← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ عَقِيبَ كُلِّ فَرْضٍ أُدِّيَ بِجَمَاعَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ عَلَى المُقِيمِ بِالمِصْرِ، ومُقْتَدِيَةٍ برَجُلٍ، وعَلَى مُسَافِرٍ مَقْتَدٍ === أكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ) كذا في رواية جابر. قال النووي: رواها الدَّارَقُطْنِيّ بأسانيد ضعيفة. وفي رواية عن جابر موقوفاً: «أنه كَبَّرَ: اللَّه أكبر ثلاثاً». وعن ابن عباس: مثله. ضعيف، ضعفه النَّوَوِي. وأمَّا قول صاحب «الهداية»: إنّ هذا هو المأثور عن الخليل ﵊، فغير معروف، وصَرَّحَ بالوجوب، وهو اختيار فخر الإسلام، وصدر الإسلام، وأكثر الأعلام، لظاهر قوله تعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١) ، ولأنه من الشعائر، فصار كصلاة العيد، فمستحب رفع الصوت به. وقيل: التكبير سنة. واختاره التُّمُرْتَاشِي لمواظبة النبيّ ﷺ (مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ) لِمَا روى محمد في «الآثار»، عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم، عن عليّ: «أنه كان يُكَبِّرُ بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويكبر بعد العصر». ورواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن شَقِيق عن عليّ ﵁. وعن أبي يوسف آخِراً: من ظُهر عَرَفَة. وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت. (عَقِيبَ كُلِّ فَرْضٍ) من أيام التشريق (أُدِّيَ) أو قُضِيَ فيها في تلك السنَةِ (بِجَمَاعَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ) ويعتبر في كون التكبير عَقِيبَ الفرض، أنْ لا يتخلل بينه وبين الفرض ما يقطع حُرْمَةَ الصلاة، كالخروج من المسجد، والتكلم. وقَيَّد «بالفرض» احترازاً عن النفل، وعن الواجب كالوتر، والعيد، وركعتي الطواف. وقَيَّدْنا الفرض بكونه من «أيام التشريق» وكونه أُدّي أو قُضِي فيها في تلك السنة، لأنّ مَنْ فاتته صلاة من غير أيام التَّشْرِيقِ فقضاها في أيامها، لا يكبر، لأن القضاء على وَفْقِ الأداء. ومن فاتته صلاة من أيام التشريق، فقضاها في غير أيامه، أو في أيامه في غير تلك السنة، لا يُكَبِّرُ، لأنه واجب فات عن وقته، فلا يُقْضَى كصلاة العيد. وقال: بجماعة، فلا يجب على المنفرد. وقَيَّد الجماعة بكونها «مستحبة»، لأن النساء إذا صلّين بجماعة بإمامهن (٢) ، لا يجب التكبير عليهن. (عَلَى المُقِيمِ) أي يجب على المقيم (بِالمِصْرِ) ولا يجب على المسافر، ولا على المقيم بالقرية. (ومُقْتَدِيَةٍ) ويجب على امرأة مقتدية (برَجُلٍ، وعَلَى مُسَافِرٍ مَقْتَدٍ

стр. 422

بِمُقِيمٍ إلى عَصْرِ العِيدِ. وقالا: إلى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وبه يُعْمَلُ. ولا يَدَعُهُ المُؤْتَمُّ ولَوْ تَرَكَهُ إمَامُهُ. بَابٌ في الجَنَائِزِ سُنَّ للمُحْتَضَرِ === بِمُقِيمٍ) تبعاً لإمامهما. وهذا كله عند أبي حنيفة، وهو مَرْوِي عن ابن مسعود، وابن عمر ﵃. وقالا: يجب التكبير على كل من يُصَلِّي المكتوبة، لأن التكبير تبع للمكتوبة. لأبي حنيفة أنَّ الجهر بالتكبير خلاف الأصل، والنص الوارد فيه اجتمعت هذه الأمور فيه، فتراعى. (إلى عَصْرِ العِيدِ) غاية لقوله: من فجر عَرَفَةَ، وهذا عند أبي حنيفة، لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن الأسود قال: «كان عبد الله بن مسعود يكبر من صلاة فجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، فيقول: اللهُ أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». (وقالَا: إلى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) وهو قول الشافعي ـ رَجَّحَه جماعة من أصحابه ـ وقول أحمد بن حنبل. (وبه يُعْمَلُ) أي وعليه الفَتْوَى، لأنه مَرْوِي عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، ولأنه أخْذٌ بالأكثر، وهو أحوط في العبادات. وعن الشافعي ـ وهو قول مالك ـ: أنَّ ابتداء التكبير من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق. (ولا يَدَعُهُ المُؤْتَمُّ ولَوْ تَرَكَهُ إمَامُهُ) لأن التكبير يُؤَدَّى لا في نفس الصلاة، فلا يكون الإمام فيه حتماً، بل مستحباً، كسجدة التلاوة، بخلاف ما لو ترك الإمام سجود السهو، فإنه يتبعه المَأْمُوم في تركه، لأنه يُؤَدَّى في حُرْمَة الصلاة. لكن ينبغي للمأموم أن ينتظر الإمام إلى أن يأتي بشيء يقطع التكبير، كالخروج من المسجد والحَدَث العمد، والكلام المُنَافي، والله أعلم. باب في الجَنَائِزِ وهو بفتح الجيم لا غير: جمع جِنَازة بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح. وقيل: الفتح للميت، والكسر لسريره الذي يُحْمَلُ عليه. وقيل: بالعكس. (سُنَّ للمُحْتَضَرِ) بفتح الضاد: وهو من حضره الموت أو ملائكته. وعلامة ذلك

стр. 423

أنْ يُوَجَّهَ إلى القِبْلَةِ عَلَى يَمِينِهِ، واخْتِيرَ الاسْتِلْقَاءُ. ويُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ، فإذا مَاتَ تُشَدُّ لَحْيَاهُ، وتُغْمَضُ عَيْنَاهُ، === استرخاء قدميه، وانعواج أنفه، واسوداد ظفره، وانخساف صُدْغَيْه (١) . (أنْ يُوَجَّهَ) أي يجعل وجهه (إلى القِبْلَةِ) لِمَا روى الحاكم في «المستدرك» عن أبي قتادة: «أن النبيّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المدينة سأل عن البَرَاء بن مَعْرُور فقالوا: تُوُفِّي وأوْصَى بثلثه لك (٢) ، وأوْصَى أن يُوَجَّهَ إلى القِبلة لَمَّا احْتُضِرَ. فقال رسول الله ﷺ أصاب الفِطْرَة، وقد رَدَدتُ ثُلُثَهُ على ولده». (عَلَى يَمِينِهِ) لأنه يوضع عليه في القَبْر فكذلك في هذا الوقت. (واخْتِيرَ) عند بعض المشايخ (الاسْتِلْقَاءُ) لأنه أسهل في شدِّ اللَّحْيَيْنِ، وتغميض العينين، وأمنع من تقوّس أعضائه. قيل: وفي خروج الروح. ويُرْفَع رأسه قليلاً، ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء. (ويُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ) لِمَا روى الجماعة إلاَّ البُخَارِي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «لَقِّنُوا أمواتكم: لا إله إلا الله». أي من قَرُبَ من الموت. وزاد ابن شاهين، عن ابن عمر مرفوعاً: «فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلاَّ أنْجَتْه من النار». وكيفية التلقين: أنْ يُقَال عنده وهو يسمع، ولا يُؤْمَرُ بها، ولا يُلَحُّ عليه، لأن الحال صعب لديه. فإذا أتى بها، ولم يتكلم بعدها يُمْسَكُ عنه، لأن المقصود أنْ يكون خَتَم كلامه بها. لقوله ﵊: «من كان آخرَ كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة». رواه أبو داود. ولا يلَقَّنُ بعد الموت على القبر. وقيل: يُلَقَّنُ. وقيل: (لا يُؤْمَرُ به.) (٣) ولا يُنْهَى عنه. (فإذا مَاتَ تُشَدُّ لَحْيَاهُ) بفتح اللام، تثنية لَحْي: وهو مَنْبِت اللحية من الإنسان وغيره. (وتُغْمَضُ عَيْنَاهُ) إزالةً لشناعة منظره، وأمناً من دخول شيء من الهوامّ في جوفه من فمه، ولقوله ﷺ «إذا حضرتم موتاكم فأغْمِضُوا البصر، فإنّ البصر يتبع الروح. وقولوا خيراً، فإن الملائكة تُؤَمِّنُ على ما قال أهل البيت». رواه ابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ولِمَا رَوَى مسلم من حديث أم سَلَمة قالت: «دخل رسول الله

стр. 424

ويُجَمَّرُ تَخْتُهُ وكَفَنُهُ وِتْرًا. ويُغَسَّلُ === ﷺ على أبي سَلَمَة وقد شَقَّ بَصَرُه، فأغْمَضَه، ثم قال: إن الروح إذا قُبِضَ (١) تبعه البصر، فَضَجَّ ناس من أهله ـ أي فصاحوا ـ فقال: لا تَدْعُوا على أنفسكم إلاَّ بخير، فإن الملائكة يُؤَمِّنُون على ما تقولون. ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المَهْدِيِّين، واخْلُفْه في عقِبهِ في الغابرين» (٢) . شَقَّ بصره، بفتح الشين ورفعِ البصر، وضَبَطَه بعضهم بالنصب معناه: شَخَصَ. ويقول مُغْمِضه: باسم الله، وعلى ملَّة رسول الله ﷺ ويُسْتَحب تعجيل دفنه. (ويُجَمَّرُ) بصيغة المجهول مخففاً أو مشدداً أي يُبَخَّر (تَخْتُهُ) أي سريره. قيل: ويوضع عليه طولاً إلى القبلة. وقيل: عرضاً، والأصح كما قال السَّرَخْسِي: كيفما تيسر ليَنْصَبَّ عليه الماء، وكان أقرب إلى التنظيف (وكَفَنُهُ) عند إرادة غسله، بأن تدار المِجْمَرَة حوله، إزالة لِمَا عسى أنْ يكون من الرائحة الكريهة. (وِتْراً) مرة أو ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، ولا يزاد على ذلك. روى أحمد، وابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم وصححه، عن جابر: أن النبيّ ﷺ قال: «إذا أجْمَرْتُم الميت، فأجْمِرُوه وِتْراً». وفي رواية: «فأجْمِرُوه ثلاثاً». (ويُغَسَّلُ) بالتخفيف والتشديد. وغسلُه فرضُ كفاية على الأحياء بالاتفاق، حتى لو وُجِدَ ميت في الماء غسل، وإن كان تَفَسَّخَ صُبَّ عليه الماء. واختلفوا في سبب غسله: فقيل: حَدَثٌ يَحُلُّ بالميت، لاسترخاء مفاصله. فإن الآدمي لا يَنْجُسُ بالموت، كرامةً له. وإنما لم يُقْتَصَرْ على أعضاء الوضوء، لأن في الاقتصار عليها في الحياة نفياً للحرج فيما يتكرر كل يوم، والحَدَثُ بسبب الموت لا يتكرر، فكان كالجنابة. وقال العراقيون: سببه النجاسة بالموت كسائر الحيوانات، لأن شخصاً لو حمل إنساناً ميتاً وصَلَّى لم تجز صلاته. ولو حمل مُحْدِثاً، فصلى جازت. وزوال نجاسته بالغسل دون باقي الحيوانات، كرامةً له، هذا هو الأظهر، إلاَّ أنَّ حديث أبي هريرة: «سبحان الله، إنّ المؤمن لا يَنْجُس حياً ولا ميتاً» (٣) . فإن صحّت الرواية،

стр. 425

ويُجَرَّدُ بِلا مَضْمَضَةٍ واسْتِنْشَاقٍ، === وجب ترجيح أنه للحدث. وتُستر عَوْرَتُه لأن النظر إليها حرام كالحيّ، وهو ما تحت سرته إلى ركبته، كما في الحيّ. وقيل: الغليظة. وفي «الهداية»: هو الصحيح تيسيراً. قلت: وهو ظاهر الرواية. والأول رواية «النوادر»، وصححها في «النهاية»، واختاره الكَرْخِيّ لقوله ﷺ لعليّ: «لا تنظر إلى فَخذِ حيّ ولا ميت» (١) . ولذا لا يَحِلُّ للرجل غسل النساء، وبالعكس. (ويُجَرَّدُ) عن ثيابه وهو قول مالك، للاعتبار بحال حياته. وقد كان هذا التجريد مشهوراً فيما بين الصحابة بدليل ما رُوِيَ أنهم قالوا: أنُجرِّدُه كما نُجَرِّدُ موتانا أم نُغَسِّلُه في ثيابه؟ فسمعوا هاتفاً يقول: لا تجرّدوا رسول الله ﷺ وفي رواية: «اغسلوه في قميصه الذي مات فيه». ولأنه (٢) قد يتنجس مما يخرج منه (٣) ، وينجس الميت به، ويَشِيعُ بصب الماء عليه، بخلاف النبيّ ﷺ لأنه لم يخرج منه إلاَّ طيب. فقد قال عليّ: «طِبْتَ حيّاً وميتاً». ويُوَضَّأُ أولاً اعتباراً بحال الحياة، إلاَّ أنه لا يُقدَّمُ غَسْلُ يديه، بل يُبْدَأُ بوجهه، بخلاف الجُنُبِ، لأنه يتطهّر بهما. والميت يُغَسَّلُ بيد غيره. ولا يُمْسَحُ رأسُه في رواية، والمختار: أن يُمْسَحَ ويُنَجَّى (٤) عند أبي حنيفة ومحمد، بعد ما يَلُفُّ على يده خِرْقَةً لحرمة المس كالنظر. وعند أبي يوسف: لا يُنَجَّى، لأن المُسْكَةَ (٥) قد زالت، فلو نُجِّيَ ربما يزداد الاسترخاء، فتخرج نجاسة أخرى. فيُكْتَفَى بوصول الماء إليه (٦) . ولهما: أن موضع استنجاء الميت لا يخلو عن نجاسة، فَتُزَال كما في الحياة، وكما لو كانت في موضع آخر من بدنه. (بِلَا مَضْمَضَةٍ واسْتِنْشَاقٍ) وهو قول مالك وأحمد، خلافاً للشافعي قياساً على الحيّ. ولنا: أن في إدخال الماء في أنفه وفمه وإخراجه منهما حرجاً، فيُتْرَكَان.

стр. 426

ولا قَلْمِ ظُفُرٍ، ولا تَسْرِيحِ شَعْرٍ === ولو وُلِدَ ميتاً، رُوِي عن أبي حنيفة ومحمد: أنه لا يُغَسَّلُ، لأن الغسل لأجل الصلاة، وهو لا يُصَلَّى عليه. وعن أبي يوسف: يُغَسَّلُ، لأنه يشبه الجزء من وَجْهٍ، والنفس من وجه، فَيُغَسَّلُ اعتباراً بالنفس، ولا يُصَلَّى عليه اعتباراً بالجزء. وفي «الخلاصة»: السِّقْطُ (١) الذي لم تتمّ أعضاؤه لا يصلّى عليه، ولكن يُغَسَّلُ ويُدْفَنُ في خِرْقَةٍ، وكأَنه اختار رواية أبي يوسف. (ولا قَلْمِ ظُفُرٍ) أي وبلا قطعه. وعن (أبي حنيفة) (٢) وأبي يوسف: إذا كان الظُّفُرُ منكسراً، فلا بأس بأخذه. وكذا لا يُقَصُّ شاربه ولا يُنْتَفُ إبْطُه ونحو ذلك. (ولا تَسْرِيحِ شَعْرٍ) أي من رأسه ولحيته لِمَا رَوَى محمد بن الحسن في «آثاره»، عن أبي حنيفة، وعبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، عن سفيان الثوري كلاهما عن حَمَّاد، عن إبراهيم: «أنَّ عائشة رأت امرأة يَكْدُون (٣) شعرها بمشط فقالت: علام تُنْصُون ميتكم؟» أي تَمُدُّونَ ناصيته. وتكدون وتنصون على زِنَة تبكون ـ فأرادت عائشة أنَّ الميت لا يحتاج إلى تسريح الرأس. وعَبَّرَت بالأخذ بالناصية تنفيراً. ومذهب الشافعيّ: قَصُّ ظُفُرهِ وشاربه، وتسريح لحيته وشعره بمشط واسع. وكذا غسله في قميص وبماء بارد اعتباراً له بالحي، واعتباراً بغسل النبيّ ﷺ في قميصه، ولقول أم عَطِيَّة في غسل بنت النبيّ ﷺ «فضَفَرْنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها». ولأن المُسَخَّنَ يوجب انحلال ما في الباطن فيكثر الخارج. ولنا: أنَّ في الماء الحار مبالغةً في التنظيف كالسِّدْرِ (٤) والحُرضِ (٥) . وكون سخونته توجب الانحلال داع لا مانع، لأن المقصود يتم به، إذ باستفراغ ما في الباطن يحصل تمام النظافة، والأمان من تلويث الكَفَن عند تحريك الحَامِلِين. وقد سبق أنَّ غسله ﷺ في قميصه كان من خصائصه. ولا يلزم من تضفير الشعر تسريحه كما لا

стр. 427

ويُجْعَل الحَنُوطُ === يخفى. وجواب الباقي تقدم والله تعالى أعلم. وفي «المحيط»: أن الصبيّ والصبية إذا لم يبلغا حَدَّ الشهوة فهما في الغسل كالبالغ، وإن كانا لا يعقلان لا يُوَضَّآن عند الغسل. ولا تَغْسِل الأَمَةُ سيّدها لزوال مِلْكه عنها إلى الورثة، ولا المُدَبَّرَةُ مولاها لعتقها بموته، ولا أمّ الولد مولاها، وإن كانت تعتد منه، لأن عدّتها لم تجب قضاء لحقِّه. وعند زُفَر: تغسله. وتغسل المرأة زوجها اتفاقاً، وإن كانت مُحْرِمَة أو صائمة. ولا يغسل الرجل امرأته عندنا (١) خلافاً للثلاثة. ثم يُصَبُّ عليه ماء مَغْلِي بسِدْرٍ أَوْ حُرْضٍ إِنْ وُجِدَ، وإلاَّ فالماء الخالص المسخن أولى. ويغسل رأسه ولحيته بالخَطْمِيّ (٢) لأنه أبلغ في استخراج الوسخ. فإنْ لم يُوجَد فبالصابون ونحوه لعمله عَمَلَه. ويُضْجِعُه بعد ذلك على يساره فيغسل جانبه الأيمن حتى يصل الماء إلى ما يلي التخت منه ـ وهو الجانب الأيسر ـ وهذه غِسْلَة. ثم يُضْجِعُه على يمينه ويغسله كذلك حتى يُنقيه، ويرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت ـ وهو الجانب الأيمن ـ وهذه ثانية. ثم يُجْلِسُه مسنَداً إليه، ويسند ظهره إلى ركبته ويمسح بطنه برفق حتى لو بقي شيء يسيل، فلا تتلوث أكفانه. فإن خرج منه شيء، كفى غسل موضعه، ولا يجب إعادة غسله. لأنه إنما عُرِفَ وجوبه بالنص مرة واحدة، مع قيام سبب النجاسة. إذ الحدث ـ وهو الموت ـ أعمُّ من أن يكون قبل خروج شيء أو بعده، فلا يُعَاد، لأن الحاصل بعد إعادته هو الذي كان قبله، ثم يُضْجِعهُ على جنبه الأيسر، ويغسله بماء فيه كافور (٣) ، وقد تمّت الثلاث. ثم ينشِّفه بثوب أو خِرْقة كما في حالة الحياة لئلاَّ تبتل ثيابه. (ويُجْعَلُ الحَنُوطُ) بفتح الحاء المهملة، أخلاط من طيب مجتمع للميت خاصة. وفي «المحيط»: لا بأس بسائر الطيب في الحَنُوط غير الزَّعْفَرَان (٤)

стр. 428

عَلَى رَأْسِهِ ولِحْييَهِ، والكَافُورُ عَلَى مسَاجِدِهِ. === والوَرْس (١) لأنهما للزينة. وقيل: يجوز للنساء دون الرجال. (عَلَى رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ والكَافُورُ عَلَى مسَاجِدِهِ) وهي مواضع السجود من بدن الإنسان، جمع مسجَد، بفتح الجيم لا غير. قال الإمام السَّرَخْسِي: يعني بها جبهته، وأنفه، ويديه، وركبتيه، وقدميه، لأن الطيب سُنَّةٌ وكرامة. والرأس ومواضع السجود أحق بالكرامة، لأنه كان يسجد بهذه الأعضاء، وذلك لقوله ﷺ «كان آدم النبيّ ﵊ رجلاً أشعر طُوَالاً كأنه نخلة سَحُوق (٢) ، فلمَّا حَضَره الموت، نزلت الملائكة بحَنُوطٍ وكَفَنٍ من الجنة. فلمَّا مات ﵊ غسلوه بالماء والسِّدْر ثلاثاً، وجعلوه في الثالثة كَافُوراً، وكفَّنُوه في وترٍ من الثياب، وحفروا له لحداً (٣) ، وصلَّوا عليه، وقالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده». وفي رواية قالوا: «يا بني آدم هذه سنتكم من بعده، فكذلكم فافعلوا». رواه الحاكم من طريقين سكت عن أحدهما، وصحح الآخر. ولقول أم عَطِيَّة: «دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته فقال: اغْسِلْنَها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك ـ إن رأيتن ذلك ـ بماء وسِدْرٍ، واجْعَلْنَ في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي. فلمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاه. فألقى إلينا حِقْوَه ـ أي إزاره ـ فقال: أشْعِرْنَها إيّاه». أي اجعلنه شعاراً لها. وفي رواية: «اغْسِلْنَها وِتْراً ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، وابْدَأْن بِمَيَامِنِها ومواضع الوضوء منها … » الحديث. متفق عليه. وروى الحاكم في «المُسْتَدْرَك» بإسناد حسن، عن أبي وائل قال: «كان عند عليّ ﵁ مِسْكٌ فأوصى أنْ يُحَنَّطَ به. وقال: هو فضل حَنُوط رسول الله ﷺ . وروى ابن أبي شَيْبَة أيضاً عن أبي وائل، وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سَلْمان: «أنه استودع امرأته مِسْكاً، فقال: إذا مِتُّ فَطَيِّبُوني به، فإنه يَحْضُرَني خلق من خلق الله، لا ينالون من الطعام والشراب، وإنما يجدون الريح». وروى مسلم في الطِّيب عن (أبي سعيد) الخُدْرِي مرفوعاً: «إن أطيب طيبكم المسك» (٤) . ولِمَا في مصنف ابن

стр. 429

وسُنَّةُ الكَفَنِ لَهُ: إزَارٌ وقَمِيصٌ ولِفَافَةٌ، === أبي شَيْبَة»، عن ابن مسعود أنه قال: «يوضع الكَافُور على مواضع سجود الميت». وروى عبد الرَّزَّاق، عن الحسن بن عليّ ﵁: «أنه لَمَّا غَسَّل الأَشْعَث بن قيس، دعا بكافور فجعله على وجهه، وفي يديه ورأسه ورجليه ثم قال: أدْرِجُوه» (١) . وليس في الغسل استعمال القطن في الروايات الظاهرة. وعن أبي حنيفة: أنه يجعل القطن المحلول في مَنْخِرَيْه وفمه. وقال بعضهم: في صِمَاخِه (٢) أيضاً. وقال بعضهم: في دُبُره أيضاً، واسْتَقْبَحه عامة العلماء كما في «الظَّهِيرِيَّة». ويُكْرَه أن يكون الغاسل جُنُباً أو حائضاً، ويُسْتَحَبُّ غسل الميت، لقوله ﵊: «من غسل ميتاً (فكتم) (٣) عليه، غُفِرَ له أربعون كبيرة، ومن كَفَّنَه، كساه الله من السُّنْدُس (٤) والإسْتَبْرَقِ (٥) ، ومن حفر له قبراً حتى يَكِنَّهُ (٦) ، فكأنما أسكنه مَسْكَناً حتى يُبْعَثَ». رواه البيهقي في «المعرفة»، والحاكم في «المستدرك» وقال: على شرط مسلم. ولقوله ﵊: «يا عليّ: اغسل الموتى، فإنه من غسل ميتاً، غُفِرَ له سبعون مغفرة، لو قُسِمَتْ مغفرة منها على جميع الخلائق لوسعتهم. قلت: ما يقول من يغسل ميتاً؟ قال: غفرانك يا رحمن حتى يفرُغ من الغسل». رواه أبو حفص (٧) بن شاهين في كتاب الجنائز. (وسُنَّةُ الكَفَنِ لَهُ) أي للرجل (إزَارٌ) وهو من القَرْن إلى القدم. (وقَمِيصٌ) وهو من أصل العُنُقِ إلى القدم بلا دِخْرِيص (٨) ، ولا جيب، ولا كُمَّين. (ولِفَافَةٌ) وهو أيضاً من القَرْن إلى القدم. لِمَا رَوَى أبو داود من حديث عائشة: «كُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه، وحُلَّة نجرانية». قال أبو عُبَيْد الحلة: إزار ورداء، ولا تكون الحُلَّة إلا من ثوبين، وروى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم ﵏ أنه ﵊ «كُفِّن في حُلَّة يمانية، وقميص». وقال جابر بن سَمُرَة: «كُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب: قميص، وإزار،

стр. 430

واسْتُحْسِنَ العِمَامَةُ === ولِفَافة». رواه ابن عَدِيّ في «الكامل». إلاَّ أنَّ النَّسائي لَيَّنَ رواية ناصح بن عبد الله الكوفي، وقال: إنه ممن يُكْتَبُ حديثه. وقال النَّخَعِيّ: «كُفِّنَ النبيّ ﷺ في حُلَّة يمانية، وقميص». رواه عبد الرَّزَّاق (في «مصنفه» عنه مُرْسلاً، وهو حجة. ونحوه عن الحسن البَصْرِيّ مُرْسَلاً. ورواه عبد الرَّزَّاق) (١) . وقال ابن عباس: «كُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه، وحُلَّة نجرانية». رواه أبو داود. إلاّ أن في سنده: يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. (واسْتُحْسِنَ) عند المتأخرين (العِمَامَةُ) وهو بظاهره مخالف لقول عائشة: «كُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيّة من كُرْسُف (٢) ليس فيهن قميص، ولا عِمَامة». متفق عليه. وسحول بفتح السين وبضمها: قرية باليمن. وقد تظافرت الطرق في كون واحد منها قميصاً، والحال في الصِّفة أكشف على الرجال من النساء. كيف لا؟ وقد دُفِنَ ليلاً، فيترجح الإثبات على النفي. ولا يبعد أن يحمل النفي على القميص الذي غُسِلَ فيه، والإثبات على الذي مات فيه. ثم البياض من القطن أفضل لِمَا قدمنا، ولقوله ﵊: «الْبَسُوا من البياض، فإنه من خير ثيابكم، وكَفِّنُوا فيها موتاكم». رواه أبو داود. ولا بأس بالبُرُود (٣) والكَتَّان للرجال. وجاز الحرير والمُزَعْفَر (٤) والمُعَصْفَر (٥) للنساء، اعتباراً للكفن باللباس في الحياة. والكفن من مال الميت مقدم على الدَّين والوصية والإرث. فإن لم يكن له مال، فكفنه على من تجب نفقته عليه، وإلا فعلى بيت المال. وقال محمد: لا يجب على الزوج كفن الزوجة ولو كانت فقيرة، لانقطاع الوُصْلَة. وقال أبو يوسف: يجب على الزوج تجهيزها، وإن تركت مالاً. قيل: وعليه الفتوى، والأظهر أنه يجب عليه إن كانت فقيرة.

стр. 431

ويُزَادُ لَهَا خِمَارٌ وخِرْقَةٌ، تُرْبَطُ بها فَوْقَ ثَدْيَيْهَا. وكِفَايَتُهُ لَهُ إزارٌ ولِفَافَةٌ === (ويُزَادُ) على القميص والإزار واللِفَافة (لَهَا) أي للمرأة في كفن السُّنَّة (خِمَارٌ) فوق رأسها (وخِرْقَةٌ تُرْبَطُ بها فَوْقَ ثَدْيَيْهَا) وعرضها ما بين الثدي إلى السُّرَّة. وقيل: إلى الركبة. والأصل في كون كفنها خمسة قول ليلى بنت قَانِفٍ (١) قالت: «كنت فيمن غسل أم كُلْثُوم ـ بنت رسول الله ﷺ فكان أول ما أعطانا الحِقا (٢) ، ثم الدِّرْع (٣) ، ثم الخِمَار، ثم الملحفة، ثم أُدْرِجَتْ بعدُ في الثوب الآخر. (قالت: ورسول الله ﷺ جالس عند الباب معه كفنها، يناولناها ثوباً ثوباً) (٤) » رواه أبو داود. وروى مالك في «المُوَطَّأ» من حديث أم عَطِيَّة الأَنصارية قالت: «دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته ﵊ فقال: اغْسِلْنَها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك ـ إن رأيتن ذلك ـ بماء وسِدْر، واجْعَلْنَ في الآخرة كافوراً، أو شيئاً من كافور، فإذا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلمَّا فَرَغْنَا، آذَنَّاه، فأعْطَانا حِقْوَه، فقال: أشْعِرْنَها إياه». قال مالك: يعني بحقوه: إزاره، انتهى. ومعنى أشعرنها إياه: اجعلنه مما يلي شعر جسدها. وهذه البنت المتوفاة: هي زينب ـ زوجة أبي العاص بن الربيع ـ على الصحيح. وهي أكبر بناته ﷺ وأم كلثوم كانت زوجة عثمان، وكانت وفاتها والنبيُّ ﷺ غائب ببدر. ثم طريق تكفينها أن يُجْعَلَ شعرها ضفيرتين على صدرها فوق القميص، ثم يُجْعَلَ الخِمَار تحت اللِّفَافة، ثم تجعل الخرقة فوقها. (وكِفَايَتُهُ) أي كفاية الكفن (لَهُ) أي للرجل (إزارٌ ولِفَافَةٌ) لأنّ أدنى ما يَلْبَسُه الإنسان حال حياته، ويؤدي به الصلاة من غير كراهة: ثوبان. ولِمَا روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: «قال أبو بكر ـ لِثَوْبَيْهِ اللَّذَين كان يُمرَّض فيهما ـ: اغسلوهما وكَفِّنُوني فيهما. فقالت عائشة: ألا نشتري لك جديداً؟ فقال: لا، ألا إن الحيّ أحوج إلى الجديد من الميت». وقال محمد بن

стр. 432

ويُزَادُ لهَا الخِمَارُ. ويُعْقَدُ إنْ خِيفَ انْتِشَارُهُ. وصَلَاتُه فَرْضُ كِفَايَةٍ، === الحسن في «الآثار»: بلغنا عن أبي بكر الصديق أنه قال: «اغسلوا ثوبيّ هذين، وكَفِّنُوني فيهما». لكن في «صحيح البخاري»: أن أبا بكر قال: «اغسلوا لي ثَوْبِي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيها». (ويُزَادُ لهَا) أي للمرأة في كفن الكفاية على الإزار واللِّفَافة (الخِمَارُ) لأن هذا المقدار أقل ما تَلْبَسه المرأة حال حياتها وتصح صلاتها فيه من غير كراهة. وأما ضرورة الكفن: فما يُوجَدُ، لِمَا روى الجماعة إلاَّ ابن ماجه عن خَبَّاب بن الأَرَتّ قال: «هاجرنا مع النبيّ ﷺ نريد وجه الله تعالى، فوقع أجرنا على الله، فمنّا من مضى ولم يأخذ من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عُمَيْر قتل يوم أحد، وترك نَمِرَة» (١) . فكنا إذا غَطَّيْنَا بها رأسه، بدت رجلاه، وإذا غطّينا بها رجليه، بدا رأسه. فأمرنا رسول الله ﷺ أنَّ نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه شيئاً من الإذْخِرِ» (٢) . وفيه أيضاً دليل على أن ستر العورة وحدها لا يكفي في الكفن كما هو مذهبنا. وفي «الخُلَاصة»: إنْ كان في المال كَثْرةٌ وفي الورثة قِلَّة، فكفن السُّنَّة أولى، وإن كان على العكس، فكفن الكفاية أولى. قلت: لعل المأخذ: صنيع (٣) أبي بكر الصديق ﵁، والله وليّ التوفيق. (ويُعْقَدُ) الكفن (إنْ خِيفَ انْتِشَارُهُ) صيانة للميت عن انكشافه ويُجَمَّرُ (٤) الكفن، وتراً قبل أن يُدْرج فيه (لقوله ﵊: «إن الله وِتْر يحب الوتر». رواه أبو داود. ولِمَا روينا من قوله) (٥) ﷺ «إذا أجمرتم الميت فأجْمِرُوه ثلاثاً» (٦) . وفي البيهقي: «أَجْمِرُوا كفن الميت ثلاثاً». ولقول أسماء عند موتها: «إذا أنا متّ، فاغسلوني، وكفّنوني، وأَجْمِرُوا ثيابي، وحنّطوني، ولا تَتْبَعُوني بنار». رواه مالك في «المُوَطَّأ». وأما قول صاحب «الهداية»: لأنه ﷺ أمر بإجْمَار أكفان بنته، فغير معروف. (الصَّلاةُ على المَيِّتِ) (وصَلَاتُه) أي صلاة الناس عليه (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إجماعاً لظاهر قوله تعالى:

стр. 433

وهي أنْ يُكَبِّرَ اللهَ ويُثْنِيَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ ويُصَلِّي على النبيّ ﷺ ، ثُمَّ يُكَبِّرَ ويَدْعُوَ، === ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (١) مع قوله ﷺ «صلُّوا على صاحبكم» (٢) لكونه عليه دين لا وفاء له. ولو كانت فرض عين لَمَا تركها ﵊، لكن بشرط إسلام الميت، فلا يجوز على كافر لقوله تعالى: ﴿ولَا تُصَلِّ على أحدٍ مِنْهُمْ مات أبداً ولا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا باللَّهِ ورَسُولهِ﴾ (٣) وبشرط طهارته، فلا يجوز (الصلاة) (٤) عليه بلا غسل، أو تيمم. إلا إذا دُفِنَ بدون أحدهما، ولم يمكن إخراجه إلاَّ بالنَّبْشِ، فإنه يصلى على قبره للضرورة، وبشرط أن يكون موضوعاً أمام المصلي، فلا يجوز على غائب، ولا على موضوع خلف المُصَلِّي لأنه كالإمام من وجه. (وهي أنْ يُكَبِّرَ اللهَ) للتحريمة (ويُثْنِيَ) بأن يحمد الله مطلقاً ـ وهو ظاهر الرواية ـ وقيل: بأن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك … إلخ. ولا يقرأ الفاتحة (إلا بنية الثناء. وبه قال مالك. وأوجب الشافعي قراءة الفاتحة فيها) (٥) لكونها صلاة من وجه. فيتناولها قوله ﵊: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (٦) . ولنا: قول ابن مسعود: «لم يُوقت النبي ﷺ شيئاً من القرآن في صلاة الجنازة». وفي «المحيط»: ركنها: التكبيرات، والقيام. وشرطها على الخصوص: كونه مسلماً، وكونه مغسولاً. وسننها: التحميد، والثناء، والصلاة على المصطفى ﵊، والدعاء. (ثُمَّ يُكَبِّرَ ويُصَلِّي على النبيّ ﷺ لِمَا روى أبو داود والنَّسَائي، والترمذي وقال: حسن صحيح. من حديث فَضَالة بن عُبَيْد قال: «سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو، ولم يحمد الله تعالى، ولم يُصَلِّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ عَجِلَ هذا. ثم دعاه، فقال: إذا صلى أحدكم ـ أي دعا ـ فليبدأ بتمجيد ربه تعالى، والثناء عليه، ثم يُصَلِّي على النبيّ ﷺ ثم يدعو بعدُ بما شاء». (ثُمَّ يُكَبِّرَ ويَدْعُوَ) للميت. فقد رَوَى أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: «صلى رسول الله ﷺ على جِنَازة، فقال: اللهم اغفر لحيّنا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذَكَرنا، وأنثانا، وشاهدنا، وغائبنا،

стр. 434

ثُمَّ يُكَبِّرَ ويُسَلِّم === اللهم من أحييتَه منا، فأحْيِهِ على الإسلام، ومن تَوَفَّيْتَه منا، فَتَوَفَّه على الإيمان». وفي رواية بتقديم شاهدنا وغائبنا على صغيرنا. وفي رواية زيادة: «اللهم إن كان محسناً، فزد في إحسانه. وإن كان مسيئاً، فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تَفْتِنَّا بعده». وروى مسلم، والترمذي، والنَّسائي، من حديث عَوْفِ بن مالك قال: صلى رسول الله ﷺ على جِنَازة. فحفظتُ من دعائه ﵊: «اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكْرِم نُزُله، ووسِّع مَدْخَلَه، واغْسِلْه بالماء والثلج والبَرَد، ونقِّه من الخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وعُذْهُ من عذاب القبر، ومن عذاب النار، حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت». وفي الصبي والمجنون يقول: اللهم اجعله لنا فَرَطاً، واجعله لنا ذُخْراً، واجعله لنا شافعاً ومُشَفَّعاً. وأصل الفَرَط: من يتقدَّم الواردة ـ أي السَّيَّارة (١) ـ. ومنه قوله ﵊: «أنا فَرَطُكم على الحوض» (٢) . (ثُمَّ يُكَبِّرَ ويُسَلِّمَ) تسليمتين ينوي فيهما ما ينوي في تسليمتي الصلاة، وينوي الميت بدل الإمام. وظاهر الرواية: أنه ليس بعد التكبيرة الرابعة سوى السلام. واختار بعضهم أن يقول ﴿رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنةً﴾ (٣) الآية وبعضهم: أن يقول ﴿رَبِّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا﴾ (٤) الآية وبعضهم: «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تَفْتِنَّا بعده، واغفر لنا وله». وهو مختار الشافعي. وفي «المحيط»: قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: من اسْتَهَلَّ بعد الولادة، سُمِّيَ، وغُسِلَ، وصُلَّيَ عليه، ووَرِث ويُوَرَّثُ، فإن لم يستهل: لم يُسَمَّ، ولم يُغَسَّلْ، ولم يَرِثْ، ولم يُوَرَّث. لأن الاستهلال دَلَالة الحياة. وروى الترمذي، وابن ماجه: «أن رسول الله ﷺ قال: «الطفل لا يُصَلَّى عليه، ولا يَرِث ولا يُورَث حتى يستهل». وروى ابن عَدِيّ في «الكامل» عن عليّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في السِّقْطِ (٥) : «لا يُصَلَّى عليه حتى يستهل، فإذا استهل صُلِّيَ عليه، وعَقَلَ (٦) ، ووَرِثَ.

стр. 435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وإن لم يستهل لم يُصَلَّ عليه ولم يورث ولم يَعْقِل». ونحوه عن جابر من طرق، مرفوعاً عند الترمذي والنَّسائي، وابن ماجه، والحاكم وصحح بعضها. وموقوفاً عند ابن أبي شَيْبَة، عن شَعْث بن سَوَّار، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر قال: «إذا استهل الصبيّ صُلِّي عليه، ووَرِثَ، وإذا لم يستهل لم يُصَلَّ عليه، ولا يُوَرَث». والاستهلال: ما يوجد منه مما يدل على الحياة من رفع صوت أو حركة عضو. والمعتبر خروج أكثره حيّاً، وما دونه لا يعتبر. وذهب أحمد إلى أن الطفل يُصَلَّى عليه إذا استكمل أربعة أشهر، وهو أحد قولي الشافعي، لقوله ﵊: «السِّقْطُ يُصلَّى عليه، ويُدْعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة». رواه أصحاب «السنن». قلنا: هو محمول على ذي الروح بصريح النهي عنه. ولو مات كافر وله قريب مسلم، غسله كالثوب النجس، ولَفَّه في خِرْقَة، وألقاه في حفرة من غير مراعاة السنة في شيء من ذلك، لقول عليّ كرَّم الله وجهه لَمَّا مات أبو طالب: «انطلقتُ إلى النبيّ ﷺ فقلت له: إنَّ عمك الشيخ الضالَّ قد مات. قال: اذهب فوارِ أباك ثم لا تُحْدِثَنَّ شيئاً حتى تأتيَني، فذهبت فواريْتُه وجئته. فأمرني، فاغتسلت ودعا لي». رواه أبو داود، والنَّسائي، وكذا أحمد، وابن أبي شَيْبَة، والبَزَّار في مسانيدهم. وروى الوَاقِدَيّ عن علي قال: «أخبرت رسول الله ﷺ بموت أبي طالب، فبكى، ثم قال: اذهب فاغسله، وكَفِّنه، ووَارِه. فقال: ففعلت ثم أتيته. فقال: اذهب فاغتسل. قال: وجعل رسول الله ﷺ يستغفر له أياماً، ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبرائيل عليه والسلام بهذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلْنَّبِي والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا للمُشْرِكِينَ ولَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (١) . الآية». (هبة ثواب الأعمال للميت) وفي «الهداية»: مذهب أهل السنة والجماعة أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره: صلاة. أو صوماً، أو صدقة، أو غيرها. يعني قراءة قرآن، وأذكار، وأدعية. وأصل ذلك ما روى الجماعة: «أن النبيّ ﷺ ضَحَّى بكَبْشَيْنِ: أحدهما عن نفسه، والآخر عن أُمَّته». وروى الدَّارَقُطْنِيّ: «أن رجلاً سأل النبيّ ﷺ فقال: كان لي أبوان أَبُرُّهما حال

стр. 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حياتهما، فكيف أبَرُّهما بعد موتهما؟ فقال ﵊: «إن من البِرّ بعد البِرِّ أن تصلي لهما مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك». وروى أيضاً عن عليّ: أن النبيّ ﷺ قال: «من مَرَّ على المقابر وقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات، ثم وهب أجرها للأموات، أُعْطِيَ من الأجر بعدد الأموات». وفي «الأذْكَار» للنَّوَوِي: أجمع العلماء على أنّ الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه. واختلفوا في وصول ثواب قراءة القرآن: والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة: أنه لا يصل. وذهب ابن حنبل، وجماعة من العلماء، وجماعة من أصحاب الشافعي: إلى أنه يصل. فالمختار: أن يقول القاراءُ بعد فراغه: اللهم أوصل مثل ثواب ما قرأته إلى فلان. وفي «الخلاصة»: رجل أَجْلَسَ على قبر أخيه رجلاً يقرأ القرآن: يُكْرَه عند أبي حنيفة، ولا يُكْرَه عند محمد، ومشايخنا أخذوا بقول محمد. (الخلاف في عدد تكبيرات الجنازة) ثم اعلم أنه إنما كان التكبير في الجنازة أربعاً لِمَا روى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم: «أن الناس كانوا يصلون على الجنائز خمساً، (وسِتَّاً،) (١) وأربعاً حتى قُبِضَ النبيّ ﷺ ثم كَبَّرُوا كذلك في ولاية أبي بكر، ثم وَلِيَ عمر ففعلوا ذلك. فقال لهم عمر: إنكم أصحاب محمد، متى تختلفون يختلف الناس بعدكم والناس حديثو عهد بجهل، فأَجْمِعوا على شيء يُجْمِع عليه من بعدكم. فَأَجْمَعَ رأي أصحاب رسول الله ﷺ أن ينظروا إلى آخر جِنَازةٍ كَبَّر عليها فيأخذوا به، ويرفضوا ما سواه، فوجدوا آخر جِنَازة كَبَّر عليها أربعاً». والانقطاع الذي بين إبراهيم وعمر لا يُعْتَبَرُ عندنا. وقد رواه أحمد من طريق آخر موصولاً قال: حدَّثنا وَكِيع: حدَّثنا سُفْيَان، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال: «جمع عمر الناس فاستشارهم في التكبير على الجِنَازة، فقال بعضهم: كَبَّر النبيّ ﷺ سبعاً (وقال بعضهم: خمساً) (٢) ، وقال بعضهم: أربعاً. فجمع عمر على أربع كأطول الصلاة. وروى أبو نُعَيْم الأَصْبَهَانِيّ، عن ابن عباس: «أن النبيّ ﷺ كان يُكَبِّرُ على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلى بَنِي هاشم خمس تكبيرات. ثم كان آخر صلاته أربعَ

стр. 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === تكبيرات إلى أنْ خرج من الدنيا». وروى البَيْهَقِيّ والطَّبَرَانِيّ، عن ابن عباس أنه قال: «آخر جِنَازَة صلَّى عليها رسول الله ﷺ كَبَّر عليها أربعاً». قال البيهقي: رُوِيَ هذا الحديث من وجوه، كلها ضعيفة. إلاَّ أن اجتماع أكثر الصحابة على الأربع، كالدليل على صحة ذلك. فلو كَبَّرَ الإمام خمساً، ترك المأموم متابعته في الخامسة. خلافاً لزُفَر ـ وهو رواية عن أبي يوسف ـ لِمَا روى مسلم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زَيْد بن أرْقَم يكبر على جنائزنا أربعاً، وإنه كَبَّرَ على جنازة خمساً، فسألناه، فقال: كان النبيّ ﷺ يكبرها». وقد رُوِيَ أن عليَّاً كَبَّرَ خمساً. قلنا: ثبت النسخ بما قررناه آنفاً. والمَرْوي عن زيد يحتمل أن يكون بناء على قول عليّ من تكبيره على أهل بدر ستاً، وعلى الصحابة خمساً، وعلى سائر المسلمين أربعاً. وروى الطَّحاوي، وابن أبي شَيْبَة، ورواه (هوو) (١) عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفَيهما»، والبخاري في «تاريخه»: «أن عليّاً صلى على ابن حُنَيف، فكبَّر عليه ستاً، ثم التفت إلينا فقال: إنه بَدْرِيّ». وقد انقرضت الصحابة، فيكون التكبير بعدهم أربعاً لا غير، فمن زاد يكون مخالفاً للإجماع المُقَرَّر، فلا يكون فصلاً مجتَهَداً فيه، بخلاف تكبيرات العيد. كذا ذكره بعض المحققين. وفيه نظر: لأن النَّسْخَ بالإجماع مختلف فيه ـ كما عُلِمَ في موضعه ـ فلا يخرج عن كونه فصلاً مجتهداً فيه، مع احتمال أنَّ إجماعهم كان على أن التكبير الأربع يجزاء، لا على أن الزيادة لا تجوز، بدليل ما رُوِيَ عن عليّ، وزيد ﵄. ولا يلزم من وقوع الأربع أخيراً، أن يكون ناسخاً، لجواز أن يكون لبيان أدنى ما يجزاء، إذ لو كان ناسخاً، لَمَا ساغ لهم بعده الزيادة. ثم إذا كَبَّر الإمام خمساً، ينتظر المأموم تسليم الإمام، ولا يسلم قبله في المختار من الرواية عن أبي حنيفة ليصير متابعاً له فيما وجبت المتابعة فيه، إذ البقاء في حرمة الصلاة ليس بخطأ، إنما الخطأ المتابعة في التكبيرة الخامسة. وعنه (٢) : أنه يُسَلِّمُ حين اشتغل إمامه بالخطأ لشرعية التحلل عَقِيبَها بلا فصل، وهذا بناء على تحقيق النسخ. ولو جاء رجل فوجد الإمام في صلاة الجِنَازة، لا يُكَبِّر عند أبي حنيفة ومحمد

стр. 438

ولا يَرْفَعُ اليَدَ إلَّا في التَّكْبيرِ الأَوَّلِ. ويَقُومُ الإِمَامُ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ. === حتى يكبر الإمام، فكبر معه. وقال أبو يوسف: يكبر، ولا ينتظر الإمام، كما لو كان حاضراً في تلك التكبيرة، فإنه لا ينتظر التكبيرة الثانية اتفاقاً لأنه كالمُدْرِك لسائر الصلاة. ولهما (١) : أن كل تكبيرة قائمة مقامَ ركعة، لقول الصحابة: أربع كأربع الظهر. ولذا لو ترك تكبيرة منها، فسدت صلاته. كما لو ترك ركعة من الظهر، فلو لم ينتظر تكبيره، لكان قاضياً ما فاته قبل أداء ما أدرك معه، وذا منسوخ لِمَا سبق من حديث مُعَاذ. وثمرة الخلاف تظهر فيمن جاء بعد التكبيرة الرابعة وقبل السلام، فعندهما: لا يدخل مع الإمام، وقد فاتته الصلاة. وعنده: يدخل. والمسبوق في صلاة الجِنَازة يقضي ما فاته متوالياً بغير دعاء، وإذا رُفِعَتْ الجِنَازة على الأعناق قطع. وقيل: لا يقطع إن كان الجِنَازة إلى الأرض أقرب (٢) . (ولا يَرْفَعُ اليَدَ إلاَّ في التَّكْبيرِ الأَوَّلِ) وهو قول الثَّوْرِي. وعن مالك ثلاث روايات: الرفع في الجميع، والترك في الجميع، والرفع في الأول فقط. قال الشافعي، وأحمد: يرفع في الجميع. ولنا: ما روى الترمذي عن أبي هُرَيْرَة: «كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى على الجِنَازة رفع يَديْه في أول تكبيرة، ثم وضع يَدَه اليُمْنَى على اليُسْرَى». واختار كثير من مشايخ بَلْخ: الرفع في كل تكبيرة، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ في «علله»، عن ابن عمر: «أن النبيّ ﷺ كان إذا صلّى على الجِنَازَة، رفع يديه في كل تكبيرة، وإذا انصرف سَلَّمَ». لكن قال الدَّارَقُطْنِيّ: والصواب أنه موقوف على ابن عمر. قلت: ويقوي ظاهر المذهب ما تقدم من حديث: «لا تُرْفَع الأيدي إلاَّ في سبع مواطن … » (٣) ، الحديث. وقول ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه على الجِنَازة في أول تكبيرة، ثم لا يعود. رواه الدَّارَقُطْنِيّ، وسكت عنه. (ويَقُومُ الإِمَامُ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ) من الرجل والمرأة في ظاهر الرواية، لقول أبي غالب: «صلّيت خلف أنس على جِنَازة، فقام حِيَال صدره». رواه أحمد. وأما ما في «الصحيحين»: «أنه ﵊ صلّى على امرأة ماتت في نِفَاسها، فقام وسَطَها». فهو لا يُنَافي كونه الصدر، بل الصدر وسط باعتبار الأعضاء، إذ فوقه يداه ورأسه، وتحته بطنه وفَخِذَاه. ويحتمل أنه وقف كما قلنا، إلا أنه مال إلى العَوْرة في

стр. 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حقها، فظن الراوي ذلك لتقارب المحلين. ورُوي عن أبي حنيفة: أنه يُحَاذِي رأسه، ويُحَاذي وسطها. وبه قال الشافعي، لمَا روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث نافع ـ أبي غالب ـ قال: «كنت في سِكَّة المِرْبَد (١) ، فمرت جِنَازة معها ناس كثير ـ قالوا: جِنَازة عبد الله بن عُمَيْر ـ فتبعتها. فإذا أنا برجل عليه كِسَاء رقيق، وعلى رأسه خرقة تقيه من الشمس. فقلت: من هذا الدُّهْقَان؟ ـ أي الرئيس ـ. فقالوا: أنس بن مالك. فلما وُضِعَتْ الجِنَازة، فصلى عليها، وأنا خلفه لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه، وكبر أربع تكبيرات لم يُطِل، ولم يُسرع، ثم ذهب يقعد فقالوا: يا أبا حمزة: المرأة الأنصارية، فَقَرَّبُوها وعليها نَعْشٌ أخضر، فقام عند عَجِيزَتِها، فصلى عليها نحو صلاته على الرجل، ثم جلس. فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة: هكذا كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي على الجنازة، يكبر أربعاً، ويقوم عند رأس الرجل، وعَجِيزَة المرأة؟ قال: نعم. قال أبو غالب: فسألت عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند عَجِيزتها. فحدثوني: أنه إنما كان لأنه لم يكن النُّعُوش، فكان الإمام يقوم حِيَال عجيزتها يسترها من القوم». ويؤيده لفظ الترمذي، وابن ماجه عن أبي غالب قال: «رأيت أنس بن مالك صلَّى على جِنَازة فقام حِيَال رأسه، فجيء بجنازة أخرى. فقالوا: يا أبا حمزة: صَلِّ عليها، فقام حِيَال وسط السرير». وفي «المحيط»: لو اجتمع جنائز جاز أن يُصَلَّى عليها صلاة واحدة، بأن يُجْعَل الرجل بين يَدَي الإمام، والصبي وراءه، ثم الخُنْثَى، ثم المرأة، ثم الصبية. لأنهم يقفون حال الحياة في الجماعة هكذا. ولِمَا رَوَى ابن أبي شَيْبَة عن عليّ ﵁ أنه قال: «إذا اجتمعت جنائز الرجال والنساء، جُعِل الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القِبْلة. وإذا اجتمع الحُرُّ والعبد، جُعِلَ الحر مما يلي الإمام، والعبد مما يلي القِبْلة». وعن أبي هريرة: «أنه صلى على جنائز رجال ونساء، فقدَّم النساء مما يلي القبلة، والرجال مما يلي الإمام». وعن عثمان وابن عمر، وزيد بن ثابت، ووَاثِلَةِ بن الأَسْقَع ﵃ نحوه. وروى أبو داود، والنَّسائي، عن عمَّار بن أبي عمَّار قال: «شَهِدت جِنَازة أم كلثوم وابنها. فَجُعِلَ الغلام مما يلي الإمام، فأنكرت ذلك. ـ وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد،

стр. 440

والأَحَقُّ بالإِمَامَةِ السُّلْطَانُ، ثُمَّ القَاضِي، ثُمَّ إمَامُ الحَيِّ، === وأبو قَتَادة، وأبو هريرة ـ فقالوا: هذه السُّنَّة». وقال النَّوَوي: وسنده صحيح. وفي رواية البَيْهَقِي: «وكان في القوم الحسن، والحُسَيْن، وأبو هريرة، وابن عمر، ونحو من ثمانين من أصحاب رسول الله ﷺ . وفي رواية: «أن الإمام كان ابن عمر، لأنه كان أخاه من أبيه». قيل: وإن كان حر ومملوك، فكيفما وُضِعَا جاز كما في الوقوف بجماعة، إلاَّ أن الأفضل أن يُجْعَلَ الحرُّ مما يلي الإمام، لِمَا تقدم من حديث عليّ قال: «وإن شاء جعلهما صفّاً واحداً طولاً كما في حال الحياة». وفيه: أنه يفوته فضيلة سنة الوقوف. وإذا وُضِع واحد خلف آخر، فإن جُعِلَ رأس الآخر أسفل من رأس الأول فحسن. أي قياساً على النبيّ ﷺ وضَجِيعَيْه (١) . وإن وُضِعَ رأس كل واحد عند رأس الآخر فحسن، أي نظراً إلى عدم الفرق بين أهل الفضل وغيرهم. وعليه العمل الآن في الحرمين الشريفين. لكن في «مواهب الرَّحْمَان»: أنه لو صُلِّيَ على جنائز مختلفة جملة، قُدِّمَ الأفضل، فالأفضل إلى الإمام، والحر على العبد في المشهور. ولو جُمِعوا في قبر واحد، يوضعون على عكس ذلك، فَيُقدَّمُ الأفضل فالأفضل إلى القبلة في الرجلين، كما فعل النبيّ ﷺ في قَتْلى أُحُد. (والأَحَقُّ بالإِمَامَةِ) على الميت (السُّلْطَانُ) أي الخليفة إن حضر. وبه قال مالك، لِمَا رُوِيَ: «أن الحسين بن عليّ قدَّم سعيد بن العاص لَمَّا مات الحسن ﵁ وقال: لولا السنة ما قدمتك». وكان سعيد والياً بالمدينة. (ثُمَّ القَاضِي) إن لم يحضر السلطان، لأن له ولاية عامة. (ثُمَّ إمَامُ الحَيِّ) لأنه اختاره إماماً في حياته. وفي «الأصل»: إمام الحَيِّ أوْلَى. ومعناه إن لم يحضر السلطان، ولا من يقوم مقامه. وقال أبو يوسف: الوَلِيُّ أَوْلى كالنكاح ـ وهو رواية عن أبي حنيفة ـ وبه قال الشافعي. ولنا: أنَّ تعظيم هؤلاء واجب، وفي التقديم عليهم استخفاف بهم. وفي البخاري: قال الحسن: أدركت الناس، وأحقهم بالصلاة على جنائزهم من رضوه لفرائضهم. ولو أوْصَى أن يُصَلِّي عليه فلان ـ وهو غير السلطان، والقاضي، وإمام الحيّ، والوَلِيّ ـ فالوصية جائزة، ويؤمر فلان بالصلاة لأنها لقضاء حق الميت، فمن رَضِيَ إمامته كان أحق بها. وقد أوصى عمر أن يُصَلِّي عليه صُهَيْب، وأوْصَت أُمُّ سَلَمَة أن يُصَلِّي عليها سعيد بن زيد، ـ أحد العشرة المُبَشَّرَة ـ، وأوصى أبو بكر أن يُصَلِّي عليه أبو بُرْدَة. وأوصت عائشة ﵂ أن يُصَلِّي عليها أبو هريرة، وأوصى ابن مسعود أن يُصَلِّي عليه الزُّبَيْر. فلا يُلْتَفَتُ إلى ما في «المُنْتَقى» من أن الوصية باطلة. وقال

стр. 441

ثُمَّ الوَلِيُّ، كَمَا في العَصَبَات ويَصِحُّ، فإنْ صَلَّى غَيْرُهُمْ يُعِيدُ الوَلِيُّ إنْ شَاءَ، ولا يُصَلِّي غَيْرُهُ بَعْدَهُ. === الصدر الشهيد: وعليه الفتوى. (ثُمَّ الوَلِيُّ كَمَا في العَصَبَات) فيُقَدَّم بنو الأعيان ـ وهم الأخوة لأبوين ـ على بني العَلاَّت ـ وهم الأخوة لأب (١) ـ، ويُقَدَّم الابن على الأب. وذكر محمد في كتاب الصلاة: أن الأب مُقَدَّم. فقيل: هو قول محمد فقط. وقيل: قول الكل. وفي «المحِيط»: هو الأصِحّ، لأن للأب فضيلة، ولها أثر في استحقاق الإمامة، ويؤيده قوله ﵊ في القَسَامة: «ليتكلم أكبركما» (٢) . (ويَصِحُّ) الإذن بالصلاة عليها ممن له التقدم، لأن التقدم حقه، فيملك إبطاله بتقديم الغير. (فإنْ صَلَّى غَيْرُهُمْ) أي غير هؤلاء الذين ذُكِرُوا من السلطان، والقاضي، وإمام الحيّ، والوَلِيّ (يُعِيدُ الوَلِيُّ إنْ شَاءَ) لأن الولاية في الحقيقة له. وإذا كان للولي أن يُعِيدَ إذا صلّى غيرهم، كان لمن يتقدم على الوَلِي أن يعيد أيضاً. وهذا إذا لم يَرْضَ به، فلو تابعه وصلَّى معه فلا يعيد. وفي «القُنْيَة»: ليس لمن صلى عليها أنْ يُصَلِّي مع الوَليّ مرة أخرى. (ولا يُصَلِّي غَيْرُهُ) أي غير الوَلِي (بَعْدَهُ) أي بعد صلاة الوَلِيّ ولو صَلَّى وحده، وبه قال مالك. وفي «شرح الكَنْز»: وكذا بعد صلاة إمام الحيّ، وبعد كل من يتقدم على الولي، لأن الفرض تأدَّى بالأولى، والتَّنَفُّلُ بها غير مشروع. وأجازه الشافعيّ لِقول أبي هريرة: «إنَّ رجلاً أسود كان يَقُمُّ (٣) المسجد. فسأل النبيُّ ﷺ عنه فقالوا: مات. فقال: أفلا آذَنْتُمُونِي؟ دُلُّوني على قبره. فأتى على قبره، فصلّى عليه». ولقول ابن عباس: «أنَّ النبيّ ﷺ أتى على قبر منبوذ، فصفهم عليه، فكبَّر أربعاً» (٤) . رواهما الشيخان. ولقول يزيد بن ثابت ـ أخي زيد، وكان أكبر منه ـ: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فَلَمَّا وردنا البقيع إذا هو بقبر. فسأل عنه، فقالوا: فلانة، فعرفها. فقال: أَلَا آذَنْتُمُونِي (بها) (٥) ؟، قالوا: كنت قائلاً صائماً. قال: فلا تفعلوا، لا أَعْرِفَنَّ ما مات منكم ميت ما

стр. 442

ومَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فَدُفِنَ، صُلِّيَ مَا لَمْ يُظَنَّ تَفَسُّخُه. ولَمْ تَجُزْ رَاكِبًا. وكُرِهَتْ في مَسْجِدٍ، === كنتُ بين أظهركم إلاَّ آذَنْتُمُوني به، فإن صلاتي عليه رحمة. ثم أتى القبر، فصففنا خلفه، وكبَّر عليها أربعاً». رواه ابن حِبَّانٍ وصححه، والحاكم وسكت عنه. ولصلاة الصحابة على النبيّ ﷺ فوجاً بعد فوج. قلنا: كان له حق التقدم في الصلاة لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) وللولي حق الإعادة. أو كانت من خَوَاصِّه ﷺ ولقول سعيد بن المُسَيَّب: «إن أم سعد ـ يعني ابن عُبَادة ـ ماتت والنبيّ ﷺ غائب، فَلَمَّا قَدِمَ صلى عليها وقد مضى لذلك شهر». قال البَيْهَقِي: هو مرسل صحيح. وقد رُوِي موصولاً عن ابن عباس، والمشهور هو المرسل. «ولصلاة النبيّ ﷺ على قَتْلَى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات». رواه أبو داود. وكذلك صلاة الصحابة عليه أفواجاً كانت من الخواص، وإلاَّ لكان يُصَلَّى على قبره إلى قيام الساعة. لأنه ﷺ كما وُضِع، لِمَا صَحَّ «أن لحوم الأنبياء مُحَرَّمةٌ على (٢) الأرض». ولم يشتغل بها أحد من العلماء والصُّلَحاء الراغبين في التقرب إليه ﷺ فكان دليلاً ظاهراً على عدم مشروعية التَّنَفُّلِ بها. (ومَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فَدُفِنَ) بعد غسله أو تيممه (صُلِّيَ) على قبره إقامة للواجب بقدر الإمكان (مَا لَمْ يُظَنَّ تَفَسُّخُه) على الصحيح لأنه يختلف باختلاف الزمان: حَرّاً أو بَرْداً. والمكان: رَخَاوةً وصلابةً. وحال الميت: سُمْناً وهُزَالاً. فيعتبر فيه أكبر الرأي. ويُرْوى عن أئمتنا: أنه يُصَلَّى عليه إلى ثلاثة أيام. (ولَمْ تَجُزْ) الصلاة على الجِنَازة حال كون المُصَلِّي (رَاكِباً) من غير عذر. وكذا إذا كان الميت على الدابة، أو على أيدي الرجال، لأن الميت بمنزلة الإمام، ولذا يُقَدَّمُ، وكذا لا يجوز إذا كان المُصَلِّي قاعداً مع القدرة على القيام (وكُرِهَتْ) الصلاة على الجِنَازة عندنا وعند مالك (في مَسْجِدٍ) غير مُعَدَ لصلاة الجِنَازة كراهة تحريم في رواية، وتنزيهاً في أخرى، واختارها بعض المحققين. وقال الشافعي: لا يُكْره لِمَا في مسلم، عن أبي سَلَمة، عن عائشة أنها قالت لَمَّا تُوُفِّي سعد

стр. 443

ولَوْ وُضِعَ المَيِّتُ خَارِجَهُ اخْتَلَفَ المَشَايِخُ. === بن أبي وَقَّاص: «أدخُلُوا به المسجد حتى أُصَلِّيَ عليه، فأُنْكِرَ ذلك عليها. فقالت: والله لقد صلَّى النبيّ ﷺ على ابنَيْ بيضاء في المسجد: سُهَيْلٍ وأخيه». ولنا: ما أخرجه الطحاوي في «معاني الآثار»، عن أبي هريرة: أنّ النبيّ ﷺ قال: «من صلّى على جِنَازة في مسجد فلا شيء له». ورواه أبو داود، وابن ماجه، عن أبي ذُؤَيْب، عن صالح ـ مولى التَّوْأَمة ـ عن أبي هريرة. ولفظ ابن ماجه: «فليس له شيء». وفي رواية: «فلا شيء عليه». وفي رواية: «فلا أجر له». ورواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» بلفظ: «فلا صلاة له». قال ابن عبد البَرّ: رواية: «فلا أجر له» خطأ فاحش. والصحيح: «فلا شيء له». وصالح مولى التَّوْأَمة مختلف في ضعفه. قال الطحاوي: وهذا أوْلى من حديث عائشة، لأن حديثها إخبار عن فعل رسول الله ﷺ في حال الإباحة التي لم يتقدمها نهي، وحديث أبي هريرة إخبار عن نهي رسول الله ﷺ الذي تقدمته الإباحة، فصار حديث أبي هريرة أوْلى من حديث عائشة، لأنه ناسخ له. وفي إنكار من أنكر ذلك على عائشة ـ وهم يومئذ أصحاب رسول الله ﷺ دليل على أنهم قد عَلِمُوا في ذلك خلاف ما قد عَلِمَتْ، ولولا ذلك لَمَا أنكروا عليها. انتهى. ولأن صلاته ﵊ على ابني بيضاء في المسجد: سُهَيْل وأخيه، واقعةُ حالٍ، لا عموم لها، فتجوز أن تكون لضرورة كونه مُعْتَكِفاً ونحوه، أو لبيان الجواز. وأمَّا ما ثبت أنه صُلِّيَ على أبي بكر وعمر في المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شَهِدُوا الصلاة عليهما، وفي تركهم الإنكار دليل على الجواز، كما ذكره الخَطَّابِي، فجوابه: أن صلاتهم عليهما في المسجد كانت لعارض دفنهما عند رسول الله ﷺ والله سبحانه أعلم. (ولَوْ وُضِعَ المَيِّتُ خَارِجَهُ) أي خارج المسجد، وقام الإمام خارجه ومعه صف، والباقي في المسجد (اخْتَلَفَ المَشَايِخُ) فقيل: لا يُكْرَه، لأنه ليس فيه احتمال تلويث المسجد. وقيل يُكْرَه، لأن المسجد أُعِدَّ لأداء المكتوبات، فلا يُقَام فيه غيرها إلاَّ لعذر. والأول أظهر، لأنه لا يُكْرَه النوافل وغيرها من أنواع الطاعات وأصناف الدعاء. وأمَّا المسجد الحرام فَمُسْتَثْنَى، كما صَرَّح به ابن الضياء إذ هو موضوع لأداء المكتوبات، والجمعة، والعيدين وصلاة الكسوف والخسوف، وصلاة الجِنَازة والاستسقاء، ولعله

стр. 444

وسُنَّ في حَمْلِ الجِنَازَةِ أرْبَعَةٌ، === بهذا المعنى جُمِع في قوله تعالى: ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ (١) أو لكِبَرهِ وسعة قدره، أو لتعظيم أمره، أو لاشتماله على جهات، كل جهة بمنزلة مسجد، أو لأنه قِبْلة المساجد كلها. ولا يُصَلَّى عندنا ـ وفي ظاهر مذهب مالك ـ على غائب، وعُضْوٍ عُلِمَ موت صاحبه، إلاَّ أن يوجد أكثر بدنه أو نصفه مع رأسه. لا مطلقاً كما قال الشافعي، معللاً بأنها دعاء، فتجوز بلا قيد حضوره، ولا وجود أكثر بدنه. كيف وقد روى الشيخان، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ نَعَى النَّجَاشِي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المُصلَّى، فصف بهم، وكبّر عليه أربع تكبيرات». قلنا: كان ذلك من خصائصه، بدليل عدم صلاته على الغائبين من أصحابه مع شدة حرصه على الصلاة عليهم لِمَا روينا. وهذا الخلاف مبني في الحقيقة على منع تعدد الصلاة عليها وعدمه. (وسُنَّ في حَمْلِ الجِنَازَةِ أرْبَعَةٌ) من الرجال، لِمَا رَوَى محمد في «الآثار»، عن أبي حنيفة، عن منصور بن المُعْتَمِر، عن عُبَيْد بن نِسْطَاسٍ (٢) ، عن أبي عُبَيْدَة، عن أبيه، عبد الله بن مسعود أنه قال: «من السُّنَّةِ حمل السرير بجوانبه الأربع». ورواه أبو داود الطَّيَالسِي، وابن أبي شَيْبَة، وعبد الرَّزَّاق، عن شُعْبَة، عن مَنْصُور ولفظهما: «فليأخذ بجوانب السرير الأربع». ورواه ابن ماجه بلفظ: «من اتَّبَعَ جِنَازة، فليأخذ بجوانب السرير الأربع كلها، فإنه من السُّنَّة. فإن شاء فليتطوع، وإن شاء فليَدَعْ». ولقول علي الأزْدِيّ: «رأيت ابن عمر في جِنَازة فحمل بجوانب السرير الأربع». ولقول أبي هريرة: «(من حمل الجِنَازة بجوانبها الأربع، فقد قضى الذي عليه». رواهما عبد الرَّزَّاق. وورد:) (٣) من «حمل الجِنَازة بجوانب السرير الأربع، غُفِرَ له أربعون كبيرة». رواه ابن عساكر، عن واثلة. ولا يُسَنُّ ثلاثة كما قاله الشافعي بأن يضع الخشبتين المقدَّمَتَين على عاتقيه ورأسه بينهما، ويحمل المؤخَّرَتَين رجلان. وهذا أفضل من التَّرْبيع في الأصح من

стр. 445

وأنْ تَضَعَ مُقَدَّمَهَا الأَيْمَن، ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا عَلَى يَمِينِكَ، ثُمَّ كَذَا عَلَى يَسَارِكَ. ويُشرِعُونَ بِهَا بلا خَبَبٍ === مذهبه، «لأن النبيّ ﷺ حمل جِنَازة سعد بن مُعَاذ من بيته بين العمودين حتى خرج به من الدار» (١) . قال النَوَوِي: ورواه الشافعي بسند ضعيف. ورواه الواقدي وقال: والدار يكون ثلاثين ذراعاً. «ولأن عمر حَمَل بين عموديْ سريرٍ أُسَيْدَ بن حُضَيْر حتى وضعه بالبقيع، وصَلَّى عليه». و «حسن بن حسن بن علي فعل كذلك في سرير جابر بن عبد الله». رواهما الطَّبَرَانِي في مطولين. وروى البَيْهَقِي في «المعرفة» من طريق الشافعيّ، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده قال: «رأيت سعد بن أبي وَقَّاص في جِنَازة عبد الرحمن بن عوف، واضعاً السرير على كاهله (٢) ، قائماً بين العمودين المقدمين». ونحوه عن عثمان بن عفان، وابن عمر في سرير رافع بن خَدِيج، و «حَمَل أبو هريرة بين عَمُودَي سرير سعد بن أبي وقَّاص». و «حمل ابن الزبير بين عموديْ سرير المِسْوَر بن مَخْرَمة». قلنا: هذه موقوفات، والمرفوع منها ضعيف. ثم هي وقائع أحوال، فاحتمل أن يكون للسنة، أو لعارض اقتضى ذلك في خصوص تلك الأوقات. (وأنْ تَضَعَ مُقَدَّمَهَا الأَيْمَن ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا) الأيْمَن (عَلَى يَمِينِكَ) أتى بلفظ الخطاب تبعاً لأبي حنيفة فإنه خاطب أبا يوسف هكذا. (ثُمَّ كَذَا) تضع مقدمها الأيسر ثم مؤخرها الأيسر (عَلَى يَسَارِكَ) لِمَا روى ابن ماجه من حديث أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أنه قال: «إذا تَبِعَ أحدكم الجنازة، فليأخذ بجوانب السرير الأربع، ثم لَيَتَطَوَّعْ بَعْدُ ـ أي بالزيادة ـ أو لِيَذَرْ». ـ أي ليترك ـ (ويُسْرِعُونَ بِهَا) لقول النبيّ ﷺ «أسرعوا بالجِنَازة، فإن تَكُ صالحة، فخيرٌ تُقَدِّمونها إليه، وإن تك غير ذلك، فشرٌّ تضعونه عن رقابكم». متفق عليه. (بلا خَبَبٍ) وهو ضرب من العَدْوِ. وقيل: هو كالرَّمَل. ولو مَشَوا بالخَبَبِ كُرِه، لقول ابن مسعود: «سألنا رسول الله ﷺ عن المَشْي مع الجِنَازة فقال: دون الخَبَبِ، إن يكن خيراً، تُعَجَّلُ إليه، وإن يكن غير ذلك، فبعداً لأهل النار، والجنازة متبوعة، ولا تَتْبَع. ليس مِنَّا (٣) من تَقَدَّمها». وضَعَّفَه البخاري، ورواه أحمد، وابن أبي شَيْبَة، وإسحاق

стр. 446

والمَشْيُ خَلْفَهَا أَحَبُّ === بن رَاهُويه، وأبو يَعْلَى في مسانيدهم. وقد روى ابن ماجه: «الجِنَازة متبوعة، وليست بتابعة، ليس معها من تقدَّمها». (والمَشْيُ خَلْفَهَا أَحَبُّ) وهو مذهب الأَوْزَاعِيّ. وقال الثَّوْرِيّ وطائفة: هما سواء. وقال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل: قُدَّامها أفضل. لنا ما قدمنا، وقوله ﵊: «لا تَتْبَع الجِنَازَة بصوت، ولا نار، ولا تمشِ بين يديها». رواه أبو داود، وأحمد، وذكره الدَّارَقُطْنِيّ وعلّله بما فيه من الاختلاف. وقول أبي أُمَامَة: «إن رسول الله ﷺ مشى خلف جِنَازة ابنه إبراهيم حافياً». رواه الحاكم، وسكت عنه. وما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة: أن النبيّ ﷺ قال: «من صلّى على جِنَازة، فله قِيرَاط (١) ، ومن تبعها حتى توضع في القبر، فله قيراطان». وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر عن ابن طاوس، عن أبيه قال: «ما مشى رسول الله ﷺ حتى مات ـ إلا خلف الجِنَازة». وروى أيضاً هو، وابن أبي شَيْبَة، عن عبد الرحمن بن أبْزَى قال: «كنت في جِنَازة وأبو بكر وعمر يمشيان أمامها، وعليّ يمشي خلفها. فقلت لعليّ: أراك تمشي خلف الجِنَازَة، وهذان يمشيان أمامها. قال عليّ: لقد علمنا أنّ فضل المشيُ خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على الفَذِّ لكنهما أحَبَّا أن يُيَسِّرا على الناس». وعن أبي أُمَامَة قال: «سأل أبو سعيد الخُدْرِيّ عليّ بن أبي طالب: المشيُ خلف الجنازة أفضل، أم أمامها؟ فقال عليّ: والذي بعث محمداً بالحق، إن فضل الماشي أمامها كفضل المكتوبة على التطوع. فقال له أبو سعيد: أَبِرأيك تقول، أم بشيء سمعته من رسول الله ﷺ فغضب، فقال: لا والله، بل سمعته غير مرة ولا اثنين ولا ثلاثة حتى عدَّ سبعاً. فقال أبو سعيد، إني رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمامها، فقال عليّ: يغفر الله لهما، لقد سمعا ذلك من رسول الله ﷺ كما سمعته. إنهما والله لخير هذه الأمّة، ولكنهما كَرِهَا أن يجتمع الناس، ويتضايقوا، فأحبَّا أن يُسَهِّلا على الناس».

стр. 447

وكُرِهَ الجُلُوسُ قَبْلَ وَضْعِهَا. ويَلْحَدُ القَبْرُ === رواه عبد الرزاق (١) . وأعلّه ابن عَدِيّ في «الكامل» بمُطَّرِح ـ من رواته ـ وقال ابن مَعِين: الضعف على حديثه بيّن. وعن نافع قال: «خرج عبد الله بن عمر في جِنَازة ـ وأنا معه ـ فقلت: يا أبا عبد الرحمن: كيف السُّنَّة في المشي مع الجِنَازة، أمامها أو خلفها؟ فقال: ويحك نافع، أما تراني أمشي خلفها؟». رواه الطَّبرانِيّ. ولأن المَشْي خلفها أوْعَظ، فإنه ينظر إليها، ويتفكّر في حال نفسه لديها، ويتذكر أنه من اللاحقين للسابقين، ولأنه ربما يُحْتَاج إلى التعاون في حملها. وللشافعي، ومن وافقه ما في السنن الأربع، عن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن الزُّهْرِيّ، عن سالم، عن أبيه: «أنه رأى النبيّ ﷺ وأبا بكر وعمر يمشيان أمام الجِنَازة». إلاَّ أن عبد الرزاق قال: أخبرنا مَعْمَر عن الزُّهْرِي قال: «كان النبي ﷺ .. »، فذكره مرسلاً. وأسند الترمذي إلى ابن المبارك: أن حديث الزُّهْرِي هذا مرسلاً، أصح من حديث ابن عُيَيْنَة. ولأن أبا هريرة، وأبا قَتَادة، وابن عمر، وأبا أُسَيْد كانوا يمشون أمام الجِنَازة. ولأنهم شفعاء، والشفيع يتقدم ليمهِّد المقصود. وقال مالك: تُقَدَّمُ على الرُّكَّاب دون المشاة، لِمَا في السنن الأربعة، عن المُغِيرَة بن شُعْبَة قال: قال رسول الله ﷺ «الراكب يسير خلف الجِنَازة، والماشي أمامها، قريباً منها، عن يمينها أو عن يسارها». ويُكْرَه رفع الصوت بالذكر مع الجِنَازة لأنه بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ بعد النبيّ ﷺ (وكُرِهَ الجُلُوسُ قَبْلَ وَضْعِهَا) ـ أي عن أعناق الرجال ـ موافقة لهم، واستعداداً لإعانتهم. فإذا وُضِعَتْ على الأرض فلا بأس بالجلوس، ويُحْفَرُ القبر نصف القامة، أو إلى الصدر، وإن زِيدَ كان حسناً، لأنه أبلغ في منع الرائحة، ودفع السِّبَاع. (ويُلْحَدُ القَبْرُ) أي يُحْفَرُ حفرة في جانبه ـ وهو السنة في الدفن ـ إذا كانت الأرض صلبة. ويكون في الجانب الذي يلي القِبْلة، فيوضع الميت فيه. ولا يُشَقُّ: وهو أن يحفر حفرة في وسط القبر، فيوضع فيه الميت، ويُسَمَّى الضَّرْح. ولا بأس به في

стр. 448

ويُدْخَل فِيهِ مِمَّا يَلِي القِبْلَة، === الأرض الرخوةِ لِمَا في السنن الأربع، عن عبد الأَعْلَى، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «اللحد لنا ـ أي معشر أهل المدينة ونحوهم ـ والشَّقُّ لغيرنا» أي لأهل مكة وأمثالهم. قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وعبد الأَعْلَى فيه مقال بالاضطراب. وعن جَرِير بن عبد الله البَجَلِيّ مرفوعاً نحوه سواء. رواه أحمد، وابن ماجه، وابن أبي شَيْبَة وغيرهم. وفي رواية لابن ماجه: «احْفِرُوا، ووسِّعُوا، وأَحْسِنُوا». واخْتَلَفُوا في عُمْقِهِ. فقيل: قدر نصف القامة. وقيل: إلى الصَّدْرِ، وإن زادوا فحسن. ولِمَا رَوَى ابن ماجه من حديث أنس بن مالك قال: «لمَّا تُوُفِّي النبيّ ﷺ كان بالمدينة رجل يَلْحَدُ والآخر يَضَرَح. فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيُّهما سبق تركناه. فأُرْسِل إليهما، فسبق صاحب اللَّحْد، فلحدوا للنبيّ ﷺ . ومن حديث عائشة ﵂: «لمَّا مات رسول الله ﷺ اختلفوا في اللحد والشَّقِّ حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم. فقال عمر: لا تَصِيحوا عند رسول الله ﷺ حيّاً ولا ميتاً، أو كلمة نحوها. فأرسلوا إلى الشَّاقِّ واللاَّحد، فجاء اللاَّحد، فلَحَد لرسول الله ﷺ ثم دُفِنَ». ومن حديث ابن عبَّاس قال: «لَمَّا أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ وكان أبو عُبَيْدَة بن الجراح يَضْرَح: أي يشق ـ كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة وزيد بن سهل يحفر لأهل المدينة، وكان يَلْحَدُ، فدعا العباس رجلين. فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عُبَيْدة، وللآخر: اذهب إلى أبي طَلْحة. اللهم خِرْ لرسولك. فوجد صاحب أبي طَلْحَة أبا طلحة. فجاء به، فَلَحَدَ لرسول الله ﷺ . «فَلَمَّا فُرِغَ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء، وُضِعَ على سريره. وقد كان المسلمون اختلفوا في موضع دفنه. فقال قائل: ندفنه في مسجده. وقال قائل: ندفنه مع أصحابه. فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما قُبِض نبي إلاَّ دُفِنَ حيث قُبِضَ». فرُفِعَ فراش رسول الله ﷺ الذي تُوُفِّيَ فيه، فَحُفِرَ تحته، ثم دُعِيَ الناس لرسول الله ﷺ يصلُّون عليه أرسالاً: الرجال حتى إذا فُرِغَ منهم، أُدْخِلَ النساء، حتى إذا فُرِغَ من النساء، أُدْخِلَ الصّبيان. ولم يَؤُمَّ الناس على رسول الله ﷺ أحدٌ. فدُفِن ﷺ من وسط الليل ليلة الأربعاء. ونزل في حفرته عليّ بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وقُثَم أخوه، وشُقْرَان مولى رسول الله ﷺ . (ويُدْخَلُ) الميت (فِيهِ) أي في اللحد (مِمَّا يَلِي القِبْلَة) بأن توضع الجِنَازة

стр. 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === على جنب القبلة، ثم يحمل منه إلى اللحد. فيكون الآخذ له مستقبل القِبْلة حال الأخذ. وبه قال كثير من أصحاب مالك لقول ابن عباس: «إن النبيّ ﷺ دخل قبراً ليلاً، فأُسْرِجَ له بِسِراجٍ، فأخذ الميت من قِبَلِ القبلة. وقال: رحمك الله، إن كنت لأوَّاهاً تالياً للقرآن. وكَبَّر عليه أربعاً». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وأُنْكِرَ عليه، لأن مداره على الحجَّاجَ بن أَرْطاة، وهو مدلِس. ولم يَذْكُر سَمَاعاً. وضعَّف ابن مَعِين من رواته مِنْهَال بن خَلِيفَة. إلاَّ أن هذا يَحُطُّ الحديث عن درجة الصحة لا الحسن. ولِمَا روى ابن أبي شَيْبَة عن عمير (١) بن سعيد: «أن علياً كَبَّرَ على يزيد بن المكفف أربعاً، وأدخله من قِبَلِ القِبْلَةِ». (وعن ابن الحنفية: «أنه وَلِيَ ابنَ عباسٍ فكبَّر عليه أربعاً وأدخله من قِبَلِ القبلة») (٢) . وعن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، عن إبراهيم النَّخَعِي: «أن النبيّ ﷺ أُدْخِل من قِبَل القبلة، ولم يُسَلّ سَلاًّ، ورُفِعَ قبره حتى يُعْرَف». رواه أبو داود في «المراسيل». وعن أبي سعيد: «أنَّ رسول الله ﷺ أُخِذَ من قِبَل القِبلة، واسْتُقْبِل استقبالاً». رواه ابن ماجه في «سننه». وروى أبو داود، عن ابن مسعود، وبُرَيْدَة، وابن عباس: «أن النبيّ ﷺ أُدْخِل من قبل القبلة، ولم يُسَلّ سلاًّ». وقال الشافعي، وأحمد: يُسَلُّ، بأن يوضع السرير في مؤخر القبر، حتى يكون رأس الميت بإزاء موضع قدميه من القبر، ثم يُدْخَلُ رأس الميت القبر، ويُسَلُّ كذلك، أو تكون رجلاه موضع رأسه، ثم يُدْخل رجلاه، ويُسَلُّ كذلك. وقد قيل: بكل منهما. والمرويّ للشافعي الأول. قال: أخبرنا الثقة، عن عمر بن العطاء، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: سُلَّ رسول الله ﷺ من قِبَل رأسه. ورَوى عن عِمْرَان بن موسى: «أن رسول الله ﷺ سُلَّ من قِبَل رأسه، وكذلك أبو بكر، وعمر». ورَوَى أبو عمر بن شاهين في «كتاب الجنائز»، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «يُدْخَلُ الميت من قبل رجليه، ويُسَلُّ سلاًّ». وروى ابن أبي شَيْبَة، عن ابن سِيرِين قال: «كنت مع أنس في جِنَازة، فأمر بالميت، فأُدْخِلَ من قبل رجليه. وعن

стр. 450

ويَقُولُ وَاضِعُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ وعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ويُوَجَّهُ إلى القِبْلَةِ. وتُحَلُّ العُقْدَةُ ويُسَوَّى === ابنِ عمر: أنه أَدْخَلَ ميِّتاً من قبل رجليه. وروى أبو داود: «أنَّ الحارث أوْصى أن يُصَلِّي عليه عبد الله بن زيد، فصلّى عليه، ثم أدخله القبر من عند رِجْلِ القبر، وقال: هذا من السنة». (ويَقُولُ وَاضِعُهُ) في قبره (بِاسْمِ اللَّهِ) وبالله (وعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) ﷺ لقول ابن عمر: «كان النبيّ ﷺ إذا أدخل الميت القبر قال: باسم الله، وعلى ملَّة رسول الله ﷺ . رواه ابن ماجه. وكذا الترمذي وزاد بعد «باسم الله»: «وبالله». وقال: حسن غريب من هذا الوجه. ورواه أبو داود من طريق آخر بدون الزيادة. وكذا الحاكم ولفظه: «وإذا وضعتم موتاكم في قبورهم فقولوا: باسم الله، وعلى مِلَّة رسول الله». وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخَرِّجاه. ورواه ابن حِبَّان في صحيحه. وأمَّا قول صاحب «الهداية»: وكذا قال ﵊ حين وضع أبا دُجَانة، فهو غلط. لأن أبا دُجَانة كان حياً بعد رسول الله ﷺ واستشهد يوم اليَمَامة في خلافة أبي بكر الصديق. ولعله اشتبه على الكاتب فصحَّف ذا البِجَادَين (١) بأبي دُجَانة. ومع هذا لم يثبت أنه ﵊ لَقَّنَه هذا الكلام، وإنما نزل رسول الله ﷺ حفرته، وأبو بكر وعمر يُدْلِيَانه، وهو يقول: «أَدْلِيا (٢) إليَّ أخاكما فَدَلَّيَاه له، فلما هيَّأه لشقه، قال: اللهم إني أمسيت راضياً عنه، فارض عنه» قال عبد الله بن مسعود: وقد شاهدت ذلك، يا ليتني كنت صاحب الحفرة. ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البَرِّ في «الاستيعاب». والله الموفق للصواب. (ويُوَجَّهُ) أي يجعل وجهه فيه (إلى القِبْلَةِ) على جنبه الأيمن لِمَا روى أبو داود، والنَّسائي، عن قَتَادة اللَّيْثي ـ وكانت له صحبة ـ «أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: هي تسع، فذكر منها استحلال البيت الحرام، ثم قال: قبلتكم أحياء وأمواتاً». ورواه الحاكم في «المُسْتَدْرَك»، وقال: قد احتج الشيخان برواة هذا الحديث غير عبد الحميد بن سِنَان. (وتُحَلُّ العُقْدَةُ) لحصول الأمن مما عُقِدَت لأجله (ويُسَوَّى) على اللحد

стр. 451

اللّبِنُ والقَصَبُ ويُسَجَّى قَبْرُهَا لا قَبْرُهُ وكُرِهَ الآجُرُّ والخَشَبُ ويُهَالُ التُّرَابُ ويُسَنَّمُ القَبْرُ. === (اللّبِنُ) وهو الطُّوب النِّيء (والقَصَبُ) أو الإِذْخِر (١) . أمّا اللَّبِن فلِمَا في «صحيح مسلم»، عن عامر بن سعد بن أبي وَقَّاص، عن أبيه أنه قال في مرضه الذي مات فيه: «الْحَدُوا لي لَحداً، وانْصِبُوا عليَّ اللّبِن نصباً، كما صُنِعَ لرسول الله ﷺ . وفي «شرح مسلم»: نقلوا أن عدد لَبِنَات لحده ﵊ تسع. وأمَّا القَصَبُ فلما روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، عن الشَّعْبِي: «أن النبيّ ﷺ جُعِلَ على قبره طُنٌّ من قصب». والطُّنُّ بضم المهملة وتشديد النون: حُزْمَة القصب. وهو مرسل. وروى ابن سعد عن أبي إسحاق قال: «أوصى أبو مَيْسَرة عمرو بن شُرَحْبِيل الهَمْدَانيّ أن يُجْعَل على لحده طُنٌّ من قصب. وقال: إني رأيت المهاجرين يستحبون ذلك. قال: فضمُّوا أربعةَ ـ هَوَادِي (٢) بعضها إلى بعض وجعلوها لحداً». (ويُسَجَّى (٣) قَبْرُهَا) بثوب، لأن ابن عمر كان يغطي قبر المرأة و (لا) يُسَجَّى (قَبْرُهُ) خلافاً للشافعي، لأن عليّاً مر بقوم قد دفنوا ميتاً وبسطوا على قبره الثوب فجذابه، وقال: «إنما يُصْنَع هذا بالنساء». (وكُرِهَ الآجُرُّ) وهو الطُوب المطبوخ. (والخَشَبُ) لأنها لإِحْكَام البناء، فلا يكونان في بيت البلاء. لأن الآجُرَّ مسّته النار والخشب مُعَدٌّ لها. ولما رُوِيَ عن ابن عمرو بن العاص أنه قال: «لا تجعلوا في قبري خشباً ولا حَجَراً». ولما روى ابن ماجه: «أنه ﵊ نهى عن تجصيص القبور». (ويُهَالُ التُّرَابُ) أي يصب عليه للتوارث (ويُسَنَّمُ (٤) القَبْرُ) عندنا. لما روى البخاري تعليقاً، عن سفيان التمَّار: «أنه رأى قبر النبيّ ﷺ مُسَنَّماً». وروى ابن أبي شيبة عن سُفْيَان التمَّار، قال: «دخلت بالبيت الذي فيه قبر النبيّ ﷺ فرأيت قبر النبيّ ﷺ وأبي بكر، وعمر مُسَنَّمَة». وروى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم قال: «أخبرني من رأى قبر النبيّ ﷺ وقبر أبي بكر، وعمر ناشزة (٥) من الأرض، عليها فِلَق (٦) من مَدَرٍ (٧) أبيض». وروى ابن شاهين بسنده إلى جابر قال:

стр. 452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === «سألت ثلاثة ـ كلهم له في قبر النبيّ ﷺ أبٌ ـ سألت أبا جعفر محمد بن عليّ، وسألت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسألت سالم بن عبد الله. قلت: أخبروني عن قبور آبائكم في بيت عائشة، فكلهم قالوا: إنها مُسَنَّمَة». ويُكْرَه التَّرْبيع عندنا. ويُسَنّ عند مالك والشافعي لِمَا في «صحيح مسلم»، عن أبي الهَيَّاج الأَسَدِي قال: «قال لي عليّ: أَبْعَثُك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالاً إلاَّ طمسته، ولا قبراً مشرِفاً إلاَّ سوَّيته». وعن أبي عليّ الهَمْدَانِيّ قال: «كنا مع فَضَالة بن عُبَيْد، فَتُوُفِّيَ صاحب لنا، فأمر فَضَالة بقبره فَسُوِّي. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها». زاد أبو داود: «بِرُودِس بأرض الروم. ثم قال: هي جزيرة في البحر. قلنا: هو محمول على ما كانوا يفعلونه من تَعْلِية القبور بالبناء العالي لِمَا رواه محمد بن الحسن في «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبيّ ﷺ «أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها». ولا يُخْرَجُ الميت من القبر بعد إهالة التراب عليه، وإن قصرت المدة، إلا أنْ تكون الأرض مغصوبة، وشاء صاحبها إخراجه، أو نَسِيَ في القبر متاع إنسان. ولذا لم يُحَوَّلْ كثير من الصحابة، وقد دفنوا بأرض الحرب. ولا بأس بنقله قبل تسوية اللَّبِن عليه نحو ميل أو ميلين، لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار. قال صاحب «الهداية» في «التَّجْنِيس»: لا إثم في النقل من بلد إلى بلد، لِمَا نُقِلَ: أن يعقوب ﵇ مات بمصر، فنُقِلَ إلى الشام، وموسى ﵇ نَقَل تابوت يوسف ﵇ بعدما أتى عليه زمان من مصر إلى الشام، ليكون مع آبائه. انتهى. ولا يخفى أن هذا شرع من قبلنا، ولم يتوفر فيه شروط كونه شرعاً لنا، إلاَّ أنه نُقِلَ: «أن سعد بن أبي وَقَّاص مات في ضيعة على أربعة فرَاسِخ (١) من المدينة، فَحُمِلَ على أعناق الرجال إليها». ويُكْرَه القعود على القبر، ووطئه، والنوم عنده، والبول، والتغوّط عليه. وقال مالك، والطَّحَاوي: المراد بالجلوس على القبر المَنْهِيّ عنه: الجلوس للحدث. ويَحْرُم البناء عليه للزينة، للإسراف وعدم المنفعة.

стр. 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وينبغي أن يُعَلَّمَ القبر بعلامة لقول المُطَّلِب: «لَمَّا مات عثمان بن مَظْعُون وأُخْرِجَ بجنازته، فَدُفِن، وأمر النبيّ ﷺ رجلاً أن يأتيه بحجر، ولم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ وحَسَر (١) عن ذراعيه، ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: أَتَعَلَّمُ به قبر أَخي (٢) ، وأَدْفِنُ إليه من مات من أهلي». رواه أبو داود. ولا بأس بدفن اثنين أو أكثر في قبر واحد عند الضرورة لقول هشام بن عامر: «جاءت الأنصار إلى النبيّ ﷺ يوم أُحُد. فقالوا: أصابنا قَرْحٌ (٣) وجهد، فكيف تأمرنا؟ قال: احفِروا، وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر. فقيل: أيهم نُقَدِّم؟ قال: أكثرهم قرآناً. قال: وأصيب أبو عامر يومئذٍ بين اثنين». رواه أبو داود. ويُكْرَه الدفن ليلاً بلا ضرورة لقوله ﵊: «لا تَدْفِنوا أمواتكم بالليل إلا أن تضطروا». رواه ابن ماجه. وروى مسلم: أن النبيّ ﷺ خطب يوماً، فذكر رجلاً من أصحابه قُبِضَ، ودُفِنَ في كفن غير طائل، وقُبِر ليلاً. فزجر النبيّ ﷺ أن يُقْبَرَ الرجل بالليل حتى يُصَلَّى عليه، إلاَّ أنْ يضطر رجل إلى ذلك. وقال ﷺ «إذا كَفَّنَ أحدكم أخاه، فليحسن كفنه». ولا يُحْفَرُ قبرٌ لدفن آخر إلاَّ إذا بَلِيَ الأَول، ولم يبق له عظم، إلاَّ أن لا يُوجد بدٌ منه، فيُضَمُّ عظام الأول، ويُهَال بينها وبين الميت بالتراب ونحوه. ويكره الدفن في الأماكن التي تسمى فَسَاقِي (٤) . ويلقى الميت في البحر بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه إنْ بَعُدَ البر، وخيف من الضرر. وعن أحمد: يُثَقَّل ليرسب. وعن الشافعية كذلك، إن كان قريباً من دار الحرب، وإلاّ شُدَّ بين لوحين، ليقذفه البحر فيدفن. ويسن الدعاء عند القبور دائماً، كما كان يفعل النبيّ ﷺ في الخروج إلى البقيع. ويقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، وأسأل الله لي ولكم العافية». ويجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيام، وهو خلاف الأوْلى. ويُكْرَه

стр. 454

بَابُ الشَّهيدِ مُسْلِمٌ طَاهِرٌ === في المسجد. ويُسْتَحَبُّ التعزية للرجال والنساء اللاتي لا يَفْتِنَّ لقوله ﵊: «من عزَّى مُصَاباً فله مثل أجره». رواه الترمذي، وابن ماجه، عن ابن مسعود. وقوله ﵊: «من عزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْداً في الجنة». رواه الترمذي عن أبي بَرْزَةَ (١) . ويُكْرَه اتخاذ الضِّيَافة من أهل الميت، لأنه شُرِعَ في السرور لا في ضده، وهي بدعة مستقبحة. ويستحب للأقارب والجيران تهيئة طعام لهم يُشْبِعهم يومهم وليلتهم لقوله ﵊: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد جاءهم ما يَشْغَلُهم». رواه الترمذي وحَسَّنَه، والحاكم وصححه. ويُلَحُّ عليهم في الأكل، لأن الحُزْنَ يمنعهم من ذلك فيضعفون هنالك. والله الموفِّق للصبر، والمُعَوِّض للأجر. بابُ الشَّهِيدِ فعيل بمعنى مفعول لأنه مشهود له بالجنة بالنص، ولأن الملائكة يشهدون موته إكراماً له. أو بمعنى فاعل لأنه حيٌّ عند الله حاضرٌ. قال الله تعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية (٢) . (مُسْلِمٌ طَاهِرٌ) أي ليس بجُنُبٍ ولا حَائِضٍ ولا نُفُسَاء. لأن هؤلاء يُغَسَّلُون عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يُغَسَّلُون، لأن ما وجب قبل الموت من غسل الجنابة ونحوها، سقط بالموت لانتهاء التكليف به. ولأبي حنيفة ـ وهو قول أحمد ـ ما روى ابن حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم في «مُسْتَدْرَكِه» وقال: على شرط الشيخين، عن الزُّبَيْر قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول ـ وقد قُتِل حَنْظَلة بن أبي عامر الثَّقَفِيّ ـ: إن صاحبكم تُغَسِّلُه الملائكة. فسألوا صاحبته. فقالت: خرج وهو جُنُب لَمَّا سمع الهَائِعَة ـ أي الصيحة المُفْزِعَة ـ فقال رسول الله ﷺ لذلك غَسَّلَتْهُ الملائكة». وليس عند الحاكم: «فسألوا صاحبته» ـ يعني زوجته ـ وهي جميلة بنت أُبَيّ بن

стр. 455

بَالِغٌ، قُتِلَ ظُلْمًا وَلمْ يَجِبْ بِهِ مَالٌ، === سلول أخت عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، وكانت قد بنى بها تلك الليلة. فرأت في منامها كأن باباً من السماء فُتِحَ فدخل (١) فأُغْلِقَ دونه، فعرفت أنه مقتول. فَلَمَّا أصبحت، دعت بأربعة من قومها وأشهدتهم أنه دخل بها خشية أن يقع في ذلك نزاع. ذكره الواقديّ، وكذا ابن سعد في «الطبقات» في ترجمة حَنْظَلَة وزاد: وقال رسول الله ﷺ «إني رأيت الملائكة تغسل حَنْظَلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المُزْنِ (٢) في صِحَاف الفضة». قال أبو أُسَيْد السَّاعِدِيّ: «فذهبنا إليه فوجدناه يقطر من رأسه ماء، فرجعت فأخبرت رسول الله ﷺ (فذَكَرَتْ أنه خرج وهو جُنُب) (٣) ». فغُسْلُ الملائكة له، تعليم لنا بما نفعله بمثله. فإن قيل: لو اشْتُرِطَ في الشهادة الطهارة لأمر ﵊ بغسل الحنظلة. أُجِيبَ: بأن الواجب هو الغسل كائناً من كان الغاسل، وقد حصل بفعل الملائكة. (بَالِغٌ) لأن الصبي يُغَسَّل، وكذا المجنون، فكان حقه أن يقيد بقوله: عاقلٌ أو مُكَلَّفٌ. وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يُغَسَّلان. لأن عدم الغسل للكرامة، وهما أحق بها. ولأبي حنيفة: أن السيف كَفَى عن الغسل في حق شهداء أُحُد، لكونه طُهْرَة لذنوبهم، ولا ذنب للصبيّ، فلا يُلْحَق بهم. (قُتِلَ ظُلْماً) سواء قتله أهل الحرب، أو أهل البَغْي، أو قُطَّاع الطريق، بأي سبب كان، إذا كان موته مضافاً إليهم. فلو نَفَّرُوا دابته فرمته فمات، أو خَرَقَوا سفينته، ومات، كان شهيداً. ولو انفلتت دابة حربي فوطئت مسلماً فمات، غُسِّلَ لعدم نسبة الفعل للحربي. ولو مَشَى مسلم على حسك (٤) وضعوه، أو وقع في خَنْدَق حفروه، فمات، غُسِّل، لأن فعله يقطع النسبة عنهم. قيد بقوله: ظُلْماً لأنه لو قتل لقصاص، أو رُجِمَ لزنا، أو قتل بسَبُعٍ، أو سَيْلٍ، أو هَدْمٍ، أو سقوط، يُغَسَّل. (ولَمْ يَجِبْ بِهِ) بنفس القتل (مَالٌ) حتى لو قتل الأبُ ابنَه ظلماً، أو صالح القاتل عن المقتول عمداً بمال، لا يُغَسَّلان، وإن وجب المال فيهما، لأن وجوبه ليس لنفس القتل، وإنما هو للأبوّة في الأول، وللصلح في الثاني. وخرج به المقتول خطأ، لأنه

стр. 456

ولَمْ يَرْتَثَّ، فَيُنْزَعُ عَنْهُ غَيْرُ ثَوْبِهِ، ويُزَادُ ويُنْقَصُ لِيَتِمَّ كَفَنُهُ، ولا يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عَلَيْهِ، === يجب المال بنفس القتل. ولو قُتِل ظلماً بغير حديدة ليس له حكم الشهيد عند أبي حنيفة، فَيُغَسَّل. وله حكمه عندهما، فلا يُغَسَّل. بناء على أن موجب هذا القتل: المال، وهو قول أبي حنيفة، أو: القصاص، وهو قولهما، وبه قال مالك والشافعي. (ولَمْ يَرْتَثَّ) بتشديد المثلثة أي: لم يرتفق بشيء من مرافق الحياة، أو لم يثبت له حكمٌ من أحكامها كما سيأتي بيانه. ولا يختص الشهيد عندنا بمن مات في قتال الكفار بسببه، كما خصَّه مالك والشافعي، اعتباراً بشهداء أُحُد بجامع كون القاتل كافراً. قلنا: أهل البغي كأهل الحرب، لأن محاربتهم مأمور بها. قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) فهو في هذه المحاربة باذل نفسه لابتغاء مرضاة الله تعالى كالمقتول في محاربة الكُفَّار، وكذا قُطَّاع الطَّريق، لأنه تعالى وصفهم بكونهم محاربين اللَّهَ ورسولهَ. (فَيُنْزَعُ عَنْهُ غَيْرُ ثَوْبِهِ) أي غير ثوب يختص بالميت كالفَرْوِ، والحَشْوِ، والقَلَنْسُوَة، والسلاح، والخُفِّ. (ويُزَادُ) إن نقص ما عليه من الكفن (ويُنْقَصُ) إن زاد (لِيَتِمَّ كَفَنُهُ) لأن ذلك لا يزيل أثر الشهادة. ولما روى أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس قال: «أمر رسول الله ﷺ بقتلى أُحُد أن يُنْزَعَ عنهم الحديد والجلود، وأنْ يدفنوا بدمائهم وثيابهم». (ولا يُغَسَّلُ) لِمَا روى البخاري وأصحاب السنن الأربعة عن اللَّيْث بن سعد، عن الزُّهْرِيّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله: «أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قَتْلَى أُحُد. وقال: أيهما أكثر قرآناً فإذا أشِير إلى أحدهما قَدَّمه في اللحد. فقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلهم». زاد البخاري والترمذي: ولم يُصَلِّ عليهم. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال النَّسائي: لا أعلم أحداً تابع اللَّيث من أصحاب الزُّهْرِيّ على هذا الإسناد، واخْتُلِفَ عليه فيه. انتهى. ولم يُؤَثِّر عند البخاري والترمذي تفرَّد الليث بهذا الإسناد، بل احتج به البخاري، وصححه الترمذي. (ويُصَلَّى عَلَيْهِ) وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه: لا يُصَلَّى عليه لِمَا قَدَّمناه. ولنا: ما روى البخاري من حديث عُقْبَة بن عامر: «أن النبيّ ﷺ خرج

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === يوماً، فصلى على قَتْلَى أحد صلاته على الميِّت، ثم انصرف إلى المِنْبَر فقال: إني فَرَطُكم ـ أي على الحوض ـ وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أُعْطِيتُ مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أنْ تنافسوا فيها». وروى أيضاً: «أن النبيّ ﷺ صلّى على قَتْلَى أُحُد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات». فثبت بهذا أنَّ الشهيد يُصَلَّى عليه، لأنه آخر فعله في شهداء أُحُد. وروى الحاكم وصححه، عن جابر قال: «فقد رسول الله ﷺ حمزة حين فاء الناس من القتال ـ أي رَجَعوا ـ فقال رجل: أنا رأيته عند تلك الشجرة، فجاء رسول الله ﷺ نحوه فلما رآه، ورأى ما مُثِّلَ به، شَهِقَ، وبَكَى. فقام رجل من الأنصار فرمى عليه بثوب، ثم جِيء بحمزة فصلّى عليه. ثم جيء بالشهداء كلهم». وفي «مسند أحمد»: حدَّثنا عفان بن مسلم: حدَّثنا (حمَّاد بن) سلمة (١) : حدَّثَنا عطاء بن السائب، عن الشَّعْبِي، عن ابن مسعود ـ رَضِي الله تعالى عنهم ـ قال: «كان النِّساء بأُحُد خلف المسلمين يُجْهِزْن على جرحى المشركين. إلى أن قال: فوضع النبيّ ﷺ حمزة، وجيء برجل من الأنصار فَوُضِعَ إلى جنبه، فصلّى عليه ثم رُفِعَ. وتُرِكَ حَمْزَة حتى صَلَّى عليه يومئذٍ سبعين صلاة». ورواه عبد الرزاق عن الشَّعْبِي مرسلاً، ولم يذكر ابن مسعود. وفي «المُسْتَدْرَك»، و «سنن البيهقي»، عن يزيد بن أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابن عباس ـ رضِيَ الله تعالى عنهم ـ قال: «أمر رسول الله ﷺ بحمزة يوم أُحُد فَهُيِّءَ للقبلة ثم كَبَّر سبعاً. ثم جمع إليه الشهداء حتى صلى عليه سبعين صلاة». وزاد الطَّبَرَانِيّ: «ثم وقف عليهم حتى واراهم». وسكت الحاكم عنه. وفي «مراسيل أبي داود»، عن عطاء بن أبي رَبَاح: «أنه ﷺ صلّى على قَتْلى أُحُد». أسنده الواقِدِيّ في «المَغَازِي» قال: حدثني زيد بن عبد الله، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره. وأسند في «فتوح الشام» عن سيف مولى ربيعة بن قيس اليَشْكُري قال: «كنت في الجيش الذي وجهه أبو بكر الصديق مع عمرو بن العَاص أَيْلَة وفلسطين». فذكر القصة بطولها وفيها: «أنه قُتِلَ من المسلمين مئة وثلاثون. وصلى عليهم عمرو بن العاص ومن معه من المسلمين، وكانوا تسعة آلاف».

стр. 458

ويُدْفَنُ بِدَمِهِ. وغُسِّلَ مَنْ وُجِدَ قَتِيلًا في مِصْرٍ لا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ، أوْ جُرِحَ وارْتَثَّ، بأنْ نَامَ، أوْ أكَلَ، أوْ شَرِبَ، أوْ عُولِجَ، أو آوَاهُ خَيْمَةً، أو نُقِلَ مِنَ المِعْرَكَةِ حَيًّا، أوْ بَقِي عَاقِلًا وَقْتَ صَلاةٍ كامِلٍ، === فإن قيل: حديث جابر على ما رواه البخاري والترمذي نصٌّ في عدم الصلاة على الشهيد. فالجواب: أن رواية المُثْبِت موافقة للأصول، فتُقَدَّم على رواية النافي لمخالفتها لها، ولأن الصلاة واجبة علينا بيقين، فلا تسقط بظني مُعَارَض بمثله أو أمثاله. وأمَّا قول السُّهَيْلِي: ولم يُرْوَ أنه ﷺ صلّى على شهيد في شيء من مغازيه إلاَّ هذه. فمُعْتَرَضٌ عليه بما ذكره النَّسائي: «أن النبيّ ﷺ صلّى على أعرابي في غزوة أخرى». (ويُدْفَنُ بِدَمِهِ) لما روينا، ولِمَا في «سنن أبي داود»، عن جابر. قال: «رُمِيَ رجل بسهم في صدره أو حلقه فمات، فأُدْرِجَ في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله ﷺ . ولِمَا في «سنن النَّسائي»، عن عبد الله بن ثَعْلَبَة قال: قال رسول الله ﷺ «زمِّلُوهم (١) بدمائهم، فإنه ليس كَلْمٌ (٢) يُكْلَمُ في سبيل الله إلا يأتي يوم القيامة يَدْمَى، لونه لون الدَّم، وريحه ريح المسك». وفي «مسند أحمد»، عن عبد الله بن ثَعْلَبَة: «أنّ النبيّ ﷺ أشرف على قَتْلَى أُحُد. فقال: «إني شهيد على هؤلاء، زَمِّلُوهم بكُلُومِهِم ودِمَائِهم». (وغُسِّلَ مَنْ وُجِدَ قَتِيلاً في مِصْرٍ لا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ) سواء عُلِمَ أنه قُتِلَ بحديدة أو بعصاً كبيرةٍ أو صغيرةٍ. لأن الواجب فيه الدِّيَة والقَسَامة (٣) . وأمَّا إذا عُلِمَ القاتل، فإنْ عُلِمَ أن القتل بالحديدة، لا يغسل، لأنه شهيد. وإن عُلِمَ أنه بالعصا الكبيرة يُغَسَّل عند أبي حنيفة، خلافاً لهما. وإنْ عُلِم أنه بالعصا الصغيرة يُغَسَّل اتفاقاً. (أوْ جُرِحَ) أي وكذا غُسِّلَ من جرح (وارْتَثَّ بأنْ نَامَ أوْ أكَلَ أوْ شَرِبَ أوْ عُولِجَ) بدواء (أو آوَاهُ خَيْمَةً) وكذا شجرة أو بيتاً ليمرَّض فيها (أو نُقِلَ مِنَ المعْرَكَةِ حَيَّاً) لا لخوف أن يُدَاس لأنه نال من الراحة، فلم يكن في معنى شهداء أُحُد. «وأصاب سعد بن مُعَاذ سهم يوم الخَنْدَق فحُمِلَ إلى المسجد، ثم مات بعد ذلك. فغسَّله رسول الله ﷺ . (أوْ بَقِي عَاقِلاً وَقْتَ صَلَاةٍ كامِلٍ) لأنه وجب عليه قضاؤها وهو حكم من أحكام

стр. 459

أوْ أَوْصَى بِشيء، وصُلِّيَ علَيْهِ. وإِنْ قُتِلَ لِسِعَايَةٍ، أو لِبَغْي، أَو قَطْعِ طَرِيقٍ، غُسِّل ولا يُصَلَّى عليه. === الدنيا في حق الأحياء، فنال رفقهم إذ التكليف منه لطف من الله سبحانه. (أوْ أَوْصَى بِشيءٍ) من أمور الدنيا أو الأخْرَى عند أبي يوسف خلافاً لمحمد. قيل: اختلافهما (في الأمور الدنيوية، وأما الأخروية، فلا يغسل اتفاقاً، وقيل: وأما الدنيوية فيغسل اتفاقاً. وقيل: قول أبي يوسف) (١) في الأمور الدنيوية. وقول محمد في الأخروية. وفي «المُحيط»: وهو الأظهر. لأن الوصية بأمور الدنيا من أمور الأحياء. (وصُلِّيَ علَيْهِ) عطف على غُسِّلَ. وفي «شرح الكنْز»: هذا كله بعد انقضاء الحرب. وأما قبله، فلا يكون مرتثّاً بشيء منه. ثم المُرْتَثُّ وإن غُسِّلَ فله ثواب الشهداء كالغريق، والحريق، والمبطون، والمطعون، والغريب، فإنهم يُغَسَّلُون وهم شهداء، على لسان رسول الله ﷺ أَلَا ترى أنَّ عمر وعليَّاً حُمِلا إلى بيتهما بعد الطعن وغُسِّلا، وكانا شهيدَين، وعثمان لم يَرْتَثَّ (٢) بل أُجْهِزَ عليه في مصرعه، فلم يغسل، فعرفنا بذلك أَنَّ الشهيد الذي لا يُغَسَّل مَنْ أُجْهِزَ عليه في مصرعه دون مَنْ حُمِل حيَّاً ليمرَّض. (وإِنْ قُتِلَ لِسِعَايَةٍ) في الأَرض فساداً (أَوْ لِبَغْيٍ) على الإمام العدل (أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، غُسِّل ولا يُصَلَّى عليه) للفَرْق بينه وبين الشهداء. وقيل: لا يُغسل ولا يصلَّى عليه إهانةً له، «لأَن عليَّاً ﵁ لم يغسل أَهل النهروان، ولم يصلِّ عليهم، فقيل: أكفارٌ هم؟ فقال: لا ولكنهم إخواننا بغوا». إشارة إِلى أَنَّ تَرْك الغسل والصلاة عقوبةً لهم، وليكون زجراً لغيرهم، وهو نظير تَرْك المصلوب على خشبته عقوبة له، زجراً لغيره، كذا ذكره السَّرَخْسِي. واستغربه الزَّيْلَعِي المُخَرِّج لأَحاديث «الهداية». ثُم هذا إذا قُتل الباغي وقاطع الطريق حال المحاربة، وأَما إِذا قُتِلا بعد ثبوت يد الإِمام عليهما فإِنهما يُغَسَّلان ويُصَلَّى عليهما، لأَنَّ قَتْل قاطع الطريق حينئذٍ لِلحَدِّ أو القصاص، وقَتْل الباغي للسياسة وكَسْر الشوكة. وأَمَّا المقتول بالعصبيةِ فحكمُه حُكْم الباغي، وكذا من قتَل نفسه عند أَبي يوسف. وقال محمد: يُصَلَّى عليه لأَنَّ بَغْيَه على نفسه، فكان كسائر الفُساق.

стр. 460

بَابُ صَلاةِ الخَوْفِ إِذَا اشْتَدَّ خَوْفُ العَدُوِّ === ويُغَسَّل المقتول بِحَدَ أَوْ قَوَدٍ (١) ويُصَلَّى عليه بالاتفاق، لما في «مصنف ابن أبي شيبةَ»: حدثنا أَبو معاويةَ عن أَبي حنيفة، عن عَلْقَمَة بن مَرْثد، عن أَبي بُرَيْدة، عن أَبيه: «لما رُجِم ماعزٌ قالوا: يا رسولَ اللهاِ، ما نصنع به؟ قال: اصْنَعُوا به ما تَصْنعون بموتاكم من الغسل والكفن والحنوط والصلاة عليه». ولأَبي يوسف قول جابر بن سَمُرَة: «أَنَّ النبيّ ﷺ أُتي بِرَجلٍ قَتَل نَفْسَه بمَشَاقِصَ (٢) ، فلم يُصَلِّ عليه». رواه مسلم. ويجاب: بأنَّ الظاهر أَنَّه ﷺ لم يصلِّ عليه، وينبغي أَنْ يكون الإِمام كذلك، وأما غيره فيصلِّي عليه لقوله ﷺ «صلّوا على كل بَرَ وفاجر» (٣) ، لأَن الوجوب اليقيني لا يسقط بالأَمْرِ الظَّنِّي. ومَنْ قُتِل لِظُلمه يُغَسَّل ولا يُصَلَّى عليه، لأَنه سَاعٍ بالفساد، كذا في «المنتقى»، والله أعلم بالصواب وإِليه المَرْجِعُ والمآب. بابُ صلاةِ الخوف الأَنسب أنْ يقال «فصل»، ولا يُجعل بينه وبين صلاة المسافر فصل. وقد قال الله تعالى: ﴿وإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٤) الآية، واستدل بظاهرها الحسن البصري وأَبو يوسف، والمُزَني من الشافعية. وأَنكروا مشروعيتها بعد النبيّ ﷺ لأَن فيها أفعالاً منافيةً للصلاة، فَيُقتصر فيها على مَوْرِد الخطاب، وهو كون النبيّ ﷺ إِماماً للأَصحاب. وللجُمْهور أَنَّ إِقامة الصحابة لها بعده ﷺ دليل على تعميم الحكم للأَنام في سائر الأَيام، وأَن معنى الآية: كنت فيهم أَنت أَوْ مَنْ يقوم مَقَامَك كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالهِمِ صَدَقَةً﴾ (٥) . (إِذَا اشْتَدَّ خَوْفُ العَدُوِّ) سواءٌ كان العدو آدمياً أَوْ غَيْره. والاشتداد مذكورٌ في «الهداية»، و «الكافي» وغيرهما. وفي «الكفاية»: أَنه ليس بشرطٍ عند عامة مشايخنا خلافاً للشافعي، ولا يبعُد أَنْ يُرَاد باشتداده تحقُّقه. ولذا لم تجز بلا حضور عدوَ فلو، رأوا سواداً فصلوها على ظنِّ أَنه عدو، فإِنْ تبيَّن كما ظنّوا، جازت لوجود
следующие страницы →