ويَتْرُكُ سُنَّةَ الظُّهْرِ في الحَالَيْنِ ويَقْتَدِي، ثُمَّ يَقْضِيهَا قَبْلَ شَفْعِهِ، وغَيْرُهُمَا لا يُقْضَى أَصْلًا.
===
قلنا: يمكن قضاؤها في وقت الظهر بعد الفرض بخلاف سنة الفجر كما قدمناه.
(ويَتْرُكُ سُنَّةَ الظُّهْرِ في الحَالَيْنِ) أي حال إدراك ركعة من الظهر، وحال عدم إدراكها (ويَقْتَدِي) لأنه يمكنه أداء سنّة الظهر في وقته بعد أن يصلِّي مع الجماعة (ثُمَّ يَقْضِيهَا) أي يؤدي سنة الظهر في وقته كما رُوِيَ عن أبي حنيفة وصَاحِبَيْه، وهو الصحيح. وقيل: لا يَقْضِي لأنه ﵊ إنما واظب عليها قبل الظهر.
(قَبْلَ شَفْعِهِ) أي الركعتين اللتين بعده، وهذا عند محمد. وعند أبي يوسف: يقضيها بعد شَفْعِه. وقيل: الخلاف بالعكس. ثم وجْهُ تقديم الأربع على الشَّفْعِ: أنَّ حقها التقديم على الظهر المتقدم، وتأخيرها عن الظهر لا يقتضي تأخيرها عن شفعه. ووجه تقديم الشفع على الأربع: أنها فاتت عن محلها، فلا يفوت الشفع عن محله ـ وهو الاتصال بالفرض ـ وهو المعتمد. لما رواه ابن ماجه عن عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الأربع قبل الظهر، صلاَّها بعد الركعتين بعد الظهر». وما رواه صاحب «الهداية» من قوله ﷺ «من ترك الأربع قبل الظهر لم تنله شفاعتي». فغير معروف.
(وغَيْرُهُمَا) أي غير سنّة الفجر والأربع قبل الظهر من السنن (لا يُقْضَى) أي لا يلزم قضاؤه (أَصْلاً) أي لا وحده، ولا تَبَعاً لفرضه، لأن لزوم القضاء مختصٌّ بالفرض والواجب، وسنّة الفجر لقوّتها قريبة من الواجب، وسنّة الظهر إنما فات محلها لا وقت فرضها. وقيل: يُقْضَى غيرهما تَبَعاً. لأن الشيء قد لا يثبت قصداً، ويثبت تَبَعاً، والقياس على سنة الفجر تَبَعاً.
ثم الأفضل في عامة السنن والنوافل المَنْزِل، وهو مرويٌّ عن النبيّ ﷺ فقد روى ابن عمر أنه ﷺ قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً». متفق عليه. وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإنّ الله جاعل في بيته من صلاته خيراً». رواه مسلم. وعن زيد بن ثابت: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «صَلُّوا أيها الناس في بيوتكم، فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة». متفق عليه. وفي رواية مسلم: «فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة». وعنه: «صلاة في مسجدي هذا، أفضل من ألف صلاة في غيره، وأفضل منه ركعتان يصليهما في زاوية بيته». ضَعَّفه النووي وغيره.
стр. 352
فَصْلٌ في قَضَاءِ الفَوَائِتِ
فُرِضَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الفُرُوضِ الخَمْسَةِ والوِتْرِ فَائِتًا، كلُّهَا أو بَعْضُهَا،
===
فصلٌ في قَضَاءِ الفَوَائِتِ
اعلم أن الأداء: تسليم عين الواجب بالأمر، كفعل الصلاة في وقتها. والقضاء: تسليم مثله به ـ أي بالأمر ـ، فلا يُقْضَى النَّفْل لأنه غير مضمون عليه بالترك.
(فُرِضَ التَّرْتِيبُ) أي وجب، وهو فرض عملي لا اعتقادي لأنه ثبت بدليل ظنّي (بَيْنَ الفُرُوضِ الخَمْسَةِ والوِتْرِ فَائِتاً كلُّهَا أو بَعْضُهَا) وقال أبو يوسف ومحمد: لا ترتيب بين الفروض والوتر بناء على أنّ الوتر سنّة عندهما، ولا ترتيب بين الفروض والسنن عند الكل. وقال مالك: الترتيب في قضاء الفوائت واجب بالذكر، ساقط بالنسيان في خمسٍ وما دونها. وقال الشافعي: الترتيب في الفروض مستحب، لأن كل فرض أصل فلا يتوقف جوازه على جواز غيره كالصيامات والزكوات، واختاره ابن الهُمَام، وخالف المشايخ العِظَام.
ولنا: ما في «الصحيحين» من حديث جابر: «أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل يَسبُّ كفار قريش يوم الخندق وقال: يا رسول الله ما كِدْتُّ أُصلّي الظهر حتى كادت الشمس أن تغرب. وقال ﵊: والله ما صلّيتها. قال: فنزلنا بُطْحَان، فتوضأ رسول الله ﷺ وتوضّأنا، فصلّى رسول الله ﷺ العصر بعدما غربت الشمس، وصلّينا بعدها المغرب». ولو كان الترتيب مستحباً، لَمَا أخر ﵊ لأجله المغرب التي تأخيرها مكروه. ولا سيما على القول بتضييق وقت المغرب كما هو أحد قولي الشافعي ومذهب مالك. وروى أحمد والنَّسائي والترمذي عن ابن مسعود: «أنه ﵊ شُغِلَ عن أربع صلوات يوم الخندق ـ يعني في يوم آخر من أيامه ـ حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذن له، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ثم أقام فصلّى المغرب، ثم أقام فصلّى العشاء».
والحاصل: أن الترتيب واجب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت. فلنا على الأول صريح قوله ﵊: «من نَسِيَ صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليتمّ صلاته، فإذا فَرَغَ من صلاته فليُعِد التي نَسِيَ ثم ليُعِد التي صَلاَّها مع الإمام». رواه الدَّارَقُطْنِي، ثم البيهقي في «سننيهما» عن إسماعيل بن إبراهيم التَّرْجُمَانِي، عن سَعِيد بن
стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عبد الرحمن الجُمَحِيّ، عن عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه مالك عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً. وصحح الدَّارَقُطْنِيّ وأبو زُرْعَة وغيرهما وقفه. واختلفوا في نسبة الخطأ في رفعه: فمنهم من نسبه إلى الجُمَحِيّ، ومنهم من نسبه إلى التَّرْجُمَانِي. ولا يخفى أنَّ الرفع زيادة، وهو من الثقة مقبولة، وهما ثقتان. قال ابن مَعِين وأبو داود وأحمد في التَّرْجُمَاني: لا بأس به. وكذا وثق ابنُ مَعِين والنَّسائيُ الجُمَحِيَّ.
فإن قُلْتَ: لا يقاوم مالكاً. قُلْتُ: المختار في تعارض الوقف والرفع ليس كون الاعتبار للأكثر ولا للأحفظ وإن كانت مذاهب، بل للرافع بعد كونه ثقة، وهذا لأن الترجيح بذلك هو عند تَعَارُض المَرْوِيَّين، ولا تَعَارُض في ذلك لظهور أن الراوي قد يقف الحديث، وقد يرفعه. على أنَّ الحديث في حكم المرفوع ولو كان موقوفاً، لأن مثله لا يُقَال بالرأي. ويؤيده قول حَبِيب بن سِبَاع، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ «أن النبيّ ﷺ صلّى المغرب، ونَسِي العصر فقال لأصحابه: هل رأيتموني صلّيت العصر؟. قالوا: لا يا رسول الله ما صلّيتها، فأمر المُؤَذِّن فأذَّن، ثم أقام فصلّى العصر و (نقض) (١) الأولى، ثم صلّى المغرب». رواه أحمد في «مسنده»، والطَّبَرَانِي في «معجمه» من طريق ابن لَهِيعَة.
ولنا: على الثاني ما رواه أحمد والترمذي والنَّسائي عن عبد الله بن مسعود: «أن المشركين شَغَلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذَّنَ، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ثم أقام فصلّى المغرب، ثم أقام فصلّى العِشَاء».
وفي حديث مالك بن الحُوَيْرِث الذي أخرجه البخاري في الأذان: «وصلُّوا كما رأيتموني أصلّي». فهو استدلال بمجموع فعله المرتب، وأمره بالصلاة على الوجه الذي فعل، فلزم الترتيب. وفي رواية النَّسائي من حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: «حُبِسْنَا يوم الخندق عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كُفِينَا ذلك، فأنزل الله ﴿وكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ﴾ (٢) فقام رسول الله ﷺ وأمر بلالاً فأقام، ثم صلّى الظهر كما كان يصلّيها قبل ذلك، وهكذا قال في البواقي، ثم قال: وذلك قبل أن نَزَل: ﴿فَرِجَالاً أو رُكْبَاناً﴾ (٣) . والظاهر أنّ التمسك به لا يتم لأنه خبر الواحد فلا تثبت به الفرضية، وإنما
стр. 354
إلَّا إذَا ضَاقَ الوَقْتُ، أوْ نَسِيَ،
===
يثبت به الوجوب.
وأما كونه شرطاً كما هو ظاهر المذهب، فغير ظاهر وإلا لَمَا سقط بالنسيان وضيق الوقت وكثرة الفوائت. وأمّا قول بعضهم وقع الحديث بياناً لمجمل الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١) فثبت لجواز الوقتية شرطاً به، فمدفوع بأنهم ما عَمِلُوا بخبر الفاتحة مثل ما عملوا بخبر الترتيب، حيث قالوا بفساد الصلاة عند ترك الترتيب لا عند ترك الفاتحة، وكذا قالوا بفسادها لو صلّى بمسح الرأس أدنى من الربع، مع أنه ثبت بخبر الآحاد مبيناً لِمَا أُجْمِلَ في الكتاب. ولا يظهر فرق بين المسائل الثلاثة.
فالحاصل: أن مقتضى الدليل وجوب تقديم الفائتة دون فساد الوقتية لو لم تُقَدَّم، فإن لم يفعل أَثِمَ لترك مقتضى خبر الواحد كترك الفاتحة سواء، لكن قال بعض المحققين: هذا إحداث قول ثالث بين القول بالاستحباب والقول بالوجوب على وجه يُفْسِدُ الوقتية، وهو لا يجوز ـ يعني في العرف والعادة ـ وإلاّ فأي مانع من الكتاب والسنة على هذه الإرادة مع أنه ليس فيه خلاف إجماع السلف، ولا اتفاق الخلف.
(إلاَّ إذَا ضَاقَ الوَقْتُ) بحيث صار الباقي منه عند الشروع لا يسع الفائتة والوقتية جميعاً، ولو كان الباقي من الوقت يسع بعض الفوائت والوقتية، قضى ما يسعه من الفوائت مع الوقتية، وهو الصحيح. ثم المعتبر عند محمد: الوقت المستحب، وعندهما: أصل الوقت. فلو تذكر الظهر وقت العصر، وكان بحيث لو قدم الظهر يقع العصر في الوقت المكروه، يسقط الترتيب عند محمد، ولا يسقط عندهما. وإنما كان ضيق الوقت مسقطاً للترتيب، لأن في اعتبار الترتيب مع ضيق الوقت تفويت الوقتية.
(أوْ نَسِيَ) لأن الوقت إنما يصير للفائتة بالتذكر. والترتيب يسقط بعذر العجز، كما يسقط بعذر النسيان، كفوت ثلاث من ثلاثة أيام كظهر وعصر ومغرب نَسِيَ ترتيبها على الأصح. وفي «الصحيحين» عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ نَسِي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلاَّ ذلك. قال الله تعالى: ﴿وأَقِمِ الصَّلَاةِ لِذِكْرِي﴾ (٢) ». ولمسلم «من نَسِيَ صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصلّيها إذا ذكرها».
стр. 355
أو فَاتَتْ سِتٌّ.
===
وقال الحسن: «من لا يعلم أنَّ الترتيب فرض فهو كالناسي». وبه أخذ كثير من المشايخ. وقال مالك في المشهور عنه: إنه لا يسقط بهما. لإطلاق ما رَوَيْنَا.
(أو فَاتَتْ سِتٌّ) أي ست صلوات من الفروض الخمسة لا الوتر، حديثة كانت أو قديمة، لأن الاشتغال بالفوائت الكثيرة يؤدي إلى تفويت الوقتية ـ كذا قيل ـ وفيه نظر ظاهر. والكثرة تحصل بالدخول في حد التكرار. والدخول في أول حد التكرار يحصل بكون الفوائت ستّاً. فالمعتبر خروج وقت السادسة في ظاهر الرواية.
واعتبر محمد في رواية عنه: دخول وقت السادسة لا فوتها، لأن الكثير من كل شيء جنسه الاستغراقي، وكل الجنس في الصلوات الخمس كالشهر في الصوم، فالزائد عليها في حكم التكرار. وأسقط مالك الترتيب بصيرورة الفوائت خمساً. وهو رواية عن أبي حنيفة. لأن قوله ﵊: «من نام عن صلاة» (١) . شامل للقليل والكثير، ولكن خَصَّصْنَاه بما دون الكثير الذي يتكرر بوظيفة اليوم والليلة تحرّزاً عن المشقة.
وقال زُفَر: لا يسقط الترتيب بكثرة الفوائت إذا كان الوقت يسعها مع الوقتية. وإن كانت الفوائت عشراً، أو أكثر ولو شهراً، لأن مراعاة الترتيب حكم اسْتُفِيدَ بخبر الواحد، وليس في العمل به ترك حكم الكتاب لاتساع الوقت للكل، فجمع بينهما. أمَّا إذا لم يسع الكل، فإن العمل بالخبر حينئذٍ يؤدي إلى ترك العمل بالكتاب، فَيُقَدَّمُ حكم الكتاب على حكم الخبر. وعند ابن أبي لَيْلَى: لا يسقط الترتيب إلى سَنَة. وعند بِشْر بن غِيَاث: لا يسقط في جميع العمر لعدم الفصل في دليل الوجوب.
ثم كما تُسْقِطُ الستُّ الترتيبَ في الأداء تُسْقِطُ في القضاء، لأن الفوائت لَمَّا أسقطت الترتيب في غيرها فلأَنْ تُسْقِطَهُ في نفسها أولى. ومتى سقط الترتيب لا يعود في أصح الروايات، حتى لو ترك صلاة شهر وقضاها إلاَّ صلاة، ثم صلّى الوقتية ذاكراً لها (٢) ، جاز. وهو اختيار شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وقاضيخان، وغيرهم. قال أبو حَفْصٍ الكبير: وعليه الفتوى، لأنَّ الساقط مُتَلَاشٍ، فلا يحتمل العود، كماء قليل نجس ورد عليه ماء جار حتى كَثُرَ، ثم عاد قليلاً، فإنه لا يعود نجساً. واختار الفقيه أبو
стр. 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جَعْفَر: أن الترتيب يعود بعد سقوطه. وقال صاحب «الهداية»: إنه الأظهر.
ويُعْتَبَرُ أن تكون الست من وقت الفوائت سواء كان كلها فوائت أو بعضها (١) . وقيل: يُعْتَبَرُ أن تكون الفوائت، نفسها ستّاً (٢) .
هذا، ويلزم المُرْتَدَّ عَقِيبَ فرضٍ أدّاه: صلاة كان أو حجّاً، وأسلم في الوقت، إعادتُه ثانياً (٣) . وبه قال مالك خلافاً للشافعي لقوله تعالى: ﴿ومَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (٤) عَلَّقَ الإحباط بموته على كفره. ولم يُوجَدْ شرطُ ما يُعَلَّقُ الإحباط به لإسلامه في وقتها، فلا يجب عليه إعادتها. ولنا: قوله تعالى: ﴿ولَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥) وقوله: ﴿ومَنْ يَكْفُرْ بالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٦) علّق الإحباط بنفس الشرك والكفر، وقد وُجِدَ فنزل المشروط.
والجوابِ عن الآية السابقة: أنَّ المراد حبوط عمله في الدنيا والآخرة، وهو لا يكون إلاَّ بموته على الكفر (٧) . وأما صوم المغتاب وصلاة المُرَائِي فلم يبطل ثوابهما من الأصل، ولكن حَصَّلَ من الرياء والغِيبة من الوبال ما ورد، لأنه بالغيبة والسُّمْعَة لا يخرج عن أهْلِيَّة الخطاب. بخلاف الكفر.
ولا يلزم المرتدَّ بعد التوبة قضاءُ ما فاته من صلاة وصيام زمن الرِّدَّة عندنا. وبه
стр. 357
فَصْلٌ في سُجُودِ السَّهْوِ
يَجِبُ بَعْدَ سَلامٍ وَاحِدٍ: سَجْدَتَانِ، وَتَشَهُّدٌ، وسَلامٌ
===
قال مالك خلافاً للشافعي. وأما الكافر الأصلي فلا يلزمه إجماعاً لقوله تعالى: ﴿إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) . ويُعْذَرُ من أسلم في دار الحرب بجهل الشرائع من الأحكام الواجبة: كإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، مدة جهله، خلافاً للشافعي وأحمد وزُفَر. وأمّا في دار الإسلام، فلا يُعْذَرُ بجهله لأنها دار علم وإعْلَام وشيوع أحكام، فلا يُعْذَرُ في ترك تعلّمه إجماعاً. وكذا دلائل وجود الصانع ظاهرة فلا يُعْذَرُ أحد بجهله في عدم معرفته إجمالاً (٢) .
فصلٌ في سُجُودِ السَّهْوِ
(يَجِبُ بَعْدَ سَلَامٍ وَاحِدٍ سَجْدَتَانِ وَتَشَهُّدٌ وسَلَامٌ) أمَّا كون سجود السهو واجباً فلأنه (شُرِع) (٣) لجبر نقصان في عبادة، فصار كالدماء في الحج، وهو اختيار الكَرْخِيّ. قال القُدُوري: وهو الصحيح. ولهذا يَرْفَعُ التشهدَ والسلام (٤) . وقال بعضهم: ـ قيل: وهم عامة أصحابنا ـ هو سنّة. وأخذوا ذلك من قول محمد: إنَّ العَوْدَ إلى سجود السهو لا يرفع التشهد ـ يعني القعْدَة ـ ولو كان واجباً، لرفعها كما ترفعها السجدة الصُّلْبِيَّة وسجدة التلاوة. وأُجِيبَ بأنّ الشيء لا يَرْتَفِعُ بما هو دونه والقعْدَة الأخيرة ركن، فلا تُرْفَع بسجدة السهو التي هي غير ركن، بخلاف السجدة الصلبية فإنها ركن، وبخلاف سجدة التلاوة فإنها أثر القراءة وهي ركن فتعطى حكمها.
وأمّا كون سجدة السهو بعد السلام، فَلِمَا في الكتب الستة عن عبد الله بن مسعود قال: «صلى بنا النبيّ ﷺ الظهر خمساً فقيل له: أَزِيدَ في الصلاة؟ فقال: «وما ذاك؟ قيل: صلّيت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سَلَّم». وما أخرجوه إلاَّ الترمذي عن منصور بن المُعْتَمِر، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة قال: قال عبد الله بن مسعود: صلَّى النبيّ ﷺ قال إبراهيم: فلا أدري زاد أو نقص، فلما سلم قيل: يا رسول الله أَحَدَث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صلّيت كذا وكذا، قال: فثَنَى رجليه، واستقبل
стр. 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنَبَّأْتكم به، ولكنِّي إنما أنا بشر أنسى كما تَنْسَون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين». انتهى بلفظ أبي داود والبخاري.
ولفظ مسلم: «فليُتِمّ عليه، ثم يسجد سجدتين» (بلا ذكر السلام. ولفظ ابن ماجه: «ويُسَلِّم ويسجد سجدتين» بالواو (١) ، وفي لفظ لأبي داود: «من شك في صلاته فليسجد سجدتين) (٢) بعد السلام» ولم يذكر النَّسائي: «فإذا شك أحدكم» إلى آخره.
فهذا تشريع عام قولي له بعد السلام عن سهو الشك والتَّحَرِّي، كحديث ثَوْبَان: أنه ﵊ قال: «لكل سهو سجدتان بعد السلام». رواه أبو داود، وابن ماجه عن إسماعيل بن عَيَّاش. قال أبو زُرْعَة: لم يكن بالشام بعد الأَوْزَاعِي، وسعيد بن عبد العزيز، أحفظ من إسماعيل بن عَيَّاش. وكحديث عبد الله بن جَعْفَر: «أن رسول الله ﷺ قال: من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعدما يسلم» رواه أبو داود، والنَّسائي، وأحمد في «مسنده»، والبيهقي وقال: هذا إسناد لا بأس به.
وما أخرجه البخاري، ومسلم، والطَّحَاوِي من طُرُق عن أبي هريرة قال: «صلّى لنا رسول الله ﷺ العصر فسلّم في ركعتين، فقام ذو اليَدَيْنِ فقال: أَقَصُرَتِ الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ إلى أن قال فأَتَمَّ رسول الله ﷺ ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم». وفي رواية: «فتقدم فصلّى ما ترك، ثم سلّم، ثم كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكَبَّر، ثم كبّر وسجد مثل سجوده، ثم رفع رأسه وكَبَّر».
وقد عمل به من الصحابة: عليّ، وسعد بن أبي وَقَّاص، وعبد الله بن مسعود، وعَمَّار بن ياسر، وابن عباس، وابن الزُّبَيْر ﵃، ومن التابعين: الحسن، وإبراهيم النَّخَعِيّ، وابن أبي لَيْلَى، والثَّوْرِي ﵏ وأهل الكوفة، ذكره الحَازِمي في كتابه «الناسخ والمنسوخ».
وزاد الطَّحَاوي عن عمر بن الخطاب ﵁، وأنس بن مالك، وعمر بن عبد العزيز. وقال مالك: سجود السهو في النقصان قبل السلام، وفي الزيادة بعد
стр. 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
السلام. وقال أحمد: السجود كله قبل السلام إلا في نقص ركعة تامة أو ركعتين.
وقال الشافعي: السجود كله قبل السلام لِمَا في الكتب الستة والطَّحَاوِي عن عبد الله بن بُحَيْنَة واللفظ للبخاري: «أن النبيّ ﷺ صلَّى الظهر، فقام في الركعتين الأُولَيَيْنِ ولم يَجْلِس، وقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه، كَبَّر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلَّم». وفي طريق الطَّحَاوي: «فلما قضى صلاته سجد سجدتين، كبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجد الناس معه، مكان ما نسي من الجلوس».
وفي «الهداية»: الخلاف إنما هو في الأَوْلَوِية. قلت: وهو ظاهر الرواية. وقيل: الخلاف في الوجوب، وهو رواية «النوادر». وفي «المحيط»: لو سجد للسهو قبل السلام لا يعيده، لأنه لو أعاده يتكرر، وهو خلاف الإجماع. ورُوِيَ عن أصحابنا أنه يعيده، لأنه أتى به في غير محله، كما لو سجد قبل القَعْدَة. وأُجيبَ؛ بأنَّ السجود قبل السلام مجتَهَدٌ فيه بخلاف السجود قبل القعْدَة.
وأمَّا كون السلام واحداً فاختيار فخر الإسلام، وقول محمد. وفي «المحيط»: إنه الأَصْوَب، لأن السلام الأول للتحليل، والثاني للتحية. وهذا السلام للتحليل لا للتحية، فكان ضَمُّ الثاني إليه عَبَثاً. وقيل: يسلم تلقاء الوجه، وعليه الجمهور، وإليه أشار في «الأصل». ولأن الحاجة إليه ليفصل بين الأصل والزيادة الملحقة، وهذا يحصل بتسليمة واحدة. وفي «الهداية»: الأصح أنه يسلم تسليمتين، وهو اختيار شمس الأئمة، وصدر الإسلام الشهيد، وقول أبي يوسف، ومحمد، حَمْلاً للسلام المذكور في الحديث على المعهود في الصلاة، وهو تسليمتان.
وأمّا التشهّد والسلام بعد السجود، فَلِمَا أخرج أبو داود والنَّسائي عن أبي عُبَيْدَة، عن أبيه عبد الله بن مسعود: أنَّ النبيّ ﷺ قال: «إذا كنت في الصلاة فشككت في ثلاث أو أربع، وأكبر ظنّك على أربعٍ تَشَهَّدت، ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلّم، ثم تَشَهَّدتَ أيضاً، ثم تُسَلِّم». واختار الكَرْخِي، وفخر الإسلام أن يأتي بالصلاة على النبي ﷺ وبالدعاء في التشهد الذي بعد سجود السهو، لأن موضعهما آخر الصلاة، وهي لا تنتهي إلاَّ بعد سجود السهو. وفي «الهداية»: إنه الصحيح.
وقال الطحاوي: يأتي بهما في الذي قبله، والذي بعده وهو الأحوط، لأن كلاً
стр. 360
لَوْ قَدَّمَ رُكْنًا، أَوْ أَخَّرَ، أوْ كَرَّرَ، أوْ غَيَّرَ وَاجِبًا، أوْ تَرَكَهُ سَاهِيًا: كَرُكُوعٍ قَبْلَ القرَاءَةِ، وتَأْخِيرِ الثَّالِثَةِ بزِيَادَةٍ على التَّشَهُّدِ والرُّكُوعَيْنَ، والجَهْرِ فِيمَا يُخَافَتُ، وتَرْكِ القُعُودِ الأَوَّلِ، ويؤُولُ الكُلُّ إلى تَرْكِ الوَاجِبِ.
===
منهما في آخر الصلاة. وقيل: يأتي بهما عند محمد في الذي بعده، وعندهما في الذي قبله. لأن سَلام من عليه السهو يُخْرِجُه من الصلاة عندهما، ولا يخرجه عند محمد. وفي «الظَهِيريَّة»: والسهو بعد الجمعة والعيدين والمكتوبة واحد. ومن المشايخ من قال: لا يسجد للسهو في العيدين والجمعة لئلا يقع الناس في فتنة.
(فَصْلٌ في مُوجِبَاتِ سُجُودِ السَّهْوِ)
(لَوْ قَدَّمَ رُكْناً) عن محله (أَوْ أَخَّرَ) رُكْناً عن محله (أوْ كَرَّرَ) رُكْناً (أوْ غَيَّرَ وَاجِباً أوْ تَرَكَهُ) أي الواجب ولو مراراً (سَاهِياً) هذا القيد راجع إلى كل واحد مما تقدَّم (كَرُكُوعٍ قَبْلَ القِرَاءَةِ) مثال لتقديم الركن على محله (وتَأْخِير) القَوْمة (الثَّالِثَةِ بزِيَادَةٍ على التَّشَهُّدِ) الأول بأن كَرَّرَه أو صلَّى فيه على النبيّ ﷺ بأن قال: اللهم صلَ على محمد. وقيل: لا، حتى يزيد وعلى آل محمد. وقيل: ولو بحرف من الصلاة عليه، والأول أصح. وهذا مثال لتأخير الركن عن محله. وكذا لو أخَّرَ سجدة صُلْبِيَّة، فتذكرها وهو في الركعة الثانية، فسجدها. (والرُّكُوعَيْنِ) مثال لتكرير الركن، وكذا لو زاد سجدة (والجَهْرِ فِيمَا يُخَافَتُ) وكذا المخافتة فيما يُجْهَرُ قدر ما يجوز به الصلاة هو الصحيح. وفي ظاهر الرواية: وإن قَلَّ ما جهر به أو أَسَرَّ. مثال لتغيير الواجب، وهذا بالنسبة إلى الإمام (وتَرْكِ القُعُودِ الأَوَّلِ) مثال لترك الواجب.
(ويَؤُلُ الكُلُّ) أي يرجع ما ذُكِرَ من تقديم الركن أو تأخيره، وتكريره، وتغيير الواجب، وتركه (إلى تَرْكِ الوَاجِبِ) لأن كل واحد من هذه المذكورات مشتمل عليه. ولو ترك ثلاث تكبيرات من أثنائها لم يجب عليه السهو، وأوجبه مالك. لأنه ذِكْرٌ مقصود، والثلاث جمع صحيح فأشبه ترك الفاتحة في الركعة والقنوت عندنا.
قلنا: إنه سنّة، والمقصود منه الإعلام بالانتقال من ركن إلى ركن، فلم يجب بالسهو عنه سجود، إذ وجوبه بترك الواجب. ولو شك في تكبيرة الافتتاح فأعادها مع الثناء، ثم تذكر أنه كان كَبَّر أو شك في ركوعه أو سجوده، فَتَفَكَّر فيه أو في غيره، وطال تفكّره بحيث أشغله عن أداء ركن من الصلاة، يسجد استحساناً. وفي القياس هو كالقصر في عدم لزوم السهو لعدم تمكّن النقص فيها حين تذكر أنه أدّاها (على وجهها.
стр. 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومجرد التفكّر لا يُوجِبُ السهو، كما لو شك في صلاة قبل هذه ثم تذكر أنه أداها) (١) فإنه لا سهو عليه، وإن طال تفكّره. ووجه الاستحسان أنه إذا طال يتمكن فيها النقص بتأخير الركن عن محله. ولو شك الإمام أنه صلى ركعة أو شفعاً فلَحَظَ مَنْ خلفه، ليفعل مثله من قيام أو قعود لا بأس به، لاندفاع وهمه به، ولا سهو عليه لعدم موجبه.
وفي «المحيط»: ولو قعد فيما يُقَام، أو قام فيما يُقْعَدُ، أو قدَّم السورة في الأُولَيَيْنِ على الفاتحة، أو تركها في الأُولَيَيْنِ، أو في إحداهما، أو أخَّرَ القراءة عن الأُولَيَيْنِ، أو ترك القنوت، أو قراءة التشهّد، أو تكبيرات العيدين، أو زاد سجدة أو ركوعاً، أو ترك تعديل الأركان، أو القومة التي بين الركوع والسجود، أو سَلَّمَ ساهياً، ولم يَسْتَتِمّ ـ أي صلاته ـ لزمه سجدتا السهو، لأنه غَيَّر واجباً، أو تركه، أو بَدَّل فرضاً. ولو قرأ الحمد لله في الأُولَيَيْنِ مرتين أو قرأ أكثرها، ثم عاد فيها ساهياً، يسجد لأنَّه أخَّر السورة عن موضعها، أي فيكون تغيير واجب. ولو قرأ الحمد لله في الأُخْرَيَيْنِ مرتين، لا يسجد.
ولو قرأ الحمد لله في الأُولَيَيْن، ثم السورة، ثم الحمد لله، لا يسجد. وصار كأنه قرأ سورة طويلة. ولو قرأ بعض السورة، ثم تذكَّر أنه لم يقرأ الفاتحة، يقرأ الفاتحة، ثم السورة، ويسجد. ولو قرأ بعض الفاتحة وترك أكثرها، سجد. وإن ترك أقلها، لا يسجد. ولو قرأ في الأُخْرَيَيْنِ الفاتحة والسورة، لا يسجد، وهو الأصح. لأن قراءة الفاتحة وحدها في الأُخْرَيَيْن سنة. ولو ترك بعض التشهد، يسجد. ولو نَسِيَ التشهد الأخير، ثم ذكره قبل السلام فقرأه، فعن أبي يوسف روايتان. ولو قرأ في ركوعه أو سجوده، يسجد. لأنهما ليسا محل القراءة، وقد زاد فيهما شيئاً من جنس الصلاة، والواجب أن لا يُزَادَ فيها شيء ولا يُنْقَص. ولو قرأ في تشهّده، إن بدأ بالقراءة، يسجد، وإن بدأ بالتشهد، لا يسجد.
وذكر أبو الليْث في «العيون»: أنه لو تشهّد في ركوعه أو سجوده أو قيامه، لا يسجد. وذكر النَّاطِفي في «أجناسه» عن محمد: أنه لو تشهّد في قيامه قبل قراءة الفاتحة، لا يسجد، لأنه بمنزلة الثناء. وبعدها، يسجد. وهو الأصح. ولو تشهّد ـ أي في القِعْدة ـ (الأخيرة) (٢) مرتين، لا يسجد، لأنه قرأه في محله، كما لو قرأ الفاتحة في الأُخْرَيَيْنِ مرتين. ثم ليس القعود بعد سجود السهو فرضاً، حتى لو قام بعده
стр. 362
ولا يَجِبُ السُّجُودُ بِسَهْوِ المُؤْتَمِّ، بَلْ يَجِبُ بِسَهْوِ إِمَامِهِ إِنْ سَجَدَ. والمَسْبُوقُ يَسْجُدُ مع إمَامِهِ ثُمَّ يقْضِي. وإنْ لَمْ يَقْعُدْ أوَّلًا، وَهُوَ إليه أقْرَبُ قَعَدَ وتَشَهَّدَ ولا سهْوَ عَلَيهِ،
===
لم يُفْسِد صلاته، لأنه لم يَرِدْ فيما روينا آنفاً إعادة قعود ولا تشهد. وإنما ورد في رواية عِمْرَان بن الحُصَيْن فقط إعادة السلام. نعم روى الدَّيْلَمِيّ في «مسند الفِرْدَوْسِ» عن ابن مسعود وأبي هريرة مرفوعاً: «سجدتا السهو بعد التسليم»، وفيها تشهد وسلام.
(ولا يَجِبُ السُّجُودُ بِسَهْوِ المُؤْتَمِّ) لأنه إن سجد وحده خالف الإمام، وإن سجد معه إمامه صار الأصل تبعاً. ولو سلم المسبوق سهواً: إن كان مقارناً بسلام الإمام، فلا سجود عليه لأنه حينئذٍ مقتد، وإن كان بعد سلامه، فعليه السجود لأنه منفرد فيما يقضي بخلاف اللاحق، فإنه مقتد فيما يقضي فلا يسجد لسهوه فيه.
(بَلْ يَجِبُ) السجود على المُؤْتَمِّ (بِسَهْوِ إِمَامِهِ إِنْ سَجَدَ) إمامه لأنه تَبَعٌ لإمامه، سواء كان السهو حالة الاقتداء أو قبلها، حتى لو اقتدى به بعدما سجد واحدة من سجدتي السهو، يُتَابِعُه في الأخرى، ولا يقضي الأُولى.
(والمَسْبُوقُ يَسْجُدُ مع إمَامِهِ) تَبَعَاً له ولا يُسَلِّمُ (ثُمَّ يَقْضِي) ما فاته. وسبب أن المسبوق يقضي بعد فراغ الإمام ما روى أحمد عن مُعَاذ بن جَبَلٍ قال: «كانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم ببعضها النبيّ ﷺ فكان الرجل يشير إلى الرجل إذا جاء كم صلّى؟ فيقول ـ أي يشير ـ واحدة أو اثنتين، فيصليها ثم يدخل مع القوم في صلاتهم. قال: فجاء مُعَاذ فقال: لا أجده على حال أبداً إلاَّ كنت عليها، ثم قَضَيْتُ ما سبقني. قال: فجاء وقد سبقه ﷺ ببعضها فثبت معه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، قام فقضى فقال رسول الله ﷺ إنه قد سَنَّ لكم مُعَاذ، فهكذا فاصنعوا». وفي «المحيط»: وإن لم يسجد المسبوق مع الإمام للسهو، وجب عليه السجود آخر صلاته استحساناً.
(وإنْ لَمْ يَقْعُدْ) الإمام والمنفرد (أوَّلاً وَهُوَ إليه) أي إلى القعود (أقْرَبُ) بأن لم يرفع ركبتيه عن الأرض، وقيل: بأن لم ينصِب النصف الأول. (قَعَدَ وتَشَهَّدَ) لأن ما قَرُبَ من الشيء له حُكْمَه. وهذا رواية عن أبي يوسف، واستحسنها مشايخ بُخَارَى. وفي «قاضيخان» في رواية: إذا قام على ركبتيه لينهض يقعد وعليه السهو، يستوي فيه القعدَة الأولَى والثانية، وعليه الاعتماد. وفي «شرح الكَنْز»: والأصح أنه يقعد ما لم يَسْتَتِمَّ قائماً. قلت: وهو ظاهر الرواية، ويؤيده الحديث الآتي.
(ولا سَهْوَ عَلَيْهِ) أي في القعود قبل أن يستوي قائماً في الأصح لقوله ﵊: «إذا اسْتَتَمَّ أحدكم قائماً فليصل وليسجد سجدتي السهو، وإن لم
стр. 363
وإلَّا قَامَ وسَجَدَ لِلْسَّهْوِ. وإنْ لَمْ يَقْعُدْ أَخِيرًا قَعَدَ مَا لَمْ يَسْجُدْ، وسَجَدَ لِلْسَّهْوِ، وإنْ سَجَدَ تَحَوّلَ فَرْضُهُ نَفْلًا، وضَمَّ سَادِسةً إنْ شَاءَ.
وإنْ قَعَدَ الأَخِيرَةَ ثُمَّ قَامَ سَهْوًا عَادَ مَا لَمْ يَسْجُدْ وسَلَّمَ، وإنْ سَجَدَ تَمَّ
===
يَسْتَتِم قائماً، فليجلس ولا سهو عليه». رواه الطحاوي وهو اختيار محمد بن الفضل، ولأنه لَمَّا عاد إلى القعود عن قُرب فكأنه لم يقم. وقيل: عليه السهو، لأنه أخَّر واجباً ـ وهو التشهد ـ عن وقته. والجواب ما رويناه.
(وإلاَّ) أي وإن لم يكن إلى القعود أقرب (قَامَ) لأنه قائم معنى فكان كالقائم حقيقة، ولو عاد فسدت صلاته على الصحيح، لأنه رفض فرضاً بعد الشروع فيه لِمَا ليس بفرض.
(وسَجَدَ لِلْسَّهْوِ) لتركه القعود الأول لصريح قوله ﷺ «إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً يجلس، وإن استوى قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو». رواه أبو داود. وأما ما رُوِيَ: من أنه ﵊ قام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد، فسبَّحُوا به فعاد، كان قبل أن يستتم قائماً. وما رُوِيَ: أنه لم يَعُد ولكن سَبَّح بهم فقاموا كان بعد أن استتم قائماً.
(وإنْ لَمْ يَقْعُدْ) الإمام أو المنفرد (أَخِيراً) وقام لركعة أخرى (قَعَدَ) لإصلاح صلاته (مَا لَمْ يَسْجُدْ) لأنه بالسجود يتأكد خروجه عن صلاة الفرض (وسَجَدَ لِلْسَّهْوِ) لأنه أخَّرَ فرضاً وهو القعود عن محله (وإنْ سَجَدَ) سجدة تامة بأن وضع جبهته على الأرض عند أبي يوسف، وبأن رفعها عن الأرض عند محمد. وفي «المُحِيط»: هو المختار، ـ وتظهر ثمرة الخلاف فيما لو سبقه حدث في هذه السجدة، فإنه يبني عند محمد لا عنده (تَحَوّلَ فَرْضُهُ نَفْلاً) عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبطلت صلاته بالكلية عند محمد، بناء على أن صفة الفرضية إذا بطلت لا تبطل التحريمة وهو قولهما، أو تبطل وهو قول محمد، وعلى أنَّ تركَ القعود على رأس الركعتين لا يُبْطِل التحريمة عندهما، ويُبْطِل عند محمد.
(وضَمَّ سَادِسَةً إنْ شَاءَ) لأنه نفل لم يشرع فيه قصداً فلا يجب إتمامه، ونُدِبَ الضم ليصير نفله ستاً، ولا سجود عليه في الأصح، لأن النقصان لفساد الفرضية لا يُجْبَرُ بالسجود (وإنْ قَعَدَ) الإمام أو المنفرد القَعْدَة (الأَخِيرَةَ ثُمَّ قَامَ سَهْواً) يظنها القَعْدَة الأُولى (عَادَ مَا لَمْ يَسْجُدْ وسَلَّمَ) لأن السلام، حالة القيام غير مشروع (وإنْ سَجَدَ تَمَّ
стр. 364
فَرْضُهُ وضَمَّ سَادِسَةً وسَجَدَ لِلْسَّهْوِ، والرَّكْعَتَانِ نَفْلٌ لا تَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهرِ. وَمَنْ اقْتَدَى بِهِ فِيهِمَا صَلَّاهُمَا،
===
فَرْضُهُ) لأنه لَمْ يَبْقَ إلا السلام وترْكه لا يُفْسِدُ الصلاة لأنه ليس بفرض.
(وضَمَّ سَادِسَةً) أي نَدْباً إن كان الفرض رُبَاعياً لتصير الركعتان نفلاً لِمَا روى ابن عبد البرّ في «التَمْهِيد» من حديث أبي سعيد: «أن النبيّ ﷺ نهى عن البُتَيْراء». وهي أن يصلي الرجل واحدة يُوتِرُ بها. وقيل: لا يضم في العصر سادسة للنهي عن التنفّل بعدها. وأُجِيبَ بأن النهي عن التنفّل بعد العصر إنما هو عن التنفّل المقصود. ثم لو قطعها ولم يضم سادسة لا شيء عليه، لأن الشروع في الصلاة على ظنّ أنها عليه ليس بملزم عندنا. فإن قيل: لِمَ قال في المسألة السابقة: وضَمَّ سادسة إن شاء، وفي هذه المسألة لم يقل: إن شاء، مع أن الركعتين في كل من المسألتين نفل إذا قُطِعَ لا يُقْضَى؟ أجيب: بأنَّ ضم السادسة في هذه آكَدُ منه في تلك، لأن الفرض في هذه لم يَبْطُل، وجُبِرَ نقصانه بالسجود بعد الركعتين، فلو قطعهما يلزم ترك السجود الجابر إنْ لَمْ يَعُدْ له، وأداؤه على غير الوجه المسنون إن أعاده، بخلاف تلك المسألة، فإنه لا جَبْر فيها لنقص الفرض لبطلانه بالكلية، كذا في «شرح الوِقَايَة».
وفي «الخَانِية»: لو قام الإمام بعد الأخيرة إلى الخامسة ساهياً، لا يتابعه المأموم، بل يمكث جالساً، فإن عاد الإمام سَلَّمَ معه، وإنْ سجد سلم وحده ولا ينتظره.
(وسَجَدَ لِلْسَّهْوِ) اسْتحساناً. والقياس أن لا يسجد لأنه صار إلى صلاة غير التي سَهَى فيها. ومن سهى في صلاة لا يسجد في غيرها، ووجه الاستحسان أنه جَبْرٌ لنقصان النفل بالدخول فيه على غير الوجه المسنون عند أبي يوسف، إذ الواجب أن يشرع في النفل بتحريمة مبتدأة له، ولم يوجد. ولنقصان الفرض بترك السلام منه عند محمد. وقال أبو منصور المَاتُرِيدِي: الأصح أنْ يجعل السجود جبراً للنقص المتمكن في الإحرام، فَيُجْبَرُ به نقص الفرض والنفل جميعاً.
(والرَّكْعَتَانِ نَفْلٌ) محض (لا تَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهرِ) لأن النبيّ ﷺ لم يصلّها إلاَّ بتحريمة مبتدأة. وعن محمد: أنهما ينوبان عنها (وَمَنْ اقْتَدَى بِهِ فِيهِمَا) أي في الركعتين (صَلاَّهُمَا) فقط عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يصلِّي ستّاً لأنه المؤدّى بهذه التحريمة. ولهما: أن الإمام لَمَّا استحكم خروجه عن الفرض، صار كأنه دخل فيهما بتحريمة أخرى.
стр. 365
وإنْ أفْسَدَ قَضَاهُمَا. وإنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ لا يَبْنِي وإنْ بَنَى صَحَّ، فإنْ سَلَّمَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ، فَهُوَ في الصلاة، إنْ سَجَدَ وإِلَّا لا.
[فصلٌ في الشَّك في الصَّلاةِ]
شَكَّ أوَّلَ مَرَّةٍ أنَّهُ كَمْ صلَّى؟
===
(وإنْ أفْسَدَ) الركعتين من اقتدى به فيهما (قَضَاهُمَا) عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وقال محمد: لا قضاء عليه، كما لو أفسدهما الإمام. ولهما: أنَّ سبب سقوط قضائهما، الشروع فيهما على ظن أنهما عليه، وهذا موجود في الإمام دون المُقْتَدِي.
(وإنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ) في شفع النفل (لا يَبْنِي) شفعاً آخر عليه، لأنه إن أعاد السجود آخر الصلاة فقد بطل ما فعله في وسطها، وإنْ لم يعده فقد أتى به في غير محله. (وإنْ بَنَى صَحَّ) لبقاء التحريمة، وأعاد السجود لأنه في وسط الصلاة غير مُعْتَدَ به. وقيل: لا يعيد لحصول جبر النقصان به.
(فإنْ سَلَّمَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ، فَهُوَ في الصلاة إنْ سَجَدَ) ولا يخرج من الصلاة بسلامه (وإِلاَّ لا) أي وإن لم يسجد فليس هو في الصلاة بل خرج عنها بسلامه، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن سلامه عندهما أخرجه عن الصلاة خروجاً موقوفاً. ولا يخرجه عند محمد وزُفَر، فهو في الصلاة سواء سجد أو لم يسجد، لأنه لمَّا وجب عليه السجود لجبر الصلاة، فلا بد من اعتبار إحرامها باقياً. ولهما أنَّ السلام مُحَلِّلٌ، والحاجة إلى أداء السجود مانعة عن التحليل، فإذا لم يكن السجود، عَمِلَ السلامُ عملَه.
وثمرة الخلاف تظهر في الاقتداء بمن سلَّم وعليه سجود سهو قبل أن يعود، فعندهما: إن عاد، صح الاقتداء. وعنده: يصح الاقتداء ولو لم يعد. وفي انتقاض طهارته بالقهقهة، فعندهما: إن عاد ينتقض، وإن لم يَعُد لم ينتقض. وعنده: ينتقض إن عاد أو لم يعد. وفي تغيُّر فرض المسافر بنية الإقامة، فعندهما: إن عاد يتغير، وإن لم يعد لم يتغير. وعنده: يتغير عاد أو لم يعد.
(فصلٌ في الشك في الصلاة)
(شَكَّ أوَّلَ مَرَّةٍ أنَّهُ كَمْ صلَّى؟) قال صاحب «الأجْنَاس»: معناه أول ما سهى في عمره. قال شمس الأئمة: معناه أن السهو ليس بعادة له. وقال فخر الإسلام: معناه أول
стр. 366
اسْتَأْنَفَ، وإنْ كَثُرَ أَخَذَ بِغَالِبِ ظَنِّهِ، وإنْ لَمْ يَغْلِبْ فَبِالأَقَلِّ،
===
ما عَرَضَ له في (تلك) (١) الصلاة (اسْتَأْنَفَ) لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة، عن ابن عمر أنه قال في الذي لا يدري صلّى ثلاثاً أو أربعاً: «يعيد حتى يحفظ». وفي لفظ آخر قال: «أمَّا أنا فإذا لم أدْرِ كمْ صلّيت؟ فإني أُعِيدُ». وروى نحوه عن سعيد بن جُبَيْر، وابن الحَنَفِيَّة، وشُرَيْح. وروى عامر الشَّعْبِيّ، عن ابن عباس أنه قال: «إذا شك الرجل في الصلاة استقبل الصلاة». وروى خَواهِر زَادَهْ وغيره في «المَبْسُوط»: أنه ﷺ قال: «إذا شَكَّ أحدكم في صلاته، أنه كم صلّى؟ فليستقبل الصلاة». واستغربه الزَّيْلَعِيُّ المُخَرِّج (٢) ، وقد تبعهم صاحب «الهداية».
(وإنْ كَثُرَ) شكّه (أَخَذَ بِغَالِبِ ظَنِّهِ) وعَمِلَ به، لِمَا في «الصحيحين»، عن ابن مسعود: أن النبيّ ﷺ قال: «إذا شكَّ أحدكم فليتحر الصواب، وليتم عليه ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين»، ولأنه يتحرَّج بالإعادة في كل مرة، فيعمل بغالب ظنّه دفعاً للحرج.
(وإنْ لَمْ يَغْلِبْ) على ظنّه شيء (فَبِالأَقَلِّ) عمل وأَخَذ، لِمَا روى (ابن ماجه و) (٣) الترمذي وقال: حسن صحيح. عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «إذا سهى أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلّى أو ثنتين، فَلْيَبْنِ على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن على ثنتين، فإذا لم يدر ثلاثاً صلّى أو أربعاً فليبن على ثلاث، ويسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّم».
ولفظ ابن ماجه: «إذا سهى أحدكم في صلاته فلم يَدْرِ واحدةً صلّى أو ثنتين؟ فليجعلها واحدة، وإذا شك في ثنتين والثلاث فليجعلها ثنتين، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثاً، ثم ليتم ما بَقِيَ من صلاته حتى يكون الوَهْم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» (٤) . وكذا رواه الحاكم في «المستدرك»، ولفظه: «فلم يدر أثلاثاً صلّى أو أربعاً؟ فليُتِمَّ فإن الزيادة خير من النقصان». ولفظ أبي داود:
стр. 367
لَكِنْ يَقْعُدُ حَيْثُ تَوَهَّمَهُ آخِرَ صَلاتهِ.
فَصْلٌ في سُجُودِ التِّلاوَةِ
تَجِبُ سَجْدَةٌ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ
===
«إذا شك أحدكم في صلاته فليُلقِ الشك وَلَيَبْنِ على اليقين». ولأن في الإعادة حرجاً. وقد انعدم الترجيح، فتعين الأخذ بالأقل.
(لَكِنْ يَقْعُدُ حَيْثُ تَوَهَّمَهُ آخِرَ صَلَاتِهِ) لئلا تبطل صلاته بترك القعْدَة الأخيرة. توضيحه: أَنَّ القعْدة الأخيرة فرض، والاشتغال بالنفل قبل إكمال الفرض مفسد للصلاة. ولو تَوَهَّمَ المصلي أنه أتمَّ صلاته فسلَّم بناء على توهّمه، ثم عَلِمَ أنه صلّى ركعتين فقط، أتمّها في مكانه، وسجد للسهو لحديث ذي اليَدَيْنِ (١) . ولأنَّ سلامه كان سهواً، فلم يخرج به من صلاته لكونه بمعنى الدعاء بخلاف ما لو ظنَّ أنه مسافر، أو أنه يصلي الجُمُعَة، أو كان في العشاء فظنَّ أنها التراويح، فسلَّم على رأس الركعتين فإنه تَفْسُد صلاته، لأنه عالم بالقدر الذي أدى، فسلامه (سلام عمد، فقطع صلاتَه.
فأمَّا إذا كان عنده أنَّ هذه القعْدَة هي الأخيرة، فسلامه سلام) (٢) سهو، فلم تفسد صلاته. ولو شك أنه صلّى أو لا، فإن كان في وقت الصلاة فالظاهر أنه لم يصلها. وإنْ كان بعده فالظاهر أنه صلاّها. ولو شك أنه ركع في صلاته أو لا، فإن كان في الصلاة يأتي به، وإن لم يكن فيها فالظاهر أنه فعله.
فصلٌ في سُجُودِ التِّلَاوَةِ
(تَجِبُ سَجْدَةٌ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ) واحدة عند الوضع وأخرى عند الرفع. وبه قال ابن مسعود، وإبراهيم، والحسن، وأبو قِلَابَة، وابن سِيرينَ، وغيرهم. وهما سنتان كما في الصلاة. وقيل: إنهما ركنان.
وقال مالك والشافعي وأحمد: تُسَنُّ سجدة التلاوة لِمَا في «الصحيحين» عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبيّ ﷺ النَّجْم فلم يسجد. ولنا قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وإذا قُرِاءَ عَلَيْهِم القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (٣) . وما روى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان
стр. 368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يبكي يقول: يا وَيْلَه أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبيت، فلي النار».
والأصل أن الحكيم إذا حَكَىَ عن غير الحكيم (كلاماً) (١) ولم يُعَقِّبْهُ بالإنكار، دلَّ على أنه صواب (٢) . ففيه دليل على أن ابن آدم مأمور بالسجدة، والأمر للوجوب، مع أَنْ آي السجدة تفيده أيضاً، فإنها ثلاثة أقسام: قسم فيه الأمر الصريح، وقسم يتضمن حكاية استنكاف الكفرة حيث أُمروا به، وقسم فيه حكاية فِعْل الأنبياء بالسجود، وكلٌّ من الامتثال والاقتداء ومخالفة الكفرة واجب، إلا أن يدل دليل في معين على عدم لزومه. لكن دلالتها فيه ظنّية، فكان الثابت الوجوب لا الفرض.
أما عدم سجوده ﵊ حالة قراءة زيد، فلا يدل على عدم الوجوب لأن وجوبها ليس على الفَوْر، أو لعل قراءة زيد كانت في وقت كراهة الصلاة، فإنَّ الأفضل تأخيرها ليؤديها في الوقت المستحب لأنها لا تفوت بالتأخير، أو على غير وضوء، أو ليبين أنه غير واجب على الفور. وهذا الأخير مَحْمِل ما رُوِيَ في «الموطأ» عن هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجدنا معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال: على رِسْلِكُم، علّمني رسولكم ﷺ أن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا».
(وأمَّا ما ذكره صاحب «الهداية» من قوله ﵊: «السجدة) (٣) على من سمعها، والسجدة على من تلاها»، فغير معروف رفعه. وإنما وقفه جماعة على عليّ، وابن عباس، وقد روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن ابن عمر أنه قال: «السجدة على من سمعها». ورُوِيَ عن إبراهيم، ونافع، وابن جُبَيْر أنهم قالوا: «مَنْ سمع السجدة فعليه أن يسجد».
وأمَّا دليل سنية التكبير فما روى أبو داود، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مَرَّ بالسجدة كَبَّر وسجد وسجدنا معه». وقيل: يكبر في الابتداء بلا خلاف، وفي الانتهاء يُكَبِّر على قول محمد، ولا يُكَبِّرُ على قول أبي
стр. 369
بِشُرُوطِ الصَّلاةِ، بِلا رَفْعِ يَدٍ وَتَشَهُّد وسَلامٍ. وفِيهَا سُبْحَةُ السُّجُودِ،
===
يوسف. ذكره في «الذَّخِيرَة». وعن أبي حنيفة ـ وهو رواية عن أبي يوسف ـ لا يُكَبِّرُ عند الانحطاط لأن التكبير للانتقال من ركن إلى ركن، ولم يوجد. وعنه (١) : يكبر عنده (٢) لا في الانتهاء. ويؤيده الحديث الذي تقدَّم. والله تعالى أعلم.
(بِشُرُوطِ الصَّلاةِ) سوى التحريمة اعتباراً بسجدة الصلاة خلافاً لابن عمر في الوضوء. قال البخاري: وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء، ولعلّ وجهَهُ آية الوضوء حيث قال الله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ﴾ (٣) . والسجدة المنفردة لا تسمى صلاة. ثم يفسدها ما يفسد الصلاة من الحدث والكلام، والقهقهة، ويلزم إعادتها. وقيل: هذا قول محمد. ولا تفسد عند أبي يوسف بناء على اختلافهما في أن السجدة تتم بالوضع أو الرفع (٤) .
(بِلَا رَفْعِ يَدٍ) لأن هذا التكبير لمجرد الانحطاط لا للتحريم، فلا يرفع اليدان فيه كسجدة الصلاة. ولأن التحريم شُرِعَ لجمع الإجزاء المختلفة.
(وَ) بلَا (تَشَهُّد) لعدم وروده. ولأن التشهد لم يُشْرَع إلا لذات الركوع والسجود، ولهذا لم يُشْرَع في صلاة الجنازة. (و) بلا (سَلَامٍ) وهو قول مالك. لأن السلام لا يكون إلا عن تحريمة، وهي ليست بموجودة ههنا. وروى ابن أبي شَيْبَة عن الحسن، وعطاء، وإبراهيم النَّخَعِي، وسعيد بن جُبَيْر: «أنهم كانوا لا يُسَلِّمون في السجدة». وإنما نفى المصنف هذه الأشياء لأن عند الشافعي: إذا لم يكن في الصلاة رفع اليد مستحب، والتشهد واجب ـ في قول ـ وأما السلام فواجب عنده، قيل: يُسْتَحَبُّ أنْ يقوم فيسجد. لِمَا رُوِيَ ذلك عن عائشة، ولأن الخرور الذي مُدِحَ به أولئك فيه، فيكون أفضل.
(وفِيهَا سُبْحَةُ السُجُودِ) ـ بضم السين ـ أي تسبيح سجود الصلاة، لأن سجدة الصلاة أفضل من سجدة التلاوة، فيقال فيها ما ورد فيها. قال أبو اللَّيْث: وبه نأخذ.
стр. 370
على مَن تَلَى آيةً مِن أَربعَ عشرة التي في: آخر الأَعرافِ، والرَّعد، والنَّحل، وبني إِسرائيل، ومريم، وأُولَى الحَجِّ وفِي الفُرْقَانِ، وَفي النَّمْلِ، في آلم السَّجْدَةِ، وفِي (ص).
===
وقيل: يُقَال: سبحان ربنا إنْ كان وعد ربنا لمفعولاً. أو: سجد وجهي للذي خلقه، وصوَّرَه، وشقَّ سمعه وبصره، بحوله وقوّته. ولا منع من الجمع مع جواز الكل. وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل في السجدة مراراً: سجد وجهي للذي خلقه، وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوّته». رواه أبو داود.
(عَلَى مَنْ تَلَى) أي يجب على من قرأ (آيَةً مِنْ أَرْبَعَ عَشَرَةَ) آية وهي (التي في آخِرِ الأَعْرَافِ والرَّعْدِ) أي في أثناء الرعد (والنَّحْلِ وبَنِي إِسْرَائِيلَ) أي الإسراء وهي قريبة من آخرها (ومَرْيَمَ وأُولَى الحَجِّ) أي في أثنائهما. وقال الشافعي وأحمد، وهو رواية عن مالك: وثانية الحج أيضاً. لِمَا أخرجه أبو داود، والترمذي، والحاكم، عن عبد الله بن لَهِيعَة من حديث عُقْبَة بن عامر قال: قلت: «يا رسول الله، أَفُضِّلَت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال له: نعم، فمن لم يسجدهما فلم يقرأهما». وأُجِيبَ بأن الترمذي قال: إن إسناده ليس بقوي. وعلى تقدير صحته فالأُولى سجدة تلاوة والثانية سجدة صلاة. ويؤيد ذلك اقتران الثانية بالركوع.
ومذهبنا مروي عن ابن عباس وابن عمر فإنهما قالا: سجدة التلاوة في الحج هي الأولى، والثانية سجدة الصلاة. وأما ما روى الحاكم عن عمر، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وأبي موسى، وأبي داود، أنهم سجدوا في الحج سجدتين، فمحمول على أنه اختيارهم أو رعاية للأحوط.
(وِ) التي (فِي الفُرْقَانِ وَ) التي (في النَّمْلِ) عند قوله تعالى: ﴿ومَا يُعْلِنُونَ﴾ (١) على قراءة غير الكِسَائِي (٢) . وعند قوله تعالى: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا﴾ (٣) على قراءة الكِسَائِي، كذا ذكره الشارح الشُّمُنِّيُّ. والصحيح أن محل السجدة على جميع القراءات عند قوله: ﴿وما يُعْلِنُون﴾ بل الأصح أنه عند قوله: ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ (٤) .
(و) التي (في آلم السَّجْدَةِ و) التي (فِي ص) وهو قول مالك، ورواية عن أحمد ومحلها قبل ﴿وخَرَّ راكِعاً وأَنَابَ﴾ (٥) والصواب أنه عند قوله ﴿وحُسْنَ مآبٍ﴾ (٦) . وقال الشافعي ـ وهو المشهور عن أحمد ـ سجدة ص سجدة شكر، ليست
стр. 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من عزائم السجود، فيسجد بها خارج الصلاة لا في الصلاة لِما في البخاري عن ابن عباس قال: «ليست ص من عزائم السجود، فيسجد بها خارج الصلاة لا في الصلاة، وقد رأيت النبيّ ﷺ يسجد فيها ـ أي لها ـ.
ولنا ما في البخاري عن العَوَّام بن حَوْشَب قال: «سألت مُجَاهِداً عن سجدة ص فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت في ص؟ فقال: أوَمَا تقرأ ﴿ومِنْ ذُرِّيَتِهِ دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ﴾ (١) ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه﴾ (٢) فكان داود، ممن أمر نبيُكم أن يُقْتَدَى به، فسجدها داود فسجدها رسول الله ﷺ .
وأما ما في أبي داود من حديث الخُدْرِي قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقرأ ﴿ص﴾، فلما مرَّ بالسجود نزل فسجد وسجدنا معه. وقرأها مرة أخرى فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَّا للسجود ـ أي تهيّأنا ـ فلما رآنا قال: إنما هي (توبة نبي) (٣) ولكني رأيتكم تَشَزَّنْتُم ـ أراكم قد اسْتَعْدَدْتُم للسجود ـ فنزل وسجد وسجدنا معه». فالجواب عنه أنَّ غاية ما فيه بيان السبب في حق داود، والسبب في حقّنا. وكونه للشكر لا ينافي الوجوب. فكل الفرائض والواجبات إنما وجبت شكراً لتوالي النِّعَم.
وقد أخرج الإمام أحمد عن بكر بن عبد الله المُزَنِي، عن أبي سعيد الخُدْرِي قال: «رأيت رؤيا، وإنا (٤) أكتب سورة ﴿ص﴾، فلمَّا بلغت السجدة رأيت الدَّواة، والقلم، وكل شيءٍ يحضُرني ساجداً. قال: فقصصتها على رسول الله ﷺ فلم يزل يسجد لها». فأفاد هذا أن الأمر صار إلى المواظبة عليها كغيرها من غير ترك، واستقر عليه بعد أن كان لا يَعْزِم عليها. فظهر أنَّ ما رواه إن تمت دلالته كان قبل هذه القصة. وفي حديث الترمذي عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني رأيتني في الليلة البارحة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسَجَدتُ، (فسجدتْ) (٥) الشجرة بسجودي فسمعتها تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذُخْراً، وتقبَّلها مني كما تقبَّلتها من عبدك داود. قال ابن عباس: فقرأ النبيّ ﷺ سجدة، ثم سجد فسمعته وهو يقول مثلما أخبر الرجل عن
стр. 372
وفي حم السَّجْدَة، وفي النَّجْمِ، وفي انْشَقَّتْ، وفي اقْرَأْ.
===
قول الشجرة».
(و) التي (في حم السَّجْدَة) عند قوله: ﴿وهم لا يَسْأَمُون﴾ (١) لِمَا روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، عن ابن عباس: «أنه كان سجد عند قوله: ﴿وهم لا يَسْأَمُون﴾». وفي لفظه: «أنه رأى رجلاً يسجد عند قوله: ﴿إن كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢) فقال: لقد عجلت». وفيه تنبيه على أن السجدة في الآية الأخيرة أولى، لأن التأخير لا يضر بخلاف التقديم كما لا يخفى.
(و) التي (في النَّجْمِ و) التي (في انْشَقَّتْ و) التي (في اقْرَأْ) أي في آخرها. وقال مالك في رواية عنه: لا سجود في هذه الثلاث لِمَا روى أبو داود عن ابن عباس: «أنّ النبيّ ﷺ لم يسجد في شيء من المُفَصَّل منذ تحوَّل إلى المدينة».
ولنا ما روى الجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة قال: «سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقرأ باسم ربِّكَ﴾» وإسلام أبي هريرة في السنة السابعة من الهجرة. وأُجِيبَ عن ذلك الحديث: بأن ابن عبد البَرّ قال: إِنَّه مُنْكَر. وعبد الحق قال: إنه ليس بقوي. قلت: وعلى تقدير صحته فالمُثْبِتُ مقدّم على النافي مع أنه مُعَارَض بما في «الصحيحين»: «أن أبا هريرة قرأ ﴿إذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت له: ما هذه السجدة؟ قال لو لم أر النبيّ ﷺ يسجدها لم أسجد، لا أزال أسجدها حتى ألقاه».
وأما ما روى ابن ماجه عن أبي الدَّرْدَاءِ قال: «سجدت مع النبيّ ﷺ إحدى عشرة سجدةً ليس فيها شيء من المُفَصَّل: الأعراف، والرعد، والنحل، وبنى إسرائيل، ومريم، والحج، والفُرْقَان، والنمل، والسجدة، وص، وسجدة الحواميم»، فضعيف. ولئن صحَّ فليس بمراد فيه نفيُ السجدة في المُفَصَّل، بل إن الإحدى عشرة ليس فيها من المفصل، شيء وليس في هذا نزاع. وقد روى أبو داود وابن ماجه عن عمرو بن العاص: «أن رسول الله ﷺ قرأ (٣) خمس عشرة سجدةً في القرآن: ثلاث (٤) في المُفَصَّل، وفي سورة الحج سجدتان. إلا أَنَّا نقول: السجدة الثانية في الحج هي
стр. 373
أوْ سَمِعَهَا، وإذَا تَلَى الإِمَامُ فَمَنْ سَمِعَهَا ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ في رَكْعَةٍ، سَجَدَ بَعْدَ الصَّلاةِ، كَمُصَلٍّ سَمِعَ مِمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ،
===
سجدة الصلاة. وعن ابن عباس: «أنه ﷺ سجد بالنَّجْمِ ومعه المسلمون والمشركون والجن والإنس». رواه البخاري. وعن أبي سعيد الخُدْرِي: «قرأ ﷺ وهو على المِنْبَر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد معه الناس». رواه أبو داود.
(أوْ سَمِعَهَا) سواء قصد السماع أو لَمْ يقصد، لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن ابن عمر أنه قال: «السجدة على من سمعها». ولا بد في السامع أن يكون أهلاً لوجوب الصلاة، لأنها تجب على الجُنُبِ إذا سمع دون الحائض والنفساء. وفي «المحيط»: ولو سمعها من كافر أو صبي عاقل أو حائض أو نفساء أو جنب أو محدث وجبت. ولو سمعها من مجنون أو نائم لا يجب، لأنّ التلاوة صدرت عن غير معرفة وتمييز. ولو قرأها سكران وجبت عليه، وعلى من سمعها منه، لأن عقله اعْتُبِرَ قائماً زجراً له.
وشرط مالك ذكورة التالي، وتكليفه بسجود السامع لقوله ﵊ لتال عنده لم يسجد: «كنت إمامنا، لو سجدت لسجدنا معك» (١) . ولذا ينبغي أن لا يرفع السامعون رؤوسهم قبل رفع التالي إذا سجدوا معه. والمرأة وغير المكلف لا يصلح إماماً. قلنا: المراد منه كنت حقيقاً أن تسجد قبلنا، لا حقيقة الإمامة. ألا ترى أنَّ المتوضاء يسجد لتلاوة المُحدِث مع أنه لا يصلح إماماً له في الحال.
(وإذَا تَلَى الإِمَامُ) أي قرأ آية السجدة (فَمَنْ سَمِعَهَا ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ في رَكْعَةٍ) أخرى بعد الركعة التي سمعها فيها (سَجَدَ بَعْدَ الصَّلاةِ) أي لا فيها، لأنه سمعها قبل الاقتداء فلا تكون صلاتية في حقه، ولم يدرك ركعتها ليكون كأنه أداها. فيأتي بها بعد الصلاة. وقال العَتَّابِي: لا يسجد بعد الصلاة أيضاً لأنها صلاتية، فلا تؤدى خارجها. والأصح أنه يسجد بعدها.
(كَمُصَلَ) أي كما يسجد بعد الصلاة مصل (سَمِعَ) آية السجدة (مِمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ) في تلك الصلاة، سواء كان مصلياً أو غير مصلّ لوجود السماع. وعدم كونها صلاتية، لأن سماع قراءة غير الإمام ليس من أفعال الصلاة. ثم لو سجد في الصلاة لم تجزئه تلك السجدة فيعيدها، لأن فعلها في الصلاة وقع ناقصاً لكونه في غير محله،
стр. 374
ومَنِ اقْتَدَى بِهِ في تِلْكَ الرَّكْعَةِ بَعْدَ سُجُودِ الإِمَامِ لا يَسْجُدُ وقَبْلَهُ يَسْجُدُ مَعَهُ وإنْ لَمْ يَسْمَعْ لا يَسْجُدُ إِلَّا سَامِعٌ خَارِجِيٌّ
===
لكن لا تفسد صلاته لأنها عبادة زيدت في الصلاة كزيادة سجدة تطوعاً. ولا تفسد بما هو من أفعالها، بل تفسد بما ينافيها.
وفي «النَّوادِر»: تفسد صلاته لأنه اشتغل فيها بما ينبغي أنْ يفعل بعدها، أو لأنه زاد في الصلاة قُرْبَة ليست منها، كما إذا انتقل إلى النفل. وقيل: الفساد قول محمد، لأن السجدة الواحدة يُتَقَرَّبُ بها إلى الله تعالى عنده، حتى كان سجود الشكر قُرْبَة عنده. وعندهما: لا تفسد، لأنها ليست بقربة. ولهذا لو زاد ركوعاً أو قياماً لا تَبطل صلاته عند الكل، إذ كل واحد مما لا يتقرب به إلى الله .
(ومَنِ اقْتَدَى بِهِ في تِلْكَ الرَّكْعَةِ بَعْدَ سُجُودِ الإِمَامِ لا يَسْجُدُ) في الصلاة ولا بعدها، لأنه بإدراكه تلك الركعة صار مؤدياً للسجدة. كمن أدرك الإمام في ركوع ثالثة الوتر فإنه لا يقنت فيما يأتي بعد فراغ الإمام.
(وقَبْلَهُ) أي ومن اقتدى بالإمام قبل سجوده للتلاوة (يَسْجُدُ مَعَهُ وإنْ لَمْ يَسْمَعْ) لأنه تابع له.
(وإنْ تَلَا المَأْمُومُ)، فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (لا يَسْجُدُ إِلاَّ سَامِع خَارِجِيٌّ) أي خارج عن تلك الصلاة فلا يسجد التالي ولا الإمام ولا باقي المأمومين.
وقال محمد: يسجدون بعد الصلاة لتحقق السبب، وهو التلاوة والسماع مع ارتفاع المانع وهو الصلاة. ولهما: أنَّ المأموم محجور عليه في القراءة، فلا توجب تلاوته السجدة، كما لا يوجبها تلاوة المجنون. فإن قيل: الجنب والحائض ممنوعان عن القراءة ويجب السجدة بسماع قراءتهما. أُجِيبَ: بأن الجُنُب والحائض منهيَّان (١) عن القراءة لا محجوران عنها فتعتبر قراءتهما. كذا ذكره الشارح.
ولعل الفرق بين المَنْهِيّ والمَحْجُور: أن فعل المحجور عنه غير مُعْتَبر فلا يَحْرُم ولا يُكْرَه، بخلاف المنهي عنه فإنه يعتبر إما حرمةً وإما كراهةً. لكن يُشْكِل بأن فعل المقتدي ليس كفعل المجنون، فإن قراءته إما مكروهة، أو جائزة، أو واجبة، على خلاف في ذلك بين الأئمة. وعلى تقدير أن يكون حراماً، فهو كالحائض لا كالمجنون. ثم غاية ما في الباب أنه ممنوع عن القراءة خلف الإمام، لكن هذا لا يمنع
стр. 375
والصَّلاتِيَّةُ لا تمضَى خَارِجًا، والرُّكُوعُ بِلا تَوَقُّفٍ يَنُوبُ عَنْهَا،
===
وجوب السجدة إذا حصلت التلاوة من الأهل كما لو تلا الجنب والحائض والصبي والكافر.
والمقتدي أهلٌ للتلاوة إذا كان أهلاً قبل الصلاة، وهي تستدعي القراءة فاستحال أنْ يكون منافياً لها، ولهذا كان أهلاً لو كان إماماً أو منفرداً، فاستحال أنْ لا يبقى أهلاً بالشروع في الصلاة، وإنما لم يسجد في الصلاة لأنه يؤدي إلى خلاف موضوع الإمامة أو التلاوة. وهذا لأنه لو سجدها التالي وتابعه الإمام انقلب الإمامُ المتبوعِ تَبَعَاً، والتابع متبوعاً، وإن لم يتابعه كان مخالفاً لإمامه. وأيّاً ما كان يلزم خلاف موضوعها.
وإن سجدها الإمام وتابعه التالي، كان خلاف موضوع التلاوة، فإنّ التالي إمام السامعين لقوله ﵊: «كنت إمامنا … » الحديثَ. أما السامع الخارج عن تلك الصلاة فيسجد لأن حَجْرَ المأموم عن القراءة ثبت في حق من معه في الصلاة فلا يَعْدُوهُم. ولو تلى المصلي آية السجدة في ركوعه، أو سجوده، أو تشهده، لا سجود عليه لأنه محجور عن القراءة في هذه الأحوال. وقال المَرْغِينَاني: عليه السجود، ويتأتى بالسجود أو بالركوع الذي تلا فيه.
(والصَّلاتِيَّةُ) أي سجدة التلاوة التي وجب أداؤها في الصلاة (لا تُقْضَى خَارِجاً) عن الصلاة، لأنها وجبت بصفة الكمال، فلا تؤدّى بغيرها، كذا علّله الشارح. وفيه: أنَّ ما لا يُدْرَكُ كله لا يُتْرَكُ كله. ثم رأيت تحقيق المرام في هذا المقام هو: أنه أُرِيدَ به النهي الضمني لا القصدي، إذ المصلي عند اشتغاله بسجدة التلاوة مأمور بإتمام ركن هو فيه، أو بالانتقال إلى ركن آخر، فيكون منهياً عن ضده ـ أعني السجدة ـ ضرورة، فتثبت كراهة السجدة في المذهب المختار. فتكون السجدة ناقصة، وقد وجبت عليه كاملة، فلم تتأد ناقصة وتعاد لتقرُّر سببها.
(والرُّكُوعُ) في الصلاة (بِلَا تَوَقُّفٍ) بين قراءة السجدة وبين الركوع بمقدار ثلاث آيات كما روي عن أبي يوسف (يَنُوبُ عَنْهَا) أي عن سجدة التلاوة لما رُوِيَ عن ابن عمر أنه كان إذا تلا آية السجدة في الصلاة ركع، ولأن الركوع وُضع للتواضع وهو المقصود من السجدة. وأما الركوع في خارج الصلاة فليس بقربة فلا ينوب عمّا هو قُرْبَةٌ. وفي «المحيط»: ولو تلاها في الصلاة: إن شاء ركع لها، وإن شاء سجد فقام فقرأ، لأن المقصود من السجدة إظهار الخشوع وذلك يحصل بالركوع، كما يحصل بالسجود، فناب الركوع منابه. وعن أبي حنيفة: أن السجود أفضل لأن الخشوع فيها
стр. 376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أتَمّ.
ثم سجدة التلاوة تتأتى بالسجدة الصلبية لأنها توافقها من كل وجه. وينوي بها في ركوعه أو بعدما استوى قائماً أنْ يسجد لصلاته وتلاوته جميعاً، ولو لم ينو به لا تجزئه، نص عليه في «النوادر». وقيل: تجزئه بدون النية. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن السجود الذي عَقِيب الرُّكُوع ينوب عن سجدة التلاوة دون الركوع، لأن المجانسة بينهما أظهر. وقيل: الركوع ينوب عنها لأنه أقرب إلى موضع التلاوة. وفي «الظَّهِيريَّة»: لو تلا آية السجدة وركع لصلاته على الفور، وسجد، سقطت سجدة التلاوة نوى السجدة أو لم ينوها، وكذا إذا قرأ بعدها آيتين أو ثلاث آيات. وأجمعوا على أنَّ سجدة التلاوة تتأدّى بسجدة الصلاة، وإن لم ينوِ للتلاوة.
واختلفوا في الركوع: فقال شيخ الإسلام المعروف بخَواهِر زَادَه: لا بد للركوع من النية، حتى ينوب عن سجدة التلاوة. ونص عليه محمد. وإن قرأ بعد السجدة ثلاث آيات، وركع لسجدة التلاوة، ذكر شيخ الإسلام المذكور أنه ينقطع الفور. قال شمس الأئمة الحَلْوَاني: إنه لا ينقطع ما لم يقرأ أكثر من ثلاث آيات. وفي «النَّوادِر»: ولو قرأ الإمام السجدة فسجد، فظنَّ القوم أنه ركع: فبعضهم ركع، وبعضهم ركع وسجد سجدة، وبعضهم ركع وسجد سجدتين. فمن ركع ولم يسجد يرفض ركوعه ويسجد للتلاوة. ومن ركع وسجد تجزئه عن التلاوة، ومن ركع وسجد سجدتين فصلاته فاسدة، لأنه انفرد بركعة تامة.
قال في «المَبْسُوط»: فإن أراد أن يركع بالسجدة بعينها فالقياس أنَّ الركوع والسجود في ذلك سواء، وبالقياس نأخذ، وفي الاستحسان لا يجزئه إلاَّ السجدة. واختلفوا في موضع هذا القياس والاستحسان: فمن أصحابنا من قال: مراده إذا تلاها في غير الصلاة وركع، ففي القياس يجزئه.
لأن الركوع والسجود يتقاربان، قال الله تعالى: ﴿وخَرَّ رَاكِعَاً وأَنَابَ﴾ (١) ، أي ساجداً والمقصود منهما الخضوع فينوب أحدهما عن الآخر كما في الصلاة. وفي الاستحسان: الركوع خارج الصلاة ليس بقربة، فلا ينوب عمّا هو قربة بخلاف الركوع في الصلاة. والأظهر أن مراده من هذا القياس والاستحسان التلاوة في الصلاة إذا ركع عند موضع السجدة.
ففي الاستحسان: لا يجزئه لأن سجدة التلاوة نظير سجدة الصلاة، فكما أن
стр. 377
فإنْ كَرَّرَ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أوْ صَلاةٍ، يَكْفِي سَجْدَةٌ
===
إحدى السجدتين في الصلاة لا تنوب عن الأخرى، والركوع لا ينوب عنها، فكذلك لا ينوب عن سجدة التلاوة. وفي القياس: يجوز التقارب بين الركوع والسجود فيما هو المقصود، فكل واحد منهما في الصلاة قربة. وأخذنا بالقياس لأنه أقوى الوجهين.
والقياس والاستحسان في الحقيقة قياسان، وإنما يُؤْخَذُ بما يترجح بظهور أثره، أو قوة في جانب صحته. انتهى. ثم إن قرأ بعدها مقدار ثلاث آيات، سجد لها قصداً في الصلاة، لأنها صارت ديناً عليه بفوات محل الأداء، فلا ينوب الركوع عنها بخلاف ما إذا ركع عندها، فإنها ما صارت ديناً لبقاء محلها، وبخلاف ما إذا كانت قريبة من خاتمة السورة، فإنها لا تصير ديناً بعدُ، حين لم يقرأ بعدها ما يَتِم به القراءة.
(فإنْ كَرَّرَ) التالي آيةَ السجدة، سواء كان المكرَّر متحداً أو متعدداً (في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ) كالمسجد مطلقاً على المذهب، أو البيت الصغير، أو تلاها على دابة سائرة وهو في الصلاة، أو في سفينة سائرة، وإن قام وقعد (أوْ صَلاةٍ) بأن قرأ في غير الصلاة ثم أعادها في الصلاة من غير اختلاف المجلس. وفُهِمَ من تخصيص المُعَاد بكونه في الصلاة أن الأول في غير الصلاة.
(يَكْفِي سَجْدَةٌ) لأن المجلس متحد فتتداخل التلاوات. وفي «الخُلَاصة»: لا فرق بينهما إذا أدى السجدة ثم كَرَّر، أو كَرَّر ثم أدى، لأن مبنى السجود في التلاوة على التداخل، لأن القاريء قد يحتاج إلى تكرار الآية للحفظ والتعليم والاعتبار والتَّفهُّم (١) . فلو وجب عليه تكرير السجود لربما وقع في حرج، ويكون سبباً لترك التلاوة التي هي من أفضل أنواع العبادة.
والتداخل قد يكون في الأسباب، بأن ينوب واحد منها عما قبله وما بعده، وهو ألْيَقُ بالعبادة لأن تركها مع وجود سببها شنيع. وقد يكون في الأحكام، بأن ينوب واحد منها عمّا قبله، وهو أليق بالعقوبة، لأنها شرعت للزَّجْر وهو يحصل بواحد. والكريم قد يعفو مع قيام سبب العقوبة. وخالف مالك والشافعي فَعَدَّدَاها، لأن السبب قد تعدد فيعدد المُسَبَّبُ، لأن مبنى العبادات على التكثير لأنا خُلِقْنَا لها بخلاف العقوبات، فإن مبناها على الدَّرْءِ والدفع.
ولنا: ما سبق المؤيد بقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُم في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) ،
стр. 378
ويُعْتَبَرُ في السَّامِعِ مَجْلِسُهُ.
وإسْدَاءُ الثَّوْبِ والانْتِقِالُ مِنْ غُصْنٍ إلى غُصْنٍ آخر تَبْدِيلٌ.
ويُكْرَهُ تَرْكُ آيَةِ السَّجْدَةِ وَحْدَها لا عَكْسُهُ، ونُدِبَ ضَمُّ غَيْرِهَا،
===
وقوله سبحانه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ (١) ، وقوله ﵊: «إن الدين يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ (٢) الدينَ أحدٌ إلا غلبه». رواه البخاري وغيره. ولأن مبنى السجدة على التداخل بالنص فإنه ﷺ كان يسمع من جبرائيل ﵇ آية السجدة، ويقرأها على أصحابه، ولا يسجد إلاَّ مرة واحدة. مع أنه ﵇ كان يكرر حديثه ثلاثاً ليُعْقَل، فكيف بالقرآن. وبدلالة الإجماع فإن السامع إذا قرأها لم يجب عليه إلاَّ واحدة، وقد تحقق في حقّه التلاوة والسماع، وكل واحد سبب على حدة، حتى يجب بالسماع وحده، وبالتلاوة وحدها إذا كان التالي أصَمّ. ولو كررها في الركعتين قال أبو يوسف: كَفَتْهُ سجدة. وقال محمد: يسجد سجدتين.
(ويُعْتَبَرُ في السَّامِعِ مَجْلِسُهُ) حتى لو اتَّحد مجلس التالي وتكرر مجلس السامع، تكرر الوجوب على السامع باتفاق المشايخ. ولو تعدد مجلس التالي واتحد مجلس السامع، قيل: تكرر الوجوب على السامع ولو تعدد في «الكافي»: وهو الصحيح، لأن التلاوة سبب والسماع شرط، والحكم يضاف إلى السبب دون الشرط. وقيل: لا يتكرر على السامع. في «الهداية»: هو الأصح، لأن مجلسه متحد والسماع سبب لوجوب السجدة كالتلاوة.
(وإسْدَاءُ الثَّوْبِ) أي جعل سَدَاه (٣) على أخشاب بمجيء وذهاب (والانْتِقَالُ مِنْ غُصْنٍ إلى غُصْنٍ آخر تَبْدِيلٌ) للمكان، لأن المكان تبدَّل حقيقة. وقيل: يكفيه في الانتقال من غصن إلى غصن سجدة واحدة، لأن العبرة لأصل الشجرة وهو واحد.
(ويُكْرَهُ) في الصلاة وغيرها (تَرْكُ آيَةِ السَّجْدَةِ وَحْدَها) لأنه يُشْبِه الاستنكاف عن السجود، والإعراض عن طاعة المعبود (لا عَكْسُهُ) أي لا يكره قراءة آية السجدة وحدَها، لأن في ذلك مبادرة إلى السجود.
(ونُدِبَ ضَمُّ غَيْرِهَا) من آية أو آيتين قبلها أو بعدها كيلا يؤدي إلى إيهام تفضيل آية على آية. ولو قرأ آية السجدة إلاَّ الحرف الذي في آخرها لا يسجد، ولو
стр. 379
واسْتُحْسِنَ إِخْفَاؤُهَا عن السَّامِع.
فَصْلٌ في صَلاةِ المَرِيضِ
إنْ تَعَذَّرَ القِيَامُ لِمَرَضٍ حَدَثَ قَبْلَ الصَّلاةِ أوْ فِيهَا، صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ ويَسْجُدُ.
وإنْ تَعَذَّرَا مَع القِيَامِ أوْمَأَ إنْ قَدَرَ، ولا مَعَهُ
===
قرأ الحرف الذي يسجد فيه وحده لا يسجد إلا أن يقرأ أكثر آية السجدة معه. (واسْتُحْسِنَ إِخْفَاؤُهَا عن السَّامِعِ) شفقة عليه إلا أنْ يكون متهيئاً للسجود لديه.
فصلٌ في صَلَاةِ المَرِيضِ
(إنْ تَعَذَّرَ) أي تعسر كما في «الخَانِيَة» (القِيَامُ) أي كله (لِمَرَضٍ حَدَثَ قَبْلَ الصَّلاةِ أوْ فِيهَا) أي في أثْنائها، أو لخوف زيادة مرض أو بطئه أو دَوران الرأس، أو كان يجد بالقيام ألماً شديداً (صَلَّى قَاعِداً) كيف شاء (يَرْكَعُ ويَسْجُدُ) لما روى الجماعة إلاَّ مسلماً عن عِمْران بن حُصَيْن قال: «كانت لي بواسير، فسألت النبيّ ﷺ عن الصلاة فقال: صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، وإن لم تستطع فعلى الجَنْبِ». زاد النَّسَائِي: «فإن لم تستطع فمُسْتَلْقِياً، لا يُكَلِّفُ الله نفساً إلا وُسْعَها». ولفظ البخاري: «بواسير» ولفظ غيره: «النَّاصُور» (١) .
وإنْ لم يعجز عن كل القيام، قام بقدر ما يمكنه، فإذا عجز يقعد، لأن الطاعة بحسب الطاقة، حتى لو لم يقدر إلاَّ قَدْرَ التحريمة، لزمه أن يُحْرِم قائماً ثم يقعد. وإن قدر على كل القيام مُتَّكِئاً، قال شمس الأئمة الحَلْوَاني: الصحيح أنه يصلي قائماً متكئاً ولا يجزئه غير ذلك. وكذلك لو قدر أن يعتمد على عصاً، أو كان له خادم لو اتَّكأَ عليه قدر على القيام.
هذا، وفي كراهة اتِّكَاء المتنفّل على نحو عصاً أو حائط بلا عذر روايتان عن أبي حنيفة، وكرِهَاهُ بدونه وهو الأظهر. وأما لو كان بعذر فلا يُكره إجماعاً.
(وإنْ تَعَذَّرَا) أي الركوع والسجود (مَع القِيَامِ أوْمَأَ) ـ بهمْزة في آخره وقد يبدل ـ أي أشار برأسه قاعداً (إنْ قَدَرَ) على القعود لأنه وسعه (ولا مَعَهُ) أي وإن تعذر
стр. 380
فَهُوَ أحَبُّ، وَجَعَل سُجُودَهُ أخْفَضَ من رُكُوعِهِ.
ولا يَرْفَعُ شَيئًا لِيَسْجُدَ عَلَيهِ، وإلَّا فَعَلَى جَنْبِهِ مُتَوَجِّهًا، أوْ على ظَهْرِهِ كَذَا، وذَا أوْلَى
===
الركوع والسجود دون القيام (فَهُوَ) أي فالإيماء بالركوع والسجود قاعداً (أحَبُّ) من الإيماء قائماً لقرب القعود من الأرض. وقال الشافعي: يتعين القيام لأنه ركن، فلا يسقط بالعجز عن ركن آخر من الركوع والسجود. وأجيب بأن ركنية القيام والركوع، لأجل الوسيلة إلى السجود الذي هو نهاية التعظيم، وسقوط الشيء يُسْقِطُ وسيلته.
(وَجَعَل سُجُودَهُ) بالإيماء (أخْفَضَ من رُكُوعِهِ) به لأن نفس السجود أخفض من الركوع فكذا الإيماء به.
(ولا يَرْفَعُ شَيْئَاً لِيَسْجُدَ عَلَيْهِ) لما روى البَزَّارُ في «مسنده»، والبَيْهَقِيّ عن جابر، والطَّبَرانِيّ في «معجمه» عن ابن عمر (١) : «أن النبيّ ﷺ عاد مريضاً، فرآه يصلي على وِسَادة، فأخذها فرمى بها، فأخذ ـ أي المريض ـ عوداً ليصلي عليه، فأخذه فرمى به وقال: صلِّ على الأرض إن استطعت، وإلاَّ فأومِ إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك». ولو رفع من يصلِّي بالإيماء شيئاً ليسجد عليه، فإن خفض رأسه أجزأه لوجود الإيماء، وإن لم يخفض لم يجزئه. وأما ما ذكره صاحب «الهداية» من قوله ﵊: «إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فاومِ برأسك»، فغير معروف بهذا اللفظ.
(وإلاَّ) أي وإن لم يقدر على القعود (فَعَلَى جَنْبِهِ) الأَيْمن (مُتَوَجِّهاً) إلى القبلة (أوْ على ظَهْرِهِ كَذَا) أي متوجهاً إلى القبلة (بأن تكون رجلاه إليها لكن تقامان يسيراً، لأن مَدَّهما إلى القبلة مكروه، ويجعل تحت رأسه ما يرفعه ليصير وجهه إلى القبلة) (٢) (وذَا) أي الاستلقاء إلى الظهر (أوْلَى) لأن إيماء الذي على ظهره يكون إلى هواء الكعبة وهو قبلة، وإيماء الذي على جنبه إلى جهة قدميه. وعن أبي حنيفة: أن صلاة المريض على الجَنْب مُقَدَّم على صلاته على الظهر. لِمَا روينا من حديث (عِمْرَان) (٣) السابق ولقوله تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وقُعُوداً وعَلَى جُنُوبِهِم﴾ (٤) ، فهو بالاعتبار أوْلى كما
стр. 381
والإِيمَاءُ بالرَّأْسِ، فإنْ تَعَذَّرَ أَخَّرَ. ومُومٍ صَحَّ في الصَّلاةِ اسْتَأْنَفَ،
===
لا يخفى. وبه قال مالك والشافعي. لا يُقَال: الحديث لا ينهض حجة على العموم، فإنه خطاب له وكان مرضه البواسير، وهو يمنع الاستلقاء، فلا يكون خطابه خطاباً للأمة، فإنا نقول: العِبْرةُ لعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(والإِيمَاءُ) معتبر (بالرَّأْسِ) أي لا بغيره. وقال زُفَر ـ وهو رواية عن أبي يوسف، وبه قال مالك والشافعيّ ـ: إن عَجِزَ عن الإيماء بالرأس يوماء بالحاجب، فإن عجز فبالعين، وإن عجز فبالقلب. كما يوماء بالرأس إن عجز عن الركوع والسجود. وأجيب بأنَّ الأَبْدَال لا تُنْصَبُ بالرأي بل بالنص. ولو سُلِّمَ، فالفرق أن الرأس يتأدى به ركن بخلاف هذه الأشياء.
(فإنْ تَعَذَّرَ) الإيماء بالرأس (أَخَّرَ) الصلاة ولا يسقط عنه. بل يقضيها إذا قَدَرَ عليها، ولو كانت أكثر من صلاة يوم وليلة. إذا كان مفيقاً، لأنه يفهم الخطاب بخلاف المُغمَى عليه، (وهذا اختيار صاحب «الهداية». وقال قاضيخان: الأصح أنه لا يقضي أكثر من يوم وليلة كالمغمى عليه.) (١) . هذا اختيار فخر الإسلام، وشيخ الإسلام خَواهِرْ زَادَهْ.
وفي «المحيط»: وإذا عجز عن الإيماء، فإن مات من ذلك المرض لا شيء عليه، ولا يلزمه فديةٌ، وإن بَرِاءَ وصح قيل: يلزمه القضاء وإن كَثُرَ كما في النوم. والصحيح: أنه إن ترك صلاة يوم وليلة، قضى وإن أكثر من ذلك لا يقضي كما في الإغماء. وأمّا استشهاد قاضيخان بما رُوِيَ عن محمد فيمن قطعت يداه من المرفقين ورجلاه من الساقين، أنه لا صلاة عليه، فمدفوع بأن العجز هنا متصل بالموت، وكلامنا فيما إذا صَحَّ المريض بعد ذلك، حتى لو مات قبل القدرة على القضاء لايجب عليه شيء، ولا يلزمه الإيصاء به كالمسافر والمريض إذا أفطرا في رمضان وماتا قبل الإقامة والصحة.
هذا، وما ذكره صاحب «الهداية» من قوله ﷺ «يصلي المريض قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، وإن لم يستطع فعلى قفاه يوماء إيماءً، فإن لم يستطع فالله تعالى أولى بقبول العذر منه»، غير معروف.
(ومُومٍ صَحَّ في الصَّلَاةِ) بأن قدر على الركوع والسجود (اسْتَأْنَفَ) لأن بناء الأقوى على الأضعف غير جائز، وأجازه زُفَرُ. ولو قدر المُضْطَجِع في الصلاة على القعود دون الركوع، استأنف الصلاة على المختار، لأن حالة القعود أوْلَى.
стр. 382
وقَاعِدٌ يَرْكَعُ ويَسْجُدُ صَحَّ فِيهَا، بَنَى قائِمًا. صَلَّى قَاعِدًا فِي فُلْكٍ جارٍ بلا عذرٍ صَحَّ. وفي المَرْبُوطِ لا، إلَّا بِعُذْرٍ.
جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا ولَيلَةً، قَضَى مَا فَاتَ
===
(وقَاعِدٌ يَرْكَعُ ويَسْجُدُ صَحَّ) أي زال ألمه بأن قدر على القيام (فِيهَا) أي في أثناء الصلاة (بَنَى قائِماً). عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وقال محمد: يستأنف الصلاة. وهي (١) فرع اقتداء القائم بالقاعد وقد تقدَّم.
(صَلَّى) فرضاً (قَاعِدَاً فِي فُلْكٍ: جارٍ بِلا عُذْرٍ) من دوران الرأس، وعدم القدرة على الخروج (صَحَّ) عند أبي حنيفة. وقالا: لا يصح إلا من عذر كغير الجاري. وهو الأظهر، لِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ، والحاكم وقال: على شرط مسلم: «أنَّ النبيّ ﷺ سُئِلَ كيف أصلّي في السفينة؟ فقال: صلِّ قائماً إلاَّ أنْ تخاف الغَرَق». قال الدَّارَقُطْنِيّ: السائل جعفر بن أبي طالب لَمَّا هاجر إلى الحبشة. ولأن القيام ركن، فلا يترك إلا بعذر محقق لا موهوم. ولأبي حنيفة أنَّ الغالب في الفُلْكِ الجاري دوران الرأس، والأمر الغالب كالمتحقق، لكن القيام أفضل، وأفضل من القيام الخروج إلى الشَّطِّ إن أمكن، لأنه للقلب أسكن.
(وفي المَرْبُوطِ لا) أي لا يصح قاعداً (إلاَّ بِعُذْرٍ). في «شرح الكَنْزِ»: والمربوط على الشَّطِّ كالشَّطِّ هو الصحيح. وكذا إذا كان قراره على الأرض. وإن كان مربوطاً في البحر وهو يضطرب اضْطِراباً شديداً فهو كالسائر، وإن كان يسيراً فكالواقف. وفي «الإيضاح»: وإن كانت السفينة مربوطة يمكن الخروج منها لم تجز الصلاة فيها، لأنها إذا لم تستقر على الأرض بمنزلة الدابة. وإن كانت غير مربوطة جازت الصلاة فيها وإن كانت سائرة، لأن سيرها غير مضاف إليها بخلاف الدابة.
(جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ) لمرض أو فزع من سَبُعٍ أو آدمي ولم يُفِقْ (يَوْماً ولَيْلَةً قَضَى مَا فَاتَ) لِمَا روي عن محمد في «الآثار»: عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِي، عن ابن عمر أنه قال في الذي يُغْمَى عليه يوماً وليلة، يقضي. وروى الدَّارَقُطْنِيّ بسنده، عن ابن عمر: «أنه أُغْمِي عليه ثلاثة أيام ولياليهن، فلم يقض». ورَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، عن يزيد، مولى عمَّار بن ياسر: «أنَّ عمَّار بن ياسر أُغْمِيَ عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وأفاق نصف الليل فقضاهن».
وفي «المَبْسُوط» عن عليّ ﵁: «أنه أُغْمِيَ عليه في أربع صلوات
стр. 383
وإنْ زَادَ سَاعَةً لا.
فَصْلٌ في صَلاةِ المُسَافِرِ
المُسَافِرُ مَنْ فَارَقَ بُيُوتَ بَلَدِهِ
===
فقضاهن». وأسقط القضاء مالك والشافعي بالإغماء وقت صلاة واحدة، لأنه عَجْزٌ مانعٌ عن فهم الخطاب فَيُنَافي الوجوب إذا استوعب وقت صلاة. كالجنون في رواية. (وإنْ زَادَ سَاعَةً) أو زماناً (لَا) يقضي، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنه إذا قَصُرَ يُعْتَبَرُ بما يَقْصُرُ عادة كالنوم، فلا يُسْقِطُ القضاء، وإذا طال اعْتُبِرَ بما يطول عادة كالصِّبَا فَيُسْقِطُ. وقال محمد: يقضي إلاَّ أنْ يزيد على اليوم والليلة وقت صلاة، لأن الكَثْرة بالدخول في حد التكرار وهو ست صلوات.
ولو زال عقله بخمر يلزمه القضاء وإن طال، ولو زال ببنج أو دواء فكذا عند أبي حنيفة، لأن سقوط القضاء عُرِفَ بالأَثر في آفة سماوية، ولا يُقَاس عليه ما حصل بفعله. وعند محمد يسقط القضاء، لأن عقله زال بمباح ابتداء، فصار كما لو زال بمرض. ثم يقضي فائتة المرض في زمن الصحة كاملة، لأن تحصيل الركن فرض وإنما سقط عند الأداء للعذر. ويقضي فائتة الصحة في المرض بحسب القدرة الباقية، ولو بالإيماء. إذ التكليف يعتمد الوسع، فيكلف فيه على القضاء كما يكلف على الأداء.
فصلٌ في صَلَاةِ المُسَافِرِ
السفر لغة: قَطْعُ المسافة. وليس كلُّ قطع تتغيَّر به الأحكام، فبيَّن ما يتغيّر به فقال: (المُسَافِرُ) الشرعيّ الذي يلزمه القَصْر، ويُبَاح له الفِطْر، ويجوز له المسح ثلاثة أيام ولياليها على الخف، وسقط عنه الجُمُعَة، والعيدان والأضْحِيَة (مَنْ فَارَقَ بُيُوتَ بَلَدِهِ) أي البلد الذي هو فيها. وفارق القرية المتصلة بِرُبْضِها (١) على الصحيح، لِمَا روى مسلم وأبو داودٍ عن أنس قال: «صلّيت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحُلَيْفة (٢) ركعتين». وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن أبي حَرْب بن أبي الأَسْوَد الدُّؤَلي: «أن عليّاً ﵁ لَمَّا خرج من البصْرَة صلّى الظهر أربعاً ثم قال: لو جاوزنا هذا الخُصَّ قصرنا». والخُصُّ بالضم: البيت من القصب، أو البيت
стр. 384
قَاصِدًا مَسَافَة ثلاثَةِ أَيامٍ ولَيَالِيهَا،
===
يُسْقَفُ بالخشب. ويُعْتَبَرُ مفارقة الجانب الذي خرج منه، حتى لو فارق البيوت من جانب خرج منه، ومن جانب آخر بيوت لم يفارقها قصر.
(قَاصِداً مَسَافَة ثلَاثَةِ أَيامٍ ولَيَالِيهَا) الأيام للمشي، والليالي للاستراحة كذا في «شرح الطحاوي»، أو بالعكس، أو بالبعض لأنه في معناه. قَيَّدَ بقصد المسافة، لأنه لو لم يقصد مسافة، بل سار لطلب الآبق أو غريم ونحوهما لا يقصر. وقَيَّدَ المسافة بثلاثة أيام، لأنها لو كانت أقل من ذلك لا يقصر. وهذه رواية «الأصول». وروى ابن سَمَاعَة عن أبي يوسف، ومحمد: التقدير بيومين وأكثر الثالث. وهو رواية الحسن، عن أبي حنيفة. وقال مالك وأحمد ـ وهو قول للشافعي ـ: أربعة بُرْد (١) ، والبَرِيدُ أربعة فراسخ (٢) . وعن الشافعيّ قول آخر: أنه يوم وليلة، وهو رواية عن مالك. وعنهما تقديره بثمانية وأربعين ميلاً، وعن الشافعي تقديره بستَّةٍ وأربعين ميلاً، وعن مالك بخمسة وأربعين ميلاً.
وجه هذه الأقوال حديث مُجَاهد: «سألت ابن عمر عن أدنى مدة السفر فقال: تَعْرِفُ السُّوَيداء؟ قلت: قد سمعت بها، قال: كنّا إذا خرجنا إليها قصرنا». وهو موضع بينه وبين المدينة ستّة وأربعون ميلاً. وقيل: ثمانية وأربعون. وقيل: عشرون فَرْسَخاً. والميل ثلث الفَرْسَخ. ولنا قوله ﷺ «لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليها إلا ومعها زوجها أو ذو رَحِمٍ مَحْرَم منها». معناه ثلاثة أيام. وكلمة «فوق» صلة مثل: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ (٣) .
وقد روى أحمد، والشيخان، وأبو داود، عن ابن عمر مرفوعاً: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلاَّ مع ذي رَحِمٍ مَحْرَم». وهي لا تُمنع من الخروج لغير السفر بدون المَحْرَم. كذا ذكره بعضهم، وفيه: أنها تُمنع بدون المَحْرَم ولو لم يكن بهذه المسافة لقوله ﷺ «لا تسافر المرأة بَرِيداً إلاَّ ومعها مَحْرَم يَحرُمُ عليها». رواه أبو داود، والحاكم في «مستدركه»، عن أَبي هريرة. وفي رواية لأحمد، والشيخين، عن ابن عباس مرفوعاً: «لا تسافر المرأة إلاَّ مع ذي رَحِمٍ مَحْرَم، ولا يدخل عليها رجل إلاَّ ومعها مَحْرَم».
стр. 385
بِسَيرٍ وَسَطٍ، وهُوَ ما سَارَ الإِبلُ والرَّاجِلُ، وفي البَحْرِ مَا سَارَ الفُلْكُ إذَا اعْتَدَلَ الرِّيحُ.
===
فأوْلَى ما اسْتُدِلَّ به عليه قوله ﷺ «يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» (١) . فهو تنصيص على أن مدة السفر لا تنقص عَمَّا يمكن استيفاء هذه الرخصة فيها، لذكر المسافر مُحَلَّى بالألف واللام، فاسْتَغْرَق الجنس لعدم المعهود كما هو في المقيم كذلك.
فاقتضى تمكن كل مسافر من مسح ثلاثة أيام ولياليها، ولا يُتَصَوَّرُ أن يمسح كل مسافر ثلاثة أيام ولياليها إلاَّ وأن يكون أقل مدة السفر ثلاثة أيام ولياليها. إذ لو كان أقل من ذلك لخرج بعض المسافرين عن استيفاء هذه الرخصة. والزيادة عليها منتفية إجماعاً، فكان الاحتياج إلى إثبات أنّ الثلاثة أقل مدة السفر. ولأن الرخصة كانت منتفية بيقين، فلا تثبت إلاَّ بتيقنِ ما هو سفر شرعي، وذا فيما عيَّنَّاه إذ لم يقل أحد بأكثر منه.
لكن قد يُقَال: المراد بمسح المسافر ثلاثة أيام إذاكان سفره يستوعبها فصاعداً، إلاَّ أنه احتمال يخالفه الظاهر، فلا يُصَار إليه، فإن قيل: هذا إنما يتم لو كان ثلاثة أيام ظرفاً ليمسح، وهو ممنوع، بل هو ظرف للمسافر. أجيب بأنه ظرف ليمسح، كما أن يوماً وليلة ظرف له، لأن الكلام على نسق واحد. وأيضاً لا يفهم منه حينئذ مدة المسح للمسافر، ولا حكم المسافر الذي يسافر أقل من الثلاثة.
واختار أكثر المشايخ تقدير أقل مدة السفر بالأميال، ثم اختلفوا فيه فقيل: يقدر بثلاثة وستين ميلاً، وقيل: يُفْتَى بأربعة وخمسين ميلاً. لأنها أوسط الأعداد المذكورة. ذكره في «المحيط».
وقيل: بخمسة وأربعين ميلاً. إمَّا بناءً على ما مر من حديث مجاهد، وإمَّا لأن كل من قَدَّرَه بقَدْرٍ فيها أعتقد أنه مسيرة ثلاثة أيام.
(بِسَيْرٍ وَسَطٍ) أي متوسط معتدل (وهُوَ) في البر (ما سَارَ الإِبلُ والرَّاجِلُ) أي الماشي، وذلك لأن أعجل السير سير البَرِيد، وأبطأه سير العَجَلَة، وخير الأمور أوسطها. (وفي البَحْرِ مَا سَارَ الفُلْكُ) أي السفينة (إذَا اعْتَدَلَ الرِّيحُ) بحيث لم تكن عاصفة ولا هاوية. قال الحاكم الشهيد في «جامعه الصغير»: الفتوى على ذلك. وذكر في «العُيُون» عن أبي حنيفة: أنه يُعْتَبَرُ مسيرة ثلاثة أيام في البر، وإن أسرع في السير وسارها في
стр. 386
وما يَلِيقُ بالجَبَلِ، فَيقْصُرُ الرُّبَاعِيَّ
===
يومين أو أقل. (وما يَلِيقُ بالجَبَلِ) إذا كان السير فيه.
(فَيَقْصُرُ) الفرض (الرُّبَاعِيَّ) وفرضه فيه ركعتان، وهو قول البغداديين من المالكية. وقال الشافعي، وأحمد، وبه قال مالك في وجه: فرضه الأربع، ورُخِّصَ له القصر رخصة تَرْفِيهٍ، والإتمام أفضل كالصوم لقوله تعالى: (﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ (١) ولِمَا في مسلم عن يَعْلَى بن أُمَيَّة قال: «قلت لعمر بن الخطاب ﵁ (٢) ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمِنَ الناس فقال: عَجِبْتُ مما عَجِبْتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: صَدَقةٌ تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته».
ولنا ما في «الصحيحين» عن عائشة قالت: «فُرِضَتْ الصلاة ركعتين ركعتين، فَأُقِرَّت صلاة السفر وَزِيدَتْ في الحَضَرِ». وفي لفظ البخاري: «فُرِضَتْ الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبيّ ﷺ ففرضت أربعاً، وتُرِكَتْ صلاة السفر على الفريضة الأُولى». وفي «صحيح مسلم» (٣) عن ابن عباس قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة». أي مع كل طائفة، وهذا رفع منه. وفي لفظ الطَّبَرَانِي: «افترض رسول الله ﷺ ركعتين في السفر، كما افترض في الحضر أربعاً».
وفي النَّسائي، وابن ماجه، عن ابن أبي ليلى عن عمر قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمامٌ غير قصر على لسان محمد». وفي البخاري عن ابن عمر: «صَحِبْتُ رسول الله ﷺ في السفر ولم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصَحِبْتُ عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤) » وهو مُعَارِضٌ للمروي عن عثمان أنه كان يُتِمُّ.
стр. 387
إلى أنْ يَدْخُلَ بَلَدَهُ، أوْ يَنْوِي إِقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ بِبَلْدَةٍ أوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ،
===
والتوفيق أن إتمامه المَرْوِيَّ كان حين أقام بمِنىً أيام مِنىً. ولا شك أنه حكم منسحب على إقامة أيام مِنىً، فشاع إطلاق أنه أتمّ في السفر. ثم كان ذلك منه بعد مضي صدر من خلافته، لأنه تأهَّلَ بمكة، على ما رواه أحمد: «أنه صلّى بمنىً أربع ركعات، فأنكر الناس عليه فقال: أيها الناس، إنِّي تَأَهَّلْتُ بمكّة منذ قَدِمْتُ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من تأَهَّلَ في بلد فليصلِّ صلاة المقيم».
والحاصل أن القصر رُخْصَةُ إسقاطٍ، فهي رخصة مجازية، ولذا سمّاه في النص صدقة، ورَفْعَ الجُنَاح في الآية لدفع توهّم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحَضَر، وذلك مَظِنّة وَهْمِ النقصان، فدَفَعَ ذلك عنهم.
ثم لا قصر في السنن لأن القصر للتخفيف على المسافر، والتخفيف يُحْتَاجُ إليه في الفرائض لأنها لازمة. كذا في «المحيط». وروى البخاري من حديث حَفْص بن عَاصِم قال: «سافر ابن عمر فقال: صَحِبْتُ النبيّ ﷺ فلم أره يسبِّح في السفر وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. انتهى. ومعنى يسبح: يتطوّع بالصلاة. وقيل: يأتي بالسنن إذا كان في المنزل، ويتركها إذا كان في الارتحال».
فيقصر الفرض الرُّبَاعِي (إلى أنْ يَدْخُلَ بَلَدَهُ) الذي فارق بيوته وإن لم ينو الإقامة، لأنه ﷺ وأصحابه الكرام كانوا يسافرون ويعودون إلى أوطانهم مقيمين من غير عزم جديد. وهذا إن أكمل في ذهابه ثلاثة أيام. وأمَّا إن لم يُكْمِلْها، فيُتِمّ بمجرد رجوعه، لأنه نقض السفر قبل استحكامه. روى عبد الرزاق في «مصنفه» قال عليّ بن رَبِيعَة الأَسدي: «خرجنا مع عليّ ﵁ ونحن ننظر إلى الكوفة فصلّى ركعتين، ثم رجعنا فصلّى ركعتين ـ وهو ينظر إلى القرية ـ فقلنا له: ألا تصلّي أربعاً؟ فقال: لا حتى ندخلها».
(أوْ يَنْوِي إِقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ بِبَلْدَةٍ أوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ) أي لا في مفازة (١) من غير ساكنيها، لأن الإقامة لا تعتبر إلاَّ في موضع صالح لها، وغير البلدة والقرية لا يصلح للإقامة إلاَّ لأهل الأخْبِيَة (٢) كما سيأتي. وهذا إذا سار ثلاثة أيام فصاعداً، وأمَّا إذا سار
стр. 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
دونها فيتم إذا نوى إقامة نصف شهر ولو في المفازة. وإنما قيد البلدة أو القرية بكونها واحدة، لأن نية الإقامة في بلدتين أو قريتين أو بلدة وقرية لا تصح، فلا تصح نيّة الإقامة بمكة ومنى لفقد نيّة الإقامة كَمَلاً (١) إلاَّ إذا نوى قبل الدخول الإقامة في أحدهما ليلاً، وفي الآخر نهاراً، فحينئذٍ يصير مقيماً بالدخول فيما نوى الإقامة فيه ليلاً، لأن إقامة المرء مضافة إلى بيته.
وقال مالك والشافعي: إذ نوى المسافر إقامة أربعة أيام يتم. وقال أحمد: إذا نوى أكثر من إحدى وعشرين صلاة يتم. لِمَا رُوِيَ عن عثمان ﵁ أنه قال: «من أقام أربعاً أتمّ». وعن سعيد بن المُسَيَّب: «من أجمع على إقامة أربع أتمّ».
ولنا قول ابن عباس، وابن عمر ﵃: «إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تَظْعَن (٢) فاقصرها». رواه الطحاوي. وما روى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة ﵀: حدّثنا موسى بن مسلم، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: «إذا كنت مسافراً فَوَطَّنْتَ نفسك على إقامة خمسة عشر يوماً فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري فاقصر». وما روى محمد بن الحسن في «موطَّئه»: عن ابن عباس أنه قال: إذا نوى إقامة خمسة عشر يوماً أتَمَّ الصلاة»، وروى مثلَه عن سعيد بن جُبَيْر، وسعيد بن المُسَيَّب. وما روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن مُجَاهد: أن ابن عمر كان إذا جَمَعَ على إقامة خمسة عشر يوماً أتمَّ الصلاة. وقال الترمذي في كتابه (٣) : رُوِيَ عن ابن عمر أنه قال: «من أقام خمسة عشر يوماً أتم الصلاة». والأثر في مثله كالخبر، لأنه لا مدخل للرأي في المُقَدَّرات الشرعية.
ويَرُدُّ أثرَهما (٤) ما في الكتب الستّة عن أنس قال: «خرجنا مع النبيّ ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلّي ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. قيل: كم أقمتم بمكة؟ قال: أقمنا بها عشراً». فإن قيل: يحتمل أنهم كانوا يَعْزِمُونَ على السفر كل يوم.
أُجيب بأن هذا الحديث في حجّة الوداع كما صَرَّحَ به المُنْذِري، فلا بد أنهم
стр. 389
وبِصَحْرَاءِ دَارِنَا وهُوَ خِبَائِيّ، لا بِدَارِ الحَرْبِ، أوْ أَهْلِ البغْيِ مُحَاصِرًا،
===
قصدوا إقامة أكثر من أربعة أيام لأجل النُّسُك، فإنه ﷺ دخل مكة يوم الأحد صُبْحَ رابعة من ذي الحِجَّة، وبات بالمُحَصَّب (١) ليلة الأربعاء بعد أيام منىً، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة ﵂ من التَّنْعِيمِ (٢) ، ثم طاف ﷺ طواف الوداع سَحَراً قبل الصبح من يوم الأربعاء، وخرج صبيحته ـ وهو الرابع عشر ـ فتمت له عشر ليال.
نعم، يتأتى هذا الاحتمال في إقامته ﷺ عام الفتح تسعة عشر يوماً فيما روى البُخَاري من حديث ابن عباس: «أنّ رسول الله ﷺ أقام بمكة تسعة عشر يوماً يَقْصُرُ الصلاة». وقد صَرَّحَ في بعض الطرق: «أقام بمكة عام الفتح». قال المُنْذِري: حديث أنس يُخْبِرُ عن مُقَامه ﷺ في حجّة الوداع، وحديث ابن عباس يُخْبِرُ عن مُقَامِه في عام الفتح. وفي «الغاية»: عن العلماء في مدة الإقامة للمسافر ثمانية عشر قولاً.
(وبِصَحْرَاءِ دَارِنَا) عطف على «بلدة»، أي ويَقْصُرُ إلى أن ينوي الإقامة بصحراء دار الإسلام، (وهُوَ خِبَائِيّ) أي والحال أنه من أهل الخِبَاء وهي بكسر الخاء: الخيمة. والمراد أهل البادية كالأعراب والأتراك، لأن الصحراء موضع إقامتهم. وقيل: لا يَصح إقامتهم أبداً، لأن حالهم يخالف عزيمتهم. فإن إقامتهم للكلأْ فإذا لم يبق انزعجوا (٣) . وأُجِيبَ بأنهم مقيمون، لأن الإقامة للمرء أصل والسفر عارض، فلا يبطل بالانتقال من مَرْعى إلى مَرْعى.
(لا بِدَارِ الحَرْبِ) عطف على قوله: بصحراء دارنا، فإنه جعلَ نيّةَ الإقامة في صحراء دارنا غايةً للقصر، وحكم الغاية مخالف لحكم المُغَيَّا، فيكون حكمه عدم القصر. ثم قوله: لا بدار الحرب، نفي لذلك النفي، فيكون حكمه القصر. فالمعنى يقصر الرُّباعي عَسْكَرٌ نوى إقامة نصف الشهر بدار الحرب، سواء كان مُحَاصِراً لهم أو لم يكن.
(أوْ) بدار (أَهْلِ البَغْيِ) حال كون العسكر (مُحَاصِراً) للبغاة: وهم المسلمون الذين خرجوا على الإمام، لأن العسكر في دار الحرب ودار البغاة متردد بين الفرار والقرار، فتصير نية الإقامة فيه كنيتها في المفازة والجزيرة، فلا يقطع قصر الصلاة.
стр. 390
كَمَنْ طَالَ مُكْثُه بِلا نِيَّة، فَلَوْ أَتَمَّ وقَعَدَ الأوْلَى، تَمَّ فَرْضُه وأَسَاءَ، ومَا زَادَ نَفْلٌ. وإنْ لَمْ يَقْعُدْ بَطَلَ فَرْضُهُ.
===
ولهذا قالوا من دخل بلداً لقضاء حاجة، ونوى إقامة خمسة عشر يوماً، لا يصير مقيماً، لأنه إن قضى حاجته قبل ذلك خرج منها. فقد روى أبو داود ـ بإسناد قال النووي: إنه على شرط البخاري ومسلم ـ عن جابر: «أن النبيّ ﷺ أقام بتبوك عشرين يوماً يَقْصُرُ الصلاة».
(كَمَنْ طَالَ مُكْثُه بِلَا نِيَّةٍ) أي كما يقصر من طال مُكْثَه في بلد أو قرية ولا نيّة له. لِمَا روى البيهقي في «المعرفة» ـ بسند قال النووي: إنه على شرط الشيخين ـ أن ابن عمر ﵄ قال: «ارْتَجَّ علينا الثلج ونحن بأذْرَبِيجَان ستة أشهر في غَزَاةٍ، فكنا نقصر». ارْتَجَّ بالمثناة والجيم من الارتجاج أي أَغْلَقَ. وفيه: «أنه كان مع غيره من الصحابة يفعلون ذلك». ورَوَى في «المعرفة» عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة قال: «كنّا مع سعد بن أبي وقَّاص في قرية من قُرَى الشام أربعين ليلة، فكنّا نصلّي أربعاً، وكان يصلّي ركعتين». وعن أنس أيضاً: «أنّ أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برَامَهُرْمُزَ تسعة أشهر يَقْصُرُون الصلاة». قال النووي: رواه البيهقي بإسناد صحيح.
وعن أنس أيضاً: «أنه أقام بالشام مع عبد الملك شهرين يصلي صلاة مسافر». قال النووي: رواه البيهقي، بإسناد صحيح. وعن ابن عباس: «أقام النبيّ ﷺ أربعين يوماً يصلّي ركعتين». رواه البيهقي. وإسناده ضعيف. وروى عبد الرَّزَّاق، عن الحسن قال: «كنّا مع عبد الرَّحْمن بن سَمُرَة ببعض بلاد فارس سنتين، فكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين. وروى أبو داود عن جابر قال: «أقام ﷺ بتبوك عشرين يوماً يَقْصُرُ الصلاة».
ويُعتبر التَّبَعُ كالعبد والمرأة والجندي مسافراً ومقيماً بنية المَتْبُوع بشرط علم التابع في الأصح، حتى لو لم يعلم بنية إقامته إلاَّ بعد أيام فإن صلاته في تلك الأيام جائزة لتوقف الخطاب بالحكم على العلم به. ورُوِيَ عن بعض أصحابنا: أنه عليه الإعادة، إذ الحكم في التبع يثبت بشرط علم الأصل.
(فَلَوْ أَتَمَّ) المسافر (وقَعَدَ) القعْدَة (الأُوْلَى تَمَّ فَرْضُه وأَسَاءَ) لتأخيره السلام عن وقته، إن كان الإتمام قصداً لشبهة عدم قبول صدقة الله تعالى. (ومَا زَادَ نَفْلٌ) وصار كما لو صلى الفجر أربعاً وقَعَدَ على رأس الركعتين (وإنْ لَمْ يَقْعُدْ بَطَلَ فَرْضُهُ) لتركه القعْدة التي هي فرض. وهذا إذا لم ينوِ الإِقامة في القَوْمَةِ الثالثة، وأمَّا إذا نواها فإنه يصير مقيماً، وينقلب فرضه أربعاً. وترك المقيم القعْدَة الأولى لا يبطل فرضه، لأنها حينئذٍ