وما يَلِيقُ بالجَبَلِ، فَيقْصُرُ الرُّبَاعِيَّ
===
يومين أو أقل. (وما يَلِيقُ بالجَبَلِ) إذا كان السير فيه.
(فَيَقْصُرُ) الفرض (الرُّبَاعِيَّ) وفرضه فيه ركعتان، وهو قول البغداديين من المالكية. وقال الشافعي، وأحمد، وبه قال مالك في وجه: فرضه الأربع، ورُخِّصَ له القصر رخصة تَرْفِيهٍ، والإتمام أفضل كالصوم لقوله تعالى: (﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ (١) ولِمَا في مسلم عن يَعْلَى بن أُمَيَّة قال: «قلت لعمر بن الخطاب ﵁ (٢) ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمِنَ الناس فقال: عَجِبْتُ مما عَجِبْتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: صَدَقةٌ تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته».
ولنا ما في «الصحيحين» عن عائشة قالت: «فُرِضَتْ الصلاة ركعتين ركعتين، فَأُقِرَّت صلاة السفر وَزِيدَتْ في الحَضَرِ». وفي لفظ البخاري: «فُرِضَتْ الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبيّ ﷺ ففرضت أربعاً، وتُرِكَتْ صلاة السفر على الفريضة الأُولى». وفي «صحيح مسلم» (٣) عن ابن عباس قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة». أي مع كل طائفة، وهذا رفع منه. وفي لفظ الطَّبَرَانِي: «افترض رسول الله ﷺ ركعتين في السفر، كما افترض في الحضر أربعاً».
وفي النَّسائي، وابن ماجه، عن ابن أبي ليلى عن عمر قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمامٌ غير قصر على لسان محمد». وفي البخاري عن ابن عمر: «صَحِبْتُ رسول الله ﷺ في السفر ولم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصَحِبْتُ عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤) » وهو مُعَارِضٌ للمروي عن عثمان أنه كان يُتِمُّ.
стр. 387
إلى أنْ يَدْخُلَ بَلَدَهُ، أوْ يَنْوِي إِقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ بِبَلْدَةٍ أوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ،
===
والتوفيق أن إتمامه المَرْوِيَّ كان حين أقام بمِنىً أيام مِنىً. ولا شك أنه حكم منسحب على إقامة أيام مِنىً، فشاع إطلاق أنه أتمّ في السفر. ثم كان ذلك منه بعد مضي صدر من خلافته، لأنه تأهَّلَ بمكة، على ما رواه أحمد: «أنه صلّى بمنىً أربع ركعات، فأنكر الناس عليه فقال: أيها الناس، إنِّي تَأَهَّلْتُ بمكّة منذ قَدِمْتُ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من تأَهَّلَ في بلد فليصلِّ صلاة المقيم».
والحاصل أن القصر رُخْصَةُ إسقاطٍ، فهي رخصة مجازية، ولذا سمّاه في النص صدقة، ورَفْعَ الجُنَاح في الآية لدفع توهّم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحَضَر، وذلك مَظِنّة وَهْمِ النقصان، فدَفَعَ ذلك عنهم.
ثم لا قصر في السنن لأن القصر للتخفيف على المسافر، والتخفيف يُحْتَاجُ إليه في الفرائض لأنها لازمة. كذا في «المحيط». وروى البخاري من حديث حَفْص بن عَاصِم قال: «سافر ابن عمر فقال: صَحِبْتُ النبيّ ﷺ فلم أره يسبِّح في السفر وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. انتهى. ومعنى يسبح: يتطوّع بالصلاة. وقيل: يأتي بالسنن إذا كان في المنزل، ويتركها إذا كان في الارتحال».
فيقصر الفرض الرُّبَاعِي (إلى أنْ يَدْخُلَ بَلَدَهُ) الذي فارق بيوته وإن لم ينو الإقامة، لأنه ﷺ وأصحابه الكرام كانوا يسافرون ويعودون إلى أوطانهم مقيمين من غير عزم جديد. وهذا إن أكمل في ذهابه ثلاثة أيام. وأمَّا إن لم يُكْمِلْها، فيُتِمّ بمجرد رجوعه، لأنه نقض السفر قبل استحكامه. روى عبد الرزاق في «مصنفه» قال عليّ بن رَبِيعَة الأَسدي: «خرجنا مع عليّ ﵁ ونحن ننظر إلى الكوفة فصلّى ركعتين، ثم رجعنا فصلّى ركعتين ـ وهو ينظر إلى القرية ـ فقلنا له: ألا تصلّي أربعاً؟ فقال: لا حتى ندخلها».
(أوْ يَنْوِي إِقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ بِبَلْدَةٍ أوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ) أي لا في مفازة (١) من غير ساكنيها، لأن الإقامة لا تعتبر إلاَّ في موضع صالح لها، وغير البلدة والقرية لا يصلح للإقامة إلاَّ لأهل الأخْبِيَة (٢) كما سيأتي. وهذا إذا سار ثلاثة أيام فصاعداً، وأمَّا إذا سار
стр. 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
دونها فيتم إذا نوى إقامة نصف شهر ولو في المفازة. وإنما قيد البلدة أو القرية بكونها واحدة، لأن نية الإقامة في بلدتين أو قريتين أو بلدة وقرية لا تصح، فلا تصح نيّة الإقامة بمكة ومنى لفقد نيّة الإقامة كَمَلاً (١) إلاَّ إذا نوى قبل الدخول الإقامة في أحدهما ليلاً، وفي الآخر نهاراً، فحينئذٍ يصير مقيماً بالدخول فيما نوى الإقامة فيه ليلاً، لأن إقامة المرء مضافة إلى بيته.
وقال مالك والشافعي: إذ نوى المسافر إقامة أربعة أيام يتم. وقال أحمد: إذا نوى أكثر من إحدى وعشرين صلاة يتم. لِمَا رُوِيَ عن عثمان ﵁ أنه قال: «من أقام أربعاً أتمّ». وعن سعيد بن المُسَيَّب: «من أجمع على إقامة أربع أتمّ».
ولنا قول ابن عباس، وابن عمر ﵃: «إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تَظْعَن (٢) فاقصرها». رواه الطحاوي. وما روى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة ﵀: حدّثنا موسى بن مسلم، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: «إذا كنت مسافراً فَوَطَّنْتَ نفسك على إقامة خمسة عشر يوماً فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري فاقصر». وما روى محمد بن الحسن في «موطَّئه»: عن ابن عباس أنه قال: إذا نوى إقامة خمسة عشر يوماً أتَمَّ الصلاة»، وروى مثلَه عن سعيد بن جُبَيْر، وسعيد بن المُسَيَّب. وما روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن مُجَاهد: أن ابن عمر كان إذا جَمَعَ على إقامة خمسة عشر يوماً أتمَّ الصلاة. وقال الترمذي في كتابه (٣) : رُوِيَ عن ابن عمر أنه قال: «من أقام خمسة عشر يوماً أتم الصلاة». والأثر في مثله كالخبر، لأنه لا مدخل للرأي في المُقَدَّرات الشرعية.
ويَرُدُّ أثرَهما (٤) ما في الكتب الستّة عن أنس قال: «خرجنا مع النبيّ ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلّي ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. قيل: كم أقمتم بمكة؟ قال: أقمنا بها عشراً». فإن قيل: يحتمل أنهم كانوا يَعْزِمُونَ على السفر كل يوم.
أُجيب بأن هذا الحديث في حجّة الوداع كما صَرَّحَ به المُنْذِري، فلا بد أنهم
стр. 389
وبِصَحْرَاءِ دَارِنَا وهُوَ خِبَائِيّ، لا بِدَارِ الحَرْبِ، أوْ أَهْلِ البغْيِ مُحَاصِرًا،
===
قصدوا إقامة أكثر من أربعة أيام لأجل النُّسُك، فإنه ﷺ دخل مكة يوم الأحد صُبْحَ رابعة من ذي الحِجَّة، وبات بالمُحَصَّب (١) ليلة الأربعاء بعد أيام منىً، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة ﵂ من التَّنْعِيمِ (٢) ، ثم طاف ﷺ طواف الوداع سَحَراً قبل الصبح من يوم الأربعاء، وخرج صبيحته ـ وهو الرابع عشر ـ فتمت له عشر ليال.
نعم، يتأتى هذا الاحتمال في إقامته ﷺ عام الفتح تسعة عشر يوماً فيما روى البُخَاري من حديث ابن عباس: «أنّ رسول الله ﷺ أقام بمكة تسعة عشر يوماً يَقْصُرُ الصلاة». وقد صَرَّحَ في بعض الطرق: «أقام بمكة عام الفتح». قال المُنْذِري: حديث أنس يُخْبِرُ عن مُقَامه ﷺ في حجّة الوداع، وحديث ابن عباس يُخْبِرُ عن مُقَامِه في عام الفتح. وفي «الغاية»: عن العلماء في مدة الإقامة للمسافر ثمانية عشر قولاً.
(وبِصَحْرَاءِ دَارِنَا) عطف على «بلدة»، أي ويَقْصُرُ إلى أن ينوي الإقامة بصحراء دار الإسلام، (وهُوَ خِبَائِيّ) أي والحال أنه من أهل الخِبَاء وهي بكسر الخاء: الخيمة. والمراد أهل البادية كالأعراب والأتراك، لأن الصحراء موضع إقامتهم. وقيل: لا يَصح إقامتهم أبداً، لأن حالهم يخالف عزيمتهم. فإن إقامتهم للكلأْ فإذا لم يبق انزعجوا (٣) . وأُجِيبَ بأنهم مقيمون، لأن الإقامة للمرء أصل والسفر عارض، فلا يبطل بالانتقال من مَرْعى إلى مَرْعى.
(لا بِدَارِ الحَرْبِ) عطف على قوله: بصحراء دارنا، فإنه جعلَ نيّةَ الإقامة في صحراء دارنا غايةً للقصر، وحكم الغاية مخالف لحكم المُغَيَّا، فيكون حكمه عدم القصر. ثم قوله: لا بدار الحرب، نفي لذلك النفي، فيكون حكمه القصر. فالمعنى يقصر الرُّباعي عَسْكَرٌ نوى إقامة نصف الشهر بدار الحرب، سواء كان مُحَاصِراً لهم أو لم يكن.
(أوْ) بدار (أَهْلِ البَغْيِ) حال كون العسكر (مُحَاصِراً) للبغاة: وهم المسلمون الذين خرجوا على الإمام، لأن العسكر في دار الحرب ودار البغاة متردد بين الفرار والقرار، فتصير نية الإقامة فيه كنيتها في المفازة والجزيرة، فلا يقطع قصر الصلاة.
стр. 390
كَمَنْ طَالَ مُكْثُه بِلا نِيَّة، فَلَوْ أَتَمَّ وقَعَدَ الأوْلَى، تَمَّ فَرْضُه وأَسَاءَ، ومَا زَادَ نَفْلٌ. وإنْ لَمْ يَقْعُدْ بَطَلَ فَرْضُهُ.
===
ولهذا قالوا من دخل بلداً لقضاء حاجة، ونوى إقامة خمسة عشر يوماً، لا يصير مقيماً، لأنه إن قضى حاجته قبل ذلك خرج منها. فقد روى أبو داود ـ بإسناد قال النووي: إنه على شرط البخاري ومسلم ـ عن جابر: «أن النبيّ ﷺ أقام بتبوك عشرين يوماً يَقْصُرُ الصلاة».
(كَمَنْ طَالَ مُكْثُه بِلَا نِيَّةٍ) أي كما يقصر من طال مُكْثَه في بلد أو قرية ولا نيّة له. لِمَا روى البيهقي في «المعرفة» ـ بسند قال النووي: إنه على شرط الشيخين ـ أن ابن عمر ﵄ قال: «ارْتَجَّ علينا الثلج ونحن بأذْرَبِيجَان ستة أشهر في غَزَاةٍ، فكنا نقصر». ارْتَجَّ بالمثناة والجيم من الارتجاج أي أَغْلَقَ. وفيه: «أنه كان مع غيره من الصحابة يفعلون ذلك». ورَوَى في «المعرفة» عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة قال: «كنّا مع سعد بن أبي وقَّاص في قرية من قُرَى الشام أربعين ليلة، فكنّا نصلّي أربعاً، وكان يصلّي ركعتين». وعن أنس أيضاً: «أنّ أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برَامَهُرْمُزَ تسعة أشهر يَقْصُرُون الصلاة». قال النووي: رواه البيهقي بإسناد صحيح.
وعن أنس أيضاً: «أنه أقام بالشام مع عبد الملك شهرين يصلي صلاة مسافر». قال النووي: رواه البيهقي، بإسناد صحيح. وعن ابن عباس: «أقام النبيّ ﷺ أربعين يوماً يصلّي ركعتين». رواه البيهقي. وإسناده ضعيف. وروى عبد الرَّزَّاق، عن الحسن قال: «كنّا مع عبد الرَّحْمن بن سَمُرَة ببعض بلاد فارس سنتين، فكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين. وروى أبو داود عن جابر قال: «أقام ﷺ بتبوك عشرين يوماً يَقْصُرُ الصلاة».
ويُعتبر التَّبَعُ كالعبد والمرأة والجندي مسافراً ومقيماً بنية المَتْبُوع بشرط علم التابع في الأصح، حتى لو لم يعلم بنية إقامته إلاَّ بعد أيام فإن صلاته في تلك الأيام جائزة لتوقف الخطاب بالحكم على العلم به. ورُوِيَ عن بعض أصحابنا: أنه عليه الإعادة، إذ الحكم في التبع يثبت بشرط علم الأصل.
(فَلَوْ أَتَمَّ) المسافر (وقَعَدَ) القعْدَة (الأُوْلَى تَمَّ فَرْضُه وأَسَاءَ) لتأخيره السلام عن وقته، إن كان الإتمام قصداً لشبهة عدم قبول صدقة الله تعالى. (ومَا زَادَ نَفْلٌ) وصار كما لو صلى الفجر أربعاً وقَعَدَ على رأس الركعتين (وإنْ لَمْ يَقْعُدْ بَطَلَ فَرْضُهُ) لتركه القعْدة التي هي فرض. وهذا إذا لم ينوِ الإِقامة في القَوْمَةِ الثالثة، وأمَّا إذا نواها فإنه يصير مقيماً، وينقلب فرضه أربعاً. وترك المقيم القعْدَة الأولى لا يبطل فرضه، لأنها حينئذٍ
стр. 391
مُسَافِرٌ أَمَّهُ مُقِيمٌ في الوَقْتِ يُتِمُّ، وبَعْدَهُ لا يَؤُمُّهُ. وَلَوْ أَمًّهُ بَطَلَ اقْتِدَاؤُهُ، وفي عَكْسِهِ أَتَمَّ المُقِيمُ وقَصَرَ المُسَافِرُ، قَائِلًا نَدْبًا: أَتِمُّوا صَلاتكُمْ فَإِنِّي مُسَافِرٌ.
===
واجبة، وقيل: سنة.
(مُسَافِرٌ أَمَّهُ مُقِيمٌ في الوَقْتِ يُتِمُّ) لأن فرضه يصير أربعاً تَبَعاً لإمامه، حتى لا يضره عدم جلوس إمامه على رأس الأُولَيَيْنِ لالتزامه التبعية. لِمَا روى مالك في «الموطأ»: عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان يصلي وراء الإمام أربعاً، فإذا صلَّى بنفسه صلّى ركعتين».
(وبَعْدَهُ) أي بعد الوقت (لا يَؤُمُّهُ) أي لا يَؤُمُّ المقيم المسافر. (وَلَوْ أَمَّهُ بَطَلَ اقْتِدَاؤُهُ) لأنَّ فرض المسافر لا يتغير بعد الوقت لانفصال سببه ـ وهو الوقت ـ كما لا يتغير بعده بنيّة إقامته، فلا يصح اقتداؤه به، لأنه يؤدي إلى اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعْدة، إن اقتدى به في الشَّفْعِ الأَول، وفي حقِّ القراءة إن اقتدى به في الشَّفْعِ الثاني، إذ هي فيه نفل للمقيم.
(وفي عَكْسِهِ) وهو مقيم أمَّهُ مسافر (أَتَمَّ المُقِيمُ) سواء أَمَّه في وقتها أو فائتة، لأن القعْدَة الأولى فرض في حق المسافر غير فرض في حق المقيم، واقتداء غير المفترض بالمفترض جائز. وإذا سلَّم المسافر أتَمَّ المقيم منفرداً لأنه التزم الموافقة في الركعتين، فصار كالمسبوق في التزام بعض الصلاة مع الإمام وأداء باقيها منفرداً، فيقرأ. وقيل: لا يقرأ لأنه لاحق أدرك أول الصلاة.
(وقَصَرَ) الإمام (المُسَافِرُ) أي وجوباً (قَائِلاً نَدْباً) لدفع تَوَهُّم أنه سهى: (أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنِّي مُسَافِرٌ) لِمَا روى أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح، عن عِمْرَانَ بن حُصَيْن قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلِّي إلاَّ ركعتين يقول: يا أهل مكة: صلُّوا أربعاً فإنّا سَفْرٌ». بفتح فسكون، جمع سافر ـ كصَحْبٍ وصاحب ـ أي مسافرون. ورواه أبو داود، والطَّيالِسِي ولفظه: «ما سافرت مع رسول الله ﷺ سفراً قط إلاَّ صلى ركعتين حتى يرجع. وشهدت معه حُنَيْناً والطائف، فكان يصلّي ركعتين، ثم حججت معه واعتمرت فصلّى ركعتين، ثم قال: يا أهل مكة: أَتمّوا صلاتكم فإنَّا قوم سَفْرٌ». وهكذا أَخْبَرنا عن أبي بكر، وعمر ﵄ وقال: «وقد حججت مع عثمان ﵁ سبع سنين من إمارته، فكان لا يصلّي إلاَّ ركعتين، ثم صلى بمنىً أربعاً».
وخلاصة الكلام: أنه يستحب الإعلام بعد السلام للإتمام لاحتمال أن يكون
стр. 392
ويُبْطِلُ الوَطَنَ الأَصْلِيَّ مِثْلُهُ، لا السَّفَرُ، ووَطَنَ الإِقَامَةِ
===
خلفه من لا يعرف حاله، ولا تَيَسَّرَ له الاجتماع به قبل ذهابه، فيحكم حينئذٍ بفساد صلاة نفسه بناء على ظن إقامته، ثم إفسادها بسلامه على ركعتين. وهذا محمل ما في «الفتاوى»: إذا اقتدى بإمام لا يدري أمسافر هو أم مقيم، لا يصح، لأن العلم بحال الإمام شرط الأداء بجماعة، لا أنه شرط في الابتداء لِمَا في «المَبْسُوط»: رجل صلَّى بقوم الظهر ركعتين في قرية وهم لا يدرون أمسافر هو أم مقيم، فصلاتهم فاسدة، سواء كانوا مقيمين أو مسافرين، لأن الظاهر من حال مَنْ في موضع الإقامة أنه مقيم، والبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه. فإن سألوه فأخبرهم أنه مسافر جازت صلاتهم.
وإنما كان قول الإمام مستحباً لعدم تعيُّنه مُعَرِّفاً صحةَ صلاته لهم، فإنه ينبغي أن يُتِمُّوا ثم يسألوه فتحصل المعرفة. ثم من غريب المقام: أن الإمام أبا حنيفة صلّى بقوم في المسجد الحرام، فَلَمَّا انصرف قال: أَتِمُّوا صلاتكم فإني مسافر. فقال بعض المقتدين به من سفهاء مكة: نحن أعلم منك يا عراقي. (فقال أبو حنيفة: لو كنتَ أعلمَ مني لَمَا تكلّمتَ خلال صلاتك) (١) .
(ويُبْطِلُ الوَطَنَ الأَصْلِيَّ) مفعول مقدم، وهي البلدة أو القرية التي وُلِدَ بها أو تَأَهَّلَ فيها ـ أعني توطن بها ـ بأن نَوَى كونه فيها إلى آخر عمره. فالمعنى جعل نفسه من أهل تلك القرية، سواء تَزَوَّجَ فيها أم لا (مِثْلُهُ) أَلَا ترى أن رسول الله ﷺ بعد الهجرة عَدَّ نفسه بمكة من المسافرين؟ وقال: «أَتمّوا صلاتكم فإني مسافر». فيُبْطِله مثله، سواء كان بينهما مدة السفر أو لم يكن، حتى لو عاد إلى الأول وبينهما مدة السفر، لا يصير مقيماً إلاَّ بنية الإقامة، لأن الشيء يبطل بمثله كما يبطل بأقوى منه. فإنّ وطن الإقامة يبطل بالوطن الأصليّ. وهذا إذا لم يبق له في الوطن الأول أهل ـ أي تَعَلُّق ـ من زوج، أو ولد، أو زراعة، أو نحوها. وأما إن كان له فيه أهل فإنه لا يبطل، وبأيهما دخل يتم الصلاة من غير نيّة الإقامة.
(لا السَّفَرُ) بالرفع أي لا يُبطل الوطنَ الأصليّ السفُر. بل بمجرد دخول المسافر إلى وطنه الأصليّ يصير مقيماً، ولا يفتقر إلى نيّة الإقامة.
(ووَطَنَ الإِقَامَةِ) منصوب عطف على الوطن الأصليّ أي ويبطل وطن الإقامة وهو البلدة أو القرية التي ليس للمسافر فيها أهل ونوى أن يقيم فيها خمسة عشر يوماً
стр. 393
مِثْلُهُ والسَّفَرُ وَالأَصْلِيُّ، والسَّفَرُ وضِدُّهُ لا يُغَيِّرَانِ الفَائِتَةَ. وسَفَرُ المَعْصِيَةِ كَغَيْرِهِ في الرُّخَص.
===
فصاعداً (مِثْلُهُ) لأنَّ الشيء يُرتفض بمثله. (والسَّفَرُ) لأنه ضد الإقامة فلا تبقى معه، (وَ) الوطن (الأَصْلِيُّ) لأنه أقوى من وطن الإقامة.
(والسَّفَرُ وضِدُّهُ لا يُغَيِّرَانِ الفَائِتَةَ) عندنا وبه قال مالك. حتى لو قضى المسافر حَضَرِيّة قضاها أربعاً، ولو قضى المقيم سَفَرِيّة قضاها ثنتين، لأن القضاء على حسب الأداء. وإنما يقضي المريض بالإيماء ما فاته في الصحة بالركوع والسجود لئلا يلزم تكليف ما ليس في الوسع، ويقضي الصحيح بالركوع والسجود ما فاته في المرض بالإيماء، لأن الرخصة للعجز، ولا تبقى بدونه.
وقال الشافعيّ في الجديد: يقضيها أربعاً، لأن القصر رخصة للمسافر وهو حال قضائها لم يبق مسافراً، فلا يَقْصُرُ. قلنا: الواجب على المسافر في الوقت ركعتان، وبالفوات استقرتا في ذمته فلا يتغيران بالإقامة لوجوب القضاء بالسبب الذي يجب الأداء به، فيحكيه كالعكس وهو عدم تغير فائتة الحَضَر إذا قُضِيت في السفر اتفاقاً لِمَا قدَّمنا.
ثم يُعْتَبَرُ في السفر والإقامة، وكذا في الحيض والطهر منه، والبلوغ والإسلام، آخر الوقت، هو قدر التحريمة، وقد قررنا طرفاً منه في باب الحيض وتمامه في الأصول. ويباح السفر يوم الجمعة قبل الزوال وبعده. أمّا بعد الزوال فظاهر، وأما قبله فَلِمَا رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: «بعث النبيّ ﷺ عبد الله بن رَوَاحَة في سَرِيّة فوافق ذلك يوم الجمعة فغدا أصحابه وقال: أتخلف فَأُصَلِّي مع رسول الله ﷺ ثم ألحقهم، فلمَّا صلى معه ﷺ رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك. فقال: أردت أن أصلّي معك ثم ألحقهم. فقال: لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم». أخرجه الترمذي.
(وسَفَرُ المَعْصِيَةِ) كالإباقِ والنشوز (١) وقطع الطريق (كَغَيْرِهِ) أي كسفر الطاعة من الحج والعُمْرَة والتجارة. (في الرُّخَص).
ومذهب مالك: أنَّ العاصي لا يَتَرَخَّصُ. ومذهب الشافعي: أنه إن أنشأ السفر وهو عاصٍ لا يَتَرَخَّصُ قولاً واحداً، وإن طرأ العصيان في سفره فوجهان.
ولنا أنَّ النصوص المقتضية للقصر والإفطار وغير ذلك من الرُّخَصِ كقوله تعالى:
стр. 394
بَابٌ في صَلاةِ الجُمُعَةِ
===
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ (١) وقوله ﷺ «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها» (٢) ، مطلقةٌ (٣) لا تفرِّقُ بين سَفَرٍ وسَفَرٍ، وأنّ نفس السفر مباح، وإنما المعصية فيما جَاوَرَه من عقوق، أو خروج على الإمام، أو قطع طريق، والقُبْحِ المجاور لا يُعْدِمُ المشروعية كالصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع وقت نداء الجمعة، والمسح على الخف المغصوب، وكثير من النظائر.
ثم من الغرائب: أن فقهاء ما وراء النهر اتفقوا في زمان عبد الله خان: على أنَّ السلطان في جميع مملكته حكمه حكم المقيم. وهذا خطأ فاحش، فإنه ﷺ بعد فتح مكة قصر الصلاة، وكذا الخلفاء الراشدين كعمر وعثمان، إلاَّ أنَّ عثمان أتَمَّ في منىً آخر حجّه، وأُنْكِرَ عليه واعتَذَرَ بأنه تزوج بمكة. وروى حديثاً عنه ﷺ «أن من تزوج بموضع صار في حكم المقيمين به» (٤) ، والله أعلم بالصواب.
باب في صَلَاةِ الجُمُعَةِ
وهي بضم الميم، وقُرِاء بإسكانها، وحُكِي فتحها، وسُمِّيت بذلك لاجتماع الناس فيها ولَمَّا قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة أقام يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس في بني عمرو بن عَوْفٍ وأَسَّسَ مسجدهم، ثم خرج من عندهم فأدركته الجُمُعَة في بني سالم بن عوف، فصلاَّها في المسجد الذي في بطن الوادي دَانُونَاء، فكانت أول جمعة صلاّها ﷺ بالمدينة.
ثم هي فريضة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ للصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥) لأنَّ المُرَاد بالذكر الصلاة. وإن كان المراد به الخُطْبَة التي هي شرط للصلاة، فَيَلْزَمُ السعيُّ إلى الصلاة التي هي المقصودة من باب أوْلى.
وأمَّا السُّنَّة، فقوله ﷺ «الجُمُعَةُ حقٌّ واجبٌ على كل مسلم في
стр. 395
شُرِطَ لِوُجُوبِ الجُمُعَةِ الإقَامَةُ بِمِصْرٍ، والصِّحَةُ، والحُرِّيَّةُ، والذُّكُورَةُ، والبُلُوغُ، وسَلامَةُ العَيْنِ، والرِّجْلِ
===
جماعة إلاَّ أربعة: مملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض». رواه أبو داود. (وروى البيهقي من طريق) (١) البخاري عن تميم الدَّارِيّ: قال ﷺ «الجمعة واجبة إلا على صبيّ، أو مملوك، أو مسافر». ورواه الطَّبَرَانِيّ، وزاد فيه: «المرأة والمريض».
وقوله ﷺ وهو على أعواد منبر: «لَيَنْتَهِيَنَّ أقوام عن وَدْعِهِمُ الجُمُعَات، أو لَيَخْتِمَنَّ الله على قلوبهم، ثم لَيَكُونَنَّ من الغافلين». رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وابن عمر. وروى أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم أن النبيّ ﷺ قال: «من ترك ثلاث جُمَعٍ تهاوناً طَبَعَ الله على قلبه». وفي رواية لأحمد: «من ترك الجُمُعَة ثلاث مرات من غير ضرورة، طَبَعَ الله على قلبه». وأما الإجماع: فلأن الأمة قد اجتمعت على فرضيتها، وإنَّما اختلفوا في فرض الوقت بطريق الأصالة ما هو؟ على ما يجيء.
(فَصْلٌ في شُرُوطِ وُجُوبِ الجُمُعَةِ)
ثم لها شروط زائدة على شروط سائر الصلاة فمنها ما هو في المُصَلِّي، ومنها ما هو في غيره. فأشار إلى الأول بقوله: (شُرِطَ لِوُجُوبِ الجُمُعَةِ) أي لفرضيتها (الإِقَامَةُ بِمِصْرٍ والصِّحَةُ) لأنّ في وجوبها على المسافر والمقيم بقرية والمريض حرجاً. وفي «الظَّهِيرِيَّة»: ولا جمعة على الشيخ الكبير الذي ضَعُفَ وعَجِزَ عن السعي كالمريض. (والحُرِّيَّةُ والذُّكُورَةُ) لأنَّ العبد مشغول بالمولَى، والمرأة بالزوج بخلاف باقي الصلوات المفروضة، فإنها تؤدى في زمان يسير. (والبُلُوغُ) لأنه شرطٌ لكل تكليف، وكذلك العقل. (وسَلَامَةُ العَيْنِ والرِّجْلِ) فلا تجب على الأَعمى سواء وَجَدَ قائداً يوصله إلى الجامع أو لا.
وقال أبو يوسف ومحمد: إنْ وجَد قائداً وَجَبَ عليه السعي وإلاَّ فلا، لأن الأعمى بواسطة القائد قادر. ولأبي حنيفة أنه عاجز بنفسه، فلا يعتبر قادراً بغيره. ونظير الخلاف في الأعمى الخلاف في العاجز عن الوضوء أو عن التَّوَجُّه إلى القبلة إذا وَجَدَ من يعينه. ولا تجب أيضاً الجُمُعَة على مَفْلُوج الرِّجْلِ ولا مقطوعها، ولا مُقْعَدٍ وإن وَجَدَ حاملاً، لأنه عاجز عن أصل السعي، كذا أطلقوا. وينبغي أنْ يكون فيه خلاف كالأعمى. روى أبو داود من حديث طارق بن شِهَاب: أن النبيّ ﷺ قال: «الجمعة حق على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبداً مملوكاً، أو امرأةً، أو
стр. 396
وتقع فَرضًا إن صلَّاها فَاقِدُهَا.
وشُرِط لأدَائِهَا المِصْرُ
===
صبياً، أو مريضاً». قال أبو داود: وطارق رأى النبيّ ﷺ ولم يسمع منه. قلت: مراسيل الصحابة مقبولة بلا شبهة، وإنَّما الخلاف في مراسيل غيرهم، مع أن الجمهور على كونها حجّة أيضاً.
(وتقع) الجُمُعَة (فَرضاً إن صلاَّها فَاقِدُهَا) أي فاقد الشروط المذكورة، أو واحدة منها وهي: الإقامة، والصحة، والحرية، والذكورة، وسلامة العين والرجل، لأن اشتراط الشروط للتخفيف ورفع المشقّة، فإن حضر فاقدها وصلّى أجزأه عن فرض الوقت كالمسافر إذا صام، والفقير إذا حج.
(شُرُوطُ أَدَاءِ الجُمُعَةِ)
(وشُرِطَ لأدَائِهَا المِصْرُ) فلا تُؤَدَّى في المفازة (١) والقرية لِمَا روى البيهقي في «المعرفة»، وعبد الرَّزَّاق، وابن أبي شَيْبَة في «مصنَّفَيْهما»: عن علي أنه قال: «لا جمعة، ولا تشريق ـ أي تكبيره ـ ولا صلاة فطر ولا أضحى، إلاَّ في مِصْرٍ جَامِعٍ أو مدينة عظيمة». الظاهر أنَّ «أو» للشك. والحديث صححه ابن حَزْم، ورواه عبد الرَّزَّاق من حديث عبد الرحمن السُّلَمي عن عليّ قال: «لا جُمُعَة، ولا تشريق، إلاَّ في مِصْرٍ جَامِعٍ». ولأنه كان لمدينة النبيّ ﷺ قُرَى كثيرة، ولم يُنْقل أنه ﷺ أمر بإقامة الجمعة فيها.
وأمَّا ما ذكره صاحب «الهداية» من قوله ﷺ «لا جمعة، ولا تشريق، ولا فِطْرَ، ولا أضحى إلا في مِصْرٍ جامع». فَرَفْعُه غير معروف، كذا ذكره مُخَرِّجُهُ (٢) . لكن ذكره شيخ الإسلام خَواهِرْ زَادَه في «مبسوطه» وقال: ذكره أبو يوسف في «الأمَالِي» مُسْنَداً مرفوعاً إلى النبيّ ﷺ والله سبحانه أعلم.
وأجاز مالك والشافعيّ الجُمُعَة في القُرَى لظاهر قوله تعالى: ﴿فاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣) وقياساً على سائر الصلوات.
ولنا: ما سبق عن عليّ، وكفى به قدوةً وإماماً. ولا يُعَارِضهُ ما رُوِيَ عن ابن
стр. 397
أو فِنَاؤُهُ.
===
عباس قال: «إنّ أول جُمُعَةٍ جُمِعَت (بعد جمعة) (١) في مسجد رسول الله ﷺ بجُوَاثا» قرية في البحرين، إذ القرية تطلق على المِصْر في عُرْف الصدر الأول، وهو لُغةُ القرآن، قال الله تعالى: ﴿وقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ على رَجلٍ من القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٢) أي: مكة والطائف، ولا شك أن مكة مِصْر.
وفي «الصِّحَاحِ»: أنَّ جُوَاثا حصن بالبحرين، فهي مصر إذ لا يخلو الحصن عن حاكم وعالم، ولذا قال في «المبسوط»: وجُوَاثا مصر في البحرين، ثم يجب أنْ يُحمل قول عليّ ﵁ على كونه سَمَاعاً، لأن دليل الافتراض من كتاب الله يفيد العموم في الأمكنة، فإقدامه على نفيها في بعض لا يكون إلاَّ عن سماع، لأنه خلاف القياس المنهي في مثله وفي الصلوات الباقيات أيضاً.
والتحقيق أن قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ليس على إطلاقه اتفاقاً بين الأئمة، إذ لا يجوز إقامتها في البراري إجماعاً، ولا في كل قرية عندهما. بل يشترط أن لا يَظْعَن (٣) أهلها عنها صيفاً ولا شتاءً. فكان خصوص المكان مراداً فيهما إجماعاً، فَقَدَّرَا (٤) القرية، وقدَّرنا المِصْرَ، وهو أولْى لحديث عليّ ﵁. وهو لو عُورِضَ بقول غيره، كان عليّ ﵁ مُقَدَّماً عليه، فكيف ولم يتحقق له مُعَارِضٌ؟ ولهذا لم يُنقل عن الصحابة أنهم حين فتحوا البلاد اشتغلوا بنصب المنابر إلا في الأمصار دون القرى، ولو كان لَنُقِلَ ولو آحاداً (٥) .
(أو فِنَاؤُهُ) بكسر الفاء أي حوله المتصل به، ممَّا يُعَدُّ لمصالحه.
وفي «المُنْتَقَى» عن أبي يوسف: لو خرج الإمام عن المِصْر مع أهله لحاجة مقدار ميلين فحضرت الجُمُعَة، جاز أنْ يصلّيَ بهم الجُمُعَة، وعليه الفتوى. لأن فِنَاء المِصْر بمنزلة المِصْر فيما كان من حوائج أهله. وأداء الجمعة أُعِدَّ من حوائجهم. وتجوز الجُمُعَة بمنىً أيام الموسم عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا كان الإمام أمير الحجاز (٦) ، أو كان الخليفة حاجّاً. وقال محمد: لا يجوز لأنَّ مِنىً قرية. ولهما أنَّ مِنىً
стр. 398
ومَا لا يَسَعُ أَكْبَرُ مَسَاجِدِهِ أَهْلَه، مِصْرٌ، وما اتَّصَلَ بِهِ مُعَدًّا لِمَصَالِحِهِ فِنَاؤُهُ
===
أيَّام الموسم تصير مِصْراً، وأمَّا الجُمُعَة بعرفات فلا تصح إجماعاً، ولو وافق الوقوف، لأنه ﷺ وقف بها يوم الجُمُعَة، ولم يصلِّ بها الجُمُعَةَ بل الظُّهْرَ والعصر جمعاً. وكذا لا يُصلِّي بمنىً صلاة العيد اتفاقاً لاشتغال الناس بأعمال المناسك في ذلك اليوم.
(ومَا لا يَسَعُ أَكْبَرُ مَسَاجِدِهِ أَهْلَه) الذي يجب عليهم الجمعة (مِصْرٌ) رُوِيَ ذلك عن أبي يوسف. وفيه إشكال، حيث لم يَصْدُقْ على المساجد الثلاثة، اللهم إلاَّ أن يُقَال: إنها مستثناة معلومة من الشريعة، أو يقال: هذا إذا كانت المساجد متعددة، ولا تَعَدُّدَ في مكة والمدينة والقدس. وعنه (١): كل موضع له أميرٌ وقاضٍ يُنَفِّذُ الأَحكام، ويقيم حدود الإسلام. قال في «الهداية» (٢): وهو الظاهر ـ أي من المذهب ـ وعليه أكثر الفقهاء، واخْتَاره الكَرْخِيّ.
وعن أبي حنيفة: كل بلد لها سكك، وأسواق، ووالٍ لدفع المظالم، وعَالِم يُرْجَعُ إليه في الحوادث. قيل: هو الأصحّ. واختار الثَّلْجِي (٣) الأَول (٤) لظهور التواني في أحكام الشرع، لا سيما في إقامة الحدود. وقال محمد: هو كل موضع مَصَّرَه الإمام بإرسال نائب لإقامة الحدود والقصاص، حتى إذا عزله يُلْحَقُ بالقرى.
(وما اتَّصَلَ بِهِ) أي بالمصر (مُعَدَّاً لِمَصَالِحِهِ) أي لمصالح أهله: من ركض خيلهم، ورميهم بسهم، ودفن موتاهم. (فِنَاؤُهُ) وقدّره بعضهم بِفَرْسَخَيْنِ (٥)، وبعضهم بميلين. وفي «الخَانِيَّة»: لا بد أنْ يكون الفِنَاء متصلاً بالمِصْر حتى لو كان بينه وبين المصر فُرْجَة من المزارع والمراعي لا يكون فِنَاءً.
ولو أُقِيمَتْ الجُمُعَة في مصر في مواضع، ففي المذهب أربع روايات:
أولاها عن أبي حنيفة ومحمد وهي أصحها: الجواز سواء كان التعدد في موضعين أو أكثر، لأن في عدم تعدد جوازها حرجاً. والحرج مدفوع، فصارت كصلاة العيدين. وبه قال محمد، وهو مختار السَّرَخْسِيّ.
стр. 399
والسُّلْطَانُ أو نَائِبُهُ، ووَقْتُ الظُّهْرِ
===
ثانيتها عن أبي حنيفة: لا يجوز في أكثر من موضع واحد، لأن الجمعة من أعلام الدين، فلا يجوز تقليل جماعتها، وفي جوازها في مكانين تقليلها.
ثالثتها عن أبي حنيفة وصاحبيه: يجوز في موضعين لا غير نظراً إلى وجهي الروايتين الأُولَيَيْنِ.
رابعتها عن أبي يوسف: يجوز في موضعين إذا كان المِصْرُ كبيراً، أو حال بينَ الخُطْبَتَيْنِ نهرٌ كبغداد.
ثم من قال بعدم جواز التعدد قال: الجمعة هي السابقة. وفي «المحيط»: إن وقعتا معاً بَطَلَتَا. وفي «شرح المَجْمَع»: وكذا لَوْ جُهِلَتْ السابقة، ثم الأَصَحُّ أنه يُعْتَبَرُ السَّبْقُ بالشروع لا بالفراغ ولا بهما.
وإذا وقع الشك في صحة أداء الجمعة لفقد بعض الشرائط، ينبغي أن يُصَلَّى بعد الجُمُعَة أربع ركعات احتياطاً، ولو بالحرمين الشريفين، وينوي ظهرَ يومه، أو آخر ظهر عليه ـ وهو أحسن ـ لأنه إن لم تُجزاء الجُمُعَة فعليه الظهر، وإن أجزأت كانت الأربع عن ظهر عليه إن كان عليه، وإلاَّ فيقع نفلاً. والأحوط أن يقول: نويت آخر ظهر أدركت وقته ولم أُصَلِّهِ بعدُ. لأن ظهر يومه إنما يجب عليه بآخر الوقت، ولأنه يفيد الترتيب أيضاً. والأصح أن يقرأ بالفاتحة والسورة في أربعٍ احتياطاً لاحتمال أن يكون نفلاً. وكذا من يقضي الصلوات احتياطاً.
(والسُّلْطَانُ) أي وشُرِطَ لأَداء الجمعة السلطان وهو الوالي الذي لا والي فوقه (أو نَائِبُهُ) وهو من أمَرَهُ السلطان بإقامتها لظاهر قول الحسن البَصْرِيّ: أربع إلى السلطان، وذَكَر منها الجمعة والعيدين. وحضوره وإذنه غير شرط عند مالك والشافعيّ. وأمَّا ما رُوِيَ: «أن عليَّاً جمع بالناس وعثمان محصور»، فواقِعَةُ حال. فيجوز أنْ يكون بإذنه، وبه جَزَم في «الكافي»، وأنْ يكون بغير إذنه، فلا حجة فيه لفريق. فيبقى قوله ﷺ «مَنْ تركها وله إمام جائر أو عادل، فلا جمع الله شمْله، ولا بارك له في أمره، ألا لا صلاة له». الحديث رواه ابن ماجه وغيره. حيث شَرَطَ في لزومها الإمام كما يفيده قيد الجملة الواقعة حالاً مع ما عيَّنَّاه من المعنى سالمين عن المُعَارِض.
(و) شرط لأدائها (وَقْتُ الظُّهْرِ) ولو خرج وقته والإمام في الجُمُعَةِ استقبل الظهر ولا يَبْنِي عليها. وقال الشافعي وزُفَر: أتمها أربعاً بناءً على أن الجُمُعَة ظهر مُقْصَرٌ لمكان الخطبة بشرط أدائها في وقتها، وإذا خرج وهو فيها عادت ظهراً، وعندنا الظهر غير
стр. 400
والخُطْبَةُ نَحْوَ تَسْبِيحَةٍ
===
الجمعة اسماً وقدراً وشرطاً، فلا يمكن بناء الظهر عليها. وإنما شرط الوقت لِمَا في البخاري عن أنس: «كان النبيّ ﷺ يصلّيَ الجُمُعَة حين تميل الشمس». وفي مسلم عن سَلَمَة بن الأَكْوَعِ: «كنّا نُجَمِّعُ مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس». الحديث.
وقال أحمد: تجوز الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة لِمَا روى مسلم عن سَهْل بن سَعْد السَّاعِدِيّ قال: «ما كنا نَقِيلُ (١) ولا نَتَغَدَّى إلاَّ بعد الجمعة في عهد رسول الله ﷺ . وفي الاستدلال به نظر، إذ لا دلالة فيه إلا على التبكير المُرَتَّبِ عليه تركُ الغداء والقَيْلُولَة مبادرةً إلى الجمعة. وأمَّا ما روى أحمد عن ابن مسعود: «أنه كان يصلِّي الجمعة ضُحىً ويقول: إنما عَجِلْتُ بكم خشية الحَرِّ عليكم». ففيه أن فعله ﵁ لا يصلح أن يكون مُعَارِضاً لفعله ﷺ
وامْتَدَّ الوقت عند مالك من الزوال إلى المغرب، حتى لو افتتحها في وقت العصر، يصح عنده. ولو خرج الوقت يُتِمُّها عنده جمعةً، وهذا الخلاف مبني على أن وقتي الظهر والعصر واحد عنده، كما تقدَّم والله تعالى أعلم. وفي «الظَّهِيرِيَّة»: إذا أراد أن يسافر يوم الجمعة، لا بأس به إذا خرج من عُمْرَان المِصْرِ قبل دخول وقت الظهر.
(و) شرط لأدائها (الخُطْبَةُ) قبل الصلاة فلو صلاَّها بلا خُطْبَة أو خَطَبَ بعد الصلاة لم يجز. لأن إقامتها مقام الظهر على خلاف القياس، والشرع ما جاء بها إلاَّ مقيدة بالخُطْبَة، فإنه ﷺ ما صلاَّها في عمره بدونها، نص على ذلك غير واحد من الحُفَّاظِ، منهم البيهقي قال: «لم يُصَلِّ النبيّ ﷺ الجُمُعَة إلاَّ بالخطبة». ولو جازت بدونها لفعلها مرة تعليماً للجواز، وما خطب إلاَّ قبلها لأن الأذان في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر ﵄ كان حين يجلس الإمام على المِنْبَرِ للخطبة، فيدل ذلك على أن الصلاة بعدها. وقد قال ﷺ «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (٢) .
(نَحْوَ تَسْبِيحَةٍ) لقصد الخُطْبة ولو قال: الحمد لله، لعطاس أو: سبحان الله، لتعجبٍ لا يُجْزِاء اتفاقاً. وأراد بنحو تسبيحة تهليلة وتكبيرة مع الكراهة. وقال أبو
стр. 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يوسف ومحمد: لا بد من ذكر طويل يُسَمَّى خطبة عُرْفاً، وهو أن يُثْنِي على الله بما هو أهله، ويُصَلِّي على النبيّ ﷺ ويدعو للمسلمين للتوارث، ولأن المأمور به مطلق الخطبة، فينصرف إلى المعهود المتعارف. قيل: وأقله قدر التشهد، لأن الواجب خطبة. والتحميدة الفردة، والتسبيحة الفردة لا تُسمَّى خُطْبَة في العادة.
ولأبي حنيفة إطلاق قوله تعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) من غير فصل بين كونه ذكراً طويلاً يُسَمَّى خُطْبة، أو ذكراً لا يسمى خُطْبَة، فكان الشرط هو الذكر الأعم بالقاطع، غير أنَّ المأثور عنه ﷺ اختيار أحد الفردين، أعني الذكر المسمى بالخطبة، والمواظبة عليه، فكان واجباً أو سنّة لا أنه الشرط الذي لا يُجْزِاء غيره، إذ لا يكون بياناً لعدم الإجمال في الذكر. وقد عُلِمَ وجوب تنزيل المشروعات على حسب أدلتها.
وقال الإمام القاسم بن ثابت السَّرَقُسْطِيّ في كتاب «غريب الحديث» من غير سند: رُوِيَ عن عثمان: «أنه صعد المنبر فأُرْتِجَ عليه ـ أي أغلق عليه ـ الكلام فقال: الحمد لله، إنَّ أول كل مَرْكَب صعب، وإنّ أبا بكر وعمر ﵄ كانا يُعِدَّانِ لهذا المقام مقالاً، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وإن أَعِشْ تَأْتِكُم الخطبة على وجهها إن شاء الله تعالى». انتهى. وفي رواية زاد: «وأستغفر الله لي ولكم، فنزل وصلى بهم فلم يُنْكِر عليه أحد منهم». فكان إجماعاً منهم إمَّا على عدم اشتراطهما. وإمَّا على كون نحو الحمد لله ونحوها يُسَمَّى خطبة لغة، وإن لم يُسَمَّ به عُرْفاً. لكن قال ابن الهُمَام: ليس لهذه القصة أصل، فإنها لم تعرف في كتب الحديث بل في كتب الفقه. وأنكر ابن العربيّ وغيره هذا الأثر.
وإنما تَبِعَ صاحبُ «الهداية» ما ذُكِرَ في «المبسوط»، و «مُلْتَقَى البحار»، و «شرح البخاري» لابن بَطَّال، و «شرح مسلم» للخِلَاطي، وبعض المَؤرِّخين، لكنَّ المدار على رواية المحدثين المخرِّجين.
ثم القيام فيها، وتلاوة آية من كتاب الله، وذكر موعظة بتنذير وتبشير وبتقوى الله، والجِلْسَة بين الخطبتين بقدر ثلاث آيات قصار. وقيل: بقدر ما يَمَسُّ مَقْعَدُهُ المنبرَ.
والصلاة فيها على النبيّ ﷺ سُنَّة عندنا لإطلاق الذكر في الآية، لا شرط كما قال مالك والشافعيّ. لأن الخطبة قائمة مقام شرط الصلاة لقول عائشة: «إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة، فيُشْتَرَطُ لها ما يُشْتَرَطُ للصلاة». وللتوارث على اشتمالها على
стр. 402
في الوَقْت.
والجَمَاعَةُ أي ثلاثَةُ رِجَالٍ سِوَى الإمَامِ، وإنْ نَفَرُوا بَعْدَ سُجُودِهِ أتَمَّهَا، وقَبْلَهُ بَدَأَ بالظُّهْرِ،
===
هذه الأشياء. وكذا ستر الخطيب عورته فيها سنة عندنا، وبه قال مالك. وشرط عند الشافعي، لأنها بمنزلة الصلاة.
(في الوَقْتِ) أي يشترط في الخطبة أن تكون بعد الزوال، حتى لو خطب قبل الزوال وصلى بعده لا يجزاء لِمَا روى البخاري عن السَّائِب بن يَزِيد قال: «كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ حين يَجْلِسُ الإمام». ومعلوم أن الأذان في الوقت، وبه يُرَدُّ قول أحمد. وأمَّا ما رواه الدَّارَقُطْنِيّ من أنَّ: «أبا بكر وعمر كانا يخطبان قبل الزوال»، فضعيف.
(والجَمَاعَةُ) أي وشُرِطَ لأدائها الجماعة إجماعاً على خلاف في عددها (أي ثلَاثَةُ رِجَالٍ سِوَى الإِمَامِ) عند أبي حنيفة ومحمد. وبالإمام عند أبي يوسف، لأن الاثنين مع الإمام جَمْعٌ. ولهما: أنَّ الجماعة شَرْطٌ على حِدَةٍ، والإمام شرط آخر، فَتُعْتَبَرُ جمع سوى الإمام لقوله تعالى: ﴿إذا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) ، فهذا يقتضي منادياً وذاكراً ـ وهما المؤذن والإمام ـ وساعيين لأن قوله تعالى: ﴿فاسْعَوْا﴾ لا يتناول ما دون المثنَّى، ثم ما دون الثلاث: ليس بجمع متفق عليه، فإنَّ أهل اللغة فَصَلُوا بين التثنية والجمع، فالمثنَّى وإن كان فيه معنى الاجتماع من وجه، فليس بجمع مطلقاً، واشتراط الجماعة هنا ثابت مطلقاً، ثم يشترط في الثلاثة أن يكونوا بحيث يَصْلُحُون للإمامة في صلاة الجمعة، حتى إن نِصَابها لا يَتِمُ بالنساء والصِّبْيَان، ويتم بالعبيد والمسافرين لصلاحهم للإمامة فيها، كذا في «المبسوط».
(وإنْ نَفَرُوا بَعْدَ سُجُودِهِ) أي سجود الإمام سجدة واحدة (أَتَمَّهَا) أي أَتَمَّ الإمام الصلاة جُمُعَةً، خلافاً لزُفَر. له: أن الجماعة شرط، فلا بد من دوامها كالوقت. ولهم: أنها شرط الانعقاد فلا يُشْتَرَطُ دوامها كالخطبة. لكنَّ أبا حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: لا يَتِم الانعقاد إلا بتمام الركعة، وتمامها بتقييدها بالسجدة. وقالا: إذا نَفَرُوا عنه بعدما افتتح الصلاة صلى الجمعة. وذكره في «الهداية»، وهو الأظهر.
(وقَبْلَهُ) أي وإن نفروا قبل سجوده (بَدَأَ بالظُّهْرِ) أمّا قبل التحريمة فبالاتفاق، وأمَّا
стр. 403
والإِذْنُ العَامُّ
===
بعدها فعند أبي حنيفة، خلافاً لهما، والوجه ما قدمناه. وترك مالك تحديد الجماعة، واكتفى بوجود من يَقْرِي (١) بهم قرية من الذكور الأحرار بموضع يمكن الثُّوِيُّ (٢) فيه من بناء متصل، أو أخْصَاص (٣) ، مستوطنين على الأصح. وشرط الشافعي وجود أربعين أحراراً مكلفين، مقيمين في موضع لا يَرْتَحِلُون عنه صيفاً ولا شتاءً إلا لحاجة، سامعين الخطبة، لقول جابر: «مَضَتْ السُّنَّة أنَّ في كل ثلاثة إماماً، وفي كل أربعين فما فوقه جمعة، وأضحى، وفِطْراً». قلنا: هو ضعيف، حتى قال البيهقي: لا يُحْتَجُّ بمثله.
(والإِذْنُ العَامُّ) أي وشرط لأدائها الإذن العامّ لأنها من شعائر الإسلام، فيجب إقامتها على وجه الاشتهار بين الأنام، حتى لو أغلق الأمير باب قصره وصلى بعسكره لم يجز، ولو فتح باب قصره وأذِنَ بالدخول جازت مع الكراهة، كذا ذكره الشُّمُنِّي. وفي «المَبْسُوطِ»: إن الإذن العام هو أن تُفْتَح أبواب الجامع، ويُؤْذَنُ للناس حتى لو اجتمعت جماعة في الجامع وأغلقوا الأبواب وجَمَّعُوا لم تجز.
وكذا السلطان إذا أراد أن يُصَلِّي بِحَشَمِهِ (٤) في قصره، فإِنْ فتح بابه وأذِنَ للناس إذناً عامّاً جازت صلاته، شهدتها العامة أو لا، وإنْ لم يفتح بابه ولم يأذن لهم بالدخول لا تجزئه، لأن اشتراط السلطان للتحرز عن تفويتها على الناس، وذا لا يحصل إلاَّ بالإذن العام. وكما يحتاج العامة إلى السلطان في إقامتها، فالسلطان يحتاج إليهم: بأن يأذن لهم إذناً عامّاً، فبهذا يعتدل النظر من الجانبين.
ثم الجمعة بدل عن الظهر عندنا، وقال مالك والشافعي وزُفَر: هي فريضة أصالةً، والظهر بدل عنها، لأنه مأمور بأداء الجمعة، معاقب بتركها، ومنهي عن أداء الظهر، مأمور بالإعراض عنه ما لم يقع اليأس عن الجمعة. وهذا هو صورة الأصل مع البدل، ولا يجوز أداء البدل مع القدرة على الأصل.
ولنا: أن فرض الوقت الظهر في هذا اليوم في حق الناس كافة ـ كما في سائر الأيام ـ بالنص وهو قوله ﷺ «أول وقت الظهر حين تزول الشمس» (٥) . مطلقاً غير
стр. 404
وكُرِهَ في المِصْرِ ظُهْرُ المَعْذُورِ وغَيْرِه بِجَمَاعَةٍ، وظُهْرُ غَيْرِ المَعْذُورِ قَبْلَ الجُمُعَةِ.
===
مقيد بيوم دون يوم. ودلَالَةِ الإِجماع، فإن من فاتته الجمعة يقضي الظهر إجماعاً. والجمعة لا تقضى والظهر غيرها، فيجب أن لا يلزمه شيء.
ولَمَّا أمر بالظهر علمنا أنه أصل عاد إليه الحكم، لأنه ينوي القضاء إذا أدَّى الظهر بعد انقضاء الوقت إجماعاً. فلو لم يكن أصل فرض الوقت في حقه الظهر، لَمَا نوى القضاء، ولأن الفرض في حق كل واحدٍ ما يتمكن من أدائه بنفسه، وأداؤه للتكليف يدور على الوُسْعِ والإمكان، فما قَرُبَ إلى الوُسْع فهو أحق أن يكون أصلاً، والظهر أقرب، لأنه يتمكن من أدائه بنفسه لأنه مبني على قدرة هي صفته، بخلاف الجمعة فإنها تتوقف على شرائط لا تتم به وحده وهي الإمام والجماعة وغيرهما، وذا ليس في وِسْعِه، وإنما يحصل له ذلك اتفاقاً. ولكن يجب إسقاط الظهر بالجمعة إذا اسْتَجْمَعَت شرائطها للأمر بالسعي إليها. وأبْهَمَ محمد تارة وقال: لا أدري ما أصل فرض الوقت في هذا اليوم، ولكنه يسقط الفرض عنه بأداء الظهر أو الجمعة، وعين الجمعة أحرى، ورَخَّصَ إسقاطها بالظهر.
(وكُرِهَ في المِصْرِ) أي دون القرية والمفازة، لأنهم ليس عليهم شهود الجمعة، فكان هذااليوم في حقّهم كسائر الأيام. كذا في «المبسوط». وهذا القدر لا يدل على أكثر من كراهة التنزيه (ظُهْرُ المَعْذُورِ وغَيْرِه) كمن فاتته الجمعة لمانع، (بِجَمَاعَةٍ) سواء صلَّوا قبل الجمعة، أو بعدها. لأن في ذلك تقليل جماعة الجمعة. والمعارضة (لا) (١) على وجه المخالفة، خلافاً لمالك والشافعي، حيث نظرا إلى كونهم مخاطبين بالظهر دونها، وكون الجماعة سنة في الفرائض، ومذهبنا مَرْوِي عن عليّ ﵁.
(و) كُرِهَ في المِصْر (ظُهْرُ غَيْرِ المَعْذُورِ قَبْلَ الجُمُعَةِ) والمراد بالكراهة هنا الحرمة، لأنه ترك الفرض القطعي باتفاقهم الذي هو أوكد من الظهر، فكيف لا يكون مرتكِباً محرماً؟ غير أن الظهر تقع صحيحة، وإن كان مأموراً بالإعراض عنها. وإنما لم يبطل ظهره عندنا لِمَا مرَّ من أنَّ فرض الوقت هو الظهر وقد أتى به، والجمعة بدل عنه، لتوقفها على شرائط لا تتم بالمصلي وحده. والتكليف يعتمد على الوُسْعِ. وحكَم مالك والشافعي وزُفَر ببطلانها بناء على تعيين الجمعة فرض الوقت عندهم، فلا يصح ظهره لأن الجمعة هي الأصل المأمور بها، ولا يصح غير الأصل مع القدرة عليه.
стр. 405
وسَعْيُهُ إلى الجُمُعَةِ، والإِمَامُ فِيهَا يُبْطِلُهَا، ومُدْرِكُهَا في التَّشَهُّدِ، أوْ في سُجُودِ السَّهْوِ يُتِمُّهَا.
===
(وسَعْيُهُ) أي وسعيُ من صلّى الظهر (إلى الجُمُعَةِ) بخطوتين، أو بانفصاله عن داره ـ وهو الأصح ـ، سواء كان معذوراً أو غيره. وبعضهم اقتصروا على غير المعذور، (والإِمَامُ فِيهَا) أي في الجمعة وقت انفصاله عن مكانه ـ والجملة حالية ـ (يُبْطِلُهَا) أي يُبْطِلُ ظُهره عند أبي حنيفة وإن لم يدركها لبعد المسافة. وهو مختار مشايخ بَلْخ دون مشايخ العراق. والأول هو المعوَّل، فإن أدرك الجمعة وصلاَّها كانت فرضه وإلا أعاد الظهر.
وقَيَّدَ بقوله: والإمام فيها، لأنه لو كان خروج المصلِّي مع فراغ الإمام لا ينتقض ظهره اتفاقاً. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبطل ظهره إلاَّ بالدخول مع الإمام، ففي رواية بإتمامها، لأن السعي إلى الجمعة دون الظهر، والشيء لا يبطل بما هو دونه. ولأبي حنيفة أن السعي إلى الجمعة من خصائصها فيأخذ حكمها.
وثمرة الخلاف تظهر فيمن سعى والإمام في الجمعة فحضر وقد فرغ الإمام، وفيمن سعى إلى الجمعة فخرج وقت الظُّهر قبل أن يدخل مع الإمام: فعند أبي حنيفة ﵀ يعيد الظهر، وعندهما لا يعيدها.
(ومُدْرِكُهَا) أي الجمعة (في التَّشَهُّدِ، أوْ في سُجُودِ السَّهْوِ يُتِمُّهَا) جُمُعَةً. وقال محمد، وهو قول مالك والشافعي: إن أدرك أكثر الثانية: بأن أدرك الركوع أتَمَّها جُمُعَةً، وإن لم يُدْرِكْ أكثرها أتمَّها ظهراً، لأنها جمعةٌ نظراً إلى التحريمة، ظُهْرٌ نظراً إلى فوات بعض شروط الجمعة. فيُصَلِّي أربعاً اعتباراً للظُّهر، ويقعد على رأس الركعتين اعتباراً للجمعة، ويقرأ السورة في الأُخْرَيَيْن لاحتمال النفلية بخلاف مُدْرِك العيد في التشهد، أو سجود السهو، فإنه يُتِمُّهَا عيداً بلا خلاف، إذ لا خَلَفَ له.
له: ما رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث أبي هريرة: «مَنْ أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة فليُضِف إليها أخرى، ومَنْ لم يدرك الركوعَ من الركعة الأخيرة فليصلِّ الظهر أربعاً». ولهما: ما في الكتب الستة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أُقِيمَتِ الصَّلاة فلا تأتوها تَسْعَوْن، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأَتِمُّوا». وفي لفظ: «فاقضوا». وفيه: أن هذا مطلق، والحديث الأول مقيد.
ثم الجمعة لا تجب على مَنْ بَعُدَ عن المِصْر فَرْسخاً. وأوجبها مالك عليه، ولا
стр. 406
وإذَا أَذَّنَ الأَوَّلَ تَرَكوا البَيْعَ وسَعْوَا
===
يجب على من هو أبعد منه خلافاً لمحمد ـ كما في رواية عنه ـ، لتناول الأمر بالسعي إياه. وعنه: ستة أميال، وهو رواية عن أبي يوسف. وعنه: بريد (١) ويوجبها أبو يوسف على من كان داخلاً حد الإقامة الذي من فارقه يصير مسافراً، ومن وصل إليه مقيماً، وهو الأصح، لأن وجوبها مختص بأهل المِصْر، والخارج عن هذا الحد ليس من أهله حقيقةً ولا حكماً. وشرط محمد لوجوبها سماع الأذان من أعلى مكان في الجامع. وفي ظاهر الرواية: لا يجب على من كان خارج الرُّبْضِ (٢) .
(وإذَا أَذَّنَ الأَوَّلَ) وهو الأذان على المنارة، الذي أُحْدِثَ في زمان عثمان على الزَّوْرَاء ـ وهي دار بسوق المدينة مرتفعة ـ لما روى الجماعة إلاَّ مسلماً من حديث السائب بن يزيد (٣) قال: «إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يَجْلِسُ الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فَلَمَّا كان في خلافة عثمان وكَثُرُوا، أَمَرَ بالأذان الثالث، فأُذِّن على الزَّوْرَاء». زاد ابن ماجه: «على دار في سوقٍ يُقَال لها الزَّوْرَاء، فثبت الأمر على ذلك». وسُمِّيَ هذا الأَذان ثالثاً باعتبار الشرعية، لأن الأول فيما بين يدي الإمام، والثاني إقامة الصلاة.
(تَرَكُوا البَيْعَ) وما في معناه من الشغل المانع عن الحضور. وعامة العلماء على أن البيع يَحْرُم إلاَّ أنه صحيح. وقال مالك وأحمد بن حنبل: إنه فاسد.
(وسَعَوْا) لقوله تعالى: ﴿إذا نُودِيَ للصَّلَاةِ من يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ (٤) ، وفي قراءة شاذة: فامضوا، وهي تدل على أنَّ السعيّ ليس بمعنى الإسراع. وقال الطحاويّ: إنما يجب السعي وترك البيع إذا أَذَّنَ الأَذان الذي يكون والإمام على المنبر، لأنه الذي كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، والأول أصحُّ، واختاره شمس الأئمة لحصول الإعلام به، ولأنه لو انتظر الأذان عند المِنْبَر يفوته أداء السنة وسماع الخطبة، وربما تفوته الجمعة إذا كان منزله بعيداً من الجامع.
стр. 407
وإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَرُمَتِ الصَّلاةُ والكَلامُ، حَتّى يُتِمَّ خُطْبَتَهُ. وإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَر، أَذَّنَ ثَانِيًا بَيْنَ يَدَيْهِ
===
(وإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ) أي صعد المنبر (حَرُمَتِ الصَّلَاةُ) أي الشروع في النافلة، إذ لو تذكر الفائتة ـ وهو من أهل الترتيب ـ يجب عليه أن يقضيها، ولو شرع في التطوع ثم خرج الإمام سلم عن ركعتين، ولو شرع في السنة قبل الجمعة فشرع الخطيب في الخطبة، فالأصح أنه يُتِمُّ أربعاً.
(والكَلَامُ) أي كلام الناس (حَتَّى يُتِمَّ خُطْبَتَهُ) لقوله ﷺ «لا تُصَلُّوا والإمام يخطب». رواه عبد الحق من حديث علي ﵁. ولقوله ﷺ «إذا قلت لصاحبك: أنْصِت، يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لَغَوْت». رواه مسلم وأبو داود (وابن ماجه) (١) . ولِمَا في «مصنف ابن أبي شَيْبَة»، عن عليّ، وابن عباس، وابن عمر: «أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام». ولقول الزُّهْرِيّ: «إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام». ورفعه غريب من صاحب «الهداية»، بل قال البيهقي: رفعه خطأ فاحش.
وعن ابن عباس: «يُكْرَه الكلام في أربع مواطن: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وفي الاستسقاء، إذا صعد الإمام المنبر فلا يُتَكَلَّمُ حتى ينزل». وهذا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أنْ يخطب، وإذا نزل قبل أن يصلِّي، لقول الزُّهْرِيّ: خروجه يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. رواه مالك في «الموطأ». وروى في «الموطأ» أيضاً عن ثَعْلَبَة بن أبي مالك القُرَظِيِّ: «أنهم كانوا في زمن عمر يصلُّون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، وإذا خرج وجلس على المِنْبَر، وأَذَّنَ المؤذِّن، جلسوا يتحدثون حتى إذا سكت المؤذِّن، وقام عمر، سكتوا فلم يتكلم أحد». واختلفا (٢) حالة جلوسه بين الخطبتين. فقال أبو يوسف: يُبَاحُ فيها الكلام، وخالفه محمد.
(وإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَر أَذَّنَ ثَانِياً بَيْنَ يَدَيْهِ) لِمَا سبق من حديث السائب. ولِما رواه إسحاق بن رَاهُويه في «مسنده» بلفظ: «كان النداء ـ الذي ذكره الله في القرآن ـ يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي
стр. 408
واسْتقْبَلُوهُ مُسْتَمِعِينَ.
===
بكر، وعمر وعامَّة خلافة عثمان، فَلَمَّا كَثُرَ الناس، زاد النداء الثالث على الزَّوْرَاء». وإنَّما جُعِلَ الثالثُ لأن الإقامة تُسَمَّى أذاناً كما جاء في الحديث: «بين كل أذانين صلاة» (١) (واسْتَقبَلُوهُ مُسْتَمِعِينَ). في «الظَّهِيرِيَّة»: قال بعضهم: ما دام الخطيب في حمد الله وثنائه والمواعظ فعليهم الاستماع، فإذا أخذ في مدح الظَّلَمة والثناء عليهم فلا بأس بالكلام حينئذٍ. وقال بعضهم: التباعد عن الخطيب أفضل، كيلا يسمع ما يقول الخطيب من مدح الظلمة. ثم لا ينبغي أن يَتَخَطَّى رِقَاب الناس بحيث يؤذيهم، إلا إذا كان قدامه فضاء.
وفي «المحيط»: ولا يُشَمِّتُون عاطساً، ولا يردون سلاماً، ولا يقرؤون قرآناً. وعن أبي يوسف: يردون السلام، ويُشَمتُون العاطس في أنفسهم. وإذا كان بعيداً من الخطيب بحيث لا يسمع، قيل: يقرأ في نفسه، وقيل: يسكت، قيل: هو الأصحُّ. لأنه مأمور بالاستماع، ولم يعجز عن الإنصات فلزمه. والأظهر أنه يقرأ ليحوز الفضيلتين، وهو لا ينافي الإنصات المانع من الاستماع الذي وقع النهيّ عنه بقوله: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنْصِتُوا﴾ (٢) . وجَوَّزَ الشافعي ردَّ السلام بناءً على أنَّ الرَّدَّ واجب والاستماع عنده سُنَّة، فلا يكون مانعاً. وهو رواية عن أبي يوسف. قلنا: ذاك إذا كان السلام مأذوناً فيه شرعاً، وليس كذلك في حال الخطبة، بل يصير به آثماً لِشَغْلِهِ خاطر السامع عن الفرض.
وأجاز (٣) أيضاً للداخل تحية المسجد لقصة سُلَيْك الغَطَفَانِيّ. أخرجها الجماعة، عن جَابِر بن عبد الله: أن رجلاً جاء يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطبُ، فقال: أصلَّيتَ يا فلان؟ قال: لا، قال: صلِّ ركعتين، فَتَجَوَّزْ (٤) فيهما». زاد مسلم: وقال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام ـ يخطُب، فَلْيَرْكَعْ ركعتين، ولْيَتَجَوَّزْ فيهما». ولنا ما روينا عن عليّ (٥) ، وما في ابن أبي شَيْبَة عن الزُّهْرِيّ قال في الرجل يجيء يوم الجمعة، والإمام يخطُب: «يَجْلِسُ ولا يُصَلّي». وما في «الكتب الستة»، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصِت، يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد
стр. 409
ويَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قَعْدَة قَائِمًا طَاهِرًا. فإذَا تَمَّتَا أُقِيمَ، وصَلَّى الإِمَامُ بالنَّاس رَكْعَتَيْنِ.
===
لَغَوْت». وهذا يفيد بطريق الدلَالة منع الصلاة، لأن الأمر بالمعروف، وهو أعلى من السُّنَّةِ وتحيِة المسجد، فَمَنْعه منهما أوْلَى.
فإن قيل: العبارة مقدَّمة على الدلَالة عند المعارضة، قلنا: إنها غير لازمة، لأن النبي ﷺ أنصت له حتى فَرَغَ من صلاته، لِمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حديث عُبَيْد بن محمد العَبْدِيّ: حدّثنا مُعْتَمِر، عن أبيه، عن قَتَادة، عن أنس قال: «دخل رجل المسجد ورسول الله يخطب، فقال له النبي ﷺ قم فاركع ركعتين. وأمسكَ عن الخطبة حتى فَرَغَ من صلاته». ثم قال: وَهَم عُبَيد في إسناده. ثم رواه، عن أحمد بن حنبل: حدَّثنا مُعْتَمِر، عن أبيه قال: «جاء رجل والنبيّ ﷺ يخطب فقال: يا فلان أصلّيت؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ، ثم انتظره حتى صلّى». قال: وهذا المُرْسَل هو الصواب.
قلنا: المرسل حجّة عندنا وعند الجمهور، فيجب اعتقاد مقتضاه علينا، ثم إسناده بزيادة (١) الثقة مقبولة، فمجرد زيادته لا يوجب الحكم بغلطه، وإلاَّ لَمْ تُقْبَل زيادةٌ. وأمَّا ما رواه مسلم فيه من قوله: «إذا جاء أحدكم الجمعة … ». الحديثَ، لا ينفي (٢) كون المراد أن يركع مع سكوت الخطيب، لِمَا ثبت في السنة من ذلك، أو كان قبل تحريم الصلاة في حالة الخطبة. فَتَسْلَمُ تلك الدلَالة عن المُعَارِض.
(ويَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا قَعْدَةٌ) مقدار ثلاث آيات في ظاهر الرواية (قَائِماً) لأنه المتوارث، ولقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ (٣) . فعن ابن عمر: «كان النبيّ ﷺ يخطب خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بينهما». وفي رواية: «يخطب قائماً، ثم يَقْعُدُ، ثم يقوم ـ كما يُفْعَلُ الآن ـ». متفق عليه.
(طَاهِراً) لأنها ذِكْرٌ يتقدم الصلاة، فيستحب فيها التطهير كالأذان. فلو خطب قاعداً، أو على غير طهارة، جاز، إلاَّ أنه يُكْرَه عندنا خلافاً لمالك والشافعي فيهما، إذ القعود والطهارة شَرْط عندهما، وكذا سَتْرُ العورة عند الشافعي.
(فإذَا تَمَّتَا) أي الخطبتان (أُقِيمَ) أي للصلاة. وفي بعض النسخ: أُقِيمَتْ أي الصلاة (وصَلَّى الإِمَامُ بالنَّاس رَكْعَتَيْنِ) بذلك جرى العمل من حياته ﷺ
стр. 410
فَصْلٌ في صَلاةِ العيِدَينِ وَتَكْبِيَرات التَّشْرِيقِ
===
قال أبو مُطِيع البَلْخِيّ: لا يَحِلُّ للرجل أن يُعْطِي سُؤَّال المسجد، فإنه روى الحسن: «أنه يُنَادِي منادٍ يوم القيامة: ليقم بغيض الله، فيقوم سُؤَّال المسجد». والصحيح أنه إذا كان لا يَتَخَطَّى رِقَاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلِّي، ولا يسأل إلحافاً (١) ، ويسأل لأمر لا بد له منه، فلا بأس بالسؤال والإعطاء. لِمَا روى أبو داود، عن عبد الرحمن بن أبي بكر (٢) قال: قال رسول الله ﷺ «هل منكم أحد أَطْعَمَ اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل، فوجدت كِسْرَة خبز في يد عبد الرحمن، فدفعتها إليه».
قلت: ليس بصريح في المُدَّعَى، إذ يحتمل أن يكون السائل في طريق المسجد حال الدخول أو الخروج، لوقوع عين السائل على كِسْرَة ولده، وليس من المروءة حينئذٍ منعه. وأمَّا ما استُدِلَّ به على جوازه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُه والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُون الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وهم رَاكِعُون﴾ (٣) وأن عليّاً أعطى خَاتَمَه لسائل في الصلاة، فلا دَلالَة فيه على كونه في المسجد. هذا، وفي شرح «المُنْية»: يَحْرُم السؤال فيه، ويُكره الإعطاء للسائل فيه، وإلاَّ فلو أعطى مسكيناً في المسجد، فلا يُكْرَه اتفاقاً.
فصلٌ في صَلَاةِ العِيدَيْنِ وتَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ
وكانت صلاة عيد الفِطْرِ في السنة الأولى من الهجرة. وسُمِّيَ عيداً لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان على عباده. والأصل فيهما ما رواه أبو داود وغيره عن أنس قال: «قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينةَ، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ إن الله قد أبْدَلَكُم بهما خيراً منهما: يوم الأَضْحَى، ويوم الفِطْر».
ثم صلاة العيد واجبةٌ عندنا في الأصح، ـ وهو رواية عن أبي حنيفة ـ لا سنة كما هو قول مالك والشافعي، وبه قال بعض أصحابنا. والأظهر أنها سنة مؤكّدة: أَخْذُها
стр. 411
نُدِبَ يَوْمَ الفِطْرِ: أنْ يَأْكُلَ، ويَسْتَاكَ، ويَغْتَسِلَ، ويَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ،
===
هُدَىً، وتَرْكها ضلالة، لمواظبة النبيّ ﷺ من غير ترك.
وقال أحمد: فرض كفاية، وهو رواية عن أبي حنيفة. وقيل: صلاة العيد سنّة، لقول محمد في «الجامع الصغير»: عيدان اجتمعا في يوم واحد: الأول سنَّةٌ، والثاني فريضة، ولا يُتْرَكُ واحدٌ منهما. ولقوله ﵊ للأعرابي حين قال له: «هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلاَّ أنْ تَطوَّعَ». وأُجِيبَ عن الأول: بأن محمداً سمّاها سنّة، لأن وجوبها ثبت بالسُّنَّة. وعن الثاني: بأن الأعرابي من أهل البادية، وهي لا تجب عليهم. ومما يدل على الوجوب قوله : ﴿ولِتُكَبِّروا اللَّهَ عَلَى ما هَدَاكُمْ﴾ (١) ، فقد فُسِّرَ بصلاة العيد. وقد تواترت (٢) عنه ﷺ مواظبته لصلاة العيد.
(نُدِبَ يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ أنْ يَأْكُلَ) أي يَطْعَمَ الإِنسان شيئاً حلواً قبل الغُدُوِّ إلى المُصَلَّى، لِمَا روى البخاري عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ لا يَغْدُو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وتراً».
وفي الترمذي، وابن ماجه: «أنَّ رسول الله ﷺ كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل، وكان لا يأكل يوم النَّحْرِ حتى يُصَلِّي». ولفظ ابن ماجه: «حتى يرجع». ورواه أحمد، والدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» وزاد: «حتى يرجع فيأكل من أضْحِيَتِهِ».
وعن بُرَيْدَة قال: «كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفِطْر حتى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمُ يوم الأَضْحَى حتى يصلّي». قال النووي: حديث حسن رواه الترمذي، وابن ماجه، والدَّارقطنيّ، والحاكم بأسانيد صحيحة.
(ويَسْتَاكَ) أي ويُبَالِغ في الاستياك (ويَغْتَسِلَ) لِمَا روى ابن ماجه مِنْ حديث الفَاكِه بن سَعْد: «أنّ رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفِطْر، ويوم النَّحْرِ، ويوم عَرَفة». (ويَتَطَيَّبَ) لأنه يوم اجتماع، فَيُنْدَبُ فيه ذلك كالجمعة.
(ويَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِمَا رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس: «أنه كان ﷺ يَلْبَسُ في العيدين بُرْدَةً حِبَرَةً». رواه ابن خُزَيْمَة، والبيهقي في «سننه» من طريق الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد الأَسْلَمِيّ: أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ كان يَلْبَسُ بُرْدَةً حِبَرَةً في كل عيد». والحِبَرَةُ كعِنَبَةُ: نوع من بُرُود اليمن. قال النووي وغيره: إسناده ضعيف. وأخرجه في «المعرفة» عن الحَجَّاح بن أرْطَاة، عن
стр. 412
ويُؤَدِّيَ فِطْرَتَهُ،
===
أبي جعفر، عن جابر بن عبد الله قال: «كان للنبيّ ﷺ بُرْدٌ أحمرُ يَلْبَسُه في الجُمُعَة والعيدين». ورواه الطبرانيّ، عن أبي محمد عليّ بن الحسين، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يَلْبَسُ يوم العيد بُرْدَةً حمراء».
والحُلَّة الحمراء: عبارة عن ثوبين من اليمن، فيهما خطوط حُمْرٌ وخُضْرٌ، لا أنه أحمرُ بَحْتٌ، فليكن مَحْمَل البُرْدَة أحدهما. ورواه الطَّبَرَانيّ عن سَهْلِ بن سَعْد قال: «حِيكَتْ لرسول الله ﷺ حُلَّةٌ من أنْمَار صوف أبيض، فخرج ﷺ إلى المَجْلِس وهي عليه، فضرب على فَخِذه فقال: «ألا يرون ما أحسن هذه الحُلَّة فقال له أعرابي: يا رسول الله اكْسِنِي هذه الحِلّة، وكان ﷺ إذا سُئِلَ شيئاً، لم يقل قط: لا، فقال: نعم، فدعا بِمَقَعَّدَتَينِ (١) فلبسهما، وأعطى للأعرابي الحُلَّة، وأمر بمثلها تُحَاكُ له. فمات رسول الله ﷺ وهي في الحِيَاكة». وفي لفظ: «فتُوُفِّي ﷺ وله جُبَّةُ صوفٍ في الحِيَاكة».
(ويُؤَدِّيَ فِطْرَتَهُ) أي صدقة فِطْرِهِ قبل الصلاة، لِمَا في «الصحيحين» من حديث ابن عمر: «أن النبيّ ﷺ أمر بزكاة الفِطر أنْ تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة». (ولقول ابن عمر: «أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفِطْر أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة) (٢) . وكان هو (٣) يُؤَدِّيها قبل ذلك باليوم أو اليومين». رواه أبو داود. ولأن في التعجيل مسارعةً إلى الخير، وتفريغ قلب الفقير للصلاة. ولقوله ﷺ «أغنوهم عن المسألة» (٤) ، ولقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٥) أي أعطى زكاة الفِطْر، ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ بتكبير العيد في الطريق ﴿فَصَلَّى﴾ (٦) صلاة العيد، على ما فسره بعضهم.
стр. 413
ثُمَّ يَخْرُجُ إلى المُصَلَّى
===
(ثُمَّ يَخْرُجُ) ماشياً لِمَا رُوِيَ: «أن عليّاً لَمَّا قَدِمَ الكوفة، استخلف من يصلِّي بالضَّعَفَة صلاة العيدين في الجامع، وخرج إلى الجَبَّانة (١) مع خمسين شيخاً يمشي ويمشون»، (إلى المُصَلَّى) أي مُصَلَّى العيد، جاهراً بالتكبير عند أبي يوسف ومحمد كما في الأضحى، وهو رواية عن أبي حنيفة حكاها الطَّحَاوي عن أستاذه ابن عِمْرَان البَغْدَادِي عنه، ووجهها ظاهر قوله تعالى ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّة ولِتُكَبِّروا اللَّهَ على ما هَدَاكُم﴾ (٢) . وما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عمر موقوفاً: «أنه كان إذا غَدَا يوم الفِطْر ويوم الأضحى، يجهر بالتكبير حتى يأتي المُصَلَّى، ثم يُكَبِّر حتى يأتي الإمام». ومرفوعاً: «أن رسول الله ﷺ كان يكبر يوم الفِطْر، من حين يخرج من بيته حتى يأتي المُصَلَّى». وقد وقفه، فلا يضر ضعف رَفْعه لجَزْمِنا بعدم ابتكار ذلك من عنده، لشدة حرصه على متابعة النبي واجتناب مخالفته ﷺ
قال البيهقي: وَوَقْفه هو الصحيح، وأمّا رفعه فضعيف. ولفظه: «أنه ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفَضْل بن عباس، وعبد الله، والعباس، وعليّ، وجعفر، والحسن، والحسين، وأُسَامَة بن زَيْد، وزَيْد بن حَارِثَة، وأيْمَن بْن أُمِّ أَيْمَن، رافعاً صوته بالتهليل والتكبير، فأخذ طريق الحدَّادين حتى يأتي المُصَلَّى، وإذا فَرَغَ رجع على الحدَّادين حتى يأتي منزله». وفي رواية: «يُكبِّر يوم الفِطْر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المُصَلَّى». وكلاهما ضعيف.
وغيرُ جاهر به عند أبي حنيفة في رواية المُعَلَّى عنه. ووجهها أنَّ رفع الصوت بالذكر خلاف الأولى، لمخالفة قوله تعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وخِيْفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ (٣) ، وقوله ﷺ «خيرُ الذِّكْر الخَفِيّ، وخيرُ الرِّزْقِ ما يكفي». رواه أحمد، وابن حِبَّان، والبيهقي، عن سعد، فَيُقْتَصَرُ فيه على مورد الشرع.
وقد ورد الجهر في الأضحى وهو قوله تعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٤) ، وقد جاء في التفسير: أن المراد التكبير في هذه الأيام، وليس الفِطْر في معناه حتى يُلْحَقَ به، لاختصاصه بركن من أركان الحج الذي شُرِعَ التكبير فيه عَلَماً على أفعاله. وفعل ابن عمر مُعَارَضٌ بما رُوِيَ عن ابن عباس: «أنه سمع الناس يكبّرون،
стр. 414
ولا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ صَلاتِهِ في المُصَلَّى. وشُرِطَ لَهَا شُرُوطُ الجُمُعَةِ وُجُوبًا وأَدَاءً إلَّا الخُطبَةَ.
ووَقْتَهَا مِنَ ارْتَفَاعِ الشَّمْسِ
===
فقال لقائده: أَكَبَّرَ الإِمام؟ قال: لا. فقال: أفَجُنَّ الناس؟ أدركنا مثل هذا اليوم مع النبيّ ﷺ فما كان أحد يكبر قبل الإمام». كذا ذكره بعض الشُّرَّاح. وفيه: أن أثر ابن عباس محمول على إنكار تكبير الناس قبل وقت خروج الإمام.
(ولا يَتَنَفَّلُ) أي وكُرِه التنفل (قَبْلَ صَلَاتِهِ) سواء كان إماماً أو مأموماً (في المُصَلَّى) بالاتفاق، وفي البيت عند عامة المشايخ. لقول ابن عباس: «إنَّ رسول الله ﷺ خرج فصلَّى بهم العيد، لم يصلِّ قبلها ولا بعدها». متفق عليه. وكذا لا يتنفل بعد صلاته في المُصَلَّى عند الجمهور، ويتنفل في البيت، لِمَا روى ابن ماجه، من حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله صلّى ركعتين».
(وشُرِطَ لَهَا) أي لصلاة العيد (شُرُوطُ الجُمُعَةِ وُجُوباً وأَدَاءً) حتى الإذْن العام (إلاَّ الخُطْبَةَ) فإنها شرط لأداء الجمعة دون العيدين. ولهذا تكون الخُطْبَةُ في العيدين بعد الصلاة، لِمَا في «الصحيحين»، من حديث ابن عمر قال: «كان النبيّ ﷺ ثم أبو بكر، وعمر، يُصَلُّون العيدين قبل الخُطْبَةِ». ولقول ابن عباس: «شَهِدْتُ العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكلهم كانوا يصلّون العيدين قبل الخطبة». رواه الشيخان. ورَوَى الإمام الشافعيّ عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللْهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ (١) قال: «السُّنَّةُ أنْ يَخْطُبَ في العيدين خطبتين، يفصل بينهما بجلوس». قال النووي: ضعيف غير متصل، ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء (٢) ، والمعتمد فيه القياس على الجمعة. ولو قُدِّمَتْ الخُطْبَة، جاز مع الإساءة، ولا تُعَاد بعد الصلاة.
(ووَقْتُهَا مِنَ ارْتَفَاعِ الشَّمْسِ) قَدْرَ رُمْحٍ أو رُمْحَيْنِ، للنهي عن الصلاة وقت الطلوع. لِمَا في سنن أبي داود، وابن ماجه، بإسناد صحيح على شرط مسلم ـ كما
стр. 415
إلى زَوَالِهَا، ويُكبِّرُ ثَلاثًا بَعْدَ الثَّنَاءِ، ويُكبِّرُ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ القِرَاءَةِ
===
قال النووي ـ عن يزيد بن خُمَيْر ـ بضم الخاء المعجمة ـ أنه قال: «خرج عبد الله بن بِشْر ـ صاحب رسول الله ﷺ مع الناس في يوم عيد الفِطْر والأضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: كنّا مع النبيّ ﷺ قد فَرَغْنَا ساعتنا هذه. وذلك حين التسبيح». والمراد به: التنفل.
وأما قول صاحب «الهداية»: من أن النبيّ ﷺ «كان يُصَلِّي العيد، والشمس على قَدْرِ رُمْحٍ أو رُمْحَيْنِ». فغير معروف في كتب الحديث. وأغرب سِبْط ابن الجَوْزِيّ في قوله: إنه متفق عليه.
(إلى زَوَالِهَا) لِمَا رَوَى أبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه ـ واللفظ له ـ عن أبي عُمَيْر بن أنس قال: «حَدَّثَنِي عُمُومَتي ـ أي أعمامي ـ من الأَنصار من أَصحاب رسول الله ﷺ قالوا: أُغمِي علينا هلال شوال، فأصبحنا صياماً، فجاء رَكْبٌ من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رَأَوُا الهلال بالأمس. وأمرهم رسول الله ﷺ أنْ يُفْطِرُوا، وأنْ يخرجوا إلى عيدهم من الغد. قال البيهقي: إسناده صحيح. ولو كانت صلاة العيد تُؤَدَّى بعد الزوال، لَمَا أخرها إلى الغد.
والمراد بآخر النهار: ما بعد الزوال، لِمَا صُرِّح في بعض طرقه من رواية الطحاوي، عن أبي عُمَيْر بن أنس بن مالك: «أخبرني عُمُومَتِي من الأنصار: أن الهلال خَفِي على الناس في آخر ليلة من شهر رمضان في زمن رسول الله ﷺ فأصبحوا صياماً، فشهدوا عند رسول الله ﷺ بعد زوال الشمس أنهم رأوا الهلال الليلة الماضية، فأمر رسول الله ﷺ بالفِطْرِ، فأفطروا تلك الساعة، وخرج بهم من الغد فصلى بهم صلاة العيد».
(ويُكَبِّرُ) في الركعة الأولى (ثَلَاثاً) زوائد على تكبير الصلاة، رافعاً يديه في كل تكبيرة، وساكتاً بين كل تكبيرتين مقدار ثلاث تسبيحات، لأنها تُقَامُ بجمع عظيم، فلو وَالَى بين التكبيرتين حصل الاشتباه، وليس هذا التقدير بلازم كما في «المَبْسُوط»، لأن المقصود إزالة الاشتباه، وهو يختلف بكثرة الزِّحَام. وقلته.
(بَعْدَ الثَّنَاءِ) لأنه شُرِعَ عَقِيبَ تكبيرة الافتتاح، فيُقَدَّمُ على تكبيرات الزوائد. (ويُكَبِّرُ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) ثلاثاً زوائد، رافعاً يديه (بَعْدَ القِرَاءَةِ) فعندنا التكبيرات الزوائد في كل ركعة ثلاث، والقراءة في الركعتين متوالية (١) ، هو قول الثَّوْرِيّ.
стр. 416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد رَوَى أبو داود في «سننه»، وأحمد في «مسنده»، عن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، عن أبيه، عن مَكْحُول قال: «أخبرني أبو عائشة ـ جَلِيسٌ لأبي هُرَيْرَة ـ أن سعيد بن العَاص سأل أبا موسى الأشعري، وحُذَيْفة بن اليَمَانِ: كيف كان رسول الله ﷺ يكبر في الأضحى والفِطْر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعاً تَكْبِيرَهُ على الجنائز. فقال حُذَيْفَة: صدق. فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبِّر في البِصْرَةِ حيث كنت عليهم والياً». وسكت عنه أبو داود، ثم المُنْذِرِيّ في «مختصره»، وسكوتهما تصحيح، أو تحسين منهما.
وتضعيفُ ابن الجَوْزِيّ له بعبد الرحمن بن ثَوْبَان نَقْلاً عن أحمد وابن مَعِين، مُعَارَضٌ بقول صاحب «التَّنْقِيح» فيه: وثَّقَهُ غير واحد. وقال ابن مَعِين: لا بأس به، ولكن في مسنده أبو عائشة، يقول ابن حَزْم فيه: مجهول. وقال ابن القَطَّان: لا يُعْرَفُ حاله. قلنا: عَرَفَه مكحول، فرواه عنه.
ويُقَوِّيهِ ما رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»: أخبرنا سُفْيَان الثَّوْرِيّ، عن أبي إسحاق، عن عَلْقَمَة، والأَسْوَد: «أنَّ ابن مسعود كان يُكَبِّرُ في العيدين تسعاً: أربعاً قبل القراءة، ثم يكبر فيركع. وفي الثانية يقرأ، فإذا فَرَغَ، كَبَّرَ أربعاً، ثم ركع». وأخبرنا مَعْمَر، عن أبي إسْحَاق، عن عَلْقَمة والأَسود قال: «كان ابن مسعود جالساً وعنده حُذَيْفَة وأبو موسى الأشعري، فسألهم سعيد بن العاص عن التكبير في صلاة العيد، فقال حُذَيْفَة: سَل الأَشْعَرِيّ، فقال الأشعريّ: سَلْ عبد الله، فإنه أقدمنا وأعلمنا. فسأله، فقال ابن مسعود: يُكَبِّرُ أربعاً، ثم يقرأ، ثم يكبر فيركع، ثم يقوم في الثانية فيقرأ، ثم يُكَبِّرُ أربعاً بعد القراءة».
ورَوَى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»: حدثنا هُشيم: أخبرنا مُجَالِد، عن الشَّعْبِيّ، عن مسروق قال: «كان عبد الله بن مسعود يُعَلِّمُنا التكبير في العيدين تسع تكبيرات: خَمْسٌ في الأولى، وأرْبَعٌ في الأخيرة، ويُوَالي بين القراءتين، وأن يخطب بعد الصلاة على راحلته». والمراد بالخمس: تكبيرة الافتتاح، والركوع، وثلاث زوائد. وبالأربع: ثلاث زوائد، وتكبيرة الركوع. وروى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو
стр. 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حنيفة، عن حَمَّاد بن سُلَيْمان، عن إبراهيم النَّخَعِيّ، عن عبد الله بن مسعود: «أنه كان قاعداً في مسجد الكوفة ـ ومعه حُذَيْفَة بن اليَمَانِ، وأبو موسى الأَشْعَرِيّ ـ فخرج عليهم الوليد بن عُقْبَة بن أبي مُعَيْط ـ وهو أمير الكوفة يومئذ ـ فقال: إنَّ غداً عيدكم فكيف أصنع؟ فقالا: أخبره يا أبا عبد الرحمن، فأمره أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، وأن يُكَبِّرَ في الأُولى خمساً، وفي الثانية أربعاً، وأن يُوَالي بين القراءتين».
وقد رُوي عن غير واحد من الصحابة نحو هذا، وهو أثر صحيح، قاله بحضرة جماعة من الصحابة. ومثل هذا يُحْمَلُ على الرفع، لأنه مِثْل نَقْل أعداد الركعات. وروى ابن أبي شَيْبَة: حدَّثنا هُشَيم، أخبرنا خالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن الحارث قال: «صلى ابن عباس يوم عيد، فكبر تسع تكبيرات: خمساً في الأولى، وأربعاً في الآخرة، ووَالَى بين القراءتين». ورواه عبد الرزاق وزاد فيه: «وفعل المُغِيرَة بن شُعْبَة مثل ذلك». فعملنا بأثر ابن مسعود لسلامته عن الاضطراب، وموافقة جمع من الصحابة له قولاً وفعلاً في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
وعند الشافعيّ وهو مَرْوِيّ عن أبي يوسف: التكبير في الأولى: سبعٌ سوى تكبيرة الإحرام والركوع. وعند مالك، وأحمد: بتكبيرة الإحرام والركوع، وفي الثانية: خمس سوى تكبيرة النهوض وتكبيرة الركوع.
ولا مُوَالَاةَ بين القراءتين في الركعتين، لِمَا روى أبو داود، وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ «التكبير في الفِطْر سبعٌ في الأولَى، وخمسٌ في الثانية، والقراءة بعدهما كلتيهما». زاد الدَّارَقُطْنِيّ: «سوى تكبيرة الصلاة». والحديث من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي. قال ابن القَطَّان في كتابه: الطائفي هذا ضَعَّفَه جماعة، منهم ابن مَعِين. وقال الترمذي في «العِلَل»: سألت البخاري عنه فقال: هو صحيح. ولقول عائشة: «كان النبيّ ﷺ يكبّر في العيدين: في الأولى بسبع تكبيرات، وفي الثانية: بخمس قبل القراءة، سوى تكبير الركوع». رواه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن لَهِيعَة.
وقال الحاكم: تفرد به ابن لَهِيعة. وقد استشهد به مسلم في الموضعين. وأخرج الترمذي، وابن ماجه، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المُزَنِيّ (١) ، عن أبيه،
стр. 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن جده عمرو: «أن رسول الله ﷺ كَبَّرَ في العيدين في الأولى: سبعاً قبل القراءة، وفي الآخرة: خمساً قبل القراءة». قال الترمذي: حديث حسن، وهو أحسن شيء رُوِيَ في هذا الباب. وقال في «علله»: سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه، وبه أقول. قال ابن القَطَّان في كتابه: وهذا ليس بصريح في التصحيح، فقوله: هو أصح شيء في الباب: يعني أشبه ما في الباب وأقل ضَعْفاً ـ يعني عنده ـ، وقوله: وبه أقول، يحتمل أنْ يكون من كلام الترمذي. ونحن وإن خرجنا عن ظاهر اللفظ، ولكن أوجبه أن كثير بن عبد الله متروك.
قال أحمد بن حنبل: كثير بن عبد الله لا يساوي شيئاً، وضرب على حديثه في «المسند» ولم يُحَدّث به. وقال ابن مَعِين: ليس حديثه بشيء. وقال الشافعي: هو ركن من أركان الكذب. وقال ابن دِحْيَة في «العلم المشهور» (١) : وكم حَسَّنَ الترمذي في كتابه من أحاديث موضوعة، وأسانيد واهية، منها هذا الحديث.
وقال الإمام أحمد: ليس في تكبيرة العيدين عن النبيّ ﷺ حديث صحيح، وإنما أُخِذَ فيها بفعل أبي هريرة. وأشار به ما رَوَى مالك في «الموطأ»، عن نافع ـ مولى ابن عمر ـ قال: «شهدت الأضحى والفِطْر مع أبي هريرة، فكَبَّر في الركعة الأولى: سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة: خمساً قبل القراءة». قال مالك: وهو الأمر عندنا. وفي «مصنف ابن أبي شَيْبَة»: حدثنا وَكِيع، عن ابن جُرَيْج، عن عَطَاء: «أن ابن عباس كَبَّر في عيد ثلاث عشرة: سبعاً في الأولى، وستاً في الآخرة بتكبيرة الركوع، كلهن قبل القراءة». فثبت بصحته عن الصحابة، وجود أصل له عن النبيّ ﷺ وإن كانت طرقه ضعيفة، لِمَا مَرَّ من أنه لا يلزم من ضعفها بطلان الحديث في نفسه، كيف وقد عمل به بعض الصحابة، وهو أمر مخالف للقياس، إذ هو من قبيل المقادير.
ثم علماؤنا والشافعيّ يرفعون الأيدي في تكبيرات الزوائد، كتكبيرة الإحرام، خلافاً لمالك ـ وهو رواية عن أبي يوسف ـ اعتباراً بتكبير الركوع. قلنا: الرفع لإعلام الأصم، وتكبيرة الركوع تُؤَدَّى في حال الانتقال، فلا حاجة إلى رفع اليدين للإعلام، كذا قالوه. ولكن يُنْتَقَضُ بتكبيرات الجنازة، حيث قال جمهور علمائنا: إنه لا رفع فيها.
стр. 419
ويُصَلِّي غدًا بِعُذْرٍ. وإذا صَلَّى الإِمَامُ لا يَقْضِيهَا أَحَدٌ. والأَضْحَى كَالْفِطْرِ،
===
ولو فاتته الرَّكعة الأولى من صلاة العيد، فإذا قام يقضيها يقرأ أولاً، ثم يكبر. وفي رواية «النوادر»: يُكَبِّرُ أولاً، ثم (يقرأ) (١) . ولو أدرك الإمامَ في الركوع، وخشي أنْ يرفع رأسه، يركع ويكبر في ركوعه عندهما، ما دام الإمام راكعاً لأنه قيام من وجه والتكبير واجب، والإتيان بالواجب في محله من وجه، أوْلَى من الإتيان بالسنة في محلها من كل وجه. فقيل: برفع الأيدي. وقيل: بدونها، وهو الأظهر.
هذا، وما رواه صاحب «الهداية»، عن ابن عباس: أنه يكبر في الأولى للافتتاح وخمساً بعدها، وفي الثانية يكبر خمساً، ثم يقرأ، غير معروف عنه. وإنما ذَكره ابن المُنْذِر عن الزُّهْرِيّ وغيره. وكذا ما رواه عنه: يُكَبِّرُ في الأولى للافتتاح خمساً، وفي الثانية: أربعاً، إنما ذكره ابن المُنْذِرِ، عن الحسن البَصْرِي. وعند أبي يوسف: لا يكبر بل يسبح، لأنه محله حقيقة، ولو فاته أول الصلاة مع الإمام كَبَّرَ في الحال ولا يُؤَخِّرُ.
(ويُصَلِّي غداً بِعُذْرٍ) بأن غُمَّ الهلال، ثم شُهِدَ به بعد الزوال، لِمَا سبق من الحديث، أو شُهِدَ قبله بحيث لا يمكن اجتماع الناس فيه، أو بأن صُلِّيَتْ، ثم ظهر أنهم صَلَّوها بعد الزوال. قيد: «بالغد وبالعذر»، لأنها لا تُصَلَّى بعد غدٍ ولو بعذر، (ولا غداً بغير عذر، لأنّ الأصل في العيد أنها لا تُقْضَى كالجمعة، إلاَّ أنا تركناه في الغد بعذر) (٢) للحديث السابق، فيبقى ما وراء (٣) على الأصل.
(وإذا صَلَّى الإِمَامُ لا يَقْضِيهَا أَحَدٌ) فاتته مع الإمام ولم يدركه، وبه قال مالك، لأن لها شرائط لا قدرة للمنفرد على تحصيلها كالجمعة. وقال الشافعي: يَقْضِي استحباباً، لأنها صلاة مُؤَقَّتة كسائر الفرائض.
(والأَضْحَى كَالْفِطْرِ) فيما تقدَّم، لِمَا نُقِلَ عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عن عمر بن الخطاب قال: «صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفِطْر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تامٌّ غير قَصْر». قال النووي: ورواه النَّسائي، وابن ماجه، والبيْهَقِي، وقال: لم يسمعه ابن أبي ليلى عن عمر ﵁، وقال النووي: ووقع في رواية صحيحه للبيهقي، عن ابن أبي لَيْلَى، عن كَعْبِ بن عُجْرَة عن عمر. فهو كالفِطْرِ إلاَّ في بعض الأحكام نَبَّهَ عليها بقوله.
стр. 420
لكنْ نُدِبَ الإِمْسَاكُ إلى أنْ يُصَلِّيَ.
ويُكَبِّرُ جَهْرًا في الطَّرِيق، ويُصَلَّى ثلَاثة أيَّامٍ بِعُذْرٍ وغَيرِهِ. ويُعَلِّمُ في خُطْبَتِهِ وثَمَّ أحكامَ الفِطْرَةِ، لا اجْتَمَاعُ يَوْمَ عَرَفَةَ تَشَبُّهًا بالوَاقِفِينَ، ويَجِبُ قَوْلُه: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، لا إِلهَ إلَّا اللَّهُّ، واللَّهُ
===
(لَكِنْ نُدِبَ الإِمْسَاكُ) عن الأَكل والشُّرْبِ (إلى أنْ يُصَلِّيَ) لِمَا تقدَّم من حديث الترمذي، وابن ماجه: «أنه ﷺ كان لا يأكل يوم النَّحْرِ حتى يرجع».
وفي رواية: «فيأكل من أُضْحِيَتِهِ».
وفي «المحيط»: يُسْتَحَبُّ تعجيل صلاة الأضحى، ليتمكن الناس التعجيل بالأُضْحِيَة.
(ويُكَبِّرُ جَهْراً في الطَّرِيق) أي اتفاقاً لِمَا سبق من الحديث. ويُسْتَحَبُّ اختلاف الطريق في صلاة العيد، لِمَا رواه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عمر ﵄: «أنه ﷺ أخذ يوم العيد في طريق، ثم رجع في طريق».
(ويُصَلَّى ثلَاثَة أيَّامٍ بِعُذْرٍ وغَيْرِهِ) ولا يُصَلَّى بعد ذلك، لأنها مؤقتة بوقت الأُضْحِية وهو ثلاثة أيام، لكنه يُسِيءُ بالتأخير من غير عذر لمخالفته المنقول. فالعذر في الأضحى لنفي الكراهة، وفي الفِطْر للجواز.
(ويُعَلِّمُ في خُطْبَتِهِ) أي في خطبة الأضحى (تَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ والأُضْحِيَةِ) لأَنَّ الخطبة في الأضحى لتعليم أحكام وقته، وأحكام وقته (١) ، الأضحية وتكبير التشريق (٢) (وثمَّ) أي ويُعَلِّم في خطبة الفِطْر (أحكامَ الفِطْرَةِ) لأنها أحكام ذلك الوقت.
(لا اجْتَمَاعُ) عطف على الإمساك، أي لا يُنْدَب اجتماع الناس (يَوْمَ عَرَفَةَ) في غير عَرَفَاتٍ (تَشَبُّهاً بالوَاقِفِينَ) بعرفات، لأن الوقوف عُرِفَ عبادة مختصة بعرفات، فلا يكون عبادة بدونها. وعن أبي يوسف، ومحمد في غير رواية «الأصول»: أنه لا يُكْرَه، لِمَا رُوِيَ عن ابن عباس أنه فعل ذلك بالبَصْرَة. وأُجِيبَ بأن ما فعله ابن عباس لعله كان استسقاءً أو دُعَاءً.
(ويَجِبُ قَوْلُه:) مرة، والزيادة مستحبة (اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، لا إِلهَ إلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ
стр. 421
أكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ عَقِيبَ كُلِّ فَرْضٍ أُدِّيَ بِجَمَاعَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ عَلَى المُقِيمِ بِالمِصْرِ، ومُقْتَدِيَةٍ برَجُلٍ، وعَلَى مُسَافِرٍ مَقْتَدٍ
===
أكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ) كذا في رواية جابر. قال النووي: رواها الدَّارَقُطْنِيّ بأسانيد ضعيفة. وفي رواية عن جابر موقوفاً: «أنه كَبَّرَ: اللَّه أكبر ثلاثاً». وعن ابن عباس: مثله. ضعيف، ضعفه النَّوَوِي. وأمَّا قول صاحب «الهداية»: إنّ هذا هو المأثور عن الخليل ﵊، فغير معروف، وصَرَّحَ بالوجوب، وهو اختيار فخر الإسلام، وصدر الإسلام، وأكثر الأعلام، لظاهر قوله تعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١) ، ولأنه من الشعائر، فصار كصلاة العيد، فمستحب رفع الصوت به. وقيل: التكبير سنة. واختاره التُّمُرْتَاشِي لمواظبة النبيّ ﷺ
(مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ) لِمَا روى محمد في «الآثار»، عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم، عن عليّ: «أنه كان يُكَبِّرُ بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويكبر بعد العصر». ورواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن شَقِيق عن عليّ ﵁. وعن أبي يوسف آخِراً: من ظُهر عَرَفَة. وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت.
(عَقِيبَ كُلِّ فَرْضٍ) من أيام التشريق (أُدِّيَ) أو قُضِيَ فيها في تلك السنَةِ (بِجَمَاعَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ) ويعتبر في كون التكبير عَقِيبَ الفرض، أنْ لا يتخلل بينه وبين الفرض ما يقطع حُرْمَةَ الصلاة، كالخروج من المسجد، والتكلم.
وقَيَّد «بالفرض» احترازاً عن النفل، وعن الواجب كالوتر، والعيد، وركعتي الطواف. وقَيَّدْنا الفرض بكونه من «أيام التشريق» وكونه أُدّي أو قُضِي فيها في تلك السنة، لأنّ مَنْ فاتته صلاة من غير أيام التَّشْرِيقِ فقضاها في أيامها، لا يكبر، لأن القضاء على وَفْقِ الأداء. ومن فاتته صلاة من أيام التشريق، فقضاها في غير أيامه، أو في أيامه في غير تلك السنة، لا يُكَبِّرُ، لأنه واجب فات عن وقته، فلا يُقْضَى كصلاة العيد. وقال: بجماعة، فلا يجب على المنفرد. وقَيَّد الجماعة بكونها «مستحبة»، لأن النساء إذا صلّين بجماعة بإمامهن (٢) ، لا يجب التكبير عليهن.
(عَلَى المُقِيمِ) أي يجب على المقيم (بِالمِصْرِ) ولا يجب على المسافر، ولا على المقيم بالقرية. (ومُقْتَدِيَةٍ) ويجب على امرأة مقتدية (برَجُلٍ، وعَلَى مُسَافِرٍ مَقْتَدٍ
стр. 422
بِمُقِيمٍ إلى عَصْرِ العِيدِ. وقالا: إلى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وبه يُعْمَلُ. ولا يَدَعُهُ المُؤْتَمُّ ولَوْ تَرَكَهُ إمَامُهُ.
بَابٌ في الجَنَائِزِ
سُنَّ للمُحْتَضَرِ
===
بِمُقِيمٍ) تبعاً لإمامهما. وهذا كله عند أبي حنيفة، وهو مَرْوِي عن ابن مسعود، وابن عمر ﵃. وقالا: يجب التكبير على كل من يُصَلِّي المكتوبة، لأن التكبير تبع للمكتوبة. لأبي حنيفة أنَّ الجهر بالتكبير خلاف الأصل، والنص الوارد فيه اجتمعت هذه الأمور فيه، فتراعى.
(إلى عَصْرِ العِيدِ) غاية لقوله: من فجر عَرَفَةَ، وهذا عند أبي حنيفة، لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن الأسود قال: «كان عبد الله بن مسعود يكبر من صلاة فجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، فيقول: اللهُ أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد».
(وقالَا: إلى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) وهو قول الشافعي ـ رَجَّحَه جماعة من أصحابه ـ وقول أحمد بن حنبل.
(وبه يُعْمَلُ) أي وعليه الفَتْوَى، لأنه مَرْوِي عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، ولأنه أخْذٌ بالأكثر، وهو أحوط في العبادات. وعن الشافعي ـ وهو قول مالك ـ: أنَّ ابتداء التكبير من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق.
(ولا يَدَعُهُ المُؤْتَمُّ ولَوْ تَرَكَهُ إمَامُهُ) لأن التكبير يُؤَدَّى لا في نفس الصلاة، فلا يكون الإمام فيه حتماً، بل مستحباً، كسجدة التلاوة، بخلاف ما لو ترك الإمام سجود السهو، فإنه يتبعه المَأْمُوم في تركه، لأنه يُؤَدَّى في حُرْمَة الصلاة. لكن ينبغي للمأموم أن ينتظر الإمام إلى أن يأتي بشيء يقطع التكبير، كالخروج من المسجد والحَدَث العمد، والكلام المُنَافي، والله أعلم.
باب في الجَنَائِزِ
وهو بفتح الجيم لا غير: جمع جِنَازة بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح. وقيل: الفتح للميت، والكسر لسريره الذي يُحْمَلُ عليه. وقيل: بالعكس.
(سُنَّ للمُحْتَضَرِ) بفتح الضاد: وهو من حضره الموت أو ملائكته. وعلامة ذلك
стр. 423
أنْ يُوَجَّهَ إلى القِبْلَةِ عَلَى يَمِينِهِ، واخْتِيرَ الاسْتِلْقَاءُ. ويُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ، فإذا مَاتَ تُشَدُّ لَحْيَاهُ، وتُغْمَضُ عَيْنَاهُ،
===
استرخاء قدميه، وانعواج أنفه، واسوداد ظفره، وانخساف صُدْغَيْه (١) . (أنْ يُوَجَّهَ) أي يجعل وجهه (إلى القِبْلَةِ) لِمَا روى الحاكم في «المستدرك» عن أبي قتادة: «أن النبيّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المدينة سأل عن البَرَاء بن مَعْرُور فقالوا: تُوُفِّي وأوْصَى بثلثه لك (٢) ، وأوْصَى أن يُوَجَّهَ إلى القِبلة لَمَّا احْتُضِرَ. فقال رسول الله ﷺ أصاب الفِطْرَة، وقد رَدَدتُ ثُلُثَهُ على ولده». (عَلَى يَمِينِهِ) لأنه يوضع عليه في القَبْر فكذلك في هذا الوقت.
(واخْتِيرَ) عند بعض المشايخ (الاسْتِلْقَاءُ) لأنه أسهل في شدِّ اللَّحْيَيْنِ، وتغميض العينين، وأمنع من تقوّس أعضائه. قيل: وفي خروج الروح. ويُرْفَع رأسه قليلاً، ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء.
(ويُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ) لِمَا روى الجماعة إلاَّ البُخَارِي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «لَقِّنُوا أمواتكم: لا إله إلا الله». أي من قَرُبَ من الموت. وزاد ابن شاهين، عن ابن عمر مرفوعاً: «فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلاَّ أنْجَتْه من النار». وكيفية التلقين: أنْ يُقَال عنده وهو يسمع، ولا يُؤْمَرُ بها، ولا يُلَحُّ عليه، لأن الحال صعب لديه. فإذا أتى بها، ولم يتكلم بعدها يُمْسَكُ عنه، لأن المقصود أنْ يكون خَتَم كلامه بها. لقوله ﵊: «من كان آخرَ كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة». رواه أبو داود. ولا يلَقَّنُ بعد الموت على القبر. وقيل: يُلَقَّنُ. وقيل: (لا يُؤْمَرُ به.) (٣) ولا يُنْهَى عنه.
(فإذا مَاتَ تُشَدُّ لَحْيَاهُ) بفتح اللام، تثنية لَحْي: وهو مَنْبِت اللحية من الإنسان وغيره. (وتُغْمَضُ عَيْنَاهُ) إزالةً لشناعة منظره، وأمناً من دخول شيء من الهوامّ في جوفه من فمه، ولقوله ﷺ «إذا حضرتم موتاكم فأغْمِضُوا البصر، فإنّ البصر يتبع الروح. وقولوا خيراً، فإن الملائكة تُؤَمِّنُ على ما قال أهل البيت». رواه ابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ولِمَا رَوَى مسلم من حديث أم سَلَمة قالت: «دخل رسول الله
стр. 424
ويُجَمَّرُ تَخْتُهُ وكَفَنُهُ وِتْرًا.
ويُغَسَّلُ
===
ﷺ على أبي سَلَمَة وقد شَقَّ بَصَرُه، فأغْمَضَه، ثم قال: إن الروح إذا قُبِضَ (١) تبعه البصر، فَضَجَّ ناس من أهله ـ أي فصاحوا ـ فقال: لا تَدْعُوا على أنفسكم إلاَّ بخير، فإن الملائكة يُؤَمِّنُون على ما تقولون. ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المَهْدِيِّين، واخْلُفْه في عقِبهِ في الغابرين» (٢) . شَقَّ بصره، بفتح الشين ورفعِ البصر، وضَبَطَه بعضهم بالنصب معناه: شَخَصَ. ويقول مُغْمِضه: باسم الله، وعلى ملَّة رسول الله ﷺ ويُسْتَحب تعجيل دفنه.
(ويُجَمَّرُ) بصيغة المجهول مخففاً أو مشدداً أي يُبَخَّر (تَخْتُهُ) أي سريره. قيل: ويوضع عليه طولاً إلى القبلة. وقيل: عرضاً، والأصح كما قال السَّرَخْسِي: كيفما تيسر ليَنْصَبَّ عليه الماء، وكان أقرب إلى التنظيف (وكَفَنُهُ) عند إرادة غسله، بأن تدار المِجْمَرَة حوله، إزالة لِمَا عسى أنْ يكون من الرائحة الكريهة. (وِتْراً) مرة أو ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، ولا يزاد على ذلك. روى أحمد، وابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم وصححه، عن جابر: أن النبيّ ﷺ قال: «إذا أجْمَرْتُم الميت، فأجْمِرُوه وِتْراً». وفي رواية: «فأجْمِرُوه ثلاثاً».
(ويُغَسَّلُ) بالتخفيف والتشديد. وغسلُه فرضُ كفاية على الأحياء بالاتفاق، حتى لو وُجِدَ ميت في الماء غسل، وإن كان تَفَسَّخَ صُبَّ عليه الماء.
واختلفوا في سبب غسله: فقيل: حَدَثٌ يَحُلُّ بالميت، لاسترخاء مفاصله. فإن الآدمي لا يَنْجُسُ بالموت، كرامةً له. وإنما لم يُقْتَصَرْ على أعضاء الوضوء، لأن في الاقتصار عليها في الحياة نفياً للحرج فيما يتكرر كل يوم، والحَدَثُ بسبب الموت لا يتكرر، فكان كالجنابة. وقال العراقيون: سببه النجاسة بالموت كسائر الحيوانات، لأن شخصاً لو حمل إنساناً ميتاً وصَلَّى لم تجز صلاته. ولو حمل مُحْدِثاً، فصلى جازت. وزوال نجاسته بالغسل دون باقي الحيوانات، كرامةً له، هذا هو الأظهر، إلاَّ أنَّ حديث أبي هريرة: «سبحان الله، إنّ المؤمن لا يَنْجُس حياً ولا ميتاً» (٣) . فإن صحّت الرواية،
стр. 425
ويُجَرَّدُ بِلا مَضْمَضَةٍ واسْتِنْشَاقٍ،
===
وجب ترجيح أنه للحدث.
وتُستر عَوْرَتُه لأن النظر إليها حرام كالحيّ، وهو ما تحت سرته إلى ركبته، كما في الحيّ. وقيل: الغليظة. وفي «الهداية»: هو الصحيح تيسيراً. قلت: وهو ظاهر الرواية. والأول رواية «النوادر»، وصححها في «النهاية»، واختاره الكَرْخِيّ لقوله ﷺ لعليّ: «لا تنظر إلى فَخذِ حيّ ولا ميت» (١) . ولذا لا يَحِلُّ للرجل غسل النساء، وبالعكس.
(ويُجَرَّدُ) عن ثيابه وهو قول مالك، للاعتبار بحال حياته. وقد كان هذا التجريد مشهوراً فيما بين الصحابة بدليل ما رُوِيَ أنهم قالوا: أنُجرِّدُه كما نُجَرِّدُ موتانا أم نُغَسِّلُه في ثيابه؟ فسمعوا هاتفاً يقول: لا تجرّدوا رسول الله ﷺ وفي رواية: «اغسلوه في قميصه الذي مات فيه». ولأنه (٢) قد يتنجس مما يخرج منه (٣) ، وينجس الميت به، ويَشِيعُ بصب الماء عليه، بخلاف النبيّ ﷺ لأنه لم يخرج منه إلاَّ طيب. فقد قال عليّ: «طِبْتَ حيّاً وميتاً».
ويُوَضَّأُ أولاً اعتباراً بحال الحياة، إلاَّ أنه لا يُقدَّمُ غَسْلُ يديه، بل يُبْدَأُ بوجهه، بخلاف الجُنُبِ، لأنه يتطهّر بهما. والميت يُغَسَّلُ بيد غيره. ولا يُمْسَحُ رأسُه في رواية، والمختار: أن يُمْسَحَ ويُنَجَّى (٤) عند أبي حنيفة ومحمد، بعد ما يَلُفُّ على يده خِرْقَةً لحرمة المس كالنظر. وعند أبي يوسف: لا يُنَجَّى، لأن المُسْكَةَ (٥) قد زالت، فلو نُجِّيَ ربما يزداد الاسترخاء، فتخرج نجاسة أخرى. فيُكْتَفَى بوصول الماء إليه (٦) .
ولهما: أن موضع استنجاء الميت لا يخلو عن نجاسة، فَتُزَال كما في الحياة، وكما لو كانت في موضع آخر من بدنه.
(بِلَا مَضْمَضَةٍ واسْتِنْشَاقٍ) وهو قول مالك وأحمد، خلافاً للشافعي قياساً على الحيّ. ولنا: أن في إدخال الماء في أنفه وفمه وإخراجه منهما حرجاً، فيُتْرَكَان.