← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولا فيما يَعْمَل. والوَاجِبُ الوَسَطُ، فإِنْ لم يوجد يأْخذ العاملُ الأَدْنَى مَعَ الفَضْل، والأَعْلَى ويَرُدُّ الفَضْلَ. === وصورة المسألة: إِذا كان له خَمْسٌ وعشرون من النوق، أَوْ ثلاثون من البقر، أَوْ أَربعون من الغنم، فلما مضى عليها عَشْرَةُ أَشْهُر مثلاً، ولدت أَولاداً، وهلكت الأُمهات ثم كَمَلَ الحَوْلُ على الأَولاد، فهل يجب على الأَولاد شيءٌ؟ على الخلاف المذكور عن أَبي حنيفة أَولاً: أنه يجب فيها ما يجب في المسنات، وهو قول زُفَر ومذهب مالك، لأَن قوله ﷺ «في خمس وعشرين بِنْتُ مَخَاض» يشمل الصِّغار والكبار، ولِتَنَاوُلِ اسم الإِبل والبقر والغنم الصغير والكبير كتناولهما الذكر والأُنْثَى. (ولا فيما يَعْمَل) أَي ما أُعِدَّ للعمل، كإِثارة الأَرض، وحمل الأَثقال. وقال مالك: يجب فيه الزكاة لإِطلاق قوله ﷺ «ليس فيما دون خَمْسِ ذَوْدٍ (١) من الإِبل صدقة» (٢) . ولنا ما روى أَبو داود والدَّارَقُطْنيّ من حديث علي ﵁ عن النبيّ ﷺ «هاتوا رُبُعَ العُشْرِ: من كلِّ أَربعينَ دِرْهَماً دِرْهَمٌ» إِلى أَنْ قال: «وليس في العوامل شيء». وفي رواية: «صدقة». قال أَبو الحسن القطان: سنده صحيح. وعن جابر أَنّه ﷺ قال: «ليس في المُثِيرة (٣) صدقة» (٤) . (والوَاجِبُ الوَسَطُ) من السِّنِّ الذي وجب، فلو وجب بِنْتُ لبون لا يأْخذُ العاملُ خِيَار بِنْت اللَّبُون، ولا رديئها، بل يأخذ الوَسَطَ لقوله ﷺ لِمَعَاذ حين بعثه إلى اليمن: «إِيَّاك وكرائم (٥) أَموالِهم». رواه الجماعة. ولأَن في أَخذ الوَسَطِ نَظَراً للفقراء، ولِرَبِّ المال. (فإِنْ لم يوجد) الوَسَطُ من السِّنِّ الواجب (يأْخذ العاملُ الأَدْنَى) وَصْفاً أَوْ سِنَّاً (مَعَ الفَضْل)، ويُجْبَرُ على ذلك لأَنه إِعطاءٌ بالقيمة لا بَيْعٌ. (و) يأْخذُ العامِلُ (الأَعْلَى) وَصْفاً أَوْ سِنَّاً (ويَرُدُّ الفَضْلَ) ولا يُجْبَرُ على ذلك،

стр. 492

[نِصَابُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ] ونِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا، والفضة مئتا درهم، كُلُّ عشرَةٍ منها سَبْعَةُ مثاقيل، === لأَنَّه شِرَاء. في «الكافي»: أَنَّ الخِيَار إِلى المالك في الصورتين، لأَن الشارع اعتبر التيسير على أَرباب الأَموال، وذا إِنَّما هو بالخِيَار إِلى المالك. (نصاب الذهب والفضة) (ونِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالاً (١) ، والفضة مئتا درهم) لما في «الصحيحين» من حديث أَبي سعيد، أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «ليس فيما دون خَمْس أَواق صدقة». والأُوقية: أَربعونَ درهماً. ولحديث عَليّ المتقدِّم في اشتراط الحَوْل. ولما قدمناه في كتاب عمرو بن حَزْم: «وفي كل أَربعينَ ديناراً دينار». ولما رواه ابن ماجه عن ابن عمر وعائشة، «أَنَّ النبي ﷺ كان يأْخذُ من كلِّ عشرين ديناراً نِصْفَ دينار، ومن الأَربعين ديناراً (ديناراً) (٢) ». ولقوله ﷺ «هاتوا رُبُعَ العُشُورِ في كلِّ أَربعينَ دِرْهَماً، وليس عليكم شيءٌ حتى يتم مئتا درهم، فإِذا كانت مئتي درهم ففيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فما زادَ فَعَلى حِسَابِ ذلك» (٣) . (كُلُّ عشرَةٍ منها) أَي من الدَّرَاهِم (سَبْعَةُ مثاقيل) ويُسَمَّى وَزْنَ سَبْعة فيكون كُلُّ دِرْهَم نِصْفَ مِثْقَال، وخمساً فيكونُ الدِّرْهَم أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطاً. والقِيرَاط (٤) : خمس شَعِيرَات. قيل: أَصْلُهُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ قبل عهد عمر كانت مختلفة، فمنها ما كان عشرين قيراطاً، وبعضها عَشَرَةَ قَرَارِيطَ، وبَعْضُها اثني عَشَرَ قيراطاً، فَأَمَرَ بِضَرْبِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ متساويةٍ، فكان كُلُّ دِرْهَمٍ أَربعة عشَرَ قيراطاً، وهو وزن سبعة، وجمع الناس على ذلك. وقيل: لما أَراد عمر أَنْ يستوفي الخَرَاج بالأَكبر، فالتمسوا منه التخفيف، فجمع حُسَّابَ زمانهِ ليتوسّطوا وليتوفّقوا بين الدراهم كلها، واستخرجوا وزن السبعة، (واستقر) (٥) الأَمر

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عليه. وقال أَبو عبيد: كانت الدَّرَاهم قبل الإِسلام كباراً وصغاراً، فلما جاء الإِسلام وأَرادوا ضَرْبَ الدراهم، ـ وكانوا يزكونها من النوعين ـ فنظروا إِلى الدِّرْهم الكبير إِذا هو ثمانية دَوَانيق، وإِلى الدرهم الصغير فإِذا هو أَربعة دَوانِيق، فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير فجعلوهما درهمين سواء، كُلُّ واحد سِتَّةُ دَوانِيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل، ولم يزل المثقال في آباد الدهر محدوداً لا يزيد ولا يَنْقُصُ، فوجدوا عَشْرَةً من هذه الدراهم التي واحِدُها سِتَّةُ دوانيق وَزْنَ سبعة مثاقيل سواء، فاجتمع فيه أَنَّ العشرة منها وزن سبعة مثاقيل، وأَنَّهُ عدل بين الكبار والصغار، وأَنَّه موافق لِسُنَّةِ رسول الله ﷺ في الصدقة، فمضت سنة الدراهم على هذا، فاجتمعت عليه الأئمة، انتهى. وفي «صِحاح الجوهري»: الدَّانِق: سُدُسُ دِرْهَم. والقِيرَاط: نصف دانق. وقال ابن الأَثير: القِيرَاط: جزأ من أَجزاء الدينار، وهو نِصْفُ عُشْرِهِ في أَكثر البلاد. وأَهلُ الشام يجعلونه جُزءاً من أَربعة وعشرين، والياء فيه بَدَلٌ من الراء، فإِن أَصله قِرَّاط مُضَعَّفاً، كما أَنَّ أَصْلَ دِينار دِنَّار، والجمع فيهما قَرَارِيط، ودنانير. وفي «شرح الوقاية»: المِثْقَال: عشرون قِيراطاً، والدرهم: أَربعة عشر قيراطاً، والقِيراط: خمس شعيرات. وفي «الغاية»: دراهم مصر أَربعة وستون حبة، وهو أَكبر من درهم الزكاة، فالنصاب منه مئة وثمانونَ دِرْهَمَاً وحبتان. وفي «القنية»: المُعْتَبَرُ في الزكاة وزن عشرة دنانير بوزن مكة، يَنْقُصُ عَمَّا عندنا بِثُلُثَي دينار، فلو بلغت الدنانير بوزن بلدتنا ثمانيةَ عَشَرَ وثلثي دينار، يجب فيها الزكاة. وفي ديات «الخُلاصَة»: أَنَّ كل عشرة من مثاقيل مكة تسعة من مثاقيل غيرها. وفي «الفتاوى المنصورية»: يُعْتَبَرُ في كُلِّ زمن عادة أَهْلِهِ، فَيُعْتَبَرُ دَرَاهِمُ ودنانيرُ كل بلدة بوزنها وإِنْ كان وزنها في البلاد متفاوتاً. قال بعض المحققين: وهذا يقتضي أَنَّ النصاب ينعقد من الصغار، وهو الحق، لأَنَّهم لم يختلفوا في تفاوت الدراهم صِغَراً وكِبَراً في زمان النبيّ ﷺ فبالضرورة تكون الأوقية مختلفة أيضاً بالصغر والكبر. وقد أَوْجَب النبيّ ﷺ في خمس آواق الزكاة مطلقاً من غير تقييد بِصِنْف، فإِذا صَدَقَ على الصغيرة خمس آواق يجب الزكاة فيها بالنص. ويؤيده ما نقل أَبو عُبَيْد: أَنهم كانوا يُزَكُّون من النوعين، ومن هذا ـ والله تعالى أَعلم ـ ذهب بعضهم إِلى أَنَّ المُعْتَبَرَ في حَقِّ كل أَهل بلد دراهمهم. ذكره قاضيخان،

стр. 494

معمولًا أَو تِبْرًا === قال: إِلاَّ أَنّي أَقول: ينبغي أَنْ يقيد بما إِذا كانت دراهمهم لا تَنْقُصُ عن أَقل ما كان وزناً في زمنه ﷺ وهي ما تكون العشرة وزن خمسة، لأَنها أَقل ما قُدِّر النصاب بِمِئتَين منها. ثم قال: فإن لم يكن لهم إِلاّ دراهم كبيرة كوزن سبعة، فالاحتياط على هذا أَنْ تُزَكَّى، وإِنْ كانت أقل من مئتين إِذا بلغ ذلك لأَقل قَدْر النصاب، وهو وزن خمس. (معمولاً أَوْ تِبْراً) (١) سواء كان المعمولُ سِكَّة (٢) أو حُلِيَّاً أَوْ آنية. وقال مالك: الحُلِيُّ المباحُ الاستعمالِ للنساء والرجال لا زكاة فيه. وهو أَظهر القولين عن الشافعي، والرواية التي اختارها أَصحاب أحمد عنه. ورواه مالك في «الموطأْ» عن عائشة وابن عمر، ورواه الدَّارَقُطْنِيُّ عن أَسماء وأَنس. ولِمَا رُوِيَ عن جابر، أَنَّه ﷺ قال: «ليس في الحُلِيِّ زكاة» (٣) . ولقول ابن عمر: «لا زكاة في الحُلِيّ». رواه عبد الرَّزَّاق. وقول أَنس: «ليس في الحُلِيِّ زكاة». رواه الدارقطني. قلنا: قال البيهقي في «المعرفة»: وما يُرْوى عن عافية بن أَيوب، عن الليث، عن أَبي الزبير، عن جابر مرفوعاً: «ليس في الحُلِيِّ زكاةٌ»، فباطل لا أَصل له، إِنَّما يُرْوى عن جابر من قوله، وعَافِية بن أَيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعاً كان داخلاً فيما يعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذَّابين. ولنا عموم قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) الآية. وعموم قوله ﷺ «في الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ». رواه البُخَارِي. وهو (٥) بكسر الراء وتخفيف القاف. والوَرِق: الفضة المَضْرُوبة (٦) ، حُذِفَتْ الواو منه وعوض عنه الهاء كالعِدَة في الوَعْد. وما رواه أَبو داود والنسائي من حديث عَمْرو بنِ شُعَيْب، عن أَبيه، عن جده: «أَنَّ امرأَة أَتَت النبيّ ﷺ ومعها ابنَةٌ لها، وفي يدِ ابنتها مَسَكَتَان غليظتان من ذهب، فقال لها: أَتُعْطِين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ تعالى بهما يوم القيامة سِوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فأَلقتهما إِلى النبيّ ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله». قال ابن القطان: إِسناده صحيح. وقال ابن المنذر في «مُخْتَصَرِه»: إِسناده لا

стр. 495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مقال فيه، ثم بَيَّنَهُ رَجُلاً رَجُلاً. ورواه الترمذي عن ابن لَهِيعَة، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أَبيه، عن جده قال: «أَتت امرأَتان رسول الله ﷺ وفي أَيديهما سِوَارَان من ذهب، فقال لهما: أَتُؤَدِّيان زكاة هذا؟ قالتا: لا، قال: «أَتُحِبّان أَنْ يُسَوِّرَكُما اللهُ سِوَارَين من نار»؟ قالتا: لا، قال: فأَدِّيَا زكاته. قال الترمذي: ورواه المُثَنَّى بنُ صبَّاح، عن عمرو بنِ شُعَيْب نحو هذا. وابن لَهِيعة والمُثَنَّى يُضَعَّفَان في الحديث. ولا يصح في هذا الباب عن النبيِّ ﷺ شيءٌ. قال المُنْذِري: لعل الترمذي قصد الطريقين اللَّذَين ذكرَهما، وإِلاَّ فطريق أَبي داود لا مقالَ فيه. وقال ابن القَطَّان بعد تصحيحه لحديث أَبي داود: إِنما ضَعَّف الترمذي هذا الحديث، لأَنَّ عنده فيه ضعيفين: ابن لَهِيعَة، والمُثَنَّى بن الصبَّاح. وفي أَبي داود أَيضاً عن عَتَّابِ بن بَشير، عن ثابت بن عَجْلان، عن عطاء، عن أُم سَلَمَة قالت: «كُنْتُ أَلبَس أَوْضَاحاً من ذهب، فَقُلْتُ: يا رسولَ الله، أَكنزٌ هو؟ فقال: ما يبلغ أَنْ تُؤَدَّى زكاته فزُكِّي فليس بكنز». وأَخرجه الحاكم عن محمد بن مُهَاجر، عن ثابت، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولفظه: «إِذا أُدِّيَتْ زكاته فليس بكنز». والأَوضاح: جمع وَضَح، وهو الحُلِيِّ. ومن الآثار ما في «مصنَّف ابن أَبي شيبةَ»: كتب عمرُ بن الخطاب إِلى أَبي موسى: أَنْ مُرْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ نساءِ المؤمنينَ أَنْ يُزَكِّينَ حُلِيَّهُنَّ ولا تجعلن الزيادة والهدية (١) بينهن تعارضاً». وفيه أَيضاً: حدّثنا وَكِيعٌ، عن جرير بن حازم، عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن عبد الله بن عمر: أَنه كان يأْمُرُ نساءه أَنْ يُزَكِّين حُلِيَّهُنَّ». وفيه أَيضاً عن عطاء وإِبراهيم وسعيد بن جُبَيْر، وعبد الله بن شَدَّاد أَنَّهم قالوا: «في الحُلِيِّ الزكاة». زاد ابن شداد: «حتى في الخاتم». وأَخرج عن عطاء، وإِبراهيم النَّخَعي أَيضاً أَنهم قالوا: «مَضَتِ السُّنَّة أَنَّ في الحلي الذهب والفضة زكاة». وما في «مصنف عبد الرزاق» عن ابن مسعود قال: «في الحُلِيِّ زكاةٌ». وروى أَبو داود، والحاكم ـ وقال: على شرط الشيخين ـ عن عائشة قالت: «دَخَلْتُ على رسولِ الله ﷺ فَرَأَى في يدي فَتَخَاتٌ مِنْ وَرِق، فقال: ما هذا؟ قلت: صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لك بهن، قال: أَفتؤدِّينَ زكاتهن؟ قلت: لا، قال: حَسْبُكِ من النار».

стр. 496

فَيَجِبُ رُبُعُ العُشْرِ وفي كُلِّ خُمْسٍ زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ === والفَتَخَات ـ بفاء ومثناة فوقية ومعجمة مفتوحة ـ: خواتم كبار. فالمعنى: أَفتؤدين زكاتهن مع انضمامهن إلى غيرهن مما تجب فيه الزكاة؟ (فَيَجِبُ رُبُعُ العُشْرِ) وهو نصف مثقال في نصاب الذهب وخمسة دراهم في نصاب الوَرِق (وفي كُلِّ خُمْسٍ) ـ بِضم الخاء المعجمة ـ (زَادَ عَلَى النِّصَابِ) أَي نصاب النَّقْدَيْنِ، وهو أَربعة دنانير في الذهب، وأَربعون دِرْهماً في الوَرِق. (بِحِسَابِهِ) عند أَبي حنيفة وما دونه عفو. وقالا: يجب في كل ما زاد على النصاب بحِسابه، لحديث عليّ المتقدم في اشتراط الحول. ولما روى البخاري من حديث أَنس: وفي الرِّقَةِ (١) رُبُعُ العُشْرِ». ولما في «سُنن أَبي داود» عن زُهَيْر، عن عاصم بن حمزة والحارث، عن علي قال زُهَيْر: أَحسبه عن النبيّ ﷺ قال: «هاتوا ربع العُشْر: في (٢) كل أَربعين دِرْهماً دِرْهَمٌ، وليس عليكم شيءٌ حتى يتم مئتي درهم، فإِذا كانت مئتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد على حساب ذلك … » الحديث. ورواه الدَّارَقُطْنِيُّ مجزوماً به ليس فيه أَحسبه، وصحح ابن القطان إِسناده. ولِمَا في «مُصَنَّفَي عبد الرزاق وابن أَبي شيبة»، عن مَعْمَر، عن أَيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: «في كُلِّ مئتي درهم خمسةُ دراهم، فما زاد فبحساب ذلك». وأَخرجه ابن أَبي شيبة أَيضاً عن عمر بن عبد العزيز وابن سيرين وإِبراهيم النَّخَعِي. ولأَبي حنيفة رحمه الله تعالى ما روى النَّسائي وابن حِبَّان والحاكم وغيرهم في كتاب النبيّ ﷺ إِلى عمرو بن حَزْم: «في كُلِّ خمس أَواق من الوَرِق خمسة دَرَاهِمَ، وما زاد ففي كل أَربعينَ دِرْهَماً درهم، وليس فيما دون خَمْسِ أَواق من الوَرِق شَيءٌ». وفي «أحكام عبد الحق»: روى أَبو أُوَيْس عن عبد الله ومحمد ـ ابني أَبي بكر بن عمرو بن حَزْم ـ، عن أَبيهما، عن جدّهما، عن النبيّ ﷺ أَنه كتب هذا الكتاب لعَمْرو بن حَزْم حين أَمَّرَهُ على اليمن، وفيه: «والرِّقَةُ ليس فيها صدقةٌ حتى تَبْلُغَ مئتي درهم، (فإِذا بلغت مئتي درهم) (٣) ففيها خمسة دراهم، وفي كُلِّ أَربعينَ دِرْهَماً دِرهمٌ، وليس فيما دون الأَربعين صدقةٌ». ولم يعزه عبد الحق لكتاب، وكثيراً ما يفعل ذلك في

стр. 497

ويُعْتَبَرُ الغَالِبُ. وإِنْ غَلَبَ الغِشُّ يُقَوَّمُ، لا في غَيرِ مَا مَرَّ، إِلَّا بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ عِنْدَ تَمَلُّكِهَا بِغَيْرِ الإِرْثِ إِذا بَلَغَ قِيمَتُهَا نِصَابًا مِنْ أَحدِهِمَا === «أَحكامه». وما في «سُنن الدَّارَقُطْنِيّ» من طريق أَبي إِسحاق، عن المِنْهال بن الجرَّاح، عن حبيب بن نجيح، عن عُبادة بن نُسَيّ، عن معاذ: «أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَرَهُ حين وَجَّهَهُ إِلى اليمن: أَنْ لا تَأْخُذْ من الكسور شيئاً، إِذا كانت من الوَرِق (١) مئتي درهم فَخُذ منها خمسة دراهم، ولا تأخذ مما زاد شيئاً حتى تبلغَ أَربعينَ دِرْهماً، وإِذا بلغت أَربعينَ فَخُذْ منها دِرْهَماً». لكنه ضعيف بالمِنْهال، والله تعالى أَعلم بالحال. وروى أَبو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّم في كتاب «الأَموال» عن أَنَس قال: «وَلاَّني عُمَرُ بن الخطاب الصدقات فأَمَرَني أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ عشرين دِيناراً نِصْفَ دِينَارٍ، وما زاد فبلغ (أَربعة دنانير ففيه درهم. وأَن آخذ من مئتي درهم خمسة دراهم، فما زاد فبلغ) (٢) أَربعين دِرْهَمَاً ففيهِ دِرْهَمٌ. (ويُعْتَبَرُ الغَالِبُ)، فإِن غلب الذهب على الغِشّ وجب زكاة الذهب، وإِنْ غلب الفضة على الغِشّ وجب زكاتها (وإِنْ غَلَبَ الغِشُّ) على الذهب والفضة (يُقَوَّمُ) ويُخْرَجُ من قيمته إِنْ نوى به التجارة، وإِنْ لم يَنْو فإِنْ كان الجيد يتخلص ويبلغ نصاباً وَحْدَهُ أَوْ بالضم إِلى غيره، زَكَّاه، لأَن عَيْن النقدين لا يُشترط فيها نية التجارة. وإِنْ لم يتخلص منه شيء فلا شيء عليه، لأَنها هلكت فيه، إِذْ لم ينتفع بها حالاً ولا مآلاً فَبَقِيَتْ العبرة للغِش وهو عُروض (٣) ، فيعتبر فيه نية التجارة. ولو ساوى الذهب أو الفضة الغش قيل: يجب الزكاة احتياطاً، وقيل: لا يجب، وهو الأَظهر، لعدم الغَلَبة المشروطة للوجوب. وقيل: يجب درهمان ونصف نظراً إِلى وجهي الوجوب وعدمه وهو الظاهر. (لا في غَيْرِ مَا مَرَّ) أَي لا تجب الزكاة في غير ما مَرَّ من السوائم والذهب والفضة، وهو العروض (إِلاَّ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ عِنْدَ تَمَلُّكِهَا بِغَيْرِ الإِرْثِ إِذا بَلَغَ قِيمَتُهَا نِصَاباً مِنْ أَحدِهِمَا) أَي من الذهب والفضة، أَنَّث الضمير في «قيمتها» و «تملكها» نظراً إِلى

стр. 498

أَنْفَع لِلفَقِيرِ. === معنى «غير» ـ وهي العروض ـ. وفي بعض النُّسخ «قيمته» و «تملكه» بتذكير الضمير نظراً إِلى لفظ غير. (أَنْفَع لِلفَقِيرِ) أَي حال كون أَحدهما أَنفع له، لأَن في ذلك احتياطاً له. وقال أَبو يوسف: إِنْ كان ثمنها من النقود قُوِّمَتْ بما اشْتُرِيَت به، وإِنْ كان من غيرها قُوِّمَتْ بالنقد الغالب، وقال محمد: يقوَّم بالنقد الغالب كالمغصوب والمستهلَك. قَيَّدَ «النيَّة» بعد التملك، لأَن النية لا تُعتبر إِلاَّ إِذا اقترنت بالعمل، كنية السفر لا تُعتبر إِلاَّ إِذا اقترنت بالسفر. فلو اشترى جاريةً ونوى بها التجارة، كانت للتجارة لاقتران النية بالعمل. وإِن نوى بها الخدمة، كانت للخدمة، فإِنْ نوى بها بعد ذلك التجارة، لم تكن للتجارة حتى يبيعها أَوْ يُؤجرها، فحينئذٍ ينعقد الحول على ثمنها. وقَيَّدَ «التملك» بغير الإرث، لأَن التملك بالإِرث جبري لا اختياري، فلا يمكن اشتراط نيّة التجارة عنده. فلو تملكه بالإِرث لا تجب الزكاة، نوى التملك أَوْ لم ينو. وقال محمد: إِذا قارنت نيةُ التجارةِ الهبةَ، أَوْ الوصيةَ، أَوْ النِّكاحَ، أَوْ الخُلْع، أَوْ الصُلْح عن القَوَدِ ـ أَي القِصاص ـ لا تصير تلك العين للتجارة، لأَن النية لم تقارن عملها. ونقل الإِسْبِيجَابي عن القاضي الشهيد: أَنَّ هذا قول أَبي حنيفة وأَبي يوسف، وأَن قول محمد: إِنَّها تكون للتجارة. ثم اعلم أَنَّ العُروض ـ بالضم جَمْع عَرَض ـ بفتحتين: حُطام الدنيا على ما في «المُغْرِب والصحاح»، والعَرْض بسكون الراء: المتاع، وكل شيء فهو عَرْضٌ سوى الدراهم والدنانير، كذا في «الصحاح». وقال أَبو عُبَيد: العُروض: الأَمْتِعَةُ التي لا يدخلها كَيْلٌ ولا وزنٌ، ولا يكون حيواناً ولا عَقاراً. فعلى هذا جَعْلُهَا هنا جَمْعَ عَرْض ـ بالسكون ـ أَولى، لأَنه في بيان حكم الأَموال التي هي غير النقدين والحيوانات، كذا في «النهاية». والأَصل في ذلك ما في «سُنن أَبي داود» عن جعفر بن سعد: حَدَّثَني حبيب بن سليمان، عن أَبيه، عن سَمُرَةَ بن جُنْدُب: «أَنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَأْمُرُنا أَنْ نُخْرِجَ الصدقَةَ من الذي نُعِدُّ للبيعِ». وسكت عليه، فهو حسن، وقرره غيره أَيضاً. وأَمَّا قول صاحب «الهداية»: الزكاةُ واجبةٌ في عُروض التجارة كائنةً ما كانت إِذا بلغت قيمتها نِصاباً من الوَرِق أَوْ الذَّهب، لقوله ﷺ فيها: «يُقَوِّمُها فيؤدي من كُلِّ مئتي درهم خمسة دراهم». فغير معروفٍ بهذا اللفظ. وفي «المستدرك» عن أَبي ذَرَ

стр. 499

[دفع القيمة] ويَجُوزُ دَفْعُ القِيَم في: الزكاةِ، والفِطرِ، والكفَّارَةِ، والعُشْرِ، والنَّذْرِ، === قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «في الإِبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البَزِّ صدقتها، ومَنْ دفع دراهمَ أَوْ دنانير أَوْ تِبْراً (١) ، أَوْ فضة، لا يُعِدها لغريم ولا ينفقها في سبيل الله، فهو كَنْزٌ يُكْوَى به يوم القيامة». ورواه أَحمد والدَّارَقُطْنِيّ. قال النووي: هو بالباء والزاي: الثياب التي هي أَمتعة البزَّاز، وقد صَحَّفَه بعضهم بالراء، وضم الباء، وهو غلط. (دفع القيمة) (ويَجُوزُ دَفْعُ القِيَم في الزكاةِ والفِطْرِ والكَفَّارَةِ والعُشْرِ) وكذا الخَرَاج (والنَّذْرِ) وقال مالك، وأَحمد، والشافعي: لا يجوز لأَنها قُرْبَةٌ تعلقت بِمَحل، فلا تُؤَدَّى بغيره، كالهدايا والضحايا، ولقوله ﷺ «في أَربعين شاةً شاةٌ» (٢) . وإِنَّه بيانٌ لإِجْمَال الكتاب، فتعلق حقُّ الفقير بعين الشاة، وفي جواز دفع القيمة بالتعليل (٣) إِبطال حَقِّه (٤) من العين المنصوص عليها، فلا يجوز. ولنا ما رَوى البخاري مُعَلَّقاً ـ وتعليقه صحيح ـ عن طاوس أَنَّ مُعَاذاً قال لأَهل اليمن: ائتوني بعَرْضٍ: ثِيَابٍ: خَمِيصٍ، أَوْ لَبِيس في الصدقة ـ أَي الزكاة ـ مكانَ الشعير والذُّرة أَهْون عليكم، وخيرٌ لأَصحاب رسول الله ﷺ والخَمِيص: ثياب خَزّ أَوْ صوف مُعَلَّمة كانوا يَلْبَسَونها، والمشهور بخميس، قال أَبو عبيدة: هو ما طوله خمسة أَذْرُع. واللَّبِيس: الملبوس. وما رواه ابن أَبي شيبةَ عن (الصُّنَابِحي) (٥) : أَبْصَرَ النبيُّ ﷺ ناقةً حسنةً في إِبل الصدقة، فقال: «ما هذه؟» قال صاحب الصدقة: إِنِّي ارتجعتُها بِبَعِيرَيْنِ من حواشي الإِبل، قال: «نعم إِذن».

стр. 500

والهَلاكُ بَعدَ الحَوْلِ يَسْقُطُ بحِصَّتِهِ. والزَّكَاة في النِّصَابِ لا العَفْوِ، === وما رواه البخاريُّ من حديثِ ثُمَامَةَ: أَنَّ أَنساً حَدَّثه أَنَّ أَبا بكر كتَب (له) (١) الفريضة التي أَمَر اللهُ تعالى ورسوله: «مَنْ بلغتْ عِنْده من الإِبل صدقةُ الجَذَعَةِ (٢) وليس عنده جذعة وعنده حِقَّةٌ (٣) ، فإِنه تُقْبل منه الحِقَّة .... » الحديثَ. ولأَن أَداء البعير عن خمس من الإِبل بدلاً عن الشاة جائز باتفاق مع أَنه غير منصوص، وذلك بطريق القيمة، وإِنَّما لم تَجُزْ القيمةُ في الضحايا والهدايا، لأَن القربة فيهما إِراقة الدم، وهي غير معقولة المعنى (٤) ، وفي المُتَنَازَع فيه سدّ حاجة الفقير، وهو معقول. (والهَلَاكُ بَعدَ الحَوْلِ يَسْقُطُ) من الزكاة (بِحِصَّتِهِ) أَي بِحِصَّةِ الهالِك، فإِنْ هلك جميع النصاب سقط زكاته، وإِنْ هلك بعضه سقط ما يَخُصُّه (٥) . وقال مالك والشافعي وأَحمد في رواية: لا يسقط. ومبنى الخلاف: على أَنَّ الوجوب في الذِّمة، وهو قولهم، أَوْ في المال وهو قولنا. ولنا قوله تعالى: ﴿وفي أَمْوَالِهِم حَقٌّ﴾ (٦) ، وقوله ﷺ «في أَربعين شَاةً شَاةٌ، وفيما سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْر» (٧) . فأَما الاستهلاك فلا يسقط اتفاقاً لوجود التعدي. ولو هلك النصاب بعد طلب الساعي لا يسقط عند العراقيين، وهو اختيار الكَرْخِي، لأَنه نوعٌ من التعدي، ويسقط عند مشايخ ما وراء النهر، وقيل: وهو الصحيح، كما لو هلك النِّصاب بعد طَلَب واحدٍ من الفقراء. (والزَّكَاةُ في النِّصَابِ لا العَفْوِ): وهو ما بين النِّصَابَيْن، وهذا عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف. وقال محمد وزُفَرُ: في مجموع النصاب والعَفْو، لقوله ﷺ في كتاب الصدقة في الإِبل: «فإِذا بلغت خمساً وعشرين إِلى خَمْس وثلاثين ففيها بِنْتُ مَخَاض (٨) ، وفي الغنم إِذا كانت أَربعين إِلى عشرين ومئة ففيها شاة» (٩) . ولهما قوله

стр. 501

فَيَجِبُ بِنْتُ مخاضٍ إِنْ هَلَكَ بَعْدَ الحَوْلِ خمسة عشر من أَرْبَعِينَ. ويُضَمُّ المُسْتَفَادُ وسَطَ الحَوْلِ إِلى نِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ === ﷺ «في الإِبل في خَمْسٍ شاةٌ، وفي عَشْرٍ شاتانِ، وفي خَمْسَ عَشَرَةَ ثلاث شياه، وفي عشرين أَربع شياه، وفي الغنم فإِذا زادت على ثلاث مئة، ففي كل مئة شاة» (١) . وهذا ظاهر في أنَّ الزكاة في النصاب فقط، فإِذا ملك خمساً وثلاثين من الإِبل، فالواجب ـ وهو بنتُ مخاض ـ، إِنما هو في خمسٍ وعشرين، لا في المجموع، حتى لو هلك عشرة بعد الحول، فالواجب على حاله. وعند محمد وزُفَر رحمهما الله: يسقط بقدره. (فَيَجِبُ بِنْتُ مخاضٍ إِنْ هَلَكَ بَعْدَ الحَوْلِ خمسة عشر من أَرْبَعِينَ) من الإِبل عند أَبي حنيفة فإِنَّ عنده يُصرَف الهلاك بعد العفو إِلى النصاب الأَخير، ثُم إِلى الذي يليه إِلى أَنْ ينتهي فيصرف أَربعةً إِلى العَفْو، ثُم أَحَدَ عَشَرَ إِلى النصاب الذي يلي العفو، وهو ما بين خمسةٍ وعشرين إِلى ستةٍ وثلاثين، فيجب بنت مخاض. وأَما عند أَبي يوسُف فبعد صرف الهلاك إِلى العفو يُصْرَف إِلى النُّصُب شائعاً، فإِذا صَرَف أَربعة إِلى العَفْو، يصرف أَحد عشر إِلى مجموع ستة وثلاثين وكان فيها بنتُ لبون (٢) وهلك عشرة وبقي خمسةٌ وعشرونَ فالواجب خَمْسةٌ وعشرون جزأً من ستةٍ وثلاثينَ جُزأً من بنت لبون، أَعني ثلثي بنت لبون وربع تُسْعِها. وأَما عند محمد فيجب نصفٌ وثمن بنت لَبُون، لأَنه يُصْرَفُ الهلاك إِلى مجموع العفو والنصاب، وقد كان الواجب في الأَربعين بنتَ لبون، وبقي بعد الهلاك خمسةٌ وعشرونَ، وهي نصفٌ وثُمُن الأَربعين. (ويُضَمُّ المُسْتَفَادُ وسَطَ الحَوْلِ إِلى نِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ) سواءٌ كان المستفادُ بسببٍ من ذلك النصاب، بأَن اشترى في أَثناء الحول (بذلك النصاب) (٣) شيئاً فاستفاد فيه، أَوْ لم يكن: بأَنْ كان معه نصابٌ، فَوُهِبَ له شيءٌ، أَوْ وَرِث في أَثناء الحول شيئاً من جنسه، أَوْ حَصَّله من كسبه. وقال مالك والشافعي: إِنْ كان المستفاد بسببٍ من النصاب ضُمَّ، وإِنْ لم يكن

стр. 502

ويُضَمُّ الذَّهَبُ إِلى الفِضَّةِ === بسبب منه لا يُضم، لأَنَّ المُستفاد أَصْلٌ في حق المِلْك، فيكون أَصلاً في حقِّ الواجب فيه. ولنا أَنْ المجانسة هي العلة في ضَمِّ المُستفاد بسبب النصاب، كالأَولاد والأَرباح الحاصلة عنه في أَثناء الحول، وهي موجودة في المستفاد الذي ليس بسبب النصاب. وشَرط مالك والشافعي للمُستفادِ فيه مُضِيَّ حَوْلٍ تامَ لقوله ﷺ «لا زكاةَ في مالٍ حتى يحولَ عليه الحَوْلُ»، وقوله ﷺ «مَنِ استَفَادَ مالاً، فلا زكاةَ فيه حتى يحولَ عليه الحولُ». رواهما الترمذي. قالا: وذلك بخلافِ الأَولادِ والأَرباحِ، لأَنها متولِّدةٌ من الأَصلِ نَفْسِهِ، فينسحب حكمه عليها، وما نحن فيه ليس كذلك. وللشافعي في «الخلافيات» (١) : أَنْ ثمن السائمةِ قائم مقَامَ عينٍ هي محل الزكاة، حتى لو هلكت سقطت زكاتها، وقد زكَّاها في هذا الحول، فلو ضم الثمن لزم الثِّنَى، وهو منفيٌّ لقوله ﷺ «لا ثِنَى (٢) في الصَّدَقَةِ» (٣) . ولنا في المستفاد من الجنس قوله ﷺ «إِنَّ في السَّنَةِ شَهْراً تُؤَدُّونَ فيه زكاةَ أَمْوَالِكُمْ، فما حَدَثَ بعْد ذلكَ فلا زكاة فيه حتى يجيءَ رَأْسُ الشَّهْر». رواه الترمذي. فهذا يقتضي أَنه يجب الزكاة في الحادث عند مجيءِ رأْسِ السنة. وما رواه ليس بثابتٍ، ولئن ثبت فليس فيه ما يُنَافي مذهبنا، لأَنَّا نقول: لا يجب الزكاة في مال حتى يحول عليه الحول إِمَّا أَصالةً أَوْ تَبَعاً، كما في الأَولاد والأَرباح. (ويُضَمُّ الذَّهَبُ إِلى الفِضَّةِ) وبالعكس، لاتحادهما في الثمنية. وبه قال مالك، خلافاً للشافعي، لأَنهما جنسان مختلفان حقيقةً وحُكْماً، أَمَّا حقيقةً فظاهرٌ، وأَمَّا حُكْماً فلجواز بَيْع أَحدهما بالآخر مُتفاضلاً، فلا يُضَمّ كالسوائمِ المختلفةِ الجنس. ولنا ما رُوِي عن بُكَيْرِ بن عبد الله بن الأَشَجِّ: «مَضَتِ السُّنَّةُ من أَصحاب رسولِ الله ﷺ في ضَمِّ الذهب إِلى الفضَّة، والفضَّةِ إِلى الذهب في إِخراج الزكاة»، ذكره في «الأَسرار» و «المبسوط».

стр. 503

والعُروضُ إِلَيهِمَا بالقِيمَةِ لإِتْمَامِ النِّصَابِ، ونُقْصَانُهُ في الحَوْلِ هَدْرٌ. وجاز تَقْدِيْمُهَا لحوْلٍ وأَكْثَرَ، ولِنُصُبٍ لذي نِصَابٍ. === (والعُروضُ إِلَيْهِمَا) أَي أَحدهما، وذلك بالاتفاق (بالقِيمَةِ) قَيْدٌ للمسأَلتين (لإِتْمَامِ النِّصَابِ)، أَي لأَجل إِتمامه. وقال أَبو يوسف ومحمد: يُضَمُّ الذهبُ إِلى الفضةِ بالأَجْزاء، لأَن المُعتَبَر في النقدين القَدْر لا القيمة. ولأَبي حنيفة: أَنَّ الضَّمَّ للمجانسة، وهي تتحققُ باعتبار القيمة. وثمرةُ الخلاف تظهر فيمن له مئة درهم وخمسة مثاقيل قيمتُها مئة درهم، فعند أَبي حنيفة رحمه الله تعالى يُزَكّى، وعندهما لا يُزَكّى. (ونُقْصَانُهُ) أَي نُقصان مِقْدار النصاب (في الحَوْلِ هَدْرٌ) أَي ساقطٌ غير مانعٍ من الزكاة، لأَن في اعتبار كمالِ النصاب في جميع الحول حَرَجاً، فاعْتُبِر وجودُ النصاب في أَول الحول للانعقاد، وفي آخره للوجوب، كاليمين (١) يشترط فيها الملك حالةَ الانعقاد وحالة نزول الجزاء، وفيما بين ذلك لا يشترط. قَيَّدْنا النقصان بكَوْنه في المقدار، لأَن نقصان الصفة كذهاب السَّوْم عن الماشية في أَكثر الحولِ، مانعٌ من الزكاة باتفاق. وشرط مالك والشافعي كمال النصاب في كل الحول في السائمة والنقدين، وفي آخره فقط في العروض، وهو قول زُفَر في السوائم والنقدين. (وجاز تَقْدِيْمُهَا) أَي الزكاة (لحوْلٍ وأَكْثَرَ) وبه قال الشافعي (ولِنُصُبٍ لذي نِصَابٍ) خلافاً لزُفَر، فإِنْ قَدَّمها لِحَوْلٍ وكان النصابُ كاملاً عند تمام الحول وقعت (عنه) (٢) ، وإِنْ لم يكن كاملاً عند تمامه فإِنْ كانت في يدِ الساعي رَدَّهَا، وإِنْ كانت هَالِكَةً لم يضمنها. وقال مالك: لا يجوز إِخراج الزكاة قبل وجوبها، لما في «مُوَطَّئِهِ» عن ابن عمر ﵄: «لا زكاةَ في مالٍ حتى يحولَ عليه الحَوْلُ». ولأَن الأَداءَ إِسقاطٌ قبل الوجوب فصار كأَداء الظهر قبل الزوال. ولنا ما روى أَحمد، وأَبو داود، والترمذي من حديث جُحَيَّةَ عن عليَ: «أَنَّ العباس سَأَلَ النبيّ ﷺ في تعجيل زكاتِهِ قَبْلَ أَنْ يحولَ الحوْلُ، مسارعةً إِلى الخَيْرِ، فَأَذِنَ له في ذلك». ولنا أَيضاً: «أَنَّ العباسَ سأَلَ رسولَ الله ﷺ في تعجيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحُلَّ، فَرَخَّصَ له في ذلك». رواه ابن ماجه. وفي روايةٍ للترمذي: أَنَّ النبيّ ﷺ قال

стр. 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لِعُمَرَ: «إِنَّا قد أَخَذْنَا زكاةَ العباسِ عام الأَول للعام». فإِنْ قِيل: قال البَيْهَقِيُّ: اختُلِف في هذا الحديث، والأَصَحُّ أَنه مُرْسَل، أُجِيبَ بأَن المُرْسَلَ حُجَّة عندنا، وعند الجمهور. ولا تجب الزكاة عندنا في نصاب سائمةٍ صحت الخُلْطَة فيه باتحاد المَسْرَح (١) والمَشْرَع (٢) ، والمَرْعى والراعي، والفَحْل، والمِحْلَب (٣) . وأَوْجبها مالك والشافعي لقوله ﷺ «لا يُجمَعُ بين مُتفَرِّقٍ ولا يُفَرَّق بَيْنَ مُجْتَمِعٍ» (٤) . ولقوله ﷺ «ما كان من خَليطَين فإِنَّهما يتراجعانِ بينهما بالسَّويةِ» (٥) . وفي عدم الوجوب تفريقُ المجتمِع. ولنا قوله ﷺ «لا يُجْمَع بين متفرق»، وفي الوجوب الجَمْعُ بين المِلْكَيْنِ المتفرقين. والمرادُ من الجمع والتفريق ليس إِلاَّ في المِلْك لا في المكان. ألا ترى أَنَّ النصاب المتفرقَ في الأَمكنة والمِلْك لِواحِدٍ يؤخذ منه الزكاة. ومَنْ ملك ثمانين شاةً ليس للساعي أَنْ يجعلها نصابين، فيأخذ منها شاتين كأَنها لاثنين. ونحن نقول بالتراجع بين الخليطين، فإِن مئة وإِحْدَى وعشرين من الغنم إِذا كانت لِرَجُلَيْن: لأَحَدِهما أَربعون، وللآخَرِ ثمانون، فحال الحَوْلُ، فجاء المُصَدِّقُ وأَخذ من عرضهما شاتين، يرجع صاحب الكثير على صاحب القليل بِثُلُثَي شاة، ثُم في الحول الثاني إِنما يجب شاةٌ في نصيب صاحب الكثير خاصةً، لأَن نصاب الآخَر قد انتقص، فإِذا أَخَذَ المُصَدِّق شاةً، رجع صاحب القليل على صاحب الكثير بِثُلُثِ شاةٍ، فهذا معنى التَّرَاجُع. ولا يُؤخذ عندنا كَرْهاً من سائمة، كما لا يؤخذ من الأَموال الباطنة جبراً، ولا من

стр. 505

[فَصْلٌ في أَحْكَامِ العَاشِرِ] ويُنْصَبُ العَاشِرُ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَأْخُذُ مِنَ المُسْلِم رُبُعَ العُشْرِ، ومِنَ الذِّمي ضِعْفَهُ === تَرِكَةٍ بلا وَصِيةٍ. وجَوَّزَ مالك والشافعي رحمهما الله للمُصَدِّقِ أَخْذَها جبراً، إِذْ (حَقُّ) (١) الأَخْذِ للإِمام، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِم صَدَقَةً﴾ (٢) ، وصار كصاحب الدَّيْنِ إِذا ظَفِرَ من مال غَرِيمِهِ بجنس حقه. وعندنا يؤمر بها ليؤدّيها اختياراً، لأَنها عبادةٌ، وشَرْطُ أَدائها الاختيار الدال عليه صريح الإِيتاء في قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾، وفي النص السابق أَيضاً دِلالةٌ عليه بتسمية المَأْخُوذ صدقة، أَي زكاة، ونية القُرْبة نية لها (٣) ، فإِذا أَوْصَى دَلَّ على الاختيار، ومحل الوصية الثُّلُث، فيؤخذ من الثلث لا من أَصْلِ التَّرِكة. (فصل في أحكام العاشرِ) (ويُنْصَبُ العَاشِرُ) مِنْ عَشَّرَ القومَ إِذا أَخَذَ عُشْرَ أَموالهم، فهو تسميةُ الشيء باعتبار بَعْض أَحواله، وهو أَخْذُه العُشْرَ من الحربي دون المسلم والذِّمي (عَلَى الطَّرِيقِ) أَي طريق المسافرين. (فَيَأْخُذُ) مَنْ نَصَبَهُ الإِمامُ لأَخْذِ الصدقاتِ، ولأَمْنِ الناس به من اللصوص (مِنَ المُسْلِم رُبُعَ العُشْرِ) لأَنه زكاة بعينها (ومِنَ الذِّمي ضِعْفَهُ) إِظهاراً للذُّلِّ عليه، وسيأتي أَنه من الحربي العُشْر لزيادةِ تغليظٍ عليه. والأَصْل فيه ما في «مُعْجَم الطبراني» عن ابن سيرِين عن أَنس بن مالك قال: «فَرَضَ رسولُ الله ﷺ في أَموالِ المسلمين في كُلِّ أَربعينَ دِرهَماً دِرهمٌ، (وفي أَموال أَهل الذِّمَّةِ: في عشرين دِرْهماً دِرْهمٌ) (٤) ، وفي أَموال مَنْ لا ذِمَّة له: في كل عَشَرَةِ دَرَاهِمَ دِرهمٌ». وقال: لم يُسْنِد هذا الحديث إِلاَّ محمدٌ بن العلاء، تفرد به. وقد رواه أَيّوب، وسَلَمَةُ بن عَلْقَمَةَ، ويَزِيدُ بن إِبراهيم، وجرير بن حازم، وحبيب بن الشهيد، والهيثم الصَّيْرفي، وجماعة عن أَنس بن سيرين عن أَنس بن مالك: أَنَّ عُمَرَ بن الخطاب ﵁ فَرَضَ، وذكر الحديث.

стр. 506

وصُدِّقَا مَعَ اليَمِين إن أَنْكَرَا الحَوْلَ، أَوْ الفَرَاغَ مِنَ الدَّيْنِ، أَوِ ادَّعَيَا أَدَاءَهُ إِلى عَاشِرٍ آخَرَ يُعْلَمُ وُجُودُهُ، أَوْ إِلى فَقِيرٍ في غَيْرِ السَّوَائِمِ، === وروى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أَخبرنا أَبو حنيفة عن أَبي صَخْرة (١) المُحَاربي، عن زياد بن حُدَير قال: «بَعَثَني عمرُ بن الخطاب ﵁ إِلى عَيْن التَّمْر مُصَدِّقاً، فأَمَرَني أَنْ آخُذَ مِنَ المسلمينَ من أَموالهم إِذا اختلفوا بها للتجارة رُبُعَ العُشْرِ، ومن أَموال أَهل الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشْرِ، ومن أَموال أَهْل الحَرْبِ العُشْرَ». وبهذا السند رواه أَبو عبيد القاسم بن سَلاَّم في كتاب «الأَموال». وروى محمدٌ في «الآثار» عن أَبي حنيفة، عن الهيثم، عن أَنس بن سيرين قال: بَعَثَنِي أَنسُ بن مالك على الأَيْلَة، فأَخْرَجَ إِلَيَّ كِتاباً من عُمَرَ بن الخطاب: «خُذ من المسلمينَ: مِنْ كُلِّ أَربعين دِرهماً دِرهمٌ، ومن أَهل الذمة: مِنْ كُلِّ عِشْرينَ دِرهماً دِرهمٌ، وممَّنْ لا ذِمَّة له: مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ دَراهِمَ دِرْهَمٌ». رواه عبدُ الرَّزَّاق في «مُصَنَّفِهِ» عن هشام ابن حسان (٢) ، عن أَنس بن سِيرين. (وصُدِّقَا) أَي المسلم والذِّمي (مَعَ اليَمِين إِنْ أَنْكَرَا الحَوْلَ) بعد على المال، والحال إِنه لم يكن معهما مال حال عليه الحول من جنس المال الذي أَنكر حوله، وإِنَّما قَيَّدْنَا به لأَنه لو كان معهما ذلك المال أَخذ العاشر منهما، لأَنَّ الحول ليس بشرط في المستفاد المجانس. (أَوْ) أَنكرَا (الفَرَاغَ مِنَ الدَّيْنِ) بأَنْ قال المسلم أَوْ الذِّمّي: عليَّ دَيْنٌ من جهة العبادِ مُسْتَغْرِق، أَي يفضل عنه دون النصاب. أَما المسلم فلأَنه منكرٌ للوجوب، والقول قول المُنْكِر مع يمينه. وأَما الذِّمّي فلأَن ما يُؤْخذ منه ضِعْفُ ما يُؤخذ من المسلم، فَيُراعى فيه جميع ما يُراعى في المسلم. (أَوِ ادَّعَيَا أَدَاءَهُ إِلى عَاشِرٍ آخَرَ يُعْلَمُ وُجُودُهُ) قيَّدَ به لظهور كذبهما إِذا لم يعلم وجود عاشرٍ آخر في تلك السنة. (أَوْ إِلى فَقِيرٍ) عَطْفٌ على «إِلى عاشر» أَي أَوْ ادَّعيا الأَداءَ إِلى فقيرٍ بالمصر (في غَيْرِ السَّوَائِمِ) وحلفا لأَنَّ كلاًّ منهما ادّعى وَضْعَ الأَمانةِ موضعها، فيُصدَّقان. وإِنَّما

стр. 507

ومِن الحَرْبي العُشْرَ، إِنْ لم يُعْلم ما يَأْخُذون مِنَّا، وإِنْ عُلِمَ أُخِذَ مِثْلُه، إِنْ كان بَعْضًا، ولَم يُؤخَذ منه إِن لم يأخذوا منّا. وعُشِّرَ خَمْرُ الذِّمِّيِّ، لا خِنْزيرُهُ === يحلفان لأَنهما مُنْكِرانِ ثبوتَ الحَقِّ عليهما معنىً، وإِنْ كانا مُدَّعيين صورةً. قيدنا بالمصر لأَنهما لو ادَّعيا الأَداء بعد الخروج من المصر لا تُقبل. وقَيَّد «بغير السوائم» لأَنَّ حقّ الأَخْذِ في السوائم للإِمام كالجزية، فلا يُصدَّقان. وصَدَّقهما مالك والشافعي لأَنهما أَوْصلا الحق إِلى مُستحِقّه. ثمَّ قيل: عندنا الزكاة هو الأَول (١) ، والثاني (٢) سياسة مالية زجراً لغيره عن الإِقْدام عمَّا ليس له، وقيل: هو الثاني، والأَول يَنْقَلِبُ نَفْلاً. (ومِن الحَرْبي) أَي ويَأْخذُ من الحربي (العُشْرَ، إِنْ لم يُعْلم ما يَأْخُذون مِنَّا، وإِنْ عُلِمَ أُخَذَ مِثْلَهُ، إِنْ كان) ما يأخذونه (٣) (بَعْضاً) من المال، وإِن كان مَأْخوذُهم كلَّه أُخِذَ منهم، خلا ما يُوصلهم إِلى مأْمنهم، وقيل: يُؤخذ منه الكلُّ مجازاةً وزجراً لهم عن مِثْله. قلنا: ذلك بعد التأمين غَدْرٌ وهو حرامٌ لِنَهْيه ﷺ عنه، فصار كما لو قتلوا من دخل إليهم بأمانٍ، فإنا لا نفعل كذلك (لذلك) (٤) (ولَم يُؤخَذ منه) أي من الحربي (إِنْ لم يأخذوا منّا)، لأنَّا أحقّ بمكارم الأَخلاق منهم. (وعُشرَ خَمْرُ الذِّمِّيِّ) بأَنْ يَأْخذ العاشِرُ نِصف عُشْر قيمتها كما يُؤخذ من الحربي عشر قيمته (لا خِنْزيرُهُ) وكذا خِنْزِير الحَرْبي. وقال زُفَر: يُعْشَّرَانِ لاستوائهما في المالية عند أَهلِ الذِّمة. وقال أَبو يوسف: إِنْ مَرَّ بهما جُمْلَةً عُشَّرا كأَنه جعل الخنزير تَبَعاً للخَمْر، وإِنْ مَرَّ بأَحدهما عَشَر الخمر دون الخنزير، لأَن الخمر لها مالية في الجملة باعتبار التخليل. ولأَبي حنيفة: أَنَّ القيمة في ذوات القِيَم لها حكم العين، والخنزير من ذوات القيم، والقيمة في ذوات الأَمثال ليس لها حكم العين، والخمر من ذوات الأَمثال. وفي «الغاية»: تُعرف قيمة الخمر بقَوْلِ فَاسِقَيْنِ تابا، أَوْ ذِمِّيين أَسلما. وفي «الكافي»: تُعرف

стр. 508

ولا أَمَانَةٌ، وعَشَّرَ الحربيُّ ثانيًا قبل الحَوْلِ جائيًا من دَارِه. [فصلٌ في زكاة المعادن] وخُمِّسَ مَعْدِنُ ذَهَبٍ أَوْ نَحْوه === بالرجوع إِلى أَهل الذِّمة. وعن الكَرْخِي: أَنَّ جلود الميتة حُكُمُها حُكْمُ الخمر. (ولا أَمَانَةٌ) (١) بأَنْ كان في يد المارِّ المسلم أَوْ الكتابي وديعة أَوْ مضاربة، لأَنه ليس بمالكٍ ولا نائبٍ عنه في أَداء الزكاة، أَوْ ضعفها. ولو كان في مال المضاربة ربح يبلغ نصيب المارّ منه نصاباً عَشَّرَ نَصِيبَهُ. وفي «المحيط»: مَنْ مَرَّ بأَقلِّ من مئتي درهم لم يأْخذ العاشر منه شيئاً، مسلماً كان أَوْ ذمياً، أَوْ حربياً، عَلِم أَنَّ له مالاً آخَرَ في منزلِهِ أَوْ لم يعلم، لأَن حق الأَخذ للعاشر باعتبار الحماية، لأَن الأَموال في البراري محمية بحماية الإِمام، وقَدْرُ ما صار محمياً بحمايته، لا زكاة فيه، وما في بيته لم يدخل في الحماية، ولكن يلزمه الزكاة بينه وبين رَبِّه. (وعُشَّرَ الحربيُّ ثانياً قبل الحَوْلِ جائياً من دَارِه) لأَنَّ الأَمان الأَول انتهى برجوعه إلى دار الحرب، وقد مَرَّ بأَمانٍ جديدٍ فَيُؤخذ منه. قيّد «بِقَبْل الحول» لأَنه إِذا مَرَّ ثانياً بعد تمام الحول عُشِّرَ، سواء كان جائياً من داره أَوْ ذاهباً من دارنا، لأَن الأَخذ الأَول للأَمان السابق وبعد الحول يجدد الأَمان، لأَن الحربي لا يُمَكَّنُ من المقام في دارنا إِلاَّ حولاً واحداً. وقَيّد بكونه «جائياً» من داره، لأَنه إِذا مَرَّ قبل تمام الحول ذاهباً من دارنا لم يُعْشَّر. (فصلٌ في زكاة المعادن) (وخُمِسَ مَعْدِنُ ذَهَبٍ). كان ينبغي أَنْ يَفصل (بفصل) (٢) عَمَّا قبله. والمعْدِنُ: المال المخلوقُ في الأَرض. (أَوْ نَحْوه) أَي نحو ذهب من فضةٍ أَوْ رصاصٍ أَوْ حديدٍ أَوْ نُحاس. وقال الشافعي وأَحمد: لا شيء في المَعْدِنِ لما في الكتب الستة عن أَبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ «العَجْمَاءُ جُرْحُها جُبَارٌ، والبِئرُ جُبَارٌ، والمَعْدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكَازِ الخُمْسُ». والعجماء: البهيمة. والجُبَار: الهَدْر.

стр. 509

وُجِدَ في أَرْضِ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ، === وأُجِيب بأَن معنى الحديث عندنا: أَنَّ مَنِ استأْجر رجلاً لِحفرِ معدن فانهار عليه فهو هَدْر (١) ، لا أَنَّ مَنِ استخرجَ مَعْدِناً فهو له، لما روى البيهقيّ عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «في الرِّكازِ الخُمْسُ، قيل: وما الرِّكَازُ يا رسولَ الله؟ قال: الذَّهَبُ والفِضَّةُ الذي خلق اللهُ تعالى في الأَرض يَوْمَ خُلِقَتْ». ولأَن المعادن كانت في أَيادي الكفار، فإِنَّ الأَرض كانت في أَيديهم والمعادنُ جزءٌ منها، لأَنَّ مَنِ اشترى (أَرضاً) (٢) فوجد فيها مَعْدِناً يكون له، ثم صارتِ الأَرض في أَيدينا فتكون تلك المعادن غنيمةً، وفي الغنيمة الخُمس. ثُم اعلم أَنْ المال المستخرَجَ من الأَرض يقال له: كنز، ومعدن، ورِكاز. والكنز: اسم لِمَا دفنه بنو آدم؛ والمعدن: اسم لما خلقه الله في الأَرض يوم خلقها؛ والرِّكاز: اسم لهما جميعاً، لأَنه يَصْدق على كلَ منهما أَنه مركوزٌ في الأَرض وإِن اختلف الراكز. (وُجِدَ في أَرْضِ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ) وكذا إِذا وُجد في صحراء ليست خَراجيةً، ولا عُشْرِيةً. والتقييد (٣) لإِفادة الحق ليس له تعلق بالأَرض، أَوْ للاحتراز عن الدَّار. والحاصل: أَنه يُؤخذ الخُمْس من المَعْدِن مُطلقاً لا رُبُع العُشْر من النقد فقط إِنْ بلغ نِصاباً كما قاله مالك والشافعي، لما روى أَبو حاتم من حديث عبد الله بن نافع، عن أَبيه، عن عبد الله بن عمرَ قال: قال رسولُ الله ﷺ «في الرِّكازِ العُشُور». قلنا: ابن نافع متروك كما قال النسائي، فلم يَفِد مطلوباً. ولما في «الموطأَ» عن رَبِيعة بن (أبي) (٤) عبد الرحمن، عن غير واحدٍ من علمائهم: «أَنَّ النبيَّ ﷺ أَقطع لِبِلال بن الحارث المُزَني معادن بالقَبَلِيِّة (٥) . وهي ناحية بالفُرْع (٦) ، فتلك المعادن لا يُؤخذ

стр. 510

وبَاقِيهِ لِلوَاجِدِ إِنْ لَمْ تُمْلَكِ الأَرْضُ، وإِلَّا فِلِمَالِكهَا، ولا شَيءَ فيهِ إِنْ وُجِدَ في دَارهِ، وفي أَرْضِهِ رِوَايَتَانِ. === منها إِلا الزكاة إِلى اليوم. قلنا: حديثٌ مُنقطعٌ، ومع اتصاله من رواية الدَّرَاوَرْدِيّ ليس فيه: أَنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ بذلك، وإِنما قال: يُؤخذ منه إِلى اليوم، فيجوز أَنْ يكون ذلك اجتهاداً من أَهل الولايات. وحجتنا الكتاب والسنة، أَمَّا الكتابُ فَظَاهِرُ قَوْله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُم مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١) ولا شَكَّ في صِدْق الغنيمة على هذا المال لما سبق من المقال. وأَمَّا السُّنَّةُ فالحديثان المتقدمان، وأَخرج الحاكم في «المُسْتَدْرَك» عن عمرو بن شُعَيْب، عن أَبيه، عن جده، عن عبد الله بن عمر أَنَّ النبيَّ ﷺ قال في كنز وجده رَجُلٌ: «إِنْ كُنْتَ وَجَدْتَه في قريةٍ غَيْرِ مسكونة، أَوْ في غير سبيل ميتاء، ففيه وفي الرِّكَازِ الخُمْس». ورواه الشافعي عن سفيان، عن داود بن شابور، ويعقوب بن عطاء، عن عَمْرُويَهْ. وفي «الإِمام» عن الشَّعْبِيّ: «أَنَّ رجلاً وجد رِكَازاً فأَتَى به عَلِيّاً، فأَخَذَ منه الخُمْسَ، وأَعطى بَقِيَّتَهُ للذي وجده، فأَخبر به النبيَّ ﷺ فأَعْجَبَهُ». والمُرْسَلُ حجة عندنا وعند الجمهور، فهذا (٢) دليل قوله: (وبَاقِيهِ) وهو أَربعة أَخْماسه (لِلوَاجِدِ إِنْ لَمْ تُمْلَكِ الأَرْضُ) سواء كان الواجد حرَّاً، أَوْ عبداً، مُسلماً، أَوْ ذِمِّياً، لأَنَّ للغانمين يداً باطنةً، ولِلوَاجد يداً ظاهرةً وباطنةً فكانت أَقوى، فكان لها أَربعة أَخماس. ولو كان الواجدُ حربياً مُستأْمَناً أُخذ منه الكل، لأَنَّ الحربي لا حَظَّ له في الغنِيمة أَصلاً، بخلاف الكِتابي فإِنَّ له حظّاً فيها بطريقِ الرضخ: وهو إِعطاء شيءٍ أَقل من سَهْم. (وإِلاَّ) أَي وإِنْ كانتِ الأَرْضُ مملوكةً (فِلِمَالِكِهَا) أَي فباقيه لمالكها، لأَنه صاحب اليد ظاهراً وباطناً. (ولا شَيءَ فيهِ) أَي في المعدن (إِنْ وُجِدَ في دَارهِ)، وقال أَبو يوسف ومحمد رحمهما الله: فيه الخُمْس كالكَنْز. ولأَبي حنيفة: أَنَّ المعدن جزءٌ من الدار خِلْقَةً، ولا مَؤُنة للسلطان بالعُشْر أَوْ الخَرَاج في جزءٍ من أَجزاء الدار، والكَنْز مالٌ أُودِعَ فيها ليس خِلْقَةً. (وفي أَرْضِهِ رِوَايَتَانِ) عن أَبي حنيفة، ففي رواية «الأَصْل»: لا شَيءَ فيه، لأَنَّ

стр. 511

ولا شَيْءَ في لُؤْلُؤٍ وعَنْبَرٍ، ولا في فَيْرُوزَجَ وُجِدَ في جَبَلٍ === كل جزءٍ من أَجزاءِ أَرْضِهِ لا خُمْس فيه، فكذا هذا الجزء. وفي رواية «الجامع الصغير»: فيه الخُمْس، لأَن أَرضه ليست خاليةً عن المُؤَن بخلاف الدار، فإِنها خاليةٌ عنها، ولهذا وَجَبَ العُشْرُ أَوْ الخَراج في الأَرض دون الدار، فكذا هذه للمؤنة. وأَما عندهما: فيجب فيها الخُمْسُ أَيضاً روايةً واحدةً، لإِطْلَاقِ قوله ﵊: «وفي الرِّكَازِ الخُمْسُ»، ودَعْوَى تخصيصه بالدار موقوفةٌ على إِيراد دليله، وكونها خُصَّتْ مِنْ حُكْمَي العُشْر والخَراج بالإِجماع، لا يَسْتَلزم أَنْ تكونَ مخصوصةً من كُلِّ حُكْمٍ إِلاَّ بدليلٍ في كُلِّ حُكْمٍ. (ولا شَيْءَ في لُؤْلُؤٍ) ومُرْجان (وعَنْبَرٍ) وكُلِّ مُستخرَجٍ من البحر ولو كان ذهباً أَوْ فِضِّةً. وقال أَبو يوسف آخِراً ـ وهو قول أَبي حنيفة أَولاً ـ: فيه الخمس، لما روى عبد الرزاق وابن أَبي شَيْبَةَ في «مُصَنَّفَيْهِما» عن مَعْمَر عن سِمَاك بن الفضل: «أَنَّ عمر بن عبد العزيز أَخَذَ من العَنْبَرِ الخُمْسَ». وهو قول الحسن البصري وابن شِهَاب الزُّهْرِيّ. رواه أَبو عُبَيْد. ولهما ما رواه البخاريُّ عن ابن عباس أَنه قال: «ليس العَنْبَرُ بِرِكَازٍ، إِنَّما هو شَيءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ ـ أَي دفعه» ـ. ولفظ ابن أَبي شَيْبَةَ عنه: «ليس في العَنْبَرِ زَكَاةٌ، إِنَّما هو شَيءٌ دَسَرَه البَحْرُ». ولفظ أَبي عُبَيْدٍ عنه: أَنه قال: «ليس في العَنْبَرِ خُمْسٌ». وعن جابر نحوه. فهذا أَوْلى بالاعتبار من قول مَنْ دونهما مِمَّنْ ذكرنا من التابعين. ولأَن قَعْر البحر لا يَدَ عليه، فلا يكون المأْخوذُ منه غنيمةً، فلا يكون فيه خُمْسٌ. وفي «المحيط»: قيل: اللؤلؤ مطر الربيع يقع في الصَّدَفِ فيصيرُ لُؤلؤاً. وقيل: الصدف حيوان يخلق فيه اللؤلؤ. ولا شيء في الماء، ولا فيما يؤخذ من الحيوان كظبْي المِسْك. وأَمَّا العَنْبَرُ فعند محمد حشيش في البحر يبتلعه الحوت، فإِذا استقر في جوفه لفظه لمرارته، وقيل: خِثْيُ دابة في البحر. وقيل: زَبَدُ البحر، فإِنَّ الأَمواج إِذا تَلَاطَمَتْ هاج بها الزبد، فلا تزال بها الريح حتى يمكث ما صفا فينعقد عَنْبَراً، فيقذفه الماء إِلى الساحل، ويذهب ما لا يُنْتَفع به من الزبد جُفَاء. (ولا في فَيْرُوزَجَ (١) ) وياقوت وكل حجر نفيس (وُجِدَ في جَبَلٍ) أَوْ مَفَازَةٍ (٢) .

стр. 512

وكَنْزٌ فيه سِمَةُ الإِسْلام كاللُّقَطَةِ، ومَا فِيهِ سِمَةُ الكُفْرِ خُمِّسَ، وبَاقِيهِ لِلْوَاجِدِ إِنْ لم تُمْلَك الأَرْضُ، وإِلَّا فللمُخْتَطِّ لَهُ. === والحال أَنه ليس بِكَنْز لأَنه من أَجزاء الأَرض، فلا شيءَ فيه كالملح والنُّورَة (١)، ولقوله ﷺ «لا زَكَاةَ في الحَجَر». رواه ابن عَدي من طريقين ضعيفين. (وكَنْزٌ) وهو مال موضوعٌ في الأَرض (فيه سِمَةُ الإِسْلام) أَي علامتُه ككلمةِ الشهادة ونحوها. وهذه الجملة صفة «كَنْز»، وهو مبتدأ خبره (كاللُّقَطَةِ) وسيأتي حكمها إِنْ شاء الله تعالى. وذلك لأَنه من وَضْعِ المسلمين، ومال المسلم لا يُغْنم، فَيَجِبُ تعريفها على ما عُرِف في موضعه. (ومَا): أَي كُنِزَ (فِيهِ سِمَةُ الكُفْرِ) كَنَقْشِ صنمٍ، أَوْ اسم مَلِك معروف بالكفر، (خُمِسَ) اتفاقاً على كل حال، ذهباً كان أَوْ رَصاصاً أَوْ زئبقاً، كبيراً كان الواجد أَوْ صغيراً، حرّاً كان أَوْ عبداً، مُسْلماً كان أَوْ ذِمّياً، لأَن كلَّ مَنْ سمَّيْنَا له فيها حَقٌّ سهماً أَوْ رَضْخاً، ولقوله ﵊: «وفي الرِّكازِ الخُمْس» (٢)، والركاز يتناول الكَنْز لما فيه من معنى الرَّكْز وهو الإِثبات، إِمَّا مخلوقاً وهو المَعْدِن، أَوْ مَوْضُوعاً وهو الكنز، على ما يُفْهم من «المُغْرِب»، وكثير من كُتُب اللغة. (وبَاقِيهِ) وهو أَربعة أَخماس (لِلْوَاجِدِ) أَي مُطْلقاً كما تقدم (إِنْ لم تُمْلَك الأَرْض) لأَنه مِنْ دَفْنِ الكفار وقد وقع أَصله في أَيدي الغانمين، إِلاَّ أَنهم هلكوا قبل تمام الإِحْرَاز منهم، فصار المُسْتَخْرِجُ أَوَّلاً مُحرِزاً له فكان أَحق به، ووجب الخُمْس لأَن ابتداء أَخْذِه كان جهاداً، وإِنْ لم يكن إِحراز هذا المُحْرِز جهاداً. (وإِلاَّ) وإِنْ كانت مملوكةً (فللمُخْتَطِّ لَهُ) أَي المالك (٣) أَول الفتح، ثُم لورثتِهِ مِنْ بعده إِنْ عُرِفوا لانتقاله إِليهم. وقال أَبو يوسف: لِلْوَاجِدِ، لأَنَّ الاستحقاق بتمام الحيازة وهو (من) (٤) الواجد، ولأَن هذا المال لم يدخل تحت قسمة الغنائم لعدم المقابلة، فبقي مباحاً فيكون لِمَنْ سَبَقت يَدُه إِليه. ولهما أَنَّ يد المختط له. سبقت إِليه على الخصوص، فملكت ما في الباطن، وإِن كانت على الظاهر، وإِنْ لم يُعْرف المختط له، قال شمس الأَئمة السَّرَخْسِي: يُصْرف إِلى أَقصى مالك يُعْرف في الإِسلام

стр. 513

ورِكَازُ صَحْرَاء دَارِ الحَرْبِ كُلُّه لِمُسْتَأْمَنٍ وَجَدَهُ، وإِنْ وَجَدَهُ في دَارٍ منها رَدَّهُ على مَالِكِهَا، وإِنْ وَجَدَ رِكَازَ مَتَاعِهِم في أَرْضٍ لم تُمْلك، خُمِسَ، وبَاقِيه لَهُ. === لا يُعْرف غيره، أَوْ (١) لورثته لقيامهم مقام صاحب الخِطَّة في هذه البقعة. وقال أَبو اليَسَر: يوضع في بيت المال. ولو لم يعلم: هل الكَنْز جاهلي أَوْ إِسلامي؟ فظاهر المذهب يجعل جاهلياً، لأَنه الغالب والأَصل. وقيل: يجعل إِسلامياً في زماننا لتقادم العهد، إِذِ الظاهر أَنه لم يبق شيءٌ مِمَّا وضعه أَهْلُ الحرب. وأَمَّا مع اختلاط دراهم الكفار مع دراهم المسلمين، كالمِشْخَص (٢) المستعمل في زماننا في بعض بلاد الإِسلام، فلا ينبغي أَنْ يكون خلافٌ في جعله إِسلامياً. (ورِكَازُ صَحْرَاء (دَارِ) (٣) الحَرْبِ) مَعْدِناً كان أَوْ كَنْزاً، متاعاً كان أَوْ غَيْرَه (كُلُّه لُمُسْتَأْمَنٍ وَجَدَهُ) ولا خُمْس فيه، لأَنه ليس بغنيمة، لأَن الغنيمة ما أُخذ على طريق القهر والجبر، وهذا أَخِذَ على طريق التَّلَصّص. (وإِنْ وَجَدَهُ) أَي المُسْتَأْمَن من الرِّكاز (في دَارٍ منها) أَي من دارِ الحرب (رَدَّهُ على مَالِكِهَا) أَي مالك تلك الدار تحرزاً عن الغدر. (وإِنْ وَجَدَ) أَي المستأْمنَ (رِكَازَ مَتَاعِهِم) ما يَتَمَتَّعُ به أَهل الحرب من ثياب وغيرها (في أَرْضٍ) أَي من أَراضي دار الحرب (لم تُمْلك، خُمِسَ، وبَاقِيه لَهُ) أَي لِلواجِد. قال الشارح: ظاهر هذا أَنَّ المستأمنَ إِذا وجد متاع أَهل الحرب في أَرضهم رِكازاً أُخِذ منه خمسه، والباقي له، والحال أَنه ليس كذلك، لأَن ما يجده المستأمَن رِكازاً في أَرض الحرب لا خُمْس فيه، متاعاً كان أَوْ غَيْرَه. وعبارة «الهداية»: متاع وجد ركازاً فهو للذي وجده، وفيه الخُمْس، معناه وُجِد في أَرض لا مالك لها، لأَنه غنيمة بمنزلة الذهب والفضة. انتهى. وفي «العناية»: إِنما ذكر صاحب «الهداية» هذه المَسْأَلَة لِبيان أَنْ وجوب الخُمْس لا فرق فيه بين كون الرِّكاز من النقدين أَوْ من غيرهما. انتهى. وعلى هذا فيمكن تقرير كلام المصنف بأَن قوله «وُجِدَ» مَبْني للمفعول أَوْ الفاعل، وفاعله ضمير الواجد لا المستأمَن. وقوله في أَرْضٍ لم تُملك: يَعْني من دار الإِسلام، ويكون هذا بياناً لِحُكْم

стр. 514

وفي عَسَلِ أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ، === الرِّكاز من الأَمتعة في دار الإِسلام. وقوله فيما سبق: «وكَنْز فيه سِمَةُ الكفر»: بيانٌ لِحُكْم الرِّكاز من النقدين فيها. ومصْرِف الخُمْس عندنا، وهو قول مالك، مَصْرِف الغنيمة لكونه منها، لا مَصْرِف الزكاة كما قاله الشافعي بناء على إِيجابه الزكاة في معدن النقدين دون الخُمْس. (وفي عَسَلِ أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ) قيد بالعشرية لأَن الأَرض الخَراجية لا شيء في عسلها اتفاقاً. وقال مالك والشافعي: لا عُشْر في العَسَل مُطْلقاً، لأَنهُ مُتولّدٌ من حيوان فأَشبه الإِبْرَيسَم (١) . ولنا ما رواه أَحمد وابن ماجه والبيهقي عن سليمان بن موسى عن أَبي سيَّارة المُتَعي قال: قلتُ: «يا رسولَ الله إِنَّ لي نَحْلاً، قال: «أَدِّ العُشور». قُلت: يا رسولَ الله احْمِها لي، فحماها لي. قال البيهقي: هذا أَصح ما رُوِيَ في وجوب العُشْر فيه. وهو منقطعٌ، لأَن سليمان لم يُدْرِك أَحداً مِنْ أَصحاب رسول الله ﷺ وروى عبدُ الرَّزاق في «مُصنفه» عن أَبي هريرة: أَنَّ النبيّ ﷺ كتب إِلى أَهل اليمن أَنْ يُؤُخذ من أَهل العسل العشور. وليس فيه عِلَّةٌ إِلا عبد الله بن مُحَرَّر (٢) ، قال ابن حِبَّان: كان من خيار عباد الله إِلاَّ أَنَّه كان يكذب ولا يَعْلَم، ويَقْلِب الأَخبار ولا يفهم. وحاصله أَنه كان يغلَط كثيراً. وروى ابن ماجه: حدثنا محمد بن يَحْيَى، عن نُعَيْم بن حمَّاد، عن ابن المبارك، عن أُسامة بن زيد، عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن أَبيه، عن جدِّه عبد الله بن عَمْرو: «أَنَّ النبيَّ ﷺ أَخَذَ من العَسَلِ العُشْر». وقال الشافعي: أَخبرنا أَنس بن عِيَاض، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أَبي ذُبَاب (٣) الدَّوْسِي، عن منير بن عبد الله، عن سعد بن أَبي ذُبَاب الدَّوْسِي قال:

стр. 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === «أَتَيت النبيّ ﷺ وأَسلمت، وقلت: يا رسولَ، اجعل لقومي ما أَسلموا عليه، ففعل، واستعملني عليهم أَبو بكر بعد النبيّ ﷺ واستعملني عمر بعد أَبي بكر، فلما قَدِم على قومه قال: يا قوم أَدُّوا زكاة العسل، فإِنه لا خير في مال لا تُؤدَّى زكاته. قالوا: كم ترى؟ قلت: العشر، فأَخذت منهم العُشْر، فأَتَيت به عمر ﵁، فباعه وجعله في صدقات المسلمين». وما في «سنن أَبي داود» من حديث عَمرو بن شُعَيب، عن أبيه عن جده قال: «جاء هلال ـ أَحد بني مُتْعَان ـ إِلى رسول الله ﷺ بعُشور نَحْلٍ له وكان سأله أَنْ يَحْمِي له وادياً يقال له: سَلبَة، فحماه له». ولا شك أَنَّ هذا القَدْر يفيد الوجوب فيه، وإِنَّ أَخْذَ سَعْدٍ لم يكن رأْياً منه ولا تطوّعاً منه فإِنه قال: «أَدُّوا زكاة العسل». والزكاة: اسم للواجب، فيحتمل كونه سَمِعه من النبيّ ﷺ وكونه رأياً منه، وحَمْلُه على السماع أَولى بقرينةِ نَفْي الخَيْرِيَّة عن مالٍ لا تُؤدَّى زكاته. ويدل عليه أَيضاً الحديث المرسل الذي لا شبهة في ثبوته (١) ، وفيه الأَمر منه ﷺ بأَداءِ العُشور. والمُرسل بانفراده حجّة على ما أقمنا عليه الدليل، وبتقدير أَنْ لا يُحتج به بانفراده، فتعدد طرق الضعيف ضعفاً بغير فِسْق الراوي يفيد حُجِّيَّته، إِذْ يغلِب على الظنِّ إِجادة كثير الغلط في خصوص هذا المتن، وهنا كذلك، وهو المرسل المذكور، فثبتت الحجّية اختياراً منهم ورجوعاً، وإِلا فإلزماً وجبراً. هذا، ويعتبر أَبو يوسف في رواية نصاب العسل بعَشْر قِرَب، كُلُّ قِرْبَة خمسونَ مَنَّاً (٢) ، لِمَا روى الطَّبَراني عن عمرو بن شُعَيْب، عن أَبِيه عن جده: «أَنَّ بني سَيَّارة ـ بطن من فَهْم ـ كانوا يُؤدون إِلى رسول الله ﷺ عن نَحْلٍ كان لهم العُشْرَ: من كل عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَة، وكان يَحمِي وَادِيَيْنِ لهم، فلما كان عمر استعمل على ما هناك سفيان بن عبد الله الثَّقَفِي، فأَبَوْا أَنْ يُؤَدوا إِليه شَيئاً، قالوا: إِنَّما كُنَّا نؤدّيه إِلى رسول الله ﷺ فكتب سفيان إِلى عمرَ، فكتب إِليه عمرُ: إِنَّما النَّحْلُ ذباب غَيْث يسوقه اللهُ رِزْقاً إِلى مَنْ يَشاء، فإِنْ أَدَّوا إِليك ما كانوا يؤدون إِلى رسول الله ﷺ فاحم لهم أَوديتهم، وإِلاَّ فَخَلِّ بينه وبين الناس. فأَدَّوا إِليه ما كانوا يُؤدّون إِلى رسول الله ﷺ (فَحَمَى لَهُمْ أَوْدِيَتَهُم)» (٣) . وروى أَبو عُبَيْد القاسم بن سَلاَّم بإِسْنَادِهِ (٤) : «أَنَّ

стр. 516

أَوْ جَبِلٍ وثَمَرِهِ. [فَصْلٌ في زَكَاةُ الخَضْرَاوَاتِ] ومَا خَرَجَ مِنَ الأَرْضِ وإِنْ قَلَّ: عُشْرٌ، إِنْ سَقَاه سَيْحٌ أَوْ مَطَرٌ، === رسولَ الله ﷺ كان يؤخذ في زمانه من (العسل من كل عشر قِرَب قِرْبة من) (١) أَوْسَطها». وروى الترمذي عن (ابن) (٢) عمر، أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «في العَسَل في كُلِّ عشرة أَزُقَ زِقٌّ»، إِلاَّ أَنه قال: في إِسناده مَقَال. ورواه الطبراني عن ابن عمر أَيضاً، ولفظه: قال: «في العَسَل العُشْر، في كل عَشْرِ قِرَب قِرْبة، وليس فيما دون ذلك شيءٌ». فلا يَخْفى أَنَّ الأَحاديث السابقة كلها لم تدل على نصاب إِلا الأَخير، وهو شَاذٌّ تُفُرِّد به. (أَوْ جَبَلٍ) أَي أَوْ في عَسَلٍ جَبَلِي. وقال أَبو يوسف: لا شيء في العسل الجبلي، لانعدام السبب: وهو الأَرض النامية. وأُجيب بأَنَّ المقصود الخارجُ وهو موجودٌ. (وثَمَرِهِ) عطف على عسل، والضمير للجبل. (فصلٌ في زكاة الخَضْرَاوَاتِ) (ومَا خَرَجَ مِنَ الأَرْضِ) العُشْرِية، ولو كانت وَقْفاً أَوْ لِصَبي أَوْ لِمَجْنُون (وإِنْ قَلَّ) متصل بكل واحد من العسل والثمر وما خرج من الأَرض (عُشْرٌ) هذا مبتدأ، «وفي عَسَلِ أَرْضٍ»: خبره (إِنْ سَقَاه سَيْحٌ): وهو الماء الجاري على الأَرض (أَوْ مَطَرٌ). وقال أَبو يوسف ومحمد: لا يجب العشر فيما لا يبقى، وقُدِّر البقاء بسنة من غير معالجة كثيرة، ولا فيما دون خمسة أَوْسُق (٣) ، كل وَسْق ستون صاعاً بصاع النبيّ ﷺ لما روى الترمذي عن معاذ: أَنه كتب إِلى النبيّ ﷺ يسأَله عن الخَضْرَاوات وهي البُقُول، فقال ﵊: «ليس فيها شيءٌ». قال بعض الشراح: قوله ﵊: «ليس في الخَضْرَوات صدقة». رُوِيَ بأَلفاظ متعددةٍ عن عدة من الصحابة منهم: عليّ، ومعاذ، وطلحة بن عبيد الله، وأَنس بن مالك، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعائشة، ﵃، بأَسانيدَ مضعَّفة ومرسلة.

стр. 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال البيهقيُّ: وهذه الأَحاديث يشد بَعْضُها بَعْضاً، ومعها قول بعض الصحابة. ثُم أَخرج عن عمر أَنه قال: «ليس في الخَضْرَاوات صدقة». ولأَن العقل يجزم باستحالة الغلط على جملة الأَسانيد، كيف وفيها مرسل صحيح، رواه الدَّارَقُطْنيّ عن موسى بن طلحة بن عبيد الله: «أَنَّ رسول الله ﷺ نهى أَنْ يُؤْخَذ من الخَضْرَاوات صدقة»، وهو حجة عندنا وعند الجمهور. وأَما قول الترمذي: لم يصح في هذا الباب عن النبيِّ ﷺ شيءٌ، فإِنما هو باعتبار كل فردٍ فرد، فلا ينفي صحة الإحاديث بجملتها، كالتواتر المعنوي، فينبغي حَمْلُه على صدقةٍ يأْخذها العاشر، وبه يقول أَبو حنيفة. ولِمَا في الصحيحين عن أَبي سعيدٍ الخُدْري قال: قال رسولُ الله ﷺ «ليس فيما دون خَمْسَةِ أَوسق صدقة». وفي لفظٍ لمُسْلم: «ليس في حَبَ ولا تَمْرٍ صدقةٌ حتى يَبْلُغَ خمسة أَوسق». وفي رواية: «ولا ثمر» بالمثلثة. وفي لفظٍ لأَبي داود: «ليس فيما دون خمسة أَوْسق صدقة». وروى أَحمد وابن ماجه عن أَبي سعيد الخُدْري: أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «الوَسْقُ سِتُّونَ صاعاً». ولنا عموم قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ ما كَسَبْتُم وممَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ (١) ، وما روى البخاري وأَصحاب السُّنن من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «فيما سَقَتِ السماءُ والعيون أَوْ كان عَثَرِياً العُشْرُ، وفيما سُقي بالنَّضْح نصفُ العُشْرِ». والعَثَرِي: بالعين المهملة والمثلثة المفتوحتين وبالراء. قال الخَطَّابي: هو الذي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ مِنْ غير سَقْي. والمراد بالنضح: هنا السَّوَاني (٢) ، لما في رواية البخاري: «وفيما سُقي بالسانية». ورواه أَبو داود بلفظ: «فيما سَقَتِ السماءُ والأَنهار والعيون أَوْ كان بقلا العُشْر، وفيما سُقِي بالسواني والنضح نصف العُشْر». ورواه مسلم بلفظ: «فيما سَقَتِ السماءُ والغيم، وفيما سُقِي بالسانية نصف العُشْر». وفي نسخة: «فيما سَقَتِ الأَنهارُ والغيم». ومن الأَثر قول عمر بن عبد العزيز: «فيما أَنْبَتَتْ الأَرْض من قليلٍ أَوْ كثيرٍ العشر». ونحوه عن مجاهد وإِبراهيم النَّخَعِي، وزاد إِبراهيم: «حتى في كلِّ عشرة دَسْتَجَاتٍ (٣) دَسْتَجَةٌ».

стр. 518

إِلَّا في نَحْوِ حَطَبٍ. ونِصْفُ عُشْرٍ إِنْ سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ بِلا رَفْعِ مُؤنِ الزَّرْعِ. === هذا، وحديث: «ليس فيما دون خمسة أَوْسق صدقة» محمولٌ على زكاة التجارة. وقيمة الوَسْقِ كانت يَوْمَئِذٍ أَربعينَ دِرْهَماً، ولذا لم يقل: ليس فيما دون خمسة أَوْسُق عُشْر. ثُم وقتُ وجوب العُشْر حين ظهور الثمرة عند أَبي حنيفة، وحين الإِدراك عند أَبي يوسف، وحين الحصول في الحظيرة عند محمد. وثمرة الخلاف تظهر في وجوب الضمان بالإتلاف. ويُعتبر لإِيجاب العُشْر أَوْ نصفه أَكثر المدة في السَّقْي بِسَيْحٍ أَوْ آلة، لأَن الأَقل تابع للأَكثر ومغلوب. فلو سقيتَ نصفَه بآلةٍ ونصفه بغيرها، قيل: يجبُ ثلاثة أَرْباع العُشْر. (إِلاَّ في نَحْوِ حَطَبٍ) هذا استثناء من قوله: «وما خرج من الأَرض». والمعنى: أَنْ نحو الحطب مما لا يُقْصَدُ به استغلال الأَرْض غالباً فلا عُشْر فيه، وذلك كالقصب الفارسي، والعُشْب، وكالحَبِّ الذي لا يصلح للزراعة مثل بَذْرِ البِطِّيخ، والقِثَّاء (١) ، وكالتِّبْن، والسَّعَف (٢) ، والصَّمْغ، والقَطِران (٣) مما يخرج من الشجر والنخل وليس بثمرة، ولو استغل أَرضه بشيءٍ من ذلك وجب فيه العشر. (ونِصْفُ عُشْرٍ إِنْ سقي بِغَرْبٍ) أَي دَلْوٍ عظيمٍ (أَوْ دَالِيَةٍ) أَي دولاب تديره البقر. وقال أَبو يوسف ومحمد: لا بدّ أَنْ يكون المَسْقيُّ بغَرْب أَوْ دالية مما يبقى سنة ويكون خمسة أَوْسُق (٤) ، كما تقدم. (بِلَا رَفْعِ مُؤَنِ الزَّرْعِ) يعني لا يَحْسُبُ ربُّ المال أُجْرَةَ العمال، ونفقة البقر، وكَرْي النهر، وغير ذلك مما يحتاج إِليه في الزرع فيرفعها، ثُم يخرج من الباقي العشر أَوْ نِصْفَه لإِطلاق ما تلونا من الآية، وعموم ما روينا من الحديث. ولأَنه ﵊ حَكَم بتفاوتِ الواجب لتفاوت المُؤن، فلا معنى لرفعها.

стр. 519

وماءُ السماءِ والعَيْنِ والبِئْر عُشْريٌّ، وماءُ أَنْهَارٍ حَفَرَها العَجَمُ خَراجِيٌّ، وكذا الأَنهارُ الأَربعةُ عِنْدَ أَبي يُوسُفَ لا عِنْدَ محمدٍ. وأَرْضُ العَرَبِ ومَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ وأُقِرَّ في أَيديهم، أَوْ فُتِحَ عَنْوةً وقُسِمَ بَيْنَ جَيشِنَا، والبَصْرَةُ عُشْرِيَّةٌ === وفي «الخلاصة»: لو جعل السلطان العشر لصاحب الأَرض، لا يجوز، ولو جعل الخراج له جاز (١) عند أَبي يوسف، وعليه الفتوى إِذا كان من أَهل الخَرَاج. وقال محمد: لا يجوز. (وماءُ السماءِ والعَيْنِ والبِئْر عُشْريٌّ) لأَن هذه المياه لم تدخل تحت ولاية أَحد. وفي «الكافي»: إِنما يكون ماء العين والبئر عُشْرِياً إِذا كانتا في أَرْضٍ عُشْرِيةٍ، فإِذا كانتا في أَرضٍ خَرَاجِيَّةٍ فهما خراجيتان. (وماءُ أَنْهَارٍ حَفَرَها العَجَمُ) أَي ملوك الجاهلية قبل ظهور الإِسلام، مثلاً «يَزْدَجَرْد» و «مَرْوَرُود» (خَراجِيٌّ، وكذا الأَنهار الأَربعة): وهي جَيْحُون نهر تِرْمِذ، وسَيْحُون نهر التُّرْك، وهو نهر خُجَنْد، ودِجْلَة: نهر بغداد، والفُرَات: نهر الكوفة. (عِنْدَ أَبي يُوسُفَ) خَراجية (لا عِنْدَ محمدٍ) لأَنها لا تدخل تحت يدٍ فصارت كالبحار. ولأَبي يوسف: أَنها (من اتخَذَ) عليها القناطر من السفن فهو يدٌ عليها. (وأَرْضُ العَرَبِ) قال أَبو عبيدة: وهي ما بين حفر أَبي موسى إِلى أَقصى اليمن في الطول، وما بين أَرض بِئرِين إِلى منقطع السَّمَاوة في العرض. وهي: تِهامة، والحجاز، ومكة، واليمن، والطائف، والعُمَان، والبحرين. وفي البخاري: قال يعقوب بن محمد: «سَأَلْتُ المُغِيرَة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب، فقال: مكة، والمدينة، واليمامة (٢) ، واليمن». وفي «شرح الوافي»: هي: أَرض الحجاز، وتهامة، واليمن، ومكة، والطائف، والبُرَيْه. (ومَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ وأُقِرَّ في أَيديهم، أَوْ فُتِحَ عَنْوةً) أَي قَهْراً (وقُسِمَ بَيْنَ جَيْشِنَا،) والبَصْرَةُ عُشْرِيَّةٌ) أَمَّا أَرض العرب فلأَن الخَراج بمنزلة الفيء، فلا يثبت في أَرض العرب، كما لا تثبت الجِزْيَة في رِقابهم، لأَن العرب لا يُقْبل منهم إِلاَّ الإِسلام. وفي «المحيط»: وكان القياس في أَرض مكة أَنْ تكون خَراجية، لأَنها فُتِحَتْ عَنوَةً، لكنَّ رسول الله ﷺ لم يوظِّف عليها. وأَمَّا ما أَسْلم أَهله أَوْ فُتِح عَنوةً، فلأَن الحاجة فيهما إِلى ابتداء التوظيف على المسلم، والعُشْر أَلْيَق به، لما فيه من معنى

стр. 520

والسَّوَادُ وما فُتِحَ عَنْوَةً وأُقِرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ أَوْ صَالَحَهُم: خَرَاجِيَّةٌ. ومَوَاتٌ أُحْيِيَ يُعْتَبَرُ بقُرْبِهِ. === العبادة، ولهذا يشترط فيه النيةُ، ويصرف مصارف الصدقات. وأَمَّا البَصْرة، فلأَنَّ القياس فيها أَنْ تكون خَرَاجيةً كما في أَرض العراق، إِلاَّ أَنَّ الصحابة وضعوا عليها العُشْر، ذكر ذلك أَبو عمر ابن عبد البَر وغيره. (والسَّوَادُ) أَي سواد العِراق، وسُمِّيَ بذلك لِخُضْرَةِ أَشجاره وكثرة زروعه، وهو مَمْلُوكٌ عندنا لأَهْلهِ. وعند الشافعيِّ: هو وَقْفٌ على المسلمين، وأَهْلُهُ مستأجرون. وَحَدُّهُ طُولاً: ما بين العُذَيب إِلى عَقَبَة حُلْوَان ـ اسم بلدة ـ، وعَرْضاً: من العَلْثِ (١) : ـ وهي أَرض موقوفة على العلوية ـ، وقيل: من الثغلبية (٢) ـ إِلى عَبَّادَان: وهي حصن صغير على شاطاء البحر. (وما فُتِحَ عَنْوَةً وأُقِرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ أَوْ صَالَحَهُم خَرَاجِيَّةٌ) لأَن الحاجة إِلى ابتداء التوظيف على الكافر، والخَرَاج أَلْيَقُ به من العُشْر، ولما روى أَبو عُبَيْد القاسم بن سَلاَّم في كتاب «الأَموال» عن إِبراهيم التَّيْمِي قال: لما افْتَتَحَ المسلمونَ السَّوَادَ قالوا لِعُمَرَ: «اقسمه بيننا، فَأَبَى وقال: ما لِمَنْ جاء بَعْدَكُم مِنَ المسلمين؟ قال: فَأَقَرَّ أَهلَ السَّواد في أَرضهم، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أَرضهم الخَراج». والشَّامُ خَراجيةٌ، وكذا مصر، لما روى ابن سَعْد في «الطبقات» في ترجمة عمرو ابن العاص عن مشيخة من أَهل مصر ـ أَي مشايخ منهم ـ أَنَّ عمرو بن العاص افتتح مصر عَنْوةً، واستباح ما فيها، وعزل منه غنائم المسلمين، ثُم صالحهم بعد ذلك على الجزية في رقابهم، ووضع الخَرَاج على أَراضيهم. (ومَوَاتٌ أُحْيِيَ يُعْتَبَرُ بقُرْبِهِ) فإِنْ كان إِلى الخَرَاجية أَقْرب فهو خَراجِي، وإِنْ كان إِلى العُشْريةِ أَقرب فهو عُشْرِي، وهذا عند أَبي يوسف، لأَن ما قرب من الشيء له حُكْمه، كفِنَاء (٣) الدار له حُكْمُهَا. وقال محمد: إِنْ أُحْيِي الموات ببئر حُفِرَتْ، أَوْ بعين

стр. 521

والخَرَاجُ إِمَّا خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ، كَمَا يُوضَعُ رُبُعٌ أَوْ نَحْوُه، ونِصْفُ الخَارِجِ غايةُ الطَّاقَةِ. وإِمَّا موظَّف: كَمَا وَضَعَ عُمَرُ على السوادِ لِكُلِّ جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ الماءُ صاعٌ مِن بُرِّ أَوْ شَعِيرٍ ودِرْهَمٍ، ولِجَرِيبِ الرَطْبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ولِجَرِيبِ الكَرْمِ والنَّخْلِ مُتَّصِلةً === استخرجت، أَوْ بالأَنهار التي لا يملكها أَحَدٌ، فهي عشرية. وإِنْ أُحْيِيَ بالأَنهار التي حفرها العَجَمُ فَخَرَاجيةٌ، وهذا في حَقِّ المُسْلِم. وأَمَّا الكافرُ فيجب عليه الخَراج مُطْلقاً. وعندنا لا عُشْر في خارج أَرض الخَراج، كما لا خَرَاج في خارج أَرض العُشْر. وأَوجبه مالك والشافعي، لأَنهما جنسان مختلفان، فإِنَّ الخراج دراهم، والعشر بعض الخارج، والسبب أَيضاً مختلف، فَسَبَبُ (١) الخَراج الأَرض النامية، ولذا يجب بدون وجود الخارج، وسَبَبُ العُشْر الخارج، فإِنه لا وجوب حيث لا خارج، فإِذا اختلفا لم يتنافيا. ولنا ما رواه أَبو حنيفة عن حَمَّاد، عن إِبراهيم، عن عَلْقَمَةَ، عن عبد الله بن مسعود قَال: قَال رسول الله ﷺ «لا يُجْمَعُ على مُسْلم عُشْرٌ وخَرَاجٌ في أَرْضٍ». ولإِجْمَاعِ الصحابة، إِذْ قد فُتِحَ السواد لم يُنْقَل عنهم جمعهما على مالك. (والخَرَاجُ إِمَّا خَرَاجٌ مُقَاسَمَةٍ): بأَن يضع الإِمام على الأَرض جُزأً شائعاً من الخارج منها (كَمَا يُوضَعُ رُبُعٌ أَوْ نَحْوُه ونِصْفُ الخَارِجِ غايةُ الطَّاقَةِ)، لأَنَّ الأَنْصاف عينُ الإِنصاف، وقد عامل النبيُّ ﷺ أَهل خَيْبر على نصف ما يخرج منها. (وإِمَّا موظَّف: كَمَا وَضعَ عُمَرُ على السوادِ لِكُلِّ جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ الماءُ صاعٌ مِنْ بُرَ أَوْ شَعِيرٍ ودِرْهَمٍ) أَي مع كل منهما، فقوله: «صاع» مبتدأ خبره «لكل»، والجملة في محل نصب على أَنه مفعول «وَضَعَ». وفي بعض النُّسَخ «صاعاً» بالنصب، ولا وجه له برفع «درهم». والجَرِيب: ستون ذراعاً في ستين ذراعاً بذراع المَلِكِ كِسْرى، وهو يزيد على ذراعِ العامَّة بقبضة، كذا في «المحيط». والصَّاع: القفيز الهاشمي، وهو أَربعة أَمْنَان، والمَنُّ: مئتان وستون دِرْهَماً. وقال المصنف: في كُتُب الفقه: ذِرَاعُ الكِرْباس: سبع قبضات، وذراع المساحة: سَبْعُ قبضات وأُصبع قائم. وعند أَهل الحساب: الذراع: أَربع وعشرون أُصبعاً، والأُصبع: سِتُّ شَعِيرَات مضمومةٌ بطونُ بعضِها لبعض. (ولِجَرِيبِ الرَّطْبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ولِجَرِيبِ الكَرْمِ والنَّخْلِ مُتَّصِلةً) بأَنْ لا يكون

стр. 522

ضِعْفُهُ، ولِمَا سِوَاهُ مَا تُطِيقُهُ. ولا خَرَاجَ لو انْقَطَعَ الماءُ عَنْ أَرضٍ، أَوْ غَلَبَ عليها، أَوْ أَصابَ الزَّرعَ آفَةٌ. ويَجِبُ إِنْ عَطَّلَها مَالِكُهَا، ويَبْقَى إِنْ === قطعة من الأَرض خالية منه (ضِعْفُهُ)، أي ضِعْفُ جَرِيب الرطبة: وهو عشرة دراهم، هكذا ذُكِر توظيف عمر في كتب الفِقْه. وروى ابن أَبي شَيبةَ عن قَتَادَة، عن أَبي مِجْلَزٍ (١) قال: بَعَثَ عمرُ ﵁ عثمانَ بنَ حُنَيْف على مساحةِ الأَرض، فوضع عثمانُ: على الجَرِيب من الكرم عَشَرَةَ دَرَاهِمَ (٢) ، (وعلى جَرِيب النَّخْلِ ثمانية دراهم)، وعلى جريب القصب ستة دراهم ـ يعني الرطبة ـ، وعلى جَرِيب البُرِّ أَربعة دراهم، وعلى جَرِيب الشعير دِرْهَمَيْنِ. انتهى. وفي «المُحِيط»: وإِنْ كانت الأَشجار متفرقةً فلا شيء فيها، لأَنها تابعةٌ للأَرض بدليل أَنها تدخل في البيع، من غير ذِكْر، فوظيفةُ الأَرض وظيفة الأَشجار. (ولِمَا سِوَاهُ) نحو الزَّعْفَرَان (مَا تُطِيقُهُ) الأَرض: بأَن ينظر ما يبلغ غلتها، فإِنْ بلغت قَدْرَ غلة الزراعة (٣) ، يؤخذ منها خَراج الزرع، أَوْ غلة الرطبة فخَراج الرطبة. ولو لم تطق الأَرض ما وُظِّف عليها نقصه الإِمام، ولو أَطاقت الزيادة، ففي «المحيط»: أَجمعوا على أَنه لا يجوز الزيادة على وظيفة الأَرض التي وظفها عمر كسواد العراق، ولا على ما وظفه إِمامٌ آخر في أَرض مثل ما وظفه عمر. ويجوز في غيرهما عند محمد وهو روايةٌ عن أَبي يوسف. ولا يجوز عند أَبي يوسف، وهو روايةٌ عن أَبي حنيفة. (ولا خَرَاجَ لو انْقَطَعَ الماءُ عَنْ أَرضٍ أَوْ غَلَبَ عليها) وكذا لو مَنَعَهُ إِنسانٌ مِنْ زَرْعِهَا ابتداءً ولم يَبْقَ من السَّنَةِ ما يمكن أَنْ تُزْرَع الأَرض فيه، لأَن التَّمَكُّنَ من الزراعة في كل الحول شَرْطُ الخَراج. (أَوْ أَصابَ الزَّرعَ آفَةٌ) وبقي، لأَنَّ الأَصْلَ في الوجوب هو الخارج، فإِذا وُجِد تعلق به، وسقط خَلَفُهُ، وهو التمكن، وإِذا تعلق به سقط بهلاكه كالعشر، ويؤخذ إِذا سَلِمَ الخارج، وسقط إِذا هلك. (ويَجِبُ) الخَراج (إِنْ عَطَّلَها مَالِكُهَا) لأَن التقصير من جهته (ويَبْقَى) الخَراج (إِنْ

стр. 523

أَسلم المَالِكُ، أَوْ شراها مُسْلِمٌ. إِنِ اشْتَرَى الكَافِرُ عُشرِيَّةَ مُسْلِمٍ وُضِعَ الخَراجُ. === أَسلم المَالِكُ، أَوْ شراها) أَي الأَرض الخَراجية (مُسْلِمٌ) لأَنَّ الخَراج فيه معنى المؤنة ومعنى العقوبة، فاعتبر مُؤْنةً حالة البقاء، فبقي على المسلم، وعقوبةً حالة الابتداء، فلم يبتدأ به المسلم. ولما روى البيهقيُّ من حديث طارق بن شهاب قال: أَسلمت امرأَةٌ من أَهل نهر الملك ـ أَي كِسْرَى ـ فكتب عمر بن الخطاب: «إِنْ اختارت أَرضَها وأَدَّت ما على أَرضها فخلوا بينها وبين أَرضها، وإِلاَّ فخلوا بين المسلمين وبين أَرضيهم» (١) . وروى أَيضاً: أَنَّ فَرْقَداً السلمي قال لعمر بن الخطاب: «إِنِّي اشتريت أَرْضاً من أَراضي السواد. فقال عمر: أَنت فيها مثل صاحبها». قال صاحب «الهداية»: وليس على المجوسي في داره شيءٌ، لأَنَّ عمر جعل المساكن عَفْواً، فغير معروف عند المُحَدِّثين. وإِنَّما روى أَبو عُبَيْدٍ تَعْليقاً: أَنَّ عمر جعل الخَراج على الأَرَضِين التي تُغِلُّ مِنْ ذوات الحَبِّ والثمار والتي تَصْلُح لِلغَلَّةِ من النَّامِي والعاقر (٢) ، وعَطَّل من ذلك المساكن والدُّور التي هي منازلهم، ولم يجعل عليهم فيها شَيْئاً. (إِنِ اشْتَرَى الكَافِرُ) أَي الذِّمي غير التغلبي (عُشرِيةَ مُسْلِم وُضِعَ الخَراجُ) عند أَبي حنيفة، لأَنه أَلْيَقُ بحال الكافر، إِذْ العُشْر مُشْتَمِلٌ على معنى العبادة، والكافر ليس بأَهْلٍ لها، فإِذا خَلا العُشْر عن معناها لم يكن عشراً، وإِخلاء الأَرضِ عن الواجب مُمْتَنِع، فَتَعَيَّنَ الخَراج. وَوُضِعَ العُشْرُ مُضَاعَفاً عند أَبي يوسف، لأَن تضعيفَ ما يُؤخذ من المسلم على الذمّي ثابتٌ في الشرع، كما إِذا مَرَّ على العاشر. فعلم أَنَّ ما يؤخذ من المسلم إِذا ثَبَتَ أَخْذه من الذمّي يضعف عليه ويُصْرف (٣) مصارف الخراج اعتباراً بالتغلبي. ووضع العشر عند محمد لأن المُؤْنة عنده لا تتغير. قَيَّدْنا بغير التغلبي، لأن التغلبي يُؤْخذ منه العُشْر مُضاعفاً إِلاَّ عند محمد. ولا يُؤخذ خَراجٌ آخَرُ، أَوْ عُشْرٌ، أَوْ زكاةٌ أَخَذَهُ بُغَاةٌ: وهُم قومٌ من المسلمين خرجوا عن طاعة الإِمام العادل بحيث يَسْتَحِلُّون قَتْلَ غيرِ العادلِ ومَالَهُ بتأْويل القرآن،

стр. 524

فَصْلُ في مَصْرفِ الزَّكَاةِ === ودانوا ذلك، وقالوا: مَنْ أَذنب صغيرةً أَوْ كبيرةً فقد كَفَرَ وحَلَّ قَتْلُه إِلاَّ أَنْ يتوب، وتمسكوا بظاهرِ قوله تعالى: ﴿ومَنْ يَعْصِ اللَّهَ ورسولَهُ فإِنَّ له نارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فيها﴾ (١) ، فإِذا ظهر هؤلاء على بلدة فيها أَهلُ العدل فأَخذوا الخَراج وصدقة السوائم، ثم ظهر عليهم (٢) الإِمامُ، لا يأْخذ منهم شيئاً ثانياً، لأَنه لم يَحْمِهم، والجباية بالحماية. وأفتوا بأَنْ يُعيدوا الزكاة دون الخراج، وهو اختيار أَبي بكر الأَعمش، لأَنهم مصارف الخَراج لكونهم مقاتِلَة، حتى إِذا ظهر عَدُوٌّ ذَبُّوه عن دار الإِسلام. وأَمَّا الصدقات فَمَصْرِفُها الفقراء وهم لا يصرفونها إِليهم. وقيل: إِذا نوى بالدفع التصدّقَ عليهم يسقط، وهو المحكي عن الفقيه أَبي جعفر، وكذا الدَّفْع إِلى كلَ جائرٌ، لأَنهم بما عليهم من التَّبِعات فقراء. والإِفتاء بالإِعادة أَحْوط، بناءً على أَنَّ عِلْم من يأْخذ لما يأخذ شرط، وهذا يقتضي التعميم في الإِعادة للأَموال الباطنة والظاهرة سوى الخراج. وقد لا يبنى على ذلك، بل على أَنْ المقصود من شرعية الزكاة سَدُّ خَلَّة (٣) المحتاج وذلك يَفُوت (٤) بالدفع إِلى هؤلاء. وقال الحاكم الشهيد: هذا يعني السقوط في صدقات الأَموال الظاهرة. وأَمَّا إِذا صادره ظالم، فنوى عند الدفع أَداء الزكاة إِليه فعلى قول طائفةٍ يجوز، والصحيح أَنه لا يجوز، لأَنه ليس لظالم ولايةُ أَخْذِ زكاةِ الأَموال الباطنة. والله تعالى أَعلم. فصلٌ في مَصْرِفِ الزكاةِ والأَصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاءِ والمَسَاكِينَ والعَامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفي الرِّقاب والغَارِمينَ وفي سبيل اللهِ وابنِ السَّبِيلِ﴾ (٥) ، فذكر تعالى ثمانية أَصناف، وقد سقط منها «المؤلّفة قلوبهم»، لما روى ابن أَبي شيبة عن عامر الشَّعْبي أَنه قال: «إِنَّمَا كانت المؤلّفة على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فلما وَلِيَ أَبو بكر انقطعت.

стр. 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال الشيخ عبد العزيز: سُقُوطُهم تقريرٌ لما كان زَمَنَ النبيِّ ﷺ من حيثُ المعنى، لأَنَّ الدَّفْعَ إِليهم في ذلك الوقت كان لإِعزاز الإِسلام لكثرة أَهل الكفر، والإِعزاز بعد ذلك في عدم الدفع لكثرة أَهل الإِسلام. انتهى. وتردّد في سقوطهم مالكٌ والشافعيُّ. والصحيحُ بقاءُ حكمهم إِنْ احتيج إِليهم. وهم كانوا ثلاثة أَقسام: قسم كفار كان ﷺ يعطيهم ليتألفهم على الإسلام، وقسم كان يعطيهم لدفع شرّهم، وقسم أَسلموا وفيهم ضعفٌ في الإِسلام فكان يتأَلفهم ليثبتوا. لا يُقَال كيف يجوز صرف الصدقات إِلى الكفار، لأَنا نقول بإِعطاء النبيِّ ﷺ إِيَّاهم على أَنهم كانوا مخصوصين في زمنه ﷺ من قوله ﷺ لمعاذ: «خُذْها من أَغنياءهم وَرُدَّها في فقرائهم» (١) . ثُم روى الطبري (٢) في «تفسيره» في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاءِ﴾ الآيةَ، بإِسناده عن يَحْيَى بن أبي كثير أَنه قال: المؤلّفة مِنْ بني أُمية: أَبو سفيان بن حَرْب، ومِن بني مَخْزُوم: الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن يَرْبُوع، ومن بني جُمَح: صفوان بن أُمية، ومن بني عامر بن لُؤي: سُهَيْل بن عمرو، وحُوَيْطب بن عبد العُزَّى، ومن بني أَسد بن عبد العُزَّى: حكيم بن حِزَام، ومن بني هاشم: أَبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ومن بني فَزَارة: عُيَيْنَة بن حِصْن، ومن بني تميم: الأَقْرَع بن الحابِس، ومن بني النصر: مالك بن عوف، ومن بني سُلَيم: العباس بن مِرْدَاس، ومن بني ثَقِيف: العلاء بن حارثة، أَعْطَى النبيُّ ﷺ كُلَّ رجلٍ منهم مئةَ ناقةٍ إِلا عبد الرحمن بن يَرْبُوعٍ وحُوَيطب بن عبد العُزَّى، فإِنه أَعْطَى كل رجل منهم خمسين. وأَسند أَيضاً: «قال عمر بن الخطاب حين جاءه عيينة بن حِصْن: ﴿الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٣) ، يعني ليس اليوم مؤلفة». وقيل: «جاء عيينة والأَقرع إِلى أَبي بكر الصدّيق يطلبان أَرضاً، فكتب لهما الخَطَّ (٤) ، فمرَّا بعمر فَمَزَّقَهُ وقال: هذا شيءٌ كان رسول الله ﷺ يعطيكموه ليتأَلَّفكم به على الإِسلام، والآن

стр. 526

مَصْرِفُ الزَّكَاةِ الفَقِيرُ: أَي مَنْ لَهُ مَا دُونَ النِّصَابِ، === قد أَعَزَّ اللهُ الإِسلام وأَغنى عنكم، فإِن ثبتم على الإِسلام وإِلاَّ فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إِلى أَبي بكر فقالوا: الخليفةُ أَنْت أَمْ عُمَرُ؟ فقال: هو إِنْ شاء. ووافقه ولم يُنكر أَحَدٌ من الصحابة ذلك مع ما يتبادر منه من كونه سبباً لإِثارة النائرة (١) ، أَوْ ارتداد بعض المسلمين. فلولا اتفاق عقائدهم على حقيته، وأَنَّ مفسدة مخالفته أَكثر من المفسدة المتوقعة لبادروا إِلى إِنكاره. ثم اختلف كلام القوم في وجه سقوطهم بعد النبيِّ ﷺ مع ثبوته بالكتاب إِلى حينِ وفاته ﵊: فمنهم مَنْ ارتكب جواز نَسْخ الكتاب بالإِجماع، بناءً على أَنه حجَّةٌ قطعيةٌ كالكتاب، وليس بالصحيح من المذهب. ومنهم مَنْ قال: هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علّته، كانتهاء صوم رمضان بانتهائه. واعْتُرِض بأَن الحكم في البقاء لا يحتاج إِلى علة، كما في الرِّقِّ، والرَّمَل (٢) والاضطِبَاع (٣) في الطواف. والجواب: أَنْ الشارع حَكَمَ ببقائه ثَمَّةَ بعد زوال السبب لِحَقِّ العبد في الرِّقِّ، والذُّل (٤) بقاء في ضِمْنِهِ، ولحكمة لائحة في الأَخيرين ولا ذل فيهما، ولا يُحْكمُ ههنا ببقائه بعد زوال السبب، فلو أُعطوا منها بعده لزِم ذل الإِسلام وإِنَّه لا يجوز، فكان من قبيل انتهاء الشيء بانتهاء علَّته، فلا جَرَم أَجْمَعَ الصحابة على قطعه، إِذْ لا نَسْخَ بعده ﵊. (مَصْرِفُ الزَّكَاةِ) وكذا العُشْر، وما أَخَذَ العاشِر من تجار المسلمين (الفَقِيرُ: أَي مَنْ لَهُ مَا دُونَ النِّصَابِ) وفي «الهداية» وغيرها: الفقير مَنْ له أَدنى شيءٍ. وكان المصنف أَخذ ما فسر به الفقير، من قولهم بجواز دَفْعِ الزكاة إِلى مَنْ يملك دون النصاب، وقد صَرَّح به في «الخُلاصة»، وأَيضاً ما في «الهداية» وغيرها مُبْهَم يحتاج إِلى هذا التبيين. وفي معناه مَنْ له قَدْر نصاب غير نامٍ وهو مُسْتَغْرَقٌ في الحاجة. وفي «المحيط»: لا يَحِلُّ للفقير أَنْ يأْخذ من مالِ غَنِيَ ـ لا يُزَكِّي ـ بغير علمه، فإِنْ أَخذ كان لِلْغَنيِّ أَنْ يستردَّ إِنْ كان قائماً، ويضمن إِنْ كان هَالِكاً، لأَنَّ الحق ليس

стр. 527

والمِسْكِينُ: أَي مَنْ لا شَيءَ لَهُ، وعَامِلُ الصَّدَقَةِ، فَيُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ، === لهذا الفقير بعينه. ولو كان الفقير مُكْتَسِباً قوياً تَحِلُّ له الصدقةُ، ولا يَحِلُّ له السؤال. (والمِسْكِينُ: أَي مَنْ لا شَيءَ لَهُ) فيكون أَسوأ حالاً من الفقير، وهو قول عامة السلف. وعن أَبي حنيفة ـ وهو قول الشافعي ـ أَنَّ الفقير أَسوء حالاً من المِسكين، لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (١) ، ووجه الأَول قوله تعالى: ﴿فإِطْعَامُ ستينَ مِسْكِيناً﴾ (٢) ، فإِنَّه لا فَاقَةَ أَحوج من الحاجة إِلى الطعام، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٣) وذِكْرُ المساكين في الآية الأُولى جاز أَنْ يكون لِلتَّرَحُّم، أَوْ يُقال: لام ﴿لِمَسَاكِيَن﴾ للاختصاص لا للملك، فإنها (٤) ـ أي (٥) السفينة ـ كانت للعمل، وهم كانوا خَدَمَة السفينة. وقيل: إِنها كانت عارِيَّةً عندهم، ثُم عن أَبي يوسف أَنهما صِنْفٌ واحدٌ إِذْ يُعَبَّرُ عن كُلَ بالآخَر. وقال أَبو حنيفة: صنفان، وهو الصحيح كما قال فَخْرُ الإِسلام، لأَنَّ عطف أَحدهما على الآخر يقتضي المغايرة بينهما، فلو قال: ثلث مالي لفلان وللفقراء والمساكين، على قول أَبي يوسف لفلان نصفه، وعلى قول أَبي حنيفة ثلثه. (وعَامِلُ الصَّدَقَةِ) وهو مَنْ يبعثه الإِمام لجبايتها (فَيُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ) أَي ما يكفيه وأَعوانه ذهاباً وإِياباً، لأَنه فرَّغ نفسه لِعَمَلٍ من أُمور المسلمين فيستحق الكفاية، كالمقاتلة والقضاة. وليس ما يأْخذُه أَجرةً، لأَنها لا تكون إِلاَّ على عَمَلٍ مَعْلُومٍ، ومُدةٍ معينةٍ، ولا صدقةً، لأَنه يأْخذ وإِنْ كان غنياً. ويَحِلُّ به العَمَالة (٦) بالإِجماع، لكن فيه شبهةُ الصدقة، فلم يجز أَخذها للعامل الهاشمي صيانةً لقَرابةِ رسول الله ﷺ عن أَوساخ الناس، وهذا عندنا خلافاً للشافعي. وفي «شرح الكنز»: لو استغرقت كفايةُ العامل الزكاةَ لا يزاد على نصفها، لأَن الأَنصاف غايةُ الإِنصاف، ولو حُمِلت الزكاةُ إِلى الإِمام لم يستحق هو شيئاً إِذا كان غنياً.

стр. 528

والمُكاتَبُ فَيُعَانُ عَلى فَكِّ رَقَبَتِهِ، ومَدْيُونٌ لا يَمْلِكُ نِصَابًا فاضلًا عن دَيْنِهِ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ: أَي مُنْقَطِعِ الغُزاةِ عِنْدَ أَبي يُوسُفَ، ومُنْقَطِعِ الحَاجِّ عِنْدَ مُحَمّدٍ، === (والمُكَاتَبُ فَيُعَانُ عَلى فَكِّ رَقَبَتِهِ) غنياً كان مولاه أَوْ فقيراً، بشرط أَنْ لا يكون المُكَاتَبُ مُكَاتَبَ المُزَكّي ولا مكاتَبَ الهاشمي، لما روى الطبري في «تفسيره» عن الحسن البَصْرِي، والزُّهْرِي، وعبد الرحمن بن زيد (١) بن أَسْلم أَنَّهُمْ قالوا: ﴿وفي الرِّقَابِ﴾ هم المُكَاتَبُونَ، ولأَنَّ التمليك لا بد منه في الزكاة، ولا يتصور من القِنِّ وقال مالك: يبتاع رقبةً فيعتق، فيكون الولاء على مذهبه لجماعة المسلمين دون المُعْتِقِ. (ومَدْيُونٌ لا يَمْلِكُ نِصَاباً فاضلاً عن دَيْنِهِ) أَوْ يملكه، ولكنه عند الناس، ولا يتمكن من أَخْذهِ منهم كما مَرَّ (٢) في مال الضِّمَار. وتوضيحه: أَنَّ مقدار الدين مِنْ مَالِهِ مستحق لحاجَتِهِ الأَصْلِيةِ فَجُعِلَ كالمَعْدُوم، وما وراء ذلك لا يبلغ مئتي درهم فلا يؤثر في حرمان الصدقة. فقال الشافعي: الغَارِمُ أَيضاً مَنْ تَحَمَّلَ غرامةً لإِصلاح ذاتِ البين وإِطفاء العداوة بين القبيلتين. (وفي سَبِيلِ اللَّهِ: أَي مُنْقَطِعِ الغُزاةِ) أَي فقيرهم المنقطع بهم (٣) (عِنْدَ أَبي يُوسُفَ) لأَنه المفهوم مِنْ إِطلاق هذا اللفظ، فينصرف إِليه لا غير. يؤيده ما في البخاري أَنه ﵊ قال: «إِنَّ خالداً احْتَبَسَ (٤) أَدْرَاعَه في سبيل الله»، ولا شك أَنَّ الدرع لِلغَزْو لا للحج. (ومُنْقَطِعِ الحَاجِّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) يعني كذلك، لأَنه في معناه، وكأَنَّه أَراد بالحاج ما يعم الحج الأَكبر والأَصغر: وهو العمرة، لِمَا روى أَبو داود في «سُنَنِه» عن أُمِّ مَعْقِل قالت: يا رسول الله إِنَّ عليَّ حجّة ولأَبي مَعْقِل بَكْراً (٥) ، قال أَبو مَعْقِل: جعلتُه في سبيلِ الله، فقال رسولُ الله ﷺ «أَعْطِها فَلْتُحج عليه، فإِنَّه في سبيلِ الله، فأَعطاها البَكْر». ولما في البخاري عن أَبي لاسٍ الخُزَاعي أَنه قال: «حَمَلَنا النبيُّ ﷺ على إِبِل الصَّدَقَةِ للحَجِّ». ورَوى الحاكم في «المستدرك» من طريق أَحمد بن حنبل ـ وقال: صحيح على

стр. 529

وابْنُ السَّبِيل: أي مَنْ لَهُ مَالٌ لا مَعَهُ. === شرط مسلم ـ عن أَبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: أَرسل مروان إِلى أُمِّ مَعْقِلٍ يسأَلها عن هذا الحديث، فحدثت أَنَّ زوجها جعل بَكْراً في سبيل الله، وأَنها أَرادت العُمرة فَسَأَلَتْ زَوْجَها البَكْرَ، فأَبى عليها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأَمره أَنْ يعطيها فقال: «إِنَّ الحج والعُمرة لَمِنْ سبيلِ الله». وفي البخاري عن ابن عباس أَنه قال: يعتق الرجل من زكاة ماله ويعطي في الحج. والشاهد في الفِقرة الثانية، أَما الأُولى فليس بالمذهب، وكأَنه مُختارُ ابن عباس. وقد منع علماؤنا والشافعي شراء قريبه بالزكاة ليعتق لأَجلها، لأَن الإِعتاق إِسقاطٌ لا تمليك، ولا بد منه (١) فيها. وجَوَّزه مالك لإِطلاق الرّقاب. قلنا: المراد به المعاونة على أَداء بدل الكِتَابة لِمَا قَدَّمنا. هذا، ولا يَدفعُ الزكاة إِلى أَغنياء الغزاة والحجاج كما يفهم من قيد الانقطاع. وجوز مالك والشافعي دفعَها إِلى أَغنياء الغزاة لما في «سُنن أَبي داود» و «ابن ماجه» عن أَبي سعيد الخُدْري قال: قال رسولُ الله ﷺ «لا تَحِلُّ الصدقة لغنيَ إِلاَّ لِخَمسةٍ: العامل عليها، ورجل اشتراها بماله، أَوْ غارم، أَوْ غازٍ في سبيل الله، أَوْ مِسْكِين تُصُدِّقَ بها عليه فأَهداها لِغني». ولنا ما في أَبي داود والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أَنَّ رسولُ الله ﷺ قال: «لا تَحِلُّ الصدقة لِغنيَ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِي (٢) ». رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إِلاَّ أَنَّ الاستثناء في الحديث الأَول يمنعُ من الاحتجاج بعموم الثاني، لاستلزامه التعارضَ بينهما، وهو خِلاف الأَصل كما عُرِفَ في محله. (وابْنُ السَّبِيل: أي مَنْ لَهُ مَالٌ لا مَعَهُ) بأَن كان مالُه في بلدٍ آخر. وفي معناه: مَنْ يكون في البلد الذي هو فيه ولكنه غائبٌ عن مالِهِ، لأَنَّ الحاجة هي المعتبرة وقد وجدت، لكونه فقيراً يداً وإِنْ كان غنياً ظاهراً، فيأخذ من الصدقة بِقَدْرِ حاجته. ولا يجوز له أَنْ يَأْخُذ أَكثر منها، والأَوْلى أَنْ يَسْتَقرض إِنْ قَدَرَ، ولا يلزمه ذلك لاحتمال عجزه عن الأَداء. ولو فضل في يده شيءٌ من الصدقة عند قدرته على ماله لا يلزم أَنْ يتصدق به كالفقير إِذا استغنى، والمُكَاتَب إِذا عجز، لأَنها وقعت في مَصْرِفِها عند

стр. 530

فَيُصرَفُ إِلى الكُلِّ أَوْ البَعْضِ === الأَخذ. (فَيُصْرَفُ إِلى الكُلِّ) أَي كل الأَصناف المذكورة (أَوْ البَعْضِ) ولو كان شخصاً واحداً منهم، روى ذلك الطَّبَرِي (١) في «تفسيره» عن ابن عباس، وعُمر، وحذيفة، وسعيد بن جُبَيْر، وعطاء بن أَبي رباح، وإِبراهيم النَّخَعِي وأَبي العالية، وميمون بن مهران، فلفظ ابن عباس: «في أَيِّ صِنْفٍ وَضَعْتَه أَجْزَأَك». ولفظ عمر: «أَيُّمَا صِنْفٍ أَعطيت من هذا أَجزأَ عنك». ولفظ حذيفة: «إِذا وَضَعْتَها في صِنْفٍ واحدٍ أَجزأَك». قيل: ولم يُرْو عن غيرهم ما يُخَالفهم قولاً ولا فعلاً، ولم يُرْو عن غيرهم من الصحابة خلاف ذلك فيكون إِجماعاً. وهو قول مالك وأَحمد، ولقوله ﷺ لِمُعَاذ: «فأَعْلِمْهُم أَنَّ الله افتَرَضَ عليهم صدقةً في أَموالِهِم: تُؤخَذُ مِنْ أَغنيائهم فَتُرَدّ في فُقَرَائِهِم» (٢) . ولأَنه ﷺ أَمَرَ لِسَلَمَةَ بن صخر البَيَاضي بصدقةِ قومه. ولِمَا رَوى القاسم بنُ سَلاَّم: أَنَّ النبيَّ ﷺ أَتاه مال بعد ذلك، فجعل محله في صنفٍ واحدٍ، وهم المؤلّفة قلوبهم: الأَقْرَع بن حابس، وعُيَيْنَة بن حِصْن (٣) ، وعلقمة بن عُلاثة (٤) ، وزيد الخيل، قسم فيهم ذُهيبة بعث بها معاذ من اليمن، وإِنَّما يؤخذ من أَهل اليمن الصدقة، ثُم أَتاه مالٌ آخَرُ فجعله في صِنْفٍ واحدٍ وهم الغارمون، فقال لِقَبِيصَة بن المُخَارِق ـ حين أَتاه وقد تحمَّل حَمَالة ـ: «يا قَبيصةُ أَقِمْ حتى تأْتينا الصدقة فنأْمر لك بها». وأَوجبَ الشافعي أَنْ يُقسم على ثلاثة من كل صنف منهم، لأَن الإِضافة بحرف اللام إِنْ لم تُوجِب حقيقةَ المِلْك فلا أَقَلَّ من أَنْ تُوجِبَ الاستحقاق، ولهذا لو أَوْصَى بثُلث ماله لهؤلاء الأَصناف لم يَجُز حِرمانُ بَعْضِهِم، وقد ذُكِر كُلُّ صِنْفٍ بلفظ الجمع، فَوَجب أَنْ يُصْرف اإلى ثلاثة مِنْ كل صنف وإِنْ كان مُحَلَّىً باللام، لأَن الجنس هنا لا يمكن فيه الاستغراق فتبقى الجمعية على حالها. ولنا: أَنَّ حقيقة اللام للاختصاص الذي هو المعنى الكلّي الثابت في ضمن
следующие страницы →