ولَمْ يَرْتَثَّ، فَيُنْزَعُ عَنْهُ غَيْرُ ثَوْبِهِ، ويُزَادُ ويُنْقَصُ لِيَتِمَّ كَفَنُهُ، ولا يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عَلَيْهِ،
===
يجب المال بنفس القتل. ولو قُتِل ظلماً بغير حديدة ليس له حكم الشهيد عند أبي حنيفة، فَيُغَسَّل. وله حكمه عندهما، فلا يُغَسَّل. بناء على أن موجب هذا القتل: المال، وهو قول أبي حنيفة، أو: القصاص، وهو قولهما، وبه قال مالك والشافعي.
(ولَمْ يَرْتَثَّ) بتشديد المثلثة أي: لم يرتفق بشيء من مرافق الحياة، أو لم يثبت له حكمٌ من أحكامها كما سيأتي بيانه.
ولا يختص الشهيد عندنا بمن مات في قتال الكفار بسببه، كما خصَّه مالك والشافعي، اعتباراً بشهداء أُحُد بجامع كون القاتل كافراً. قلنا: أهل البغي كأهل الحرب، لأن محاربتهم مأمور بها. قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) فهو في هذه المحاربة باذل نفسه لابتغاء مرضاة الله تعالى كالمقتول في محاربة الكُفَّار، وكذا قُطَّاع الطَّريق، لأنه تعالى وصفهم بكونهم محاربين اللَّهَ ورسولهَ.
(فَيُنْزَعُ عَنْهُ غَيْرُ ثَوْبِهِ) أي غير ثوب يختص بالميت كالفَرْوِ، والحَشْوِ، والقَلَنْسُوَة، والسلاح، والخُفِّ. (ويُزَادُ) إن نقص ما عليه من الكفن (ويُنْقَصُ) إن زاد (لِيَتِمَّ كَفَنُهُ) لأن ذلك لا يزيل أثر الشهادة. ولما روى أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس قال: «أمر رسول الله ﷺ بقتلى أُحُد أن يُنْزَعَ عنهم الحديد والجلود، وأنْ يدفنوا بدمائهم وثيابهم».
(ولا يُغَسَّلُ) لِمَا روى البخاري وأصحاب السنن الأربعة عن اللَّيْث بن سعد، عن الزُّهْرِيّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله: «أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قَتْلَى أُحُد. وقال: أيهما أكثر قرآناً فإذا أشِير إلى أحدهما قَدَّمه في اللحد. فقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلهم». زاد البخاري والترمذي: ولم يُصَلِّ عليهم.
قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال النَّسائي: لا أعلم أحداً تابع اللَّيث من أصحاب الزُّهْرِيّ على هذا الإسناد، واخْتُلِفَ عليه فيه. انتهى. ولم يُؤَثِّر عند البخاري والترمذي تفرَّد الليث بهذا الإسناد، بل احتج به البخاري، وصححه الترمذي.
(ويُصَلَّى عَلَيْهِ) وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه: لا يُصَلَّى عليه لِمَا قَدَّمناه. ولنا: ما روى البخاري من حديث عُقْبَة بن عامر: «أن النبيّ ﷺ خرج
стр. 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يوماً، فصلى على قَتْلَى أحد صلاته على الميِّت، ثم انصرف إلى المِنْبَر فقال: إني فَرَطُكم ـ أي على الحوض ـ وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أُعْطِيتُ مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أنْ تنافسوا فيها». وروى أيضاً: «أن النبيّ ﷺ صلّى على قَتْلَى أُحُد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات».
فثبت بهذا أنَّ الشهيد يُصَلَّى عليه، لأنه آخر فعله في شهداء أُحُد. وروى الحاكم وصححه، عن جابر قال: «فقد رسول الله ﷺ حمزة حين فاء الناس من القتال ـ أي رَجَعوا ـ فقال رجل: أنا رأيته عند تلك الشجرة، فجاء رسول الله ﷺ نحوه فلما رآه، ورأى ما مُثِّلَ به، شَهِقَ، وبَكَى. فقام رجل من الأنصار فرمى عليه بثوب، ثم جِيء بحمزة فصلّى عليه. ثم جيء بالشهداء كلهم». وفي «مسند أحمد»: حدَّثنا عفان بن مسلم: حدَّثنا (حمَّاد بن) سلمة (١) : حدَّثَنا عطاء بن السائب، عن الشَّعْبِي، عن ابن مسعود ـ رَضِي الله تعالى عنهم ـ قال: «كان النِّساء بأُحُد خلف المسلمين يُجْهِزْن على جرحى المشركين. إلى أن قال: فوضع النبيّ ﷺ حمزة، وجيء برجل من الأنصار فَوُضِعَ إلى جنبه، فصلّى عليه ثم رُفِعَ. وتُرِكَ حَمْزَة حتى صَلَّى عليه يومئذٍ سبعين صلاة». ورواه عبد الرزاق عن الشَّعْبِي مرسلاً، ولم يذكر ابن مسعود.
وفي «المُسْتَدْرَك»، و «سنن البيهقي»، عن يزيد بن أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابن عباس ـ رضِيَ الله تعالى عنهم ـ قال: «أمر رسول الله ﷺ بحمزة يوم أُحُد فَهُيِّءَ للقبلة ثم كَبَّر سبعاً. ثم جمع إليه الشهداء حتى صلى عليه سبعين صلاة». وزاد الطَّبَرَانِيّ: «ثم وقف عليهم حتى واراهم». وسكت الحاكم عنه. وفي «مراسيل أبي داود»، عن عطاء بن أبي رَبَاح: «أنه ﷺ صلّى على قَتْلى أُحُد». أسنده الواقِدِيّ في «المَغَازِي» قال: حدثني زيد بن عبد الله، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
وأسند في «فتوح الشام» عن سيف مولى ربيعة بن قيس اليَشْكُري قال: «كنت في الجيش الذي وجهه أبو بكر الصديق مع عمرو بن العَاص أَيْلَة وفلسطين». فذكر القصة بطولها وفيها: «أنه قُتِلَ من المسلمين مئة وثلاثون. وصلى عليهم عمرو بن العاص ومن معه من المسلمين، وكانوا تسعة آلاف».
стр. 458
ويُدْفَنُ بِدَمِهِ.
وغُسِّلَ مَنْ وُجِدَ قَتِيلًا في مِصْرٍ لا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ، أوْ جُرِحَ وارْتَثَّ، بأنْ نَامَ، أوْ أكَلَ، أوْ شَرِبَ، أوْ عُولِجَ، أو آوَاهُ خَيْمَةً، أو نُقِلَ مِنَ المِعْرَكَةِ حَيًّا، أوْ بَقِي عَاقِلًا وَقْتَ صَلاةٍ كامِلٍ،
===
فإن قيل: حديث جابر على ما رواه البخاري والترمذي نصٌّ في عدم الصلاة على الشهيد. فالجواب: أن رواية المُثْبِت موافقة للأصول، فتُقَدَّم على رواية النافي لمخالفتها لها، ولأن الصلاة واجبة علينا بيقين، فلا تسقط بظني مُعَارَض بمثله أو أمثاله. وأمَّا قول السُّهَيْلِي: ولم يُرْوَ أنه ﷺ صلّى على شهيد في شيء من مغازيه إلاَّ هذه. فمُعْتَرَضٌ عليه بما ذكره النَّسائي: «أن النبيّ ﷺ صلّى على أعرابي في غزوة أخرى».
(ويُدْفَنُ بِدَمِهِ) لما روينا، ولِمَا في «سنن أبي داود»، عن جابر. قال: «رُمِيَ رجل بسهم في صدره أو حلقه فمات، فأُدْرِجَ في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله ﷺ . ولِمَا في «سنن النَّسائي»، عن عبد الله بن ثَعْلَبَة قال: قال رسول الله ﷺ «زمِّلُوهم (١) بدمائهم، فإنه ليس كَلْمٌ (٢) يُكْلَمُ في سبيل الله إلا يأتي يوم القيامة يَدْمَى، لونه لون الدَّم، وريحه ريح المسك». وفي «مسند أحمد»، عن عبد الله بن ثَعْلَبَة: «أنّ النبيّ ﷺ أشرف على قَتْلَى أُحُد. فقال: «إني شهيد على هؤلاء، زَمِّلُوهم بكُلُومِهِم ودِمَائِهم».
(وغُسِّلَ مَنْ وُجِدَ قَتِيلاً في مِصْرٍ لا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ) سواء عُلِمَ أنه قُتِلَ بحديدة أو بعصاً كبيرةٍ أو صغيرةٍ. لأن الواجب فيه الدِّيَة والقَسَامة (٣) . وأمَّا إذا عُلِمَ القاتل، فإنْ عُلِمَ أن القتل بالحديدة، لا يغسل، لأنه شهيد. وإن عُلِمَ أنه بالعصا الكبيرة يُغَسَّل عند أبي حنيفة، خلافاً لهما. وإنْ عُلِم أنه بالعصا الصغيرة يُغَسَّل اتفاقاً.
(أوْ جُرِحَ) أي وكذا غُسِّلَ من جرح (وارْتَثَّ بأنْ نَامَ أوْ أكَلَ أوْ شَرِبَ أوْ عُولِجَ) بدواء (أو آوَاهُ خَيْمَةً) وكذا شجرة أو بيتاً ليمرَّض فيها (أو نُقِلَ مِنَ المعْرَكَةِ حَيَّاً) لا لخوف أن يُدَاس لأنه نال من الراحة، فلم يكن في معنى شهداء أُحُد. «وأصاب سعد بن مُعَاذ سهم يوم الخَنْدَق فحُمِلَ إلى المسجد، ثم مات بعد ذلك. فغسَّله رسول الله ﷺ .
(أوْ بَقِي عَاقِلاً وَقْتَ صَلَاةٍ كامِلٍ) لأنه وجب عليه قضاؤها وهو حكم من أحكام
стр. 459
أوْ أَوْصَى بِشيء، وصُلِّيَ علَيْهِ.
وإِنْ قُتِلَ لِسِعَايَةٍ، أو لِبَغْي، أَو قَطْعِ طَرِيقٍ، غُسِّل ولا يُصَلَّى عليه.
===
الدنيا في حق الأحياء، فنال رفقهم إذ التكليف منه لطف من الله سبحانه. (أوْ أَوْصَى بِشيءٍ) من أمور الدنيا أو الأخْرَى عند أبي يوسف خلافاً لمحمد. قيل: اختلافهما (في الأمور الدنيوية، وأما الأخروية، فلا يغسل اتفاقاً، وقيل: وأما الدنيوية فيغسل اتفاقاً. وقيل: قول أبي يوسف) (١) في الأمور الدنيوية. وقول محمد في الأخروية. وفي «المُحيط»: وهو الأظهر. لأن الوصية بأمور الدنيا من أمور الأحياء.
(وصُلِّيَ علَيْهِ) عطف على غُسِّلَ. وفي «شرح الكنْز»: هذا كله بعد انقضاء الحرب. وأما قبله، فلا يكون مرتثّاً بشيء منه. ثم المُرْتَثُّ وإن غُسِّلَ فله ثواب الشهداء كالغريق، والحريق، والمبطون، والمطعون، والغريب، فإنهم يُغَسَّلُون وهم شهداء، على لسان رسول الله ﷺ أَلَا ترى أنَّ عمر وعليَّاً حُمِلا إلى بيتهما بعد الطعن وغُسِّلا، وكانا شهيدَين، وعثمان لم يَرْتَثَّ (٢) بل أُجْهِزَ عليه في مصرعه، فلم يغسل، فعرفنا بذلك أَنَّ الشهيد الذي لا يُغَسَّل مَنْ أُجْهِزَ عليه في مصرعه دون مَنْ حُمِل حيَّاً ليمرَّض.
(وإِنْ قُتِلَ لِسِعَايَةٍ) في الأَرض فساداً (أَوْ لِبَغْيٍ) على الإمام العدل (أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، غُسِّل ولا يُصَلَّى عليه) للفَرْق بينه وبين الشهداء. وقيل: لا يُغسل ولا يصلَّى عليه إهانةً له، «لأَن عليَّاً ﵁ لم يغسل أَهل النهروان، ولم يصلِّ عليهم، فقيل: أكفارٌ هم؟ فقال: لا ولكنهم إخواننا بغوا». إشارة إِلى أَنَّ تَرْك الغسل والصلاة عقوبةً لهم، وليكون زجراً لغيرهم، وهو نظير تَرْك المصلوب على خشبته عقوبة له، زجراً لغيره، كذا ذكره السَّرَخْسِي. واستغربه الزَّيْلَعِي المُخَرِّج لأَحاديث «الهداية».
ثُم هذا إذا قُتل الباغي وقاطع الطريق حال المحاربة، وأَما إِذا قُتِلا بعد ثبوت يد الإِمام عليهما فإِنهما يُغَسَّلان ويُصَلَّى عليهما، لأَنَّ قَتْل قاطع الطريق حينئذٍ لِلحَدِّ أو القصاص، وقَتْل الباغي للسياسة وكَسْر الشوكة. وأَمَّا المقتول بالعصبيةِ فحكمُه حُكْم الباغي، وكذا من قتَل نفسه عند أَبي يوسف. وقال محمد: يُصَلَّى عليه لأَنَّ بَغْيَه على نفسه، فكان كسائر الفُساق.
стр. 460
بَابُ صَلاةِ الخَوْفِ
إِذَا اشْتَدَّ خَوْفُ العَدُوِّ
===
ويُغَسَّل المقتول بِحَدَ أَوْ قَوَدٍ (١) ويُصَلَّى عليه بالاتفاق، لما في «مصنف ابن أبي شيبةَ»: حدثنا أَبو معاويةَ عن أَبي حنيفة، عن عَلْقَمَة بن مَرْثد، عن أَبي بُرَيْدة، عن أَبيه: «لما رُجِم ماعزٌ قالوا: يا رسولَ اللهاِ، ما نصنع به؟ قال: اصْنَعُوا به ما تَصْنعون بموتاكم من الغسل والكفن والحنوط والصلاة عليه». ولأَبي يوسف قول جابر بن سَمُرَة: «أَنَّ النبيّ ﷺ أُتي بِرَجلٍ قَتَل نَفْسَه بمَشَاقِصَ (٢) ، فلم يُصَلِّ عليه». رواه مسلم. ويجاب: بأنَّ الظاهر أَنَّه ﷺ لم يصلِّ عليه، وينبغي أَنْ يكون الإِمام كذلك، وأما غيره فيصلِّي عليه لقوله ﷺ «صلّوا على كل بَرَ وفاجر» (٣) ، لأَن الوجوب اليقيني لا يسقط بالأَمْرِ الظَّنِّي. ومَنْ قُتِل لِظُلمه يُغَسَّل ولا يُصَلَّى عليه، لأَنه سَاعٍ بالفساد، كذا في «المنتقى»، والله أعلم بالصواب وإِليه المَرْجِعُ والمآب.
بابُ صلاةِ الخوف
الأَنسب أنْ يقال «فصل»، ولا يُجعل بينه وبين صلاة المسافر فصل.
وقد قال الله تعالى: ﴿وإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٤) الآية، واستدل بظاهرها الحسن البصري وأَبو يوسف، والمُزَني من الشافعية. وأَنكروا مشروعيتها بعد النبيّ ﷺ لأَن فيها أفعالاً منافيةً للصلاة، فَيُقتصر فيها على مَوْرِد الخطاب، وهو كون النبيّ ﷺ إِماماً للأَصحاب. وللجُمْهور أَنَّ إِقامة الصحابة لها بعده ﷺ دليل على تعميم الحكم للأَنام في سائر الأَيام، وأَن معنى الآية: كنت فيهم أَنت أَوْ مَنْ يقوم مَقَامَك كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالهِمِ صَدَقَةً﴾ (٥) .
(إِذَا اشْتَدَّ خَوْفُ العَدُوِّ) سواءٌ كان العدو آدمياً أَوْ غَيْره. والاشتداد مذكورٌ في «الهداية»، و «الكافي» وغيرهما. وفي «الكفاية»: أَنه ليس بشرطٍ عند عامة مشايخنا خلافاً للشافعي، ولا يبعُد أَنْ يُرَاد باشتداده تحقُّقه. ولذا لم تجز بلا حضور عدوَ فلو، رأوا سواداً فصلوها على ظنِّ أَنه عدو، فإِنْ تبيَّن كما ظنّوا، جازت لوجود
стр. 461
جَعَلَ الإِمامُ أُمَّةً نَحْوَ العَدُوِّ، وصَلَّى بأُخْرَى رَكْعَةً فِي الثُّنَائِي، ورَكْعَتَيْنِ في غَيْرِه ومَضَتْ هذه إِليه، وَجَاءَتْ تِلْكَ وصَلَّى بهم مَا بَقِي وسَلَّمَ وَحْدَه ومَضَتْ إِليه، وجَاءَتِ الأُخْرَى وأَتمَّتْ بِلا قِرَاءَة، ثُمٌ الأُخْرَى وأَتَمَّتْ بِهَا.
===
سبب الرخصة، وإِن ظهر خلافه، لم تجز.
(جَعَلَ الإِمامُ أُمَّةً) أَي طائفة كقوله تعالى: ﴿ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عليه أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾ (١) (نَحْوَ العَدُوِّ، وصَلَّى بأُخْرَى رَكْعَةً) لقوله تعالى: ﴿فَلْتَقُم طَائِفةٌ مِنْهُم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُم فإِذا سَجَدُوا﴾ (٢) أَي هذه الطائفة ﴿فليكونوا﴾ أي الطائفة الأخرى: ﴿مِنْ ورائكم﴾. (فِي الثُّنَائِي) سواء كان فجراً أَوْ قصراً (ورَكْعَتَيْنِ في غَيْرِه) أَي غَيْر الثنائي (ومَضَتْ) مشت (هذه) أي التي صلت (إِليه) أَي إِلى وجه العدو.
(وَجَاءَتْ تِلْكَ) أَي التي كانت نحو العدو (وصَلَّى بهم) لقوله تعالى: ﴿ولتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (٣) (مَا بَقِي) وهو ركعة في الثنائي والمغرب، وركعتان في غيره (وسَلَّمَ) الإِمام (وَحْدَه ومَضَتْ إِليه) أَي إِلى العدو. وفي «المحيط»: ولو كانت الطائفة الثانية حين سلم الإِمام، قَضَوْا ركعتين في مكانهم، ثُم انصرفوا، جاز، والأَفضل ما ذكرنا. قلت: ويؤيد الأَول اقتصاره سبحانه في الآية على ما تقدم، وبعض الأَحاديث الآتية، والله تعالى أَعلم.
(وجَاءَتِ الأُخْرَى) وهي الأُولى (وأَتَمَّتْ بِلا قِرَاءَةٍ) لأَنها لاحقةٌ، واللاحق في حكم المقتدي، ومضت إلى وجه العدو. (ثُمَّ) جَاءَتِ (الأُخْرَى) وهي الثانية (وأَتَمَّتْ بِهَا) أَي بِقِرَاءةٍ، لأَنها مسبوقةٌ، والمسبوق في حكم المنفرد.
لنا على أَنَّ هذه كيفية صلاة الخوف: ما في الكتب الستة ـ واللفظ للبخاري ـ عن ابن عمر قال: «غَزَوتُ مع النبيِّ ﷺ قِبَل نَجْدٍ فوازَيْنا العدوَّ، فصَافَفْنَاهُمْ، فقام رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي لنا، فقامت طائفةٌ معه تُصَلِّي وأَقبلت طائفةٌ على العدو، وركعَ رسولُ الله ﷺ بِمَنْ معه وسجد سجدتين، ثُم انصرفوا مكانَ الطائفة التي لم تصلِّ، فجاؤا فركع رسولُ الله ﷺ بِهِمْ ركعةً، وسجَد سَجْدَتَين، ثُم سلَّم، فقام كلُّ واحدٍ ـ أي مِنْ القوم ـ وهم الطائفتان، فرَكَعَ لنفسه ركعةً، وسجَد سَجْدَتَين».
стр. 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي لفظٍ آخَرَ له عن ابن عمر: «فإِذا صلَّى الذين معه ركعةً استأْخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يُسَلِّمون، ويتقدم الذين لم يصلُّوا فيصلُّون معه ركعةً، ثُم ينصرف الإِمام وقد صلَّى ركعتين، فتقُوم كلُّ واحدةٍ من الطائفتين فيصلّون لأَنفسهم ركعةً واحدةً بعد أَنْ ينصرف الإِمام». الحديثَ. وروى أَبو داود عن مسلم بن إِبراهيم، عن عَبْد الصَّمَد بن حَبِيب، عن أَبيه أَنهم غزوا مع عبد الرحمن بن سَمُرَة كابُلَ فصلى بهم الخوف، وإِنَّ الطائفة التي صلَّى بهم ركعةً ثُم سلم مضوا إِلى مقام أَصحابهم، وجاء هؤلاء فصلّوا لأَنفسهم ركعةً، ثُم رجعوا إِلى مقام أُولئك وجاء الآخرون، فصلَّوا لأَنفسهم ركعةً.
وروى أَبو داود عن ابن مسعود: صلَّى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فقاموا صفّاً خلْفَه، وصفّاً مُسْتَقْبِلَ العدو، فصلى بهم ركعةً، ثُم جاء الآخرون فقاموا في مقامهم، واستقبلَ هؤلاء العدوَّ فصلَّى بِهِمُ النبيُّ ﷺ ركعةً ثُم سلَّم، فقام هؤلاء فصلَّوا لأَنفُسِهم ركعةً، ثُم سلّموا، ثُم ذهبوا فقاموا مقام أُولئك مستقبل العدو، ورجع أُولئك إِلى مقامهم فصلَّوا لأَنفسهم ركعةً، ثُم ذهبوا فقاموا مقام أُولئك مستقبل العدو، ورجع أُولئك إِلى مقامهم فصلّوا لأَنفسهم ركعةً ثُم سلَّموا». ولا يخفى أَنَّ كُلاًّ من الأَحاديث إِنما يدل على بعض المُدَّعى، وقد رَوَى تمام صورة الكتاب محمد بن الحسن في كتاب «الآثار» من رواية أبي حنيفة موقوفاً على ابن عباس، وهو كالمرفوع في هذا الباب (١) . والله تعالى أَعْلمُ بالصواب.
ومذهب الشافعي: أَنه يصلي بالطائفة الأُولى شَطْرَها في غير المغرب، فإِذا قام فارقته وأَتَمَّت هذه الطائفة صلاتها فُرادى وذهبت إليه، وجاءت الطائفةُ الأُخْرَى فاقتدت به وصلت معه، فإِذا جَلَس للتشهُّد قامت وأَتَمَّتْ ما فاتَها ولَحِقَتْهُ في التشهد وسَلَّم بهم، لقول سهل بن أبي حَثْمة: «يقوم الإِمام مستقبل القبلة، ويقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قبل العدو ووجوههم إِلى العدو، فيركع بهم ركعةً، ويركعون لأَنفسهم، ويسجدون لأَنفسهم سجدتين في مكانهم، ثُم يذهبون إِلى مقام أُولئك ويجيء أُولئك، فيركع بهم ركعةً، ويسجد بهم سجدتين، فهي له ثنتان ولهم واحدةٌ، ثُم يركعون ركعةً، ويسجدون سجدتين». رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، لم يرفعه يحيى بن سعيد الأَنصاري، عن القاسم بن محمد. ورفَعه شُعْبة، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أَبيه، عن صالح بن خَوَّات، عن سهل بن أَبي حَثْمَة،
стр. 463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن النبيّ ﷺ
ومذهب مالك: أَنْ الإِمام يُسَلِّم وَحْدَه بلا انتظارهم، وتُتِمُّ هذه الطائفة بعده. وحكاية ابن مسعود تشهد له. قال القُرْطبي في «شرح مسلم»: والفرق بين حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود: أَنْ في حديث ابن عمر كان قضاؤهم في حالةٍ واحدةٍ، ويبقى الإِمام كالحارس وَحْدَه. وفي حديث ابن مسعود كان قضاؤهم متفرِّقاً على صفةِ صلاتهم. وقد تأَوَّل بعضهم حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود، وبه أَخذ أَبو حنيفة رحمه الله تعالى وأَصحابه غير أَبي يوسف، وهو نَصُّ أَشْهَب مِنْ أَصحابنا خلافَ ما تأَوَّلَهُ ابنُ حبيب. انتهى.
وفي صلاة الخوف دلالةٌ ظاهرةٌ على كون الجماعة فريضةً، وأَنَّ تعدُّد الجماعة وإِعادَتها غير جائزٍ، ولو بالضرورةِ، وأَما تعليل أَبي يوسف بأَنَّ الناس كانوا يرغبون في الصلاة خَلْفَه ﵊ ما لا يرغبون في الصلاة خلف غيره، فَشُرِعت بصفة الذهاب والمجيء لينال كل فريق فضيلة خَلْفَهُ، وقد ارتفع هذا المعنى بعده، فكل طائفة يتمكنون من أَداء الصلاة بإِمامٍ على حِدَة، فلا يجوز لهم أَداؤها بصفة الذهاب والمجيء، فمدفُوعٌ بأَن الأَصل عَدمُ اختصاصه وقيام نائبه ـ وهو الإِمام ـ على أُمته بعده، وقد أَجمع الصحابة على ذلك، فلا ينبغي الخلاف لما جرى هنالك.
وذكر شمس الأَئمة السَّرَخْسِي: أَنَّ مخالفة أَبي يوسف إِنما هي في صلاة الخوف بصفة الذهاب والمجيء كما ذكره، لأَنه نقَل موافقته لهما فيما إِذا كان العَدُوُّ في وجه القبلة، وصورة ذلك: أَنْ يجعلَ الإِمام الناسَ صَفَّين يفتح الصلاة بهم جميعاً، فإِذَا ركَع الإِمامُ ركعُوا معه، وإِذا سجَد سَجَدَ معه الصفُّ الأَوَّل، والصفُّ الثاني قيامٌ يَحْرُسونَهم، فإِذا رفعوا رؤوسهم سجد الصفُّ الثاني، والصفُّ الأَول قعودٌ يحرسونَهم، فإِذا رَفَعُوا رؤوسهم سجد الإِمام السجدةَ الثانيةَ وسجد معه الصفُّ الأَول، والصف الثاني قعودٌ يَحْرُسُونَهم، فإِذا رفعوا رؤوسهم سجد الصفُّ الثاني، والصف الأَول قيامٌ يحرسونَهم، فإِذا رفعوا رؤوسهم تأخَّرَ الصفُّ الأَول وتقدم الصفُّ الثاني فصلّى بهم الركعة الثانية بهذه الصفة أَيضاً، فإِذا قَعَدُوا سلَّم وسلَّمُوا معه، وهذه صلاة رسول الله ﷺ بِعُسْفان.
رواها أَبو داود وغيره عن أَبي عَيَّاش الزُّرَقي وغيره.
وقال: «كنَّا مع رسول الله ﷺ بعُسْفَان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلّينا الظهر، فقال المشركون: لقد أَصبنا غفلةً لو كنَّا حمَلْنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت
стр. 464
وإن زَادَ الخَوْفُ صَلُّوا رُكْبَانًا فُرَادَى، بإِيمَاءٍ إِلى أَيِّ جِهَةٍ قَدِرُوا. ويُفْسِدُها القِتَالُ
===
آية القَصْر بين الظهر والعصر، فلما حضرت صلاة العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة والمشركون أَمَامَه»، وهكذا فَعَل أَبو موسى. فَعَلَى هذا لا يَتِمُّ جوابنا عن قول أَبي يوسف بأَن أَبا موسى صَلاَّها بأَصْبَهَان، وسعد بن أَبي وقَّاص في حَرْب المجوس بطَبَرِسْتَان، ومعه الحسن بن علي وحُذَيْفة بن اليَمَان وعبد الله بن عمرو بن العاص، حتى يَثْبُت أَنهم صلّوها على غير هذه الصِّفة.
ثُم حَمْلُ السلاح في الصلاة عند الخوف مستحبٌ عندنا لا واجبٌ، كما قال مالك والشافعي، عَمَلاً بظاهر الأَمر في قوله تعالى: ﴿وليَأْخُذُوا حِذْرَهُم وأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١) ، قلنا هو محمول على النَّدْب، لأَنَّ حَمْلَها ليس من أَعْمَالها فلا يجب فيها.
ثُم اعلم أَنَّ صلاة الخوف على الصفة المذكورة، إِنما يلزم إِذا تنازع القوم في الصلاة خلف الإِمام، أَمَّا إِذا لم يتنازعوا فالأَفضل أَنْ يصلِّي بإِحدى الطائفتين تمام الصلاة، ويُصلِّي بالأُخرى إِمَامٌ آخر.
(وإِن زَادَ الخَوْفُ) بِأَنْ لم يَدَعْهم العدو يصلُّون نازلين بل يهاجمهم (صَلَّوا) حينئذ (رُكْبَاناً) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفتم فرِجَالاً أَوْ رُكْباناً﴾ أَي فإِنْ زِدْتُم في الخوف، فَصَلُّوا حالَ كَوْنِكُم قائمين أَوْ رَاكِبينَ (فُرَادَى) لعدم اتحاد المكان، إِلاَّ إِذا كان الإِمام والمأْموم على دابةٍ واحدةٍ. وعن محمد: تجوز صلاتهم جماعةً، وبه قال مالك والشافعي، لأَنه جوَّز لهم ما هو أَشدُّ من ذلك، وهو الانحراف والذهاب والإِياب.
(بإِيمَاءٍ) في الركوع والسجود. (إِلى أَيِّ جِهَةٍ قَدِرُوا) إِذا عجزوا عن الاستقبال، لما روى البخاري في قوله تعالى: ﴿فإِنْ خِفْتُم فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ (٢) ، عن نافع: أَنَّ عبد الله بن عمر كان إِذا سُئِل عن صلاة الخوف قال: «يتقدم الإِمام وطائفة مِنْ النَّاس، فصلَّى بهم الإِمام ركعةً، وتكون طائفةٌ منهم بينهم وبين العدو لم يصلُّوا، وإِذا صَلَّى الذين معه ركعةً استأخروا مكان الذين لم يُصلُّوا … إِلى أَنْ قال: فإِذا كان خوف هو أَشدّ من ذلك، صَلَّوا رجالاً قياماً على أَقدامهم، أَوْ رُكْباناً مُسْتَقبِلي القبلة، أَوْ غير مستقبليها». قال مالك: قال نافع: لا أَرى عبد الله ذَكَرَ ذلك إلاَّ عن رسول الله ﷺ
(ويُفْسِدُها القِتَالُ)، عندنا، خلافاً للشافعي، وهو روايةٌ عن مالك، لأَن الأَمر
стр. 465
والمَشْيُ والرُّكُوبُ.
بَابُ [الصَّلاةِ في الكعْبَةِ]
صَحَّ في الكَعْبَةِ الفَرْضُ والنَّفْلُ،
===
بأَخْذِ السلاح ليس إِلاَّ لِجَواز القتال، ويُمكن دفعه بأَنه قد يكون للترهيب، أَوْ للاحتياج إِليه إِذا تعدوا عن الحدِّ الموجِب لبطلان الصلاة، لكن يَرِدُ عليه جوازُ قَتْل الحية في الصلاة وإِن كان بعملٍ كثيرٍ على الظاهر.
(والمَشْيُ)، أَراد به أَنه إِذا هرب من العدو ولم يمكنه الوقوف للصلاة، لا يُصَلِّي ماشياً وإِنْ ذهب الوقت، ولم يُرِد أَنَّ مطلق المشي مُفْسد، لأَن صلاة الخوف قَلَّمَا توجد بدون المَشْي.
(والرُّكُوبُ)، لأَنه عملٌ كثيرٌ، واعلم أَنَّ عند أَهل السِّيَر أَنه ﷺ صلَّى صلاة الخوف في أَربعة مواضع: ذاتِ الرِّقاع، وبَطْنِ نَخْلٍ، وعُسْفَان، وذي قَرَد ـ بفتحتين: موضع قرب المدينة السكينة ـ، والله سبحانه أَعلم بالصواب.
(ويُفْسِدُها القِتَالُ)، عندنا، خلافاً للشافعي، وهو روايةٌ عن مالك، لأَن الأَمر بأَخْذِ السلاح ليس إِلاَّ لِجَواز القتال، ويُمكن دفعه بأَنه قد يكون للترهيب، أَوْ للاحتياج إِليه إِذا تعدوا عن الحدِّ الموجِب لبطلان الصلاة، لكن يَرِدُ عليه جوازُ قَتْل الحية في الصلاة وإِن كان بعملٍ كثيرٍ على الظاهر.
(والمَشْيُ)، أَراد به أَنه إِذا هرب من العدو ولم يمكنه الوقوف للصلاة، لا يُصَلِّي ماشياً وإِنْ ذهب الوقت، ولم يُرِد أَنَّ مطلق المشي مُفْسد، لأَن صلاة الخوف قَلَّمَا توجد بدون المَشْي.
(والرُّكُوبُ)، لأَنه عملٌ كثيرٌ، واعلم أَنَّ عند أَهل السِّيَر أَنه ﷺ صلَّى صلاة الخوف في أَربعة مواضع: ذاتِ الرِّقاع، وبَطْنِ نَخْلٍ، وعُسْفَان، وذي قَرَد ـ بفتحتين: موضع قرب المدينة السكينة ـ، والله سبحانه أَعلم بالصواب.
باب (الصلاة في الكعبة)
الأَنْسَبْ: فصلٌ. (صَحَّ في الكَعْبَةِ الفَرْضُ والنَّفْلُ) خلافاً لمالك في الأَوَّل (١) ، لاستدبار بعضها وأَنه مُبْطل، بخلاف النفل فإِنه جاز اتفاقاً.
ولنا: قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ للطَّائِفِينَ والعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السجود﴾ (٢) ، فإِنَّ الأَمْر بالتطهير للصلاة فيه، ظاهر في صِحتها فيه مطلقاً، ولأَن شَرْط الجواز استقبالُ جزءٍ من الكعبة، لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ (٣) وقد وُجِدَ الاستدبار غير مفسد لذاته، بل لتضمنه تَرْكَ الاستقبال الذي هو شَرْط الجواز، كما إذا استدبر خارج البيت، على أَنه لا فرق في الشَّرْط بين الفَرْض والنفل.
وقد ثبت أَنه ﷺ صَلَّى في داخل البيت، كما في «الصحيحين» عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّ رسول الله ﷺ دخل الكعبةَ هو وأُسامَةُ وبلالُ وعثمانُ بن طلحةَ الحَجَبي فأَغلقها عليه، ثُم مَكَث فيها، قال ابن عمر: فَسَأَلْتُ بلالاً حين
стр. 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
خرَج، ما صَنَعَ رسولُ الله ﷺ قال: جَعَلَ عمودَيْنِ عن يساره، وعموداً عن يَمِينِه، وثلاثةَ أَعْمِدة وراءه، ثُمَّ صَلَّى، وكان البيتُ يَومَئذٍ على ستةِ أَعْمِدة».
وفي رواية قال: «قَدِم رسولُ الله ﷺ يومَ الفَتْحِ فنزل بفِنَاءِ الكعبة، فأَرسلَ إِلى عثمانَ بنِ طلحةَ، وأَمَرَ بالبابِ فأُغْلِقَ، فَلَبِثُوا فيه ملياً، ثُم فتح الباب، قال عبدُ الله: فبادَرْتُ البابَ فتلَقَّيْتُ رسولَ الله ﷺ خارجاً، وبلالاً على أَثَره، فقلت لبلال: هل صلَّى فيه رسولُ الله ﷺ قال: نعم، قُلْتُ: أَيْنَ؟ قال: بَيْنَ العمودَيْن تلقاءَ وَجْهِهِ، ونسيت أَنْ أَسْأَلَه كم صَلَّى»؟
فإِنْ قيل: في «الصحيحين» أَيضاً عن ابن عباس: «أَنْ النبيَّ ﷺ دخل الكعبةَ وفيها ستُّ سواري، فَقَامَ عِنْدَ ساريةٍ فدعا ولم يُصَلِّ». وفي روايةٍ عنه قال: «أَخبرني أُسامَةُ بنُ زيد: أَنَّ رسول الله ﷺ لَمَّا دخل البيت دعا في نواحيه كلِّها ولم يُصَلِّ فيه حتى خرج، فلما خَرج رَكَع في قِبَل البيت ركعتين، وقال: هذه القِبْلة». مختصر. أُجِيبَ: بأَنَّ حديثَ بلال مُثْبِتٌ، فقُدِّم على حديثِ ابن عباس لأَنه نَافٍ.
وقيل: دَخَلها ولم يُصَلِّ، ثُم دخلَها من الغد وصَلَّى، لما رَوى الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عمر قال: «دخل النبيُّ ﷺ البيتَ، ثُم خرج وبلالٌ خَلْفَه، فَقُلْتُ لبلال: هل صلَّى؟ قال: لا، فَلَما كان من الغَدِ دَخَل، فسَأَلْتُ بِلالاً هل صلَّى؟ قال: نعم، صَلَّى ركعتين».
وقال ابن حِبَّان في «صحيحه»: يُحمل حديثُ بلال على يومِ الفَتح، وحديثُ ابن عباس على حَجَّةِ الوَدَاع. واعتُرِض عليه بما روى إسحاق بنُ رَاهُويه في «مسنده»، والطبراني في «مُعْجمه» عن ابن عباس: «أَنَّ النبيَّ ﷺ لم يدخُلِ البيتَ في الحج، ودخل عامَ الفَتْح».
وفي أَبي داودَ عن عبد الرحمن بن صَفْوان قال: «قلت لعمرَ بن الخطاب: كيف صَنَعَ رسولُ الله ﷺ حين دخلَ الكعبةَ؟ قال: صَلَّى رَكْعَتينِ». وفي «صحيح ابن حِبان» من حديث عبد الله بن السَّائب قال: «حَضَرْتُ رسولَ الله ﷺ يومَ الفَتْح وقد صلّى في الكعبة، فخلعَ نَعْليهِ فَوضعَهُما عن يساره، ثم افتتح سورةَ المؤمنين، فَلَمَّا بَلَغَ ذِكْرَ موسى أَوْ عيسى أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ».
قال النووي: وأَما نَفْيُ أُسَامَةَ فَسَبَبُهُ: أَنهم لَمَّا دَخَلوا الكعبةَ أَغلقوا البابَ، فاشتغلوا بالدعاء، ورأى أُسَامة النبيَّ ﷺ يَدْعُو، فاشتغل هو أَيضاً في الدعاء في ناحيةٍ من نواحيه، والنبيّ ﷺ يدعو، فاشتغل هو أَيْضاً في الدعاء في ناحيةٍ أُخْرى. وبلالٌ
стр. 467
ولَوْ كَانَ ظَهْرُهُ إِلى ظَهْرِ إِمَامِهِ لا لِمَنْ ظَهْرُهُ إِلى وَجْهِهِ. وكُرِهَ فَوْقَهَا
===
قريبٌ منه ﷺ فرآه لِقُرْبه، ولم يره أُسامة لِبُعْدِه مَع خِفَّةِ الصلاة وإغلاق الباب واشتغاله بالدعاء. وجاز له نَفْيُها عملاً بِظَنِّه، على أَنه معارَضٌ بما في «مسند أَحمد»، و «صحيح ابن حِبَّان» عن عُمَارة بن عُمَيْر، عن أَبي الشَّعْثَاءِ عن ابن عمر: «أَخبرني أُسامةُ بن زيد: أَنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى في الكعبةِ بين السَّارِيَتَيْن ومَكَثَ معه عمر، لم أَسْأَله كم صَلَّى». وهذا سند صحيح.
والأَوْلى الجمع بينهما بما رواه الدَّارَقُطْنِي عن ابن عمر كما تقدم. وبما روى هو والطبرانيُّ عن أَبي حبيب بن أَبي ثابت، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: «دخل رسولُ الله ﷺ البيت فَصَلَّى بين الساريتين، ثُم خرج فصلَّى بين الباب والحِجْرِ ركعتين، ثُم قال: هذه القِبْلَةُ»، ثُم دخل مرةً أُخرى فقام يدعو، ثُم خرج ولم يُصَلِّ. قال البيهقيُّ: فَصَلَّى مرةً وترك مرةً، إلا أَنَّ في ثبوت الحديثين نظراً. والله ولِي التوفيق، وبيده أَزِمَّة
التحقيق.
(ولَوْ كَانَ) المُصَلِّي (ظَهْرُهُ إِلى ظَهْرِ إِمَامِهِ) أَوْ جنبه إِلى جنبه، لأَنَّه توجه إِلى القِبلة غير متقدم على إِمَامهِ ولا معتقد بِخَطَئِهِ، لأَن كل جانب قِبلة بخلاف مسألة التحري (١) . (لَا لِمَنْ ظَهْرُهُ إِلى وَجْهِهِ) أَي وَجْهُ إِمَامهِ لأَنه مُتقدِّمٌ عليه. ولو كان وَجْهُهُ إِلى وجه إِمامه ولا حائل، جازت الصلاةُ مع الكراهة، لأَنه شِبْهُ عبادةِ الصورة. ولو قام الإِمام في الكعبة وفتح الباب وقام المقتدون حولها، جاز، وكان كقيامه في المحراب في باقي المساجد.
(وكُرِهَ) مع الجواز النَّفْلُ والفَرْضُ (فَوْقَهَا) أَما الجوازُ فلأَنَّ القِبْلة هي العَرْصَة (٢) والهواء إلى عَنان السماء دون البناء، لأنه قد يُنْقَل، ولأَنها تجوز اتفاقاً على أَبي قُبَيس ولا بناءَ بين يديه يساويه. وأَما الكراهة فلما فيه مِنْ تَرْك التعظيم، ولِما روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر: أَنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلَّى في سَبْعِ مواطن: في المزبلة، والمَجْزَرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمَّام، ومعاطن (٣) الإِبل، وظهر بيت الله. ولم يُشترط لصحة الصلاة فوقها سترةٌ بين يَدَي المُصَلِّي. ويشترطها
стр. 468
وإِنِ اقْتَدوا حَوْلَها وبَعْضُهُم أَقرَبُ إِليها مِن إِمَامِهِ، صَحَّ إِنْ لَم يَكُن في جانِبِهِ.
===
الشافعي.
(وإِنِ اقْتَدوا حَوْلَها) بإِمامٍ خارِجَها (وبَعْضُهُم أَقْرَبُ إِليها مِنْ إِمَامِهِ صَحَّ إِنْ لَم يَكُنْ) الأَقرب (في جانِبِهِ) أَي جانب إِمامه، لأَنه لا يُعدَّ مُتقدِّماً على إِمامه، وفَسَد إِنْ كان الأَقرب في جانب إِمامه، لأَنه يُعَد متقدماً عليه، لأَن التقدُّم والتأخُّر إِنَّما يَظْهَرَانِ عند اتِّحاد الجهة لأَنهما من الأُمور الإِضافية، ولأَنه في معنى مَنْ ظهره إِلى وجه إِمَامِهِ، ولا يَخْفَى أَنَّ التقدم على الإِمام في المقام مكروهٌ عند الإِمام مالك، فَليُنْظَر في الأَدلة المتعلقة بما هنالك. والله تعالى أَعْلم بالصواب.
стр. 469
كِتَابُ الزَّكَاةِ
===
كتابُ الزَّكَاةِ
قَرَنَ الزكاة بالصلاة اقتداءً بكلام الله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصلاةَ وآتُوا الزكاةَ﴾ (١) ، ولولاه لعقَّب الصوم بها، لأَنهما عبادتان بدنيتان، ولذا قَدَّمَ الصوم على الحج لتوقف وجوبه على المال وغيره.
والحاصل: أَنَّ العبادة: إِمَّا بدنيةٌ كالصوم، (والصلاة) (٢) ، وإِمَّا ماليةٌ كالزكاة، وإِمَّا مركبةٌ منهما كالحج، ولهذا تأَخَّرَ وصار ركناً خامساً من أَركان الإِسلام التي أَصلُها التصديقُ والإِقرارُ بالشهادتين، ونزل فيه قولهُ تعالى: ﴿اليومَ أَكْمَلْتُ لكم دِينَكُمْ﴾ (٣) . ثم تركيبُ هذا البناء (٤) يَدُلُّ على النَّماء، يُقَالُ: زَكا الزرعُ إِذَا نَمَا، وسُمِّيَتْ بها، لأَنها سَبَبٌ نما بالعِوَضِ في الدنيا، والثواب في العُقْبى، قال تعالى: ﴿وما أَنْفَقْتُم مِنْ شَيءٍ فَهُو يُخْلِفُه﴾ (٥) ، أَوْ على الطهارةِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وزكاةً﴾ (٦) ، أَيّ طهارة، وفيها معنى التطهير، قال تعالى: ﴿خُذْ من أَمْوَالِهِم صَدَقةً تُطَهِّرُهُم وتُزَكِّيهم بها﴾ (٧) ، وسمّيت بها لأنها تُطَهِّرُ صاحبَها من الذنوب، أَوْ من رذيلة البُخْل الذي هو من أَكبرِ العيوب. وسُمِّيَتْ صدقةً لِدلالَتِها على صِدْق العبدِ في العُبوديَّة، وامتثاله لِحَقِّ الرّبوبية. وقوله: ﴿تُزَكِّيهم﴾ أَي تُثْنِي عليهم.
وفي الشرع: عبارةٌ عن تمليك جُزْءٍ من النصاب الحَوْلي للفقير ومَنْ بمعناه، لأَنها توصف بالوجوب. وقيل: هي اسم للقَدْرِ الذي يُخْرَج للفقير، لقوله تعالى: ﴿وآتُوا الزكاةَ﴾، ومعلوم أَنَّ مُتَعَلَّقَ الإِيتاءِ وهو المالُ، لأَنَّ الإِيتاء بدونه من المَحَال. والله أَعلم بالأَحوال.
стр. 470
لا تَجِبُ إِلَّا عَلى حُرٍّ،
===
هي فريضة لقوله تعالى: ﴿وآتُوا الزكاةَ﴾، وإجماع الأُمة، والأَحاديث الواردة: منها ما رواه الترمذي، وصححه ابن حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم وقال: على شرط مسلم، عن سُلَيْم بن عامر قال: سمعت أَبا أُمامة يقول: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول في حجة الوداع: «اتقوا الله، وصَلُّوا خَمْسَكم، وصوموا شهركم، وأَدُّوا زكاة أَموالكم، وأَطيعوا ذا أَمركم، تدخلوا جَنَّةَ ربِّكم».
ومنها ما رواه أَحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن عمر مرفوعاً: «بُنِي الإِسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أَنْ لا إِله إِلاَّ الله وأَنَّ محمداً رسول الله، وإِقامِ الصلاةِ، وإِيتاءِ الزَّكاةِ، وحجِّ البيت، وصومِ رمضان».
وكان فرضيتُها في السَّنَةِ التي فُرِض فيها الصومُ، وهي السَّنة الثانية من الهجرة. وقيل: قبل الهجرة إجمالاً، وبعدها تفصيلاً. وهذا أيضاً يَصْلُحُ أَنْ يكونَ وجهاً لتقديم كتاب الزكاة على الصوم.
وفي «المحيط»: قال أَبو الحسن الكَرْخِي: إِنها تجب على الفور. وفي «المنتقى»: إِذا ترك حتى حال عليه حَوْلانِ، فقد أَساء وأَثِم. وعن محمد: إِنْ لم يؤدِ الزكاة لم تُقْبَل شهادته. وذكر ابن شجاع عن أَصحابنا: أَنها على التراخي، وهكذا ذكر أَبو بكر الجَصَّاص.
وفي التحقيق: أَنَّ الأَمر المطلق عن الوقت ـ وهو الأَمر الذي لم يتعلق أَداء المأمور به فيه بوقت محدود على وجه يفوت الأَداء (بفوته) (١) ، كالأَمر بالزكاة، وصدقة الفطر، والعُشْر، والكفارات، وقضاء رمضان، والنذر المطلق ـ ذهب أَكثر أَصحابنا، وأَصحاب الشافعي، وعامة المتكلّمين: إِلى أَنَّه للتراخي، وذهب بعض أَصحابنا، منهم الشيخ أَبو الحسن الكَرْخِي، وبعض أَصحاب الشافعي، منهم الشيخ أَبو بكر الصَّيْرفي وأَبو حامد: إِلى أَنَّه للفور، وكذا كل من قال بالتكرار يلزمه الفور. ومعنى يجب على الفور: أَنه يجب تعجيل الفعل في أَول أَوقات الإِمكان. ومعنى يجب على التراخي: أَنه يجوز تأخيره عن أَول أَوقات الإِمكان، لا أَنه يجب تأخيره عنه بحيث لو أتى به فيه لا يُعْتَدُّ بِهِ (٢) ، لأَنه ليس مذهباً لأَحد.
(لا تَجِبُ) عَبَّر بالوجوب، لأَن بعض مقادير الزكاة ثابت بأَخبار الآحاد، أَوْ لأَن استعمال الوجوب في الفرض ـ مجازاً ـ كثيرٌ (إِلاَّ عَلَى حُرَ) احتراز عن
стр. 471
مُكَلَّف،
===
القِنِّ (١) ، والمُدَبَّر (٢) ، وأُمِّ الولد (٣) والمُكَاتَب (٤) .
(مُكَلَّف) فلا يجب على صبي ولا مجنون. وقال مالك، والشافعي، وأَحمد: يجب في مالهما، كنفقة الزوجة، والعُشْر، والخَرَاج، وصدقة الفِطْر، لما روى عَمْرُو بنُ شُعَيْب، عن أَبيه، عن جده: أَنَّ النبي ﷺ خطب الناس فقال: «مَنْ وَلِيَ يتيماً له مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ فيه، ولا يتركه حتى تأكلَه الصدقةُ». رواه الترمذي مرفوعاً، وموقوفاً على عمر ﵁، والدَّارَقُطْنِيّ من طرُقٍ لكنها ضعيفة. وقيل: المراد بالصدقة: النفقة. ولما رُوِيَ عن عمرَ وعليّ ﵄، مِنْ قولهما بوجوبها في مال الصغير. وروى مالك في «الموطأ»، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أَبيه أَنه قال: كنت وَلِيتْني عائشةُ أَنا وخالي يتيمين في حِجْرِها ـ أَي تربيتها ـ، وكانت تُخْرِجُ من أَموالِنَا الزَّكاة.
ولنا ما روى أَبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه، والحاكم وقال: على شرط مسلم، أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة: عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يَحْتَلِمَ، وعن المجنونِ حتى يَعْقِل». وفي «آثار محمد بن الحسن» قال: أَخبرنا أَبو حنيفة: حدثنا ليث بن أَبي سُلَيْم، عن مجاهد، عن ابن مسعود قال: ليس في مال اليتيم زكاة. ولَيْثٌ: كان أَحد العلماء العُبَّاد، لكنِ اختلط في آخر عُمُرِه، ومعلومٌ أَنَّ أَبا حنيفة لم يكن ليذهب فيأْخذ عنه في حال اختلاطه ويرويه، مع تشديد أَمره في الرواية ما لم يشدده غيره، على ما عُرِف. وروى البيهقي عن لَيْث بن أَبي سُلَيم، عن مجاهد، عن ابن مسعود قال: «مَنْ وَلِيَ مالَ اليتيم فَلْيُحْصِ (٥) عليه السنين، وإِذا دفع إِليه ماله، أَخبره بما فيه من الزكاة، فإِنْ شاء زَكَّى، وإِنْ شاء ترك». ورُوِي عن ابن عباس أَيضاً، إِلاَّ أَنَّه تَفَرَّدَ بإِسناده ابن لَهِيعَةَ.
والجواب عن الحديث الأَول: أَنَّ أَحمد بن حَنْبَل حكم بعدم صِحَّته، والترمذيَّ
стр. 472
مُسْلِمٍ، مَالِكٍ مِلْكًا تامًّا لِنِصَاب نَامٍ وهو إِمَّا بالثَّمَنِيةِ، أَوِ السَّوْمِ، أَوْ نِيَّةِ التِّجَارَةِ مَعَ الحَوْلِ،
===
بضعف سنده. وعن قول عمر وعليّ أَنَّه مُعارَضٌ بقول ابن مسعود، وابن عباس. ولأَن من شروطها النيةَ، وهي لا تتحق من الصبي والمجنون، ولا تُعْتَبَرُ نيَّةُ الولي، لأَنَّ العبادات الواجبة لا تتأَدى بنيّة الغير.
(مُسْلِمٍ) لأَنها عِبادة، والكافر ليس بأَهلها. وهذا في بعض النسخ ليس بموجود، ولعل ذلك لأَن قيد التكليف يُغْني عنه، بناءً على أَنَّ الكافر غير مخاطب بالشرائع عندنا.
(مَالِكٍ مِلْكاً تامّاً) أَي رقبةً ويداً، فلا يجب على المشتري في مالٍ اشتراه قبل القبض للتجارة، ولا على المولى في عبده للتجارة إذا أَبَق، ولا فيما بِيَدِ عبده المأْذون غير المديون، لأَنَّ يد المأْذون يدُ أَصَالة لا يَدُ نيابة.
(لِنِصَابٍ نَامٍ) ولو تقديراً، بأَنْ يتمكنَ من استنمائه لكونه في يده أَوْ يد نائبه، (وهو) أَي النمو: (إِمَّا بالثَّمَنِيَّةِ) أَي بِكَوْن المال ثمناً للأَشياء كالذهب والفضة، (أَوِ السَّوْمِ) أَي الرَّعْي، (أَوْ نِيَّةِ التِّجَارَةِ) في العُرُوض (١) إِذا اقترنت بعملٍ من أَعمالها، كالشراء والبيع والإِجارة، (مَعَ الحَوْلِ) لأَنه المُمَكِّنُ من النمو، لاشتماله على الفصول الأَربعة التي الغالب فيها تفاوت الأَسعار.
وأَمَّا شرط النصاب، فله شواهد كثيرةٌ منها: حديث الخُدْرِي (٢) قال: قال رسولُ الله ﷺ «ليس فيما دون خَمْس أَواقٍ من الوَرِقِ (٣) صَدَقَةٌ، وليس فيما دون خَمْس ذَوْدٍ (٤) صَدَقَةٌ، وليس فيما دون خَمْسة أَوْسُقٍ صَدَقَة».
وأَما الحولُ فلِمَا في الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عمر ـ مِنْ طُرُقٍ ـ مرفوعاً: «ليس في مالٍ زكاةٌ، حتى يحولَ عليهِ الحَوْلُ». وصحح بعضهم وَقْفَهُ على رفعه.
وكذا رواه أَبو داود مرفوعاً، ففي «سنن أَبي داود»، عن عاصم بن حَمْزَة،
стр. 473
فَاضِلٍ عن حاجتِهِ الأَصْلِيةِ، وعَن دَيْنٍ مُطَالَبٍ مِنْ عبدٍ
===
والحارِث الأَعْوَر، عن عليّ، عن النبيّ ﷺ أَنَّه قال: «إِذا كانَتْ لك مِئَتا دِرْهَم، وحَال عليها الحَوْلُ، ففيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وليس عليك شيءٌ ـ يعني في الذهب ـ حتى يكونَ لك عِشْرون ديناراً، وإِذَا كانَتْ لكَ عِشْرُون ديناراً وحَالَ عليها الحَوْلُ، ففيها نِصْفُ دينار، فما زاد فبِحِسَابِ ذلك قال: لا أَدري أَعَلِيٌّ يقول: فبحسابِ ذلك، أَوْ رفَعَه إِلى النبيِّ ﷺ ؟ وليس في مالٍ زكاةٌ حتى يحولَ عليه الحولُ». ولا يَقْدحُ فيه ضَعْفُ الحارث من رواية، لمتابعة عاصم له، فيجب قَبُول رَفْعِه لتوثيق ابن المديني، وابن مَعِين، والنَّسائي إيَّاه. وقد قال النَّوَوي: حديث صحيح أَوْ حسن.
(فَاضِلٍ عن حاجتِهِ الأَصْلِيةِ) لأَنَّ المشغول بالحاجة الأَصلية كالمعدوم في حقّ الزكاة، فلا يجب في دُور السُّكْنى، وثياب البدَن، وأَثاثِ المنزل، ودوابِّ الرّكوب (١) ، وعبيد الخِدمة، وسلاح الاستعمال، وكُتُب العلمِ لأَهلها، وآلات المحترفين لأَصحابها.
فلو كان له قَدْرُ نصاب، لكنْ يحتاج إِلى أَنْ يَصْرِفَه في هذه الأَشياء فلا زكاة فيه، كذا ذُكِر في بعض الشروح، نقله البِرْجَنْدي. وفيه بَحْث، لأَنَّه إِنْ أَراد أَنَّه لا يلزمه بعد الحول، فغير صحيح، وإِنْ كان قَبْلَه فلا كلام فيه.
(وعَن دَيْنٍ) حَالَ أَوْ مُؤَجَّلٍ بأَصالة أَوْ كفالة (مُطَالَبٍ مِنْ عبدٍ)، فلا يمنع الزكاة دَيْنٌ هو نَذْر أَوْ كفارة، أَوْ وجوب حج، لأَنَّ العبد ليس له أَنْ يُطَالِبَ به، ويمنعها دَيْنٌ هو عُشْر، أَوْ خَرَاج أَوْ زكاة عند أَبي حنيفة ومحمد. وفي «المحيط»: وصورته: إِذا حال الحول على النصاب فوجبت الزكاة فيه، لم يجب فيه في الحول الثاني، أَي لاشتغال بعض النصاب بدَيْنِ الزكاة، ولو أُتْلِفَ النصابُ ـ أَي كُلُّه ـ بعد الحول الثاني حتى صارت الزكاة ـ أَيْ زكاة الحول الأَول ـ دَيْناً في ذمّته يمنع ذلك وجوب الزكاة، أَي للحَوْل الثاني. وقال زُفَر: لا يمنع كِلاهما. وقال أَبو يوسف: وجوب الزكاة يمنع، ودَيْن الزكاة لا يمنع، لأَنَّ دَيْن الزكاة لا مُطَالِبَ له مِنْ جهة العباد، كالنذْر، والكفَّارة، وصدقة الفِطْر، والأُضحية. وأَما وجوب الزكاة فجزءٌ من النِّصاب صار مُسْتَحَقَّاً فانتقض به النصاب.
ولهما أَنَّ هذا دَيْن له مُطَالِب من جهة العباد، لأَن حقَّ الأَخْذ كان للإِمام في الأَموال الظاهرة والباطنة، لظاهر قوله تعالى: ﴿خُذْ من أَموالهم صدقةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (٢) ،
стр. 474
فَلا يَجِبُ على مُكَاتَب ولا بعد الوُصول لأَيَّام كان ضِمَارًا، كَمَفْقُودٍ
===
وعلى هذا كان رسولُ الله ﷺ والخليفتان بعده، فلما وَلِيَ عثمانُ وظَهَرَ تَغَيُّرُ الناس كَره أَنْ يُفَتِّشَ العمالُ مستورَ أَموال الناس، ففوَّضَ الأَموال الباطنة إِلى أَربابها نيابةً عنه، خوفاً عليهم من السُّعاة السوء، ولم يختلف عليه الصحابة في ذلك، وهذا (١) لا يُسْقِطُ طلبَ الإِمام أَصلاً، ومِن ثَمَّ لو عَلِم أَنَّ أَهْلَ بلدة لا يودُّونها طالبهم بها.
وإِنَّما شُرِط في وجوب الزكاة فراغُ المال عن الدَّيْن، لأَنَّ المال مع الدَّيْن مشغول بالحاجة الأَصلية، وهو دفع الحبس عن المَدْيون. والحاصل: أَنَّا لا نُوجِبُ الزكاة على مديون مُسْتَغْرِق ـ ولو بكفالة ـ نِصَابَهُ. وبه قال مالك، وأَوجبها الشافعي في أَظهر أَقواله، لأَنَّ السبب مالٌ نامٍ، ولا خلل في مِلْكِهِ، لأَنَّ الدَّيْن يتعلق بالذِّمَّة لا بالمال، ولذا يَنْفُذُ تصرفه فيه ببدلٍ، وبغيره، ولا في النماء لأَنَّهُ مُعَدٌّ للتجارة وضعاً أَوْ فعلاً.
ولنا ما في «الموطأ» عن السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ، أَنَّ عثمانَ كان يقول: هذا شَهْرُ زكاتكم، فَمَنْ كان عليه دَيْنٌ فليؤد دَيْنه، حتى تخلص أَموالكم، فتؤدون منها الزكاة، ولأَنه مشغول بحاجته (١) الأَصلية، وهي رفع المطالبة، والملازمة، والحبس في الحال، والمؤاخذة في المآل. إِذِ الدَّيْنُ يَحُولُ بينه وبين الجنة، وأَي حاجة أَعْظَمُ من هذه، فاعْتُبِرَ معدوماً، كالماء المُسْتَحَقِّ للعطش، وثياب البِذْلَة (٢)، وعبيد الخدمة. ولأَنَّ المديون فقير، ولهذا يَحِلُّ له الصدقة مع تَمَكُّنِهِ من ماله، والصدقة لا تَحِلُّ لِغَنِي ولا تجب إِلاَّ على غَنِي.
(فَلَا يَجِبُ على مُكَاتَب) وإِنْ زاد ما بيده على مال كِتَابَتِهِ، لأَنه مالك لما في يده من المال يداً لا رقبةً، لأَن كَوْنَه رِقَّاً ينافي أَنْ يَملِكَ من كُلِّ وجه. (ولا بعد الوُصول) إلى المال (لأَيَّام) أَي لأَجل أَيَّام (كان) إلى المالُ (ضِمَاراً) فيها، بأَنْ كان المالُ عينه قائمة، ولا يَقْدِرُ المالك على الوصول إِليه، لأَنَّ المال حينئذٍ مملوكٌ رقبةً لا يداً، لعدم القدرة عليه.
(كَمَفْقُودٍ) هذا وما عُطِفَ عليه مِثَالٌ للمال الضِّمَارِ، والمفقود يتناول الآبق إِذا كان عبداً للتجارة، والمال الساقط في البحر، والمدفون في البرية. وأَمَّا المدفون في البيت فليس بِضِمَار، لأَنَّه يمكن الوصول إِليه، وفي المدفون في أَرض الرجل أَوْ كَرْمه، اختلف مشايخ بُخَارى، فقيل: يجب لإِمكان حَفْرِ جميع الأَرض، وقيل: لا يجب لأَنَّ
стр. 475
ومَجْحُودٍ لا حُجَّة عليه، ومَأخُوذٍ مُصَادَرَةً.
وشُرِطَ النِّيَّةُ وقتَ الأَداء أَوِ العَزْلِ،
===
في حفرها حَرَجاً.
(ومَجْحُودٍ) سواء كان ديناً أَوْ غَصْباً، واحترز به عن المُقَرِّ به سواء كان المُقِرُّ غنياً أَوْ فقيراً (لا حُجَّة عليه)، بل أَقام رَبُّ المال البينةَ بعد سنين على الإِقرار به. وإِنَّما قيد به لأَن المجحود الذي عليه بينة، أَوْ عَلِمَ القاضي به، يجب الزكاة فيه للأَيام الماضية، لإِمكان الوصول إِلى المال إِنْ كانَ الخصم مُوسِراً، وإِلى تحصيله إِنْ كان مُعْسِراً. وقال بعضهم: إِنَّه لا زَكاة عليهِ سواء كان له بينة أَوْ لم يكن، إِذْ ليس كلُّ شاهددُيقبل، ولا كُلُّ قاضٍ يَعْدِل، وفي المجاثاة بين يديه ذُلّ في الخُصُومة، فكان له أَنْ لا يَذِلَّ نفسه.
(ومَأْخُوذٍ مُصَادَرَةً)، لما رَوَى مالِك في «مُوَطَّئِهِ»: أَنَّ عمرَ بن عبد العزيز كتب في مالٍ قبضه بعضُ الولاةِ ظُلْماً، فأَمَرَ بِرَدِّه إِلى أَهله، ويؤخذ زكاته لِمَا مضى من السنين، ثم أَعقب بعد ذلك بكتاب، لا تؤخذ منه إِلا زكاة واحدة، فإِنَّه كان ضِمَاراً. ولِمَا روى ابن أَبي شَيْبَة في «مُصَنَّفِهِ» عن عبد الرحمن بن سليمان، عن عمرو بن مَيْمُون قال: أَخذ الوليدُ بنُ عبد الملك مالَ رجلٍ مِنْ أَهل الكوفةِ ـ يقال له أَبو عائشة ـ عشرين أَلفاً، فأَلْقَاها في بيت المال، فلما وُلِّيَ عمر بن عبد العزيز، أَتاه ولده فرفعوا مَظْلِمَتَهُم إِليه، فكتب إِلى ميمون: أَنِ ادفعوا إِليهم أَموالهم، وخذوا زكاة عامهم، فإِنَّه لولا أَنَّه كان مالاً ضِمَاراً أَخَذْنَا منه زكاة ما مضى. وهذا مذهب الحسن البصري، وبه قال مالك، خلافاً للشافعيِّ وزُفَر، لأَن وجوب الزكاة باعتبار المِلْك دون اليد، أَلا ترى أَنَّ ابن السبيل يلزمه الزكاة لما مضى إِذا وصلت يده إلى ماله لقيام مِلْكِهِ فيه، وكذلك في المَغْصُوب، فإِنَّ بالغصب ونحوه يَنْعَدِمُ يدُ المالك عنه دون ملكه.
ولنا ما ذكره سِبْطُ بن الجوزي في «آثار الإِنصاف» عن عثمان، وابن عمر: لا زكاة في مال الضِّمار. وأَمَّا عَزْوُ صاحب «الهداية» إِلى عليَ فليس بمعروف، ولأَنَّ وجوب الزكاة باعتبار معنى النماء، وقد اشتد على المالك طريق تحصيل النماء فيه، فانعدم ما لأَجْلِهِ كان نصابُ الزكاة، بخلاف ابن السبيل فإِنَّ النَّماء يَحْصُلُ له بيد نائبه كما يحصل بيده.
(وشُرِطَ) لأَدائها وصَيْرُورَةِ المُؤَدَّى زكاة (النِّيَّةُ) في الزكاة لأَنها عبادة (وقتَ الأَداء) أَي المُسْتَحَقُّ، لأَن الأَصل في النيّة أَنْ تقترنَ بالعبادة، (أَوِ العَزْلِ) أَي عَزْل
стр. 476
إِلَّا أَنْ يَتَصدَّقَ بالكُلِّ.
===
المِقْدَار الواجب من المالِ، لأَن الزكاة عبادة، فلا تتأَدى بلا إِخلاص، قال الله تعالى: ﴿وما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ له الدِّينَ﴾ (١) ، ولا إِخلاص بلا نيّة، وقد صح حديثُ: «إِنَّما الأَعْمَالُ بالنِّيَّات» (٢) . والأَصلُ اقتران النيّة بالأَداءِ كما في الصلاة إِلاَّ أَنَّ الدفع يتفرق ظاهراً، فاكْتُفِيَ بوُجُودِ النِّيَّةِ عَنْدَ العَزْلِ تَيْسيراً على المُؤَدِّي، كجواز تقديمها في الصوم للعجز عن اقترانها بأَوَّل الصبح.
(إِلاَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بالكُلِّ) فلا يُشْتَرَطُ النيةُ استحساناً، لأَن النصاب محل الوجوب، وقد حصل بجميعه للفقير، فحصل له القدر الواجب، إِذْ الغَرَضُ من النيّة التعيينُ، ولا حاجة هنا إِلى التعيين. والحاصل: أَنَّ التصدُّق بكل المال بلا نية زكاة يُسْقِطها، لأَنَّ الواجب جزء (من) (٣) النصاب، فإِذا أَدَّى الكُلَّ فقد أَدَّى الواجب ضرورة. بَقِيَ أَنَّ النية شَرْط، ولم يوجد. وأُجِيبَ بأَنَّ الواجب نيةُ أَصْل العبادة لِيَمْتَازَ عن العادة، وقد وُجِدَت إِذِ الكلامُ فيما إِذا تصدّق على الفقير، والصدقة ما يُرَاد بها رَضَا الله تعالى تعالى عنه، ونيَّة الفرض إِنَّما تُشْتَرَطُ لِتَحْصِيل التعيين، وذا عند عدم التعيين، والواجب مُتَعَيِّنٌ في هذا النصاب، فلا حاجة إلى التعيين، وصار كما إِذا نوى في رمضان الصوم مطلقاً، فإِنَّه يقع عن الفرض وإِنْ لم يُعَيِّنْهُ لَتَعَيُّنِهِ.
ولو تَصَدَّقَ ببعض النصاب، سقط زكاة ذلك البعض عند محمد، لأَن الوجوب شائع في الكل، فسقط منها بحصة ما تصدّق به، لأَن البعض مُعْتَبرٌ بالكل، ولهذا لو هلك البعض يهلك بما فيه، كما لو هلك الكل. وعند أَبي يوسف لا تسقط لجواز أَنْ يكون الباقي هو المحل للوجوب. ولو كان له دين على فقير فأَبْرَأَهُ منه، سقط زكاته، نوى أو لم ينو، ولو أَبرأه عن بعضه ففي سقوط زكاة ذلك البعض ما تقدم من الخلاف. ولو نوى (بما أَبْرَأَ منه الأَداءَ) (٤) عن الباقي، أَوْ عن دين آخر لا يجزيه. ولو كان له دين على غني فوهبه له بعد وجوب الزكاة، قيل: يضمن القَدْرَ الواجب، وقيل: لا يضمن.
стр. 477
[زَكَاةُ المَاشِيَةِ]
ويَجِبُ في كل خَمْسٍ من الإِبلِ شاةٌ، ثُمَّ في خَمْسٍ وعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وفي سِتٍّ وثلاثين بِنْتُ لَبُون، وفي سِتٍّ وأَربعينَ حِقَّةٌ، وفي إِحْدَى وستينَ جَذَعَةٌ،
===
(زكاة الماشية)
(ويَجِبُ في كل خَمْسٍ من الإِبلِ) عِرَاباً كانت أَوْ بَخَاتاً. والبُخْتُ: بالضم الإِبِلُ الخُرَاسَانِيَّة، على ما في «القاموس»، (شاةٌ) فيجب في خَمْسٍ شاةٌ، وفي عَشْرٍ شاتانِ، وفي خَمْسَ عَشرةَ ثلاثُ شِياه، وفي عشرين أَرْبَعُ شِياه. وقد بدأَ محمد ﵀ في تفصيل أَموال الزكاة بالسوائم اقتداءً بِكُتُبِ رسول الله ﷺ فإِنَّها مبتدأَة كُلَّها بزكاةِ الإِبل، ولأَنَّ قاعدة هذا الأَمر كان في حقِّ العرب، وهم كانوا أَربابَ المواشي بحسب الأَغْلَب، فقُدِّمَ لهذا السبب.
(ثُمَّ في خَمْسٍ وعِشْرِينَ) من الإِبل (بِنْتُ مَخَاضٍ) أَي ذات سَنَة، وسُمِّيت بذلك لأَنَّ أُمّها في الغالب تصير ذات مخاض بأُخرى، أَي حاملاً، فإِنَّ المخاض وجع الولادة.
(وفي سِتَ وثلاثين بِنْتُ لَبُون): وهي التي طَعَنَتْ (١) في الثالثة، وسُمِّيت بذلك لأَنَّ أُمَّها في الغالب تكون ذاتَ لبن من أُخرى.
(وفي سِتَ وأَربعينَ حِقَّةٌ): وهي التي دخلت في الرابعة، وسُمِّيت بها لأَنَّها استحقّت الحمل (٢) والركوب.
(وفي إِحْدَى وستينَ جَذَعَةٌ): بفتحات، وهي التي طَعَنَتْ في الخامسة، وسُمِّيت بذلك لمعنى في أَسنان الإِبل يعرفها أَهلها، وهي أَكبر سِنَ يؤخذ في الزكاة. وفَوْقَ الجَذَعَةِ الثَّنِيّ (٣) ، وفَوْقَهُ السَّدِيسُ (٤) ، وفَوْقَهُ البازل (٥) ، ولا يُؤخذُ منها شيء في الزكاة.
стр. 478
وفي سِتٍّ وسبعينِ بِنْتا لبُون، وفي إِحدى وتسعين حِقَّتان، إِلى مئة وعشرين
===
(وفي سِتَ وسبعينِ بِنْتا لبُون، وفي إِحدى وتسعين حِقَّتان، إِلى مئة وعشرين)، والعَفْوُ (١) بين الواجبين من خَمْسٍ إِلى خَمْسٍ وعشرين أَرْبَعٌ، ومنها (٢) إِلى وجوب بِنْتِ لَبُون (٣) عَشْرَةٌ، ومنها (٤) إِلى حِقَّةٍ (٥) تِسْعَةٌ، ومنها (٦) اإلى جَذَعَةٍ (٧) أَرْبَعَ عَشْرَةَ، ومنها (٨) إِلى بِنْتَي لَبُون (٩) كذلك، ومنها إِلى واجبٍ آخَرَ وهو الشاة بعد الاستئناف على ما يُذْكَرُ: ثلاث وثلاثون.
والأَصل فيه كتاب أَبي بكر الصدّيق، الذي رواه البُخَاري في «صحيحه»، وفَرَّقَهُ في ثلاثة أَبواب متوالية، عن ثُمَامَةَ: أَنَّ أَنَساً حَدَّثَه: أَنَّ أَبا بكر كَتَبَ هذا الكتابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلى البحرين:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه فريضةُ الصدقةِ التي فَرَض رسولُ الله ﷺ على المسلمين، والتي أَمَرَ اللهُ بها رسولَهُ، فَمَنْ سُئِلَها من المسلمين فَلْيُعْطِها على وجهها، ومن سئل فوقها فلا يُعْطِهِ: في أَربع وعشرين من الإِبل فما دونها من الغنم، مِنْ كل خَمْسِ ذَوْدٍ (١٠) شاةٌ، فإِذا بَلَغَتْ خَمْساً وعشرين إِلى خمس وثلاثين ففيها بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، وإِذا بلغت ستَّاً وثلاثين إِلى خمس وأَربعين ففيها بنتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فإِذا بلغت ستَّاً وأَربعين إِلى ستين ففيها حِقَّةٌ طَرُوقَة (١١) الفَحْل، فإِذا بلغت واحدة وستين إِلى خمس وسبعين ففيها جَذَعَةٌ، فإِذا بلغت ستاً وسبعين إِلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإِذا بلغت إِحدى وتسعين إِلى عشرين ومئة ففيها حقتان طروقتا الفحل، فإِذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أَربعين ابنة لبون، وفي كل خمسينَ حِقَّةٌ، ومَنْ لم يكن معه إِلاَّ أَربع من الإِبل فليس
стр. 479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيها صدقة، إِلاَّ أَنْ يشاء ربها، فإِذا بلغت خمساً من الإِبل ففيها شاةٌ.
وفي صدقة الغنم في سائمتها إِذا كانت أَربعين إِلى عشرين ومئة شاةٌ، فإِذا زادت على عشرين ومئة إِلى مئتين ففيها شاتان، فإِذا زادت على مئتين إِلى ثلاث مئة ففيها ثلاثُ شياة، فإِذا زادت على ثلاث مئة ففي كل مئة شاةٌ، فإِذا كانت سائمةُ الرجل ناقصةً من أَربعين شاةً (١) واحدةً فليس فيها صدقةٌ إِلاَّ أَنْ يشاء رَبُّها.
ثم ذكر البخاري في الباب الثاني عن ثُمَامَة، فقال: «مَنْ بلغت عنده من الإِبل صَدَقَةُ الجَذَعَة، وليست عنده جَذَعَةٌ، وعنده حِقَّةٌ، فإِنَّها تُقْبَلُ منه الحِقَّةُ، ويجعل معها شاتين إِنْ استيسرتا له، أَوْ عشرين درهماً. ومَنْ بلغت عنده صدَقةُ الحِقَّةِ، وليست عنده الحِقَّةُ، وعنده الجَذَعَةُ، فإِنها تُقْبَلُ منه الجَذَعَةُ ويُعْطِيه المُصَدِّقُ عشرين درهماً أَوْ شاتين. ومَنْ بلغت عنده صدقة الحِقَّة، وليست عنده إِلاَّ بِنْتُ لَبُون، فإِنها تُقْبَلُ منه بنت لبون، ويُعْطي شاتين أَوْ عشرين درهماً. ومَنْ بلغت صَدَقَتُهُ بِنْتَ لبون، وعنده حِقَّة، فإِنها تُقْبَل منه الحِقَّة، ويُعْطيه المُصَدِّقُ عِشرين درهماً، أَوْ شاتين، ومَنْ بلغت صَدَقَتُهُ بنتَ لبون ليست عنده، وعِنْدَه بِنْتُ مَخَاض، فإِنها تُقْبَلُ منه بنت مَخَاض، ويُعْطِي معها عشرين درهماً أَوْ شاتين».
وفي الباب الثالث، عن ثُمَامةَ: أَنَّ أَنساً حَدَّثَهُ، وساق الحديث، وفيه: «لا يخرج في الصدقة هَرِمَةٌ، ولا ذَاتُ عَوَار، ولا تيس إِلا أَنْ يشاءَ المُصَدِّقُ (٢) ». ورواه أَبو داود حديثاً واحداً، وزاد فيه: «ما كان من خليطين فإِنهما يتراجعان بينهما بالسوية». وكتاب عمرَ بنِ الخطاب الذي رواه أَبو داود، والترمذي، وابنُ ماجه على وفاق ما تقدم. وزادوا فيه: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع مخافة الصدقة».
وكتاب عمرو بن حَزْم الذي رواه النسائي في الديات، وأَبو داود في «مراسيله»، عن سليمان بن أَرقم، عن الزُّهْرِيِّ عن أَبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، عن أَبيه، عن جده: أَنَّ رسول الله ﷺ كتب إِلى أَهل اليمن بكتابٍ، فيه الفرائضُ والسنن والدِّيات، وبعث به مع عمرو بن حَزْم فقُرِأَت على أَهل اليمن، وهذه نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبيّ إِلى شُرَحْبِيل بن عبد كُلَالٍ ـ قَيْلِ ذِي رُعَيْن، ومُعَافِرَ، وهَمْدَانَ ـ، أَمَّا بعدُ: فقد رجع رسولُكم وأَعطيتم من المغانم خمس الله، وما كتب الله
стр. 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على المؤمنين من العُشْرِ في العقار. وما سقت السماء، وكانت سَيْحاً (١) ، أَوْ كان بَعْلاً، ففيه العُشْر إِذا بلغ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ (٢) ، وما سُقِيَ بالدالية والرِّشاء (٣) ، ففيه نِصْفُ العُشْر. وفي كل خَمْسٍ من الإِبل سائمةٍ شاةٌ، وساقه كما تقدم. وفيه: وفي كل ثلاثين باقورةً (٤) تبيع (٥) أَوْ جَذَعَةٌ (٦) ، وفي كل أَربعين باقورةً بَقَرَةٌ. ثُم ذكر صدقة الغنم، وفيه: وفي كل خَمْس أَواق من الوَرِقِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وما زاد ففي كل أَربعين درهماً دِرْهَمٌ، وليس فيما دون خمس أَواق شيء، وفي كلِّ أَربعين ديناراً دِينارٌ. والصدقة لا تَحِلُّ لمُحَمَّدٍ ولا لأَهل بيته، إِنَّما هي الزكاة تُزَكَّى بها أَنْفُسُهم في فقراء المؤمنين، وفي سبيل الله. وفيه ذِكْرُ جُمَلٍ من الدِّيَاتِ وغيرها. قال النَّسائي: وسليمان بن أَرقم متروك.
وقد رواه عبد الرزاق في «مُصَنَّفِهِ»: أَخبرنا مَعْمَر عن عبد الله بن أَبي بكر. ورواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم في «المُسْتَدْرَك»، كُلُّها عن سُلَيْمَان بن داود، وحدثني الزُّهري به. قال الحاكم: إِسناده صحيح، وهو من قواعد الإِسلام. وقال أَحمد: كتاب عمرو بن حَزْم في الصدقات صحيح. قال ابن الجوزي ـ يشير بالصحة إِلى هذه الرواية لا إِلى غيرها ـ: وقال بعض الحفّاظ من المتأَخرين في نسخة كتاب عمرو بن حَزْم: تلقتها الأُمة بالقبول، وهي مُتَوَارَثَة كَنُسْخَة عَمْرو بنِ شُعَيب، عن أَبيه، عن جدّه، وهي دائرة على سليمان بن أَرقم، وسليمان بن داود، وكلاهما ضعيف.
لكن قال الشافعي في «الرسالة»: لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أَنه كتاب رسول الله ﷺ وقال يَعْقوب بن سُفْيان الفَسَوي: لا أَعلم في جميع الكتب المنقولة أَصح منه، فإِن أَصحاب النبيّ ﷺ والتابعين، كانوا يرجعون إِليه ويدعون آراءهم، وتضعيفُ سُلَيْمان بن داود الخَوْلَاني مُعَارَضٌ بأَنَّه أَثْنَى عليه جماعة منهم: أَحمد، وأَبو حَاتِم، وأَبو زُرْعة، وابن عَدِي، وعثمان بن سعيد الدَّارمِي. انتهى.
стр. 481
ثُم في كلِّ خَمسٍ شاةٌ وفي خَمْسٍ وعشرين بِنْتُ مَخَاض، وفي مئة وخمسين ثلاثُ حِقَاق، ثُمَّ يستأنف كالأَول، فَيُزَادُ في كل ستٍّ وأَربعينَ إِلى خمسينَ حِقَّةٌ،
===
والحاصل: أَنَّه إِلى ههنا وقع الاتفاق بين الأَئمة، واشتهرت كُتِّب الصدقات عن رسول الله ﷺ
(ثُمَّ في كل خَمْسٍ) من الإِبل (شاةٌ) كالأَول عندنا، وهو روايةٌ عن مالك. ففي خَمْس شاةٌ، وفي عَشْر ثِنْتَان، وفي خَمْسَ عَشْرَة ثلاثةُ شياه، وفي عشرين أَربعُ شياه.
(وفي خَمْسٍ وعشرين بِنْتُ مَخَاض، وفي مئة وخمسين ثلاثُ حِقَاق)، وليس في هذا الاستئناف بنتُ لبون لانعدام نصابه.
(ثُمَّ يستأنف) الفرض أَيضاً عندنا بعد كل خمسين وكل مئة، (كالأَول) أَي كأَول فرائض الإِبل، وإِنما لم يفسره بأَول الاستئنافات، لأَنه ليس فيه بنت لبون، وهذه الاستئنافات فيها ذلك.
(فَيُزَادُ في كل ستَ وأَربعينَ إِلى خمسينَ حِقَّةٌ) وبه قال سُفْيان الثوري.
واعلم أَنَّ هذه الزيادة باعتبار غاية (١) ما فيه الحِقَّة دون ابتدائه، لأَنَّ غاية ما يجب فيه الحِقَّةُ هنا خمسون، وفي الأَول: ستون، وابتداؤه فيهما: ست وأَربعون. وقال الشافعي، وأَحمد: إِذا زادت على مئة وعشرين واحدةً، ففيها ثلاث بنات لبون لكونها ثلاث أَربعينات، فإِذا صارت مئة وثلاثين، ففيها حِقَّةٌ وبِنْتَا لبون، ثم في كل أَربعين بِنْتُ لبون وفي كل خمسين حِقَّة. وعن مالك قولان: أَحَدُهُما كمذهبنا، والآخر كمذهب الشافعي.
لهم ما روى البُخَاري في «صحيحه»، عن ثُمَامَةَ: أَنَّ أَنَساً حَدَّثه: «أَنَّ أَبا بكر كتب له هذا الكتاب حين وَجَّهَهُ إِلى البحرين، وفيه: فإِذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أَربعين ابنةُ لبون، وفي كل خمسينَ حِقَّةٌ».
ولنا ما روى إِسحاقُ بنُ رَاهُويه في «مسنده»، والطحاوي في «المُشْكِل»، وأَبو داود في «المراسيل»، عن حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ قال: قلت لقَيْس بن سَعْد: اكتُب لي كتاب أبي بَكْر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، فكتب لي ورقة، ثم جاء يوماً وأَخبر أَنَّهُ أَخَذَهُ من كتاب أَبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وأَخبرني: «أَنَّ رسول الله ﷺ كتبه لجدّه عمرو بن حزم، في ذِكْرِ ما يُخْرَجُ من فرائض الإِبل فكان فيه: فإِذا كانت أَكثر
стр. 482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من عشرين ومئة، ففي كل خمسينَ حِقَّةٌ، وفي كل أَربعين بِنْتُ لبون، فما فضل ـ أَي زاد ـ على مئة وعشرين فإِنَّه يُعَاد إِلى (أَوَّلِ) فريضة الإِبل، فما كان أَقل من خمس وعشرين ففيه الغَنَمُ، في كلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ (١) شاةٌ».
وروى الطحاوي عن خُصَيف، عن أَبي عبيدة، وزياد بن أَبي مريم، عن ابن مسعود أَنَّه قال: فإِذا بلغت العشرين ومئة استُقْبِلَت الفريضة بالغَنَم، فإِذا بلغت خمساً وعشرين ففرائض الإِبل. ورُوِيَ عن إِبراهيم النَّخَعي نَحْوُهُ. وروى ابن أَبي شيبة، عن يَحْيَى بن سعيد، عن سفيان بن أبي إِسحاق، عن عاصم بن حمزة، عن عليَ قال: «إِذا زادت الإِبل على عشرين ومئة يستقبل بها الفريضة».
واعترض البيهقي على الأَول بأَنه موقوف ومنقطع بين أَبي عبيدة وزياد، وبين ابن مسعود، وقال: خُصَيْف غير محتج (٢) به. والثاني مُعَارَضٌ بأَنَّ شَرِيْكاً رواه عن ابن إسحاق، عن عاصم، عن عليّ قال: «إِذا زادت الإِبل على عشرين ومئة (ففي كل خمسين حِقَّةٌ، وفي كل أربعين ابنةُ لبون». موافقاً لحديث أنس الذي) (٣) لم تختلف فيه الروايات، فكان المصير إِليه أَولى. والجواب أَنَّ التنصيص في هذه الرواية على عود الفريضة، لا ينفيه ما نقول به، إِذْ الواجبُ في الأَربعين هو الواجب في ستَ وثلاثينَ، والواجب في الخمسين هو الواجب في ست وأَربعين، ولا يتعرض هذا الحديث لنفي الواجب عما دونه، فنوجبه بما رويناه.
وأَمَّا ما زاد أَبو دواد من طريق ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن ابن شِهَاب، قال: «هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب». قال ابن شِهاب: أَقْرَأنيها سالمُ بنُ (٤) عبد الله بنِ عمر، فَوَعَيْتُها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز عن عُبَيد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر، فذكر الحديث وقال: فإِذا كانت إِحدى وعشرين ومئة، ففيها ثلاث بنات لَبُون حتى تبلغ تسعاً وعشرين ومئة، فإِذا كانت ثلاثين ومئة ففيها بِنْتَا لَبُون وحِقَّة حتى تَبْلُغَ تسعاً وثلاثين ومئة، فإِذا كانت أَربعين ومئة ففيها حِقَّتان وبِنْتُ لَبُون حتى تبلغ تسعاً
стр. 483
وفي ثلاثين بَقَرًا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وفي أَربعين مُسِنٌّ أَو مُسِنَّة،
===
وأَربعين ومئة، فإِذا كانت خمسين ومئة، (ففيها ثلاث حِقاق حتى تبلغ تسعاً وخمسين ومئة، فإذا كانت ستين ومئة) (١) ففيها أَربعة بنات لبون … » الحديث. وهذا مرسل كما أَشار إِليه الترمذي. فالجواب أَنَّ هذه الزيادة لم تُعْرف إِلاَّ من طريق أَبي داود ولم يعمل بها واحد من العلماء (٢) .
ثم الواجب في الإِبل الإِناث، ولا تجزي الذكور إِلاَّ بطريق القيمة.
(وفي ثلاثين) أي ويجب في ثلاثين (بَقَراً) أَوْ جاموساً أَوْ مختلطاً إِذا كانت سائمة للنَّسل أَوْ الدَّرِّ (تَبِيعٌ): وهو ما طعن (٣) في السَّنَةِ الثانية، وسُمِّي به لأَنه حينئذ يتبع أُمَّه (أَوْ تَبِيعَةٌ): وهي أُنْثَاهُ، وإِنما خيّر بين الذكور والإِناث، لأَنَّ الأُنوثة في البقر والغنم لا تُعَدُّ فضلاً، بخلاف الإِبل.
(وفي أَربعين مُسِنٌّ): وهو ما دخل في السنة الثالثة. (أَوْ مُسِنَّة)، لِمَا روى أَصحاب «السنن الأَربعة» من حديث مَسْرُوق، عن مُعَاذ بن جبل: «أَنَّ النبيّ ﷺ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلى اليمن، أَمَرَهُ أَنْ يأْخذَ من كل ثلاثين بقراً تبيعاً (٤) أَوْ تبيعة، ومنْ كل أَربعينَ مُسِنَّةً». قال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه بعضهم مرسلاً، ولم يذكر معاذاً، وهذا أَصح. ورواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم في «مُسْتَدْرَكِهِ»، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال أَبو عمر في «الاستدراك»: ولا خلاف بين العلماء أَنَّ السُّنَّة في زكاة البقر ما في حديث معاذ، وأَنَّه النصاب المجمع عليه فيها.
قلت: وهذا قول علي، وأَبي سعيد الخُدْرِيّ، والأَصل فيه ما في كتاب عمرو بن حَزْم: «وفي كل ثلاثين باقورة (٥) تبيعٌ أَوْ جَذَعةٌ، وفي كل أَربعين باقورةً بَقَرَةٌ». وقد روى أَبو داود في «مراسيله» عن مَعْمَر قال: أَعطاني سِمَاك بن الفضل كتاباً من رسول الله ﷺ للمُقَوْقِس، فإِذا فيه: «وفي البقر مثل ما (٦) في الإِبل». وأَخرج أَيضاً عن مَعْمَر،
стр. 484
وفيما زاد على أَربعين يُحْسَبُ إِلى سِتِّين،
===
عن الزُّهْرّي قال: في خَمْسٍ من البقر شاةٌ، وفي عَشْرٍ شاتان، وفي خَمْسَ عَشَرَة ثلاث شِياه، وفي عشرين أَربعُ شِياه، وفي خَمْس وعشرين بَقَرَةٌ إِلى خمس وتسعين، وفيها بقرتان إِلى عشرين ومئة، فإِذا زادت على عشرين ومئة، ففي كل أَربعينَ بقرةً مُسنَّةٌ. وزعم قوم أَنَّ هذا قول عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله الأَنصاري.
(وفيما زاد على أَربعين يُحْسَبُ) أَي يُعْطِى بحسابه (إِلى سِتِّين)، في رواية «الأصل» عن أَبي حنيفة: فيجب رُبُعُ عُشْرِ المُسِنَّةِ في الواحدة الزائدة على الأَربعين، ونِصْفُ عُشْرِها في الثِّنْتَيْنِ (١) . وهكذا، لأَن المال سبب الوجوب، ونَصْب النِّصاب بالرأي لا يجوز، وكذا إِخلاؤه عن الواجب بعد تَحَقُّقِ سببه، ولأَن العفو (٢) فيما بين الثلاثين إِلى الأَربعين ثبت بِنَصٍ، بخلاف القياس، ولا نَصَّ ههنا، وروى الحسن عن أَبي حنيفة: أَنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين، ففيها مُسِنَّةٌ ورُبُعُ مُسِنَّةٍ أَوْ ثُلُث تَبيع وهو القياس، لأَن مَبْنى نصاب البقر على أَنْ يكون بين كل عَقْدَيْنِ وَقَصٌ (٣) ، وفي كلِّ عقد واجب، فأَوْقَاصُ البَقَرِ تِسْعٌ تِسْع كما قبل الأَربعين، وبعد الستين، فكذا هنا. وروى أَسَدُ بنُ عَمْرو عن أَبي حنيفة وقال في «المحيط» و «البدائع»: وهو أوفق الروايات، وهو قولهما المختار كما في «جوامع الفقيه».
وقول مالك، والشافعي، وأَحمد: «أَنَّه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين، لِمَا في «الصحيحين» عن معاذ قال: بعثني رسولُ الله ﷺ إِلى اليمن وأَمَرَني أَنْ آخذ من كل ثلاثين من البقر تَبِيعاً أَوْ تَبِيعَةً». وروى الدَّارَقُطْنِي، والبيهقي، والبَزَّار من حديث بَقِيَّةَ عن المسعودي، عن الحكم (٤) ، عن طاوس، عن ابن عباس قال: «بعث رسول الله ﷺ معاذاً إِلى اليمن، فأَمَرَهُ أَنْ يأْخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً أَوْ تَبِيعة، ومن كل أَربعين مُسِنَّةٌ». قالوا: فالأَوْقَاص؟ قال: ما أَمَرَنِي رسول الله ﷺ فيها بشيء، وسأسأله إذا قدمت، فلما قَدِمَ على رسول الله ﷺ سأله، فقال: «ليس فيها شيء». قال المسعودي: والأَوقاص: ما بين الثلاثين إِالى الأَربعين، وما بين الأَربعين إِلى الستين.
стр. 485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال البَزَّار: لا أَعلم أَحداً أَسْنَدَ عن ابن عباس إِلاَّ بَقِيَّة عن المسعودي، وقد رواه الحفاظ عن الحَكَم (١) عن طاوس مرسلاً.
وأُجيب عن الحديث الأَول: بأَنَّه ساكت عن الأَوقاص، ليس فيه تَعَرُّضٌ لها. وعن الحديث الثاني: بأَنَّ النبيّ ﷺ توفي قبل قُدُومِ معاذ من اليمن، لِمَا روى مالك في «الموطأ» عن حُمَيْد بن قيس، عن طاوس: «أَنَّ معاذاً أَخذ من كل ثلاثين بقرةً تبيعاً، ومن كل أَربعينَ بقرةً مُسِنَّة (٢) ، وأُتِيَ بما دون ذلك، فَأَبى أَنْ يأخذَ منه شيئاً، وقال: لم أَسمع من رسول الله ﷺ حتى أَلقاه وأَسأَله، فتوفي النبيّ ﷺ قبل أَنْ يَقْدَمَ معاذ». لكنه منقطع، إِذْ لم يُدْرِك طاوس معاذاً، ومُعَارَضٌ بما رواه أَبو يَعْلَى المَوْصلِي في «مُسْنَدِهِ» عن صهيب: أَنَّ معاذاً لما قَدِمَ من اليمن سَجَدَ للنبيّ ﷺ فقال له: «يا معاذُ، ما هذا؟ قال: إِنِّي لما قَدِمْتُ اليمن، وجدت اليهود والنَّصَارَى يسجدون لعظمائهم، وقالوا: هذا تحيةُ الأَنبياء، فقال رسول الله ﷺ «كذبوا على أَنبيائهم، ولو كنتُ أَمَرْتُ أَحداً أَنْ يسجُدَ لغير الله، لأَمَرْتُ المرأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لزوجِها».
إِذْ ظاهره أَنه رجع من اليمن قبل وفاة النبيّ ﷺ وهو إِذا كان إِرساله إِلى اليمن مَرَّةً واحدةً فلا إشكال، على أَنه يحتمل أَنه وقع السؤال قبل الاجتماع وتغير الأَحوال، ويؤيده ما في «معجم الطبراني» من طريق ابن وَهْب، عن حَيْوَة بن شُرَيْح، عن يزيد بن أَبي حبيب، عن سلمة بن أُسامة، عن يَحْيى بن الحكم، أَنَّ معاذاً قال: «بعثني رسول الله ﷺ أَصْدُقُ أَهل اليمن، فأَمَرَنِي أَنْ آخذ من البقر من كل ثلاثين تَبِيعاً، ومن كل أَربعين مُسِنَّةً، ومن الستين تَبِيعَتَيْنِ، ومن السبعين مُسِنَّة وتبيعتين (٣) ، ومن الثمانين مُسِنّتَين، ومن العشرين والمئة ثلاث مُسِنَّات أَوْ أَربعة أَتْبِعَة. قال: وأَمرني رسول الله ﷺ أَنْ لا آخذ فيما بين ذلك شيئاً، إِلاَّ أَنْ يَبْلُغَ مُسِنةً أَوْ جَذَعاً (٤) ، وقال: إِنَّ الأَوْقَاصَ (٥) لا فريضة فيها». انتهى. إِلاَّ أَنَّ سَلَمَة بنَ أُسامة، ويَحْيى بن الحكم غير مشهورَيْن، ولم يذكرْهُمَا ابن أَبي حاتم في كتابه.
وروى الدَّارَقُطْنِيّ في كتابه «المُؤْتَلِف والمُخْتَلِف»: «أَنَّ رسول الله ﷺ عهِد
стр. 486
ثم في كل ثلاثين تَبِيعٌ، وفي كل أَربعين مُسِنَّةٌ وفي أَرْبَعِينَ ضَأْنًا أَو مَعْزًا شاةٌ، وفي مئة وإِحدى وعِشْرِينَ شَاتَانِ، وفي مئتين وواحدةٍ ثَلاثُ شِيَاهٍ، وفي أَربع مئة أَربعٌ، ثم في كل مئة شاةٌ.
===
إِلى عُمَّاله على اليمن في البقر في كل ثلاثين تَبِيعٌ، وفي كُلِّ أَربعين مُسِنَّةٌ، وليس في الأَوْقَاص شيء». وقد يُجَابُ بأَنَّه لم يَعْهَدْ به أَولاً، ولكنه أَعْلَمَه به ثانياً.
(ثم في كل ثلاثين تَبِيعٌ، وفي كل أَربعين مُسِنَّةٌ) لما روينا، ففي ستين تبيعان، وفي سبعين تبيعٌ ومُسِنة، وفي ثمانين مُسِنّتان، وفي تسعين ثلاثةُ أَتْبِعَة، وفي مئة تبيعان ومُسِنة، وفي مئة وعشر تَبِيع ومُسِنتان، وفي مئة وعشرين ثلاث مُسِنَّات أَوْ أَربعة أَتْبِعَة، لما رويناه في «معجم الطبراني»، فيتغيّر الفرض هكذا في كل عشرة، لأَن ما دونها وَقص.
(وفي أَرْبَعِينَ) أَي يجب في أَربعين (ضَأْناً أَوْ مَعْزاً) إِذا كانت سائمةً للدَّر والنَّسل (شاةٌ) لأَنَّ الذي في كُتُبهِ ﵊ لفظ الغنم، وهو شامل لهما.
(وفي مئة وإِحدى وعِشْرِينَ شَاتَانِ، وفي مئتين وواحدةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وفي أَربع مئة أَربعٌ، ثم في كل مئة شاةٌ) ثبت ذلك بِكُتُبِهِ ﷺ وكُتُبِ أَبي بكر وعمر ﵄. ففي كتاب الصِّدِّيق لأَنَس: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إِذا كانت أَربعين إِلى عشرين ومئة شاةٌ، فإِذا زادت على عشرين ومئة إِلى مئتين شاتان، فما زادت على مئتين إِلى ثلاث مئة ففيها ثلاث شياه، فإِذا زادت على ثلاث مئة ففي كل مئة شاةٌ، فإِذا كانت سائمةُ الرجل ناقصةً من أَربعينَ شاةً واحدةً فليس فيها صدقة إِلاَّ أَنْ يشاء ربها». انتهى. ويُؤخذ الثَّنِي في زكاتها، وهو ما عمره سنة ودخل في الثانية. وأَمَّا الجَذَعُ من الضأن الذي مضى عليه أَكثر السَّنَة، فلا يجزي عند أَبي حنيفة، على ظاهر الرواية.
قال في «الهداية»: لقول علي ﵁ موقوفاً ومرفوعاً: لا يؤخذ في الزكاة إِلاَّ الثَّنِي فصاعداً. إِلاَّ أَنه غريب غير معروف عند المُحَدِّثين. وأَجاز صاحباه (١) في الزكاة كما في الأُضحية اتفاقاً، لقوله ﵊: «لا تذبحوا إِلاَّ مُسِنَّةً إِلاَّ أَنْ يَعْسُرَ عليكم فتذبحوا جَذَعَة من الضَأْنِ». رواه مسلم. ولما في «سُنن أَبي داود، وابن ماجه» في الضحايا، عن عاصم بن كُلَيب، عن أَبيه قال: «كنَّا مع رجل من أَصحاب رسول الله ﷺ يُقَالُ له مُجَاشِع ـ من بني سُلَيم، فَعَزَّتْ الغَنَمُ، فأَمر
стр. 487
[زَكَاةُ الفَرَسِ]
وفي كل فَرَسٍ مِنَ الإِنَاثِ أَوْ المختلطة دينارٌ أَوْ رُبُع عُشْرِ قيمتها
===
منادياً ينادي أَنَّ رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الجَذَع يُوَفِّى مِمَّا يُوَفِّي منه الثَّنِي».
وأَمَّا قول صاحب «الهداية»: لقوله ﵊: «إِنَّما حَقُّنا الجَذَعَةُ والثَّنِي»، فغيرُ مَعْرُوف، وجواز الجَذَع في الزكاة رواية أَيضاً عن أَبي حنيفة لما في «سُنن أَبي داود»، و «النَّسائي»، و «مُسْند أَحمد» عن مِسْعَر قال: جاءني رجلان مرتدفان فقالا: إِنَّا رَسُولَا رسولِ الله ﷺ بعثنا إِليك لِتُؤتِيَنَا صدقةَ غَنَمِك، قلت: وما هي؟ قالا: شاة، قال: فعمدت إِلى شاةٍ مُمْتلئةٍ مخاضاً (١) وشَحْماً، فأَخرجتها إِليهما، فقالا: هذه شَافِع، وقد نهانا رسول الله ﷺ أَنْ نأْخذَ شافعاً. ـ والشافع: التي في بطنها وَلَدُها ـ قلت: فأَي شيء تأْخذان؟ قالا: عَنَاقاً (٢) : جَذَعة أَوْ ثَنِيَّة، فأَخرجت إِليهما عَنَاقاً فَتَنَاوَلَاهَا.
وفي «الموطأ» من حديث سُفْيان بن عبد الله: «أَنَّ عمر بن الخطاب ﵁ بعثه مُصَدِّقاً، وكان يَعُدُّ على الناس السَّخل، فقالوا: أَتَعُدُّ علينا السَّخل ولا تأخذ منه شيئاً؟ فلما قَدِم على عمر ذكر ذلك له، فقال عمر: نعم، تَعُدُّ عليهم السَّخلة، يَحْمِلُها الراعي، ولا تأْخذها، ولا تأْخذ الأَكُولة (٣) ، ولا الرَّبِيَّ (٤) ، ولا الماخِض (٥) ، ولا فَحْل الغنم، وتأْخذ الجَذَعَة والثَّنِيَّة، وذلك عدل بين غِذاء الغنم وخياره. وقال النووي: سنده صحيح. والغِذاء ـ بغين مكسورة وذال معجمة ممدودة ـ: وهو الرَّديء. وفي «الصِّحاح»: الغَذْي: السخلة، والجمع غِذاء، مثل فَصْل وفِصَال.
(زكاة الفرس)
(وفي كل فَرَسٍ) أَي: ويجب في كل فرس (مِنَ الإِنَاثِ) الصِّرْفة (أَوْ المختلطة) من الذكور والإِناث للنَّسل، لا للحمل والركوب والتجارة (دينارٌ أَوْ رُبُع عُشْرِ قيمتها)
стр. 488
نصابًا،
===
حال كونها (نصاباً). وهذا عند أَبي حنيفة، وتَبِعَهُ زُفَر.
وقيل: الخيار في الأَفراس المُتَسَاويةِ قيمةً كأَفراس العرب، وأَمَّا المتفاوتة قيمةً، فالزكاة باعتبار القيمة. والصحيح عدم اعتبار النصاب فيها عنده. وقيل: إِنَّه ثلاثة. وقيل: خمسة، وقيل: اثنان، ذكر وأُنثى، ولا يُؤخذُ من عينها إِلاَّ برضاء صاحبها بخلاف (سائر) (١) المواشي، تَمَسُّكاً بما في «سُنن الدَّارَقُطْنِي»، ثم البيهقي عن الليث بن حماد الإصْطَخْري: حدثنا أَبو يوسف، عن غُورَك بن الخضرم (٢) أَبي عبد الله، عن جعفر بن محمد، عن أَبيه، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «في الخيل السائمةِ: في كلِّ فرس دِينارٌ، وليس في الرابطةِ شيء». قال الدَّارَقُطْنِيّ: تَفَرَّدَ به غُورَك، وهو ضعيف جداً، ومَنْ دونه ضعفاء. وقال البيهقي: ولو كان هذا الحديث صحيحاً عند أَبي يوسف لم يخالِفْهُ، ولم يَقُل ابن شِهَاب: لا أَعلم أَنَّ رسول الله ﷺ سَنَّ صدقة الخيل.
قلت: مخالفة أَبي يوسف لم تدل على عدم صحة الحديث، لاحتمال وجود معارضة الأَقوى كما لا يَخْفَى، ونَفْي عِلْم الزُّهري لا يكون حجة على مَنْ حَفِظَ وأَثبت، مع أَنه مُعَارَضٌ بما روى هو عن حَمَّاد، عن إِبراهيم أَنَّه قال: في الخيل السائمة التي يُطْلَبُ نَسْلُها إِنْ شِئْت في كل فرس دينارٌ أَوْ عَشْرَةُ دراهمَ، وإِنْ شِئتَ في القيمة فيكون في كل مئتي درهم خمسةُ دراهمَ في كل فرس ذكراً أو أنثى. وبما رواه عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج: أَخبرني ابن أبي حسين: أَنَّ ابن شهاب أَخبره: أَنَّ عثمان كان يصدق الخيل، وأَنَّ السَّائِب بن يَزِيد أَخبره: أَنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقة الخيل». قال الإِسْبِيجَابي: جعل الطحاوي الاختيار إلى المُصَدِّق ـ أَي آخذ الصدقة من العمال ـ وليس كذلك، إِنَّما هو إِلى صاحب المال.
وفي الإِناث الخالص والذكور الصِّرْف: روايتان عن أَبي حنيفة، والراجح في الإِناث الوجوب، لإِمكان التناسل بالفحل المستعار، وفي الذكور عَدَمُه، لأَنَّ لحمها غير مأْكول عنده.
وعند أَبي يوسف ومحمد: لا شيء في الخيل منفردةً كانت أَوْ مختلطةً،
стр. 489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كالحُمْر والبغال المُتَّفَقِ على عدم الوجوب فيهما، واختاره الطحاوي. وفي «الينابيع»: وعليه الفتوى، وكذا قاله قاضيخان، وصاحب الأَسرار»، لكن رَجَّحَ شَمْسُ الأَئمة، وصاحب «التحفة» قولَ أَبي حنيفة، إِلاَّ أَنَّ قولهما عليه عامة العلماء، وهو قول مالك والشافعي، لما في الكُتُب الستة عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة». زاد مُسْلم: «إِلاَّ صَدَقَةَ الفِطْر». وأُجِيب عنه بأَن المراد به فَرَسُ الغازي.
وفي «سُنن أَبي داود والترمذي»، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ «قد عَفَوْتُ لكم عن صدقة الخيل، والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقةَ» (١) . قال الترمذي: سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: هو عندي صحيح.
وأَخرج البيهقي، عن بَقِيَّةَ: حدّثني أَبو معاذ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيد بن المُسَيّب، عن أَبي هريرة قال: قال رسول ﷺ «عَفَوْتُ لكم عن صدقة الجَبْهة، والكُسْعَة، والنَّخَة». والجَبْهة: الخيل. والنّخة: ـ بالفتح والضم ـ الرقيق. والكُسْعَة: الحمير. وأَخرجه أَبو داود، عن كَثِير بن زياد، عن الحسن عن النبيّ ﷺ مرسلاً، وهو حجة عندنا، وعند الجمهور.
ولأَبي حنيفة ما في «الصحيحين»، عن أَبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ «الخيل لِثَلاثة: لِرَجُل أَجْرٌ، ولِرَجُلٍ سِتْرٌ، وعلى رجل وِزْرٌ، فأَمَّا الذي له أَجر فَرَجُلٌ ربطها في سبيل الله، وهي لذلك الرجل أَجر، ورجل ربطها تَغَنِّياً وتَعَفُّفاً ولم يَنْس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر، ورجل ربطها فَخْراً وَنِوَاءً ـ أَي معاداة ـ فهي على ذلك وزر. فَسُئِل رسولُ الله ﷺ عن الحمير، فقال: ما أُنزل علَيَّ فيها إِلاَّ هذه الآيةُ الفَاذَّة ـ أَي المفردة الجامعة ـ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خيراً يَرَه ومَنْ يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَهْ﴾ (٢) ». انتهى. وحق الله في رقابها الزكاة. وأَمَّا قول صاحب «الهداية»: ولا شيء في البِغال والحمير لقوله ﷺ «لم ينزل عليَّ فيهما شيءٌ» (٣) ، فَوَهْمٌ، لأَنَّ هذا اللفظ وَرَدَ في الحمير خاصَّةً.
стр. 490
ولا يَجِبُ إِلَّا في السائمةِ، أَي المُكْتَفِية بالرَّعي في أَكثر الحولِ ولا في الصِّغار، إِلا تَبَعًا للكبار،
===
وروى عبد الرزاق في «مُصَنَّفِهِ»، عن ابن جُرَيْج عن عمرو بنِ دِينار: أَنَّ جُبَيْر بنِ يَعْلَى: أَخبره أَنَّه سَمِعَ يَعْلَى بن أُمية يقول: «ابتاع عبد الرحمن ـ أَخو يَعْلَى بن أُمية ـ من رجل من أَهل اليمن فرساً أُنثى بمئة قَلُوصٍ (١) ، فَقَدِمَ البائعُ على عمر فقال: غصبني يَعْلَى وأَخوه فرساً لي، فكتب إلى يَعْلَى أَنْ الْحَقْ بي، فأَتاه فأَخبره الخبر، فقال عمر: إِنَّ الخيل لتبلغ عندكم هذا، ما علمنا أَنْ فرساً يبلغ هذا، فنأخذ من كل أَربعين من الغنم شاة، ولا نأْخذ من الخيل شيئاً، خذ من كل فرس ديناراً».
قال ابن عبد البَرِّ: وروى الدَّارَقُطْنِيّ حديثاً صحيحاً، عن جَوَيْرية (٢) ، عن مالك، عن الزُّهْرِي: «أَنَّ السائب بن يَزِيد أَخبره قال: رأيت أبي يُقَوِّمُ الخيل، ثم يدفع صدقتها ـ أي رُبُعُ عُشْرِ قيمتها ـ».
(ولا يَجِبُ) زكاة الماشية (إِلاَّ في السائمةِ أَي المُكْتَفِية بالرِّعي) المباح. والرِّعي: بكسر الراء: الكلأ، وفتحها المصدر. (في أَكثر الحولِ) لأَن اسم السَّوْم لا يَزُول بالعَلْفِ اليسير لعدم إِمكان الاحتراز عنه، ولا بد أَنْ يكونَ السَّوْمُ للدَّر والنَّسل، حتى لو كان للحمل والركوب لم يكن فيها زكاة، ولو كان للبيع والتجارة كان فيها زكاة التجارة، وهي رُبُعُ عُشْرِ قيمتها.
(ولا في الصِّغار، إِلا تَبَعَاً للكبار) في انعقاد النصاب لا في تأدية الزكاة، والمراد بالصغار: الفُصْلان جمع فَصِيل: وهو وَلَدُ الناقة قبل أَنْ يصيرَ ابنَ مخاض. والحُمْلان جمع حَمَل بالتحريك: وهو وَلَدُ الشاة في السنة الأولى. والعَجَاجيل جمع عِجْل: وهو من أَولاد البقر حين تَضَعُهُ أُمُّه إِلى شهر، والأُنثى عِجْلةٌ، لأَن المقادير لا يدخلها القياس، فإِذا امتنع إِيجاب ما ورد به النص، امتنع أَصلاً، والنَّصُّ وَرَدَ بالشاة والبقر والناقة لا مطلقاً، بل ذات السِّنِّ المُعَيَّنِ من الثَّنِية، والتَّبِيع، وبِنْت المَخَاض مثلاً، ولم يوجد فَتَعَذَّرَ الإِيجاب.
وهذا قول أَبي حنيفة ﵀ آخراً وبه أَخذ محمد. وقال أَبو يوسف: يجب فيها واحد منها، وهو رواية عن أَبي حنيفة ثانياً نظراً للفقراء ورَبِّ المال.
стр. 491
ولا فيما يَعْمَل.
والوَاجِبُ الوَسَطُ، فإِنْ لم يوجد يأْخذ العاملُ الأَدْنَى مَعَ الفَضْل، والأَعْلَى ويَرُدُّ الفَضْلَ.
===
وصورة المسألة: إِذا كان له خَمْسٌ وعشرون من النوق، أَوْ ثلاثون من البقر، أَوْ أَربعون من الغنم، فلما مضى عليها عَشْرَةُ أَشْهُر مثلاً، ولدت أَولاداً، وهلكت الأُمهات ثم كَمَلَ الحَوْلُ على الأَولاد، فهل يجب على الأَولاد شيءٌ؟ على الخلاف المذكور عن أَبي حنيفة أَولاً: أنه يجب فيها ما يجب في المسنات، وهو قول زُفَر ومذهب مالك، لأَن قوله ﷺ «في خمس وعشرين بِنْتُ مَخَاض» يشمل الصِّغار والكبار، ولِتَنَاوُلِ اسم الإِبل والبقر والغنم الصغير والكبير كتناولهما الذكر والأُنْثَى.
(ولا فيما يَعْمَل) أَي ما أُعِدَّ للعمل، كإِثارة الأَرض، وحمل الأَثقال. وقال مالك: يجب فيه الزكاة لإِطلاق قوله ﷺ «ليس فيما دون خَمْسِ ذَوْدٍ (١) من الإِبل صدقة» (٢) . ولنا ما روى أَبو داود والدَّارَقُطْنيّ من حديث علي ﵁ عن النبيّ ﷺ «هاتوا رُبُعَ العُشْرِ: من كلِّ أَربعينَ دِرْهَماً دِرْهَمٌ» إِلى أَنْ قال: «وليس في العوامل شيء». وفي رواية: «صدقة». قال أَبو الحسن القطان: سنده صحيح. وعن جابر أَنّه ﷺ قال: «ليس في المُثِيرة (٣) صدقة» (٤) .
(والوَاجِبُ الوَسَطُ) من السِّنِّ الذي وجب، فلو وجب بِنْتُ لبون لا يأْخذُ العاملُ خِيَار بِنْت اللَّبُون، ولا رديئها، بل يأخذ الوَسَطَ لقوله ﷺ لِمَعَاذ حين بعثه إلى اليمن: «إِيَّاك وكرائم (٥) أَموالِهم». رواه الجماعة. ولأَن في أَخذ الوَسَطِ نَظَراً للفقراء، ولِرَبِّ المال.
(فإِنْ لم يوجد) الوَسَطُ من السِّنِّ الواجب (يأْخذ العاملُ الأَدْنَى) وَصْفاً أَوْ سِنَّاً (مَعَ الفَضْل)، ويُجْبَرُ على ذلك لأَنه إِعطاءٌ بالقيمة لا بَيْعٌ.
(و) يأْخذُ العامِلُ (الأَعْلَى) وَصْفاً أَوْ سِنَّاً (ويَرُدُّ الفَضْلَ) ولا يُجْبَرُ على ذلك،
стр. 492
[نِصَابُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ]
ونِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا، والفضة مئتا درهم، كُلُّ عشرَةٍ منها سَبْعَةُ مثاقيل،
===
لأَنَّه شِرَاء.
في «الكافي»: أَنَّ الخِيَار إِلى المالك في الصورتين، لأَن الشارع اعتبر التيسير على أَرباب الأَموال، وذا إِنَّما هو بالخِيَار إِلى المالك.
(نصاب الذهب والفضة)
(ونِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالاً (١) ، والفضة مئتا درهم) لما في «الصحيحين» من حديث أَبي سعيد، أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «ليس فيما دون خَمْس أَواق صدقة». والأُوقية: أَربعونَ درهماً. ولحديث عَليّ المتقدِّم في اشتراط الحَوْل. ولما قدمناه في كتاب عمرو بن حَزْم: «وفي كل أَربعينَ ديناراً دينار». ولما رواه ابن ماجه عن ابن عمر وعائشة، «أَنَّ النبي ﷺ كان يأْخذُ من كلِّ عشرين ديناراً نِصْفَ دينار، ومن الأَربعين ديناراً (ديناراً) (٢) ». ولقوله ﷺ «هاتوا رُبُعَ العُشُورِ في كلِّ أَربعينَ دِرْهَماً، وليس عليكم شيءٌ حتى يتم مئتا درهم، فإِذا كانت مئتي درهم ففيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فما زادَ فَعَلى حِسَابِ ذلك» (٣) .
(كُلُّ عشرَةٍ منها) أَي من الدَّرَاهِم (سَبْعَةُ مثاقيل) ويُسَمَّى وَزْنَ سَبْعة فيكون كُلُّ دِرْهَم نِصْفَ مِثْقَال، وخمساً فيكونُ الدِّرْهَم أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطاً. والقِيرَاط (٤) : خمس شَعِيرَات. قيل: أَصْلُهُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ قبل عهد عمر كانت مختلفة، فمنها ما كان عشرين قيراطاً، وبعضها عَشَرَةَ قَرَارِيطَ، وبَعْضُها اثني عَشَرَ قيراطاً، فَأَمَرَ بِضَرْبِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ متساويةٍ، فكان كُلُّ دِرْهَمٍ أَربعة عشَرَ قيراطاً، وهو وزن سبعة، وجمع الناس على ذلك. وقيل: لما أَراد عمر أَنْ يستوفي الخَرَاج بالأَكبر، فالتمسوا منه التخفيف، فجمع حُسَّابَ زمانهِ ليتوسّطوا وليتوفّقوا بين الدراهم كلها، واستخرجوا وزن السبعة، (واستقر) (٥) الأَمر
стр. 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عليه.
وقال أَبو عبيد: كانت الدَّرَاهم قبل الإِسلام كباراً وصغاراً، فلما جاء الإِسلام وأَرادوا ضَرْبَ الدراهم، ـ وكانوا يزكونها من النوعين ـ فنظروا إِلى الدِّرْهم الكبير إِذا هو ثمانية دَوَانيق، وإِلى الدرهم الصغير فإِذا هو أَربعة دَوانِيق، فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير فجعلوهما درهمين سواء، كُلُّ واحد سِتَّةُ دَوانِيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل، ولم يزل المثقال في آباد الدهر محدوداً لا يزيد ولا يَنْقُصُ، فوجدوا عَشْرَةً من هذه الدراهم التي واحِدُها سِتَّةُ دوانيق وَزْنَ سبعة مثاقيل سواء، فاجتمع فيه أَنَّ العشرة منها وزن سبعة مثاقيل، وأَنَّهُ عدل بين الكبار والصغار، وأَنَّه موافق لِسُنَّةِ رسول الله ﷺ في الصدقة، فمضت سنة الدراهم على هذا، فاجتمعت عليه الأئمة، انتهى.
وفي «صِحاح الجوهري»: الدَّانِق: سُدُسُ دِرْهَم. والقِيرَاط: نصف دانق. وقال ابن الأَثير: القِيرَاط: جزأ من أَجزاء الدينار، وهو نِصْفُ عُشْرِهِ في أَكثر البلاد. وأَهلُ الشام يجعلونه جُزءاً من أَربعة وعشرين، والياء فيه بَدَلٌ من الراء، فإِن أَصله قِرَّاط مُضَعَّفاً، كما أَنَّ أَصْلَ دِينار دِنَّار، والجمع فيهما قَرَارِيط، ودنانير. وفي «شرح الوقاية»: المِثْقَال: عشرون قِيراطاً، والدرهم: أَربعة عشر قيراطاً، والقِيراط: خمس شعيرات.
وفي «الغاية»: دراهم مصر أَربعة وستون حبة، وهو أَكبر من درهم الزكاة، فالنصاب منه مئة وثمانونَ دِرْهَمَاً وحبتان. وفي «القنية»: المُعْتَبَرُ في الزكاة وزن عشرة دنانير بوزن مكة، يَنْقُصُ عَمَّا عندنا بِثُلُثَي دينار، فلو بلغت الدنانير بوزن بلدتنا ثمانيةَ عَشَرَ وثلثي دينار، يجب فيها الزكاة. وفي ديات «الخُلاصَة»: أَنَّ كل عشرة من مثاقيل مكة تسعة من مثاقيل غيرها. وفي «الفتاوى المنصورية»: يُعْتَبَرُ في كُلِّ زمن عادة أَهْلِهِ، فَيُعْتَبَرُ دَرَاهِمُ ودنانيرُ كل بلدة بوزنها وإِنْ كان وزنها في البلاد متفاوتاً.
قال بعض المحققين: وهذا يقتضي أَنَّ النصاب ينعقد من الصغار، وهو الحق، لأَنَّهم لم يختلفوا في تفاوت الدراهم صِغَراً وكِبَراً في زمان النبيّ ﷺ فبالضرورة تكون الأوقية مختلفة أيضاً بالصغر والكبر. وقد أَوْجَب النبيّ ﷺ في خمس آواق الزكاة مطلقاً من غير تقييد بِصِنْف، فإِذا صَدَقَ على الصغيرة خمس آواق يجب الزكاة فيها بالنص.
ويؤيده ما نقل أَبو عُبَيْد: أَنهم كانوا يُزَكُّون من النوعين، ومن هذا ـ والله تعالى أَعلم ـ ذهب بعضهم إِلى أَنَّ المُعْتَبَرَ في حَقِّ كل أَهل بلد دراهمهم. ذكره قاضيخان،
стр. 494
معمولًا أَو تِبْرًا
===
قال: إِلاَّ أَنّي أَقول: ينبغي أَنْ يقيد بما إِذا كانت دراهمهم لا تَنْقُصُ عن أَقل ما كان وزناً في زمنه ﷺ وهي ما تكون العشرة وزن خمسة، لأَنها أَقل ما قُدِّر النصاب بِمِئتَين منها. ثم قال: فإن لم يكن لهم إِلاّ دراهم كبيرة كوزن سبعة، فالاحتياط على هذا أَنْ تُزَكَّى، وإِنْ كانت أقل من مئتين إِذا بلغ ذلك لأَقل قَدْر النصاب، وهو وزن خمس.
(معمولاً أَوْ تِبْراً) (١) سواء كان المعمولُ سِكَّة (٢) أو حُلِيَّاً أَوْ آنية. وقال مالك: الحُلِيُّ المباحُ الاستعمالِ للنساء والرجال لا زكاة فيه. وهو أَظهر القولين عن الشافعي، والرواية التي اختارها أَصحاب أحمد عنه. ورواه مالك في «الموطأْ» عن عائشة وابن عمر، ورواه الدَّارَقُطْنِيُّ عن أَسماء وأَنس. ولِمَا رُوِيَ عن جابر، أَنَّه ﷺ قال: «ليس في الحُلِيِّ زكاة» (٣) . ولقول ابن عمر: «لا زكاة في الحُلِيّ». رواه عبد الرَّزَّاق. وقول أَنس: «ليس في الحُلِيِّ زكاة». رواه الدارقطني.
قلنا: قال البيهقي في «المعرفة»: وما يُرْوى عن عافية بن أَيوب، عن الليث، عن أَبي الزبير، عن جابر مرفوعاً: «ليس في الحُلِيِّ زكاةٌ»، فباطل لا أَصل له، إِنَّما يُرْوى عن جابر من قوله، وعَافِية بن أَيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعاً كان داخلاً فيما يعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذَّابين.
ولنا عموم قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) الآية. وعموم قوله ﷺ «في الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ». رواه البُخَارِي. وهو (٥) بكسر الراء وتخفيف القاف. والوَرِق: الفضة المَضْرُوبة (٦) ، حُذِفَتْ الواو منه وعوض عنه الهاء كالعِدَة في الوَعْد. وما رواه أَبو داود والنسائي من حديث عَمْرو بنِ شُعَيْب، عن أَبيه، عن جده: «أَنَّ امرأَة أَتَت النبيّ ﷺ ومعها ابنَةٌ لها، وفي يدِ ابنتها مَسَكَتَان غليظتان من ذهب، فقال لها: أَتُعْطِين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ تعالى بهما يوم القيامة سِوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فأَلقتهما إِلى النبيّ ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله». قال ابن القطان: إِسناده صحيح. وقال ابن المنذر في «مُخْتَصَرِه»: إِسناده لا
стр. 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مقال فيه، ثم بَيَّنَهُ رَجُلاً رَجُلاً.
ورواه الترمذي عن ابن لَهِيعَة، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أَبيه، عن جده قال: «أَتت امرأَتان رسول الله ﷺ وفي أَيديهما سِوَارَان من ذهب، فقال لهما: أَتُؤَدِّيان زكاة هذا؟ قالتا: لا، قال: «أَتُحِبّان أَنْ يُسَوِّرَكُما اللهُ سِوَارَين من نار»؟ قالتا: لا، قال: فأَدِّيَا زكاته. قال الترمذي: ورواه المُثَنَّى بنُ صبَّاح، عن عمرو بنِ شُعَيْب نحو هذا. وابن لَهِيعة والمُثَنَّى يُضَعَّفَان في الحديث. ولا يصح في هذا الباب عن النبيِّ ﷺ شيءٌ.
قال المُنْذِري: لعل الترمذي قصد الطريقين اللَّذَين ذكرَهما، وإِلاَّ فطريق أَبي داود لا مقالَ فيه. وقال ابن القَطَّان بعد تصحيحه لحديث أَبي داود: إِنما ضَعَّف الترمذي هذا الحديث، لأَنَّ عنده فيه ضعيفين: ابن لَهِيعَة، والمُثَنَّى بن الصبَّاح. وفي أَبي داود أَيضاً عن عَتَّابِ بن بَشير، عن ثابت بن عَجْلان، عن عطاء، عن أُم سَلَمَة قالت: «كُنْتُ أَلبَس أَوْضَاحاً من ذهب، فَقُلْتُ: يا رسولَ الله، أَكنزٌ هو؟ فقال: ما يبلغ أَنْ تُؤَدَّى زكاته فزُكِّي فليس بكنز». وأَخرجه الحاكم عن محمد بن مُهَاجر، عن ثابت، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولفظه: «إِذا أُدِّيَتْ زكاته فليس بكنز». والأَوضاح: جمع وَضَح، وهو الحُلِيِّ.
ومن الآثار ما في «مصنَّف ابن أَبي شيبةَ»: كتب عمرُ بن الخطاب إِلى أَبي موسى: أَنْ مُرْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ نساءِ المؤمنينَ أَنْ يُزَكِّينَ حُلِيَّهُنَّ ولا تجعلن الزيادة والهدية (١) بينهن تعارضاً». وفيه أَيضاً: حدّثنا وَكِيعٌ، عن جرير بن حازم، عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن عبد الله بن عمر: أَنه كان يأْمُرُ نساءه أَنْ يُزَكِّين حُلِيَّهُنَّ». وفيه أَيضاً عن عطاء وإِبراهيم وسعيد بن جُبَيْر، وعبد الله بن شَدَّاد أَنَّهم قالوا: «في الحُلِيِّ الزكاة». زاد ابن شداد: «حتى في الخاتم». وأَخرج عن عطاء، وإِبراهيم النَّخَعي أَيضاً أَنهم قالوا: «مَضَتِ السُّنَّة أَنَّ في الحلي الذهب والفضة زكاة». وما في «مصنف عبد الرزاق» عن ابن مسعود قال: «في الحُلِيِّ زكاةٌ».
وروى أَبو داود، والحاكم ـ وقال: على شرط الشيخين ـ عن عائشة قالت: «دَخَلْتُ على رسولِ الله ﷺ فَرَأَى في يدي فَتَخَاتٌ مِنْ وَرِق، فقال: ما هذا؟ قلت: صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لك بهن، قال: أَفتؤدِّينَ زكاتهن؟ قلت: لا، قال: حَسْبُكِ من النار».