← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقَبْلَ رُكُوعِ الثَّالِثَةِ يُكَبِّرُ رَافعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ يَقْنُتُ فِيهِ === عامر، ولفظه: «إن الله زادَكم صلاة، هي لكم خير من حُمْرِ النَّعَمِ: الوتر، وهي لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر». وروى الدَّارَقُطْنِي، عن ابن عباس: «خرج النبيّ ﷺ مُسْتَبْشِراً فقال: إن الله زادكم صلاة وهي الوتر». وزاد عن ابن عمر قال: «خرج رسول الله ﷺ مُحْمَرّاً وجهُهُ يجر رداءه، فصعد المنبر فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيُّها الناس، إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم: وهي الوتر». وقوله ﷺ «الوتر حق واجب، فمن أحبَّ أن يُوتِرَ بخمس فليوتر، ومن أحبَّ أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحبَّ أن يوتر بواحدة فليوتر». رواه أبو داود وابن ماجه والنَّسائي. والحديث في الجملة يدل على وجوب الوتر، فلا ينافيه انعقاد الإجماع على عدم وجوب الخمس. وتجويزُ بعضٍ الإيتارَ بواحدة. وفي رواية لأبي داود: «الوتر حقٌّ، فمن لم يوتر فليس منّا». وأمَّا ما أخرجه الحاكم، والبيهقي بسند صحيح: أن النبيّ ﷺ قال: «إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حُمْر النَّعَم، ألا وهي الركعات قبل صلاة الفجر». فالمراد بها الوتر لقوله ﵊: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وِتْراً» (١) لا كما توهمه بعض أئمتنا من حملها على سنة الفجر. (وقَبْلَ رُكُوعِ الثَّالِثَةِ يُكَبِّرُ) أي استحباباً (رَافِعَاً يَدَيْهِ) أي حِذَاء أذنيه، لأن الحالة قد اختلفت (ثُمَّ يَقْنُتُ فِيهِ) أي في الوتر وجوباً. لِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ عن سُوَيْد بن غَفَلة قال: «سمعت أبا بكر وعمر وعليّاً ﵃ يقولون: قَنَتَ رسول الله ﷺ في آخر الوتر، وكانوا يفعلون ذلك». والمواظبة دليل الوجوب، إلاَّ أنْ يقوم دليل على عدمه. وقال بعض المحققين: ولم نقف بعد على دليل نقلي في رفع اليدين والتكبير، ولا على ما يقتضي وجوب القنوت. وأما (قول صاحب «الهداية»: لقوله ﵊ للحسن حين علمه دعاء القنوت: (٢) «اجعل هذا في وترك». فلم يوجد فيه لفظ الأمر. وعلى تقدير وجوده لا يدل على الوجوب، لعدم بلوغ الحسن حينئذٍ، فإذا لم يجب على المأمور، لا يجب على غيره. وكذا قوله ﵊: «لا تُرفع الأيدي إلا في سبع مواطن» لم

стр. 317

أبَدًا === يَعُدَّ الوتر منها في الحديث. (أبَداً) يعني دائماً في رمضان وغيره. وهو قول أحمد. وقال الشافعيّ وهو رواية عن مالك، وأحمد: يقنُتُ في الوتر بعد الركوع في النصف الأخير من رمضان فقط. لِمَا رَوَى الحاكم ـ وقال على شرط الشيخين ـ عن الحسن بن عليّ ﵄ قَال: «عَلَّمَنِي رسول الله ﷺ في وتري إذا رفعت الرأس، ولم يبق إلا السجود: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقْضَى عليك، وإنه لا يَذِل من واليت، ولا يعِز من عاديت، تباركت وتعاليت». وفي رواية زيادة: «ونستغفرك اللهم ونتوب إليك، وصلِّ اللهم على النبيّ وآله وسلم». وروى أبو داود عن الحسن: «أنّ عمر بن الخطاب ﵁ جمع الناس على أُبَيِّ بن كعب، فكان يُصلِّي بهم عشرين ليلة من الشهر ـ يعني رمضان ـ ولا يقنت بهم إلاَّ في النصف الثاني، فإذا كان العَشْر الأواخر تَخَلَّف فصلّى في بيته». إلا أنه منقطع لعدم إدراك الحسن عمر. وهو فعل صحابي، وكلاهما ليس بحجة عنده (١) . وروى ابن عَدِيّ في «الكامل» عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يقنت في النصف من رمضان إلى آخره». إلا أنَّ البَيْهَقِيّ قال: هذا حديث لا يَصِحُّ إسناده. ولنا: على كون القنوت قبل الركوع ما روى النَّسائي، وابن ماجه، عن أبيّ بن كعب: «أن رسول الله ﷺ كان يقنت قبل الركوع». وزاد النَّسائي في «سننه الكُبْرى» «فإذا فَرَغ قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ويُطِيل في آخرهن». وزاد الطَبَرَانيّ في «الأوسط» عن ابن عمر: «أنَّ النبيّ ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، ويجعل القنوت قبل الركوع». وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» والدَّارَقُطْنِيّ في «سننه»، عن ابن مسعود: «أنَّ النبيّ ﷺ قنت في الوتر قبل الركوع» وله طريق آخر عن الخطيب البغْدَادِيّ. وأخرجه ابن الجَوْزِيّ في «التحقيق» من جهة وسكت عنه. وروى أبو نُعَيْم في «الحِلْيَة» عن ابن عباس قال: «أوتر النبيّ ﷺ بثلاث، وقنت فيها قبل الركوع». وأمَّا ما روى أنس: «أنه ﵊ قنت بعد الركوع فكان شهراً فقط. وفي «الصحيحين» عن أنس: أنه ﵊ قنت شهراً يدعو على قوم من العرب، ثم تركه». بدليل ما في «الصحيحين» عن عَاصِم الأَحْوَل:

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === «سألت أنساً عن القنوت في الصلاة؟ قال: نعم. فقلت: أكان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قلت: فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت بعده. قال: كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً». وهذا يصلح مُفَسِّراً لِمَا روى أصحاب «السنن» عنه: «أنه ﷺ قنت بعده». ومما يحققه: ما رواه ابن أبي شَيْبَة بسنده إلى علقمة: «أنَّ ابن مسعود، وأصحاب النبيّ ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع». وأمَّا دليلنا على كون القنوت في جميع السَّنة: ما روى أصحاب «السنن الأربعة» عن عليّ: «أنّ رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحْصِي ثناء عليك، أنت كما أثْنَيْتَ على نفسك». كذا ذكره الشارح. وليس بصريح في المُدَّعى على ما لا يخفى. فالأوْلى أنْ يؤخذ من عموم الأحاديث الواردة في أنه ﵊ كان يقنت. ثم رأيت في شرح «تُحْفَةِ الملوك»: أنه قال في «جامع الأصول» عن عليّ مرفوعاً: «كان يقول في وتره». فكان هذا الحديث وجه القائل بما تقدم، والله أعلم. وأمّا تقييده بالنصف الأخير من رمضان فغير صحيح. أو كان حينئذٍ قنوتاً خاصاً زيادة على القنوت المتعارف: بأن يدعو لقوم أو على قوم. ثم القنوت الذي اختاره علماؤنا: «اللهم إنّا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونُثْنِي عليك الخيرَ، نشكرك ولا نكفرك، ونَخْلَعُ ونترك من يَفْجُرُكَ، اللهم إياك نعبد، ولك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونَحْفِد (١) ، نرجو رحمتك. ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار مُلْحِق». ومُلْحِق: بكسر الحاء على معنى لاحق، ويجوز فتحها. وفي رواية «الخير كله» و «إن عذابك الجِدّ» ومعنى نحفِد: نسرع أو نقصد. واستحسن بعض علمائنا أن يضم معه قنوت الحسن. ولو لم يُحْسِن القنوت، قال أبو الليث: يقول اللهم اغفر لي ثلاث مرات. أقول: الأوْلى أن يقول: اللهم اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنين والمؤمنات. وأما قول محمد: ليس في القنوت دعاء مؤقَّت ـ أي مُعَيَّن ـ، فمحمول على غير قوله: «اللهم إنا نستعينك» وقوله: «اللهم اهدنا»، أو محمول على أنه غير معين وجوباً. وفي «المحيط»: المنفرد إن شاء جهر بالقنوت، وإن شاء خافت، والإمام يجهر عند محمد، لأن له

стр. 319

دُونَ غَيرِهِ، وَيْقَرأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ الفاتِحَةَ وسُورَةً ويَتْبَعُ القَانِتَ بَعْدَ رُكُوع الوِتْرِ لا القَانِتَ في الفَجْرِ، === شُبهةً (١) بالقرآن لاختلاف الصحابة في أنه من القرآن. ولا يجهر عند أبي يوسف، وهو الصحيح، لأنه دعاءٌ حقيقة، والسبيلُ في الأدعية المُخَافَتة. (دُونَ غَيْرِهِ) أي ولا يَقْنُت في غير الوتر، ولا يقنت في الصبح وهو قول أحمد، وقال مالك والشافعيّ: يقنت فيه. ولنا: ما روى النَّسائي وابن ماجه والترمذي ـ وقال: حسن صحيح، عن أبي مالك الأشْجَعِيّ، سَعْد بن طَارِقٍ قال: قلت لأَبي: إنك صليت خلف النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ بالكوفة نحواً من خمسِ سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بُنَيَّ بدعة». أي في غير النوازل. لِمَا روى ابن حِبَّان عن أبي هريرة بسند صحيح قال: «كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم، أو على قوم». وروى محمد في «الآثار»: عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم، عن الأَسْوَدِ بن يَزِيد: «أنه صَحِبَ عمر بن الخطاب سنتين في السفر والحضر، فلم يره قانتاً في الفجر حتى فارقه». قال إبراهيم: وأهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن عليّ ﵁ قنت يدعو على معاوية (حين حاربه) (٢) . وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية يدعو على عليّ (حين حاربه). وفي «الغاية»: وإن نزل بالمسلمين نازلة قَنَت الإمام في صلاة الجهر. وهو قول الثَّوْرِي وأحمد، لِمَا في مسلم، وأبي داود، والترمذي، وأحمد، والنَّسائي مِنْ ضَمِّ المغرب إلى الصبح في القنوت. وقال جمهور أهل الحديث: القنوت عند النوازل مشروع في الصلاة كلها. (وَيْقَرأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ) أي من الوتر (الفاتِحَةَ وسُورَةً) لِمَا روى أصحاب «السنن الأربعة»، والحاكم وقال: على شرط الشيخين، عن عائِشة ﵂: «أن النبيّ ﷺ كان يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بفاتحة الكتاب و ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يا أيُّها الكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هو اأحد﴾ والمُعَوِّذَتَيْنِ». ولعله باعتبار تعدد الوتر. ولذا جاء في بعض الروايات بدون ذكر المعوِّذَتَيْنِ. (ويَتْبَعُ) المؤتم (القَانِتَ بَعْدَ رُكُوعِ الوِتْرِ) لأنه مجتَهَدٌ فيه (لا القَانِتَ في الفَجْرِ)

стр. 320

بَلْ يَسْكُتُ. === لأن القنوت في الفجر منسوخ عند عدم النوازل. (بَلْ يَسْكُتُ) المؤتمّ قائماً في الأظهر ليتابع الإمام فيما يجب متابعته فيه. وقيل: يُطِيلُ الركوع إلى أن يَفْرُغَ الإمام من القنوت. وقيل: يَقْعُدُ. وقيل: يسجد إلى أن يدركه فيه، تحقيقاً لمخالفته. وقال أبو يوسف: يقنت المؤتم في الفجر تَبَعاً لإمامه لالتزامه متابعته بالاقتداء به، فلا يتركه فيما يُحْتَمَلُ أنْ يكون مشروعاً. والقنوت مجتهد فيه، فصار كالاقتداء في العيدين بمن يُكَبِّرُ على خلاف رأيه ما لم يجاوز أقاويل الصحابة. واعلم أنَّ قنوت الفجر منسوخ عندنا. وأبقاه مالك، والشافعيّ لحديث أنس: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا». رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه». ولقول أبي هريرة: «لأَنَا أقربكم صلاة برسول الله ﷺ وكان يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده. فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار». رواه البخاري. وقال الحازِمِي في كتابه «الناسخ والمنسوخ»: ذهب إلى نسخه أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأَمصار إلى يومنا، ورُوي ذلك عن الخلفاء الأربعة. وذكر جمعاً كثيراً من الصحابة والتابعين والفقهاء والمجتهدين. ومما يؤيده ما رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، والبزَّارُ في «مسنده»، والطَّبَرَانِي، والطَّحاوِي في «آثاره» كلهم من حديث شَرِيك القاضي، عن أبي حَمْزَة مَيْمُون القَصَّاب، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة، عن عبد الله: قال: «لم يقنت رسول الله ﷺ في الصبح إلاَّ شهراً ثم تركه. لم يقنت قبله ولا بعده». وفي لفظ الطَّحاويّ: «قنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو على عُصَيَّة وذَكْوَان، فلما ظَهَرَ عليهم، ترك القنوت». تابعه أَبَان بن أبي عَيَّاش، عن إبراهيم فقال في حديثه: «لم يقنت في الفجر قط». وتَضَعِّفُ ابنِ حنبل، وابن مَعِين، وأبي حاتم: أبا حَمْزَة القَصَّاب، بسبب أنه كان كثير الوَهْمِ، فلا يكون حديثه رافعاً لحكم ثابت بالقوي (١) ، مدفوع (٢) : بأن مسلماً روى في «صحيحه»: عن محمد بن المُثَنَّى العَنَزي وابن بشَّار قالا: حدثنا أُمَيَّة بن خَالِد: حدّثَنَا شُعْبة، عن أبي حَمْزَة القَصَّاب، عن ابن عبَّاس، قال: «كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب. قال: فجاء فَحَطَأَني حَطْأَةً وقال: اذهب وادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي

стр. 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === معاوية قال: فجئت فقلت: هو يأكل. فقال: لا أشبعَ اللهُ بطنه» فيكون توثيقاً من مسلم له. يقال: حَطَأَه فلان: ـ بالهمزة ـ ضرب ظهره بيده مبسوطة. ورواه محمد بن جابر اليَمَامِي عن حمَّاد، عن إبراهيم وقال في حديثه: «ما قنت رسول الله ﷺ في شيء من الصلوات إلاَّ في الوتر، كان إذا حارب يقنت في الصلوات كلها، يدعو على المشركين». ورواه أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَةَ، عن عبد الله: «أن النبيّ ﷺ لم يقنت في الفجر قط إلاَّ شهراً واحداً، لم يُرَ قبل ذلك ولا بعده، وإنما قنت في ذلك الشهر يدعو على ناس من المشركين». ولهذا لم يكن أنس يقنت في الصبح كما رواه الطَّبَرَانِيّ بسنده من حديث غالب بن فَرْقَد الطحَّان قال: «كنت عند أنس بن مالك شهرين، فلم يقنت في صلاة الغداة». وما رواه البخاري ومسلم عن أبي سَلَمَة، وسعيد بن المُسَيَّبِ، عن أبي هريرة: «أن النبيّ ﷺ لَمَّا رفع رأسه من الركعة الثانية قال: اللهم أَنْجِ الوليد بن الوليد، (اللهم أَنْجِ) (١) سَلَمَة بن هِشَام». وفي آخره: «ثم بلغنا أنه ترك ذلك لَمَّا نزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢) » الآية. وما رواه ابن حِبَّان، عن إبراهيم، عن سَعْد، عن الزُّهْرِيّ، عن سعيد وابن سَلَمَةَ، عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح، إلاَّ أن يدعو لقوم، أو على قوم». وما رواه الخَطِيبُ في كتابه في القنوت بسنده عن أنس: «أن النبيّ ﷺ لم يقنت إلاَّ إذا دعا لقوم، أو على قوم». قال صاحب «التَّنْقِيح»: وسند هذين الحديثين صحيح، وهما نص في أنه مختص بالنازلة. وما أخرجه ابن عَدِيّ في «الكامل»، عن بِشْر بن حَرْب، عن ابن عمر: أنه ذكر القنوت فقال: «والله إنه لبدعة، ما قنت رسول الله ﷺ غير شهر واحد». إلا أنه أعلَّه بتضعيف النَّسائي وابن مَعِين بِشْراً. ثم قال: هو عندي لا بأس به، ولا أعرف له حديثاً مُنْكَراً. وما أخرجه ابن ماجه، والنَّسائي، والترمذي ـ وقال: حسنٌ صحيحٌ ـ عن أبي مالك الأشْجَعِيّ، ـ سعد بن طارق بن أَشْيَم (٣) ـ، عن أبيه قال: «صلّيت خلف النبيّ

стр. 322

[فَصْلٌ في النَّوَافِلِ] وسُنَّ قَبْلَ الفَجْرِ وبَعْدَ الظُّهْرِ والمَغْرِبِ والعِشَاءِ: رَكْعَتَانِ. وقَبْلَ الظُّهْرِ والجُمُعَةِ وبَعْدَهَا أربعٌ بِتَسْلِيمَةٍ. === ﷺ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصلّيت خلف عمر فلم يقنت، (وصلّيت خلف عثمان فلم يقنت) (١) ، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بُنَيَّ إنها بدعة». قال البخاري: طارق بن أَشْيَمَ له صُحْبَة. وقد وَثَّقَ ابن حنبل، وابن مَعِين، والعِجْلِيّ: أبا مالك. وقد أخرج له مسلم في «صحيحه» حديثين. وما رواه ابن أبي شَيْبَة عن عليّ: «أنه لَمَّا قنت في الصبح أنكر الناس ذلك عليه، فقال: إنما اسْتَنْصَرْنا على عدونا». والحاصل أنَّ قول أنس: ما زال النبيّ ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، محمول على النوازل بصريح ما قدمنا عنه وعن غيره. وحديث أبي هريرة نصٌّ في النوازل لقوله: «يدعو للمسلمين وعلى الكفار». وعليه يُحْمَلُ قول من قال به من الصحابة والتابعين. فلا يكون بالنسبة إلى النازلة منسوخاً بل مستمراً. وبه قال جماعة من أهل الحديث، إذ ليس في الأخبار ما يعارضه. ثم الصحيح جواز اقتداء الحَنَفِي بالشافعي وغيره إذا لم يتيقن بالمُفْسِد. (فَصْلٌ في النَّوَافِلِ) (وسُنَّ قَبْلَ الفَجْرِ وبَعْدَ الظُّهْرِ والمَغْرِبِ والعِشَاءِ رَكْعَتَانِ، وقَبْلَ الظُّهْرِ والجُمُعَةِ وبَعْدَهَا أربعٌ بِتَسْلِيمَةٍ) لقوله ﵊: «ركعتا الفجر أحبُّ إليَّ من الدُّنيا وما فيها». وفي لفظ: «خير من الدنيا وما فيها» رواه مسلم. ولقوله ﷺ «لا تتركوا ركعتي الفجر، فإن فيهما الرَّغَائِبَ» (٢) ، رواه أبو يَعْلَى المَوصْلِي. ولقوله ﷺ «ولا تَدَعُوهُما وإن طردتكم الخيل». رواه أبو داود (٣) . ولقول عائشة: «كان النبيّ ﷺ

стр. 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === يُصَلِّي ويَدَع، ولكني لم أره ترك ركعتين قبل صلاة الفجر في سفر ولا في حضر، ولا صحة ولا سَقَم»، رواه الطَّبَرَانِيّ. ولقولها: «إن رسول الله ﷺ لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الفجر». رواه الشيخان. وفيه دلالة على أنها آكد السنن. وقيل: بفرضيَّتِها. وقيل: بوجوبها. ولقوله ﵊: «ما من عبد مسلم يُصَلِّي لله في كل يوم ثِنْتَي عشرة ركعة تطوّعاً من غير الفريضة، إلا بنى الله له بيتاً في الجنة». رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وزاد الترمذي والنَّسائي: «أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الغداة». قال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ. ولقول عائشة ﵂: «كان النبيّ ﷺ يُصَلِّي في بيته قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلِّي بالناس، ثم يدخل فيصلّي ركعتين». رواه مسلم. وأمَّا كونها بتسليمة فلِمَا في «موطأ محمد بن الحسن» قال: حدثنا بُكَيْر بن عامر البَجَليّ، عن إبراهيم والشَّعْبِي، عن أبي أيوب الأَنْصَارِيّ: «أن النبيّ ﷺ كان يُصَلِّي قبل الظهر أربعاً إذا زالت الشمس. فسأله أبو أيوب الأنصاري عن ذلك فقال: إن أبواب السماء تُفْتَحُ في هذه الساعة، فأحب أن يَصْعَدَ لي في تلك الساعة خير. قلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: نعم. قلت أَيُفْصَلُ بينهن بسلام؟ قال: لا». وفي «سنن أبي داود»، وابن ماجه، و «شمائل الترمذي» عن أبي أيوب نحوه. وأما كونها قبل الجُمُعَة كذلك، فلقول ابن عباس: «كان ﷺ يركع قبل الجمعة أربعاً لا يفصل في شيء منهن» (١) . رواه ابن ماجه من حديث مُبَشِّر بن عُبَيْد (٢) . ولقول عليّ: «كان رسول الله ﷺ .. » وذكر نحوه سواء، وزاد: «ويجعل التسليم في آخرهن ركعة». رواه الطَّبَرَانِيّ. وأمَّا كونها بعد الجمعة كذلك فلِمَا رواه الجماعة إلاَّ البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صلّيتم بعد الجمعة فصلّوا أربعاً، فإن عَجِلَ بك شيء، فصلِّ ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت». ولِمَا روى مسلم عن أبي هريرة: أنّ

стр. 324

وحُبِّبَ الأَرْبَعُ قَبْلَ العَصْرِ، وحُبِّبَ قَبْلَ العِشَاءِ وبَعْدَهُ. === رسول الله ﷺ قال: «من كان منكم مصلّياً بعد الجمعة فليصلِّ أربعاً». ويُسَنُّ عند أبي يوسف أن يصلّي بعد الجمعة ست ركعات، لِمَا في أبي داود عن ابن عمر: «أنه إذا كان بمكة فصلَّى الجمعة تقدم فصلّى ركعتين، ثم تقدم فصلّى أربعاً، وإذا كان بالمدينة فصلّى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلّى ركعتين ولم يصلِّ في المسجد. فقيل له، فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك». فقد أثبت ستاً بعدها بمكة. (وحُبِّبَ) أي نُدِبَ (الأَرْبَعُ قَبْلَ العَصْرِ) لِمَا روى أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «رَحِمَ الله امرأ صلّى قبل العصر أربعاً». ويقول عليّ: «كان ﵊ يصلّي قبل العصر ركعتين». رواه أبو داود. ورواه الترمذي، وأحمد وقالا: «أربعاً». ولما رواه الطَّبرانيّ بسند حسن عن ابن عمرو: «من صلّى قبل العصر أربعاً حَرَّمه الله على النار». (وحُبِّبَ قَبْلَ العِشَاءِ وبَعْدَهُ) لقوله ﵊: «من صلّى قبل العِشَاءِ أربعاً، كان كأنما تهجّد من ليلته، ومن صلاّهن بعد العشاء، كان كمثلهن من ليلة القدر». رواه سعيد بن منصور في «سننه». وأخرجه النَّسائي من قول كعب، والبَّيْهَقِي من قول عائشة. والموقوف في هذا كالمرفوع، لأنه من قبيل تقدير الثواب، وهو لا يُدْرَك إلاّ سَمَاعاً. ولقول عائشة: ما صلّى رسول الله ﷺ العشاء قط، فدخل عليَّ إلا صلّى بعدها أربع ركعات أو ستّاً». رواه أبو داود. ولِمَا روى البخاري عن ابن عباس قال: «بِتُّ عند خالتي مَيْمُونَة بنت الحارث ـ زوج النبيّ ﷺ فصلّى النبيّ ﷺ العشاء، ثم عاد إلى منزله، فصلى أربع ركعات، ثم قام فصلّى خمس ركعات، ثم ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة». وروى مسلم في «صحيحه» عن عبد الله بن مُغَفَّل المُزَنِي (١) قال: قال رسول الله ﷺ «بين كل أذانين صلاة» (٢) قالها ثلاثاً، قال في الثالثة: «لمن شاء». وفي رواية: قال في الرابعة: «لمن شاء». وخُصَّ (٣) من هذا المغرب لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي

стр. 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والبَزَّار عن أبي بُرَيْدة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «عند كل أذانين صلاة، ما خلا صلاة المغرب». وهذا زيادة مقبولة، فدل ذلك على عدم مشروعية الصلاة قبل المغرب. وذكر الطَّحَاوِي: أن السلف تركوا الركعتين قبل المغرب. وروى أبو داود بإسنادين عن ابن عمر أنه قال: «ما رأيت أحداً يصلي ركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله ﷺ ، ذكره النَّوَوِيّ. ومما يُنْدَب ست بعد المغرب لقوله ﵊: «من صلّى بعد المغرب ست ركعات كُتِبَ من الأوَّابِين، وتلى قوله تعالى: ﴿إنَّه كان للأوَّابِينَ غَفُوراً﴾ (١) . رواه ابن نصر عن محمد بن المُنْكَدِر مرسلاً: «من صلى ما بين المغرب والعشاء، فإنها صلاة الأوَّابين». ولقوله ﵊: «من صلّى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن بسوء، عَدَلْنَ بعبادة اثنتي عشر سنةً». رواه الترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة. وفي رواية لابن ماجه عن عائشة: «مَنْ صلى بين المغرب والعشاء عشرين ركعة، بنى الله له بيتاً في الجنة». وصرح جماعة من المشايخ باستحباب أربع بعد الظهر لقوله ﵊: «من صلّى أربعاً قبل الظهر، وأربعاً بعدها، حَرَّمه الله على النار». رواه أبو داود، (والترمذي) (٢) ، والنَّسائي. ويُسْتَحب أيضاً ركعتان لمن دخل المسجد قبل أنْ يقعد لقوله ﵊: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين». رواه البيهقي، وغيره عن أبي هريرة. ويستحب ركعتان لمن تَوَضَّأَ عَقِيبَ وضوئه لحديث بلال ﵁ (٣) . ويستحب صلاة الضحى، وهي أربع ركعات فصاعداً. لما روى مسلم من حديث مُعَاذَة: «أنها سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يصلّي الضُّحَى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء».

стр. 326

وكُرِهَ مزِيدُ النَّفْلِ عَلَى أرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ نهارًا، وعلى ثَمَانٍ لَيْلًا === فإن قيل: ما الجمع بين هذا الحديث وبين ما في الصحيحين عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: «ما سَبَّحَ رسول الله ﷺ بسبحة الضحى قط وإني لأُسَبِّحُها». أجيب: بأنه يحتمل أنها أخبرت في النفي: عن رؤيتها ومشاهدتها، وفي الإثبات: عن خبره ﵊، أو خبر غيره عنها. وأنها أنكرتها مواظبة وإعلاناً، أو أنها أنكرتها على ما هي مشهورة عند الناس ثماني ركعات. ومما يدل على فضيلة صلاة الضُّحَى حديث: أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ «يُصْبِحُ على كل سُلَامى (١) من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزاء عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». رواه مسلم. ومنها حديث بُرَيْدَة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الإنسان ثلاث مئة وستون مَفْصِلاً. فعليه أنْ يتَصَدَّق عن كل مَفْصَل منه بصدقة. قالوا: ومن يُطِيقُ ذلك يا رسول الله؟ قال: النُّخَاعَة (٢) في المسجد تدفِنها، والشيء تُنَحِّيْه عن الطريق، فإن لم تجد فركعتا الضحى تُجْزِئْكَ». وحديث مُعَاذ بن أنس الجُهَنِيّ قال: قال رسول الله ﷺ «مَنْ قعد في مُصَلاَّه حين ينصرف من صلاة الضحى حتى يُسَبِّحَ ركعتي الضحى لا يقول إلاَّ خيراً غُفِرَ له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر». رواهما أبو داود. ومنها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من حافظ على شَفْعَة الضُّحَى غُفِرَ له، وإن كانت مثل زبد البحر». رواه أحمد، وغيره. ومنها حديث أبي سعيد: «كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها». رواه الترمذي. (وكُرِهَ مزِيدُ النَّفْلِ) أي زيادته (عَلَى أرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ نهاراً، وعلى ثَمَانٍ لَيْلاً) لعدم ورود السُّنَّة بالزيادة فيهما، ولو جاز من غير كراهة، لفُعِلَ ولو مرة. وفي «النهاية»: النافلة ليلاً إلى ثمان جائزة، وفيما وراءه مكروهة في عامة الروايات. قال فخر الإسلام في «الجامع الصغير»: وأصل ذلك حديث عائشة: «أن النبيّ ﷺ كان يُصَلِّي من الليل

стр. 327

والأَرْبَعُ أَفْضَلُ في المَلَوَيْنِ. === إحدى عشرة ركعة: ثلاث منها الوتر، وركعتا الفجر ـ أي سنته ـ فيبقى التطوع ستة». ورُوِيَ: «ثلاث عشرة»، فبقي التطوع ثمانية. وفيه: أنه لا دلالة فيه على أنَّ الثمانية بتسليمة، ولا على أنَّ الزيادة عليها مكروهةٌ. وقد اعْتُرِضَ بأنَّ الزُّهْرِيّ روى عن عُرْوَة، عن عائشة: «أنه ﵊ كان يسلم من كل ركعتين منهن». وفي «المبسوط» و «الخُلاصة»: الأصح على أن الزيادة لا تُكره لِمَا فيها من وَصْل العبادة. ثم رأيت السَّرَخْسِيّ صحَّح عدم كراهة الزيادة عليها لِمَا في البخاري عن عائشة: «كان النبيّ ﷺ يصلِّي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثُمَّ يُصلّي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين» فيبقى العشرة نفلاً. وروى الطَّحاوي الاستدلال بكليهما لِمَا رواه في دليلهما: من أنه ﵊ كان يُسَلِّم بين كل اثنتين، ولأنه ليس في قولهما دلالة على أنه صلَّى الثمان أو العشرة بتسليمة. (والأَرْبَعُ أَفْضَلُ في المَلَوَيْنِ) أي الليل والنهار، تثنية مَلا بفتح الميم والقصر. وهذا الذي ذكره عند أبي حنيفة. وعندهما: اثنان في الليل أفضل، والأربع في النهار أفضل. وعند الشافعي: الأفضل فيهما الاثنتان. وعند أحمد: لا بأس بالأربع في النهار، وهي بالليل مكروهة، وقيل: غير جائزة، لِمَا روى أصحاب «السنن»، وصححه ابن حِبَّان، وجَوَّدَه أحمد عن ابن عمر: أن النبيّ ﷺ قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». ولأبي يوسف ومحمد ما في «الصحيحين» عن ابن عمر: أنَّ النبيّ ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى». وليس فيه ذكر النهار. وقال النَّسائي: ذكره عندي خطأ. ولأبي حنيفة ما في «الصحيحين» عن عائشة: «أن النبيّ ﷺ كان يصلّي بالليل أربعاً، لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً، لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً». وروى أبو يَعْلَى في «مسنده» عن عَمْرَة قالت: «سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ يصلّي الضحى أربع ركعات لا يفصل بينهن بسلام». وقد تقدم حديث أبي أيوب في سنة الظهر نحوه. ولأنه أدوم تحريمة، فيكون أكثر مشقة وأكبر فضيلة. ولهذا لو نذر أن يصلِّي أربعاً بتسليمة، فصلاّها بتسليمتين، لم يوف بنذره. ولو نذر أن يُصَلِّيَها بتسليمتين، فصلاّها بتسليمة وَفَى بِنَذْرِهِ، لأنه عَمِلَ بالأفضل. وأمّا ما أخرجه مسلم من حديث عائشة في حديث طويل قالت: «كُنّا نُعِدُّ له سِوَاكه وطَهُوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فَيَتَسَوَّكُ، ويتوضَّأُ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلاَّ في الثامنة، فيذكر الله، ويحمده، ويدعوه، ثم

стр. 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله، ويَحْمَده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يُسْمِعَناهُ». وهو في غير مسلمٍ: «كان يوتر بتسع ركعات». فاتفاق الأئمة على القعود في كل شفع لِمَا روينا دليل على انتساخه، أو أنه من خصائصه ﷺ ثم طول القيام أفضل عندنا من كثرة السجود، وعكسه عند الشافعي لقوله ﵊: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأَكْثِرُوا الدعاء» (١) . وقوله ﵊ لثَوْبَان: «عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلاَّ رفعك بها درجة، وحَطَّ عنك بها خطيئة». وقوله ﵊ لربِيعَة بن كَعْب حين سأله مرافَقَتَهُ في الجنة: «فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود». (رواهما مسلم) (٢) . ولنا قوله ﵊ كما في مسلم وغيره: «أفضل الصلاة طول القنوت». أي القيام، ولأن القراءة تكثر بطول القيام، وبكثرة الركوع والسجود يكثر التسبيح، والقراءة أفضل منه. ولأنهما ركنان (٣) ، فكان اجتماع ركنين أوْلى وأفضل من اجتماع ركن وسنة (٤) . وقال مالك: تتساوى فضيلتهما بناء على تساوي الدليلين من الجانبين عنده. والأظهر أنَّ السجود أفضل كيفية. والقيام أفضل كَمِّيَّة (٥) . ولذا قيدهما ﵊ في الحديثين السابقين بطول القنوت وبكثرة السجود. وقد يقال: كثرة السجود مستلزمة لكثرة القيام، ولعله ﵊ أراد بكثرته كثرة الصلاة، وإنما عَبَّر عنها بكثرة السجود، لأن تمام الركعة به دون غيره. (سجود الشكر) ثم سجدة الشكر عند سماع خبر مفرح غير مشروعة، فلا يُتَقرَّبُ بها وحدها عند أبي حنيفة ومعه مالك، لأنها ركن دون ركعة، والتقرب بالركعة الواحدة منهي عنه، فما

стр. 329

ولَزِمَ النَّفْلُ بالشُّرُوعِ، إلَّا بِظَنِّ أنَّهُ عَلَيْهِ === دونها أولى، وصارت كالركوع. وما رُوي عن سجود النبيّ ﷺ شكراً إذا رأى مُبْتَلىً أو جاء خبر يَسُرّه، كان في مبدأ الإسلام، ثم نُسِخَ بالنهي عن البُتَيْرَاء. وقال أَبو يوسف، ومحمد، ووافقهما الشافعي: هي قُرْبة لقول سعد بن أبي وَقَّاصٍ: «خرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنَّا قريباً من عزَوَرَ (١) نزل، ثم رفع يديه فدعا الله ساعة ثم خرَّ ساجداً، فمكث طويلاً ثم قام، فرفع يديه ساعةً، ثم خرَّ ساجداً، فمكث طويلاً، ثم قام، فرفع يديه ساعة. ثم خرَّ ساجداً. قال: «إني سألت ربي وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجداً لربي، ثم رفعت رأسي فسألت وشَفَعْتُ لأُمّتِي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجداً لربي، ثم رفعت رأسي فسألت وشفعت لأُمَّتِي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجداً لربي». رواه أحمد، وأبو داود. (لو أفسد نفلاً لزمه قضاؤه) (ولَزِمَ النَّفْلُ بالشُّرُوعِ) أي في الصلاة ونحوها، حتى لو أفسده لزمه قضاؤه لقوله تعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمالكُمْ﴾ (٢) ، ولأنه عبادة شُرِعَ فيها. فلزم إتمامها وقضاؤها عند إفسادها، كالحج والعُمْرَة إجماعاً لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَة﴾ (٣) خلافاً للشافعيّ (ومالك) (٤) في غيرهما. (إلاَّ بِظَنِّ أنَّهُ) أي النفل من الصلاة والصوم دون الحج والعُمْرة (عَلَيْهِ) أي لازم أو باق لديه. مثل أنْ يشرع في الظهر فيذكر أنه قد صلاه، لأنه شرع فيه مسقِطاً له لا ملتزماً. وعند زُفَر: يجب عليه القضاء قياساً على سائر النوافل، كذا في الحصر (٥) . وأما في النفل فبالعكس. في «القِنْيَة» قال ظهير الدين المَرْغِينَاني: شَرَع في السُّنة، ثم تذكر أنه أداها فقطعها، فعليه القضاء، وقال صاحب «المحيط»: بخلافه، ولو شرع في النفل عند الغروب أو الطلوع، لزمه في ظاهر الرواية. ورُوِيَ عن أبي حنيفة أنه لا يلزمه اعتباراً بالشروع في الصوم في الأيام المنهي عنه فيها. وَوَجْهُهُ: أنه يكون صائماً بنفس الشروع، فيصير مرتكباً للنهيّ فيجب إبطاله، ولا يكون مُصَلِّياً حتى يسجد. ولهذا

стр. 330

وقُضِيَ رَكْعَتَانِ لَوْ نَقَضَ في الشَّفْعِ الأَوَّلِ أو في الثَّانِي. === يحنث بالشروع لو حلف لا يصوم، ولا يحنث بالشروع لو حلف لا يُصَلِّي حتى يُتِمَّ ركعة. كذا ذكره الشارح. وفيه بحث: إذ كونه صائماً بنفس الشروع لا يَظْهَر وجهه لا شرعاً ولا عُرْفاً. والركعة الواحدة لا تصح عندنا، فكيف تكون صلاةً. ثم اعلم أن مالكاً والشافعي قالا بعدم لزوم النفل بالشروع، لأن المُتَنَفِّل متبرع، ولا لزوم على المتبرع، قال تعالى: ﴿ما على المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١) . وقالت عائشة: «دخل عليَّ النبيّ ﷺ يوماً فقال: هل عندكم شيء، فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ (٢) ، قال أرنيه، فلقد أصبحت صائماً، فأكل». وفي لفظ: «فأكل وقال: قد كنت أصبحت صائماً»، رواه مسلم. فهذا يدل على عدم وجوب الإتمام، ولزوم القضاء مُرَتَّبٌ على وجوبه، فلا يجب واحد منهما. ولنا ما في «سنن أبي داود والترمذي والنَّسائي»، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: «كنت أنا وحَفْصَة صائمتين فعُرِضَ لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ (فَبَدَرَتْنِي) (٣) حَفْصَة ـ وكانت ابنة أبيها ـ فقالت: يا رسول الله إنّا كنا صائمتين، فعُرِضَ طعام اشتهيناه فأكلنا منه. قال: اقضيا يوماً آخر مكانه». ورواه الطَّبَرانيّ من طريق آخر عن أبي هريرة قال: «أُهْدِيَت لعائشة وحَفْصَة هدية وهما صائمتان، فأكلتا منها، فذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اقضيا يوماً مكانه، ولا تعودا». وحمله على أنه أمر ندبٍ خروجٌ عن مقتضاه بغير موجب يوجب، بل هو محفوف بما يوجب مقتضاه ويؤكده، وهو النهي عن (إبطال الأعمال، ولورود) (٤) القياس على نَفْل الحج والعُمْرة. (وقُضِيَ رَكْعَتَانِ) ـ بصيغة المجهول ـ وفي بعض النسخ: وقضى ركعتين ـ بصيغة الفاعل ـ (لَوْ نَقَضَ) أي أبطل النفل (في الشَّفْعِ الأَوَّلِ أو في) الشَّفْعِ (الثَّانِي). وعن أبي يوسف يقضي أربعاً اعتباراً للشروع بالنذر. وعنه روايتان فيما إذا نوى ستاً أو ثمانياً، ثم أفسدها. في رواية: يقضي أربعاً. وفي رواية: يقضي جميع ما نوى. وفي

стр. 331

وَتَرْكُ القِرَاءَةِ في رَكْعَتَيْ الشَّفْعِ يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ عِنْدَ أبي حَنِيفَة، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ في رَكْعَةٍ، وعِنْدَ أبي يُوسُفَ لا أصْلًا. بل يُفْسِدُ الأَداءَ. فَيَقْضِي أَرْبَعًا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ فِيمَا تَرْكَ في === «المُنْتَقَى» قول أبي يوسف فيما إذا أفسدها بما لا يوجب الخروج عن التحريمة كترك القراءة. وأما إذا أفسدها بالكلام ونحوه، فلا يلزم عنده إلاَّ ركعتان. ولهما: أنه لم يوجد الشروع في الشفع الثاني لا حقيقة ولا حُكْماً، لأن كل شفع من النفل صلاة على حدة، ولا تَعَلُّق لأحد الشَّفْعَيْنِ بالآخر. (وَتَرْكُ القِرَاءَةِ في رَكْعَتَيْ الشَّفْعِ) من النفل (يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ عِنْدَ أبي حَنِيفَة) حتى لا يصح بناء الشفع الثاني على الشفع الأول. وأما ترك القراءة في الركعة، فلا يُبْطِلُ التحريمة عنده، لأن كل شفع من النفل صلاة على حدة، وفساد الصلاة بترك القراءة في الركعة الواحدة مجتهد فيه، لأن عند الحسن البَصْرِي لا تفسد، وبه قال زُفَر. فقلنا بالفساد في حق لزوم القضاء، وبقاء التحريمة في حق لزوم الشفع الثاني احتياطاً. (وعِنْدَ مُحَمَّدٍ) ترك القراءة (في رَكْعَةٍ) يُبْطِلُ (التحريمة) (١) لأنها تُعْقَد لأفعال الصلاة، والأفعال تفسد بترك القراءة في ركعة. (وعِنْدَ أبي يُوسُفَ لا) تَبْطُلُ التحريمة بترك القراءة (أصْلاً) أي لا في ركعتين، ولا في ركعة، لأن القراءة ركن زائد، بدليل وجود الصلاة بدونها في الجملة، كما في حقِّ الأُمِّيِّ، والأخرس، والمقتدي، فترك القراءة لا يُبْطِلُ التحريمة. (بَلْ يُفْسِدُ الأَدَاءَ)، لأَنه لا صحة للأداء بدون القراءة. وفساد الأداء ليس بأقوى من تَرْكه، فكما أن تركه لا يُفْسد التحريمة، لا يفسدها فساده. كما لو أحرم وقام طويلاً فسكت أو قعد ولم يأتِ بشيء من الأفعال. ثم اعلم أن ترك القراءة في النفل الرُّبَاعي، إمَّا في بعض الشفع الأول وبعض الثاني، أو في بعض الأول، وجميع الثاني، أو في بعض الثاني، وجميع الأول، أو في جميع الأول والثاني، أو في جميع الأول فقط، (أو في بعض الأول فقط) (٢) ، أو في جميع الثاني فقط. أو في بعض الثاني فقط. فهذه ثمان مسائل متفرعة على الأصول السابقة، أشار إلى تفريعها بقوله: (فَيَقْضِي أَرْبَعَاً عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ فِيمَا) أي في نفل مع (تَرْكَ) القراءة (في

стр. 332

إحْدَى الأَوَّلِ مَعْ الثَّاني أو بَعْضِهِ. وعِنْدَ أبي يُوسُفَ في أرْبَعِ مَسَائِلَ يُوجَدُ التَّرْكُ في شفْعَيْنِ، وفي البَاقِي رَكْعَتَيْنِ. وعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَكْعَتَيْنِ في الكُل. وإنْ لَمْ يَقْعُدْ في الوَسَط، أو نَوَى أَرْبَعًا وأَتَمَّ اثْنَيْنِ، فَلا شَيِء عَلَيهِ. ويَتَنَفَّلُ راكبًا مُوميًا خَارِجَ المِصْرِ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ، === إحْدَى) شفعه (الأَوَّلِ مَعْ) تركها في جميع شفعه (الثَّاني أو بَعْضِهِ) وأنكر أبو يوسف عن أبي حنيفة قضاء الأربع إذا ترك القراءة في إحدى الأوَّل وبعض الثاني، حين عَرَضَ عليه (محمد) (١) «الجامع الصغير»، وقال: رَوَيْتُ لك عن أبي حنيفة قضاء ركعتين. قال محمد: بل رَوَيْتَ لي عنه قضاء أربع (ونسيت) (٢) . واعتمد المشايخ على قول محمد، لأن الأصل المذكور ساعده. (وعِنْدَ أبي يُوسُفَ) يقضي أربعاً (في أرْبَعِ مَسَائِل يُوجَدُ التَّرْكُ في شَفْعَيْنِ) وهي: ترك القراءة في جميع الشفعين، وفي بعض الأوَّل وبعض الثاني، وفي جميع الأول وبعض الثاني، وفي بعض الأول وجميع الثاني. (وفي البَاقِي) من الثمانية وهي ست مسائل عند أبي حنيفة، وأربع مسائل عند أبي يوسف. يقضي (رَكْعَتَيْنِ، وعِنْدَ مُحَمَّد) يَقْضِي (رَكْعَتَيْنِ في الكُلِّ) ووجه الكل ظاهر من الأصول السابقة. (وإنْ لَمْ يَقْعُدْ في الوَسَط) بأن صلَّى أربعاً ولم يقعد في وسطها (أو نَوَى أَرْبَعَاً وأَتَمَّ اثْنَيْنِ فَلَا شَيِء عَلَيْهِ). أما في المسألة الأولى، فقياساً على الفرض، واتساعاً في النفل. وقال محمد وزفر بفساده، لأن كل ركعتين منه صلاة. والقعْدَة فرض في آخر كل صلاةٍ فتَرْكُها مُفْسِدٌ كالفجر. ولهما ـ وهو الاستحسان ـ: أن الأربع صلاة واحدة بسبب أدائها بتحريمة واحدة، فكان القعود فرضاً في آخرها كالظهر. وأمَّا في الثانية، فلأنه لم يَشْرَع في الشفع الثاني، فلم يجب عليه. (ويَتَنَّفَلُ راكباً مُومياً خَارِجَ المِصْرِ) في كل موضع يَقْصُر فيه المسافر (إلى غَيْرِ القِبْلَةِ) أي كيفما توجهت به. لقول ابن عمر: «رأيت النبيّ ﷺ يُصَلِّي على راحلته وهو متوجه إلى خيبر». رواه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي. وفي رواية الدَّارَقُطَنِيّ: «على حمار». ولقول جابر: «رأيت النبي ﷺ يصلّي النوافل على راحلته في كل وجه يُومِاء إيماء، ولكن يخفض للسجدتين عن الركوع». رواه ابن حِبَّان في «صحيحه». ولا يُشْتَرَطُ السفر، وشرَطه أحمد. وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف. وعن أبي يوسف، وهو

стр. 333

وقَاعِدًا مَعْ قدْرَةِ قِيَامِهِ. === مذهب الشافعي، وفي رواية عن أحمد: يجوز التنفل في المصر أيضاً على الدابة، لما رُوِي: «أنَّ النبيّ ﷺ رَكِب الحمار في المدينة يَعُودُ سَعْدَ بن عُبَادة، وكان يُصَلِّي وهو راكب». وفي «الصحيحين» عن عَامِر بن رَبِيعَة قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو على الراحلة يُسَبِّحُ يُومِاء برأسه قِبَل أيِّ وجْهٍ تَوَجَّه، لم يكن يصنع ذلك في المكتوبة». والسنن الرواتب نوافل، وعن أبي حنيفة: ينزل الراكب لسنة الفجر لأنها آكَد. وعنه: أنها واجبة. وإنما خُصَّ التنفل، لأن أداء الفريضة على الدابة لا يصح إلاَّ لعذر: بأن خاف زيادة المرض، أو سَبُعاً، أو عدواً، أو كانت الدابة جموحاً، أو كان الطين والوحل بحال يغيب فيه وجهه. ثم هذا إذا كانت الدابة تسير بنفسها. وإنْ كانت تسير بتسيير صاحبها، فالفريضة لا تجوز. كما لا يجوز التطوع، ولا يجوز أيضاً الوتر على الدابة، ولا المنذور، ولا قضاء النفل الذي أُفْسِدَ، ولا صلاة الجنازة، ولا السجدة التي تُلِيَتْ على الأرض. ثم لا فرق بين أنْ يكون في موضع جلوسه، أو في رِكَابَيْهِ (١) نجاسة أو لا عند عامة المشايخ للضرورة. وقال أبو حفص الكبير، ومحمد بن مُقَاتِل: إذا كانت أكثر من قدر الدرهم لا تجوز الصلاة، اعتباراً لها بالتي على الأرض. (و) يتنفل (قَاعِداً) فعن أبي حنيفة إن شاء محتبياً، وإن شاء متربّعاً، وإن شاء كالتشهد. وعن أبي يوسف: محتبياً، لأن عامة صلاة النبيّ ﷺ في آخر عمره كانت بالاحتباء. كذا في «مواهب الرحمن» من غير عزو، ولم أره في غيره. وعن محمد: متربعاً، لأنه أعدل. وعن زُفَر ـ وهو المختار ـ كالتشهد، لأنه القعود المعهود في الصلاة. (مَعْ قُدْرَةِ قِيَامِهِ)، لما روى الجماعة إلاَّ مسلماً عن عِمْرَان بن حُصَيْن قال: «سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعداً، فقال: من صلّى قائماً فهو أفضل، ومن صلّى قاعداً، فله نصف أجر القائم، ومن صلّى نائماً، أو مُضْطَجِعَاً فله نصف أجر القاعد». وروى مسلم عن ابن عمر مرفوعاً: «صلاة الرجل قاعداً نصف صلاة القائم». وهذا في صلاة النافلة، لأن صلاة الفرض لا يجوز فيه القعود مع القدرة على القيام بالإجماع، ولأن ثواب القاعد في الفرض للعجز لا ينقص عن ثواب القائم، لما روى البخاري عن أبي موسى (٢) قال: قال رسول الله ﷺ «إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له

стр. 334

وكُرِهَ قَاعِدًا بَقَاءً، وإنْ افْتَتَحَ رَاكِبًا ونَزَلَ بَنَى، وبِعَكْسِهِ فَسَدَ. === مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً». (وكُرِهَ) التنفُّل (قَاعِدَاً بَقَاءً (١) ) بأن يُحْرم قائماً، ثم يقعد. وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يجوز، لأن الشروع ملزم لأنْ يأتي على صفة شرع فيها، أو بأكمل منها، فأشبه النذر قائماً. ولأبي حنيفة: أنّ البقاء أسهل من الابتداء، وقد جاز ترك القيام في ابتداء النفل، فيجوز في أثنائه. وفي «المحيط»: رجل صلَّى التطوّع قاعداً، وإذا أراد الركوع قام فركع، فالأفضل أن يقوم ويقرأ شيئاً، ثم يركع ليكون موافقاً للسنة. وهي ما روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت النبيّ ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالساً، حتى إذا كَبِرَ قرأ جالساً، فإذا بَقِيَ عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية، قام فقرأهن ثم يركع». ولو لم يقرأ واستوى قائماً وركع أجزأه. وإن لم يستوِ قائماً وركع لم يجزه، لأن ذلك لا يكون ركوعَ قائم، ولا ركوعَ قاعد. (وإنْ افْتَتَحَ) النفل (رَاكِبَاً ونَزَلَ) بعملٍ قليلٍ بأن ثنى رجله فانحدر من الجانب الآخر (بَنَى) في ظاهر الرواية عنهم. وعن أبي يوسف: أنه يَسْتَقْبِل (وبِعَكْسِهِ) وهو أن يفتتح النفل نازلاً ثم يركب (فَسَدَ). ووجه الفرق: أن الأول أدَّىَ أكمل مما وجب عليه، لأن تحريمته غير موجبة للركوع والسجود. والثاني أدَّى أنقص مما وجب عليه، لأن تحريمته موجبة للركوع والسجود. وأجاز علماؤنا لمن نذر قُرْبة في مكان شريف أداءها فيما دونه شرفاً. ولم يتعين ذلك المكان عنده، وعَيَّنَه مالك والشافعي وزُفَر لظاهر قوله تعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عَاهَدْتُمْ﴾ (٢) ، فيجب أنْ يأتي بما نَطَقَ به. هذا، وقول صاحب «الهداية»: قوله ﷺ «لا يُصَلَّى بعد صلاة مثلها». غير معروف مرفوعاً. نعم رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» من ثلاث طرق موقوفاً على عمر. ففي الطريق الأول: أنه قال: «لا يُصَلَّى بعد صلاة مثلها». وفي الطريق الثاني: «كان يَكْرَهُ أن يُصَلَّى خلف صلاة مثلها». وفي الطريق الثالث: «كان يَكْرَه أن يُصَلَّى بعد المكتوبة مثلها». ورواه أيضاً موقوفاً على ابن مسعود من طريق آخر بنحو كلام عمر. فقيل في

стр. 335

[فَصْلٌ في صَلاة التَّراويحِ] وسُنَّ التَّرَاوِيحُ === تفسيره: يعني ركعتين بقراءة، وركعتين بقراءة. وفسر أصحابنا بأنهم كانوا يُصَلُّون الفريضة، ويصلُّون بعدها مرة أخرى. ويطلبون بذلك زيادة الأجر، فنَهَى عن ذلك. ويؤيد هذا التفسير ما في «سنن أبي داود»: «أن النبي ﷺ نهى أن يُصَلَّى صلاة في اليوم مرتين». (فَصْلٌ في صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ) (وسُنَّ التَّرَاوِيحُ) وقيل يستحب، ولم يذكرها محمد في ظاهر الرواية، وذكرها غيره. وأجمعت الأمّة على شرعيتها. ولا اعتداد بمخالفة (الخوارج) (١) لأنهم أقبح أهل البدعة، ومعارضون لأهل السنة. وقد أقامها النبيّ ﷺ وبَيَّنَ عذره في تركها بما في «الصحيحين» عن عائشة: «أن النبيّ ﷺ صلَّى في المسجد فصلّى بصلاته ناس، ثم صلّى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فَلَمَّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يَمْنَعْنِي من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم». وذلك في رمضان. زاد البخاري في كتاب الصوم: «فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك». وعن زَيْد بن ثَابِت: «أنّ النبيّ ﷺ اتّخذ حُجْرَة في المسجد من حصير، فصلّى فيها ليالي حتى اجتمع عليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة، فظنّوا أنه قد نام فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم فقال: ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أنْ يكتب عليكم، ولو كُتِبَ عليكم ما قمتم به، فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة». متفق عليه. وعن أبي ذر قال: «صمنا مع رسول الله ﷺ فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلمَّا كان السادسة لم يقم بنا، فلمَّا كان الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل. قلت: يا رسول الله لو نَفَلْتَنَا قيام هذه الليلة فقال: إن الرجل إذا صلّى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة. فلمَّا كانت الرابعة لم يقم بنا. فلما كانت الثالثة، جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا

стр. 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أن يفوتنا الفلاح. قلت: وما الفلاح؟ قال: السَّحُور. ثم لم يقم بنا بقية الشهر». رواه أصحاب «السنن». وعن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ كان يرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبه. فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك. ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ﵁»، وصدراً من خلافة عمر ﵁. رواه مسلم. والحاصل: أن الأصح فيها أنها سنّة مؤكّدة كما رواه الحسن عن أبي حنيفة. والسُّنَّة فيه الجماعة لكن على وجه الكفاية. حتى لو امتنع أهل المسجد عن إقامتها كانوا مسيئين. ولو أقامها البعض، فالمتخلّف عن الجماعة تارك الفضيلة، لأن أفراد الصحابة والتابعين يُرْوَى عنهم التخلّف. فروى البخاري عن نَافِعٍ، عن ابن عُمَر: «أنه كان لا يُصَلِّي خلف الإمام في شهر رمضان. وروى أيضاً عن إبراهيم قال: كان المجتهدون يُصَلُّون في ناحية المسجد، والإمام يصلِّي بالناس في رمضان». وروى أيضاً عن عُرْوَة: «أنه كان يُصَلِّي مع الناس في رمضان، ثم ينصرف إلى منزله فلا يقوم مع الناس». وروى البخاري وابن حِبَّان من حديث عبد الرحمن بن عبد القَارِي قال: «خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوْزَاع (١) متفرقون، يصلي الرجل (لنفسه) (٢) فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قاراء واحد لكان أمثل، ثم عَزَمَ فجمعهم على أُبيّ بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم فقال عمر ﵁: نِعْمَتُ البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل (من التي يقومون) (٣) ـ يريد آخر الليل ـ وكان الناس يقومون أوله». وروى البيهقي في «المعرفة» بإسناد صحيح عن السَّائبِ بن يَزِيد قال: «كنّا نقوم زمن عمر بن الخطاب بعشرين ركعة والوتر». وعن يَزِيد بن رُومَان قال: «كان الناس يقومون في زمن عمر بثلاث وعشرين ركعة». وكأنه مبني على ما رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» والطَّبَراني من حديث ابن عباس: «أنه ﵊ كان يصلّي

стр. 337

قَبْلَ الوِتْرِ أوْ بَعْدَهُ، عَلى كُلِّ تَرْوِيحَةٍ جِلْسَةٌ بِقَدَرِهَا. وسُنَّ الخَتْمُ مرَّةً، === في رمضان عشرين ركعة سوى الوتر». وأما ما في «الموطأ» عن السائب بن يزيد قال: «أمر عمر أُبَيّ بن كعب وتميماً الدَّاري أنْ يقوما للناس في رمضان بإحدى عشر ركعة، فكان القاراء يقرأ بالمئتين حتى كنّا نعتمد على العصا من طول القيام، فما كنّا ننصرف إلاّ بزوغ الفجر». فكأنه بناء على ما رَوَيْنَا في الوتر: «من أنه ﷺ قام بهم في رمضان فصلّى ثمان ركعات وأوتر، ثم انتظروه من القابلة، فلم يخرج إليهم، فسألوه فقال: خَشيت أن يُكْتَبَ عليكم الوتر». أي مطلقاً أو في رمضان. وجُمِع بينهما بأنَّ الأقل وقع أولاً ثم استقر الأمر على العشرين. فإنه المتوارث بناء على ما تقدَّم ـ والله أعلم ـ فصار إجماعاً. لما روى البيهقي بإسناد صحيح: «أنهم كانوا يقيمون على عهد عمر بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعليّ ﵃». وعند مالك: «ست وثلاثون». وجُمِع بين قوله وقول غيره: بأن عشرين كانت أول الليل، وست عشر آخره، كما عليه عمل أهل المدينة. ووقتها بعد صلاة العشاء (قَبْلَ الوِتْرِ أوْ بَعْدَهُ) إلى طلوع الفجر وهو الأصح، لأنها تَبَعٌ للعشاء دون الوتر. حتى لو ظهر أنَّ العشاء صُلِّيَتْ بلا طهارة، والتراويح صليت بطهارة أُعِيدَتْ التراويح مع العشاء. وقيل: بعد العشاء قبل الوتر، وهو قول عامة المشايخ، كذا في «الهداية». وقيل: قبل العشاء وبعده، لأنها قيام الليل وهو الأظهر. إلاَّ أن تأخير الوتر أفضل لقول رسول الله ﷺ «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وِتراً» (١) . (عَلى كُلِّ تَرْوِيحَةٍ) أي أربع ركعات. وقيل: خمس تسليمات (جَلْسَةٌ بِقَدَرِهَا) لتوارث ذلك من السلف، وكذا قبل الوتر. هكذا رُوِيَ عن أبي حنيفة: لأنها إنما سمّيت بالترويحة للاستراحة. فيفعل ذلك تحقيقاً لمعنى الاسم. ثم إن أهل مكة تطوف سبعاً بين كل ترويحتين، كما حُكِيَ عن مالك. وأهل المدينة يصلون فُرَادَى أربعاً بدل ذلك. وأهل كل بلدة بالخيار: يسبحون، أو يهللون، أو ينتظرون سكوتاً، أو يصلون فُرَادَى. (وسُنَّ الخَتْمُ) أي ختم القرآن على الأصح وهو قول الأكثر (مرَّةً) في صلاة التراويح. لأن شهر رمضان أنزل فيه القرآن. وكان النبيّ ﷺ يَعْرِضُه فيه على جبرائيل كل سنة مرة، وفي السنة الأخيرة عرضه مرتين. وقال بعضهم: يَقْرأ في كل رَكعة ثلاثين آية لأنَّ عمر أمر بذلك، فيقع الخَتم ثلاث مرات، لأنَّ كل عُشْرٍ مخصوص بفضيلة

стр. 338

ولا يُتْرَكُ لِكَسَلِ القَوْمِ، ولا يُوَتِرُ بِجَمَاعَةٍ خَارِجَ رَمَضَانَ. === على حِدَة، كما جاءت به السُّنَّة: «إنه شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عِتْقٌ من النار». والذي عليه الأكثر ما رواه الحسن عن أبي حنيفة: أنه يقرأ الإمام في كل ركعة عشرَ آيات ونحوها. قيل: وهو الأحسن، لأن السُّنَّة فيها الختم مرة. وما أشار إليه أبو حنيفة بختم القرآن فيها مرة، لأن عدد ركعاتها في جميع الشهر ست مئة، وعدد آي القرآن ستة آلاف وشيء، فإذا قرأ في كل ركعة عشر آيات يحصل الختم فيها. وعن أبي حنيفة: أنه كان يختم إحدى وستين خَتْمَة: في كل يوم خَتْمَة، وفي كل ليلة خَتْمَة، وفي كل التراويح خَتْمَة. (ولا يُتْرَك) الختم (لِكَسَلِ القَوْمِ) والأفضل تعديل القراءة، فإن خالف فلا بأس. والصحيح أن إقامتها بجماعة سُنَّة على وجه الكفاية، لأنه تَخَلَّف عنها أفراد من الصحابة والتابعين كابن عمر، وعُرْوَة، والقاسم، وإبراهيم، ونافع، وسالم. وعن أبي يوسف: أنه إن أمكنه أداؤها في بيته مع مراعاة سنة القراءة وأشباهها فليصلها في بيته، إلا أن يكون فقيهاً كبيراً يُقْتَدَى به، لقوله ﵊: «صلّوا في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة» (١) . وأُجيب: بأن قيام رمضان مستثنى من ذلك لِمَا تقَدَّم من فعله ﵊، وبيان العذر في تركه، وفعل الخلفاء الراشدين، حتى قال عليّ ﵁: «نوَّر الله قبر عمر ﵁ كما نَوَّر مساجدنا». والمبتدعة أنكروا أداءها بالجماعة في المسجد. فأداؤها بالجماعة جُعِلَ شعار السُّنَّة كأداء الفرض بالجماعة شُرِعَ شعار الإسلام. (ولا يُوَتِرُ بِجَمَاعَةٍ خَارِجَ رَمَضَانَ) أي يوتر الإمام بجماعة في رمضان فقط، وعليه إجماع المسلمين. ولا يوتر بالجماعة خارجه لأنه نفل من وجه، والجماعة في النفل في غير رمضان مكروه. وعن شمس الأئمة: إنّ التطوع بالجماعة إنما يُكْرَه إذا كان على سبيل التَّدَاعي. أما لو اقتدى واحد بواحد، أو اثنان بواحد لا يُكْرَه. وإنْ اقتدى ثلاثة بواحد اخْتُلِفَ فيه. وإنْ اقتدى أربعة بواحد كُرِه اتفاقاً. ثم بعد عدم كراهة الجماعة في رمضان اختلفوا في الأفضل: فقال قاضيخان: الصحيح أن الجماعة أفضل، لأنه لمَّا جازت الجماعة كانت أفضل، لأن ثوابها أكمل. وقال أبو علي النَّسَفِي: إن علماءنا اختاروا أنْ يوتر في رمضان في منزله ولا

стр. 339

فَصْلٌ في صَلاةِ الكُسُوفِ والخُسوفِ والاسْتِسْقَاءِ عِنْدَ الكسُوفِ يُصَلِّي إمَامُ الجمُعَةِ بالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ === يوتر بجماعة، لأن الصحابة لم يجتمعوا على الوتر بجماعة في رمضان كاجتماعهم على التراويح، لأن عمر ﵁ كان يؤمهم فيه في رمضان، وأُبَيّ بن كعب ما كان يؤمّهم فيه. والجواب ما قدمناه في حديث ابن حِبَّان: «أنه ﷺ صلّى بهم وأوتر في رمضان، وبَيَّنَ العذر في تأخيره، وأن الخلفاء الراشدين فعلوه». وإنَّ مَنْ تأخَّر عن الجماعة فيه وأحبَّ أن يُصَلِّي آخر الليل، فإنه أفضل كما قال عمر: «والتي ينامون عنها أفضل». وعُلِمَ قوله ﵊: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» (١) . فأخَّرَه لذلك، والجماعة فيه إذ ذاك متعذرة، فلا يدل ذلك على أن الأفضل فيه ترك الجماعة لمن أحب أن يُوتِرَ أول الليل. كما يُفْهَم من إطلاق اختيارهم. فصلٌ في صَلَاةِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ والاسْتِسْقَاءِ (عِنْدَ الكُسُوفِ) وهو تغيُّر الشمس إلى السواد، والخسوف لغةٌ فيه. قال المُنْذِرِي: روى حديث الكسوف تسعة عشر نَفْساً: بعضهم بالكاف، وبعضهم بالخاء، وبعضهم باللفظين جميعاً، أي فهما مترادفان. أو الكسوف مُخْتَصٌّ بالشمس، والخُسُوفُ أعم. وقيل: يقال بالكاف للشمس، وبالخاء للقمر. وعليه اصطلاح الفقهاء ويؤيده قوله تعالى: ﴿فإذا بَرِقَ البَصَرُ * وخَسَفَ القَمَرُ﴾ (٢) . وأما ما في «صحيح مسلم» عن عُرْوَة: «لا تقل: كُسِفَت الشمس، ولكن قل: خُسِفَت». فمحمول على رواية في لفظ الحديث. (يُصَلِّي إمَامُ الجُمُعَةِ بالنَّاسِ) إلحاقاً لها بها. وأجازها مالك والشافعيّ لغيره كسائر الصلاة (رَكْعَتَيْنِ) برُكُوعَيْنِ لا بأربعٍ كما قال الشافعي ومالك. وهو المختار من مذهب أحمد كما في الكتب الستة عن عائشة ﵂ قالت: «خُسِفَتِ الشمس في حياة رسول الله ﷺ فخرج إلى المسجد، فقام فكبَّر وصفَّ الناس وراءه، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كَبَّر فركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. (ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبَّر فركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا

стр. 340

نَفْلًا، === ولك الحمد) (١) . ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك. فاستكمل أربع ركعات بأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف. ثم قام فخطب الناس فأثْنَى على الله بما هو أهله ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة». ولنا ما روى البخاري من حديث أبي بَكْرَة قال: «خُسِفَتِ الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد، وثاب (٢) الناس، فصلى بهم ركعتين فانجلت الشمس» (ورواه النَّسائي: «فصلَّى بهم ركعتين كما يُصَلُّون». ورواه ابن حِبَّان: «فصلّى بهم ركعتين، مثل صلاتكم».) (٣) وروى النَّسائي، والترمذي في «الشمائل» والحاكم وصحَّحه، عن عَطَاء بن السَّائِبِ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ فلم يكد يَرْكع، ثم ركع فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك». وأجيب عن استدلالهم بحديث عائشة بأنه مؤوَّل بما أُوِّلَ به ما روى مسلم عنها، وعن جابر، عن ابن عباس: «أنه ﵊ صلّى ست ركعات بأربع سجدات». وما روى أيضاً عن ابن عباس وعليّ: «أنه صلّى ثمان ركعات بأربع سجدات». وما روى: أبو داود، عن أُبَيّ بن كعب: «أنه ﵊ صلّى خمس ركعات في كل ركعة سجدة». قال محمد: وتأويل ذلك أنه ﵊ لَمَّا أطال الركوع رفع الصفوفُ رؤوسَهم ظنّاً منهم أنه ﵊ رفع رأسه من الركوع، فرفع مَنْ خلفهم، فَلَمَّا رَأَوْا رسول الله ﷺ راكعاً، ركعوا فركع مَنْ خلفهم، فمن كان خلفُ ظَنَّ أنه ﵊ صلّى بأكثر من ركوع. فروى على حسب ما عندَهُ من الاشتباه. ويدل على هذا أنه ﵊ لم يصلّها بالمدينة إلاَّ مرة واحدة. (نَفْلاً) أي سنة كما رُوِيَ عن أبي حنيفة. وقال بعض المشايخ: إنَّها واجبة وهو

стр. 341

مُخْفِيًا مُطَوِّلًا قِرَاءَتَهُ فِيهِمَا، ثُمَّ يَدْعُو حَتَّى تَنْجَلِي الشَّمْسُ. وإنْ لَمْ يَحْضُرْ، صَلَّوا فُرَادَى، === مختارُ صاحب «الأسرار»، كما في «النهاية». وفيه إشعارٌ بأنه لا يُشْتَرَطُ فيها الأذان والإقامة، وتُؤَدَّى في الوقت المُسْتَحَبِّ لا المكروه. ولا يَخْطُبُ عندنا فيها بلا خلاف كما في «التُّحْفَة»، و «المحيط»، و «الكافي»، و «الهداية»، وشروحها. ولكن في «النَّظم»: يَخْطُب بعد الصلاة بالاتفاق، ونحوُه في «الخُلَاصة» و «قاضيخان». (مُخْفِيَاً) أي قارئاً سرّاً عند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والليث بن سَعْد، وجمهور الفقهاء. (مُطَوِّلاً قِرَاءَتَهُ فِيهِمَا) أي في الركعتين. وقال (أبو يوسف و) (١) محمد: يجهر بالقراءة فيهما. وهو اختيار الطحاوي، وقول أحمد، لِمَا في «الصحيحين» من حديث عائشة ﵂ قالت: «جهر النبيُّ ﷺ في صلاة الكسوف». ولأبي حنيفة ما في «الصحيحين» عن ابن عباس قال: «انْخَسَفَتِ الشمس، فصلى رسول الله ﷺ والناسُ معه، فقام قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة». ولو كانت قراءته ﷺ فيها مسموعة لذكرها ابن عباس ولم يُقَدِّرْها. وروى أصحاب «السنن» وقال الترمذي: حسن صحيح. عن سَمُرَة بن جُنْدُب قال: «صلى بنا رسولُ الله ﷺ في كُسُوفٍ لا نسمع له صوتاً». (ثُمَّ يَدْعُو حَتَّى تَنْجَلِي الشَّمْسُ) ولا يَخْطُب. (وقال مالك: يُذَكِّرُ الناس من غير خُطبة مرتبة. وقال الشافعي: يَخْطُب) (٢) خُطبتين بعد الصلاة خلافاً لحديث عائشة (٣) . ولنا: أنه ﷺ أمر بالصلاة حيث قال: «فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة (٤) »، ولم يأمر بالخُطْبة. ولو كانت الخُطْبَة مشروعة لبيّنها ﵊. وخطبته ﵊ إنما كانت لرد قول من قال: إن الشمس كُسِفَت لموت إبراهيم ابن النبيّ ﷺ وقوله: ثم يدعو يقتضي تأخير الدعاء عن الصلاة، وهو السّنَّة لِمَا روى الترمذي في كتاب الدعوات، وحسَّنه عن أبي أُمَامَة قيل: «يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير، ودُبُرِ الصلاة المكتوبة». (وإنْ لَمْ يَحْضُرْ) إمامُ الجمعة (صَلَّوا فُرَادَى) تحرزاً عن الفتنة، لأنها تقام بجمع

стр. 342

كَالْخُسُوفِ. والاسْتِسْقَاءُ دُعَاءٌ واسْتِغْفَارٌ مُسْتَقْبِلًا. وإنْ صَلُّوا فُرَادَى جَازَ === عظيم (كَالْخُسُوفِ) وهو نقصان ضوء القمر فإنهم يُصلُّون عند حصوله فُرَادى وهو قول مالك. وقال الشَّافِعِيّ: يصلُّون فيه بجماعة. لنا: أن صلاته تكون في وقت يحصل بالتجميع فيه مشقّة، ولأنه لم يُنْقَلْ أنه ﵊ جمع له. وكذا يصلُّون فُرَادى عند حصول الضوء القوي بالليل، وعند انتشار الكواكب، وعند حصول الظُّلْمَة القوية بالنهار، وعند حصول الريح الشديدة، والزلازل، والصواعق، والثلج والمطر الدائمين، وعموم الأمراض، والخوف من العدو. (والاسْتِسْقَاءُ دُعَاءٌ واسْتِغْفَارٌ مُسْتَقْبِلاً. وإنْ صَلَّوا فُرَادَى جَازَ). وهذا عند أبي حنيفة لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارَاً﴾ (١) ولِمَا في «الصحيحين» من حديث أنس: «أن رجلاً دخل المسجد في يوم الجُمُعَةِ ورسول الله قائمٌ يَخْطُب فقال: يا رسول الله ﷺ هلكت الأموال وانقطعت السُّبُل، فادْعُ الله يُغِيثُنَا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم أغِثْنَا، اللهمَّ أَغِثْنَا». وثبَتَ أيضاً أنَّ عمر اسْتَسْقَى ولم يُصَلِّ. وقال مالك: يُسَنُّ للاستسقاء ركعتانِ بِخُطْبَةٍ كالجمعة. وقال الشافعي: كالعيدين. وقال محمد: يجوز أن يصلي الإمامُ أو نائبُه ركعتين كما في الجمعة، ويَقْلِبُ رداءه دون القوم. وهو اختيار الطحاوي، وأبو يوسف مع محمد في رواية، ومع أبي حنيفة في أخرى. لهم ما في الكتب الستة عن عَبْدُ الله بن زَيْدِ بن عَاصِم: «أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يَسْتَسْقِي بهم، فَصَلَّى بهم ركعتين، وحَوَّل رداءه ورفع يديه فدعا، واستسقى، واستقبل القبلة». متفق عليه. زاد البخاريّ، وأبو داود: «وجهر فيهما بالقراءة»، ولقول ابن عباس: «خرج رسول الله ﷺ مُتَبَذِّلاً (٢) متواضعاً متضرّعاً حتى أتى المُصَلَّى، فلم يَخْطُب خطبتكم هذه. ولكن لم يزل في الدعاء والتَّضَرُّع والتكبير، وصلّى ركعتين كما يُصَلِّي في العيدين». رواه أصحاب «السنن» وصحّحه الترمذي. قال بعض علمائنا: يخرج له الشيوخ والصبيان والضَّعَفَة ثلاثة أيام ـ ولم يُنْقَلُ أكثر منها ـ متواضعين متخاشعين في ثياب خَلَقَةٍ (٣) غَسِيلَةٍ (٤) ، مشاةً يقدِّمون الصدقة

стр. 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === كل يوم بعد التوبة إلى الله تعالى. لكن في مكة وبيت المقدس يجتمعون في المسجد، ولا يخرجون إلى الصحراء. ثم لا يُسَنُّ تكبير الزوائد عندنا وعند مالك في الأصح. وقيل: يكبّر، وهو قول الشافعي. وجه الأصَحِّ قول أنس: «أن رسول الله ﷺ استسقى، فخطب قبل الصلاة واستقبل القبلة وحوَّل رداءه، ثم نزل فصلّى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة». رواه الطَّبَراني. ووجه التكبير ما رواه الحاكم والطَّبَرانِي من حديث محمد بن عبد العزيز بن عُمَر بن عبد الرَّحْمن بن عَوْف، عن أبيه، عن طَلْحَة قال: «أرسلني مَرْوَان إلى ابن عباس أسأله عن سنّة الاستسقاء، فقال: سنّة الاستسقاء سنّة الصلاة في العيدين، إلا أنّ رسول الله ﷺ قَلَبَ رداءه فجعل يمينه على يساره، ويساره على يمينه، وصلّى ركعتين كَبَّرَ في الأُولَى سبع تكبيرات وقرأ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وقرأ في الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾، وكبَّر فيها خمس تكبيرات». وأُجِيبَ بأنه ضعيف لا يُعَارِضُ ما رَوَى أنس. وقد تردَّد أبو يوسف في سُنِّيَّةِ الصلاة وعدمها. واتّفقا على جعل خطبته واحدة بعد الركعتين لقول أبي هريرة: «خرج رسول الله ﷺ يوماً يَسْتَسْقِي، فصلَّى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خَطَبَنَا ودعا الله وحوّل وجهه نحو القبلة رافعاً يديه، ثم قَلَبَ رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن». رواه ابن ماجه. ورواه أحمد عن عبد الله بن زَيْد ولفظه: «فبدأ بالصلاة قبل الخُطْبَة، ثم استقبل القبلة فدعا، فلما أراد أن يَدْعُوَ أقبل بوجهه إلى القبلة وحَوَّل رداءه». ولقول عائشة ﵂: «شكى الناس إلى رسول الله ﷺ قُحُوطَ المطر. فأمر بمنبر فوُضِعَ له في المصلَّى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه. قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر وحَمِدَ الله ثم قال. إنكم شَكَوْتُم جَدْبَ دياركم واستئخار المطر عن زمانه عنكم، وقد أمركم الله سبحانه أنْ تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أَنت الغني ونحن الفقراء. أَنْزِل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين. ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبْطَيْهِ. ثم حوَّل إلى الناس

стр. 344

ولا يَقلِبُ رِدَاءَهُ، === ظهره، وقَلَبَ أو حوَّل رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلّى ركعتين. فأنشأ الله سحابة فَرَعَدَتْ وبَرَقَتْ، ثم أمْطَرَت بإذن الله. فلم يأْت ﷺ مسجده حتى سالت السيول. فَلَمَّا رأى سرعتهم إلى الكِنِّ (١) ضحك حتى بَدَتْ نواجذه. فقال: أشهد أنَّ الله على كل شيء قدير، وأنِّي عبد الله ورسوله». رواه أبو داود وقال: غريب وإسناده جيد. ورواه الحاكم في «المُسْتَدْرَك» وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتُرَجَّحُ رواية تقديم الصلاة على الخطبة، لأنها عن مُشَاهَدَة بخلاف رواية تأخيرها. ورُوِيَ عنهما أنهما جعلا خطبتين بعد الصلاة إلحاقاً لها بالخطبة للجمعة. (ولا يَقْلِبُ رِدَاءَهُ) أي لا يَقْلِبُ الإمام رداءه عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. والمَرْويّ كان تَفَاؤلاً لقول جابر: «وحَوَّل رداءه ليتحوَّل القَحْطُ». رواه الحاكم. ولقول أنس: «وقَلَبَ رداءه لكي يَنْقَلِبَ القَحْطُ». رواه الطَّبَرَانيّ. لأنه فعلٌ لأمر لا يرجع إلى معنى العبادة، كذا قال الشارح. وفيه: أن فعلَه ﵊ بقصد تحوُّل القحط عينُ العبادة لتميزه عن فعل العادة. لكن قد يُقال: إنَّ هذا خاص به، لأنه عُرِف بالوحي تَغَيُّرَ حال السماء عند قَلْبِ الرداء. وعند محمد: أنَّ الإمام يَقْلِبُ رداءه بعد مُضِي صَدْر من خطبته لِمَا تقدَّم. وأما الناس فلا يقلبون أرديتهم عندنا. وقال مالك والشافعي: يقلبون. قال عبد الله بن زيد: «اسْتَسْقَى النبيّ ﷺ وعليه خَمِيصَة (٢) سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فَلَمَّا ثَقُلَتْ قَلَبَها على عاتقه». زاد أحمد: «وحوّل الناس معه». قال الحاكم: على شرط مسلم. قالوا: ولم يُنْكِرْه ﷺ عليهم، فكان تقريراً له. وأُجِيبَ: إنه إنما يَتِمُّ أنْ لَو عَلِمَ به. وهو ممنوع لِمَا روينا أنه إنما حَوّل بعد تحويل ظهره إليهم. وينبغي أن يدعو الإمام بالدعوات المأثورة سرّاً أو جهراً والناس قعود مستقبلي القِبْلة مُؤَمِّنِينَ على دعائه بنحو: «اللهم أغثنا (اللهم أغثنا) (٣) ، اللهم أغثنا سيِّبا (٤) نافعاً،

стр. 345

ولا يَحْضرُ ذِمِّيٌّ. === اللهم اسقنا غَيْثاً مُغِيثاً، هَنيئاً مَرِيئاً مَرِيعاً (١) نافعاً غير ضارٍ غَدَقاً (٢) عاجلاً غير رائثٍ (٣) وآجل، مُجَلِّلاً (٤) سَحَّاً (٥) عاماً طَبَقاً (٦) دائماً. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم إن بالبلاد والعباد والخلق من الَّلأْوَاء (٧) والضَّنْك ما لا نشكو إلا إليك. اللهم أَنْبِتْ لنا الزرع، وأدِرَّ لنا الضَّرعِ، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض. اللهم إنّا نستغفرك إنَّك كنت غَفَّاراً فأَرْسِل السماء علينا مِدْراراً». فإذا مُطِرُوا قالوا: مُطِرْنا بفضل الله وبرحمته. وإذا زاد المطر حتى خِيف منه الضرر قالوا: «اللهم حَوَالَيْنَا ولا علينا، اللهم على الآكام (٨) والظِّرَاب (٩) وبطون الأودية ومنابت الشجر». وهذا دعاء النبي ﷺ في الجمعة الثانية حين قيل: «يا رسول الله ﷺ هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يُمْسِكُها عنا» (١٠) . (ولا يَحْضُرُ ذِمِّيٌّ) لأن خروجنا للدعاء وقد قال الله تعالى: ﴿وما دُعَاءُ الكافِرِينَ إِلاَّ في ضَلَالٍ﴾ (١١) أي ضياع وخسار. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يؤمر أهل الذمة بالخروج ولا يمنعون منه ولا يُمَكَّنُون من الخروج يوماً وحدهم، لأن الاستسقاء لطلب الرزق، والله سبحانه يرزق المؤمن والكافر، وهم لو خرجوا يوماً وحدهم وحصل في ذلك اليوم غيث لحصلت الفتنة.

стр. 346

فَصْلٌ في إدْرَاكِ الفَرِيضَةِ مَنْ شَرَعَ في فَرْضٍ فأُقِيمَتْ، إنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلرَّكْعَةِ الأُوْلَى، أوْ سَجَدَ وهُوَ في غَيرِ رُبَاعِيٍّ: قَطَعَ واقْتَدَى، === والحاصل أنه قد يستجاب لهم في الشدة لقوله تعالى: ﴿فإذَا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى البَرِّ إذَا هُمْ يُشْرِكُون﴾ (١) . فصلٌ في إِدْرَاكِ الفَرِيضَةِ (مَنْ شَرَعَ في فَرْضٍ) منفرداً (فأُقِيمَتْ) أي إقامة ذلك الفرض (إنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلرَّكْعَةِ الأُوْلَى) سواء كان الفرض رُبَاعِياً أو ثُلَاثِياً أو ثُنَائِياً (أوْ سَجَدَ وهُوَ في غَيْرِ رُبَاعِيَ) ثُلَاثِياً أو ثُنَائِياً حَضَرِيّاً كان الفرض أو سَفَرِيّاً (قَطَعَ) تلك الصلاة قائماً بتسليمة واحدة. وقيل: بتسليمتين. وهو الأصح لأن القَعْدَة شرط للتحلل، وهذا قَطْعٌ وليس بتحلل. وقيل: يعود إلى القِعْدَة ثم يسلم. وقال شمس الأئمة: القعود حَتْمٌ، لأن الخروج عن صلاة مُعْتَدَ بها لم يشرع إلا بقعود. وإذا قعد قيل: يعيد التشهد. وقيل: لا. والقطع بالسلام ورد في حديث مُعاذ حين أتى قومه فافتتح (سورة البقرة) (٢) ، فانحرف رجل فسلَّم، ثم صلّى وحده. ثم هذا كله بناء على ما اختاره فخر الإسلام من أنَّ ما دون الركعة من الفرض ليس له حكم الصلاة بدليل: أن من حلف لا يُصَلِّي لا يحنث بما دونها، فكان بمحل الرفض (٣) . والقطع للإكمال جائز، وهو كهدم المسجد لتجديده. واختيار شمس الأئمة: أنه أتَمَّ شفعاً، لأنه وإن لم يكن صلاة فهو قُرْبَة فيَحْرُم قطعها، فيُتِمّها شفعاً ويقتدي ليكون جامعاً بين فضيلتي النافلة وصلاة الجماعة. ومتى أمكن إدراك العبادتين لا يُصَار إلى إبطال إحداهما، وعلى التقديرين قطع (واقْتَدَى) أي بنية مُتَجَدِّدَةٍ إحرازاً لفضيلة الجماعة التي هي من كمالها، لِمَا روى أصحاب الكتب الستة عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفَذِّ (٤) بسبع وعشرين درجة». وللبخاري من حديث أبي سعيد: «بخمس وعشرين درجة». زاد أبو داود: «فإذا صلاَّها في فَلَاة فأتم ركوعها وسجودها

стр. 347

وَكَذَا فِيهِ إلَّا بَعْدَ ضَمِّ أُخْرَى. وإن صلَّى ثَالثًا مِنْهُ يُتِمُّهُ ثُمَّ يَقْتَدِي مُتَنَفِّلًا، إلَّا في العَصْرِ. === بلغت خمسين صلاة». ورواها ابن حِبَّان، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. قال الترمذي: وعامة من روى عن النبي ﷺ إنما قال: «خمساً وعشرين» إلا ابن عمر: فإنه قال: «بسبع وعشرين». (وَكَذَا) يقطع (فِيهِ) أي في الرُّبَاعي لكن لا يقطع فيه (إلاَّ بَعْدَ ضَمِّ) ركعة (أُخْرَى) صيانة لِمَا فعله عن البطلان. فإن قيل: إذا أقيمت المغرب وقد سجد فيها لِمَ لا تُضَمُّ ثانية لصيانة ما فعله عن البطلان ثم يقتدي؟ أُجِيبَ بأنه إذا ضَمَّ ثانية كان آتياً بأكثر المغرب فيلزمه إتمامها، وإذا أتمّها يكون في اقتدائه مُتَنَفِّلاً، وهو بالثلاث مكروه، وبالأربع مخالف للإمام. قيل: هذه مخالفة بعد الفراغ، فلا يضر كالمقيم المقتدي بمسافر. أُجِيبَ بأنّ صلاةَ المقيمِ والمسافرِ واحدة بالنَّظَرِ إلى الأصل، ولا كذلك ما نحن فيه. ولو دخل مع الإمام في المَغْرب بعدما صَلاَّها، أَتَمَّ أربعاً لأن مخالفةَ الإمام أَخَفُّ من التنفّل بثلاث. قال أبو يوسف، وهو الأحسن، ولو سَلَّم مع الإمامِ تفسد صلاته، فيقضي أربعاً لأنها لزمته بالاقتداء. وعن بِشْر: يُسَلِّم مع الإمام ولا شيء عليه. ولعل وجهه عدم التزامه الرابعة حالَ الاقتداء. واحترز بقوله: «في فرض» عمَّن شَرَعَ في نَفْلٍ أو سُنَّة، فإنه لا يَقْطَعُ لأنَّ قطعه ليس لإكمال ما قَطَعَه. ولو كان في سُنة الظهر والجمعة فأُقيمت أو خَطَب الإمام يقطع على رأس الركعتين. وهو مروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف وإليه مال السَّرَخْسِي. وقيل: لا يسلم لأنها صلاة واحدة، والقطع هنا ليس للإكمال. والأول أَوْجَه لأنه يتمكن من قضائها بعد الفرض. ولا إبطال في التسليم على رأس الركعتين. فلا يُفَوِّتُ فرض الاستماع والأداء على الوجه الأكمل بلا سبب. (وإن صلَّى ثَالثَاً مِنْهُ) أي من الرُّبَاعِي بأنْ سَجَد لثالثة (يُتِمُّهُ ثُمَّ يَقْتَدِي مُتَنَفِّلاً)، لأن الفرض لا يتكرر في وقت واحد. ويؤيده ما في مسلم عن أبي ذر: أن النبيّ ﷺ قال: «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يُؤَخِّرُون الصلاة عن وقتها؟ قلت: فما تأمرني؟ قال: صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فإنها لك نافلة». وأداء الإمام فرضاً والمأموم نفلاً جائز بلا خلاف. (إلاَّ في العَصْرِ) أي في فرضه، لأن النفل بعده مكروه. وعن محمد: يُتِمُّ قاعداً فتنقلب صلاته نفلاً، ثم يقتدي فيحصل له ثواب النفل والفرض في جماعة من غير

стр. 348

وكُرِهَ خُرُوجُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ مِنْ مَسْجِدٍ أُذِّنَ فِيهِ، لا لِمُقِيم جَمَاعةٍ أُخْرَى، === إبطال. وأما لو لم يسجد لثالثة الرُّبَاعِي فيقطع. والحاصل: أنه إذا أُقِيمَت بعدما صلّى ركعة من الفجر أو المغرب قطع وأتم، لأنه لو أضاف إليها أخرى لفاتته الجماعة لوجود الفراغ حقيقة أو شُبْهَة، وكذا لو قام إلى الثانية قبل أن يقيدها بالسجدة، وإنْ قيَّد الثانية فيهما بسجدة أتَمَّ. ولا يقتدي بالفجر لكراهة النفل بعده، وكذا في المغرب على ظاهر الرواية، لقوله ﵊: «إذا صلّيت في أهلك، ثم أدركت الصلاة فصلِّها إلاَّ الفجر والمغرب». رواه الدَّارَقُطْنِيّ من حديث ابن عمر. قال عبد الحق: تَفَرَّدَ برفعه سَهْل بن صالح الأَنْطَاكِيّ وكان ثقة، فلا يضرّه حينئذٍ وَقْفُ من وقفه، لأن زيادة الثقة مقبولة. ولو أدرك الإمامَ راكعاً فكبّر ووقف حتى رفع الإمام رأسه لم يصر مدركاً لتلك الركعة، لأن الشرط هو المشاركة للإمام في أفعال الصلاة، ولم يوجد لا في القيام ولا في الركوع، خلافاً لِزُفَر والشافعيّ. وأما لو أدركه في القيام ولم يركع معه حتى رفع الإمامُ رأسه، ثم ركع المقتدي صار مُدْرِكاً لتلك الركعة، لأنه أدرك حقيقة القيام وذلك بالاتفاق. ولو ركع قبل الإمام فأدرك الإمام فيه صحَّ، لوجود المشاركة وكُرِهَ للمخالفة، وقال زُفَر: لا يصح. (وكُرِهَ خُرُوجُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ) فرضه (مِنْ مَسْجِدٍ أُذِّنَ فِيهِ) لما روى ابن ماجه في «سننه» عن عثمان بن عَفَّان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من أدرك الأذان في المسجد، ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجوع، فهو منافق». وأخرجه أبو داود في كتاب «المراسيل» عن سعيد بن المُسَيَّب: أن النبيّ ﷺ قال: «لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلاَّ منافق، إلاَّ أحد أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع». وأخرجه ابن ماجه بلفظ: «من أدرك الأذان في المسجد، ثم خرج لا يخرج لحاجة وهو لا يريد الرَّجْعَة (١) فهو منافق». وأخرجه الجماعة إلاَّ البخاري عن أبي الشَّعْثَاء، وسليم بن الأَسْوَدِ قال: «كنا مع أبي هريرة ﵁ في المسجد، فخرج رجل حين أذَّنَ المؤذِّن للعصر فقال أبو هريرة: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم». (لا) يُكْرَه الخروج بعد الأذان (لِمُقِيم جَمَاعةٍ أُخْرَى) بأن يكون مؤذنَ مسجد

стр. 349

ولا لِمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ والعِشَاءَ، إلَّا عِنْدَ الإِقَامَةِ. وفي غَيْرِهِمَا يَخْرُجُ وإنْ أُقِيمَتْ. وَيَتْركُ سُنَّةَ الفَجْرِ ويَقْتدِي، مَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ، بِجَمْعٍ إن أدَّاهَا. ومَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْهُ صَلَّاهَا ولا يَقْضِيها إلَّا تَبَعًا لِفَرْضِهِ. === آخر أو إمامَه وإذا غاب تتفرق لغيبته جماعتُه (ولا) يُكْرَه الخروج بعد الأذان (لِمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ والعِشَاءَ) لأنه أجاب الداعي بالفعل (إلاَّ عِنْدَ الإِقَامَةِ) فإنه يكره خروجه لاتهام الناس بأنه من الخوارج والروافض من أهل البدعة الذين لا يَرَوْن الصلاة خلف أهل السنة (وفي غَيْرِهِمَا) أي غير الظهر والعشاء وهو الفجر والعصر والمغرب (يَخْرُجُ) أي يجوز له الخروج (وإنّ أُقِيمَتْ) لأنه أجاب الداعي مع كراهة التنفل بعد صلاة الفجر والعصر. وكُرِهَ التنفل بالثلاث بعد المغرب كما قدمنا. (وَيَتْركُ سُنَّةَ الفَجْرِ ويَقْتدِي مَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ) أي فرض الفجر (بِجَمْعٍ) أي بجماعة (إن أدَّاها) أي سنة الفجر، لأن الفجر (بِجَمْعٍ) أي بجماعة (إن أدَّاهَا) أي سنة الفجر لأن ثواب الجماعة أعظم من ثواب السُّنة. ففي «صحيح مسلم»: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ (١) بسبع وعشرين درجة». (ومَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْهُ) أي من فرض الفجر لو صلّى سنّته (صَلاَّهَا) أي سنّته أولاً، لأنه أمكن الجمع بين فضيلتي السنّة والجماعة. لقوله ﵊: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». رواه مسلم، وابن ماجه. لكن يُصَلِّي السنة عند باب المسجد أو في موضع لا يُصَلِّي فيه أحد. وإن لم يمكن له ذلك فيصلي خلف الصفوف ويبعد ما استطاع لنفي التُّهْمَة عن نفسه. روى الطحاوي عن أبي الدَّرْدَاءِ: «أنه كان يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر فيصلي الركعتين في ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم في الصلاة». وروى أيضاً عن ابن مسعود: نحوه. وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تَدَعُوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل» (٢) . وسكت عنه أبو داود ولم يُضَعِّفْه. وفي إسناده رجل مُخْتَلَف في توثيقه ذكره النووي. ولو كان يدرك التشهد، قال شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ: يدخل مع الإمام. قال: وكان الفقيه أبو جعفر يقول: يصليها ثم يدخل مع الإمام عندهما، ولا يصليها عند محمد. وهو فرع اختلافهم فيمن أدرك تشهّد الجُمُعَة وسيأتي، أو فرع اختلافهم في قضائها وعدمه. (ولا يَقْضِيها) أي سنة الفجر عندهما (إلاَّ تَبَعاً لِفَرْضِهِ) قبل الزوال بالاتفاق،

стр. 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وبعده أيضاً عند بعض مشايخ ما وراء النهر. وقال محمد: يقضيها وحدها أيضاً قبل الزوال لِمَا روى مسلم من حديث أبي هريرة قال: «عَرَّسْنَا (١) مع النبيّ ﷺ فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس. فقال النبيّ ﷺ ليأخذ كل إنسان برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان. قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم صلّى سجدتين، ثم أقيمت الصلاة فصلّى الغَداة ـ أي فرض الفجر ـ قضاء». ولهما أنَّ الأصل في السنة أن لا تُقْضَى. وقد ورد هذا الحديث بقضاء سنة الفجر تَبَعاً، فيبقى ما عدا ذلك على الأصل. وذكر في «الفتاوي الظَّهِيرِيَّة»: لو افتتح ركعتي الفجر قبل صلاة الفجر، وأفسدها ثم قضاها بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، قيل: يجوز، وفيه نظر. والأصَحُّ أنه لا يجوز، لأنه إبطال للعمل. وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢) . وقد قال في «المُنْيَة»: ولو أفسد سنة الفجر لا يقضيها بعدما صلى الفجر. قال الحَلَبِي: لِمَا مَرَّ من كراهة ما لزم بالشروع في الوقتين. قيل: والأحسن أنْ يشرع في السُّنَّة، ثم يُكَبِّرُ من غير رَفْعٍ بالفريضة ناوياً لها، ويُتِمَّ الفرض مع الإمام فإذا سلَّم الإمام لم يسلم هو، ويقوم ويُصَلِّي السنة بلا نية مُجَدَّدَة بل بالنية الأولى، فلا يكون مفسداً للعمل، بل يكون مُنْتَقلاً من عمل إلى عمل. قال في شرح «المُنْيَة»: ولا يُلْتَفَتُ إلى ما ذُكِرَ في «المحيط» عن بعض المشايخ من أنه: إنْ خاف أن لا يُدْرِكُ الفرض لو صلَّى السنة، فالأحسن أن يشرع في السنّة ويكبّر لها ثم يكبّر أخرى للفريضة، فيخرج من السنة ويصير شارعاً في الفريضة ولا يصير مفسداً، لعدم الفائدة في ذلك، لأنه وإن سُلِّمَ أنه لا يصير مفسداً، لكن كراهة قضائها بعد صلاة الفجر باقية. اللهم إلاَّ أنْ يفعل ذلك ليقضيها بعد ارتفاع الشمس، فهو غير ثابت بالسنة ـ كما سبق ـ فلا فائدة في هذا التكَلُّف. وأيضاً إنَّ ما وجب بالشروع ليس أقوى مما وجب بالنذر، ونَصَّ محمد: أنَّ المنذور لا يُؤَدّى بعد الفجر قبل الطلوع. وأيضاً شروع في العبادة بقصد الإفساد، فإن قيل: ليؤدّيها مرة أُخْرَى قلت: إبطال العمل قصداً مَنْهِيٌّ عنه، ودرء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة. وقال مالك والشافعي: يترك سنة الفجر ويقتدي، وإن لم يخف فَوْتها كالظهر.

стр. 351

ويَتْرُكُ سُنَّةَ الظُّهْرِ في الحَالَيْنِ ويَقْتَدِي، ثُمَّ يَقْضِيهَا قَبْلَ شَفْعِهِ، وغَيْرُهُمَا لا يُقْضَى أَصْلًا. === قلنا: يمكن قضاؤها في وقت الظهر بعد الفرض بخلاف سنة الفجر كما قدمناه. (ويَتْرُكُ سُنَّةَ الظُّهْرِ في الحَالَيْنِ) أي حال إدراك ركعة من الظهر، وحال عدم إدراكها (ويَقْتَدِي) لأنه يمكنه أداء سنّة الظهر في وقته بعد أن يصلِّي مع الجماعة (ثُمَّ يَقْضِيهَا) أي يؤدي سنة الظهر في وقته كما رُوِيَ عن أبي حنيفة وصَاحِبَيْه، وهو الصحيح. وقيل: لا يَقْضِي لأنه ﵊ إنما واظب عليها قبل الظهر. (قَبْلَ شَفْعِهِ) أي الركعتين اللتين بعده، وهذا عند محمد. وعند أبي يوسف: يقضيها بعد شَفْعِه. وقيل: الخلاف بالعكس. ثم وجْهُ تقديم الأربع على الشَّفْعِ: أنَّ حقها التقديم على الظهر المتقدم، وتأخيرها عن الظهر لا يقتضي تأخيرها عن شفعه. ووجه تقديم الشفع على الأربع: أنها فاتت عن محلها، فلا يفوت الشفع عن محله ـ وهو الاتصال بالفرض ـ وهو المعتمد. لما رواه ابن ماجه عن عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الأربع قبل الظهر، صلاَّها بعد الركعتين بعد الظهر». وما رواه صاحب «الهداية» من قوله ﷺ «من ترك الأربع قبل الظهر لم تنله شفاعتي». فغير معروف. (وغَيْرُهُمَا) أي غير سنّة الفجر والأربع قبل الظهر من السنن (لا يُقْضَى) أي لا يلزم قضاؤه (أَصْلاً) أي لا وحده، ولا تَبَعاً لفرضه، لأن لزوم القضاء مختصٌّ بالفرض والواجب، وسنّة الفجر لقوّتها قريبة من الواجب، وسنّة الظهر إنما فات محلها لا وقت فرضها. وقيل: يُقْضَى غيرهما تَبَعاً. لأن الشيء قد لا يثبت قصداً، ويثبت تَبَعاً، والقياس على سنة الفجر تَبَعاً. ثم الأفضل في عامة السنن والنوافل المَنْزِل، وهو مرويٌّ عن النبيّ ﷺ فقد روى ابن عمر أنه ﷺ قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً». متفق عليه. وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإنّ الله جاعل في بيته من صلاته خيراً». رواه مسلم. وعن زيد بن ثابت: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «صَلُّوا أيها الناس في بيوتكم، فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة». متفق عليه. وفي رواية مسلم: «فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة». وعنه: «صلاة في مسجدي هذا، أفضل من ألف صلاة في غيره، وأفضل منه ركعتان يصليهما في زاوية بيته». ضَعَّفه النووي وغيره.

стр. 352

فَصْلٌ في قَضَاءِ الفَوَائِتِ فُرِضَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الفُرُوضِ الخَمْسَةِ والوِتْرِ فَائِتًا، كلُّهَا أو بَعْضُهَا، === فصلٌ في قَضَاءِ الفَوَائِتِ اعلم أن الأداء: تسليم عين الواجب بالأمر، كفعل الصلاة في وقتها. والقضاء: تسليم مثله به ـ أي بالأمر ـ، فلا يُقْضَى النَّفْل لأنه غير مضمون عليه بالترك. (فُرِضَ التَّرْتِيبُ) أي وجب، وهو فرض عملي لا اعتقادي لأنه ثبت بدليل ظنّي (بَيْنَ الفُرُوضِ الخَمْسَةِ والوِتْرِ فَائِتاً كلُّهَا أو بَعْضُهَا) وقال أبو يوسف ومحمد: لا ترتيب بين الفروض والوتر بناء على أنّ الوتر سنّة عندهما، ولا ترتيب بين الفروض والسنن عند الكل. وقال مالك: الترتيب في قضاء الفوائت واجب بالذكر، ساقط بالنسيان في خمسٍ وما دونها. وقال الشافعي: الترتيب في الفروض مستحب، لأن كل فرض أصل فلا يتوقف جوازه على جواز غيره كالصيامات والزكوات، واختاره ابن الهُمَام، وخالف المشايخ العِظَام. ولنا: ما في «الصحيحين» من حديث جابر: «أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل يَسبُّ كفار قريش يوم الخندق وقال: يا رسول الله ما كِدْتُّ أُصلّي الظهر حتى كادت الشمس أن تغرب. وقال ﵊: والله ما صلّيتها. قال: فنزلنا بُطْحَان، فتوضأ رسول الله ﷺ وتوضّأنا، فصلّى رسول الله ﷺ العصر بعدما غربت الشمس، وصلّينا بعدها المغرب». ولو كان الترتيب مستحباً، لَمَا أخر ﵊ لأجله المغرب التي تأخيرها مكروه. ولا سيما على القول بتضييق وقت المغرب كما هو أحد قولي الشافعي ومذهب مالك. وروى أحمد والنَّسائي والترمذي عن ابن مسعود: «أنه ﵊ شُغِلَ عن أربع صلوات يوم الخندق ـ يعني في يوم آخر من أيامه ـ حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذن له، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ثم أقام فصلّى المغرب، ثم أقام فصلّى العشاء». والحاصل: أن الترتيب واجب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت. فلنا على الأول صريح قوله ﵊: «من نَسِيَ صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليتمّ صلاته، فإذا فَرَغَ من صلاته فليُعِد التي نَسِيَ ثم ليُعِد التي صَلاَّها مع الإمام». رواه الدَّارَقُطْنِي، ثم البيهقي في «سننيهما» عن إسماعيل بن إبراهيم التَّرْجُمَانِي، عن سَعِيد بن

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عبد الرحمن الجُمَحِيّ، عن عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه مالك عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً. وصحح الدَّارَقُطْنِيّ وأبو زُرْعَة وغيرهما وقفه. واختلفوا في نسبة الخطأ في رفعه: فمنهم من نسبه إلى الجُمَحِيّ، ومنهم من نسبه إلى التَّرْجُمَانِي. ولا يخفى أنَّ الرفع زيادة، وهو من الثقة مقبولة، وهما ثقتان. قال ابن مَعِين وأبو داود وأحمد في التَّرْجُمَاني: لا بأس به. وكذا وثق ابنُ مَعِين والنَّسائيُ الجُمَحِيَّ. فإن قُلْتَ: لا يقاوم مالكاً. قُلْتُ: المختار في تعارض الوقف والرفع ليس كون الاعتبار للأكثر ولا للأحفظ وإن كانت مذاهب، بل للرافع بعد كونه ثقة، وهذا لأن الترجيح بذلك هو عند تَعَارُض المَرْوِيَّين، ولا تَعَارُض في ذلك لظهور أن الراوي قد يقف الحديث، وقد يرفعه. على أنَّ الحديث في حكم المرفوع ولو كان موقوفاً، لأن مثله لا يُقَال بالرأي. ويؤيده قول حَبِيب بن سِبَاع، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ «أن النبيّ ﷺ صلّى المغرب، ونَسِي العصر فقال لأصحابه: هل رأيتموني صلّيت العصر؟. قالوا: لا يا رسول الله ما صلّيتها، فأمر المُؤَذِّن فأذَّن، ثم أقام فصلّى العصر و (نقض) (١) الأولى، ثم صلّى المغرب». رواه أحمد في «مسنده»، والطَّبَرَانِي في «معجمه» من طريق ابن لَهِيعَة. ولنا: على الثاني ما رواه أحمد والترمذي والنَّسائي عن عبد الله بن مسعود: «أن المشركين شَغَلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذَّنَ، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ثم أقام فصلّى المغرب، ثم أقام فصلّى العِشَاء». وفي حديث مالك بن الحُوَيْرِث الذي أخرجه البخاري في الأذان: «وصلُّوا كما رأيتموني أصلّي». فهو استدلال بمجموع فعله المرتب، وأمره بالصلاة على الوجه الذي فعل، فلزم الترتيب. وفي رواية النَّسائي من حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: «حُبِسْنَا يوم الخندق عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كُفِينَا ذلك، فأنزل الله ﴿وكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ﴾ (٢) فقام رسول الله ﷺ وأمر بلالاً فأقام، ثم صلّى الظهر كما كان يصلّيها قبل ذلك، وهكذا قال في البواقي، ثم قال: وذلك قبل أن نَزَل: ﴿فَرِجَالاً أو رُكْبَاناً﴾ (٣) . والظاهر أنّ التمسك به لا يتم لأنه خبر الواحد فلا تثبت به الفرضية، وإنما

стр. 354

إلَّا إذَا ضَاقَ الوَقْتُ، أوْ نَسِيَ، === يثبت به الوجوب. وأما كونه شرطاً كما هو ظاهر المذهب، فغير ظاهر وإلا لَمَا سقط بالنسيان وضيق الوقت وكثرة الفوائت. وأمّا قول بعضهم وقع الحديث بياناً لمجمل الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١) فثبت لجواز الوقتية شرطاً به، فمدفوع بأنهم ما عَمِلُوا بخبر الفاتحة مثل ما عملوا بخبر الترتيب، حيث قالوا بفساد الصلاة عند ترك الترتيب لا عند ترك الفاتحة، وكذا قالوا بفسادها لو صلّى بمسح الرأس أدنى من الربع، مع أنه ثبت بخبر الآحاد مبيناً لِمَا أُجْمِلَ في الكتاب. ولا يظهر فرق بين المسائل الثلاثة. فالحاصل: أن مقتضى الدليل وجوب تقديم الفائتة دون فساد الوقتية لو لم تُقَدَّم، فإن لم يفعل أَثِمَ لترك مقتضى خبر الواحد كترك الفاتحة سواء، لكن قال بعض المحققين: هذا إحداث قول ثالث بين القول بالاستحباب والقول بالوجوب على وجه يُفْسِدُ الوقتية، وهو لا يجوز ـ يعني في العرف والعادة ـ وإلاّ فأي مانع من الكتاب والسنة على هذه الإرادة مع أنه ليس فيه خلاف إجماع السلف، ولا اتفاق الخلف. (إلاَّ إذَا ضَاقَ الوَقْتُ) بحيث صار الباقي منه عند الشروع لا يسع الفائتة والوقتية جميعاً، ولو كان الباقي من الوقت يسع بعض الفوائت والوقتية، قضى ما يسعه من الفوائت مع الوقتية، وهو الصحيح. ثم المعتبر عند محمد: الوقت المستحب، وعندهما: أصل الوقت. فلو تذكر الظهر وقت العصر، وكان بحيث لو قدم الظهر يقع العصر في الوقت المكروه، يسقط الترتيب عند محمد، ولا يسقط عندهما. وإنما كان ضيق الوقت مسقطاً للترتيب، لأن في اعتبار الترتيب مع ضيق الوقت تفويت الوقتية. (أوْ نَسِيَ) لأن الوقت إنما يصير للفائتة بالتذكر. والترتيب يسقط بعذر العجز، كما يسقط بعذر النسيان، كفوت ثلاث من ثلاثة أيام كظهر وعصر ومغرب نَسِيَ ترتيبها على الأصح. وفي «الصحيحين» عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ نَسِي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلاَّ ذلك. قال الله تعالى: ﴿وأَقِمِ الصَّلَاةِ لِذِكْرِي﴾ (٢) ». ولمسلم «من نَسِيَ صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصلّيها إذا ذكرها».

стр. 355

أو فَاتَتْ سِتٌّ. === وقال الحسن: «من لا يعلم أنَّ الترتيب فرض فهو كالناسي». وبه أخذ كثير من المشايخ. وقال مالك في المشهور عنه: إنه لا يسقط بهما. لإطلاق ما رَوَيْنَا. (أو فَاتَتْ سِتٌّ) أي ست صلوات من الفروض الخمسة لا الوتر، حديثة كانت أو قديمة، لأن الاشتغال بالفوائت الكثيرة يؤدي إلى تفويت الوقتية ـ كذا قيل ـ وفيه نظر ظاهر. والكثرة تحصل بالدخول في حد التكرار. والدخول في أول حد التكرار يحصل بكون الفوائت ستّاً. فالمعتبر خروج وقت السادسة في ظاهر الرواية. واعتبر محمد في رواية عنه: دخول وقت السادسة لا فوتها، لأن الكثير من كل شيء جنسه الاستغراقي، وكل الجنس في الصلوات الخمس كالشهر في الصوم، فالزائد عليها في حكم التكرار. وأسقط مالك الترتيب بصيرورة الفوائت خمساً. وهو رواية عن أبي حنيفة. لأن قوله ﵊: «من نام عن صلاة» (١) . شامل للقليل والكثير، ولكن خَصَّصْنَاه بما دون الكثير الذي يتكرر بوظيفة اليوم والليلة تحرّزاً عن المشقة. وقال زُفَر: لا يسقط الترتيب بكثرة الفوائت إذا كان الوقت يسعها مع الوقتية. وإن كانت الفوائت عشراً، أو أكثر ولو شهراً، لأن مراعاة الترتيب حكم اسْتُفِيدَ بخبر الواحد، وليس في العمل به ترك حكم الكتاب لاتساع الوقت للكل، فجمع بينهما. أمَّا إذا لم يسع الكل، فإن العمل بالخبر حينئذٍ يؤدي إلى ترك العمل بالكتاب، فَيُقَدَّمُ حكم الكتاب على حكم الخبر. وعند ابن أبي لَيْلَى: لا يسقط الترتيب إلى سَنَة. وعند بِشْر بن غِيَاث: لا يسقط في جميع العمر لعدم الفصل في دليل الوجوب. ثم كما تُسْقِطُ الستُّ الترتيبَ في الأداء تُسْقِطُ في القضاء، لأن الفوائت لَمَّا أسقطت الترتيب في غيرها فلأَنْ تُسْقِطَهُ في نفسها أولى. ومتى سقط الترتيب لا يعود في أصح الروايات، حتى لو ترك صلاة شهر وقضاها إلاَّ صلاة، ثم صلّى الوقتية ذاكراً لها (٢) ، جاز. وهو اختيار شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وقاضيخان، وغيرهم. قال أبو حَفْصٍ الكبير: وعليه الفتوى، لأنَّ الساقط مُتَلَاشٍ، فلا يحتمل العود، كماء قليل نجس ورد عليه ماء جار حتى كَثُرَ، ثم عاد قليلاً، فإنه لا يعود نجساً. واختار الفقيه أبو
следующие страницы →