← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والمُومِىءُ بالمومِىءُ، والمُتَنَفِّلُ بالمُفْتَرِضِ. لا بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ. === ابن ماجه وغيره. فَيُحْمَلُ على الخصوصية، وأنه ليس التَقَدُّم على الإمام بسائغ إلا في حقّه ﷺ وذكر البَيْهَقِيّ في «المعرفة»: «أنّ النبيّ ﷺ صلّى الظهر يوم السبت أو الأحد في مرض موته جالساً، والنَّاس خلفه، وهي آخر صلاة صَلاَّها إماماً. وصلّى خلف أبي بكر الركعة الثانية صبحَ يوم الاثنين مأموماً، ثم أتَمَّ لنفسه». وفي «السُّنَنِ الكبرى»: عن عائشة ﵂ قالت: «صلّى رسول الله ﷺ في مرضه الذي تُوُفِّيَ فيه خلف أبي بكر قاعداً». قال الشافعيّ وغيره: إنْ صحَّت هذه الرواية، كان ذلك مرتين: مرة صَلَّى النبيّ ﷺ وراء أبي بكر، ومرة صلّى أبو بكر وراءه. والحاصل: أنَّ الناس اختلفوا فيما إذا صلى الإمام جالساً. فقالت طائفة: يُصَلُّون قعوداً اقتداء به. واحتجّوا بحديث عائشة ﵂، وأنس: «وإذا صَلَّى جالساً، فصلّوا جلوساً أجمعون»، وقد فعله أربعة من الصحابة: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وقَيْس بن فَهْد. وقال أكثر أهل العلم: يُصَلُّون قياماً، ولا يتابعونه في الجلوس، وبه قال أبو حنيفة والشافعيّ ومن تابعهما. وقالوا بنسخ ذلك الحديث بما قدمنا. وقال محمد: بعدم جواز اقتداء القائم بالقاعد، وادَّعَى أنّ ذلك من خصائصه، وهو الأحوط. (و) يَقْتَدِي (المُومِيءُ) مِنْ أوْمأ مهموزاً وقد تبدل (بالمومِي) لاستواء حالهما. ويُسْتَثْنَى من ذلك: إذا كان الإمام مُضْطَجِعاً، والمؤتم قائماً أو قاعداً، لقوة حال القائم والقاعد على المضطجع. لأن القعود مقصود كالقيام، بدليل وجوبه عند القدرة عليه. (و) يقتدي (المُتَنَفِّلُ بالمُفْتَرِضِ) لِمَا رَوَى أصحاب السُّنَنِ الأربعة عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يُؤَخِّرُون الصلاة؟» قلت: يا رسول الله ﷺ فماذا تَأْمُرُني؟ قال: «صَلِّ الصلاة لوقتها، فإنْ أدركتها معهم، فصلِّ فإنها لك نافلة». (لا) يَقْتَدِي رجل (بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيَ). أَمَّا المرأة: فَلِمَا رَوَى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سُفْيَان الثَّوْرِيِّ، عن الأَعْمَش، عن إبراهيم، عن أبي مَعْمَر، عن ابن مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يُصَلُّون جميعاً، فكانت المرأة تَلْبَس القَالَبَيْن فتقوم عليهما، فَتُوَاعِدُ خليلها، فأُلْقِيَ عليهن الحيض. فكان ابن مسعود يقول: أخِّرُوهنَّ من حيث أخَّرَهنّ الله، قيل: فما القَالَبَان؟ قال: أَرْجُلٌ من خشب يتّخذها النساء يَتَشَرَّفْنَ

стр. 282

وطَاهِرٌ بِمَعْذُورٍ، وقَارِىءٌ بأُمِّيٍّ، ولابِسٌ بَعَارٍ، وَغَيرُ مُومٍ بِمُومٍ. ولا مُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفِّلٍ، === الرجال في المساجد. وفي «الغاية»: كان شيخنا الصَدْرُ سُلَيْمَانَ يرويه: «الخمر أمّ الخبائث، والنساء حبائل الشيطان، فأخِّرُوهنَّ من حيث أخَّرَهُنَّ الله». ويَعْزُوه إلى «مسند رَزِين». قال القاضي أبو زَيْد: حيث اسم مكان، ولا مكان يجب على الرجل تأخيرها عنه إلا مكان الصلاة، فلا يجوز الاقتداء بها. وأمَّا إمامة الصَّبيِّ فقال بعضهم: يجوز اقتداء البالغ بالصَّبيّ في التَّراويح والنوافل المطلقة، لأن كُلاًّ منهما نفل في ذاته. واللزوم بعارض الشروع لا يُخرجه عن أصل وضعه. والمختار: عدم الجواز. لأن نفل البالغ مضمون ويجب قضاؤه بإفساده، ونفل الصَّبيّ غير مضمون، لا يجب قضاؤه بإفساده، فكان نفل البالغ أقوى من نفل الصبيّ. ولو اقتدى صبيّ بصبيّ جاز لأن الصلاة مُتَّحِدَة. (وطَاهِرٌ) أي ولا يقتدي طاهر، والمُرَاد به: من لا عذر له (بِمَعْذُورٍ) أيْ بمن له عذر من سَلَس البول ونحوه، لأن المعذور يُصَلّي مع الحدث حقيقة، وإنما جُعِلَ حدثه في حكم العدم للحاجة إلى الأداء، فكان أضعفَ حالاً من الطاهر. وكذا لو زال عُذْر المعذور في أثناء الصلاة لا يَبْنِي عليها، لأنها بناء القويّ على الضعيف. وفي المسألة خلاف الشافعيّ وزُفَر. ولو اقتدى معذور بمعذور: إن اتَّحَدَ عذرهما جاز، وإن اختلف لا يجوز. (و) لا (قَارِاءٌ بأُمِّيَ) وهو: من لا يُحْسِن آية، لقوة حال القاراء. وكذا أُمِّيّ بأخرس، لقدرة الأُمِّيّ على التحريمة، بخلافه. واللفظ فوق الإيماء. (ولَابِسٌ بَعَارٍ وَغَيْرُ مُومٍ بِمُومٍ) بحذف الهمزة تخفيفاً كما في اطْفِ سراجك، وإنما لا يجوز اقتداؤهما، لقوة حالهما على حال العاري والمومي. (ولا مُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفِّلٍ) وبه قال مالك، وأحمد. وأجاز الشافعيّ اقتداءه به، لِمَا في الصحيحين من حديث جابر: «أن معاذاً كان يُصَلِّي مع رسول الله ﷺ عِشَاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيُصَلِّي بهم تلك الصلاة». ولفظ البخاري: «فَيُصَلِّي بهم الصلاة المكتوبة». ولنا ما في «الصحيحين» من حديث أنس ﵁: أنَّ النبيّ ﷺ قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه». ولو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل لَمَا شُرع صلاةُ الخوف مع المُنَافِي، بل كان الإمام يُصَلِّي بكل طائفة صلاة كاملة. وأُجِيبَ عن حديث مُعَاذ: بأن النية أمر لا يَطَّلِعُ

стр. 283

ومفتَرِضٍ فَرْضًا آخَرَ، === عليه أحد إلاَّ بإخبار الناوي. فجاز أنّ مُعَاذاً كان يُصَلِّي مع النبيّ ﷺ بنية النفل، لِيَتَعَلَّم منه سنة الصلاة ويَتَبَرَّك بالصلاة خلفه، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الفرض. ومع وجود الاحتمال لا يتم الاستدلال. ومن المعلوم أنّ حَمْل فعل الصحابيّ على الوجه المتفق عليه، أوْلَى من حمله على المختلف عليه. وروى أحمد في «مسنده»: أنّ النبيّ ﷺ قال: «إمَّا أنْ تُصَلّي معي، وإمَّا أن تُخَفِّفَ عن قومك». ومعناه: إما أنْ تصلّي الفرض معي، ولا تُصلِّي بهم، وإمَّا أنْ لا تُصلِّي معي الفرض حتى لا ينتظروك. قال ابن تيمية في «المُنْتَقَى» ـ وهو من أكابر الحنابلة ـ: فيه دَلالة على منع اقتداء المفترض بالمتنفل، لأنه يدل على أنه متى صَلّى معه امتنعت إمامته ـ أي للتقسيم الحاصر ـ، وبالإجماع لا تَمْتَنِعُ إمامته لصلاته النفل معه، فَعُلِمَ أن الذي كان يصلّيه مُعَاذ مع النبيّ ﷺ نفل. (ومُفْتَرِضٍ) عطف على متنفل أي ولا يقتدي مُفْتَرِض بمُفْتَرِضٍ (فَرْضاً آخَرَ) لأن الاقتداء: شَرِكَةٌ في التحريمة المقرونة بالنيّة، وموافَقةٌ في الأفعال البدنية. ولما روى أصحاب «السنن» عن أبي هُرَيْرَة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الأئمة ضُمَنَاء، والمُؤَذِّنُون أُمَنَاء. اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين». قال صاحب «الغَريبَيْنِ»: معنى الضمان: الحفظ والرعاية. فمعنى الحديث ـ والله تعالى أعلم ـ أن الإمام حافظ، ومراع لصلاة من اقتدى به صحة وفساداً. وتوضيحه: أنه يَسْرِي فساد صلاة الإمام إلى صلاة المأموم عندنا. وجعله مالك والشافعيّ تَبَعاً له في صورة الموافقة، لا في الفساد والصحة، لقوله ﷺ «إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤتَمَّ به». أي: لِيُوَافَقَ في أَفعاله ويُتَابِعَه فيها. وفيما عدا ذلك، صلاة كل منهما في الصحة والفساد مضافة إلى اجتماع شرائطها وأركانها، وعدم اجتماعهما. ولنا: ظاهر قوله ﷺ «الإمام ضامن». رواه أبو داود، والتّرمذيّ. وإنما يكون ضامناً إذا تَضَمَّنَتْ صلاته صلاة المُقْتَدِي، لتصح بصحتها، وتفسد بفسادها. فيكون اتحاد الصلاتين شرطاً في صحة الاقتداء، إلا ما فيه بناء الأخف على الأقوى، كاقتداء المُتَنَفِّل بالمُفْتَرِض على ما لا يَخْفَى. وصريح ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»: «أنّ عليّاً ﵁ صلّى بالناس وهو جُنُب، أو على غير وضوء، فأعاد وأَمَرَهم أن يُعِيدُوا. وأنَّ عمر ﵁ صلّى بالناس وهو جُنُب، فأعاد ولم يُعِدِ الناس. فقال له عليّ: قد كان يَنْبغِي لمن يُصَلّي معك أنْ يُعِيدَ، فَرَجَعُوا إلى قول عليّ ﵁. قال القاسم: وقال ابن مسعود: مثل قول عليّ. وقد رَوَى البيهقِي والدَّارَقُطْنِي عن

стр. 284

والإمَامُ لا يُطِيلُهَا، === سعيد بن المُسَيَّب: «أنَّ رسول الله ﷺ صَلّى بالناس وهو جُنُب، فأعاد، وأعادوا». والحديث مُرْسَلٌ، والراوي عن سعيد: أبو جابر البَيَاضي: ضعيف. ويفسد اقتداء مسبوق بغيره مطلقاً. أعني سواء كان مثله أو لاحقاً أو إماماً. وكذا بعكسه، بأن يقتدي الغير به، لأنه في حكم المقتدي من وجه، وفيه خلاف الشافعي. وأجاز الشافعيّ القضاء خلف الأداء مع الكراهة. هذا، ولو اقتدى بالإمام في المسجد عن بُعْد يصح إذا لم يَشْتَبِه عليه حال إمامه، لأنَّ المسجد مع تباعد أطرافه كبقعة واحدة. ولو كان على سطح داره بجنب المسجد لا يصح، لاختلاف المكان، إلا إذا كان على رأس الحائط. وفي «الخُلاصَة»: ولو كان على دُكَّان خارج المسجد متصلاً بالمسجد يجوز الاقتداء، لكن بشرط اتصال الصفوف، لأن باتصال الصفوف يصير كبقعة واحدة. فلو كان على الطريق واحد لا يثبت الاتصال، ولو كان ثلاث يثبت، لأن الثلاث جمع صحيح. ولو كان اثنان: قال محمد: حكمهما حكم الواحد. وقال أبو يوسف: حكمهما حكم الثلاث. والله تعالى أعلم. (والإمَامُ لا يُطِيلُهَا) أي الصلاة بإطالة القراءة ونحوها. لِمَا في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا صَلَّى أحدكم للناس فَلْيُخَفِّفْ، فإنّ فيهم الضعيف، والسقيم، والكبير. وإذا صلّى لنفسه فَلْيُطَوِّلْ ما شاء». وفي لفظ لمسلم: «الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض، وذا الحاجة». ولقول أبي مسعود الأنْصَارِيّ: «جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأَتأخر عن صلاة الغداة مما يُطِيلُ بنا فلان. قال: فما رأيت النبيّ ﷺ في موعظة أشدّ غضباً من يومئذٍ. فقال: يا أيها النّاس إن منكم مُنَفِّرِين، مَنْ صَلَّى بالناس فَلْيُخَفِّفْ، فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة». رواه الشيخان، وفي لفظ البخاري: «والمريض». ولقول عثمان بن أبي العاص: «آخر ما عَهِدَ إليَّ رسول الله ﷺ إذا أَمَمْتَ قوماً فأَخِفَّ بهم الصلاة». وفي لفظ: «أُمَّ قَوْمَكَ. فمن أمَّ قوماً فلْيُخَفِّفْ، فإنَّ فيهم الكبير، وإنّ فيهم الضعيف، وإنَّ فيهم المريض، وإنّ فيهم ذا الحاجة. وإذا صلَّى أحدكم وحده فلْيُصَلِّ كيف شاء». رواه مسلم. ولقصة مُعَاذ، وقول رسول الله ﷺ «أتريد أنْ تكون فَتَّاناً يا مُعَاذ؟ إذا أمَمْتَ بالناس، فاقرأ بـ: ﴿الشمس وضُحاها﴾، و ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ باسْمِ

стр. 285

ولا قِرَاءَةَ الأُولَى إلَّا في الفَجْرِ. ويَقُومُ المُؤتَمُّ الوَاحِدُ عَلى يَمِينِهِ، والزَّائِدُ خَلْفهُ === رَبِّكَ﴾ و ﴿الليل إذا يَغْشَى﴾. رواه الشيخان. وفي لفظ لمسلم: «فافْتَتَحَ سورة البقرة، فانْحَرَفَ رجل فسَلَّمَ، ثم صَلَّى وحده، وانصرف … » الحديث. وفي لفظ لأبي داود: «يا مُعَاذ: لا تكن فَتَّاناً، فإنه يُصَلِّي وراءك الكبير، والضعيف، وذا الحاجة، والمسافر». (ولا) يُطِيلُ (قِرَاءَةَ) الركعة (الأُولَى) على قراءة الرّكْعَة الثانية (إلاَّ في) صلاة (الفَجْرِ) لأنها في وقت غَفْلَة، فتُطَال الركعة الأولى ليدركها من أبْطَأَ في حضور الجماعة. ولا اعتبار في الزيادة والنقصان بما دون ثلاث آيات، لعدم إمكان الاحتراز عنه، وهذا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وأمّا عند محمد: فيُسْتَحَبّ تطويل الركعة الأُولى من الصلوات كلها. لِمَا في «الصحيحين» من حديث أبي قَتَادة، واللفظ للبخاريّ: «أن النبيّ ﷺ كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأُولَيَيْنِ بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأُخْرَيَيْنِ بفاتحة الكتاب. ويُطَوِّلُ في الركعة الأولى، ما لا يُطَوِّلُ في الثانية. وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح. وأُجِيبَ بأن الحديث محمول على الإطالة بالثناء والتعوذ. ثم هذا في الفرائض، وأما في النوافل، فإطالة الثانية غير مكروهة. (ويَقُومُ المُؤْتَمُّ الوَاحِدُ) بالغاً كان أو صبياً (عَلى يَمِينِهِ) أي يُسْتَحَبُّ أنْ يقف عن يمين الإمام، مساوياً له عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وواضعاً أصابع رجله بإزاء عَقِب الإمام عند محمد، لما روى الجماعة عن كُرَيْب ـ مَوْلى ابن عباس ـ عن ابن عباس قال: «بِتّ عند خالتي مَيْمُونَة، فقام رسول الله ﷺ يُصَلِّي من الليل. فَقُمْتُ عن يساره، وأخذني بيميني، فأدارني من ورائه، فأقامني عن يمينه، فصلّيت معه». وفي رواية: «فجعلني عن يمينه». وفي أخرى: «وأخذ برأسي من ورائي». وفي رواية: بيدي أو عَضُدِي. «وفيه دَلالة على أنَّ أقل الجماعة في غير الجمعة واحد. ويؤيده قوله ﷺ «الاثنان جماعة فما فوقهما». رواه ابن ماجه. (و) يقوم المُؤْتَمُّ (الزَّائِدُ) على الواحد (خَلْفهُ) أي خلف الإمام لِمَا روى الجماعة إلاّ ابن ماجه عن مَالِك بنِ أَنَس، عن إسحاق بن أبي عبد الله بن طَلْحَة، عن أنس بن مالك: «أنَّ جدته مُلَيْكَة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأُصَلِّي لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسْوَدَّ من طول ما لُبِس، فنضحتُه بماءٍ، فقام رَسول الله ﷺ فَصَففْتُ أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا.

стр. 286

وَيَصُفُّ الرِّجَالَ، ثُمَّ الصِّبْيَانَ، ثُمَّ الخُنْثَى، ثُمَّ النِّسَاءَ. فإنْ حَاذَتْهُ في صَلاةٍ مُطْلَقَةٍ مُشْتَرِكَةٍ تَحْرِيمَةً وأداءً: فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، === فصلى لنا ركعتين. واليتيم هو: ضُمَيْرَة بن سَعْد الحِمْيَريّ مولى رسول الله ﷺ له ولأبيه صُحْبَة». وعن أبي يوسف: يقوم الإمام بين الاثنين، لِمَا روى مسلم عن ابن مسعود: «أنه صَلّى بِعَلْقَمَة والأَسْوَد، فقام بينهما». قلنا: الأثر دليل الإباحة، والخبر دليل الأفضلية، لقول جابر: «قام النبيّ ﷺ فقمتُ عن يساره فأخذ بيدي، فأدَارَني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جَبَّار بن صَخْر، فقام عن يسار رسولِ الله ﷺ فأخذ بأيدينا جميعاً، فدفعنا حتى أقامنا خلفه»، مختصر من حديث طويل في آخر مسلم. هذا، ولو صَحّ مرفوعاً، ما رُوِيَ عن ابن مسعود وأبي يوسف، فمحمول على بيان الجواز، أو على عذر كضيق المكان. (وَيَصُفُّ الرِّجَالَ) على قدر مراتبهم (ثُمَّ الصِّبْيَانَ ثُمَّ الخُنْثَى) وفي نسخة الخَنَاثَى بفتح أوله جمع خُنْثَى بالضم، كالحَبَالى: جمع حُبْلى. (ثُمَّ النِّسَاءَ) لما روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «لَيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونهُم». وفي رواية «ثلاثاً». والأحلام جمع حُلُم وهو: ما يراه النائم: كَنَّى به هنا عن البلوغ، لأنه سببه. والنُّهَى بضم النون: جمع نُهْيَة بضمها، وهو العقل. سُمِّي به لأنه ينهى عن المناهي، ويعقل صاحبه عن ارتكابها. ولقول أبي مالك الأشْعَري: «إن النبيّ ﷺ صلّى فأقام الرجال يَلُونَه، وأقام الصِّبْيان خلف ذلك، وأقام النِّسَاء خلف ذلك». رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه». «وفي مسند الحَارِث بن أبي أُسَامة»: «أنَّ النبيّ ﷺ كان يَصُفُّهم في الصلاة، فيجعل الرجال قُدَّام الغِلْمَان، والغِلْمَان خَلفهم، والنساء خلف الغِلْمَان». (فإنْ حَاذَتْهُ) أُنثى عاقلة مشتهاة: في الحال أو في الماضي، لتدخل العجوز، أجنبية منه كانت، أو قريبة له، أو زوجته، بكلها أو ببعضها، بأن كان أحدهما على الدُّكّان (١) والآخر على الأرض، وحاذى عضواً منها (في صَلاةٍ مُطْلَقَةٍ) ذات ركوع وسجود، أو بدلهما: وهو الإيماء (مُشْتَرَكَةٍ تَحْرِيمَةً وأداءً فَسَدَتْ صَلَاتُهُ). اعلم أنَّ المُدْرِك ـ وهو الذي أتى بالصلاة جميعها مع الإمام ـ بانٍ تحريمته على تحريمة الإمام، وأداؤه على أدائه. واللاحق ـ وهو الذي فاته من آخر الصلاة بسبب نوم أو سَبْقِ حَدَث ـ بانٍ تحريمته على تحريمة الإمام حقيقة، وأداءه فيما يقضي على أدائه

стр. 287

إنْ نَوَى إمَامَتَهَا، وإلَّا فَصَلاتُها. === تقديراً، لأنه التزم متابعته في أول الصلاة بالتحريمة. ولهذا لا يقرأ فيما يقضيه، ولا يسجد بسهو فيه، وتبطل صلاته بتبدل اجتهاده في القبلة. والمسبوق ـ وهو الذي فاته الإمام أول الصلاة ـ بانٍ تحريمته على تحريمته، وليس بانياً أداء ما يقضيه على أدائه، بل هو منفرد فيه، ولهذا يقرأ فيه، ويسجد للسهو، ولا تبطل صلاته بتبدل اجتهاده في القبلة. وفي «المحيط»: رجلٌ وامرأة قاما يقضيان ما سُبِقَا به، فتحاذيا لم تفسد صلاته، لأنهما لم يَشْتَرِكا في صلاة واحدة، لأنَّ المسبوق فيما يقضي منفرد. وإنْ أدركا أول الصلاة، ونَامَا أو أحدثا، ثم قاما يقضيان ما سُبِقَا به، فتحاذيا فسدت صلاته، لأنهما لاحقان. واللاحق بمنزلة المُصَلِّي خلف الإمام. وإنما تفسد صلاة الرجل بالمحاذاة دون صلاة المرأة، لتركه التَقدُّم الذي أُمِرَ به فيما رَوْيَنَاه عن ابن مسعود وهو: «أخِّرُوهنَّ من حيث أَخَّرَهُنَّ الله». لأنه المخاطب بها دونها. ولِمَا في حديث أنس السابق من أنه صُفَّ هو واليتيم وراء النبي ﷺ والعجوز من ورائهما. ولولا أنَّ المحاذاة مفسدة، ما تأخَّرَت العجوز عنهما، لأنَّ الانفراد خلف الصف مكروه. وهذا وجه الاستحسان، وفيه بحث ظاهر إذ الظاهر أنَّ انفرادها لبيان الأفضل، وحينئذٍ لا يكون مكروهاً في حقها فتأمل. وأمّا عند مالك والشافعيّ فلم تَفْسُد صلاته أيضاً، وهو القياس اعتباراً بصلاتها، حيث لا تفسد لأن المحاذاة تقوم بهما. ولو كانت علة الفساد ـ وهي قائمة بهما ـ لكان الحكم ـ وهو الفساد ـ ثابتاً في حقهما، إذ الاستواء في العلة، يقتضي الاستواء في المعلول. ولَمّا لم تَفْسُد صلاتها، دَلَّ أنها ليست بمفسدة لصلاته. وأمّا محاذاة الأمرد فَصَرَّح الكل بعدم إفسادها إلا مَنْ شَذّ. ولا مُتَمَسّك له في الرواية، لِمَا صَرَّحُوا به، ولا في الدراية لتصريحهم بأن الفسادَ في المرأة غير معلول بعروض شهوة، بل هو لترك فرض المقام. وليس هذا في الصبيّ. (إنْ نَوَى إمَامَتَهَا) إذا ائْتَمَّتْ محاذية، لأنه يلزمه الفساد من جهتها، فلا بد له من التزامه. كالمقتدي لا بد له من نية الاقتداء لَمَّا لَزِمَه الفساد من جهة إمامه. (وإلاَّ فَصَلاتُها) وإن لم ينو الإمام إمامتها، لا تُفْسِد صلاته، بل تُفْسد صلاتها، لأنها لم يصح اقتداؤها، فلم تكن قراءة الإمام قراءة لها، فتبقى صلاتها بلا قراءة. ولم

стр. 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === يشترط زُفَر نية (١) إمامتها مُطْلَقاً. ويُشْتَرَطُ في المُحَاذَاة: أنْ لا يكون بينهما حائل، ولا فُرْجَة. وأدنى الحائل في الطول: مثل مُؤْخِرَة الرَّحل (٢) أو مقدمته، لأنه أدنى أحوال الصلاة: القُعُود، فقدَّرْنَا الحائل به، وهو قدر ذراع بغِلَظ أُصْبَع. وأدنى الفُرْجَة: ما يقوم فيه شخص. وفي «النوازل»: قوم صَلَّوا على ظهر ظُلَّة في المسجد، وقدَّامهم وتحتهم النساء: لا تجزيهم صلاتهم، لأنه تَخَلَّل بينهم وبين الإمام صف النساء، فمنع اقتداءهم. وإن كان بحذائهم من تحتهم نساء أجزأهم، لأنه ليس بينهم وبين الإمام نساء، وبينهم وبينهن حائل ـ وهو ارتفاع المكان ـ فلا تتحقق المحاذة، كما لو كان بينهما حائط. وفي «الغاية»: ويُشْتَرَطُ أنْ تكون جهتهما واحدة. ولا يُتَصَوَّرُ اختلاف جهتهما إلاَّ في ليلة مظلمة، أو الكعبة أي داخلها، أو حولها. ويُشْتَرَطُ أنْ تكون المحاذاة في ركن كامل. وأمّا قول صاحب «الهداية»: لقوله ﷺ «أخِّرُوهُنَّ من حيث أخَّرَهُنَّ الله». فغيرُ معروفٍ رَفْعُه. وأغرب منه أنه جعله من المشاهير، وهذا خلاف ما عليه الجماهير. والحاصل: أنه لا يصح رفعه، لكنّه ثبت عن ابن مسعود وقفه. رواه الطَّبَرانِيّ: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرَّزَّاق، عن الثَّوْرِيّ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيم، عن أبي مَعْمَر، عن ابن مَسْعُود قال: «كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يُصَلُّون جميعاً، وكانت المرأة إذا كان لها الخليل تَلْبَسُ القَالَبَيْنِ، تَطَّاوَلُ بهما لخليلها، فألْقَى الله عليهن الحيض. وكان ابن مسعود يقول: أَخِّرُوهُنَّ كما أخَّرَهُنَّ الله. قلنا لإبراهيم: ما القَالَبَان (٣) ؟ قال: قُبْقَاباً من خشب». وإسحاق بن إبراهيم هذا: هو الوَبَري، وأبو مَعْمَر: عبد الله بن سَخْبَرَة (٤) الأزدي. وقد قال تقي الدين بن دقيق العيد: إنه حديث صحيح. والحديث مع كونه موقوفاً لا دَلَالة له فيه إلاَّ على الاستحباب، فأخِّرُوهُنَّ عن الرجال كتأخّر الأطفال وَفْقَ ما ثبت في الأحاديث المرفوعة. وعلى تسليم أنَّ الأمر للوجوب

стр. 289

فَصْلٌ [فيمن سَبَقَهُ الحَدَثُ] مُصَلٍّ سَبقَهُ الَحدثُ تَوَضَّأَ وأتَمَّ، ولَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، === بناء على أنه في حكم المرفوع، فلا دَلَالَة فيه على إبطال الصلاة حال المحاذاة .. فصلٌ (فيمن سبقه الحدثُ في الصلاة) (مُصَلَ سَبَقَهُ الحَدَثُ) أي حصل منه بدون اختياره ويسمى الحدث السَّمَاوي (تَوَضَّأَ) بلا توقف (وأتَمَّ) تلك الصلاة ثانياً. وفيه إشارة إلى أنَّ المراد بالحدث: الموجب للوضوء، دون الغُسْل، إذ لا يصح البناء فيه كما سيأتي. (ولَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ) أي قبل خروجه من الصلاة. وقال مالك والشافعي: يستأنف الصلاة لأنَّ الحدث ينافيها، والانحراف من الصلاة اللازم من الذهاب إلى الوضوء ـ عن القبلة غالباً يُفْسِدُها. فصار كالحدث العمد. ولنا: ما روى ابن ماجه، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ «من أصابه قيء أو قَلَس (١) أو مَذْي (٢) فلينصرف وليتوضأ ثم ليَبْنِ على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم». وروى ابن أبي شَيْبَة: نحوه، موقوفاً على جماعة من الصحابة: منهم الصِّدِّيق، والفاروق، والمُرْتَضَى، وابن مسعود، وغيرهم ﵃. والقلس: خروج شيء بسبب جُشَاء أو سَعْلَة. فإن قيل: قال الدَّارَقُطْنِيّ: يروونه عن ابن أبي مُلَيْكَة عن النبيّ ﷺ مرسلاً، وهو الصحيح. أُجِيبَ بأن المُرْسَل حجةٌ عندنا، وعند الجمهور، كما تقرر في موضعه من الأصول. وقياس الحدث السَّمَاوي على الحدث العَمْدِي لا يصح، لأن الأول فيه بَلْوَى، فجُعِلَ المكلف به معذوراً، بخلاف الثاني. وأمّا جواز بناء من سَبَقَه الحدث بعد التشهد أو القعود قَدْر التشهد، فعند أبي حنيفة. ووجهه: أنَّ خروج المُصَلِّي بصنعه فرض عنده، فحصول هذا العارض (في هذه الحالة كحصوله في وسط الصلاة. وأما عندهما فبالقعود قَدْرَ التشهد تَمَّت صلاته) (٣) ،

стр. 290

والاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ. === فحصول هذا العارض حينئذٍ كحصوله بعد السلام. (والاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ) لأن فيه تَحَرُّزاً عن شُبْهَة الخلاف، لا واجب كما قال مالك والشافعيّ، وهو القياس، لوجود المُنَافي لشرط الصلاة، وهو الطهارة. ووجود المشروط بدون الشرط محال، ويَعَضُدُه قوله ﷺ «إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف فليتوضأ، ولْيُعِدْ صلاته». رواه أبو داود والتِّرْمِذِي والنَّسائي. وقوله: «إذا رَعَف (١) أحدكم في صلاته فَلْيَغْسِلْ عنه الدَّم، ثم ليُعِدْ وُضُوءَه، ولْيَسْتَقْبِلْ صلاته». رواه الطَبَرَانِيّ وغيره. وأُجِيبَ: بأنَّ في سند كل منهما ضَعْفاً. وروى أبو داود وابن ماجه، عن هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «إذا صلّى أحدكم فأحدث فلْيأخذ بأنفه ثم لينصرف». وروى الدَّارَقُطْنِيّ أيضاً عن عاصم بن حَمْزَة، والحارث، عن عليّ كرَّم الله وجهه قال: «إذا أمَّ الرجل القوم فوجد في بطنه ورماً (٢) ، أو رُعَافاً، أو قَاءَ، فليضع ثوبه على أنفه، ولْيَأْخُذ بيده رَجُلاً من القوم فَلْيُقَدِّمْهُ». الحديث ضعيف أيضاً. وتقدَّم أن الحارث كَذَّاب، وعاصم فيه بعض شيء. وروى الدَّارَقُطْنِي أيضاً مرفوعاً: وضَعُ اليد على الأنف حين الانصراف فقط. وهو ضعيف أيضاً. والحاصل: أنه لم يصح في هذا الباب شيء عن النبيّ ﷺ وأما قول صاحب «الهداية»: أنه ﷺ قال: «إذا صلّى أحدكم فقاء أو رَعَفَ، فلْيَضَع يده على فمه (٣) ، ولْيُقَدِّمْ مَنْ لم يُسْبَقْ بشيء». فقوله: «من لم يُسْبَقْ بشيء» غير معروف في كتب الحديث. لكن ذكر أصحابنا: أن الأوْلى للإمام أن يُقَدِّم مُدْرِكاً، لأنه أقدر على إتمام صلاته. وذكر القاضي أبو العبّاس عن إمام الحرمين في «النهاية»، وعن الغزالي في «البسيط»: أن حديث: «من قاء أو رَعَفَ أو أمْذَى في صلاته، فلينصرف وليتوضأ، ولْيَبْنِ على صلاته ما لم يتكلم». في كتب الصحاح. وهو وَهْمٌ منهما، وعذرهما أنهما لا معرفة بالحديث لهما، لأنهما ليسا من أهل هذا الشأن. والله المستعان.

стр. 291

[كيفية الاستخلاف إذا نابه شيء في الصلاة] والإمامُ يَسْتَخْلِفُ، يَجُرُّ آخَرَ إلى مَكَانِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ويُتمُّ الصَّلاة ثَمَّة، أو يَعُودُ كالمُنْفَرِدِ إنْ فَرَغَ إمَامُهُ، وإلَّا عَادَ، وكَذَا المُقْتَدِي. === (والإِمامُ) أي حينئذٍ (يَسْتَخْلِفُ) لِمَا رَوَى الشيخان عن سَهْل بن سعد: «أن أبا بكر ﵁ صلّى بالناس لغيبة رسول الله ﷺ في إصلاحه بين الطائفتين من الأنصار، ثم رجع النبي ﷺ في أثناء الصلاة، فَتَقدَّمَ وتَأَخَّرَ أبو بكر، وائْتَمُّوا برسول الله ﷺ في بقية الصلاة». كذا ذكره الشارح، وفيه نظر. ولعله أراد أنه دليل للاستخلاف في الجملة، وإنْ كان هذا مختصّاً به ﷺ لِمَا تقدم. وروى البَيْهَقِي وغيره: «أنّ عمر بن الخطاب ﵁ لَمَّا طَعَنَه أبو لؤلؤة وهو في الصلاة استخلف عبد الرحمن ابن عوف ﵁»، «واستخلف عليٌّ ﵁ حين رَعَفَ». وأجمع الصحابة على صحة الاستخلاف. (كيفية الاستخلاف إذا نابه شيء في الصلاة) وكيفية استخلافه ما بَيَّنه بقوله: (يَجُرُّ آخَرَ إلى مَكَانِهِ)، ويتأخر مُحْدَوْدِباً واضعاً يده في أنفه يُوهِم أنه قد رَعَفَ، لِيَنْقَطِع عنه الظنون، ويرتفع عنه ما يوجب الحياء المانع من البناء. ولا يَسْتَخْلِفُ بالكلام، فلو تكلم بطلت صلاتهم. وفي «مِعْرَاج الدِّرَاية»: اتفقت الروايات على أنّ الخليفة لا يصير إماماً ما لم يَنْوِ الإمامة. (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ويُتِمُّ الصَّلَاة ثَمَّة (١) ) حيث توضأ إن أمكن تقليلاً للمشي (أو يَعُودُ) إلى مكان صلاته لتصير الصلاة مؤداة في مكان واحد. (كالمُنْفَرِدِ) كما أنّ المنفرد الذي سبقه الحدث يُتِمُّ الصلاة في مكان وُضُوئه أو يَعُودُ إلى مكان الصلاة، والعود أحمد، وبه قال الكَرْخِيّ، وقيل: الأداء حيث الوضوء أفضل. وفي «نوادر ابن سَمَاعَة»: أنَّ العود يُفْسِدُ، لأنه مَشْيٌ بلا حاجة، وإنما يتخير الإمام الذي سبقه الحدث بين أن يُتِمَّ حيث توضأ أو يعود. (إنْ فَرَغَ إمَامُهُ) وهو الخليفة (وإلاَّ) أي وإنْ لم يَفْرُغ إمامه (عَادَ) وأتَمَّ خلف خليفته. (وكَذَا المُقْتَدِي) إن فَرَغَ إمامه، يُتِمُّ حيث توضأ، أو يعود، وإنْ لم يَفْرُغ إمامه، فعليه أنْ يعود. ولو صلّى كلٌ من الإمام الأول والمقتدي في موضعه، فَسَدَت. لأن الاقتداء واجب عليه، وقد بنى في موضع لا يصح اقتداؤه فيه. ولا يجوز انفراد المقتدي، لأن

стр. 292

وَلَوْ جُنَّ المُصَلِّي، أو أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أو احْتَلَمَ، أو قَهْقَهَ، أوْ أَحْدَثَ عَمْدًا، أوْ أَصَابَهُ بَوْلٌ كَثِيرٌ، أو شُجّ فَسَالَ الدَّمُ، أو ظَنَّ أنه أَحْدَثَ، فَخَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ، أَو جَاوَزَ الصُّفُوفَ خَارِجَهُ: فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ، أوْ لَمْ يُجَاوِزْ بَنَى. وبَعْدَ التَّشَهُّدِ إن عَمِلَ ما يُنَافِيهَا تَمَّتْ، وتَفْسُدُ صَلاةُ المَسْبُوقِ. === الانفراد في موضع الاقتداء مُفْسِدٌ للصلاة. وفي «شرح الطَّحَاوي»: يشتغل أولاً بقضاء ما سبقه الإمام به ـ في حالة اشتغاله بالوضوء ـ بغير قراءة، ثم يَقْضِي آخر صلاته. ولو تابع الإمام جاز، ويقضي ما فاته مع الإمام بعد تسليمه، لأن ترتيب أفعال الصلاة واجب عندنا، وليس بشرط خلافاً لزُفَرَ ومالك والشافعيّ. ولنا: أنَّ المسبوق يبدأ بما أَدْرَكَ ويؤخر ما فاته، وفيه ترك الترتيب، لأن الذي فاته هو الأول، ولو كان رُكْناً لَمَا جاز له تركه لعذر الجماعة. (وَلَوْ جُنَّ المُصَلِّي أو أُغْمِيَ عَلَيْهِ أو احْتَلَمَ) بأن نام نوماً لا ينقض الوضوء، فاحْتَلَمَ، أو تَفَكَّرَ، أو مَسَّ بشهوة فَأمْنَى (أو قَهْقَهَ) عمداً كان أو سهواً (أوْ أَحْدَثَ عَمْداً) في أثناء الصلاة قبل قُعُودِهِ قدر التشهد (أوْ أَصَابَهُ بَوْلٌ كَثِيرٌ) أي مانع من الصلاة (أو شُجّ فَسَالَ الدَّمُ، أو ظَنَّ أنه أَحْدَثَ) بأن خرج شيء من أنفه، فظن أنه رَعَفَ (فَخَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ أَوْ جَاوَزَ الصُّفُوفَ خَارِجَهُ) أي خارج المسجد، سواء كان في الصحراء، أو غيرها. ولو تقدم قُدَّامه فاتخذ سُتْرة، فإنْ لم يكن سترة، فمقدار الصفوف خلفه، وإن كان منفرداً، فموضع سجوده من كل جانب (١) ، ثم ظهر طُهْرُه (فَسَدَتْ صَلَاتُهُ). (ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ) من المسجد (أوْ لَمْ يُجَاوِزْ) الصفوف (بَنَى.) وعن محمد: لا يَبْنِي. (وبَعْدَ التَّشَهُّدِ) أي بعد قعوده قدر التشهد (إن عَمِلَ) الإمام (ما يُنَافِيهَا) كحدثٍ عمد، وإن كان بعد حدث سماويّ، وكقهقهة وإنْ بَطَلَ بها وضوؤه، (تَمَّتْ) صلاة الإمام (وتَفْسُدُ صَلَاةُ المَسْبُوقِ). أمّا تمام صلاة الإمام، فلأَنه تَعَذَّرَ البناء لوجود القاطع. ولا إعادة عليه، لأنه لم يَبْقَ عليه شيء من أركان الصلاة.

стр. 293

وإنْ وُجِدَ هُنَا رُؤْيَةُ المُتَيَمِّمِ المَاءَ ونَحْوُهُ، === وأمَّا فساد صلاة المَسْبُوق، فعند أبي حنيفة. وقالا: لا تَفْسُد، لأن صلاة الإمام لم تفسد، وصلاة المقتدي مبنية عليها. وله: أنّ القهقهة مفسدة للجزء الذي لاقته من صلاة الإمام، فَتُفْسِدُ مِثْلَه من صلاة المأموم، إلاَّ أنَّ الإمام لا يحتاج إلى البناء، والمسبوق يحتاج إليه، لبقاء الفرائض. وفساد ذلك الجزء يمنعه من بناء ما بَقِي عليه، لأن المبني على الفاسد فاسد، فيلزمه الاستئنَاف. بخلاف السلام لأنه مُحَلِّل لا مفسد، ولهذا لا يفوت به شرط الصلاة ـ وهو الطهارة ـ فإذا صادف جزأ لم يُفْسِدْه، فلم يؤثر ذلك في حكم المسبوق، ولكنه يقطعه في أوانه. ثم اعلم أنه لو سَبَقَ المُصَلِّيَ حَدَثٌ بعد قراءة التشهد قبل السلام، تَوَضّأ وسَلّمَ، لأن السلام واجب فيأتي به ليخرج منها على الوجه المشروع. وإنْ تَعَمَّدَه، أو ما ينافيها من كلام ونحوه بعد التشهد، جازت صلاته عندنا ناقصة، فيجب إعادتها. أمّا نَقْصُها ووجوب إعادتها، فلتركه واجباً لا يمكن استدراكه وحده. وأمّا جوازها فلإتيانه بفرائضها. والأصل ما قدَّمْنَا من قوله ﷺ «إذا قضى الإمام الصلاة وقعد، فأحدث قبل أن يتكلم، فقد تمّت صلاته، ومن كان خلفه ممن أَتَمَّ الصلاة». رواه أبو داود والتِّرْمِذِي. وما في «الحِلْيَة» لأبي نُعَيْم عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ كان إذا فَرَغَ من التَّشَهُّد، أقبل علينا بوجهه وقال: من أحْدَثَ حَدَثاً بعدما يَفْرُغُ من التشهد، فقد تَمَّتْ صلاته». وما في «مصنف ابن أبي شَيْبَة» عن عليّ ﵁ قال: «إذا جلس الإمام في الرابعة، ثم أحدث فقد تَمَّتْ صلاته. فَلْيَقُمْ حيث شاء». وزِيد في رواية: «قدر التشهد». عن عطاء: «كان رسول الله ﷺ إذا قَعَدَ في آخر صلاته قدر التشهد، أقبل على النَّاس بوجهه. وذلك قبل أنْ ينزل التسليم». رواه البَيْهَقِيّ. (وإنْ وُجِدَ) بصيغة المجهول (هُنَا) أي بعد التشهد (رُؤْيَةُ المُتَيَمِّمِ المَاءَ) مع قدرته على استعماله (ونَحْوُهُ) وهو باقي الفروع المُلَقَّبَة باثني عَشْرِيَّة. وهي: ١ ـ انقضاء مدة المسح. ٢ ـ ونَزْع الخفَّيْنِ بعمل قليل. ٣ ـ وسقوط الجبيرة عن بُرْء. ٤ ـ وتَعَلُّم أُمّيٌّ قَدْرَ فرض القراءة، بأنْ تَذَكَّرَ بعد نسيان، أو حَفِظَ بمجرد السماع، لأن التعلم على خلاف هاتين الصورتين عمل كثير. ٥ ـ ووجود عارٍ ما يَسْتُرُ عورته، ولو عَارِيَّة. ٦ ـ وقدرة مُومٍ على الركوع والسجود. ٧ ـ وتذكر مصلَ فائتة عليه، أو على إمامه وفي الوقت سَعَة، ويكون كلٌّ صاحب ترتيب. ٨ ـ واستخلاف أُمِّيّ، ٩ ـ وطلوع الشمس في الفجر. ١٠ ـ أو دخول وقت العصر في

стр. 294

فَسَدَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لفَرْضِيَّةِ الخُرُوجِ بِصُنْعِهِ، لا عِنْدَهُمَا. فَصْلٌ فيما يُفْسِدُ الصَّلاة وما يُكْرَهُ فيها يُفْسِدُهَا الكَلامُ مُطْلَقًا، === الجمعة. ١١ ـ وخروج وقت المعذور ـ أعني المستحاضة ومن بمعناها (١) . (فَسَدَتْ) الصلاة في هذه الصُّوَر وما في معناها، بأن يصلي في ثوب نجس فيجد ما يغسله به (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لفَرْضِيَّةِ الخُرُوجِ بِصُنْعِهِ) أي صُنْعِ المُصَلِّي عنده ولم يوجد. لأن الصلاة ذات تحريم وتحليل، فلا يخرج منها إلا بالصنع كالحج (لا عِنْدَهُمَا) لعدم فَرْضِيَّة الخروج بالصنع عندهما، وهو الأظهر لحديث ابن مسعود: «إذا قلت هذا، أو فعلت هذا، فقد تَمَّتْ صلاتك». ولإطلاق ما أسلفناه، ولدلالته لأنها إذا لم تَفْسُد مع تَعَمُّدِهِ، فأوْلى أنْ لا تَفْسُد عند عدمه. وقال الكَرْخِيّ: لا خلاف بين أصحابنا أنّ الخروج من الصلاة بفعل المصلي ليس بفرض، ولا نَصَّ فيه عن أبي حنيفة، وإنما أخذه أبو سعيد البَرْدَعِي من قوله بفساد الصلاة في هذه المسائل، فقال: إنَّ الصلاة لا تَفْسُد إلاَّ بترك فرض، ولم يبق في هذه الصور إلاّ الخروج بالصنع. قال الكَرْخِيّ: هذا غلط لأنه لو كان فرضاً، لاخْتَصَّ بما هو قربة ـ وهو السلام ـ ولَمَّا لم يَخْتَصَّ، عَلِمْنَا أنه ليس بفرض. وقال: إنما قال أبو حنيفة ببطلان الصلاة في هذه المسائل، لأن ما يُغَيِّرُ الصلاة في أثنائها يُغَيِّرُها في آخرها، كنية الإقامة واقتداء المسافر بالمقيم، كيف وقد بَقِيَ عليه واجب وهو: السلام، وهو آخرها داخلاً فيها. فصلٌ فِيمَا يُفْسِدُ الصَّلَاة وما يُكْرَهُ فِيهَا (يُفْسِدُهَا الكَلَامُ) أي ولو كان كلمة من كلام الناس (مُطْلَقاً) أي عَمْداً كان، أو جَهْلاً، أو خطأً، أو نسياناً، أو سَهْواً. يسيراً كان الكلام، أو كثيراً. نائماً كان المُصَلِّي، أو يقظاناً. وصورة الكلام خطأً: بأن قصد القراءة أو التسبيح، فجرى على لسانه كلام الناس. والكلام نسياناً: بأن قصد كلام الناس ناسياً أنه في الصلاة. وقال مالك: لا يُفْسِدُها الكلام ناسياً، ولا الكلام عَمْداً لإصلاح الصلاة إذا لم يَتَنَبَّهْ إمامه إلاَّ به. وقال الشافعيّ: لا يُفْسِدُها كلام النَّاسِي والمُخْطِاء إِلاَّ إذا طال. ويُعْرَفُ الطُّولُ بالعُرْف. وكذا الجاهل بتحريمه والمُكْرَه لقوله ﷺ «إنّ الله وَضَع عن أُمّتِي الخطأ، والنسيان،

стр. 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وما اسْتُكْرِهُوا عليه». رواه ابن ماجه، (وابن حِبّان) (١) ، والحاكم. وقال: صحيح على شرطهما. والمراد وضع الحكم إذ هما يوجدان حسّاً والخُلْف في خَبَرِهِ محال. والحكم نوعان: حكم الدنيا: وهو الفساد، وحكم العُقْبَى: وهو الإثم. ومُسَمَّى الحكم يشملهما، فيتناولهما. ولنا: ما رواه مسلم من حديث مُعَاوِيَة بن الحَكَم السُّلَمِيّ قال: «بينما أنا أُصَلِّي مع رسول الله ﷺ إذ عَطَس رجل من القوم، فقلت له: يَرْحَمُك الله. فَرَمَاني القوم بأبصارهم، فقلت: وَاثُكْلَ (٢) أمّاه، ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفْخَاذِهم. فَلَمَّا رَأَيْتُهم يُصَمِّتُونَنِي. سَكَتُّ، فَلَمَّا صلّى النبيّ ﷺ دعاني. فبأبي هو وأمِّي ما رأيت مُعَلِّمَاً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه. فوالله ما ضَرَبَني ولا شَتَمَنِي، ثم قال: «إن هذه الصلاة لا يَصْلُح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي وفي رواية: إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن». وفي لفظ الطبَرانِيّ في «معجمه»: «إنَّ صلاتنا لا يَحِلُّ فيها شيء من كلام الناس». وما لا يَصْلُح ولا يَحِلُّ في صلاة فمباشرته تفسدها. ويَعْضُدُه قوله ﷺ «الكلام يَنْقُضُ الصلاة، ولا ينقض الوضوء». رواه الدَّارَقُطْنِيّ. فإن قيل: الكلام الواقع من معاوية عَمْد، ومطلوبكم الكلام مطلقاً يفسد الصلاة. أُجِيبَ: بأن العبرة لعموم اللفظ، وهو قوله ﷺ «إنَّ هذه الصلاة لا يَصْلُحُ فيها شيء من كلام الناس». لا لخصوص سببه ـ وهو الكلام العمد ـ لأن الذي يُسْتَدَلُّ به على الحكم هو اللفظ لا السبب. وحديث ذي اليَدَيْن منسوخ بما رَوَيْنا (٣) . ألَا ترى أنَّ حديث ذي اليدين وقع فيه كلام كثير عمداً. وأمّا حديث: «(ن الله تعالى وضع». فالإجماع على أنّ رفع الإثم مراد، فلا يُرَاد غيره وإلاّ لَزِم تعميمه. وفي «المحيط»: «لو

стр. 296

والسَّلامُ عَمْدًا وَرَدُّه === عَطَسَ، أو تَجَشَّأَ فحصل منه كلام ـ أي لغوياً ـ لا تفسد لتعذّر الاحتراز عنه. وأمّا قوله ﷺ «أُفَ، ألم تَعِدْني أنْ لا تُعَذِّبَهم وأنا فيهم؟» (١) فواقعة حال لا عموم لها. فيجوز كونها قبل تحريم الكلام في الصلاة فلا يُعَارِضُها قوله ﷺ «إنَّ صلاتنا هذه» الحديث. وقوله: «فأُمِرْنا بالسكوت، ونُهِينَا عن الكلام» (٢) . ونحوه من الأحاديث. كذا ذكره بعض علمائنا. وفيه بحث إذ جملة كلامه مضمون كلام الله سبحانه ومبناه على معناه وهو: قوله تعالى: ﴿وما كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (٣) فهذا دعاؤه ومناجاته طِبْق الآيات القرآنية، والواردات الفرقانية. وقد جاء أُفَ في القرآن، فليست من الكلمات الأجنبية. (و) يفسدها (السَّلَامُ) أي للصلاة إذ السلام على إنسان مفسد، عَمْداً كان أو خطأً، نص عليه في «المحيط»، وقاضيخان. وفي «الخُلَاصة»: لو أراد السلام على إنسان فقال: السلام، فَتَنَبَّهَ وسكت فسدت صلاته. (عَمْداً) قيد به لأن السلام سَهْواً غير مُفْسِد، وذلك أنَّ السلام ذِكْر مشتمل على خطاب، فاعْتُبِرَ في حالة العَمْدِ بكونه خطاباً للناس، فأفسد الصلاة، وفي غير حالة العمد بكونه ذِكْراً، فَجُعِلَ عَفْواً. وتوضيحه: أن السلام من أذكار الصلاة، إذ المُتَشَهِّدُ يُسَلِّمُ على النبيّ ﷺ وعلى عباد الله الصالحين، وهو من أسمائه تعالى، وإنما أَخَذَ حكمَ الكلام بكاف الخطاب، وإنما يتحقق معنى الخطاب فيه عند القصد، فاعتبرناه ذِكْراً عند النسيان، وكلاماً عند التعمد عَمَلاً بالشبهين. وقيل: إنْ كان على ظن أنَّ الصلاة تامة فغير مُفْسِد، وإنْ كان ناسياً للصلاة فَمُفْسِد. (وَرَدُّه) أي رد السلام بلسانه عمداً كان، أو سهواً، لأنَّ رد السلام ـ سواء قال: عليك السلام، أو السلام عليك ـ ليس من الأذكار، بل هو كلام وخِطَاب، والكلام مُفْسِدٌ عَمْداً كان أو سَهْواً. وفي «الظَهِيرَيَّة»: ولو سلم إنسان على مُصَلَ، فأشار إلى رد السلام برأسه (أو

стр. 297

والأَنِينُ ونَحْوهُ مِمَّا له صَوْتٌ، والبُكَاءُ بِصَوْتٍ، إِلّا لأَمْرِ الآخِرَةِ، وَتَنَحْنُحٌ إلا بِعُذْرٍ، وتَشْمِيتُ عَاطِسٍ، وَجَوَابُ الكَلامِ وَلَوْ === بيده) (١)، أو بأصبعه لا تفسد صلاته. ولو طلب إنسان من المُصَلِّي شيئاً، فأَوْمَأَ برأسه، أو بيده بـ: لا أو بـ: نعم، لا تَفْسُدُ صلاته. ومثل ذلك في «خُلاصَةِ الفَتَاوى»، وكذا في «شرح الكَنْز» عن «الغاية». وذكر صاحب «المَجْمَع» رد السلام باليد في مفسدات الصلاة. وفي «الخُلَاصة»: أن في الرد بالرأس أو اليد تَفْسُد صلاته. وفي «مواهب الرحمن»: أنَّ رَدَّ السلام بيده مكروه في الصلاة. (و) يُفْسِدها (الأَنِينُ ونَحْوهُ مِمَّا له صَوْتٌ) كالتأوّه (والتأفيف والنَّفْخ المسموع، إلا إذا كان مريضاً لا يملك نفسه عن الأنين والتَّأَوُّه) (٢)، لأن أنينه حينئذٍ كالعُطَاس والجُشَاء إذا حصل بهما حروف. (و) يُفْسِدُها (البُكَاءُ بِصَوْتٍ إِلاّ لأَمْرِ الآخِرَةِ) هذا قيد في هذه المسألة والتي قبلها. والحاصل: أن نحو الأَنين والبكاء بصوت: إن كان لغير أمر الآخرة بأن كان لوجع أو مصيبة تفسد الصلاة، لأن فيه إظهار التأسّف والجزع، فصار كأنه قال: أعينُوني. وإن كان لأمر الآخرة بأن كان لِخَوْف أو رجاء لا تفسد، لأنه كالدعاء والثناء. روى أبو داود عن مُطَرِّف، عن أبيه قال: «رأيت النبيّ ﷺ يُصَلِّي وفي صوته أزيز كأزيز الرَّحى (٣) من البكاء». وفي البخاري: قال عبد الله بن شداد: «سمعت نشيج عمر ﵁ وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿إنما أَشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى الله﴾ (٤)». يقال نشج الباكي نشيجاً إذا غَصَّ بالبكاء في حلقه من غير انْتِحَاب، أي بنفس شديد. (وَ) يفسدها (تَنَحْنُحٌ) حصل به حروف (إلا بِعُذْرٍ) بأن كان مُضْطَرّاً إليه لعدم إمكان الاحتراز عنه حينئذٍ. ولو تَنَحْنَحَ المصلي لتحسين صوته لا تفسد صلاته، قاله خَواهِرْ زَادَهْ. (و) يفسدها (تَشْمِيتُ عَاطِسٍ) بأن قال له: يرحمك الله، لأنه يقع في خطاب الناس، فصار ككلامهم. وقد سبق الحديث الدال عليه صريحاً. (وَ) يفسدها (جَوَابُ الكَلَامِ) سواء كان خبراً أو غيره (وَلَوْ) كان الجواب

стр. 298

بالذِّكْرِ، وَالفَتْحُ إلّا لإِمَامِهِ، والقِرَاءة من مِصْحَفٍ، === (بالذِّكْرِ) نحو أن يقول: الحمد لله، جواباً لمن أخبره بما يسره. أو: لا حول ولا قوَّة إلا بالله، جواباً لمن أخبره بما يَسُؤه. أو: سبحان الله، جواباً لمن أخبره بما يُتَعَجَّبُ منه. أو: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، جواباً لمن أخبره بموت أحد، ولا إله إلاَّ الله جواباً لمن قال له: هل مع الله إله آخر؟ وفي المسألة خلاف أبي يوسف ﵀. وأمَّا إنْ لم يُرِدْ جوابه، وأراد به إعلامه أنه في الصلاة لم تَفْسُدْ بالإجماع. (وَ) يفسدها (الفَتْحُ) أي فتح المُصَلِّي على قاراء مصلَ أو غيره (إلاّ لإِمَامِهِ) لأن الفتح على غير إمامه تعليم من غير ضرورة، فكان ككلام النَّاس. وفي «المُحِيط»: ولو فتح على غير إمامه تُفْسُدُ إلا إذا عَنَى به التلاوة دون التعليم. وفي «مُنْيَة المُصَلِّي»: وإن فتح على إمامه بعد ما قرأ مقدار ما يجوز به الصلاة، أو بعد ما تَحَوَّل إلى آية أخرى تَفْسُدُ، والصحيح أنها لا تَفْسُدُ. ولو أخذ منه الإمام قيل: تفسد صلاته، والصحيح عدمه. وفي «الأصل» و «الجامع الصغير»: إذا فتح المأموم على إمامه تَجوز الصلاة مطلقاً، لأن الفتح عمل يسير وتلاوة خفيفة. ثم إذا فتح المأموم على إمامه يَنْوِي الفتح. وقال بعض المشايخ: القراءة. والصحيح الأول، لأن الفتح مُرَخَّصٌ فيه، وقراءة المأموم مَنْهِيّ عنها. وينبغي للمقتدي أن لا يُعَجِّل بالفتح، وللإمام أن لا يُلْجِئَهم إليه، بل إن قرأ قدر الفرض يركع، وإن لم يقرأه (١)، ينتقل إلى آية أخرى. ولو قَبِل الإمام من فاتح غير داخل معه في الصلاة، تَبْطُل صلاة الكل. وإنما جاز الفتح على إمامه لقول ابن عمر: «إن النبيّ ﷺ صلّى صلاة فقرأ فيها فَلُبِّسَ عليه، فَلَمَّا انصرف قال لأُبَيّ: أصلَّيت معنا؟ قال: نعم، قال: فما منعك؟» (٢). رواه أبو داود. ولقول عليّ كرَّم الله وجهه: «إذا استطعمك الإمام فأطعمه، وهو مَلِيم». أي مستحق للمَلامَة حيث أحوجه إلى الفتح. (و) يفسدها (القِرَاءةُ من مُصْحَفٍ) وقال أبو يوسف ومحمد: يُكْرَه قراءة المصلّي من المصحف ولا تَفْسُد صلاته. لأن القراءة عبادة، والنظر في المصحف

стр. 299

والسُّجُودُ عَلَى نَجِسٍ، والدُّعَاءُ بِمَا يُسْأَلُ مِنَ النَّاسِ، والأَكْلُ، والشُّرْبُ، والعَمَلُ الكَثِيرُ: أي ما يَحْتَاجُ إلى اليَدَيْنِ، === عبادة أخرى انضمت إليها، لكن يُكْره لأنه فعل أهل الكتاب. وله أنّ حمله وتقليب أوراقه والنظر فيه عمل كثير، فعلى هذا لو كان موضوعاً بين يديه على شيء، ولم يحمله ولم يُقَلِّبْه لا تفسد. أو لأنها تَلَقُّن منه، فصار كما إذا تَلَقّنها من معلم، وهذا يوجب التسوية بين المحمول وغيره فتفسد بكل حال، وهو الصحيح. فيجوز صلاة من يحفظ القرآن إذا قرأ من مصحف من غير حمل. (و) يفسدها (السُّجُودُ عَلَى نَجِسٍ) أي يَابس، وقال أبو يوسف: إن أعاده على طاهر، لا تفسد صلاته، كما لو ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى وأعادها آخر الصلاة. ولهما: أنَّ السجدة جزء من الصلاة، فتفسد الصلاة بفسادها. وإنما لم تفسد الصلاة بتأخير السجدة، لأن الترتيب في أفعال الصلاة ليس بفرض عندنا، خلافاً لمالك والشافعيّ وزُفَر ﵏. وفي «الظَّهِيرِيَّة»: ولو سجد على مكانِ نَجِسٍ ـ أي سهواً ـ ثم أعاد على مكان طاهر جازت صلاته، وإن تعمد فسدت. (و) يفسدها (الدُّعَاءُ بِمَا يُسْأَلُ مِنَ النَّاسِ) نحو: اللهم زَوِّجْنِي فلانة، اللهم أَعطني ألف دينار. وهذا إنْ كان قبل ما قعد قدر التشهد، وإن كان بعده تمت صلاته، وخرج به منها. وقال الشافعيّ ومالك في رواية: لا تفسد. (و) يفسدها (الأَكْلُ والشُّرْبُ) لأن كل واحد منهما عمل كثير عُرْفاً. ولا فرق في ذلك بين العَمْدِ والسهو، وإن كان بينهما فرق في الصوم، لأن حالة الصلاة مُذَكِّرَة لأنها على هيئة تخالف العادة، وحالة الصوم غير مُذَكِّرَة لأنها على هيئة توافق العادة، ولأن زمن الصوم يطول فَيَكْثُر النسيان، بخلاف زمن الصلاة. وفي «المُحِيط»: ولو ابتلع شيئاً بين أسنانه لا تفسد صلاته إن كان (أقل من) (١) قدرِ حِمِّصَة، لأنه ليس بعمل كثير، ولعُسْر الاحتراز عنه ولصيرورته كريق فمه في عدم الإفساد لها، والصوم. ولو أكل سِمْسِمَة من خارج فسدت صلاته، لأنه عمل كثير. وعن أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله: لا تفسد. ولو كان في فمه عين سُكَّرَة فذابت ودخلت حلقه فسدت، ولو وجد حلاوتها على إثْر ابتلاعها لا تفسد. (و) يفسدها (العَمَلُ الكَثِيرُ: أي ما يَحْتَاجُ إلى اليَدَيْنِ) عادة، وإنْ فُعِلَ بيد واحدة كالتعمُّم، والتقمُّص، والتسرول، والرمي عن القوس، وما يحتاج ليد واحدة قليل،

стр. 300

أو يَسْتَكْثِرُه المُصَلِّي، أو يَظُنُّ النَّاظِرُ أن عَامِلَهُ غَيْرُ مُصَلٍّ. [فصل في مَكْرُوهَاتُ الصَّلاةِ] وكُرِهَ كُلُّ هَيئَةٍ فيها تَرْكُ خُشُوعٍ، والتَّخَصُّرُ، === وإن فُعِل بيدين كحل السراويل ولُبْسِ القَلَنْسُوَة ونزعها ونزع اللِّجَام (١) (أو) ما (يَسْتَكْثِرُه المُصَلِّي) أي يعده كثيراً. وهذا أقرب الأقوال إلى دأب أبي حنيفة، فإن من دَأْبِهِ أنْ يُفَوِّض مثل هذا إلى رأي المُصَلِّي. (أو) ما (يَظُنُّ النَّاظِرُ) من بعيد (أنَّ عَامِلَهُ غَيْرُ مُصَلَ) روى ذلك البَلْخِيّ عن أصحابنا. وفي «المحيط»: وهو الأحسن. قيل: وعليه العامة. وقيل: الثلاث المتواليات في ركن كثير، وما دونه قليل. فلو حكَّ ثلاثاً في ركن، يَرْفَعُ يده في كل مرة فسدت صلاته. و «أوْ» في كلام المصنف للتنويع لا للشك والتخيير. (فصل في مَكْرُوهاتِ الصَّلَاةِ) (وكُرِهَ كُلُ هَيْئَةٍ فيها تَرْكُ خُشُوعٍ) لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ هم فِي صَلاتِهِم خَاشِعُون﴾ (٢) ، ولقوله ﷺ «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» رواه الحاكم والترمذي عن أبي هريرة ﵁. فَيُكْره العبث بالثوب، أو بالجسد، أو بالشعر، كتشبيك الأصابع وفرقعتها أي وغمزها أو مدها حتى تُصَوِّت. لقوله ﷺ «لا تُفَرْقِع أصابعك، وأنت في الصلاة». رواه ابن ماجه عن الحارث، عن عليّ ﵁، لكنَّه معلولٌ بالحارث. وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله ﷺ «إن الله كَرِهَ لكم ثلاثاً». ذكر منها: «العبث في الصلاة». فغير معروف، نعم روى إسماعيل بن عَيَّاش، عن عبد الله بن دِينَار مرفوعاً: «إن الله كَرِهَ لكم: العبثَ في الصلاة، والرَّفَثَ في الصيام، والضَّحِكَ في المقابر». أخرجه أبو عثمان عُمْرُو بن بَحْر في كتاب «البَيَان والتَّبْيِين» (٣) . لكن قال الذهبي: هو من منكرات إسماعيل بن عيَّاش. (و) يُكْرَه (التَّخَصُّرُ) أي وضع اليد على الخَاصِرة. وقيل: التوكّؤ على المِخْصَرَة وهي: العصا. وقيل: أنْ لا يُتِمَّ الركوع والسجود. وذلك لقول أبي هريرة: «نهى

стр. 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === رسول الله ﷺ أنْ يُصَلِّي الرَّجل مُخْتَصِراً». وفي لفظ: «نهى عن الاخْتِصَار في الصلاة». أخرجه الجماعة سوى ابن ماجه. وزاد ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»: قال ابن سيرين: «وهو أنْ يضع الرجلُ يده على خاصرته». وفي رواية: «الاختصار راحة أهلِ النار» (١) . وأخرج أبو داود عن زِيَاد بن صُبَيْح الحَنَفِيّ قال: «صلّيت إلى جَنْب ابن عمر ﵄، فوضعت يديّ على خاصرتي، فلمَّا صلّى قال: هذا الصَّلْب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه». ويكره الالتفات بالعُنقِ بحيث لا يتحول الصدر، حتى لو تحول بطلت. لقول عائشة ﵂: «سألت رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة، فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». رواه البخاري. ولقول أنس ﵁: قال لي رسول الله ﷺ «إياك والالتفاتَ في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هَلَكَة، فإنْ كان ولا بُدّ، ففي التطوّع لا في الفريضة». رواه الترمذي وصححه. ولقوله ﷺ «إياكم والالتفات في الصلاة، فإن أحدكم يُنَاجي ربّه ما دام في الصلاة». رواه الطّبَرَاني. ولقوله ﷺ «لا يزال الله مُقْبِلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يَلتَفِت، فإذا صَرَف وجهه انصرف عنه». رواه أبو داود والنَّسائي. وفي الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما. ولو لم يلتفت بعنقه، ولَحَظ بمؤخر عينه، لا يُكْرَه، «لأن النبيّ ﷺ كان يَلْحَظ في الصلاة يميناً وشمالاً، ولا يَلْوِي عنقه خلف ظهره». رواه الترمذي والنَّسائي وغيرهما عن ابن عباس. وروى أبو داود عن سَهْل بن الحَنْظَلِيَّة قال: «ثُوَّبَ (٢) بالصلاة ـ يعني الصبح ـ فجعل رسول الله ﷺ يُصَلِّي وهو ينظر إلى الشِّعْبِ. قال: وكان أرسل فارساً إلى الشِّعْبِ من أجل الحرس». قال النووي: إسناده صحيح. وأما قول صاحب «الهداية»: لأنه ﷺ كان يُلَاحِظ أصحابه في صلاته بِمُؤْقِ عينه (٣) . فغير معروف. ويُكْرَه التَّمَطِّي ـ وهو التمدُّد والتثاؤب ـ فإن غلبه التثاؤب وضع كُمّه، أو ظاهر يده على فِيهِ لقوله ﷺ «إن الله يحب العُطَاس ويَكْرَه التثاؤب، فإذا تثاءب أحدكم

стр. 302

وقَلْبُ الحَصَى لِيَسْجُدَ، إلَّا مَرَّةً === فَلْيَرُدَّه ما استطاع، ولا يقول: هاه، هاه، فإن ذلك من الشيطان يضحك منه» (١) . وفي رواية: «إذا تثاءب أحدكم فَلْيُمْسِك يده على فمه، فإن الشيطان يدخل في فيهِ» (٢) . ويُكرَه تغميض العينين في الصلاة، ورفعهما إلى السماء لقوله ﷺ «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، لَيَنْتَهِيَنَّ أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم» (٣) . ويُكرَه الشروع فيها مع مُدَافعة الخبث، فإن شغله قَطَعَ الصلاة. وإن مضى عليه أجزأته وأساء. ويُكْرَه التَّرَوُّحُ بالكُمِّ، وتفسد بالمِرْوَحَة على الصحيح. ويُكْرَه الإقعاء وهو عند الطَّحاويّ: أن يقعد على أَلْيَتيه، ويَنْصِبَ فَخِذَيه، ويضم ركبتيه إلى صدره، ويضع يديه على الأرض. وعند الكرْخِيّ: أنْ ينصب قدميه، ويقعد على عقبيه، ويضع يديه على الأرض. والأول أصح تفسيراً، لأنه يُشْبِه إقعاء الكلب. لقول أبي هريرة: «نهاني رسول الله ﷺ عن نَقْرَةٍ كنَقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب». رواه أحمد في «مسنده». ولقول عائشة: «كان ـ تعني النبيّ ﷺ ينهى عن عُقْبَة الشيطان، وأنْ يَفْتَرِش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُع». رواه البخاري، وعُقْبَة الشيطان: الإقعاء. ولقول أنس: قال لي النبيّ ﷺ «إذا رفعت رأسك من السجود، فلا تُقْعِ كما يُقْعِي الكلب، ضع ألْيَتَيك بين قدميك، والْزِق ظهر قدميك بالأرض». رواه ابن ماجه. ويكره التَّرَبُّع بلا عذر، لأن فيه ترك سنة القعود فيها. وأما خارجها، فليس بمكروه لأن جُلَّ قعود النبيّ ﷺ مع أصحابه كان التربع، وكذا عمر ﵁. ويُكْرَه التراوح (٤) بين القدمين في الصلاة إلاَّ بعذر. وكذا التمايل على يمناه مرة، وعلى يسراه أخرى. ويُكْرَه أن يُصَلِّي وفي فِيهِ دراهم ونحوها، وإن كان لا يمنعه عن القراءة. (و) كُرِهَ (قَلْبُ الحَصَى) أي تسويته (لِيَسْجُدَ) عليه (إلاَّ مَرَّةً) لِمَا في البخاري

стр. 303

ومَسْحُ جَبْهَتهِ مِنَ التُّرابِ فِيهَا، والسُّجُودُ على كُوْرِ عِمَامَتِهِ، وَافْتِرَاشُ ذِرَاعَيهِ، وعَقْصُ شَعْرِهِ، === من حديث مُعَيْقِيب: «أن رسول الله ﷺ قال في الرجل يُسَوِّي التراب حيث يسجد: إنْ كنت فاعلاً فواحدة». ولقول جابر بن عبد الله: «سألت النبيّ ﷺ عن كل شيء، حتى سألته عن مسح الحصى فقال: واحدة، ولأن تمسك عنها خير لك من مئة ناقة، كلها سُود الحِدَق» ولقول أبي ذر: «سألت النبيّ ﷺ حتى سألته عن مسح الحصى فقال: واحدة، أو دَعْ» رواه أحمد في «مسنده»، وعبد الرزاق، وابن أبي شَيْبَة في «مصنفيهما». ولقوله ﷺ «لا يَمْسَحِ الحصى، فإنَّ الرحمة تواجهه». رواه أصحاب «السنن». (و) كُرِه (مَسْحُ جَبْهَتهِ مِنَ التُّرابِ فِيهَا) أي في الصلاة. وأمَّا بعد الفراغ منها، فلا يُكْرَه، بل يُسْتَحَبُّ كتماناً للعبادة، أو خوفاً من الرياء والسمعة. (و) كُرِهَ (السُّجُودُ على كَوْرِ عِمَامَتِهِ) أي دَوْرِها. وكذا ما في معناها من كل جزء ثوب متصل بالمصلي كالذَّيْل والكُم، لِمَا روى مسلم من حديث أنس، قال: «كنّا نُصَلِّي مع رسول الله ﷺ في شدّة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّن جبهته من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه». ولِمَا روى الحافظ أبو القاسم تَمَّام في «فوائده»: عن ابن عمر: «أنّ النبيّ ﷺ كان يسجد على كَوْر العِمَامة». وهو إما محمول على الضرورة، وإما على بيان الجواز، لأنه ﷺ لا يُلازم على فعل المُكْروه. وروى ابن أبي شَيْبَة، عن ابن عباس ﵁: ««أنه صلّى في ثوب واحد، يَتَّقِي بفُضُوله حرّ الأرض وبردها». (وَ) كُرِهَ (افْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ) لما في «الصحيحين» من حديث عائشةَ ﵂: «وكان ﵊ ينهى أنْ يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُعِ، وعن عُقْبَة الشيطان». والعُقْبة: بضم فسكون أنْ يفترش قدميه ويجلس بألْيَتَيْه على عَقِبيه. ولقول أبي ذَرّ: «نهاني خليلي عن ثلاث: أنْ أنقر نقر الديك، وأنْ أُقْعِي إقعاء الكلب، وأنْ أفْتَرِش افتراش السَّبُع». رواه أبو داود. وروى الإمام أبو حنيفة في «مسنده» عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهاني رسول الله ﷺ عن ثلاث: عن نَقْرَة كنَقْرَة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب». وقد روى البيهقي: النهي عن الإقعاء، عن جماعة من الصحابة، عن النبيّ ﷺ (و) كُرِهَ (عَقْصُ شَعْرِهِ) وهو أن يشد ضفيرته حول رأسه، كما يفعله النساء، أو

стр. 304

وسَدْلُ الثَّوْبِ وكَفُّهُ، === يجمع شعره، فيعقده في مؤخر رأسه. وإنما كُرِه لِمَا روى مسلم عن كُرَيْب مولى ابن عباس: «أنَّ ابن عباس رأى عبد الله بن الحارث يُصَلِّي ورأسه مَعْقُوص من ورائه. قال: فجعل يحله، فلما انصرف، أقبل على ابن عباس وقال: ما لك ورأسي؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما مَثَلُ هذا مثل الذي يُصَلِّي وهو مكتوف». وفي «شرح مسلم»: قال العلماء: والحكمة في النهي عنه، أنَّ الشعر يسجد معه، ولهذا مثَّله بالذي يصلي وهو مكتوف. ولقول علي ﵁: قال رسول الله ﷺ «لا تَعْقِص شعرك في الصلاة، فإنه كِفْل الشيطان» (١) . رواه عبد الرزاق. وعن أبي رافع قال: «نهى النبيّ ﷺ أن يُصَلِّيَ الرجل ورأسه معقوص»، رواه أحمد وابن ماجه. وفي الباب أحاديث في «الصحيحين» وغيرهما. (و) كُرِه (سَدْلُ الثَّوْبِ) وهو أنْ يُرْسِلَه من غير أن يضم جانبه. (و) كُرِهَ (كَفُّهُ) أي تشميره لِمَا روى أبو داود عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: «أُمِرتُ أنْ أسجد». وفي رواية: «أُمِر نبيكم أن يسجد على سبعة أعظم، ولا يَكُفُّ شعراً ولا ثوباً». ومن المكروهات تغطية أنفه وفمه، لقول أبي هريرة: «أنه نهى رسول الله ﷺ عن السدل، وأن يغطي الرجل فَاه». رواه أبو داود، والحاكم وصححه. وأخرجه الترمذي مقتصراً على الفصل الأول. وأخرج ابن ماجه الفصل الثاني. وكان من عادة العرب التَّلَثُّم بالعمائم على الأفواه، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك في الصلاة، إلا أن يَعْرِضَ للمصلي تثاؤب فيغطي فمه عند ذلك، للحديث الذي جاء فيه. ويُكْرَه الشروع فيها بحَضْرَة طعام يميل طبعه إليه، لقوله ﷺ «لا صلاة بحَضْرَة الطعام، ولا وهو يدافعه الأَخْبَثَانِ». رواه مسلم. وأما ما في أبي داود: «ولا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره». فمحمول على تأخيرها عن وقتها لصريح قوله ﵊: «إذا وُضِعَ عَشاء أحدكم، وأُقِيمَت الصلاة، فابدؤا بالعَشاء ولا يَعْجَلْ حتى يَفْرُغ عنه». رواه الشيخان، وفي رواية: «إذا قُدِّمَ العَشَاء فابدؤا به قبل أنْ تُصلُّوا صلاة المغرب، ولا تَعْجَلُوا عن عشائكم». وكذا تكره مع مدافعة الأَخْبَثَين لِمَا قدّمنا، ولقوله ﷺ «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُصَلِّي وهو حَاقِن حتى يتخفف». رواه أبو داود. ولقوله ﵊: «إذا أراد أحدكم الغائط، وأقيمت الصلاة فليبدأ به». رواه ابن ماجه،

стр. 305

وتَخْصِيصُ الإِمَامِ بِمَكَانٍ، لا إن قَامَ في المَسْجِد وسَجَدَ في الطَّاقِ. والقِيَامُ خَلْفَ صَفٍّ وُجِدَ فِيهِ فُرْجَةٌ، === وفي رواية «الموطأ»، والنَّسائي: «إذا أراد أحدكم الغائط، فليبدأ قبل الصلاة». ويُكْرَه سبق المأموم للإمام لقوله ﵊: «لا تُبَادِرُوني بالركوع والسجود» (عن معاوية) (١) رواه أبو داود، (والجماعة) (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «أما يَخْشَى، أو أَلَا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه والإمام ساجد، أن يُحَوِّل الله رأسه رأس حمار، أو صورته صورة حمار». ثم هذا فيما وُجِدَت المشاركة مع الإمام. وأما إذا لم تُوجد أصلاً تفسد صلاته، كما ذكره العَيْنِيّ في «شرح التُّحْفَة». (و) كُرِه (تَخْصِيصُ الإِمَامِ بِمَكَانٍ) بأن يكون وحده على مكان مرتفع، والقوم تحته. وقُدِّرَ بقامة الرجل، وقيل: بذراع، وقيل: بما يقع به الامتياز. وذلك لِمَا روى أبو داود: «أنَّ عمَّار بن ياسر أمَّ الناس بالمدائن، وهو على مكان مرتفع والناس أسفل منه، فتقدم حُذَيْفَة ﵁ إليه، وأخذ بيده فاتَّبَعَه عَمَّار حتى أنزله حُذَيْفَة، فَلَمَّا فَرَغَ عمَّار من صلاته قال له حُذَيْفَة: ألم تسمع رسول الله ﷺ قال: إذا أم الرجل القوم، فلا يقم في مكان أرفع من مكانهم؟ قال عمَّار: ولذلك اتَّبَعْتُك حين أخذت بيدي». وفي ظاهر الرواية: يُكْرَه عكسه أيضاً. وروى الطَّحَاوي: عدم الكراهة. وإنما قال: تخصيص الإمام، لأنه لو كان مع الإمام بعض القوم، لا يُكرَه على الصحيح. وكذا يُكْرَه أنْ يكون الإمام وحده قائماً في المحراب، لأن ذلك يشبه فعل أهل الكتاب حيث يَخُصُّون إمامهم بمكان على حدة. (لا إن قَامَ في المَسْجِد وسَجَدَ في الطَّاقِ) أي المحراب، فإنه لا يُكْره، لفوت التشبه بأهل الكتاب. (و) كُرِه (القِيَامُ خَلْفَ صَفَ وُجِدَ فِيهِ فُرْجَةٌ) قال أحمد، والنَّخَعِي، والحَسَنُ بن صالح: لا تصح الصلاة. واختاره ابن المُنْذِر، لِمَا روى أبو داود، والترمذي وحسنه عن وَابِصَة بن مَعْبدَ: «أن النبيّ ﷺ رأى رجلاً يصلّي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة». واستدل الجمهور بقول النبيّ ﷺ لأبي بَكْرَة حين كبَّر وحده ثم التحق بالصف: «زَادَك الله حرصاً ولا تعد» (٣) ، ولم يأمره بالإعادة. وقالوا: والأمر بالإعادة في

стр. 306

وصُورَةُ حَيَوَانٍ في ثَوْبهِ ومَسجَدِهِ وجِهَتِهِ، غَيْرَ خَلْفُ وتَحْتُ، لا إنْ صَغُرَتْ جِدًّا، أو مُحِيَ رَأْسُهَا. === الحديث الآخر أَمْرُ نَدْب، فكرهت الصلاة. (وصُورَةُ حَيَوَانٍ في ثَوْبِهِ ومَسجَدِهِ) بفتح الجيم أي في موضع سجوده (وجِهَتِهِ) أي أو في جهاته السِّت. (غَيْرَ خَلْفُ وتَحْتُ) مبنيان على الضم لقطعهما عن الإضافة كقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ من قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ﴾ (١) أي خلفه أو تحته، لأن الكراهة لِعِلَّةِ التَّشَبُّه بعبادة الصورة، وذلك في غير ما لو كانت خلفه أو تحته. وقيد بالحيوان، لأن صورة الجماد والشجر في الثوب والمسجد لا يُكْره، وفي «الجامع»: إنْ كانت الصورة في موضع القيام والجلوس لا يُكْرَه، لأنه استهانة بها. وكذلك الصورة على الوِسَادة، إنْ كانت قائمة يُكرَه لأنه تعظيم لها، وإنْ كانت مفروشة لا يُكْره. (لا إنْ صَغُرَتْ) صورة الحيوان (جِدّاً) بحيث لا تبدو للناظر على بُعْد إلا بَعْد تأمل ما. وكان على خاتم أبي هريرة ذبابتان. وعلى خاتم دانيال ﵇ صورة أسد ولَبُؤَة وبينهما صَبِيّ يَلْحَسَانِهِ. كلما نظر إليهما أغَرّ ورقت عيناه، وذلك أن بُخْتَ نَصَّر قيل له: يولد مولود يكون هلاكك على يده، فجعل يقتل من يولد. فَلمَّا ولدت دانيال أُمُّهُ ألقته في غَيْضَة (٢) رجاء أن يَسْلَم، فقَيَّض الله له أسداً يحفظه، ولَبُؤةَ تُرْضِعُه وهما يَلْحَسَانه. فأراد بهذا النَّقْشِ أنْ يحفظ مِنَّة الله عليه. وكان لابن عباس كانون (٣) محفوف بصور صغار. (أو مُحِيَ رَأْسُهَا) لأَنَّ الحيوان الصغير والممحو الرأس، لم يُعْبَدَا من دون الله. والكراهة بعلة العبادة. وروى البخاريّ عن عائشة ﵂ «أنها اتّخذت على سُهْوَة لها ستر فيه تماثيل فهتكه النبيّ ﷺ قالت: فاتّخذت منه نُمْرُقَتَيْن فكانتا في البيت يجلس عليهما». زاد أحمد: «فلقد رأيته مُتَّكِئأ على إحداهما وفيها صورة». وروى النَّسائي، وابن حِبَّان عن أبي هريرة ﵁: أنه قال: «استأذن جبرائيل على النبيّ ﷺ فقال: ادخل. فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ إمَّا أن تقطع رأسها أو تُجْعَل بساطاً يوطأ، فإنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتاً فيه تصاوير». وفي لفظ ابن حِبَّان: «إنْ كنت لا بد فاعلاً فاقطع رؤوسها، أو اقطعها وسائد». أي اجعلها بساطاً.

стр. 307

وفي ثِيَاب البِذْلَةِ، وحَسْرُ رَأْسِهِ إلَّا تَذَلُّلًا، وعَدُّ ما يَقْرَأُ، وغَلْقُ بَابِ المَسْجِدِ، === والسُّهوة: بالضم كالصُّفَّة تكون بين البيوت. والنُّمْرُقة: وسادة صغيرة، ومنه قوله تعالى: ﴿ونَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ (١) . والوسائد جمع وسادة وهو ما يتوسد به كالمِخَدَّة. ولحديث جبرائيل ﵇: «إنَّا لا ندخل بيتاً فيه كلب أو صورة». فالمراد بالملائكة في هذا الحديث ملائكة الوحي، أو ملائكة الرحمة. وأمّا الحفظة فلا يفارقون إلاَّ عند الخلاء وخلوة الرجل بأهله. (و) كرهت الصلاة (في ثِيَاب البِذْلَةِ) بكسر الموحدة، أي ما يُمْتَهَنُ من الثياب. ويسمى ثوب الخدمة، وقيل: ما يُلْبَسُ في البيت ولا يُذْهَبُ به إلى الكُبَرَاء. ويستحب للرجل أن يصلي في ثلاثة أثواب: قميصٌ، وإزارٌ، وعِمَامةٌ. والمرأة أن تصلي في قميص وخمار ومِقْنَعَة (٢) . (و) كُرِهَ للمُصَلِّي (حَسْرُ رَأْسِهِ) أي كشفه لِمَا في ذلك من ترك الوقار (إلاَّ تَذَلُّلاً) لِمَا فيه من الخشوع والانكسار. (و) كُرِهَ (عَدُّ ما يَقْرَأُ) من الآيات والسور والتسبيحات بالأصابع أو بِسُبْحَة يُمسكها بيده، لأن ذلك ليس من عمل الصلاة. وأمَّا عَدُّه بقلبه، أو بضم أنامله في موضعها فلا يُكْرَه. ولو عَدَّ بلسانه تفسد اتفاقاً. أمَّا عَدُّ التسبيح خارج الصلاة فلا يُكْره بل يُسْتَحَبُّ. لِمَا ورد: «أنه ﵊ كان يَعْقِدُ بالأنامل». ولِمَا ورد من التسبيح ونحوه ثلاثاً وثلاثين، وهو لا يُمْكِنُ بدون العَدِّ، إمّا باليد أو بالسُّبْحَة ونحوها من النَّواة والحصى كما ورد عن بعض الصحابيات. وقد قال الجُنَيْد: السُّبْحَة سوط الشيطان. وقيل: هو بدعة لقول بعض السلف: نُذْنِبُ ولا نحصي، ونسبح ونحصي (و) كُرِهَ (غَلْقُ بَابِ المَسْجِدِ) في غير أوان الصلاة، لأنه يُشْبِه منع الصلاة وهو حرام. قال تعالى: ﴿ومَنْ أَظلم مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أنْ يُذْكَرَ فيها اسْمُه﴾ (٣) وقال النبيّ ﷺ «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت أو صلَّى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار» (٤) . وقيل: لا بأس في زماننا صيانة لِمَا في المسجد من الأمتعة.

стр. 308

والوَطْئُ والحَدَثُ فَوْقَهُ، لا فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ، ولا تَزْيِينُهُ، === (و) كُرِهَ كراهة التحريم (الوَطْاءُ) أي الجماع (والحَدَثُ) أي ما يخرج من السبيلين عمداً من البول والغائط والمنيّ والمَذْي (١) ، كذا قاله الشارح. والأظهر أنْ يُقَال: ما يجعله متنجساً، ليشمل القيء والدم ونحوهما، وليخرج الريح والنوم وأمثالهما. (فَوْقَهُ) لأن علو المسجد له حكمه. ولهذا صح الاقتداء منه بمن في المسجد، ولم يبطل الاعتكاف بالصعود إليه. وفي معنى السطح، فوق جدار المسجد. (لا) يكرهان (فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ) أي موضع أُعِدَّ للصلاةِ، لأنه لا يأخذ حكم المسجد. ولهذا لا يصح الاعتكاف فيه إلاَّ للنساء. والتقييد بالفوق للمشاكلة، وإلاّ فهما لا يُكْرَهَان في البيت الذي فيه مسجد، فكيف فوقه. بل الظاهر أنهما لا يُكْرَهان في مسجد البيت أيضاً، فإنه ليس بمسجد حتى جاز بيعه. فلم يكن له حرمة المسجد كما في «الكافي». وفي «الخُلَاصة»: يُنْدَبُ لكل مسلم أن يتخذ مسجداً في بيته يصلي فيه النوافل والسنن، لكن ليس له حكم المسجد. (تطور بناء المسجد الحرام) (ولا تَزْيِينُهُ) أي ولا يُكْرَه تزيين المسجد ونَقْشُهِ بالجَصِّ والسَّاج (٢) وماء الذهب. وقيل: يُكْرَه، لقوله ﵊: «إن من أشراط الساعة أن تُزَيَّنَ المساجد». قلنا: محمل الكراهة: التكلُّف بدقائق النقوش، خصوصاً في جانب المحراب للافتخار والكبرياء والسمعة والرياء. أو التزيين مع ترك الصلاة، بدليل آخِرِ الحديث: «قلوبهم خاوية من الإيمان». وتمام أحكامه مذكورة في باب المسجد من «قاضيخان». وقيل: يُسْتَحَبُّ لتزيين عثمان ﵁ مسجد النبيّ ﷺ وذلك أنه ﵊ بنى مسجداً بالْلَّبِنِ، وسَقَفَهُ بالجريد، وجعل عُمُدَه خشب النخل، وجعل له ثلاثة أبواب: باباً في مؤخره، وباباً يقال له: باب الرحمة، وباباً يدخل منه. فَلَمَّا كان أيام عمر ﵁، زاد فيه وبناه على بنائه الأول، ثم غيَّره عثمان

стр. 309

ولا صَلَاتُهُ إلى ظَهْرِ مَنْ لا يُصَلِّي. وقَتْلُ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ فِيهَا === ﵁، وزاد فيه كثيراً وبنى جُدُرَهُ بالحجارة المنقوشة والفضة، وجعل عُمُدَه حجارة منقوشة. ثم لَمَّا كان وليد بن عبد الملك، وكان عمر بن عبد العزيز على المدينة من قِبَله، وَسَّعه ببيوت نسائه ﷺ ثم بناه المَهْدِيّ سنة ستين ومئة، ثم زاد فيه المَأْمُون، وأتقن بناءه سنة ثنتين ومئتين. قال السُّهَيْلِيّ: وهو على حاله إلى الآن. (ولا) تكره (صَلَاتُهُ إلى ظَهْرِ مَنْ لا يُصَلِّي) وإن كان يتحدث، لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»: عن وَكِيع، عن هِشَام بن الغَازِي، عن نَافِع أنه قال: «كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلى سارية من سواري المسجد قال لي: وَلِّنِي ظهرك». وأما ما روى البَزّار عن عليّ ﵁: «أنه ﵊ رأى رجلاً يصلّي إلى رجل، فأمره أنْ يُعِيدَ الصلاة». فواقِعَة حال لا تستلزم كون وجهه إلى ظهره لجواز كونه مستقبله، فأمره بالإعادة لدفع الكراهة. قال البخاري في «صحيحه»: «كَرِه عثمان ﵁ استقبال الرجل في الصلاة. قال: وهذا إذا اشتغل (١) به. فإن لم يشتغل به، فقد قال زيد بن ثابت: «ما باليت أن الرجل لا يقطع صلاة الرجل». وأمّا حديث النهي عن الصلاة خلف النائم والمتحدث، فرواه أبو داود. إلاَّ أنَّ النَّوَوِي قال: اتفقوا على ضعفه. قلت: وقد رواه ابن ماجه، عن أبي أمامة، ولفظه: «نهى أن يصلّي خلف المتحدث والنائم» (٢) . ولا يبعد أن يترقى به عن الضعْفِ إلى الحَسَنِ. ووجه الكراهة ظاهر أيضاً لشغل الخاطر، خصوصاً خلف المتحدث (والنائم)، وكذا لا يكره إذا كان متوجِّهاً إلى شمع، أو سراج موقَدٍ، لأنهم لا يعبدونها كذلك، بل إذا كانت مُضْرَمة. وقيل: يكره. كما لو كان بين يديه كانون (٣) فيه جَمْرة أو نار موقدة. (و) لا يكره (قَتْلُ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ فِيهَا) أي في الصلاة، لِمَا روى أصحاب «السنن الأربعة»، وقال الترمذي: حسن صحيح. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «اقتلوا الأَسْوَدَيْنِ في الصلاة: الحيَّة والعقرب». وفي «المَبْسُوطِ»: الأظهر أن لا يُفْصَّلُ في قتلهما بين الفعل الكثير والقليل، لأنه رخصة كالمشي والتَّوَضُّاءِ في سبق

стр. 310

ويَأْثَمُ بالمُرُورِ أمَامَ المُصلِّي في مَسْجِدٍ صَغِيرٍ، وأمَّا فِي غَيْرِه، فَفِيمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ بَصَرُهُ، نَاظِرًا في مَسْجِدهِ، وَحَاذَى الأَعْضَاءُ الأَعْضَاءَ، إِنْ صلَّى عَلَى دُكَّانٍ، === الحدث. قالوا: وينبغي أن لا يقتل الحية البيضاء التي تمشي مستوية، لأنها من الجان. وقال الطحاويّ: لا بأس بقتل الكل، لأنه ﵊ عاهد الجن أن لا يدخلوا بيوت أمّته ولا يُظْهِرُوا أنفسهم، فإن نقضوا عهدهم، فلا حُرْمة لهم. والأَوْلَى في غير الصلاة أن يُنْذِرَ الحيَّة ويقول: ارجعي بإذن الله، أو خَلِّي طريق المسلمين، فإنْ أَبَتْ قتلها. (ويَأْثَمُ) المار (بالمُرُورِ أمَامَ المُصَلِّي) أي قُدَّامه وبين يديه. لِمَا في «الصحيحين» عن أبي النَّضْر، عن بِشْر بن سعيد: «أنّ زيد بن خالد الجُهَنِيِّ أرسله إلى أبي جُهَيْم يسأله: ماذا سمع من رسول الله ﷺ في المار بين يدي المصلِّي؟ فقال أبو جُهَيْم: قال رسول الله ﷺ «لو يَعْلَمُ المارّ بين يدي المصلِّي ماذا عليه من الإثم؟ لكان أنْ يقف أربعين، خيراً له من أن يمر بين يديه». قال أبو نَضْر: لا أدري قال أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة». وفي رواية البَزَّار في «مسنده»: «لكان أن يقوم أربعين خريفاً، خيراً له من أنْ يمرَّ بين يديه». (في مَسْجِدٍ صَغِيرٍ) في «شرح الوقاية»: إعلم أن الصلاة إنْ كانت في مسجد صغير، (فالمرور أمام المصلي) (١) حيث كان، يُوجِب الإثم، لأن المسجد الصغير مكان واحد، فأمام المصلي حيث كان، في حكم موضع سجوده. (وأمَّا فِي غَيْرِه) سواء كان مسجداً كبيراً أو صحراء (فَفِيمَا) أي فيأثم بأن يمر فيما (يَنْتَهِي إِلَيْهِ بَصَرُهُ) أي بصر المصلي حال كونه (نَاظِراً في مَسْجِدهِ) أي موضع سجوده. وبه قال فخر الإسلام تَبَعاً لبعض المشايخ، ومختار شمس الأئمة، وشيخ الإسلام، وقاضيخان: أن الموضع الذي يُكْره المرور منه بين يدي المصلِّي، موضع سجوده. ولا يُكْرَه ما وراءه، وهو الأظهر، لأن ذلك القدر موضع صلاته دون ما وراءه. وفي تحريم ما وراءه تضييق على المارة، وبه قالت الأئمة. (وَحَاذَى الأَعْضَاء الأَعْضَاءَ إِنْ صلَّى عَلَى دُكَّانٍ) ومر الآخر أمامه تحت الدُّكَّان (٢) ، لأنه إذا لم يُحَاذِ بأن كان ارتفاع الدُّكَّان بقدر قامة المار يعتبر ذلك سُتْرَة. وهذا الذي ذكره من اشتراط المحاذاة، إنما هو على ما قال فخر الإسلام، لا على ما

стр. 311

إنْ لَمْ يَكُنْ لِلمُصَلِّي سُتْرَةٌ بِمِقْدارِ ذِرَاعٍ وغِلَظِ أُصْبَعٍ، تُغْرَزُ حَذْوَ أحَدِ حَاجِبَيهِ بِقُرْبِهِ. === اختاره شمس الأئمة، وبعض الأعلام. ثم هذا كله (إنْ لَمْ يَكُنْ لِلمُصَلِّي سُتْرَةٌ) أي خَشَب، وأقلها أنْ يكون (بِمِقْدارِ ذِرَاعٍ وغِلَظِ أُصْبَعٍ) لِمَا روى مسلم عن طَلْحَة بن عُبَيْد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جعلت بين يديك مثل مُؤْخِرةَ الرَّحْلِ (١) ، فلا يَضُرُّك من مرَّ بين يديك». وفي لفظ (له) (٢) وللترمذي: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤْخِرَة الرَّحل فَلْيُصَلِّ، ولا يُبَالِ من مر وراء ذلك». وروى صاحب السنن: أن آخِرَة الرَّحْل: ذراع فما فوقها. ولقوله ﵊: «ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم». رواه البُخَارِي في «تاريخه الكبير». ولقوله ﵊: «إذا صَلَّى أحدكم فليجعل تِلْقَاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلْيَنْصِب عصاً، فإن لم يكن عصاً، فَلْيَخُطَّ خطاً، ثم لا يضره ما مرَّ أمامه». رواه أبو داود، وابن ماجه. قال النووي: قال الحُفَّاظُ: هو ضعيف، لكن قال البيهقي: ولا بأس بالعمل بهذا الحديث في هذا الحكم إن شاء الله سبحانه، وهذا الذي اختاره المختار، انتهى. ويؤيده: أن في الباب أحاديث صِحَاحاً بألفاظ مختلفة المَبنَى، متفقة المعنى. وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله ﵊: «إذا صلّى أحدكم في الصحراء فليجعل بين يديه سُتْرَة». فقوله: في الصحراء، غير معروف. (تُغْرَزُ) لتبدو للناظر (حَذْوَ أحَدِ حَاجِبَيْهِ) الأيمن أو الأيسر. لما روى أبو داود بسند ضعيف: عن المِقْدَاد بن الأَسود قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلّي إلى عُودٍ ولا عمود ولا شجرة إلاَّ جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يَصْمُدُ إليه صَمْداً». أي لا يقابله مستوياً، بل يميل عنه. (بِقُرْبِهِ) لما روى أبو داود والنَّسائي بإسناد صحيح، عن سهل بن أبي حَثْمَة (٣) : أن النبيّ ﷺ قال: «إذا صلّى أحدكم إلى سُتْرة، فَلْيَدْنُ

стр. 312

ويَكْفِي سُتْرَةُ الإِمَامٍ، وجَازَ تَرْكُها عِنْدَ عَدَمِ المُرُورِ وَعَدَمِ الطَّرِيقِ. ويَدْرَأُ بالتَّسْبِيحِ والإشَارَةِ إنْ عَدِمَ سُتْرَةً، أو مَرّ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا. === منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته». (ويَكْفِي سُتْرَةُ الإِمَامِ) أي تجزي عن سُتْرة المأموم. لِمَا في «الصحيحين» عن أبي جُحَيْفة: «أن النبيّ ﷺ صلّى بهم بالبطحاء وبين يديه عَنَزَةٌ، والمرأة والحمار يمرون من ورائها، ولم يأمر من صلّى خلفه باتخاذ سُتْرة». والعَنَزَة: عصاً صغيرة. وأما قول صاحب «الهداية»: لأنه ﵊ صلى ببَطْحَاء مكة، ولم يكن للقوم سُتْرَة. فغير معروف بهذا اللفظ. (وجَازَ تَرْكُها) أي ترك السُّتْرَة إذا عَدِمَ الداعي إليها. وذلك (عِنْدَ عَدَمِ المُرُورِ) أي عَدم ظنّه (وَعَدَمِ الطَّرِيقِ). لِمَا روى أبو داود من حديث فضل بن عباس قال: «أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية ومعه العباس، فصلَّى في صحراء ليس بين يديه سُتْرة، وحمارةٌ وكلبةٌ تَعْبَثَانِ (١) بين يديه، فما بَالَى ذلك». (ويَدْرَأُ) أي يدفع الرجل المار بين يديه (بالتَّسْبِيحِ) أي يقول: سبحان الله (والإشَارَةِ) بيده أو كُمِّهِ (إنْ عَدِمَ سُتْرَةً، أو مَرّ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا) لِمَا في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁: «مَنْ نابه شيء في صلاته فليُسَبِّح، فإنه إذا سَبَّح التَفَت إليه، وإنما التصفيق للنساء». وروى ابن ماجه عن أم سَلَمَة ـ زوج النبي ﷺ قالت: «كان النبيّ ﷺ يصلي في حُجْرَة أم سَلَمَة، فمر بين يديه عبد الله أو عمر بن أبي سَلَمَة (٢) فقال بيده ـ أي أشار بها ـ فرجع، فمرت زَيْنَبُ بنت أم سَلَمَة (فقال) (٣) بيده، فمضت، فلما صلى رسول الله ﷺ قال: هنّ أغلب (٤) ». ولقوله ﷺ «إذا كان أحدكم يصلي، فلا يَدَعْ أحداً يمر بين يديه، وليدرأ ما استطاع، فإن أبَى، فليقاتله فإنما هو شيطان» (٥) . أي يبالغ

стр. 313

فَصْل في الوِتْرِ والنَّوَافِلِ الوِتْرُ ثَلاثُ رَكَعَاتٍ وَجَبَ بِسَلامٍ === في دفعه. ولقوله ﷺ «لا تُصَلُّوا إلا إلى سُتْرة، ولا يَدَعْ المُصَلِّي أحداً يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين». رواه مسلم. وأمَّا المرأة فلا تَدْرأُ بالتسبيح بل بالتصفيق، فإنّ في صوتها فتنة. وكيفية تصفيقها: أنْ تضرب بظهور أصابعها اليُمْنَى على صفحة الكف اليُسْرَى. واعلم أنه لا تفسد الصلاة في مرور شيء في موضع سجوده، لقوله ﷺ «لا يقطع الصلاة مرور شيء» (١) . ورُوِي: «وادْرَؤوا ما استطعتم، فإنَّما هو شيطان». رواه أبو داود. وأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، عن سالم بن عبد الله عن أبيه: «أنّ رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁، وعمر ﵁، قالوا: لا يقطع صلاةَ المسلم شيءٌ، وادْرَؤوا ما استطعتم». ووَقَفَه مالك على عبد الله بن سالم، والبخاري صحّحه عن الزهريّ. ولقول عائشة: «كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي وأنا مُعْتَرِضَةٌ بين يديه كاعتراض الجنازة». رواه الشيخان. وفي لفظ مسلم عن عُرْوة، عن عائشة أنها قالت: «ما يقطع الصلاة؟ قال: قلنا: المرأة والحمار. فقالت: إنَّ المرأة لدابة سوء؟ ولقد رأيتني بين يديّ رسول الله ﷺ مُعْتَرِضَةٌ كاعتراض الجنازة وهو يُصَلِّي». فصلٌ في الوِتْرِ والنَّوَافلِ (الوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَجَبَ بِسَلامٍ) أما وجوبه، فعند أبي حنيفة في آخر أقواله. وفي «المحيط»: وهو الصحيح. وفي «الخَانِيَّة»: وهو الأصحُّ. وعن أبي حنيفة أنه فرضٌ، ـ أي عملي ـ فلا تَنَافي. وهو رواية حمَّاد بن زيد وبها أخذ زُفَر. وعنه (٢) : أنّه سُنَّة. فيحتمل أنه أراد ثبوته بالسُّنَّة، أو سنَّة مؤكّدة تَقْرُب إلى الوجوب، وهو قول أبي يوسف ومحمد وأكثر أهل العلم، لقوله ﵊ للأعرابيّ: «خمس صلوات كَتَبَهُنَّ الله عليك، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلاَّ أن تَطَّوَّعَ». ولِمَا في «الصحيحين» عن ابن عمر: «أنَّ النبيّ ﷺ أوتر على البعير». وأُجِيبَ: بأنّ حديث

стр. 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الأَعرابيّ كان قبل وجوب الوتر. قال الطحاوي: ويُعَارِضُ حديث (الوتر على البعير حديث) (١) حَنْظَلَةَ بن أبي سُفْيَان، عن نَافِعٍ، عن ابن عمرَ: «أنه كان يُصلِّي على راحلته، ويوتر بالأرض، ويَزْعُمُ أن النبيّ ﷺ فعل ذلك». وروى مسلم من حديث أبي سعيد: أن النبيّ ﷺ قال: «أَوْتِرُوا قبل أن تُصْبِحُوا». وفي لفظ له عن ابن عمر مرفوعاً: «بادروا الصبح بالوتر». والأمر للوجوب. وقد ورد عنه ﵊: «الوتر حق على كل مسلم». رواه أبو داود، وقال الحاكم: هو على شرط الشيخين. وفي «الصحيحين»: «اجْعَلُوا آخر صلاتكم بالليل وِتْراً». وأمَّا كونه بسلام بعد الثلاث، فلِمَا في «الصحيحين» عن عائشة ﵂ قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة. يُصَلِّي أربعاً، فلا تَسْأَل عن حُسنِهنَّ وطولِهِنَّ (ثمَّ يُصَلّي أَربعاً، فلا تسأل عن حُسنهنَّ وطولهنّ) (٢) ، ثم يصلّي ثلاثاً». ولو كان ﷺ يَفْصِلُ في الوتر بين الثلاث بسلام لقالت: ثم يُصلِّي ثنتين وواحدة. وروى النَّسائِي والحَاكِمُ وقال: على شرط البخاري ومسلم، عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ لا يُسَلِّمُ في الركعتين الأُولَيَيْنِ من الوتر». وروى الطَّحاوي عن عُقْبة بن مُسْلِم قال: «سألت عبد الله بن عمر عن الوتر فقال: أتعرف وتر النهار؟ قلت: نعم، صلاة المغرب. قال: صدقت وأحسنت». وحَكَى الحَسَنُ البَصْرِي إجماع المسلمين على الثلاث. كما رواه أبو بكر بن أبي شَيْبَة، عن حَفْص بن عمر، عن الحَسَنِ قال: «أجمع المسلمون على أن الوتر (ثلاث) (٣) لا يُسَلَّمُ إلاَّ في آخرهن». وأمَّا ما رُوِيَ عن ابن عمر: «أن رجلاً سأل النبيّ ﷺ عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح، فصلّ ركعة توتر لك ما صليت» (٤) . وفي رواية: «فأوتر بواحدة». قال الطَّحَاوِي: معناه: صل ركعة مع ثنتين قبلها. ولنا: ما في الطَّحَاوي أيضاً من رواية سَعْد بن هِشَامٍ، عن عائشة: «كان النبيّ ﷺ لا يُسَلِّمُ في ركعتي الوتر»، ومن رواية عَمْرَة بنت عبد الرّحْمن، عن عائشة: «أنَّ النبيّ ﷺ كان يُوتِرُ

стр. 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بثلاثٍ: يقرأ في أول ركعة: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يا أيُّها الكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ﴾ والمعوِّذتين». فوافقت عَمْرةُ سعداً. وزاد عليها: «إنْ كان بسلام واحد». وهكذا فيه عن ابن عباس وعِمْران بن حُصَيْن، إلاَّ أنهما لم يَذْكُرَا المعوِّذتين. وروى الدَّارَقُطْنِيّ وغيره بأسانيد ضعيفة يصير مجموعها حسناً، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «وتر الليل ثلاث كوتر النهار: صلاة المغرب». وروى ابن عبد البر، عن أبي سعيد: «أن رسول الله ﷺ نهى عن البُتَيْراء أنْ يصلّي الرجل واحدة يُوتِر بها». وذكره عبد الحقّ في «أحكامه»، وذكر أنَّ في سنده ضعفاً، لكن يَعْضُدُه ما روى محمد بن الحسن في «مُوَطَّئِه»، عن يعقوب بن إبراهيم: أخبرنا (حُصَين بن) إبراهيم، عن ابن مسعود (١) أنه قال: «ما أَجْزَأَتْ ركعةٌ قط». وروى الحاكم في «المُسْتَدْرَكِ» عن حبيب المُعلِّم قال: «قيل للحسن: إنَّ ابن عمر ﵄ كان يُسَلِّمُ في الركعتين من الوتر. فقال: كان عمر أفْقَهَ منه، وكان ينهض في الثانية بالتكبير، أي لا بنيَّةٍ مُجَدَّدَة». وعن عائشة: «أنه ﵊ كان يوتر بثلاث لا يفصل بينها». رواه النَّسائي وأحمد. ولفظ أحمد: «كان لا يُسَلِّمُ في ركعتي الوتر». قال النووي: إسناده حسن. قال: ورواه البيهقيّ في «السنن الكبير» بإسناد صحيح. وأما ما رواه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه»: أنه ﵊ قال: «ثلاث هُنَّ عليَّ فرائض، وهي لكم تطوع: الوِتْرُ، والنَّحْرُ، وصلاة الضحى»، فمعارَض بظاهر قوله ﷺ «إن الله أمركم بصلاة هي خير لكم من حُمْرِ النَّعَم (٢) : وهي الوِتْرُ، فجعلها لكم فيما بين العِشَاء إلى طلوع الفجر». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث خَارِجَة بن حُذَافة. قال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه لتَفَرُّدِ التابعي عن الصحابي. وقول الترمذي: غريب لا ينافي الصحة لِمَا عرفت. ولذا يقول هو مراراً: حسن صحيح غريب. ورواه إسحاق بن رَاهُويه في «مسنده» من حديث عَمْرو بن العاص، وعُقْبَة بن

стр. 316

وقَبْلَ رُكُوعِ الثَّالِثَةِ يُكَبِّرُ رَافعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ يَقْنُتُ فِيهِ === عامر، ولفظه: «إن الله زادَكم صلاة، هي لكم خير من حُمْرِ النَّعَمِ: الوتر، وهي لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر». وروى الدَّارَقُطْنِي، عن ابن عباس: «خرج النبيّ ﷺ مُسْتَبْشِراً فقال: إن الله زادكم صلاة وهي الوتر». وزاد عن ابن عمر قال: «خرج رسول الله ﷺ مُحْمَرّاً وجهُهُ يجر رداءه، فصعد المنبر فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيُّها الناس، إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم: وهي الوتر». وقوله ﷺ «الوتر حق واجب، فمن أحبَّ أن يُوتِرَ بخمس فليوتر، ومن أحبَّ أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحبَّ أن يوتر بواحدة فليوتر». رواه أبو داود وابن ماجه والنَّسائي. والحديث في الجملة يدل على وجوب الوتر، فلا ينافيه انعقاد الإجماع على عدم وجوب الخمس. وتجويزُ بعضٍ الإيتارَ بواحدة. وفي رواية لأبي داود: «الوتر حقٌّ، فمن لم يوتر فليس منّا». وأمَّا ما أخرجه الحاكم، والبيهقي بسند صحيح: أن النبيّ ﷺ قال: «إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حُمْر النَّعَم، ألا وهي الركعات قبل صلاة الفجر». فالمراد بها الوتر لقوله ﵊: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وِتْراً» (١) لا كما توهمه بعض أئمتنا من حملها على سنة الفجر. (وقَبْلَ رُكُوعِ الثَّالِثَةِ يُكَبِّرُ) أي استحباباً (رَافِعَاً يَدَيْهِ) أي حِذَاء أذنيه، لأن الحالة قد اختلفت (ثُمَّ يَقْنُتُ فِيهِ) أي في الوتر وجوباً. لِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ عن سُوَيْد بن غَفَلة قال: «سمعت أبا بكر وعمر وعليّاً ﵃ يقولون: قَنَتَ رسول الله ﷺ في آخر الوتر، وكانوا يفعلون ذلك». والمواظبة دليل الوجوب، إلاَّ أنْ يقوم دليل على عدمه. وقال بعض المحققين: ولم نقف بعد على دليل نقلي في رفع اليدين والتكبير، ولا على ما يقتضي وجوب القنوت. وأما (قول صاحب «الهداية»: لقوله ﵊ للحسن حين علمه دعاء القنوت: (٢) «اجعل هذا في وترك». فلم يوجد فيه لفظ الأمر. وعلى تقدير وجوده لا يدل على الوجوب، لعدم بلوغ الحسن حينئذٍ، فإذا لم يجب على المأمور، لا يجب على غيره. وكذا قوله ﵊: «لا تُرفع الأيدي إلا في سبع مواطن» لم

стр. 317

أبَدًا === يَعُدَّ الوتر منها في الحديث. (أبَداً) يعني دائماً في رمضان وغيره. وهو قول أحمد. وقال الشافعيّ وهو رواية عن مالك، وأحمد: يقنُتُ في الوتر بعد الركوع في النصف الأخير من رمضان فقط. لِمَا رَوَى الحاكم ـ وقال على شرط الشيخين ـ عن الحسن بن عليّ ﵄ قَال: «عَلَّمَنِي رسول الله ﷺ في وتري إذا رفعت الرأس، ولم يبق إلا السجود: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقْضَى عليك، وإنه لا يَذِل من واليت، ولا يعِز من عاديت، تباركت وتعاليت». وفي رواية زيادة: «ونستغفرك اللهم ونتوب إليك، وصلِّ اللهم على النبيّ وآله وسلم». وروى أبو داود عن الحسن: «أنّ عمر بن الخطاب ﵁ جمع الناس على أُبَيِّ بن كعب، فكان يُصلِّي بهم عشرين ليلة من الشهر ـ يعني رمضان ـ ولا يقنت بهم إلاَّ في النصف الثاني، فإذا كان العَشْر الأواخر تَخَلَّف فصلّى في بيته». إلا أنه منقطع لعدم إدراك الحسن عمر. وهو فعل صحابي، وكلاهما ليس بحجة عنده (١) . وروى ابن عَدِيّ في «الكامل» عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يقنت في النصف من رمضان إلى آخره». إلا أنَّ البَيْهَقِيّ قال: هذا حديث لا يَصِحُّ إسناده. ولنا: على كون القنوت قبل الركوع ما روى النَّسائي، وابن ماجه، عن أبيّ بن كعب: «أن رسول الله ﷺ كان يقنت قبل الركوع». وزاد النَّسائي في «سننه الكُبْرى» «فإذا فَرَغ قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ويُطِيل في آخرهن». وزاد الطَبَرَانيّ في «الأوسط» عن ابن عمر: «أنَّ النبيّ ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، ويجعل القنوت قبل الركوع». وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» والدَّارَقُطْنِيّ في «سننه»، عن ابن مسعود: «أنَّ النبيّ ﷺ قنت في الوتر قبل الركوع» وله طريق آخر عن الخطيب البغْدَادِيّ. وأخرجه ابن الجَوْزِيّ في «التحقيق» من جهة وسكت عنه. وروى أبو نُعَيْم في «الحِلْيَة» عن ابن عباس قال: «أوتر النبيّ ﷺ بثلاث، وقنت فيها قبل الركوع». وأمَّا ما روى أنس: «أنه ﵊ قنت بعد الركوع فكان شهراً فقط. وفي «الصحيحين» عن أنس: أنه ﵊ قنت شهراً يدعو على قوم من العرب، ثم تركه». بدليل ما في «الصحيحين» عن عَاصِم الأَحْوَل:

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === «سألت أنساً عن القنوت في الصلاة؟ قال: نعم. فقلت: أكان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قلت: فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت بعده. قال: كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً». وهذا يصلح مُفَسِّراً لِمَا روى أصحاب «السنن» عنه: «أنه ﷺ قنت بعده». ومما يحققه: ما رواه ابن أبي شَيْبَة بسنده إلى علقمة: «أنَّ ابن مسعود، وأصحاب النبيّ ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع». وأمَّا دليلنا على كون القنوت في جميع السَّنة: ما روى أصحاب «السنن الأربعة» عن عليّ: «أنّ رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحْصِي ثناء عليك، أنت كما أثْنَيْتَ على نفسك». كذا ذكره الشارح. وليس بصريح في المُدَّعى على ما لا يخفى. فالأوْلى أنْ يؤخذ من عموم الأحاديث الواردة في أنه ﵊ كان يقنت. ثم رأيت في شرح «تُحْفَةِ الملوك»: أنه قال في «جامع الأصول» عن عليّ مرفوعاً: «كان يقول في وتره». فكان هذا الحديث وجه القائل بما تقدم، والله أعلم. وأمّا تقييده بالنصف الأخير من رمضان فغير صحيح. أو كان حينئذٍ قنوتاً خاصاً زيادة على القنوت المتعارف: بأن يدعو لقوم أو على قوم. ثم القنوت الذي اختاره علماؤنا: «اللهم إنّا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونُثْنِي عليك الخيرَ، نشكرك ولا نكفرك، ونَخْلَعُ ونترك من يَفْجُرُكَ، اللهم إياك نعبد، ولك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونَحْفِد (١) ، نرجو رحمتك. ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار مُلْحِق». ومُلْحِق: بكسر الحاء على معنى لاحق، ويجوز فتحها. وفي رواية «الخير كله» و «إن عذابك الجِدّ» ومعنى نحفِد: نسرع أو نقصد. واستحسن بعض علمائنا أن يضم معه قنوت الحسن. ولو لم يُحْسِن القنوت، قال أبو الليث: يقول اللهم اغفر لي ثلاث مرات. أقول: الأوْلى أن يقول: اللهم اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنين والمؤمنات. وأما قول محمد: ليس في القنوت دعاء مؤقَّت ـ أي مُعَيَّن ـ، فمحمول على غير قوله: «اللهم إنا نستعينك» وقوله: «اللهم اهدنا»، أو محمول على أنه غير معين وجوباً. وفي «المحيط»: المنفرد إن شاء جهر بالقنوت، وإن شاء خافت، والإمام يجهر عند محمد، لأن له

стр. 319

دُونَ غَيرِهِ، وَيْقَرأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ الفاتِحَةَ وسُورَةً ويَتْبَعُ القَانِتَ بَعْدَ رُكُوع الوِتْرِ لا القَانِتَ في الفَجْرِ، === شُبهةً (١) بالقرآن لاختلاف الصحابة في أنه من القرآن. ولا يجهر عند أبي يوسف، وهو الصحيح، لأنه دعاءٌ حقيقة، والسبيلُ في الأدعية المُخَافَتة. (دُونَ غَيْرِهِ) أي ولا يَقْنُت في غير الوتر، ولا يقنت في الصبح وهو قول أحمد، وقال مالك والشافعيّ: يقنت فيه. ولنا: ما روى النَّسائي وابن ماجه والترمذي ـ وقال: حسن صحيح، عن أبي مالك الأشْجَعِيّ، سَعْد بن طَارِقٍ قال: قلت لأَبي: إنك صليت خلف النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ بالكوفة نحواً من خمسِ سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بُنَيَّ بدعة». أي في غير النوازل. لِمَا روى ابن حِبَّان عن أبي هريرة بسند صحيح قال: «كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم، أو على قوم». وروى محمد في «الآثار»: عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم، عن الأَسْوَدِ بن يَزِيد: «أنه صَحِبَ عمر بن الخطاب سنتين في السفر والحضر، فلم يره قانتاً في الفجر حتى فارقه». قال إبراهيم: وأهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن عليّ ﵁ قنت يدعو على معاوية (حين حاربه) (٢) . وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية يدعو على عليّ (حين حاربه). وفي «الغاية»: وإن نزل بالمسلمين نازلة قَنَت الإمام في صلاة الجهر. وهو قول الثَّوْرِي وأحمد، لِمَا في مسلم، وأبي داود، والترمذي، وأحمد، والنَّسائي مِنْ ضَمِّ المغرب إلى الصبح في القنوت. وقال جمهور أهل الحديث: القنوت عند النوازل مشروع في الصلاة كلها. (وَيْقَرأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ) أي من الوتر (الفاتِحَةَ وسُورَةً) لِمَا روى أصحاب «السنن الأربعة»، والحاكم وقال: على شرط الشيخين، عن عائِشة ﵂: «أن النبيّ ﷺ كان يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بفاتحة الكتاب و ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يا أيُّها الكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هو اأحد﴾ والمُعَوِّذَتَيْنِ». ولعله باعتبار تعدد الوتر. ولذا جاء في بعض الروايات بدون ذكر المعوِّذَتَيْنِ. (ويَتْبَعُ) المؤتم (القَانِتَ بَعْدَ رُكُوعِ الوِتْرِ) لأنه مجتَهَدٌ فيه (لا القَانِتَ في الفَجْرِ)

стр. 320

بَلْ يَسْكُتُ. === لأن القنوت في الفجر منسوخ عند عدم النوازل. (بَلْ يَسْكُتُ) المؤتمّ قائماً في الأظهر ليتابع الإمام فيما يجب متابعته فيه. وقيل: يُطِيلُ الركوع إلى أن يَفْرُغَ الإمام من القنوت. وقيل: يَقْعُدُ. وقيل: يسجد إلى أن يدركه فيه، تحقيقاً لمخالفته. وقال أبو يوسف: يقنت المؤتم في الفجر تَبَعاً لإمامه لالتزامه متابعته بالاقتداء به، فلا يتركه فيما يُحْتَمَلُ أنْ يكون مشروعاً. والقنوت مجتهد فيه، فصار كالاقتداء في العيدين بمن يُكَبِّرُ على خلاف رأيه ما لم يجاوز أقاويل الصحابة. واعلم أنَّ قنوت الفجر منسوخ عندنا. وأبقاه مالك، والشافعيّ لحديث أنس: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا». رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه». ولقول أبي هريرة: «لأَنَا أقربكم صلاة برسول الله ﷺ وكان يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده. فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار». رواه البخاري. وقال الحازِمِي في كتابه «الناسخ والمنسوخ»: ذهب إلى نسخه أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأَمصار إلى يومنا، ورُوي ذلك عن الخلفاء الأربعة. وذكر جمعاً كثيراً من الصحابة والتابعين والفقهاء والمجتهدين. ومما يؤيده ما رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، والبزَّارُ في «مسنده»، والطَّبَرَانِي، والطَّحاوِي في «آثاره» كلهم من حديث شَرِيك القاضي، عن أبي حَمْزَة مَيْمُون القَصَّاب، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة، عن عبد الله: قال: «لم يقنت رسول الله ﷺ في الصبح إلاَّ شهراً ثم تركه. لم يقنت قبله ولا بعده». وفي لفظ الطَّحاويّ: «قنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو على عُصَيَّة وذَكْوَان، فلما ظَهَرَ عليهم، ترك القنوت». تابعه أَبَان بن أبي عَيَّاش، عن إبراهيم فقال في حديثه: «لم يقنت في الفجر قط». وتَضَعِّفُ ابنِ حنبل، وابن مَعِين، وأبي حاتم: أبا حَمْزَة القَصَّاب، بسبب أنه كان كثير الوَهْمِ، فلا يكون حديثه رافعاً لحكم ثابت بالقوي (١) ، مدفوع (٢) : بأن مسلماً روى في «صحيحه»: عن محمد بن المُثَنَّى العَنَزي وابن بشَّار قالا: حدثنا أُمَيَّة بن خَالِد: حدّثَنَا شُعْبة، عن أبي حَمْزَة القَصَّاب، عن ابن عبَّاس، قال: «كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب. قال: فجاء فَحَطَأَني حَطْأَةً وقال: اذهب وادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي
следующие страницы →