدم من حديث أبي داود. (ويَقُومُ) على صدور قدميه، مُعْتَمِداً بيديه على رُكْبَتَيْهِ (بِلا اعْتِمَادٍ) بيديه (عَلَى الأَرْضِ) لقول ابن عمر: «نهى رسول الله ﷺ أنْ يَعْتَمِدَ الرجل على يديه (٣) إذا نهض

стр. 258

والرَّكْعَةُ الثَّانِيَة كَالأُولَى، لكن لا ثَنَاء، ولا تَعَوُّذَ، ولا رَفْعَ يَدٍ فِيهَا. === في الصلاة». رواه أبو داود وفي رواية: «أن يَجْلِسَ الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده». وفي أخرى: أنْ يصلي الرجل وهو معتمد على يده. وقد أخذ بظاهره الإمام مالك في الإرسال موضع الوضع. وقال الطحاوي: ولا بأس بالاعتماد على الأرض. وقال الشافعيّ: يَجْلِسُ جَلْسَة خفيفة. لِمَا روى البخاري عن مَالِكِ بن الحُوَيْرِث: «أنه رأى النبيّ ﷺ إذا كان في وِتْر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً». ولنا ما رواه التِّرْمِذيّ عن أبي هريرة: «أن النبيّ ﷺ كان يَنْهَضُ في الصلاة على صدور قدميه». قال التِّرْمِذِيّ: حديث أبي هريرة هذا عليه العمل عند أهل العلم. ورَوَى ابن أبي شَيْبَة، عن النُّعْمان بن أبي عيَّاش قال: «أدْرَكْتُ غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ إذا رفع أحدهم رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة، نهض كما هو ولم يَجْلِس». وروى أيضاً عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن الزُّبَيْر ﵃: «أنهم كانوا يَنْهَضُون في الصلاة على صدور أقدامهم». وأما ما رواه مَالِكُ بن الحُوَيْرث: فكان حال كِبَرِهِ ﷺ أو فَعَله أحياناً لبيان الجواز. وفي «الظهيرية»: قال شمس الأئمة الحَلْوانيّ: الخلاف إنما هو في الأفضلية، حتى لو فعل كما هو مذهبنا، لا بأس به عند الشافعيّ، ولو فعل كما هو مذهبه لا بأس به عندنا. (والرَّكْعَةُ الثَّانِيَة كَالأُولَى) أي في جميع أحوالها، وأقوالها (لكن لا ثَنَاء) فيها لأنه شُرِعَ أول الصلاة (ولا تَعَوُّذَ) لأنه شُرِعَ أول القراءة. وإنما يُعَاد إذا فُصِلَ بفعل، أو قول أجنبيّ عنها. (ولا رَفْعَ يَدٍ فِيهَا) أي في أول الركعة الثانية، بل ولا في غير حالة التحريمة. لما روى محمد في «مُوَطَّئهِ»: عن ابن أَبَان، عن إبراهيم النَّخَعِيّ: أنه قال: «لا تَرْفَع يَدَيْك في شيء من الصلاة بعد التكبيرة الأولى». وروى مسلم في «صحيحه» عن تَمِيم بن طَرَفَة، عن جابر بن سَمُرَة قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ؟ اسكنوا في الصلاة». وشُمْس (١) : ـ بضم المعجمة وسكون الميم ـ، جمع شَمُوس ـ بفتحها وضم الميم ـ أي: صعب. كذا ذكر بعض الشراح. واعترض البخاريّ في كتابه «رفع اليدين»: بأنَّ هذا الرفع كان في التشهد، لأنَّ عبد الله بن القِبْطِيّة قال: سمعت جابر بن سَمُرَة يقول: «كنّا إذا صلّينا خلف النبيّ ﷺ قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم، وأشار بيده إلى الجانبين. فقال: ما بال هؤلاء يُومِئُونَ بأيديهم كأنها أذناب خيل شُمْس. إنما يكفي أحدكم أنْ يضع يده على فَخِذه،

стр. 259

وإِذَا أَتمها افتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وجَلَسَ عَلَيْهَا، نَاصِبًا يُمْنَاهُ، مُوَجِّهًا أَصَابعَهُ نَحْوَ القِبْلةِ، وَاضِعًا يَدَيْهِ على فَخِذَيْهِ، مُوَجِّهًا أَصَابِعَهُ نَحْوَ القِبْلَةِ مَبْسُوطَةً. === ثم يسلم على أخيه من عن يمينه، ومن عن شماله». (وإِذَا أَتَمّها) أي الركعة الثانية (افتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وجَلَسَ عَلَيْهَا نَاصِباً يُمْنَاهُ مُوَجِّهاً أَصَابِعَهُ نَحْوَ القِبْلةِ) لِمَا روى النَّسائيّ، عن ابن عمر أنه قال: «مِنْ سنة الصلاة أنْ يَنْصِبَ القدم اليُمْنَى، ويستقبل بأصابعها القِبْلَة، ويَجْلِسَ على اليُسْرَى». ورواه البخاري من غير ذكر استقبال القِبْلَةِ بالأصابع. وروى مسلم عن عائشة: «كان رسول الله ﷺ يَفْتَتِحُ الصلاة بالتكبير إلى أن قالت: وكان يَفْرِشُ (١) رِجْلَه اليُسْرَى ويَنْصِبُ رجله اليُمْنَى، وكان يَنْهَى عن عُقْبَةِ الشيطان (٢) وينهى أن يَفْتَرِشَ الرجل ذراعيه افتراش السَّبُع. وكان يَخْتِمُ الصلاة بالتَّسْلِيمِ». (وَاضِعاً يَدَيْهِ على فَخِذَيْهِ) لقوله ﷺ في حديث ابن القِبْطِيَّة السابق: «إنما يكفي أحدكم أنْ يضع يده على فَخِذه». وينبغي أن يكون أطراف الأصابع على حرف الرُّكْبة لا مُبَاعِدَة عنه. (مُوَجِّهاً أَصَابِعَهُ) أي مُفَرَّقَة (نَحْوَ القِبْلَةِ مَبْسُوطَةً) أي لا مقبوضة. وفي «الظَّهِيريَّة»: ومتى أخذ في التشهد فانتهى إلى قوله: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، هل يشير بالسبابة من يده اليُمْنَى؟ اختلف المشايخ فيه، ثم كيف يصنع عند الإشارة؟ حُكِي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: يَعْقِدُ الخِنْصَرَ والبِنْصَرَ، ويُحَلِّقُ الوُسْطَى مع الإبهام ويُشيرُ بسبابته. وفي «المُنْيَة»: يكره الإشارة. قلت: وهو مخالف للرواية والدراية كما ذَكر الإمام ابن الهُمَام، فعن ابن عمر ﵄: «كان رسول الله ﷺ إذا قَعَدَ في التشهد وضع يده اليُسْرَى على ركبته اليُسْرَى، ووضع يده اليُمْنَى على ركبته اليُمْنَى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسَّبابَة». وفي روايةٍ: «كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصْبَعَه من يده اليُمْنَى التي تلي الإبهام يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطاً يده عليها». وعن ابن الزُّبَيْر: «كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى ويده اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسْرَى، وأشار بإصْبَعه السَّبابَة، ووضع إبهامه على إصْبَعه الوُسْطَى ويُلْقِمُ كفّه اليسرى ركبته». رواهما مسلم. وقد ذكر أبو يوسف في «الأمالي»: أنه يعقد الخِنْصَر والبِنْصَر ويُحَلِّق الوسطى والإبهام ويشير

стр. 260

والمَرْأَةُ تَجْلِسُ عَلَى أليتِها اليُسْرَى، مُخْرِجَةً رِجْلَيهَا مِنَ الجَانِبِ الأَيمَنِ. ويَتَشَهَّدَ كابْن مَسْعُودٍ، === بالسَبَّابة. وذكر محمد في «موطّئه»: «أنه ﷺ كان يُشِير ونحن نصنع بصنعه». قال: وهو قول أبي حنيفة. قلت: وهو قول سائر الأئمة فيكون عليه إجماع الأُمة. فلا اعتداد بخلاف بعض المشايخ المتأخرين من غير نسبة ولا بيان علة، كما أوضحته في رسالة مستقلة. وأما قول صاحب «الهداية»: ووضع يديه على فَخِذَيه وبسط أصَابِعَه وتشهد، يُرْوَى ذلك في حديث وائل فغير معروف عنه. بل رُوِي عنه: «وضع يده اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، ثم عقد الخِنْصَر والبِنْصَر، ثم حَلَّقَ الوسطى بالإبهام وأشار بالسَبَّابة». رواه البَيْهِقِيّ وابن ماجه بإسنادٍ صحيحٍ، قاله النَوَوِيّ. (والمَرْأَة تَجْلِسُ عَلَى أَلْيَتِها اليُسْرَى مُخْرِجَةً رِجْلَيْهَا مِنَ الجَانِبِ الأَيْمَنِ) لأنه أستر لها. (ويَتَشَهَّدُ) المُصَلِّي (كابْنِ مَسْعُودٍ) وهو ما رواه الجماعة ـ واللفظ لمسلم ـ قال: «عَلَّمَني رسول الله ﷺ التَشَهُّد، كَفِّي بين كَفَّيهِ، كما يُعَلِّمنِي السورة من القرآن فقال: إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التَحِيَّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ـ فإذا قالها أصابت كل عبد الله صالح في السماء والأرض ـ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله». وقال التِّرمِذِيّ: أصح حديث عن النبيّ ﷺ في التشهد حديث ابن مسعود والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. والتحيات، جمع التحية أي: أنواع الثناء والمِدْحَة. والصلوات: جمع الصلاة المعروفة، أو بمعنى الدعوات المألوفة. والطيبات: الكلمات الدالة على تسبيح الذات وتقديس الصفات. قال أبو سليمان الخَطَّابي عن أنس بن مالك في تفسير التحيات: «إنها أسماء الله، وهي السلام، المؤمن، المهيمن، الحيّ، القيوم، العزيز، الأحد، الصمد». قال: التحيات لله بهذه الأسماء، وهي الطيبات لا يُحَيَّى بها غيرُه. والصلوات الأدعية. وعن بعض المشايخ: التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات البدنية، والطيبات: العبادات المالية، يعني أن جميع العبادات لا يستحقها غير الله . واختار مالك تَشَهُّد عمر لِمَا ذكره في «الموطّأ»: أنَّ عمر كان يقول على المنبر

стр. 261

ولا يَزِيدُ عَلَيهِ. ويَقْرَأُ فِيمَا بَعْدَ الأُولَيَيْن الفَاتِحَةَ فَقَطْ سِرًّا. وإنْ سَبَّحَ أوْ سَكَتَ جَازَ. === للناس: «قُولُوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله». قلنا: يُرَجَّحُ تَشَهُّدُ ابن مسعود لِمَا روى الطَّحاوي عن ابن عمر: «أنَّ أبا بكر ﵁ عَلَّمه الناس على المنبر». واختار الشافعيّ تَشَهُّد ابن عباس. لِمَا رواه الجماعة غير البخاري عن سعيد بن جُبَيْر وطَاوُس، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنَا التَشَهُّدَ كما يُعَلِّمُنَا السورة من القرآن، فكان يقول: التحيَّات المباركات الصلوات الطيّبات لله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .. إلخ». مُعَرَّفٌ السلام في رواية مسلم وأبي داود وابن ماجه، ومُنَكَّرُهُ في رواية التِّرْمِذي والنِّسَائي. واتفقوا على إخفائه لقول ابن مسعود: «من السُّنَّة أنْ يُخْفِي التشهد»، رواه أبو داود، والتِّرْمِذي. (ولا يَزِيدُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى أحمد في «مسنده» من حديث ابن مسعود: «أن رسول الله ﷺ عَلَّمَه التشهُّد، فكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وَرِكِهِ اليُسْرَى: التَحيَّات لله، إلى قوله … عبده ورسوله». قال: «ثُمَّ إنْ كان في وسط الصلاة نهض حين يَفْرُغُ من تشهّده. وإن كان في آخرها دعا بعد تشهّده بما شاء أن يدعو، ثم يُسَلِّم». (ويَقْرَأُ فِيمَا بَعْدَ الأُولَيَيْن) من المَغْرِبَين والعَصْرَين (الفَاتِحَة فَقَطْ سِرّاً) لِمَا قَدَّمنا في الجهر والمخافتة، ولمَا روى الشيخان عن أبي قَتَادَة، عن النبيّ ﷺ «كان يَقْرَأُ في الركعتين الأُولَيين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الأُخْرَيَيْنِ بفاتحة الكتاب. ويُسْمِعُنا الآية أحياناً ويُطِيلُ في الركعة الأولى ما لا يُطِيلُ في الثانية، وهكذا في الصبح». ولقول جابر: «سُنَّة القراءة في الصلاة: أن يقرأ في الأُولَيَيْنِ بأمّ القرآن وسورة، وفي الأُخْرَيَيْنِ بأُمِّ القُرْآن». رواه الطَّبَرَانِيّ. وقيل: يجب قراءتها، وهي رواية الحسن، عن أبي حنِيفة، حتى يَلْزَمه بتركها سجود السهو. وكأنَّ وَجْهَهُ المُوَاظبة عليها، ولأن القيام في الأُخْرَيَيْن مقصود في نفسه فَيُكْرَه إخْلَاؤه عن القراءة. ولا سيما في مذهب الشافعيّ ومَنْ تَبِعَه: لا يصح بدون قراءة الفاتحة. (وإنْ سَبَّحَ أوْ سَكَتَ جَازَ) أي صَحَّت صلاته، لِمَا رَوَى ابن أبي شَيْبَة، عن شَرَيك، عن أبي إسحاق السَّبِيعِيّ، عن عليّ وابن مسعود أنهما قالا: «اقرأ في الأُولَيَيْن،

стр. 262

ثُمَّ يَقْعُدُ كالأُولَى، وبَعْدَ التَّشَهُّد يُصَلِّي علَى النَّبِيِّ ﷺ === وسَبِّح في الأُخْرَيَيْن». ومثل هذا لا يُقَال بالرأي، فهو في حكم المرفوع. ثم التسبيح ليس بفرض إجماعاً، فإذا سكت جاز. (ثُمَّ يَقْعُدُ كالأُولَى) مُفْتَرِشاً رجله اليُسْرَى وجالساً عليها، وناصباً رجله اليُمْنَى، ومُوَجِّهاً أصابعه نحو القِبْلَة، وواضعاً يديه على فَخِذَيه. وعند مالك التَّوَرُّك أفضل في القَعْدَتَيْن، ووافقه الشافعيّ في الأخيرة، لِمَا في الكتب الستة ـ سوى «صحيح مسلم» ـ من حديث أبي حُمَيْد السَّاعِدِيّ: «كنت أحْفَظَكم لصلاة رسول الله ﷺ إلى أنْ قال: فإذا جلس في الرّكْعَتَينِ، جلس على رجله اليُسْرَى ونصب اليُمْنَى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة، أخَّرَ رجله اليُسْرَى وقَعَدَ على شقّه متوركاً، ثم سلم». وفي لفظ البخاري: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة قَدَّم رِجله اليُسْرَى ونصب الأخرى وقعد على مَقْعَدَتِهِ». (وبَعْدَ التَّشَهُّد) الأخير (يُصَلِّيَ علَى النَّبِيّ ﷺ وهي سُنَّةٌ عندنا ويُسِيءُ تاركها، وليست بواجبة، وعليه الجمهور خلافاً للشافعي، لأنَّ كل من رَوَى التَّشَهُّد عن النبيّ ﷺ لم يذكرها فيه. وقد قال ابن مسعود وجابر وابن عباس: «يُعَلِّمُنا التَّشَهُّد، كما يُعَلِّمُنا السورة». كذا ذكره الشارح. وقد ورد أنه ﷺ قال: «إذا صَلَّى أحدكم فليبدأ بتمجيد (١) الله والثناء عليه، ثم ليُصلِّ على النبيّ ﷺ ثم ليَدْعُ بعدُ ما شاء». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث صحيح. وفي رواية البَّيْهَقِي والحاكم: «إذا تَشَهَّد أحدكم في الصلاة فَلْيَقُلْ: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، كما صلّيت وباركت وتَرَحَّمْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد». وسُئِلَ محمد بن الحسن عن كيفية الصلاة فقال: «اللهم صلّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد». وهذا أصح ألفاظ الصلاة، وقد أخرجه أصحاب الكتب الستة. قال الكَرْخِيّ: والصلاة على النبيّ ﷺ خارج الصلاة واجبة مرة في العمر على

стр. 263

ويَدْعُو بِمَا لا يُسْأَلُ مِنَ النَّاسِ، === الإنسان. قلت: لقوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عليه وسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (١) وهو أعمّ من أن يكون خارج الصلاة أو داخلها. وقال الطَّحَاوِيّ: يجب عند سماع اسمه في كل مرة، وهو الصحيح. كذا في «المحيط»، ويتداخل في المسجد والمجلس. وقال القاضي عِيَاض: وقد شَذَّ الشافعي فقال: من لم يُصَلِّ عليه فصلاته فاسدة، ولا سلف له في هذا القول، ولا سُنَّة يَتَّبِعُها. وشَنَّعَ عليه فيه جماعة منهم الطَّبَرَانِيّ والقُشَيْرِي، وخالفه من أهل مذهبه الخَطَّابِيّ وقال: لا أعلم له فيها قدوة. وما رُوِيَ عنه ﵊: «لا صلاة لمن لم يُصَلِّ عليّ» (٢) ، ضَعَّفَهُ أهل الحديث كلهم: وعلى فرض صحته فمعناه: كاملة، أو: لِمَنْ لم يُصَلِّ عليّ في عُمُرِه. وكذا ما جاء في حديث (أبي مسعود) (٣) عنه ﷺ «من صلّى صلاة لم يُصَلِّ عليّ فيها وعلى أهل بيتي لم يقبل الله منه» (٤) ، وهذا ضُعِّف بجَابرِ الجُعْفِي، مع أنه قد اخْتُلِفَ عليه في رَفْعَه ووَقْفه. (ويَدْعُو) بعد الصلاة على النبيّ ﷺ (بِمَا لا يُسْأَلُ مِنَ النَّاسِ) لِمَا مَرَّ من قوله ﷺ في صحيح مسلم: «إنّ هذه الصلاة لا يَصْلُحُ فيها شيء من كلام النَّاس، إنما هي التسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن». أي ونحوها من سائر الأدْعِية والأذْكَار فلو قال: اللهم ارْزُقْنِي من بَقْلِها وقِثَّائِها (٥) وفُومها، جاز. ولو قال: أعطني بقلاً وقثاء وفوماً، فسدت صلاته إنْ لم يَقْعُد قدر التشهد، وإن قعد تَمَّتْ وخرج به من الصلاة. وعند الشافعي يجوز أنْ يدعو بما شاء مطلقاً. والأَوْلَى أنْ يدعو بالأدعية المَأْثُورة منها قوله ﷺ «إذا فَرَغَ أحدكم من التَّشَهُّد الآخر فَلْيَتَعَوَّذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المَحْيا والممات، ومن فتنة شر المسيح الدجّال» (٦) . ومنها قول عائشة: «كان النبيّ ﷺ يدعو

стр. 264

ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ بِنِيَّةِ مَنْ ثَمَّةَ مِنَ البَشَرِ والمَلَكِ، ثُمَّ عَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ === في الصلاة يقول: اللهم إني أعوذ بك من المَأْثَم والمَغْرَم» (١) . متّفق عليه. ومنها قول أبي بكر الصديق ﵁: قلت: يا رسول الله عَلِّمْنِي دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يَغْفِرُ الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارْحَمْنِي إنك أنت الغفور الرحيم». متّفقٌ عليه. ومنها قول عليّ: «كان النبيّ ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبَّر، ثم قال: وَجَّهتُ وَجْهِيَ، إلى أن قال: ثم يكون آخر ما يقول بين التَّشَهُّد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ، وما أَسْرَرْتُ وما أَعْلَنْتُ، وما أَسْرَفْتُ وما أنت أعلم به مني، أنت المُقَدِّمُ، وأنت المُؤَخِّرُ، لا إله إلا أنت». رواه مسلم. ومنها قول مُعَاذ: «أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: إني لأُحِبُّك يا مُعَاذ، فقلت: وأنا أُحبك يا رسول الله. قال: فلا تَدَعْ أنْ تقول في كل صلاة: رَبِّ أعِنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». رواه أبو داود والنَّسائي. والحاصل: أنه يدعو عندنا وعند مالك بما يَسْتَحِيل طلبه من الناس خاصة، كسؤال الرحمة والمغفرة والعافية، والتَّعوُّذ من الفتنة والمحنة. وأطلقه الشافعي، وكذا مالك في رواية لقوله ﷺ «ثم لِيَتَخَيَّر أحدكم من الدعاء أعْجَبَه إليه فيدعو به». رواه التِّرْمِذِيّ وابن ماجه في حديث التشهد. قلنا: يعارضه حديث: «إنَّ صلاتنا هذه لا يَصْلُحُ فيها شيء من كلام الناس». وما لا يستحيل سؤاله منهم فهو كلامهم ويُقَدَّم عليه لأنه مانع، وذلك مبيح. (ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ بِنِيَّة مَنْ ثَمَّة مِنَ البَشَرِ والمَلَكِ) وتنقطع التحريمة بتسليمة واحدة. فقيل الثانية: سنة، والأصح أنها واجبة. (ثُمَّ عَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ) أي بنية من هناك. لأن المُصَلِّي لَمَّا اشْتَغَلَ بالمناجاة فكان كالغائب عمن معه فيسلم عليه عند فراغه. وقال مالك: يُسَلِّمُ الإمام والمنفرد بتسليمة واحدة تلقاء وجهه يميل إلى الشق الأيمن. وهو مَرْوِي عن ابن عمر وعائشة. ولنا ما رَوَى أصحاب «السنن الأربعة» عن ابن مسعود، وصححه التِّرْمِذِيّ: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يُسَلِّمُ عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله حتى يُرَى بياض خده الأيمن. وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله حتى يُرَى بياض خده الأيسر».

стр. 265

والمُؤْتَم يَنْوِي إمَامَهُ في جَانِبِهِ، وفِيهِمَا إنْ حَاذَاهُ، والمُنْفَرِدُ المَلَكَ فَقَطْ. فَصْلٌ [فيما يَجهَرُ به الإِمَامُ] يَجْهَرُ الإِمامُ في الجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والفَجْرِ، وأُولَيَي العِشَاءَيْنِ أَداءً وَقَضَاءً === (والمُؤْتَمُّ يَنْوِي إمَامَهُ في جَانِبِهِ) أي يميناً كان أو يساراً (وفِيهِمَا إنْ حَاذَاهُ) لأن المحاذي ذو حظٍ من الجانبين. وهو قول محمد وروايةٌ عن أبي حنيفة. واقتصر أبو يوسف على نيته في التسليمة الأولى فقط. (والمُنْفَرِدُ) يَنْوِي (المَلَكَ فَقَطْ) لأنه ليس معه غيره. وقيل: الإمام لا يَنْوِي مطلقاً لأنه يُشِيرُ إليهم ويَجْهَرُ بهما وهو فوق النية. ثم يُسَلِّمُ المأموم مع إمامه ويُحْرِم معه عند أبي حنيفة تحقيقاً للمُتَابعَة. وقالا: يُسَلِّمُ معه ويُحْرِمُ بعد إمامه. ولا دلالة في قوله ﷺ «إذا كبَّر فَكبِّروا» (١) والخلاف في الجواز. وعن أبي حنيفة: يُسَلِّمُ المأموم بعد إمامه ويُحْرِمُ معه. ووجه الفَرْقِ أنّ الإحرام: شروع في العبادة: والسلام خروج عنها. ويُسْتَحَبُّ المبادرة في الأول دون الثاني. فصلٌ (فيما يَجْهَرُ به الإِمَامُ) (يَجْهَرُ الإِمامُ) وجوباً (في الجُمُعَةِ والعِيدَيْنِ) أي في صلاتهما. لِمَا رواه الجماعة إلا البُخَارِيّ من حديث النُّعْمَان بن بَشِير: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يَقْرَأُ في العيدين ويوم الجمعة بـ: ﴿سَبِّحْ اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾». وقال النَّوَوِي: أجمع المسلمون على كونها رَكْعَتين يُجْهَرُ فيها. (والفَجْرِ) لما روى أبو داود عن ابن عامر: «كنت أقود برسول الله ﷺ ناقة في السفر، فقال: ألا أُعَلِّمُكَ خير سورتين قُرِئَتَا، فَعَلَّمَنِي: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. قال: فلم يَرَنِي سُرِرْتُ بهما جداً فَلَمَّا نزل لصلاة الصبح صلّى بهما». (وأولَيَي العِشَاءَيْنِ) لِمَا روى البخاريّ عن جُبَيْر بن مُطْعِمٍ قال: «سمعت رسول الله ﷺ قرأ بالمغرب بـ: «الطور» ـ أي بسورة الطور ـ كلها أو بعضها». ولِمَا رُوِيَ أيضاً عن البراء قال: «سمعت رسول الله ﷺ يَقْرَأُ بـ: ﴿التين والزيتون﴾ في العشاء، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه». وهذا كله مجمع عليه. وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة. (أَداءً) قَيْدٌ لِمَا قبلها من الصلوات الثلاث (وَقَضَاءً) لِمَا رَوَى مالك في «المُوَطَّأ»

стр. 266

لا غَيْرَ. === عن زيد بن أَسْلَم قال: «عَرَّسَ (١) رسول الله ﷺ ليلةً بطريق مكة، فذكر نومهم وقيامهم وصلاتهم. وأنه ﷺ قال: «يا أيُّها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردها. فإذا رَقَد أحدكم عن الصلاة أو نَسِيَها، ثم فَزِعَ (٢) عليها فَلْيُصَلِّها كما كان يُصَلِّيها في وقتها». ورَوَى محمد بن الحَسَنِ في كتابه «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِي قال: «عَرَّسَ رسول الله ﷺ فقال: من يَحْرُسُنا الليلة؟ فقال رجل شاب من الأنصار: أنا يا رسول الله أحْرُسُكُم فَحَرَسَهُم، حتى إذا كانوا في الصبح غَلَبَتْهُ عينه فما استيقظوا إلا بحَرِّ الشمس، فقام رسول الله ﷺ فَتَوَضَّأَ وتَوَضَّأَ أصحابه. وأمر المُؤَذِنَ فأَذَّن، وصَلَّى ركعتين، ثُمَّ أُقِيمَت الصلاة فصلّى الفجر بأصحابه، وَجَهَرَ فيها بالقراءة كما كان يصلي بها في وقتها». وروى مسلم عن أبي قَتَادَة في قصة نومهم من صلاة الفجر قال: «ثم أذَّنَ بلال بالصلاة فصلّى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلّى الغُدْوَة (٣) ، فصنع كما كان يصنع كل يوم». (لا غَيْرَ) أي لا يَجْهَرُ الإمام في الظهر والعصر وثالثة المغرب وأُخْرَيَي العشاء. لما رَوَى البخاري من حديث مَعْمَر قال: «قلنا لخَبَّاب بن الأَرَتّ: هل كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بمَ كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته». وتقدم أنه كان يُسْمِعُنا الآية والآيتين أحياناً. ورَوَى عبد الرَّزَّاقِ في «مصنفه» عن مُجَاهِد وأبي عُبَيْدَة: أنهما قالا: «صلاة النَّهار عَجْماء». أي: لا قراءة مسموعة فيها. قال صاحب «الهداية» ويُخْفِيها الإمام في الظهر والعصر وإن كان بعَرَفة، لقوله ﵊: «صلاة النهار عجماء». واخْتُلِفَ في رفعه ووقفه على ابن عباس. قال النوَوِي: عن أبي هريرة رَفَعَهُ «مَنْ جهر بالقراءة في صلاة النهار فارْمُوه بالبَعْر». ويقول: «إنَّ صلاة النهار عَجْمَاء». ثم قال: إنه باطل لا أصل له. لكن روى ابن شاهين عن أبي هريرة قال: «إذا رأيتم من يجهر بالصلاة في صلاة النهار فارموه بالبَعْر». وذكر ابن أبي شَيْبَة، عن يَحْيَى بن أبي كَثِير: «قالوا: يا رسول الله إنّ ههنا قوماً يَجْهَرُون بالقراءة في النهار فقال: ارْمُوهم بالبَعْرِ». ورُوِيَ عن عمر ﵁: أنَّ رجلاً جهر بالقراءة نهاراً فدعاه فقال: «إنّ صلاة النهار لا يُجْهَرُ فيها بالقراءة فأسِرَّ قراءتك». رواه ابن أبي شَيْبَة. وقال صاحب «الهداية»: وفي عَرَفة خلاف مالك، وهذا غير معروف عند

стр. 267

والمُنْفَرِدُ خُيِّرَ إن أَدَّى، وَخَافَتَ حتْمًا إنْ قَضَى. وأدْنَى الجَهْر إسْمَاعُ غَيرِهِ، وأدْنَى المُخَافَتَةِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ، هُوَ الصَّحِيحُ. وكَذَا في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بالنُّطْقِ، كالطَّلاقِ، والعَتَاقِ، والاستِثْنَاءِ وغَيرِهَا. === أصحابه. (والمُنْفَرِدُ خُيِّرَ إن أَدَّى) أي ما يجهر الإمام فيه لا فيما يُخَافِتُ فيه أيضاً، كما يوهم إطلاق المتن. وإنَّما يُسِرُّ لأَنه غير محتاج إلى إسماع غيره، بخلاف الإمام. ومع هذا الجهرُ أفضل ليكون على هيئة الجماعة. (وَخَافَتَ حتْماً) أي وُجوباً (إنْ قَضَى) ما يجهر الإمام. وفي «الهداية»: هو الصحيح: لأن الجهر يَخْتَصُّ إما بالجماعة حتماً، أو بالمنفرد في الوقت تَخْيِيراً، ولم يوجد أحدهما. واختار شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وجماعة من المتأخرين: أنّ حُكْمَ المنفرد إنْ قَضَى كحكمه إنْ أدَّى في التخييرِ وأفضليةِ الجهر، لأن القضاء يكون على وَفْق الأداء. قال قاضيخان: وهو الصحيح. وقال صاحب «الذَّخِيرَة»: وهو الأصح. وأُجِيبَ عن استدلال صاحب «الهداية»: بمنع الحصر لجواز أنْ يكون للجهر تخيير بسبب آخر، وهو موافقة الأداء. (وأدْنَى الجَهْرِ) عند أبي جعفر الهِنْدُوَاني وأبي بكر محمد بن الفضل (١) (إسْمَاعُ غَيْرِهِ) أي إسماعه مُغَايِراً واحداً وهو الذي يكون بقربه فَرْضاً، لِيَصِحَّ قوله: أدنى، فأقصى الجهر ما يتجاوزه. (وأدْنَى المُخَافَتَةِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ) أي فقط عندهما أيضاً. وعلى هذا يكون أقْصَى المُخَافَتَة إسماع غيره. فرجع حاصله إلى أَدْنَى الجهر. ولهذا لم يُذْكَر في «الهداية» لفظ أدْنَى في المَوْضِعَيْنِ، ولا يَبْعُد أن يقال: المراد بأدناهما: أدنى ما يُطْلَقُ عليهما، ولا مفهوم له في جانب المُخَافَتَة. (هُوَ الصَّحِيحُ) لأن حركة اللسان بدون الصوت، لا تُسَمَّى قراءة لا لغةً ولا عُرْفاً. وقال الكَرْخِيّ: أدنى الجهر أنْ يُسْمِعَ نفسه، وأدنى المخافتة أنْ يُصَحِّحَ الحروف، لأن القراءة فعل اللسان، وذلك بإقامة الحروف لا بالسماع لأنه فعل الأُذُنِ. وفيه أنَّ الحرف صوت يَعْتَمِدُ على مَخْرجٍ محقَّقٍ أو مُقَدَّرٍ، فلا يتحقق بدونِ السمع، وغيره يكون خاطراً وخيالاً. (وكَذَا) الخلاف (في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بالنُّطْقِ كالطَّلَاقِ والعَتَاقِ والاسْتِثْنَاءِ وغَيْرِهَا) كالشرط في الطلاق والعتاق، والتسمية للذبيحة، والتلاوة للسجدة، والإيجاب والقبول

стр. 268

وسُنَّةُ القِرَاءَة في السَّفَرِ عَجَلَةً: الفَاتِحَةُ مَعَ أيِّ سُورَة شَاءَ، وآمِنًا نَحْوَ البُرُوجِ، وفي الحَضَرِ اسْتَحْسَنُوا طِوَالَ المُفَصَّلِ: في الفَجْرِ والظُّهْرِ، وأَوْسَاطَهُ في العَصْرِ والعِشَاءِ، وقِصَارَهُ في المَغْرِبِ. ومِنَ الحُجُرَاتِ طِوَالٌ إلى البُرُوجِ، === في البيع والنكاح وأمثالها. (وسُنَّةُ القِرَاءَة في السَّفَرِ عَجَلَةً) أي حال كونه ذا عَجَلة (الفَاتِحَةُ مَعَ أيِّ سُورَةٍ شَاءَ) لِمَا روى البخاريّ عن البَرَاءِ عن النَّبيّ ﷺ «كان في سفر فقرأ في العِشَاء في إحدى الركعتين بـ: التين والزيتون». (وآمِناً) أي وحال كونه ذا أمْنٍ غيرَ مستعجل (نَحْوَ البُرُوجِ) مع الفاتحة لإمكان مُرَاعَاةِ السُّنَّة بذلك مع التخفيف. (وفي الحَضَرِ) عطف على في السفر (اسْتَحْسَنُوا) أي اسْتَحَبَّ العلماء في غير الضرورة (طِوَالَ المُفَصَّلِ في الفَجْرِ والظُّهْرِ)، وأُلْحِقَ الظهر بالفجر لمساواته إياه في سَعَةِ الوقت. وقال في «الأصل»: أو دونه، لما رُوِيَ عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى «أن اقرأ في الظهر بأوساط المُفَصَّل». ولأنّ وقت الظهر وإن كان مُتَّسِعاً، إلاّ أنه وقت اشتغال الناس في مهماتهم بخلاف الصبح، ويُسَمَّى مُفَصَّلاً لكثرة فصوله وهو السُّبْع السابع. (وأَوْسَاطَهُ في العَصْرِ والعِشَاءِ، وقِصَارَهُ في المَغْرِبِ) لِمَا روى عبد الرَّزَّاقِ في «مصنّفه» عن سُفْيَان الثَّوْرِي، عن علي بن زَيْد بن جَدْعَانَ، عن الحسن، وغيره قال: «كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بِقِصَارِ المُفَصَّل». وفي العِشَاء بأَوْسَاط المُفَصَّل، وفي الصبح بِطِوَال المُفَصَّل، والعصر كالعشاء في استحباب التأخير فَيُلْحَقُ بها في التقدير. وروى مسلم من حديث جابر بن سَمُرَة: «أنّ النبيّ ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ: «قاف» وكانت صلاته تخفيفاً». وروى أيضاً من حديث أبي بَرْزَة قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المئة». ولفظ ابن حِبَّان: «بالستين إلى المئة». وروى النَّسائِيّ عن سُلَيْمان بن يَسَار، عن أبي هريرة قال: «ما رأيت أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان. قال سليمان: كان يُطِيلُ الركعتينِ الأُولَيَيْنِ من الظهر، ويُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ، ويُخَفِّفُ في العصر، ويقرأ في المغرب بقِصَار المُفَصَّل، ويقرأ في العشاء وسط المُفَصَّل، ويقرأ في الغداة بِطِوالِ المُفَصَّل. قال النووي: إسناده حسن. (ومِنَ الحُجُرَاتِ طِوَالٌ إلى البُرُوجِ) قاله الحَلْوَاني وغيره من أصحابنا. (وقيل:

стр. 269

ثُمَّ أَوْسَاطٌ إلى ﴿لَمْ يَكُنِ﴾، ثُمَّ قِصَارٌ إلى الآخِرِ. وفي الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ الحَالِ. وكُرِهَ تَعْيِينُ دُورَةٍ لِصَلاة. ويَنْصِتُ المُؤْتَمُّ، === من سورة القتال) (١) ، وقيل: من القاف، وقيل: من الجاثية، وقيل: من الفتح. (ثُمَّ أَوْسَاطٌ إلى ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ ثُمَّ قِصَارٌ إلى الآخِرِ) أي آخر القرآن. (وفي الضَّرُورَةِ) يقرأ (بِقَدْرِ الحَالِ) من العَجَلةِ والإقَامَةِ. إذ قد رُوِيَ: «أنه ﵊ قرأ المعوذتين في الفجر». (وكُرِهَ) عندنا وعند مالك (تَعْيِينُ سُورَةٍ) أي غير الفاتحة (لِصَلاةٍ) من الصلوات. واسْتَحَبَّ الشَّافِعِي قراءة سورة «السجدة» و «هل أتى» في الفجر كل جمعة، و «سبِّح اسم ربك الأعلى» و «الغاشية» في صلاة الجمعة. وقَيَّدَ الطَّحَاوِي والإِسْبِيجَابيّ الكراهة فيما إذا اعتقد أن الصلاة لا تجوز بغيرها. وأما إذا لم يعتقد ذلك ولَازَمَها لسهولتها عليه، أو تبرّكاً بقراءة النبيّ ﷺ إياها كقراءة: سورة «سبّح اسم» و «قُلْ يا أيُّها الكافرون» و «الإخلاص» في الوتر. وقراءة «الكافرون» و «الإخلاص» في سنة الفجر والمغرب، وركعتي الإحرام، وصلاة الطواف على ما ورد. وقراءة «السجدة»، و «هل أتى» في بعض الأحيان في فجر الجُمُعَة، فلا يُكْرَهُ بل يكون حَسَناً. فتركه مُطْلَقاً غير مُسْتَحْسن، وإنما شُرِطَ أنْ يقرأ غيره أحياناً لئلا يظن الجاهل أنَّ غيره لا يُجْزِاءُ. (ويَنْصِتُ المُؤْتَمُّ) ولا يقرأ سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية لقوله تعالى: ﴿وإِذَا قُرِاء القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنْصِتُوا﴾ (٢) . روى البَيْهَقِي عن أحمد بن حنبل أنه قال: «أجمع الناس على أَنْ هذه الآية في الصلاة». ورَوَى البَيْهَقِيّ عن مجاهد قال: «كان رسول الله ﷺ يَقْرَأُ في الصلاة، فسَمِعَ قراءة فتى من الأنصار فنزل». وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي هريرة: «نزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله ﷺ . وكذا روى ابن أبي شَيْبَة في «المُصَنَّف»، ومحمد بن الحسن في «الموطأ»، والطَّحاوي في «معاني الآثار». وروى أبو دَاوُدَ في «سننه» من حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَّ به». وفيه: «وإذا قرأ فأنصِتوا» (٣) ، وكذا رواه النَّسائِي. وروى مُسْلِم في غير صحيحه من حديث أبي موسى الأَشْعَرِيّ: «إذا كَبَّر الإمام فَكَبِّرُوا وإذا قرأ فأنْصِتُوا».

стр. 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وفي «الأصل»: القراءة خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها هل يكره؟ اختلف فيه المشايخ: فبعضهم قالوا: لا يُكْرَه، أي عند الأئمة الثلاثة. وإليه مال الإمام أبو حَفْصٍ. وبعض مشايخنا قالوا: على قول محمد لا يُكْرَه. وعند أبي حنيفة وأبي يُوسُفَ يُكْره، كذا في «الخُلَاصة». فوجه عدم الكراهة الاحتياط لعموم الآية والأحاديث المُطْلَقة واختلاف الأئمة. حتى قال الشافعي ببطلان صلاة المُقْتَدِي إنْ لم يقرأ الفاتحة مُطْلَقاً. وقال مالك: بوجوب القراءة عليه في السِّرِّيَةِ. فدل على أنَّ المراد بالقراءة: قراءة الفاتحة. وبه يبطل قول من قال: إنّ القراءة عند عدة من الصحابة تُفْسِد الصلاة. والمعتمد أنَّ منع المُقْتدي عن القراءة مأثور عن ثمانين نفراً من أكابر الصحابة، لكن القول بالفساد فاسد. ومحمول على ما عدا الفاتحة، أو على الجهر المُشَوِّشِ للإمام وغيره. ووجه الكراهة ما روى محمد في «مُوَطئه» عن سعد بن أبي وَقاص قال: وددت أنَّ الذي يقرأ خلف الإمام في فِيهِ جَمْرة. ورواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه». إلاَّ أنه قال: «في فِيه حَجَر». وفيه أنه يمكن حمله على الجهرية، بل يتعين لأن مذهب محمد جوازه في السِّرِّية. وروى محمد أيضاً عن نافع، عن ابن عمر «أنه كان إذا سُئِلَ: هل يقرأ أحد مع الإمام؟ قال: إذا صلّى أحدكم مع الإمام فحسبه قراءة الإمام»، وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام. وروى سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وشُعْبَة، وإسرائيل بن يُونس، وشَرِيْك، وأبو الأَحْوَص، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وجَرِير بن عبد الحَمِيد، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن النبيّ ﷺ (مرسلاً) (١) : «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة». ورواه أحمد في «مسنده» عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر مرفوعاً. والحاصل: أن المذهب عندنا اكتفاؤه بقراءة إمامه وكراهة قراءته. أما الاكتفاء فلقوله ﷺ «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة». رواه ابن ماجه في «سننه» إلاَّ أنَّ في سنده جابراً الجُعْفِي، وقد رُوِيَ عن أبي حنيفة أنه قال: ما رأيت أكذب من جابر الجُعْفِي. ورواه محمد بن الحسن في «مُوَطَّئه»: أخبرنا أبو حنيفة: حَدَّثنا أبو الحَسَن مُوسَى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن جابر، عن النبيّ ﷺ قال: «من صلّى خلف الإمام، فإن قراءة الإمام له قراءة». وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي حنيفة، مقروناً بالحسن بن عُمَارة بالإسناد المذكور.

стр. 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال: لم يُسْنِدْه غير أبي حنيفة والحسن. انتهى. وهو غير صحيح، قال أحمد بن مَنِيع في «مسنده»: أخبرنا إسحاق الأزرق: حدَّثنا سُفْيَان وشَريك عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة». قال: وحدّثنا عبد بن حُمَيْد: حدَّثنا أبو نُعَيْم: حدَّثنا الحسن بن صالح، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر، عن النبيّ ﷺ والإسناد الأول صحيح على شرط الشيخين، والثاني على شرط مسلم. وأخرجه ابن عَدِي عن أبي حنيفة في ترجمته، وذكر فيه قصة، وبها أخرجه الحاكم قال: حدَّثنا أبو محمد بن أبي بَكْر بن محمد بن حَمْدَان الصَّيْرَفِيّ: حدّثنا عبد الصَّمَد بن الفضل البَلْخِيّ: حدّثنا مَكِيّ بن إبراهيم، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد بن الهاد، عن جابر بن عبد الله: «أن النبيّ ﷺ صلّى ورجل خلفه يقرأ. فجعل رجل من أصحاب النبيّ ينهاه عن القراءة في الصلاة، فلما انصرف أقبل عليه الرجل وقال: أتَنْهَاني عن القراءة خلف رسول الله ﷺ فتنازعا حتى ذُكِرَ ذلك للنبيّ ﷺ فقال النبيّ ﷺ من صلّى خلف الإمام فإنَّ قراءة الإمام له قراءة». وفي رواية لأبي حنيفة: «أنَّ رجلاً قرأ خلف رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر، وأوْمأ إليه رجل فنهاه، فَلَمَّا انصرف قال: أتنهاني؟ … » الحديث. قال بعض المحققين: ويفيد أنّ أصل الحديث هذا (١) ، غير أنّ جابراً رَوَى محل الحُكْم فقط تارة، والمجموع أخرى، ويتضمن رد القراءة خلف الإمام، لأنه خرج تأييداً لنهي الصحابيّ عنها مطلقاً في السرِّية والجهرية، خصوصاً في رواية أبي حنيفة أن القصة كانت في الظهر أو العصر لإباحة فعلها وتركها، فيُعَارِض ما رُوِي في بعض روايات حديث: «ما لي أُنَازَعُ القرآن» إلى أن قال: «إنْ لا بدَّ، فالفاتِحَة». وكذا ما رواه أبو داود والتِّرْمِذِي عن عُبَادة بن الصَّامِت قال: كنّا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فَثَقُلَتْ عليه القراءة، فلمَّا فَرَغ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم»؟ قلنا: نعم يا رسول الله. قال: «لا تفعلوا إلاَّ بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». ويُقَدَّم لتقدم المنع على الإطلاق عند التعارض، ولقوة السند. فإنّ حديث: «من كان له إمام» أصح. انتهى. ولا يخفى أنّ دعوى تضمنه رد القراءة خلف الإمام، ومعارضته لما رُوِيَ، غيرُ

стр. 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === تامة، لأنها في حَيِّز المنع. وعلى فرض تسليمها يقال: إنما نهاه عنها لجهره بالقراءة، بدليل سماعه لقراءته، وقوله ﷺ «مالي أُنَازَع القرآن». ولا تثبت المعارضة مع إمكان التوفيق، فَيُحْمَل النهي عن الجهر بها، لاستلزامه المنازعة المذكورة في الحديث. والأمر بها على السرية، بدليل قول أبي هريرة في حديث «قَسَمْتُ الصلاة»: اقرأ بها في نفسك» (١) . فلا يتم بهذا القدر المنع عن القراءة خلف الإمام مطلقاً، وإنما يُفِيد المنع عنها مقيداً. وأمَّا الكراهة فلظاهر قول سعد بن أبي وَقَّاص: وَدِدْتُ أنَّ الذي يقرأ خلف الإمام في فِيه جَمْرة. رواه محمد بن الحسن، عن داود بن قيس الفَرَّاء المَدَنِيّ قال: «أخْبَرني بعض ولد سعد عنه». ورواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، إلاَّ أنه قال: «في فِيه حَجَر». وقول عمر: «ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حَجَراً». رواه محمد بن الحسن، عن داود بن قَيْس، عن ابن عَجْلان، عن عمر ﵁. ورواه عبد الرزاق أيضاً. وقول عليّ ﵁: «من قرأ خلف الإمام، فقد أخطأ الفِطْرة (٢) ». رواه ابن أبي شَيْبَة، وعبد الرَّزَّاق في «مصنفيْهما» عنه. ولكن يُخَصُّ منه ما رواه الطحاوي، عن عليّ ﵁: «أنه كان يأمر، أو يحب أنْ يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأُولَيَيْن بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأُخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب». وأخرج أيضاً عن حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عن أبي حَمْزَة قال: «قلت لابن عباس: أقرأ والإمام بين يديّ؟ فقال: لا». وكذا عن عبد الله بن مِقْسَم: «أنه سأل عبد الله أبن عمر، وزَيْد بن ثابت، وجابر بن عبد الله ﵃ فقالوا: لا تقرأ خلف الإمام في شيء من الصلاة. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن جابر قال: «لا تقرأ خلف الإمام إنْ جهر، ولا إنْ خافت». وفي «مُوَطَّأ محمد بن الحسن»، عن ابن مسعود: نحوه. فهذه الأخبار الصريحة، المَعْضُودَة بالآثار الصحيحة، تقتضي إخراج المقتدي على طريقة الشافعيّ مطلقاً، وعلى طريقتنا أيضاً من عموم الآية والحديث، لأنه خُصَّ منهما مُدْرِك الإمام في الركوع إجماعاً.

стр. 273

وكَذَا في الخُطْبَةِ. إلَّا إذا قَرَأَ يَا أَيُّها الَّذِين آمَنُوا صَلُّوا عَليه فيُصَلِّي السامعُ سِرًا. [فَصْل في صَلاةِ الجَمَاعَةِ] والجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. === والمسبوق يقضي فائتته بعد فراغ الإمام، لأنه مُنْفَرِد فيما سُبِق، فيأتي بالقراءة ولو كان قرأ مع الإمام، بخلاف ما لو قنت معه، فإنه لا يقنت فيما يقضي. ولو أدرك الإمام في ثالثة المغرب قضى الأُولَيَيْنِ بِجلْسَتَين، يَجْلِس على رأس كل ركعة، لأن ما صلّى مع الإمام أول صلاته وهو ركعة. ويَتَشَهَّدُ لموافقة الإمام، فإذا صلّى ركعة أخرى تشهّد، ثم يُصَلِّي أُخْرَى ويَتَشَهَّد أيضاً، لأنها آخر صلاته. (وكَذَا) يَنْصِتُ (في الخُطْبَةِ) حاضرها سواء كان قريباً، أو بعيداً. ((إلاَّ إذَا قَرَأَ) الخطيب: ﴿يَا أَيُّها الَّذِين آمَنُوا (صَلُّوا عَليه﴾ (١) فيُصَلِّي السامعُ سِرَاً) (٢) . أما إنصات السامع لها، فلأَنَّ استماعها فرض لقوله ﷺ «إذا قلت لصاحبك، والإمام يَخْطُبُ يوم الجمعة: أنصت، فقد لَغَوْت». رواه مالك، وأحمد، والشيخان، وغيرهما. وأمّا إنصات البعيد فللاحتياط في إقامة فرض الإنصات. وقال بعضهم: الأفضل للبعيد أنْ يشتغل بقراءة القرآن. (فَصْلٌ في صَلاةِ الجَمَاعَةِ) (والجَمَاعَةُ) في الصلاة الفريضة (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ). زاد في «المحيط»: وشريعةٌ ماضية، لا يُرَخَّصُ لأحد تركها إلاَّ لعذر، حتى لو تركها أهل مصر يؤمرون بها. فإن ائتمروا وإلا تحلّ مقاتلتهم، لأنها من شعائر الإسلام، وخصائص هذا الدين، فالسبيل إظهارها والزَّجْرُ عن تركها. وقال مَكْحُول الشَّامِيّ: السُّنَّة سُنَّتانِ: سنَّة أَخْذُها هدى، وتركها ضلالة، وهي ما كانت من أعلام الإسلام وشعائره. وسُنَّة أخذها فضيلة، وتركها لا إلى حرج، كصلاة الليل. ويؤيده قول ابن مسعود: «من سَرَّه أنْ يَلْقَى الله غداً مسلماً، فَلْيُحَافِظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنَادَى بهِنَّ، فإنَّ الله شرع لنبيّكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صَلَّيْتُم في بيوتكم كما يُصَلِّي هذا المُتَخَلِّف في بيته، لتركتم

стр. 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === سنّة نبيكم. ولو تركتم سنّة نبيكم، لَضَلَلْتُم، (وما من رجل يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثم يَعْمِدُ إلى مسجد من هذه المساجد، إلاَّ كتب الله له بكل خَطْوَة حَسَنَةً، ويرفعه بها درجة، ويحط بها عنه سيئة) (١) . ولقد رَأَيْتُنَا وما يتخلَّف عنها إلاّ منافق، معلوم النِّفَاق. ولقد كان الرجل يُؤْتَى به يُهَادَى بين الرَّجُلَين حتى يُقَام في الصف». رواه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي موقوفاً. ورفعه صاحب «الهداية»، وهو وَهَمٌ منه. ومما يؤكد كونها سُنَّة ما ورد في الأحاديث في فضيلة ثواب الجماعة على الفَذِّ (٢) ، كقوله ﷺ «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزأً». رواه الشيخان. وفي رواية: «درجة». وفي أُخْرى: «ضِعْفاً». وكقوله ﷺ «صلاة الرجل مع الرجل أزْكَى من صلاته وحده. وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع رجل، وما زاد، فهو أحب إلى الله تعالى». رواه أبو داود، والتِّرْمِذِيّ، وابن ماجه من حديث أُبَيّ بن كَعْب. وقيل: إنها واجبة، واختاره جماعة من المشايخ. ففي «الغاية»: قال عامة مشايخنا: إنَّ الجماعة واجبة. وفي «التُحْفَة»: ذكر محمد في غير رواية الأصول: أن الجماعة واجبة. وقد سَمَّاها بعض أصحابنا سُنَّةً مؤكَّدة، وَهُمَا في المعنى سواء. وكأنَّه أراد بالسُّنَّة المؤكّدة كونَها قريبةً من الفرض. ومما يدل عليه: قوله ﷺ «لقد هَمَمْتُ أنْ آمر بالمُؤَذِّن فيُؤَذِّن، ثم آمر رجلاً فيُصَلِّي بالناس، ثم أَنْطَلِق برجال معهم حِزَم الحطب إلى قوم يَتَخَلَّفُون عن الصلاة، فأُحَرِّقُ عليهم بيوتهم بالنار». رواه الشيخان. وليس المراد ترك الصلاة رأساً (٣) ، بدليل قوله في رواية أخرى: «ثم آتي قوماً يُصَلُّون في بيوتهم ليست بهم عِلَّة، فأُحَرِّقُ عليهم». وبهذا استدل من قال بأنها فرض عين، وهو أحمد، وداوُد، وعَطَاء بن أبي رَبَاح، وأبو ثَوْر. وبقوله ﷺ «مَنْ سَمِعَ النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلاّ من عذر». رواه ابن ماجه، والحاكم، وقال: على شرطهما. ولقوله ﷺ «لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد». رواه أبو داود، وصَحَّحَه عبد الحق.

стр. 275

والأَوْلَى بالإمَامَةِ: الأَعْلَمُ بالسُّنَّةِ، === قلنا: هَمَّ ولم يفعل، فكان تهديداً لإظهار الشعائر، لا لكونها فرضاً. ومعنى لا صلاة له: أي كاملة. كما قال: «لا صلاة للعبد الآبق، ولا للمرأة الناشزة (١) ». وقيل: إنها فرض كفاية. وهو قول الكَرْخِيّ، والطَّحَاوِيّ، وأكثر أصحاب الشافعي لعين ما اسْتُدِلَّ به لفرض العين. إلاَّ أنَّ المقصود من الافتراض إظهار الشعائر، وهو يحصل بفعل البعض، وهو ضعيف. إذ لا شك في أنها كانت تقام على عهده ﷺ في مسجده، ومع ذلك قال في المُتَخَلِّفِين ما قال، وهَمَّ بتَحْرِيقهم، ولم يَصْدُر عنه مثله فيمن يَتَخَلَّف عن فروض الكفاية. وفي «القِنْيَة»: تارك الجماعة من غير عذر، يجب تعزيره ويأثم الجيران بالسكوت عنه. وفي «الغاية»: العذر: لُحُوق الحَرَج في حضورها. قال شمس الأئمة: والوحل عذر. قال نجم الأئمة: رجل يشتغل بتكرار الفقه ليلاً ونهاراً ولا يَحْضرُ الجماعة، لا يُعْذَر ولا تُقْبَل شهادته. وقال أيضاً: رجل اشتغل بتكرار اللغة، فتفوته الجماعة، لا يُعْذَر بخلاف تكرار الفقه. قيل: جوابه الأول فيمن واظب ترك الجماعة تهاوناً. والثاني فيمن لا يواظب على تركها. وفي «المحيط»: أقل الجماعة اثنان، وهو أن يكون واحد مع الإمام لقوله ﷺ «الاثنان فما فوقهما جماعة» (٢) . بخلاف الجمعة لِمَا سيأتي في بابها. وكذا إن كانت معه امرأة أو صبي يعقل، كانت جماعة لأنهما من أهل الصلاة. (والأوْلَى بالإمَامَةِ: الأَعْلَمُ بالسُّنَّةِ) أي بالأحكام الشرعية العملية المتعلقة بالصلاة: من شروطها، وأركانها، وسننها، وآدابها، إذا كان يُحْسِنُ من القراءة ما تجوز به الصلاة لقوله ﷺ «يَؤُمُّ القومَ أقدُمُهم هِجْرَةً، فإن كانوا في الهجرة سواء، فَأَفْقَهُهُمْ في الدين، فإن كانوا في الفِقْه سواء، فأَقْرَؤُهم للقرآن، ولا يُؤَمُّ الرجل في سلطانه». الحديث رواه الحاكم، وسكت عنه إلاَّ أنه معلول بالحجَّاج بن أَرْطَأَة من رواية، ولقوله ﷺ «مُرُوا أبا بكر ﵁ فَلْيُصَلِّ بالناس» (٣) . مع ما روى البخاري من حديث أنس: «أن الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من

стр. 276

ثُمَّ الأَقْرَأُ، ثُمَّ الأَوْرَعُ، ثُمَّ الأَسَنُّ. === الأنصار: أُبيّ بن كَعْب، ومُعَاذ بن جَبَل، وزيد بن ثابت، وأبو زَيْد». فهؤلاء أكثر قراءة منه ﵁. وحتى قال ﷺ «أقرؤكم أُبيّ»، لَكِنْ لَمَّا كان الصِّدِّيقُ مُشْتَرِكاً مع غيره في ضبط القراءة وحسن أدائها، قُدِّمَ عليهم. فدل على أنه إذا تعارض الأقرأ والأعلم، يُقَدَّمُ الأعلم. لا سيما وقد كان مع هذا أوْرَعَ، وأَسَنَّ، وأسْبَقَ، فكان بها أَوْلَى، وأحَقَّ. ويدل على كونه أعلم قول أبي سعيد: «كان أبو بكر ﵁ أعْلَمنا». وهذا آخر الأمر من رسول الله ﷺ فيكون هو المُعَوَّل. والله تعالى أعلم. إلا أنَّ قصد الإشارة إلى الاستخلاف ربما تكون مُخَصَّصَة على أنها واقعة حال، وهي لا عموم لها. ومن ثَمَّ اختار جمع من المشايخ قول أبي يوسف (١) . (ثُمَّ الأَقْرَأُ) أي الأَكْثَرُ حِفْظاً أَوْ الأَحْسَنُ ضَبْطاً (ثُمَّ الأَوْرَعُ)، والفرق بين الوَرَعِ والتَّقْوَى: أنَّ الوَرَعَ: اجتناب الشُّبُهَات. والتَّقْوى: اجتناب المُحَرَّمات. (ثُمَّ الأَسَنُّ) أي أكبر سنّاً، أو الأَسْبَقُ في الإسلام، ثُمَّ الأَحسن خُلُقاً، ثم الأَشْرَفُ نَسَباً، ثم الأَصْبَحُ وَجْهاً، ثم الأَحْسَنُ صَوْتاً، ثم الأَنْقَى ثَوْباً، ثم يُقْرَعُ بينهم، أو يُخَيَّرُ القوم، أي خيارُهُم. وورد: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شِبْراً: رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون … »، الحديث. رواه ابن ماجه عن ابن عباس ﵁. وفي «الخُلَاصَة»: رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون». إذا كانت الكراهة لفسادٍ فيه، أو لأنهم أحق بالإمامة، يُكْرَه له ذلك. وإن كان هو أحَقَّ بالإمامة، لا يُكْرَه. وقال أبو يوسف: أوْلَى الناس بالإمامة الأقرأ. لِمَا رواه الجماعة إلاَّ البخاري، واللفظ لمسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «يَؤُمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُّنَّة سواء فأقدَمُهُم هجرة، فإنْ كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِنّاً. ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يَقْعُد في بيته على تَكْرِمَتِهِ (٢) إلا بإذنه». وفي رواية: «سَلَماً» مكان: «سِنّاً». وفي رواية: «إسلاماً» مكان: «سَلماً». رواه الحاكم وقال عوض: «فأعلمهم بالسنة»: «فأفقههم فِقْهاً»، و «إنْ كانوا في الفقه سواء، فأكبرهم سِنّاً». وهي لفظة غريبة وإسنادها صحيح. وروى مسلم: «وليَؤُمّكُما أكْبركما». وروى أبو داود عن أبي قِلَابَة، عن مالك بن الحُوَيْرِث: أن النبي ﷺ قال له، أو لصاحب له: «إذا حضرت الصلاة فأذِّنَا،

стр. 277

فإنْ أَمَّ عَبْدٌ، أَو أَعْرَابِيٌّ، أو فَاسِقٌ، أو أعْمَى، أو مُبْتَدِعٌ، أو وَلَدُ زِنًا: كُرِهَ. === ثم أَقِيمَا، ثُمَّ ليَؤُمَّكُمَا أكبركما». وأُجِيبَ: بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه. واعْتُرِضَ: بأن قوله: فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنّة، تقتضي تقديم الأقرأ مُطْلقاً. وأُجيبَ: بأنه إذا كان الأقرأ لكتاب الله أعلم بأحكامه، كان معنى الحديث: يَؤُمُّ القوم أعلمهم بأحكام كتاب الله، فإن كانوا في ذلك سواء، فأعلمهم بالسُّنَّة: أي بالأحكام الثابتة بها. فَيَتَحَصَّلُ أن القاراء المُفَسِّرَ مُقدَّمٌ على المُحَدِّثِ. ثم لَمَّا كانت الهجرة بعد الفتح منسوخة لقوله ﷺ «لا هجرة بعد الفتح» أي بعد فتح مكة، كما رواه البخاريّ، أقَمْنَا الوَرَع مُقَامها لقوله ﷺ «المهاجر من هجر ما حَرَّم الله ورسوله». رواه البخاريّ وغيره. والحاصل أنه إنما قَدَّم الأَقرأ في الحديث، لأنهم كانوا يَتَعَلَّمُون القرآن في ذلك الوقت بأحكامه، كما رُوِيَ عن عمر: «حَفِظَ سورة البقرة في اثنتيْ عشرة سنة». فالأَقرأ منهم يكون أعلم. وأمَّا في زماننا فقد يكون الرجل ماهراً بالقراءة، ولا حَظَّ له في معرفة الأحكام، فالأعلم بالسُّنَّة أوْلى إلاَّ أنْ يُطْعَنَ عليه في دينه، لأن الناس لا يَرْغَبُون في الاقتداء به. وقد ورد عن ابن عمر مرفوعاً: «اجعلوا أئمتكم خِيَارَكم، فإنهم وَفْدُكم فيما بينكم وبين ربكم». رواه البَيْهَقِيّ بسند ضعيف. وفي رواية: «إنْ سَرَّكم أنْ تُقْبَلَ صلاتكم فَلْيَؤُمّكُم علماؤكم، فإنهم وَفْدُكم فيما بينكم وبين ربكم». رواه الطَبَرَانِيّ. وفي رواية الحاكم: «فَلْيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكم». وسكت عنه. وأمَّا قول صاحب «الهِدَاية»: لقوله ﷺ «من صَلَّى خلف عالم تَقِيّ، فكأنما صَلّى خلف نبيّ». فغير معروف. (فإِنْ أَمَّ عَبْدٌ أَوْ أَعْرَابِيٌّ) وهو: مَنْ سَكَنَ في البادية عربياً كان أو عَجَمِيّاً، (أو فَاسِقٌ أو أعْمَى) كان حقّه أنْ يُقَدَّم أو يُؤَخَّر. وقال مالك: لا تَصِحُّ إمامة الفاسق. (أو مُبْتَدِعٌ) أي صاحب بدعة وهي: ما أُحْدِث على خلاف الحق المتلقى عن رسول الله ﷺ من علم، أو عَمَلٍ أو حال، أو صفةٍ بنوع استحسان، وطريق شُبْهَةٍ، وجُعِلَ دِيناً قِيَماً، وصِرَاطاً مستقيماً. (أو وَلَدُ زِنَاً كُرِهَ) وجاز. أمّا كراهة إمامة العبد والأعرابيّ وولد الزِّنا، فلأنّ الغالب عليهم الجهل. والفاسق والمبتدع في إمامتهما تعظيمُهما، وقد أمرنا بإهانتهما. والأعمى لجهله باستقبال القِبْلَة، وتَعَسُّر تَمَكُّنه من التَوَقِّي عن النجاسة كما ينبغي، حتى لو لم يكن غيره من البُصَرَاءِ

стр. 278

كَجَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ. === أفضل منه، كان هو الأوْلى. لأنه ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة حين خرج إلى غزوة تبوك، وهو يومئذٍ كان ضريراً. وقد نزل في حقه: ﴿عَبَسَ وتَوَلَّى * أنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾. وأمّا الجواز فلِمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عن مَكْحُول، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «صَلُّوا خَلْفَ كل بَرَ وفَاجِرٍ، وصلّوا على كل بَرّ وفاجر، وجاهدوا مع كل بَرّ وفاجر». وفي رواية لأبي داود عن مَكْحُول، عن أبي هريرة مرفوعاً: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير بَرّاً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم بَرّاً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر». والحديث منقطع، ولم يُدْرِك مَكْحُول أبا هريرة، لكنَّه حُجَّةٌ عندنا (١) . وفي رواية: «سَيَلِيكُم مِنْ بعدي وُلَاةٌ: البَرُّ ببِرِّه، والفاجر بفجوره، فاسمعوا له، وأطيعوه فيما وافق الحق، وصلوا وراءهم. فإنْ أحسنوا، فلكم ولهم، وإنْ أساؤا فلكم وعليهم». ثم صاحب الهوى: إنْ كان هواه يُكَفِّرُه، لا تَجوز الصلاة خلفه. وإنْ كان لا يُكَفِّرُه يجوز، ويكره. كذا في «المحيط». ورَوَى محمد عن أبي حنيفة، وأبي يوسف: أنَّ الصلاة خلف أهل الأهواء لا تَجوز. وَوُجِدَ بخط شمس الأئمة الحَلْوَانِيّ: أنه يُمْنَع عن الصلاة خلف من يخوض في علم الكلام، ويناظر صاحب الأهواء. وكأنه بناه على ما رُوِيَ عن أبي يوسف أنه قال: لا يجوز الاقتداء بالمُتَكَلِّمِ وإنْ تكلَّم بحق. قال الهِنْدُوَانِيّ: يجوز أنْ يكون مراده من يناظر في دقائق علم الكلام. وبناه في «المُجْتَبَى» على ما نُقِل عن أبي حنيفة حين رأى ابنه حَمَّاداً يناظر في علم الكلام، فنهاه فقال: رَأَيْتُك تناظر في الكلام وتنهاني فقال: كنا نناظر وكأنَّ على رؤسنا الطير مخافة أنْ يَزِلَّ صاحبه، وأنتم تناظرون وتريدون زَلَّة صاحبكم. ومن أراد زَلَّة صاحبه، فقد أراد أنْ يَكْفُر، فهو قد كَفَر قبل صاحبه. فهذا هو الخوض المنهيّ عنه. وهذا المُتَكَلِّم لا يجوز الاقتداء به. (كَجَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَحْدهُنَّ) أي كما كُرِه جماعة النساء بالإمام منهن، لأن اجتماعهن قَلَّمَا يَخْلُو عن فتنة بهن. ولِمَا رُوِيَ عنه ﷺ «بيوتهنّ خير لهنّ لو يَعْلَمْنَ» (٢) ، وبه قال مالك خِلَافاً للشافعيّ.

стр. 279

فإنْ فَعَلْنَ: تَقِفُ الإِمَامُ وَسْطَهُنَّ. وكَحُضُور الشَّابَّةِ كُلَّ جَمَاعَةٍ، والعَجُوزِ الظُّهْرَ والعَصْرَ. === (فإنْ فَعَلْنَ) أي صَلَّيْنَ جماعة (تَقِفُ الإِمَامُ) أي إمامهن (وَسْطَهُنَّ) ـ بسكون السين وتفتح ـ في صَفِّهِنَّ، ولا تتقدم عليهن. ويجوز تذكير يقف، بناء على لفظ الإمام، فإنه مصدر بمعنى المفعول، أي المُقْتَدَى به، ويَسْتَوي فيه المذكر والمؤنث، فاندفع قول الشارح: وهو بالمثناة الفوقية في أوّله، لأن فاعله الإمام، وهو مؤنث حقيقيّ. وقد روى عبد الرَّزَّاق، والدَّارَقُطْنِيّ عن رِبْطَة الحَنَفِيَّة: «أن عائشة ﵂ أَمَّتهُنَّ، وقامت بينهن في صلاة مكتوبة». ولفظ الدَّارَقُطْنِيّ والبيْهَقِيّ: «فقامت بينهن وَسَطاً». قال النَّوَوَيّ في «الخُلَاصَة»: إسناده صحيح. وروى عبد الرَّزَّاق، والدَّارقُطْنِيّ، وصحّحه النَّوَوِيّ، عن حُجَيْرَة بنت حُصَين قالت: «أَمَّتْنَا أمّ سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا». قال في «شرح المَجْمَع»: فَعَلَتَا (١) كذلك حين كانت جماعتهنّ مُسْتَحبة، ثم نُسِخَ الاستحباب. أقول: الأظهر أن الكراهة محمولة على ظهورهن وخروجهن، والجواز على تسترهن في بيوتهن. (وكَحُضُور الشَّابَّةِ) أي وكما كُرِه حضور الشَّابة (كُلَّ جَمَاعَةٍ) لخوف الفتنة (والعَجُوزِ) أي وكحضور العجوز (الظُّهْرَ والعَصْرَ) بخلاف الفجر والمغرب والعشاء والعيدين، فإنه لا بأس عند أبي حنيفة بحضور العجوز لها. وعندهما: لا بأس بحضور العجوز للصلوات كلها لعدم الرغبة فيها. ولأبي حنيفة أنَّ قوة الشهوة تُوقِع في الفتنة، غير أن الفُسَّاق في الفجر والعشاء نائمون، وفي المغرب بالطعام مشغولون، وفي العيدين لسَعَة الجَبَّانَة عن النساء مُعْتَزِلُون، وكان هذا في زمانه ﵁، وأمَّا في زماننا فَكَثُرَ انتشار الفُسَّاق وقت المغرب والعشاء. والمختار: منع العجوز عن حضور الجماعة في جميع الأوقات فضلاً عن الشَّابة. لِمَا روى البخاريّ عن يَحْيَى بن سعيد، عن عَمْرة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء، لَمَنَعَهُنَّ كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل. قلت لعَمْرَة: أَوَمُنِعْنَ؟ قالت: نعم». وتقول عائشة ترفعه: «أيها الناس، انْهَوا نساءكم عن لُبْسِ الزينة والتَبَخْتُرِ في المساجد، فإن بني إسرائيل لم يُلْعَنُوا حتى لَبِسَ نساؤهم الزينة، وتَبَخْتَرْنَ في المساجد». رواه ابن عبد البَرّ في «التَمْهِيد».

стр. 280

ويَقْتَدِي المُتَوَضّىءُ بالمُتَيَمِّيم، والغَاسِلُ بالمَاسِحِ، والقَائِمُ بالقَاعِدِ، === (ويَقْتَدِي المُتَوَضّاءُ) بالهمزة وقد يبدل (بالمُتَيَمِّمِ) عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمد، لأن المتوضاء أقوى حالاً. وبناء الأقوى على الأضْعَف لا يجوز. ولهما ما روى أبو داود، والحاكم وقال: على شرط الشيخين، عن عمرو بن العاص قال: «احْتَلَمتُ في ليلة باردة وأنا في غزوة ذات السلاسل، فأشْفَقْتُ إن اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلِكَ. فتيمّمت وصلّيت بأصحابي الصبح، ثم أخبرت النبيّ ﷺ فضحك، ولم يقل شيئاً». وفي البخاري: «وأمَّ ابن عباس وهو متيمّم». (و) يقتدي (الغَاسِلُ بالمَاسِحِ) لأنّ المسح كالغسل سواء كان على جبيرة أو خُفّ (والقَائِمُ بالقَاعِدِ) الذي يركع ويسجد، وبه قال مالك والشافعي. وقال محمد، وأحمد، وإسحاق: لا يقتدي القائم بالقاعد وهو القياس، لأن اقتداء القائم بالقاعد اقتداء كامل الحال بناقصها. ولِمَا في «الصحيحين» عن عائشة ﵂: «اشتكى رسول الله ﷺ فدخل عليه ناس من أصحابه يَعُودُونَه، فصلى رسول الله ﷺ جالساً، فصلَّوا بصلاته قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا. فلما انصرف قال: «إنما جُعِلَ الإِمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً». ولنا أن هذا منسوخ بآخر فعله ﷺ وإنما يؤخذ بالآخِر فالآخر من فعله عند التعارض، وهو ما في «الصحيحين» من حديث عائشة «أنَّ النبيّ ﷺ أمر في مرضه الذي تُوُفِّيَ فيه أبا بكر ﵁ أن يصلّي بالناس. فلمَّا دخل أبو بكر ﵁ في الصلاة وجد ﷺ في نفسه خِفَّة، فخرج يُهَادَى بين رجلين، ورِجْلَاهُ تَخُطَّان في الأرض. فجاء ﷺ فجلس عن يسار أبي بكر ﵁. فكان النبيّ ﷺ يُصَلِّي بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً. يقتدي أبو بكر الصديق بصلاة رسول الله ﷺ ويَقْتَدِي الناس بصلاة أبي بكر». وليس معنى هذا الحديث أنَّ أبا بكر كان إماماً للناس، لأن الصلاة لا تصح بالإمامين، ولكن معناه أن النبيّ ﷺ كان الإمام، ولهذا وقف على يسار أبي بكر، وأبو بكر كان يُبَلِّغ الناس. فَسَّر ذلك الرواية الأخيرة في الصحيح وهي: «وأبو بكر يُسَمِّعُ الناس التكبير»، أي تكبير النبيّ ﷺ وإذا كان الأمر كذلك فقوله: «فلما دخل أبو بكر في الصلاة» معناه: أراد دخوله، أو قاربه. وإلاَّ فَلَزِمَ قطع الصلاة بعد شروعها، أو الانتقال بالنيّة كما قال به الشافعيّ. لكن يُشْكِلُ بقول ابن عباس: «لَمَّا مَرِض رسول الله ﷺ خرج، وأبو بكر يصلّي بالناس، فقرأ من حيث انتهى إليه أبو بكر ﵁». رواه

стр. 281

والمُومِىءُ بالمومِىءُ، والمُتَنَفِّلُ بالمُفْتَرِضِ. لا بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ. === ابن ماجه وغيره. فَيُحْمَلُ على الخصوصية، وأنه ليس التَقَدُّم على الإمام بسائغ إلا في حقّه ﷺ وذكر البَيْهَقِيّ في «المعرفة»: «أنّ النبيّ ﷺ صلّى الظهر يوم السبت أو الأحد في مرض موته جالساً، والنَّاس خلفه، وهي آخر صلاة صَلاَّها إماماً. وصلّى خلف أبي بكر الركعة الثانية صبحَ يوم الاثنين مأموماً، ثم أتَمَّ لنفسه». وفي «السُّنَنِ الكبرى»: عن عائشة ﵂ قالت: «صلّى رسول الله ﷺ في مرضه الذي تُوُفِّيَ فيه خلف أبي بكر قاعداً». قال الشافعيّ وغيره: إنْ صحَّت هذه الرواية، كان ذلك مرتين: مرة صَلَّى النبيّ ﷺ وراء أبي بكر، ومرة صلّى أبو بكر وراءه. والحاصل: أنَّ الناس اختلفوا فيما إذا صلى الإمام جالساً. فقالت طائفة: يُصَلُّون قعوداً اقتداء به. واحتجّوا بحديث عائشة ﵂، وأنس: «وإذا صَلَّى جالساً، فصلّوا جلوساً أجمعون»، وقد فعله أربعة من الصحابة: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وقَيْس بن فَهْد. وقال أكثر أهل العلم: يُصَلُّون قياماً، ولا يتابعونه في الجلوس، وبه قال أبو حنيفة والشافعيّ ومن تابعهما. وقالوا بنسخ ذلك الحديث بما قدمنا. وقال محمد: بعدم جواز اقتداء القائم بالقاعد، وادَّعَى أنّ ذلك من خصائصه، وهو الأحوط. (و) يَقْتَدِي (المُومِيءُ) مِنْ أوْمأ مهموزاً وقد تبدل (بالمومِي) لاستواء حالهما. ويُسْتَثْنَى من ذلك: إذا كان الإمام مُضْطَجِعاً، والمؤتم قائماً أو قاعداً، لقوة حال القائم والقاعد على المضطجع. لأن القعود مقصود كالقيام، بدليل وجوبه عند القدرة عليه. (و) يقتدي (المُتَنَفِّلُ بالمُفْتَرِضِ) لِمَا رَوَى أصحاب السُّنَنِ الأربعة عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يُؤَخِّرُون الصلاة؟» قلت: يا رسول الله ﷺ فماذا تَأْمُرُني؟ قال: «صَلِّ الصلاة لوقتها، فإنْ أدركتها معهم، فصلِّ فإنها لك نافلة». (لا) يَقْتَدِي رجل (بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيَ). أَمَّا المرأة: فَلِمَا رَوَى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سُفْيَان الثَّوْرِيِّ، عن الأَعْمَش، عن إبراهيم، عن أبي مَعْمَر، عن ابن مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يُصَلُّون جميعاً، فكانت المرأة تَلْبَس القَالَبَيْن فتقوم عليهما، فَتُوَاعِدُ خليلها، فأُلْقِيَ عليهن الحيض. فكان ابن مسعود يقول: أخِّرُوهنَّ من حيث أخَّرَهنّ الله، قيل: فما القَالَبَان؟ قال: أَرْجُلٌ من خشب يتّخذها النساء يَتَشَرَّفْنَ

стр. 282

وطَاهِرٌ بِمَعْذُورٍ، وقَارِىءٌ بأُمِّيٍّ، ولابِسٌ بَعَارٍ، وَغَيرُ مُومٍ بِمُومٍ. ولا مُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفِّلٍ، === الرجال في المساجد. وفي «الغاية»: كان شيخنا الصَدْرُ سُلَيْمَانَ يرويه: «الخمر أمّ الخبائث، والنساء حبائل الشيطان، فأخِّرُوهنَّ من حيث أخَّرَهُنَّ الله». ويَعْزُوه إلى «مسند رَزِين». قال القاضي أبو زَيْد: حيث اسم مكان، ولا مكان يجب على الرجل تأخيرها عنه إلا مكان الصلاة، فلا يجوز الاقتداء بها. وأمَّا إمامة الصَّبيِّ فقال بعضهم: يجوز اقتداء البالغ بالصَّبيّ في التَّراويح والنوافل المطلقة، لأن كُلاًّ منهما نفل في ذاته. واللزوم بعارض الشروع لا يُخرجه عن أصل وضعه. والمختار: عدم الجواز. لأن نفل البالغ مضمون ويجب قضاؤه بإفساده، ونفل الصَّبيّ غير مضمون، لا يجب قضاؤه بإفساده، فكان نفل البالغ أقوى من نفل الصبيّ. ولو اقتدى صبيّ بصبيّ جاز لأن الصلاة مُتَّحِدَة. (وطَاهِرٌ) أي ولا يقتدي طاهر، والمُرَاد به: من لا عذر له (بِمَعْذُورٍ) أيْ بمن له عذر من سَلَس البول ونحوه، لأن المعذور يُصَلّي مع الحدث حقيقة، وإنما جُعِلَ حدثه في حكم العدم للحاجة إلى الأداء، فكان أضعفَ حالاً من الطاهر. وكذا لو زال عُذْر المعذور في أثناء الصلاة لا يَبْنِي عليها، لأنها بناء القويّ على الضعيف. وفي المسألة خلاف الشافعيّ وزُفَر. ولو اقتدى معذور بمعذور: إن اتَّحَدَ عذرهما جاز، وإن اختلف لا يجوز. (و) لا (قَارِاءٌ بأُمِّيَ) وهو: من لا يُحْسِن آية، لقوة حال القاراء. وكذا أُمِّيّ بأخرس، لقدرة الأُمِّيّ على التحريمة، بخلافه. واللفظ فوق الإيماء. (ولَابِسٌ بَعَارٍ وَغَيْرُ مُومٍ بِمُومٍ) بحذف الهمزة تخفيفاً كما في اطْفِ سراجك، وإنما لا يجوز اقتداؤهما، لقوة حالهما على حال العاري والمومي. (ولا مُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفِّلٍ) وبه قال مالك، وأحمد. وأجاز الشافعيّ اقتداءه به، لِمَا في الصحيحين من حديث جابر: «أن معاذاً كان يُصَلِّي مع رسول الله ﷺ عِشَاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيُصَلِّي بهم تلك الصلاة». ولفظ البخاري: «فَيُصَلِّي بهم الصلاة المكتوبة». ولنا ما في «الصحيحين» من حديث أنس ﵁: أنَّ النبيّ ﷺ قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه». ولو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل لَمَا شُرع صلاةُ الخوف مع المُنَافِي، بل كان الإمام يُصَلِّي بكل طائفة صلاة كاملة. وأُجِيبَ عن حديث مُعَاذ: بأن النية أمر لا يَطَّلِعُ

стр. 283

ومفتَرِضٍ فَرْضًا آخَرَ، === عليه أحد إلاَّ بإخبار الناوي. فجاز أنّ مُعَاذاً كان يُصَلِّي مع النبيّ ﷺ بنية النفل، لِيَتَعَلَّم منه سنة الصلاة ويَتَبَرَّك بالصلاة خلفه، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الفرض. ومع وجود الاحتمال لا يتم الاستدلال. ومن المعلوم أنّ حَمْل فعل الصحابيّ على الوجه المتفق عليه، أوْلَى من حمله على المختلف عليه. وروى أحمد في «مسنده»: أنّ النبيّ ﷺ قال: «إمَّا أنْ تُصَلّي معي، وإمَّا أن تُخَفِّفَ عن قومك». ومعناه: إما أنْ تصلّي الفرض معي، ولا تُصلِّي بهم، وإمَّا أنْ لا تُصلِّي معي الفرض حتى لا ينتظروك. قال ابن تيمية في «المُنْتَقَى» ـ وهو من أكابر الحنابلة ـ: فيه دَلالة على منع اقتداء المفترض بالمتنفل، لأنه يدل على أنه متى صَلّى معه امتنعت إمامته ـ أي للتقسيم الحاصر ـ، وبالإجماع لا تَمْتَنِعُ إمامته لصلاته النفل معه، فَعُلِمَ أن الذي كان يصلّيه مُعَاذ مع النبيّ ﷺ نفل. (ومُفْتَرِضٍ) عطف على متنفل أي ولا يقتدي مُفْتَرِض بمُفْتَرِضٍ (فَرْضاً آخَرَ) لأن الاقتداء: شَرِكَةٌ في التحريمة المقرونة بالنيّة، وموافَقةٌ في الأفعال البدنية. ولما روى أصحاب «السنن» عن أبي هُرَيْرَة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الأئمة ضُمَنَاء، والمُؤَذِّنُون أُمَنَاء. اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين». قال صاحب «الغَريبَيْنِ»: معنى الضمان: الحفظ والرعاية. فمعنى الحديث ـ والله تعالى أعلم ـ أن الإمام حافظ، ومراع لصلاة من اقتدى به صحة وفساداً. وتوضيحه: أنه يَسْرِي فساد صلاة الإمام إلى صلاة المأموم عندنا. وجعله مالك والشافعيّ تَبَعاً له في صورة الموافقة، لا في الفساد والصحة، لقوله ﷺ «إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤتَمَّ به». أي: لِيُوَافَقَ في أَفعاله ويُتَابِعَه فيها. وفيما عدا ذلك، صلاة كل منهما في الصحة والفساد مضافة إلى اجتماع شرائطها وأركانها، وعدم اجتماعهما. ولنا: ظاهر قوله ﷺ «الإمام ضامن». رواه أبو داود، والتّرمذيّ. وإنما يكون ضامناً إذا تَضَمَّنَتْ صلاته صلاة المُقْتَدِي، لتصح بصحتها، وتفسد بفسادها. فيكون اتحاد الصلاتين شرطاً في صحة الاقتداء، إلا ما فيه بناء الأخف على الأقوى، كاقتداء المُتَنَفِّل بالمُفْتَرِض على ما لا يَخْفَى. وصريح ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»: «أنّ عليّاً ﵁ صلّى بالناس وهو جُنُب، أو على غير وضوء، فأعاد وأَمَرَهم أن يُعِيدُوا. وأنَّ عمر ﵁ صلّى بالناس وهو جُنُب، فأعاد ولم يُعِدِ الناس. فقال له عليّ: قد كان يَنْبغِي لمن يُصَلّي معك أنْ يُعِيدَ، فَرَجَعُوا إلى قول عليّ ﵁. قال القاسم: وقال ابن مسعود: مثل قول عليّ. وقد رَوَى البيهقِي والدَّارَقُطْنِي عن

стр. 284

والإمَامُ لا يُطِيلُهَا، === سعيد بن المُسَيَّب: «أنَّ رسول الله ﷺ صَلّى بالناس وهو جُنُب، فأعاد، وأعادوا». والحديث مُرْسَلٌ، والراوي عن سعيد: أبو جابر البَيَاضي: ضعيف. ويفسد اقتداء مسبوق بغيره مطلقاً. أعني سواء كان مثله أو لاحقاً أو إماماً. وكذا بعكسه، بأن يقتدي الغير به، لأنه في حكم المقتدي من وجه، وفيه خلاف الشافعي. وأجاز الشافعيّ القضاء خلف الأداء مع الكراهة. هذا، ولو اقتدى بالإمام في المسجد عن بُعْد يصح إذا لم يَشْتَبِه عليه حال إمامه، لأنَّ المسجد مع تباعد أطرافه كبقعة واحدة. ولو كان على سطح داره بجنب المسجد لا يصح، لاختلاف المكان، إلا إذا كان على رأس الحائط. وفي «الخُلاصَة»: ولو كان على دُكَّان خارج المسجد متصلاً بالمسجد يجوز الاقتداء، لكن بشرط اتصال الصفوف، لأن باتصال الصفوف يصير كبقعة واحدة. فلو كان على الطريق واحد لا يثبت الاتصال، ولو كان ثلاث يثبت، لأن الثلاث جمع صحيح. ولو كان اثنان: قال محمد: حكمهما حكم الواحد. وقال أبو يوسف: حكمهما حكم الثلاث. والله تعالى أعلم. (والإمَامُ لا يُطِيلُهَا) أي الصلاة بإطالة القراءة ونحوها. لِمَا في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا صَلَّى أحدكم للناس فَلْيُخَفِّفْ، فإنّ فيهم الضعيف، والسقيم، والكبير. وإذا صلّى لنفسه فَلْيُطَوِّلْ ما شاء». وفي لفظ لمسلم: «الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض، وذا الحاجة». ولقول أبي مسعود الأنْصَارِيّ: «جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأَتأخر عن صلاة الغداة مما يُطِيلُ بنا فلان. قال: فما رأيت النبيّ ﷺ في موعظة أشدّ غضباً من يومئذٍ. فقال: يا أيها النّاس إن منكم مُنَفِّرِين، مَنْ صَلَّى بالناس فَلْيُخَفِّفْ، فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة». رواه الشيخان، وفي لفظ البخاري: «والمريض». ولقول عثمان بن أبي العاص: «آخر ما عَهِدَ إليَّ رسول الله ﷺ إذا أَمَمْتَ قوماً فأَخِفَّ بهم الصلاة». وفي لفظ: «أُمَّ قَوْمَكَ. فمن أمَّ قوماً فلْيُخَفِّفْ، فإنَّ فيهم الكبير، وإنّ فيهم الضعيف، وإنَّ فيهم المريض، وإنّ فيهم ذا الحاجة. وإذا صلَّى أحدكم وحده فلْيُصَلِّ كيف شاء». رواه مسلم. ولقصة مُعَاذ، وقول رسول الله ﷺ «أتريد أنْ تكون فَتَّاناً يا مُعَاذ؟ إذا أمَمْتَ بالناس، فاقرأ بـ: ﴿الشمس وضُحاها﴾، و ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ باسْمِ

стр. 285

ولا قِرَاءَةَ الأُولَى إلَّا في الفَجْرِ. ويَقُومُ المُؤتَمُّ الوَاحِدُ عَلى يَمِينِهِ، والزَّائِدُ خَلْفهُ === رَبِّكَ﴾ و ﴿الليل إذا يَغْشَى﴾. رواه الشيخان. وفي لفظ لمسلم: «فافْتَتَحَ سورة البقرة، فانْحَرَفَ رجل فسَلَّمَ، ثم صَلَّى وحده، وانصرف … » الحديث. وفي لفظ لأبي داود: «يا مُعَاذ: لا تكن فَتَّاناً، فإنه يُصَلِّي وراءك الكبير، والضعيف، وذا الحاجة، والمسافر». (ولا) يُطِيلُ (قِرَاءَةَ) الركعة (الأُولَى) على قراءة الرّكْعَة الثانية (إلاَّ في) صلاة (الفَجْرِ) لأنها في وقت غَفْلَة، فتُطَال الركعة الأولى ليدركها من أبْطَأَ في حضور الجماعة. ولا اعتبار في الزيادة والنقصان بما دون ثلاث آيات، لعدم إمكان الاحتراز عنه، وهذا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وأمّا عند محمد: فيُسْتَحَبّ تطويل الركعة الأُولى من الصلوات كلها. لِمَا في «الصحيحين» من حديث أبي قَتَادة، واللفظ للبخاريّ: «أن النبيّ ﷺ كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأُولَيَيْنِ بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأُخْرَيَيْنِ بفاتحة الكتاب. ويُطَوِّلُ في الركعة الأولى، ما لا يُطَوِّلُ في الثانية. وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح. وأُجِيبَ بأن الحديث محمول على الإطالة بالثناء والتعوذ. ثم هذا في الفرائض، وأما في النوافل، فإطالة الثانية غير مكروهة. (ويَقُومُ المُؤْتَمُّ الوَاحِدُ) بالغاً كان أو صبياً (عَلى يَمِينِهِ) أي يُسْتَحَبُّ أنْ يقف عن يمين الإمام، مساوياً له عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وواضعاً أصابع رجله بإزاء عَقِب الإمام عند محمد، لما روى الجماعة عن كُرَيْب ـ مَوْلى ابن عباس ـ عن ابن عباس قال: «بِتّ عند خالتي مَيْمُونَة، فقام رسول الله ﷺ يُصَلِّي من الليل. فَقُمْتُ عن يساره، وأخذني بيميني، فأدارني من ورائه، فأقامني عن يمينه، فصلّيت معه». وفي رواية: «فجعلني عن يمينه». وفي أخرى: «وأخذ برأسي من ورائي». وفي رواية: بيدي أو عَضُدِي. «وفيه دَلالة على أنَّ أقل الجماعة في غير الجمعة واحد. ويؤيده قوله ﷺ «الاثنان جماعة فما فوقهما». رواه ابن ماجه. (و) يقوم المُؤْتَمُّ (الزَّائِدُ) على الواحد (خَلْفهُ) أي خلف الإمام لِمَا روى الجماعة إلاّ ابن ماجه عن مَالِك بنِ أَنَس، عن إسحاق بن أبي عبد الله بن طَلْحَة، عن أنس بن مالك: «أنَّ جدته مُلَيْكَة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأُصَلِّي لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسْوَدَّ من طول ما لُبِس، فنضحتُه بماءٍ، فقام رَسول الله ﷺ فَصَففْتُ أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا.
следующие страницы →