مَصْرِفُ الزَّكَاةِ الفَقِيرُ: أَي مَنْ لَهُ مَا دُونَ النِّصَابِ،
===
قد أَعَزَّ اللهُ الإِسلام وأَغنى عنكم، فإِن ثبتم على الإِسلام وإِلاَّ فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إِلى أَبي بكر فقالوا: الخليفةُ أَنْت أَمْ عُمَرُ؟ فقال: هو إِنْ شاء. ووافقه ولم يُنكر أَحَدٌ من الصحابة ذلك مع ما يتبادر منه من كونه سبباً لإِثارة النائرة (١) ، أَوْ ارتداد بعض المسلمين. فلولا اتفاق عقائدهم على حقيته، وأَنَّ مفسدة مخالفته أَكثر من المفسدة المتوقعة لبادروا إِلى إِنكاره.
ثم اختلف كلام القوم في وجه سقوطهم بعد النبيِّ ﷺ مع ثبوته بالكتاب إِلى حينِ وفاته ﵊: فمنهم مَنْ ارتكب جواز نَسْخ الكتاب بالإِجماع، بناءً على أَنه حجَّةٌ قطعيةٌ كالكتاب، وليس بالصحيح من المذهب. ومنهم مَنْ قال: هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علّته، كانتهاء صوم رمضان بانتهائه. واعْتُرِض بأَن الحكم في البقاء لا يحتاج إِلى علة، كما في الرِّقِّ، والرَّمَل (٢) والاضطِبَاع (٣) في الطواف. والجواب: أَنْ الشارع حَكَمَ ببقائه ثَمَّةَ بعد زوال السبب لِحَقِّ العبد في الرِّقِّ، والذُّل (٤) بقاء في ضِمْنِهِ، ولحكمة لائحة في الأَخيرين ولا ذل فيهما، ولا يُحْكمُ ههنا ببقائه بعد زوال السبب، فلو أُعطوا منها بعده لزِم ذل الإِسلام وإِنَّه لا يجوز، فكان من قبيل انتهاء الشيء بانتهاء علَّته، فلا جَرَم أَجْمَعَ الصحابة على قطعه، إِذْ لا نَسْخَ بعده ﵊.
(مَصْرِفُ الزَّكَاةِ) وكذا العُشْر، وما أَخَذَ العاشِر من تجار المسلمين (الفَقِيرُ: أَي مَنْ لَهُ مَا دُونَ النِّصَابِ) وفي «الهداية» وغيرها: الفقير مَنْ له أَدنى شيءٍ.
وكان المصنف أَخذ ما فسر به الفقير، من قولهم بجواز دَفْعِ الزكاة إِلى مَنْ يملك دون النصاب، وقد صَرَّح به في «الخُلاصة»، وأَيضاً ما في «الهداية» وغيرها مُبْهَم يحتاج إِلى هذا التبيين. وفي معناه مَنْ له قَدْر نصاب غير نامٍ وهو مُسْتَغْرَقٌ في الحاجة.
وفي «المحيط»: لا يَحِلُّ للفقير أَنْ يأْخذ من مالِ غَنِيَ ـ لا يُزَكِّي ـ بغير علمه، فإِنْ أَخذ كان لِلْغَنيِّ أَنْ يستردَّ إِنْ كان قائماً، ويضمن إِنْ كان هَالِكاً، لأَنَّ الحق ليس
стр. 527
والمِسْكِينُ: أَي مَنْ لا شَيءَ لَهُ، وعَامِلُ الصَّدَقَةِ، فَيُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ،
===
لهذا الفقير بعينه. ولو كان الفقير مُكْتَسِباً قوياً تَحِلُّ له الصدقةُ، ولا يَحِلُّ له السؤال.
(والمِسْكِينُ: أَي مَنْ لا شَيءَ لَهُ) فيكون أَسوأ حالاً من الفقير، وهو قول عامة السلف. وعن أَبي حنيفة ـ وهو قول الشافعي ـ أَنَّ الفقير أَسوء حالاً من المِسكين، لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (١) ، ووجه الأَول قوله تعالى: ﴿فإِطْعَامُ ستينَ مِسْكِيناً﴾ (٢) ، فإِنَّه لا فَاقَةَ أَحوج من الحاجة إِلى الطعام، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٣) وذِكْرُ المساكين في الآية الأُولى جاز أَنْ يكون لِلتَّرَحُّم، أَوْ يُقال: لام ﴿لِمَسَاكِيَن﴾ للاختصاص لا للملك، فإنها (٤) ـ أي (٥) السفينة ـ كانت للعمل، وهم كانوا خَدَمَة السفينة.
وقيل: إِنها كانت عارِيَّةً عندهم، ثُم عن أَبي يوسف أَنهما صِنْفٌ واحدٌ إِذْ يُعَبَّرُ عن كُلَ بالآخَر. وقال أَبو حنيفة: صنفان، وهو الصحيح كما قال فَخْرُ الإِسلام، لأَنَّ عطف أَحدهما على الآخر يقتضي المغايرة بينهما، فلو قال: ثلث مالي لفلان وللفقراء والمساكين، على قول أَبي يوسف لفلان نصفه، وعلى قول أَبي حنيفة ثلثه.
(وعَامِلُ الصَّدَقَةِ) وهو مَنْ يبعثه الإِمام لجبايتها (فَيُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ) أَي ما يكفيه وأَعوانه ذهاباً وإِياباً، لأَنه فرَّغ نفسه لِعَمَلٍ من أُمور المسلمين فيستحق الكفاية، كالمقاتلة والقضاة. وليس ما يأْخذُه أَجرةً، لأَنها لا تكون إِلاَّ على عَمَلٍ مَعْلُومٍ، ومُدةٍ معينةٍ، ولا صدقةً، لأَنه يأْخذ وإِنْ كان غنياً. ويَحِلُّ به العَمَالة (٦) بالإِجماع، لكن فيه شبهةُ الصدقة، فلم يجز أَخذها للعامل الهاشمي صيانةً لقَرابةِ رسول الله ﷺ عن أَوساخ الناس، وهذا عندنا خلافاً للشافعي.
وفي «شرح الكنز»: لو استغرقت كفايةُ العامل الزكاةَ لا يزاد على نصفها، لأَن الأَنصاف غايةُ الإِنصاف، ولو حُمِلت الزكاةُ إِلى الإِمام لم يستحق هو شيئاً إِذا كان غنياً.
стр. 528
والمُكاتَبُ فَيُعَانُ عَلى فَكِّ رَقَبَتِهِ، ومَدْيُونٌ لا يَمْلِكُ نِصَابًا فاضلًا عن دَيْنِهِ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ: أَي مُنْقَطِعِ الغُزاةِ عِنْدَ أَبي يُوسُفَ، ومُنْقَطِعِ الحَاجِّ عِنْدَ مُحَمّدٍ،
===
(والمُكَاتَبُ فَيُعَانُ عَلى فَكِّ رَقَبَتِهِ) غنياً كان مولاه أَوْ فقيراً، بشرط أَنْ لا يكون المُكَاتَبُ مُكَاتَبَ المُزَكّي ولا مكاتَبَ الهاشمي، لما روى الطبري في «تفسيره» عن الحسن البَصْرِي، والزُّهْرِي، وعبد الرحمن بن زيد (١) بن أَسْلم أَنَّهُمْ قالوا: ﴿وفي الرِّقَابِ﴾ هم المُكَاتَبُونَ، ولأَنَّ التمليك لا بد منه في الزكاة، ولا يتصور من القِنِّ وقال مالك: يبتاع رقبةً فيعتق، فيكون الولاء على مذهبه لجماعة المسلمين دون المُعْتِقِ.
(ومَدْيُونٌ لا يَمْلِكُ نِصَاباً فاضلاً عن دَيْنِهِ) أَوْ يملكه، ولكنه عند الناس، ولا يتمكن من أَخْذهِ منهم كما مَرَّ (٢) في مال الضِّمَار. وتوضيحه: أَنَّ مقدار الدين مِنْ مَالِهِ مستحق لحاجَتِهِ الأَصْلِيةِ فَجُعِلَ كالمَعْدُوم، وما وراء ذلك لا يبلغ مئتي درهم فلا يؤثر في حرمان الصدقة. فقال الشافعي: الغَارِمُ أَيضاً مَنْ تَحَمَّلَ غرامةً لإِصلاح ذاتِ البين وإِطفاء العداوة بين القبيلتين.
(وفي سَبِيلِ اللَّهِ: أَي مُنْقَطِعِ الغُزاةِ) أَي فقيرهم المنقطع بهم (٣) (عِنْدَ أَبي يُوسُفَ) لأَنه المفهوم مِنْ إِطلاق هذا اللفظ، فينصرف إِليه لا غير. يؤيده ما في البخاري أَنه ﵊ قال: «إِنَّ خالداً احْتَبَسَ (٤) أَدْرَاعَه في سبيل الله»، ولا شك أَنَّ الدرع لِلغَزْو لا للحج.
(ومُنْقَطِعِ الحَاجِّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) يعني كذلك، لأَنه في معناه، وكأَنَّه أَراد بالحاج ما يعم الحج الأَكبر والأَصغر: وهو العمرة، لِمَا روى أَبو داود في «سُنَنِه» عن أُمِّ مَعْقِل قالت: يا رسول الله إِنَّ عليَّ حجّة ولأَبي مَعْقِل بَكْراً (٥) ، قال أَبو مَعْقِل: جعلتُه في سبيلِ الله، فقال رسولُ الله ﷺ «أَعْطِها فَلْتُحج عليه، فإِنَّه في سبيلِ الله، فأَعطاها البَكْر». ولما في البخاري عن أَبي لاسٍ الخُزَاعي أَنه قال: «حَمَلَنا النبيُّ ﷺ على إِبِل الصَّدَقَةِ للحَجِّ».
ورَوى الحاكم في «المستدرك» من طريق أَحمد بن حنبل ـ وقال: صحيح على
стр. 529
وابْنُ السَّبِيل: أي مَنْ لَهُ مَالٌ لا مَعَهُ.
===
شرط مسلم ـ عن أَبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: أَرسل مروان إِلى أُمِّ مَعْقِلٍ يسأَلها عن هذا الحديث، فحدثت أَنَّ زوجها جعل بَكْراً في سبيل الله، وأَنها أَرادت العُمرة فَسَأَلَتْ زَوْجَها البَكْرَ، فأَبى عليها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأَمره أَنْ يعطيها فقال: «إِنَّ الحج والعُمرة لَمِنْ سبيلِ الله».
وفي البخاري عن ابن عباس أَنه قال: يعتق الرجل من زكاة ماله ويعطي في الحج. والشاهد في الفِقرة الثانية، أَما الأُولى فليس بالمذهب، وكأَنه مُختارُ ابن عباس. وقد منع علماؤنا والشافعي شراء قريبه بالزكاة ليعتق لأَجلها، لأَن الإِعتاق إِسقاطٌ لا تمليك، ولا بد منه (١) فيها. وجَوَّزه مالك لإِطلاق الرّقاب. قلنا: المراد به المعاونة على أَداء بدل الكِتَابة لِمَا قَدَّمنا.
هذا، ولا يَدفعُ الزكاة إِلى أَغنياء الغزاة والحجاج كما يفهم من قيد الانقطاع. وجوز مالك والشافعي دفعَها إِلى أَغنياء الغزاة لما في «سُنن أَبي داود» و «ابن ماجه» عن أَبي سعيد الخُدْري قال: قال رسولُ الله ﷺ «لا تَحِلُّ الصدقة لغنيَ إِلاَّ لِخَمسةٍ: العامل عليها، ورجل اشتراها بماله، أَوْ غارم، أَوْ غازٍ في سبيل الله، أَوْ مِسْكِين تُصُدِّقَ بها عليه فأَهداها لِغني».
ولنا ما في أَبي داود والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أَنَّ رسولُ الله ﷺ قال: «لا تَحِلُّ الصدقة لِغنيَ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِي (٢) ». رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إِلاَّ أَنَّ الاستثناء في الحديث الأَول يمنعُ من الاحتجاج بعموم الثاني، لاستلزامه التعارضَ بينهما، وهو خِلاف الأَصل كما عُرِفَ في محله.
(وابْنُ السَّبِيل: أي مَنْ لَهُ مَالٌ لا مَعَهُ) بأَن كان مالُه في بلدٍ آخر. وفي معناه: مَنْ يكون في البلد الذي هو فيه ولكنه غائبٌ عن مالِهِ، لأَنَّ الحاجة هي المعتبرة وقد وجدت، لكونه فقيراً يداً وإِنْ كان غنياً ظاهراً، فيأخذ من الصدقة بِقَدْرِ حاجته. ولا يجوز له أَنْ يَأْخُذ أَكثر منها، والأَوْلى أَنْ يَسْتَقرض إِنْ قَدَرَ، ولا يلزمه ذلك لاحتمال عجزه عن الأَداء. ولو فضل في يده شيءٌ من الصدقة عند قدرته على ماله لا يلزم أَنْ يتصدق به كالفقير إِذا استغنى، والمُكَاتَب إِذا عجز، لأَنها وقعت في مَصْرِفِها عند
стр. 530
فَيُصرَفُ إِلى الكُلِّ أَوْ البَعْضِ
===
الأَخذ.
(فَيُصْرَفُ إِلى الكُلِّ) أَي كل الأَصناف المذكورة (أَوْ البَعْضِ) ولو كان شخصاً واحداً منهم، روى ذلك الطَّبَرِي (١) في «تفسيره» عن ابن عباس، وعُمر، وحذيفة، وسعيد بن جُبَيْر، وعطاء بن أَبي رباح، وإِبراهيم النَّخَعِي وأَبي العالية، وميمون بن مهران، فلفظ ابن عباس: «في أَيِّ صِنْفٍ وَضَعْتَه أَجْزَأَك». ولفظ عمر: «أَيُّمَا صِنْفٍ أَعطيت من هذا أَجزأَ عنك». ولفظ حذيفة: «إِذا وَضَعْتَها في صِنْفٍ واحدٍ أَجزأَك».
قيل: ولم يُرْو عن غيرهم ما يُخَالفهم قولاً ولا فعلاً، ولم يُرْو عن غيرهم من الصحابة خلاف ذلك فيكون إِجماعاً. وهو قول مالك وأَحمد، ولقوله ﷺ لِمُعَاذ: «فأَعْلِمْهُم أَنَّ الله افتَرَضَ عليهم صدقةً في أَموالِهِم: تُؤخَذُ مِنْ أَغنيائهم فَتُرَدّ في فُقَرَائِهِم» (٢) . ولأَنه ﷺ أَمَرَ لِسَلَمَةَ بن صخر البَيَاضي بصدقةِ قومه.
ولِمَا رَوى القاسم بنُ سَلاَّم: أَنَّ النبيَّ ﷺ أَتاه مال بعد ذلك، فجعل محله في صنفٍ واحدٍ، وهم المؤلّفة قلوبهم: الأَقْرَع بن حابس، وعُيَيْنَة بن حِصْن (٣) ، وعلقمة بن عُلاثة (٤) ، وزيد الخيل، قسم فيهم ذُهيبة بعث بها معاذ من اليمن، وإِنَّما يؤخذ من أَهل اليمن الصدقة، ثُم أَتاه مالٌ آخَرُ فجعله في صِنْفٍ واحدٍ وهم الغارمون، فقال لِقَبِيصَة بن المُخَارِق ـ حين أَتاه وقد تحمَّل حَمَالة ـ: «يا قَبيصةُ أَقِمْ حتى تأْتينا الصدقة فنأْمر لك بها».
وأَوجبَ الشافعي أَنْ يُقسم على ثلاثة من كل صنف منهم، لأَن الإِضافة بحرف اللام إِنْ لم تُوجِب حقيقةَ المِلْك فلا أَقَلَّ من أَنْ تُوجِبَ الاستحقاق، ولهذا لو أَوْصَى بثُلث ماله لهؤلاء الأَصناف لم يَجُز حِرمانُ بَعْضِهِم، وقد ذُكِر كُلُّ صِنْفٍ بلفظ الجمع، فَوَجب أَنْ يُصْرف اإلى ثلاثة مِنْ كل صنف وإِنْ كان مُحَلَّىً باللام، لأَن الجنس هنا لا يمكن فيه الاستغراق فتبقى الجمعية على حالها.
ولنا: أَنَّ حقيقة اللام للاختصاص الذي هو المعنى الكلّي الثابت في ضمن
стр. 531
تَمْلِيكًا، لا إِلى مَنْ بَيْنَهُمَا وِلادٌ أَو زَوْجِيَّةٌ،
===
الخصوصيات من الملك والاستحقاق، وقد يكون مُجرّداً، فحاصل التركيب: إِضافة الصدقات ـ العامُّ الشاملُ لِكُلِّ صدقةِ متصدِّقٍ ـ إِلى الأَصناف ـ العام كل منها الشامل لكل فردٍ فردٍ، بمعنى أَنهم أَجمعين أَخصُّ بها كُلِّها، وهذا لا يقتضي أَنْ تكون كل صدقة منقسمة على أَفراد كُلِّ صِنفٍ، بل يقتضي أَنَّ الصدقات كُلَّهَا للجميع أَعم من أَنْ تكون كل صدقةٍ صدقةٍ لكل فردٍ فردٍ إِنْ أَمكن، أَوْ كل صدقة جزئية لطائفة، أَوْ لواحدٍ، ومما يدل على صحّة ما قلنا الأَحاديثُ التي قدمنا. (١)
(تَمْلِيكاً) لأَن الإِيتاء في قوله: ﴿وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢) يقتضي التمليك، فلو بنى مسجداً، أَوْ قنطرةً، أَوْ سقايةً، أَوْ أَحَجَّ إِنساناً، أَوْ كَفَّنَ ميتاً لا يُجزِئه، لانعدام التمليك.
وفي «الخانية»: لو أَطعم يتيماً، أَوْ كساه من زكاته بالتسليم إِليه جاز إِنْ كان مُرَاهِقاً أَوْ يعقل القبض، وإِنْ كان صغيراً لا يَجُوز، كما لو وضعها على مكان فأَخذَها فقير. وفي «المحيط»: ولو قضى بها دَيْنَ حيَ بأَمره جاز، ويكون القابضُ كالوكيل بالقبض عنه.
(لا إِلى مَنْ بَيْنَهُمَا وِلادٌ) أَي لا يَصْرِفُ المُزَكِّي زكاته إِلى مَنْ بينه وبينه موالدة: فلا يَصْرِف إِلى أَصْلٍ من أُصوله وإِنْ علا، ذكراً كان كالأَب والجد أَوْ أُنْثَى كالأم والجدة، ولا إِلى فَرْعٍ من فروعه وهم: الابن والبنت وأَولادهم وإِنْ سفل، ذكراً كان أَوْ أُنثى، لأَن المنافع في الأَملاك بينهما متصلةٌ عادةً باعتبار الجزئية والبعضية، ولهذا لا تُقْبَلُ الشهادة فيما بينهم، فلا يتحقق التمليك على الكمال.
(أَوْ زَوْجِيَّةٌ) فلا يدفع الرجل زكاته إِلى امرأَته باتفاق. ولا تدفع المرأَة زكاتها إِلى زوجها عند أَبي حنيفة للاشتراك بينهما في المنافع عادةً.
وقال أَبو يوسف ومحمد: تدفع، لما روى الجماعة إِلاَّ أَبا داود عن زينب امرأَة عبد الله بن مسعود ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ «يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ولو مِنْ حُلِيِّكُن، قالت: فرجعت إِلى عبد الله فقلت: إِنك رجلٌ خفيفُ ذاتِ اليد (٣) ، وإِنَّ رسول الله ﷺ قد أَمرنا بالصدقة، فأْته فاسأَله، فإِن كان ذلك يُجْزِاء عني دَفَعْتُها إِليك، وإِلاَّ صرفتُها إِلى غيركم؟ قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه أَنْتِ. قالت: انطلقت
стр. 532
ولا إِلى مَمْلُوكِهِ، ولا عَبْدٍ أَعْتَقَ بَعْضهُ،
===
فإِذا امرأَةٌ من الأَنصار جاءت (١) رسولَ الله ﷺ حَاجَتُها حاجتي، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد أُلقي عليه المهابة، قالت: فخرج علينا بلالٌ فقلنا له: أَخبر رسول الله ﷺ أَنَّ امرأَتين بالباب تسأَلانِك: أَتُجزِاءُ الصدقة عنهما على أَزواجهما، وعلى أَيتام في حجورهما؟ ولا تخبره مَنْ نحن. قالت: فدخل بلالٌ فسأَله، فقال رسول الله ﷺ «مَنْ هما؟ قال: امرأَة من الأَنصار وزينب، قال: أَيُّ الزيانب»؟ فقال: امرأَة عبد الله بن مسعود، فقال رسول الله ﷺ «لهما أَجران: أَجْر القَرَابة، وأَجر الصدقة».
وأُجيب عنه بأَنها كانت صدقةَ تَطَوّعٍ. قلنا: الحديث محمول على التطوع، بدليلِ ما رواه البَزَّار (٢) في «مسْنَدِهِ» عن أَبي سعيدٍ قال: خرج رسول الله ﷺ في أَضحى أَوْ فطر، ثُم انصرف فوعظ الناس وأَمرهم بالصدقة، ثُم مَرَّ على النِّساء فقال لهن: «تصدقنّ». فلما انصرف وصار إِلى منزله، جاءته زينبُ امرأَة عبد الله بن مسعود فاستأذنت عليه فأَذن لها، فقالت: يا نبي اللهاِ إِنَّك اليوم أَمَرْتَنَا بالصدقةِ وعندي حُلِي لي، فأَردتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ به، فزعم ابنُ مسعود أَنه هو وولدهُ أَحقُّ مَنْ أَتصدق به عليهم. فقال رسولُ الله ﷺ «صدق ابن مسعود، زَوْجُكِ وولدُك احق مَنْ تصدّقت به عليهم».
وما رواه الطحاوي أَنها قالت لرسول الله ﷺ إِنِّي امرأَةٌ ذاتُ صَنْعَة أَبيعُ منها، وليس لزوجي ولا ولدي شيءٌ فشغلوني فلا أَتصدق، فهل لي فيهم أَجر؟ فقال ﷺ «لك في ذلك أَجران: أَجْرُ الصدقة، وأَجْرُ الصِّلَة». ومعلومٌ أَنَّ الصدقة الواجبة لا تدفع إِلى الولد بالاتفاق.
(ولا إِلى مَمْلُوكِهِ) أَي مملوك نفسه، سواءٌ كان قِنَّاً، أَوْ مُدَبَّراً أَوْ أُم ولد، لأَن كسبهم للسيد، أَوْ مُكَاتَباً
، لأَن للسيد حقاً في كسبه، فلا يتم التمليك.
(ولا) إِلى (عَبْدٍ أَعْتَقَ بَعْضَهُ) وهذا عند أَبي حنيفة، لأَنَّ عنده مُعْتَقَ البَعْض تجب عليه السِّعَايةُ (٣) في البعض الذي لم يُعتَق، فلا يدفعُ مولاه الزكاةَ إِليه، كما لا يدفعها إِلى مُكاتَبِه. وأَمَّا عندهما إِذا أَعْتَقَ بعض عبده عَتَقَ جَميعُه، فيدفع مولاه الزكاة إِليه، لأَنَّه حينئذٍ ليس بمملوكه.
стр. 533
ولا إِلى غَنِيٍّ،
===
(ولا إِلى غَنِيَ) لما رواه أَبو داود، والنسائي والترمذي وحسنه، عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إِنَّ الصدقة لا تحِلّ لغني، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِي ـ أَي صحيح البدن ـ». والمِرَّة: بكسر الميم وتشديد الراء: القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ (١) .
وفي «المحيط»: إِنَّ الغِنَى ثلاثة أَنواع: غِنَى يُوجِبُ الزكاة وهو مِلْك نصاب حولي نامٍ (٢) ، وغِنَى يُحَرِّم الصدقة ـ أَي أَخذَها ـ ويوجب صدقة الفطر والأُضحية: وهو ملك ما يبلغ قيمة نصاب من الأَموال الفاضلة عن حاجته الأَصلية، وغِنىً يُحَرِّم السؤال دون الصدقة: وهو أَنْ يكون له قوتُ يومه وما يستر عورته. انتهى. وكذا مَنْ قَدِرَ على تحصيل قوت يومه بِكَسْبه وهو المراد بقوله: «ذي مِرَّةٍ سَوِيَ».
والحاصل: أَنه يحرم سؤال من له قوتُ يومه، وله ما يَقِيه من حرِّه وبرده، لقوله ﵊: «ما يزال الرجلُ يسأَلُ النَّاسَ حتى يأْتي (يوم القيامة) (٣) ليس في وجهه مزْعَةُ لحم (٤) ». متفق عليه. وقوله ﵊: «مَنْ سأَل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسأَلته في وجهه خموشٌ، أَوْ خدوش، أَوْ كُدُوح (٥) »، قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: «خَمسونَ دِرْهماً أَوْ قيمتُها من الذهب». رواه أَصحاب السُّنن. وفي رواية: «وما الغِنَى الذي لا تنبغي معه المسأَلة؟ قال: «قَدْر ما يغديه ويعشيه». وفي رواية: «أَنْ يكون له شِبَع يوم وليلة».
وأَمَّا ما أَخَذَهُ مِنْ غير مسأَلة فلا يَحْرُم، لقول عمر: كان النبيُّ ﷺ يعطيني العطاء، فَأَقول: أَعطه أَفْقَرَ إِليه مِنِّي، فقال: خذه فَتَمَوَّلْه (٦) وتصدّق به، فما جاءك مِنْ هذا المال وأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ (٧) ولا سائل فخذه، وما لا فلا تُتْبِعْهُ نَفْسَك»، متفق عليه.
стр. 534
ولا إِلى مَمْلُوكِهِ، ولا إِلى طِفْلِهِ، ولا إِلى بَنِي هَاشِمٍ
===
وقيل: لا تَحِلُّ الزكاة لصحيح البدن لما تقدم، والله تعالى أَعلم.
(ولا إِلى مَمْلُوكِهِ) أَي مملوكِ الغَنِيِّ، لأَن كَسْبه لمولاه، ويستثنى من ذلك المُكَاتَبُ على ما قدمناه. وفي «الذخيرة»: لو كان عبدُ الغَنِيِّ زَمِناً (١) لا يجد شيئاً ولم يكن في عيالِ مولاه، أَوْ كان غائباً مولاه، يجوز الدفع إِليه.
(ولا إِلى طِفْلِهِ) أَي طفل الغَنِي، سواء كان ذكراً أَوْ أُنْثَى، في عيال الأَب أَوْ ليس في عياله، لأَنه يعد غنياً بمال أَبيه. واحتُرِز بالطفل عن الولد الكبير إِذا كان فقيراً، فإِنه يجوز الدفع إِليه وإِنْ كان أَبوه ينفق عليه، لأَنه لا يعد غنياً بِغِنَى أَبيه.
(ولا إِلى بَنِي هَاشِمٍ) وهم: بَنُو الحارث، والعباس ابنا عبد المطلب ـ جَدّ النبي ﷺ وبَنُو عليّ، وجعفر، وعَقِيل ـ أَولاد أَبي طالب عمّ النبيِّ ﷺ ، لا بَنُو أَبي لهب، لأَن حُرمة الصدقة أَولاً في الآباء إِكراماً لهم، ثُم سَرَت إِلى الأَبناء، ولا إِكرام لأَبي لهب.
وفي «المحيط»: ويجوز صَرْفُ صدقات الأَوقاف والتطوعات إِليهم ـ أَي إِلى بني هاشم ـ إِذا سُمّوا في الوقف. رُوي ذلك عن أَبي يوسف، ومحمد في «النَّوَادِر». وإِنما لا تدفع الزكاة إِليهم لأَن الفَرْض مُطَهِّر فيتدنسُ المُؤَدَّى، كالماء المستعمل (٢) ، فَنُزِّه الهاشمِيُّ عنه كرامةً له، ولقوله ﵊: «نحن أَهل البيت لا تَحِلُّ لنا الصدقات». رواه البخاري. وقوله ﵊: «إِنَّ هذه الصدقاتِ إِنَّما هي أَوساخ الناس، لا تَحِلُّ لمحمدٍ ولا آل محمد». رواه مسلم. وفيه قصةٌ طويلة، رواه الطبراني، وفي آخِرِها: فقال لهما: «إِنه لا يحل لكم أَهلَ البيت من الصدقات شيء، إِنَّما هي غُسَالة الأَيدي، وإِن لكم في خُمْسِ الخُمْسِ ما يغنيكم».
وأَمَّا قول صاحب «الهداية»: لقوله ﵊: «يا بني هاشم، إِنَّ الله حرّم عليكم غُسَالة أَيدي الناس، وأَوساخهم، وعوَّضكم منها بِخُمْس الخُمْس». فَغَيْرُ مَعروفٍ بهذا اللفظ. قال الطحاوي: وعن أَبي حنيفة أَنَّ الصدقاتِ كُلَّها جائزة على بني هاشم، والحرمةُ كانت في عهده ﵊، لِوُصُولِ خُمْسِ الخُمْسِ إِليهم، فلما سَقَط ذلك بموته ﷺ حَلَّت لهم الصدقة، قال: وبه نأخذ. وعن أَبي حنيفة رحمه
стр. 535
وإِلى مَوَالِيهِم وإِلى ذِمِّي. وجَازَ غَيْرُهَا إِليه.
===
الله جواز دَفْعِ الهاشمي زكاتَه للهاشمي.
(و) لا (إِلى مَوَالِيهِم) أَي مُعْتَقِي بني هاشم، لما روى أَبو داود، والترمذي والنَّسائي عن ابن أَبي رافع مولى رسول الله ﷺ عن أَبيه: أَنَّ رسولَ الله ﷺ بَعَثَ رجلاً من بني مَخْزوم على الصدقةِ، فقال لأَبي رافع: اصحبني، فإِنَّك تُصِيبُ منها، قال: حتى آتي النبيَّ ﷺ فأَسأَله، فأَتاه فسأَله، فقال رسُول الله ﷺ «مَوْلى القوم مِنْ أَنْفسِهِم، وإِنَّا لا تَحِلُّ لنا الصدقة». وفي رواية الجماعة، وصححه الترمذي: «إِنَّ الصدقة لا تَحِل لنا، وإِنَّ مولى القوم مِنْ أَنْفُسِهِم».
(و) لا (إِلى ذِمِّي) لما في الكتب الستة من حديث ابن عباس: أَنَّ رسول الله ﷺ بَعَثَ مُعَاذاً إِلى اليمن فقال: «إِنَّك تأْتي قوماً أَهلَ كتابٍ، فادعهم إِلى شهادةِ أَنْ لا إِله إِلا الله وأَني رسولُ الله، فإِنْ هم أَطاعوك لذلك فأَعْلِمْهُم أَنَّ الله فَرَض عليهم خَمْسَ صلواتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وليلةٍ، فإِنْ هم أَطاعوك لذلك، فأَعلمهم أَنَّ الله افترض عليهم صدقةً في أَموالهم، تُؤخذ من أَغنيائهم وتُرَدُّ على فقرائهم، فإِنْ هم أَطاعوك لذلك فإِيَّاكَ وكَرَائِممَموالِهِم، واتِّق دعوةَ المظلوم، فإِنه ليس بينها وبين اللهاِ حِجَابٌ».
فإِنْ قيل: هذا لا يمنع جواز الصَّرْف إِلى غير المسلمين، قلنا: لَمَّا كان مأموراً بالصرف اإلى فقرائنا، فلو صرف إِلى غيرهم لكان تاركاً الأَمرَ، فلا يجوز. وأَجَازَهُ زُفَرُ لِعُموم قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُم اللَّهُ عن الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلوكُم في الدِّينِ ولم يُخرجُوكم مِنْ دِيَارِكُم أَنْ تَبَرُّوهُم وتُقْسِطُوا إِلَيْهِم﴾ (١) ، وعموم آية المَصَارف، والتقييدُ زيادةٌ، وهو نَسْخٌ معنوي على ما عُرِف، ولهذا جاز صَرْفُ سائر الصدقات إِليهم إِلاَّ في روايةٍ عن أَبي يوسف بخلاف الحربي المستأمَن، حيث لا يجوز دَفْعُهَا إِليه لقوله سبحانه: ﴿إِنَّما يَنْهَاكُم اللهُ عنِ الذين قَاتَلُوكم في الدِّين﴾ (٢) … الآيةَ، قلنا: حيثُ خص منها الحربي بما تلونا، جاز تخصيصُ الذِّمي منها بما روينا، وإِنْ سلم أَنه من الآحاد، كيف وقد خرج منها أُصول المزكِّي (٣) وفروعه وزوجته.
(وجَازَ غَيْرُهَا) أَي غير الزكاة من سائر الصدقات (إِليه) أَي إِلى الذِّمي، سواء كان تطوعاً أَوْ واجباً، كالكفارة وصدقة الفطر، والنَّذر.
стр. 536
وإِنْ دَفَعَ إِلى مَن ظَنَّهُ مَصْرِفًا فَظَهَرَ أَنه عَبْدُهُ، يُعِيدُها. وإِنْ ظَهَرَ مَوَانِعُ أُخَرُ لا.
===
وقال أَبو يوسف: لا يجوز صرْفُ الواجب إِلى الذِّمي، كما لا يجوز صرْفُ الزكاة إِليه.
ولهما ما روى ابنُ أَبي شيبةَ عن سعيد بن جُبَيْر مُرْسلاً قال: قال رسول الله ﷺ «لا تَصَدَّقُوا إِلاَّ عَلَى (١) أَهل دينكم، فأَنزل اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُم﴾ إِلى قوله ﴿وما تُنفِقوا من خير يُوَفَّ إِليكم﴾ (٢) فقال ﷺ «تصدّقوا على أَهل الأَديان كُلِّها»، وهو بإِطلاقه يتناول الزكاة، لكن خرجت منه بحديث معاذ. ولقائل أَنْ يقول: آية الصدقة هي آية الزكاة وقد خُصَّتْ، وآية المبرّة (٣) والحديثُ، محمولان على التطوع، وهذه صدقة واجبة فكانت أَنسبَ بالزكاة. ثم لا يُبْنَى منها نحو مسجد، ولا يُكَفن بها ميت، فإِنَّ التمليك شرط.
(وإِنْ دَفَعَ) الزكاة (إِلى مَنْ ظَنَّهُ مَصْرِفاً) لها (فَظَهَرَ أَنَّه عَبْدُهُ) أَوْ مكاتَبُهُ (يُعِيدُها) أَي يُعْطي الزكاة مرةً أُخرى، لانعدام التمليك أَوْ تمامِه.
(وإِنْ ظَهَرَ مَوَانِعُ أُخَرُ لا) أَي لا يعطي الزكاة مرة أُخرى. وقال أَبو يوسف: يعيدها، لأَنه ظهر خطؤه بيقين مع إِمْكانِ الوقوف على الصواب، فصار كما لو توضّأ بماءٍ، أَوْ صَلَّى في ثوبٍ ثُم تبين أَنه نَجس.
ولهما ما روى البخاري من حديث مَعْن بن يزيد قال: بايعت رسول الله ﷺ أَنا وأَبي وَجَدِّي، وخطب علي فأَنكحني وخاصمت إِليه، وكان أَبي يَزِيدُ أَخرج دنانيرَ يتصدق بها، فوضعها عند رجلٍ في المسجد، فجئت فأَخذتُها فأَتيتُه بها، فقال: واللهِ ما إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُ إِلى رسولِ الله ﷺ فقال: «لك ما نَوَيْتَ يا يزيدُ، ولك ما أَخَذْتَ يا معن». وهو وإِنْ كان واقعة حال، فيجوز فيه كونُ تلك الصدقةِ كانت نَفْلاً، لكن عموم لفظ «ما في» قوله ﵊: «لك ما نويت» يفيد المطلوب، ويؤيده ما في الصحيحين عن أَبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «قال رجلٌ لأَتصدَّقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يدِ غَنِيَ» … الحديثَ.
وقَيَّدَ بِمَنْ ظنه مَصْرِفاً، لأَنه لو دفع بغير اجتهادٍ، أَوْ باجتهاد وبدون ظَنَ، أَوْ بِظَنَ أَنه ليس بِمَصْرِفٍ، ثم تَبينَ المانع لا يجزئه. ولو دفع إِلى مَنْ يَظُنُّ أَنه ليس بِمَصْرِف ثُم
стр. 537
ونُدِبَ دَفْعُ ما يُغْنِيهِ عَن السُّؤالِ يومًا، وكُرِهَ دَفْعُ النِّصابِ إِلى فقيرٍ غَيْرِ مَدْيُونٍ، ونَقْلُهَا إِلى بَلَدٍ آخَرَ،
===
تبين أَنه مَصْرفٌ يُجزئه، وذلك لأَن الواجبَ عليه الصَّرف إِلى مَنْ هو مَصْرفٌ عنده وقد فعله، فيجوز، كما إِذا صلى إِلى جهةٍ بالتحري ثُم تبين خطؤُه. وهذا لأَن الوقوف على هذه الأَشياء بالاجتهاد دون القطع، وقد لا يعرف الإِنسان ذلك من نفسه، فضلاً عن غيره والتكليف بحَسَبِ الوسع، بخلاف التحري في الثياب والأَواني، فإِنه يوقف على الطهارة والنجاسة فيهما. وعن أَبي حنيفة أَنه لا يجزيه في غير الغَنِي، والظاهر هو الأَول، ووجه الفرق على هذه الرواية أَنْ الغَني مَصْرِفٌ في الجملة كما في العامل.
(ونُدِبَ دَفْعُ ما يُغْنِيهِ) أَي يُغْنِي الفقير (عَنْ السُّؤالِ يوماً) لأَن في ذلك صيانةً له عن ذُلِّ السؤال، ولقوله: «اغْنُوهم عنِ المسأَلةِ في هذا اليوم».
(وكُرِهَ دَفْعُ النِّصابِ إِلى فقيرٍ غَيْرِ مَدْيُونٍ) وقال زفر: لا يجوز، لأَن الغِنَى حالَ العطاء حكمُ حال الأَداء، وحكم الشيء معه، فصار كما لو دفع إِلى غَنِيَ. ولنا أَنْ الأَداء يلاقي الفقير، لأَن المدفوع إِليه حال التمليك فقير، وإِنَّما يصيرُ غنياً بعد تمام التمليك، فَيَتَأْخَّر الغنى عن التمليك، وإِنما كره لوجود الانتفاع به حال الغِنى، والأَصل حصول الانتفاع به حال الفقر، لأَن المقصود سَدُّ خَلَّةِ (١) الفقير، وكماله في حصوله حالاً ومآلاً.
وههنا حصل حالاً وكُرِه لأَنه لم يحصل مآلاً. وعن أَبي يوسف أنه لم يُجزئه أَكثر من نصاب.
قَيَّدَ بغير المديون لأَن المديون لا بأْس به بأَن يُعْطى قَدْرَ وفاء دينه وزيادة دون النصاب، وكذا إِذا كان الفقير له عيالٌ لا بأس به بأَن يُعْطَى قدر ما لو فُرِّق عليهم حصل (٢) كل واحد منهم دون النصاب.
(و) كره (نَقْلُهَا) أَي نَقْل الزكاة (إِلى بَلَدٍ آخَرَ) غير البلد الذي فيه المال، لأَن فيه إِضاعة حق فقراءِ بلده، وهذا إِذا كان مسافة قَصْر الصلاة. وبه قال مالك، ومنعه الشافعي لقول النبيِّ ﷺ لمعاذ: «فأَعْلِمْهُم أَنَّ الله تعالى افترض عليهم صدقةً في أَموالهم تؤخذ من أَغنيائهم وترد على فقرائهم» (٣) .
стр. 538
لا نَقْلُهَا إِلى قَرِيبِهِ أَوْ أَحْوَجَ مِنْ أَهْل بَلَدِهِ.
===
ولنا أَنَّ المَصْرِفَ مُطْلَقُ الفقراء لقوله تعالى: ﴿إِنَّما الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاءِ﴾ (١) ولا ذِكْرَ للمكان فيه، فالتَقييدُ به يكون نسخاً، وحديث معاذ حجةٌ لنا، لأَنه ﷺ قال ذلك لأَهل اليمن، وهي بلادٌ شتى، على أَنَّ مراده ﷺ أَنه لا طمع له في الصدقة، بل هي مصروفةٌ إِلى فقراء المسلمين، كما هي مأْخوذةٌ من أَغنيائهم. وإِنما يُكْره نقله لظاهرِ ما روينا، ولرعاية حق الجِوَار، والمعتبر في الزكاة فقراء مكانِ المال، لأَنه محل الوجوب، ولذا يسقط بهلاكه.
والأَفضل صَرْفُها إِلى إِخوته، ثُم أَعمامه، ثُم أَخواله، ثُم ذوي أَرحامه، ثُم جيرانِهِ، (ثُم أَهْل سَكَنِهِ) (٢) ، ثم أَهل محلّته، ثُم أَهل مصره.
وفي «المحيط»: وعند محمد يُعتبر في زكاة المال حيث المال، لا حيث المُزَكِّي، لأَن الواجب في المال لا في الذمة. وفي صدقة الفطر إِنْ كان يؤدي عن نفسه حيث هو، وإِن كان يؤدي عن ولده وعبده فعند أَبي يوسف يؤدي حيث العبد، وعند محمد حيث المَوْلَى وهو الأَصح، لأَن الواجب في ذِمَّة المَوْلى، حتى لو هلك العبد لم يسقط عنه.
(لا) يكره (نَقْلُهَا إِلى قَرِيبِهِ) لما فيه من الصلة مع الصدقة (٣) (أَوْ) إِلى قومٍ (أَحْوَجَ مِنْ أَهْل بَلَدِهِ) لما فيه من زيادة دفع الحاجة، ولما قَدَّمنا من قول معاذ لأَهل اليمن: «ائتوني بعرض ثياب خميس أَوْ لبيس مكان الذرة والشعير أَهون عليكم وخير لأَصحاب رسولُ الله ﷺ بالمدينة». إِلاَّ أَنه يجب حَمْله على أَنْ مَنْ بالمدينة كانوا أَحوجَ، أَوْ على ما فَضَل مِنْ فقراء اليمن. وكذا لا يكره النقل إِلى أَهل بلدٍ أَورع من أَهل بلده، أَوْ أَنْفَع للمسلمين منهم، والله أَعلم بالصواب.
стр. 539
فَصْلٌ صَدَقَةُ الفِطْرِ
الفِطْرَةُ مِنْ بُرٍّ ومَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، ومِنْ زَبيبٍ نِصْفُ صَاعٍ، ومِنْ تَمْرٍ أَو شَعِيرٍ صَاعٌ
===
فصلٌ صَدَقَةُ الفِطْرِ
وسبب شرعيتها ما في «سنن أَبي داود» «وابن ماجه» عن ابن عباس: «فرض رسولُ الله ﷺ زكاة الفطر طُهْرةً للصائم من اللغو والرَّفَث، وطُعْمةً للمساكين، مَنْ أَدَّاها قبل الصلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومَنْ أَدَّاها بعد الصلاة فهو صدقةٌ من الصدقات». رواه الدارقطني وقال: ليس في روايته مجروح.
وكان أَمرُ النبيِّ ﷺ بها في السَّنَة التي فُرِض فيها رمضان قبل أَنْ تُفرضَ زكاة المال، وكان يخطب قبل الفِطْر بيومين يأْمر بإِخراجها ـ أَي في الجملة ـ سواء يقع وقت الوجوب أَوْ قبله.
(الفِطْرَةُ مِنْ بُرَ) أَي حِنْطَة (ومَا يُتَّخَذُ مِنْهُ) كدقيقه وسويقه (ومِنْ زَبِيبٍ نِصْفُ صَاعٍ) وقال أَبو يوسف ومحمد: صاع (١) ، وهو روايةٌ عن أَبي حنيفة وعليه الفتوى، لأَن الزبيب يقارب التمر من حيثُ المقصودُ وهو التَّفَكُّه، ولما ورد في الصحيحين من حديث أَبي سعيدٍ الخُدْرِيّ: «أَوْ صاعاً من زبيب».
(ومِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ) وما يتخذ منه (صَاعٌ) لما في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر وغيره: «أَنَّ رسولُ الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس (صاعاً مِنْ تمر أَوْ) (٢) صاعاً من شعيرٍ … » الحديث. ولما رواه أَبو داود عن أَبي سعيدٍ قال: «كنَّا نُخْرِجُ على عهدِ رسولُ الله ﷺ صاعَ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ أَقِطٍ، أَوْ زبيب، أَوْ صاعاً مِنْ دقيقٍ».
وقال مالك والشافعي وأَحمد: يجب مِنْ البُرِّ صاعٌ كَغَيْرهِ لما روى الحاكم ـ وصححه ـ عن نافع عن ابن عمر: «أَنَّ رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر، أَوْ صاعاً من بُرَ على كلِّ حر، أَوْ عبد، ذكر أَوْ أُنثى من المسلمين».
ولظاهر ما رواه الستة من حديث أَبي سعيدٍ الخُدْرِي: «كنَّا نُخْرِجُ إِذا كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغيرٍ وكبيرٍ، حرّ أَوْ مملوك، صاعاً
стр. 540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من طعام أَوْ صاعاً من أَقِط (١) أَوْ صاعاً من شعير أَوْ صاعاً من زبيب، فلم نزل نخرج (٢) حتى قدم معاوية حَاجّاً أَوْ معتمراً، فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس أَنْ قال: إِني أَرى أَنَّ مُدَّين (٣) من سمراء (٤) الشام يَعْدِلُ صاعاً من تمر، فأَخذ الناس بذلك». قال أَبو سعيد: «أَمَّا أَنا فلا أَزال أخْرِجُه كما كنتُ أَخرجه».
وجه الاستدلال بلفظ «طعام»، فإِنه عند الإِطلاق يتبادر منه البُر، وأَيضاً فقد عطف عليه هنا الشعيرَ والتمر وغيرهما، فلم يبق مرادُهُ منه إِلاَّ الحنطة. ويَعْضُدُهُ ما رواه الحاكم: «صاعاً من حنطة». وقوله: «لا أُخْرِج إِلاَّ ما كنتُ أُخْرِجه في عهد رسول الله ﷺ صاعاً مِنْ تمرٍ، أَوْ صاعاً من شعير، فقال له رجل من القوم: أَوْ مُدَّين مِنْ قمحٍ. فقال: لا تلك قيمة معاوية لا أَقبلُها ولا أَعمل بها». رواه الحاكم عن عياض بن عبد الله وصححه. وأَخرج عن ابنِ عمر: أَنَّ رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صاعاً مِنْ بُرَ … الحديثَ، وصححه عن أَبي هريرةَ نحوه مرفوعاً.
وأُجِيب عن حديث أَبي سعيدٍ بأَنه ليس بحجة علينا، لأَنه أَخبر بِفِعْلِ نَفْسه، قال: «كنا نخرج»، وفِعْلُهُ ﵊ ليس بِمُوجِب، فَفِعْلُ الصحابي أَولى بأَنْ لا يكون مُوجِباً. والعجب من الشافعي أَنه لا يرى تقليدَ الصحابي واجباً، فكيف قَلَّد أَبا سعيد في هذه المسأَلة. كذا ذكره العَيْني.
ولنا ما في الصحيحين من حديث نافع عن ابن عمر قال: «فرض رسولُ الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تَمْرٍ، أَوْ صاعاً من شَعِيرٍ، فعدل الناس به مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطة». وما روى عبد الرزاق في «مُصَنفه» عن ابن جُرَيج، عن ابن شِهَاب، عن عبد الله بن ثَعْلَبة قال: خطب رسول الله ﷺ الناس قبل الفطر بيومٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فقال: «أَدُّوا صاعاً من بُرَ، أَوْ قَمْحٍ بين اثنين، أَوْ صاعاً من تَمْرٍ، أَوْ شعيرٍ عن كُلِّ حُرَ وعَبْدٍ، صغيرٍ وكبيرٍ». وكذا رواه أَبو داود. ورُوِي أَنَّ رسول الله ﷺ خَطَبَ قبل يوم العيد بيومين فقال: «إِنْ صدقةَ الفِطر مُدَّان مِنْ بُرَ لكل إِنسانٍ، أَوْ صاعٌ مِمَّا سواه من الطعام». رواه الدارقطني.
وما في «سُنَن أَبي داود» و «النسائي» عن حُمَيدٍ الطويل، عن الحسن عن ابن
стр. 541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عباس: أَنه خطب في آخر رمضان على منبر البصرة فقال: «أَخْرِجوا صدقة صومكم، فكأن الناس لم يعلموا فقال: «مَنْ ههنا مِنْ أَهل المدينة، قوموا إِلى إِخوانكم فَعَلِّمُوهُم فإِنَّهم لم يعلموا، فرضَ رسول الله ﷺ هذه الصدقة صاعاً من تمرٍ، أَوْ شعيرٍ، أَوْ نِصْفَ صاعِ قمحٍ» … الحديثَ، ورواته ثِقَات مشهورون، لكن فيه إِرسالاً: فإِنَّ الحسن لم يسمع من ابن عباس على ما قيل.
وما في «سُنن الترمذي» عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أَبيه، عن جَدِّه: أَنَّ رسول الله ﷺ بَعَثَ مُنَادِياً ينادي في فِجَاج (١) : «أَلَا إِنَّ صدقةَ الفِطْر واجبةٌ على كُلِّ مسلمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنثى، حرَ أَوْ عَبْدٍ، صغيرٍ أَوْ كبيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ صاعٌ مِمَّا سواه من الطعام». وقال: حسن غريب. ورواه الدَّارقطني عن علي بن صالح، عن ابن جُرَيْجِ، عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن أَبيه، عن جَدِّه: أَنَّ رسول الله ﷺ أَمَرَ صائحاً فصاح: «أَنَّ صدقة الفطر حَقٌّ واجبٌ على كل مسلم، مُدَّانِ مِنْ قمحٍ، أَوْ صاعٌ من شعيرٍ أَوْ تمرٍ».
وما في الطحاوي: حدثنا المُزَني: حدّثنا الشافعي، عن يَحْيَى بن حِبَّان، عن الليث بن سَعْد، عن عقيل بن خالد، وعبد الرحمن بن خالد بن مُسَافر، عن ابن شِهَاب عن سعيد بن المُسَيَّب: أَنَّ رسول الله ﷺ فَرَضَ زكاة الفطر مُدَّين مِنْ حِنْطةٍ. قال في «التنقيح»: إِسنادُه صحيح كالشمس، وكونُه مُرْسَلاً لا يضر، فإِنه مُرْسَلُ سعيد، ومراسيلُه حُجَّةٌ ـ أَي اتفاقاً ـ.
وما في «مُسْند أَحمد» من طريق ابن المبارك، عن ابن لَهِيعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن فاطمة بنت المُنْذِر، عن أَسماء بنت أَبي بكر قال: «كنا نُؤدّي زكاة الفطر على عَهد رسول الله ﷺ مُدَّيْنِ من قمح، بالمُدِّ الذي يقتاتون به. وحديث ابن لِهيعة صَالِحٌ للمتابعة، لا سيما وهو من رواية إِمام عنه، وهو ابن المبارك.
ثم هو مذهب جماعة من الصحابة منهم: الخلفاء الراشدون، فَفي «مُصنف عبد الرزاق» عن أَبي بكر: أَنه أَخرج زكاة الفِطْر مُدَّين (٢) من حنطة. وفي «سُنن أَبي داود» و «النَّسائي» عن ابن عمر: كان النَّاس يُخْرِجون صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعاً (٣) مِنْ شعيرٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ سُلْتٍ (٤) ، أَوْ زَبِيبٍ، فلما كان عُمَرُ وكَثُرت
стр. 542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحِنطة، جعل عمر نِصْفَ صاعِ حِنْطَةٍ مكانَ صاعٍ من تلك الأَشياء.
وفي الطحاوي عن عمر أَنه قال لنافع: «إِنَّما زكاتك على سيدك: أَنْ يؤديَ عنك عند كل فِطْرٍ صاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شعيرٍ، أَوْ نِصْفَ صاعٍ مِنْ بُرَ». وعن عثمانَ أَيضاً أَنه قال في خطبته: «أَدُّوا زكاة الفِطْر، مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَة». وعن علِيَ أَنه قال: «على مَنْ جَرَتْ عليه نَفَقَتُكَ نِصْفُ صاعٍ مِنْ بُرَ، أَوْ صاعٍ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ».
وفي «مصنف عبد الرزاق» نحوه عن ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله، وفيه أَيضاً عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، عن عبد الرحمن، عن أَبي هريرة قال: «زكاةُ الفِطْر عن كُلِّ حُرَ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صغيرٍ أَوْ كبيرٍ، فَقِيرٍ أَوْ غَنِيَ صاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ. قال مَعْمَرُ: بلغني أَنَّ الزُّهْرِيَّ كان يرفعه إِلى النبيّ ﷺ وفيه أَيضاً عن مجاهد: كُلُّ شيءٍ سوى الحِنْطة ففيه صاعٌ.
وروى الطحاوي عن جماعةٍ كثيرةٍ وقال: ما عَلِمْنَا أَحَداً من الصحابةِ والتابعين رُوِى عنه خلاف ذلك، وكان إِخراج أَبي سعيدٍ ظاهراً، فلم يحترز عنه. والجواب عن حديثه: أَنَّا لا نُسلِّم أَنَّ الطعام في العُرْف يُعَبَّر به عن الحِنْطة، بل يطلق على كلِّ مأْكولٍ، وههنا أُريدَ به أَشياء ليست الحنطة منها، بدليل ما في «مختصر صحيح ابن خُزَيمة» عن ابن عمر قال: «لم تكنِ الصدقةُ على عهد رسولِ الله ﷺ إِلاَّ التَّمْرَ، والزبيبَ، والشَّعِير، ولم تكن الحنطة.
وما في البخاري عن أبي سعيد نفسِه: كنا نُخْرجُ في عهد رسول الله ﷺ يوم الفِطر صاعاً من طعام، وكان طعامُنا يومئذٍ الشعيرَ، والزبيبَ، والأَقِط (١) ، والتمرَ». فلو كانت الحِنطة من طعامهم الذي يخرج منه لبادَرَ إِلى ذِكْرِهِ قبل الكل، لكونه صريحاً في خلاف معاويةَ. وعلى هذا يلزم أَنْ يكون المُرادُ من الطعام في الحديث الأَول الأَعم، لا الحنطةَ بخصوصها، فيكونُ الأَقِط وما بعده فيه مِنْ عَطْف الخاص على العام، بدليل هذا الصريح عنه، ويلزم أَنْ يكون المرادُ بقوله: «لا أَزال أُخْرِجه» إِلى آخره، لا أَزال أُخْرِجُ الصَّاعَ، أَي كنّا إِنَّما نُخْرِجُ مِمَّا ذكرت صاعاً، وحين كَثُر هذا القوتُ الآخَرُ فإِنَّما أُخْرِجَ منه ذلك القَدْر.
وحاصِلُهُ في التحقيق: أَنَّه لم يَرِدْ ذلك التقويم، بل إِنَّ الواجب صاعٌ، غير أَنه اتُّفِقَ أَنَّ ما منه الإِخْراجُ في زمن النبيِّ ﷺ كانَ غَيْرَ الحِنْطَةِ، وإِنه لو وقع
стр. 543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الإِخْرَاجُ منها لأَخْرَجَ صَاعاً. وعن أَحاديثَ غيرهِ وزيادة الحاكم بأَنها ضعيفةٌ كما بُيِّنَ في محله، ولئن سَلَّمْنَا التكافؤ في السَّمْعِيَّاتِ كان ثبوتُ الزيادةِ على مُدَّيْنِ مُنْتَفِياً، إِذْ لا يُحْكم بالوجوبِ مَعَ الشك.
ثُمَّ الصَّاعُ ثَمانِيةُ أَرطالٍ عراقيةٍ عند أَبي حنيفةَ ومحمد. وعن أَحمد ما يَدُلُّ عليه، وهو اختيار بعضِ الصحابة. وقَدَّره أَبو يُوسفَ بخمسةٍ وثُلُثٍ، كما قال مالك والشافعيُّ، لما روى البيهقيُّ عن الحسن بن الوليد القُرَشِي ـ وهو ثِقَةٌ ـ قال: قَدِمَ علينا أَبو يوسف من الحَجِّ فقال: إِنِّي أُريدُ أَنْ أَفتح عليكم باباً من العلم أَهَمَّنِي، ففحصت عنه، فَقَدِمْتُ المدينة، فسأَلتُ عن الصَّاع فقالوا: صاعُنَا هذا صاعُ رسولِ الله ﷺ قلت لهم: ما حُجَّتُكُم في ذلك؟ فقالوا: نأْتيك بالحجة غداً، فَلَمَّا أَصبحتُ أَتاني نَحْوٌ مِنْ خمسينَ شَيْخاً مِنْ أَبناء المهاجرين والأَنصار، مع كُلِّ رَجُلٍ منهم الصَّاع تحت رِدَائِه، كُلُّ رجلٍ منهم يُخْبِر عن أَبيه وأَهل بيته أَنَّ هذا صاعُ رسولِ الله ﷺ فَنَظَرْتُ فإِذا هي سواءٌ، قال: فعيَّرتُهُ فإِذا هي خَمْسَةُ أَرطالٍ وثُلُثٌ بنقصان يسيرٍ. قال فرأَيتُ أَمْراً قوياً فتركتُ قولَ أَبي حنيفةَ في الصَّاعِ فأَخَذْتُ بِقَوْلِ أَهْلِ المدينة، هذا هو المشهور عنه.
ورُوي أَنَّ مَالِكاً ناظره، واحْتَجَّ عليه بالصِّيعَانِ التي جاءَ بِها أُولئك الرَّهْطُ، فرجع أَبو يوسف إِلى قوله. وأَخْرَجَ الطَّحاوي عن أَبي يوسف أَنَّه قال: قَدِمت المدينةَ فأَخْرَج إِليَّ مَنْ أَثِقُ به صاعاً وقال: هذا صاعُ النبيِّ ﷺ فَوَجَدْتُه خَمْسَةَ أَرطالٍ وثُلُثَ (١) رِطَل. قال الطحاوي: وسمعت عن ابن أَبي عِمْرَان يقول: يقال: إِنَّ الذي أَخرجه إِلى أَبي يوسف هو مالك، وسمعت أَبا حازم يذكر عن مالك أَنه قال: هو تَحَرِّي عبد الملك لِصَاعِ عمر.
ولأَبي حنيفة ومحمد ما رَوى النَّسائي عن موسى الجُهَنِي قال: أَتَى مجاهدٌ بِقَدَحٍ حَزَرْتُه ثمانيةَ أَرطال ـ أَي خَمَّنْتُهُ وقَدَّرْتُه ـ فقال: «حَدَّثَتْنِي عائشة أَنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَغْتَسِل بِمِثْلِ هذا. وما روى أَحمد وأَبو داود عن أَنَسٍ قال: كان النبيُّ ﷺ يتوضأ بماءٍ يكونُ رطلين، ويغتسل بالصاع، يعني مع الوضوء في ضِمْنِهِ. وما روى الدَّارَقُطْنِيّ في «سُننه» عن أَنس وعائشة: أَنَّ رسول الله ﷺ كان يتوضأُ بالمُدّ برطلين، ويغتسل بالصَّاع ثمانية أَرطال.
стр. 544
وجَازَ مَنَوَان بُرًّا.
===
قلت: وأَجْمَعُوا على أَنَّ الصَّاعَ أَرْبَعَةُ أَمداد. وما روى ابن أَبي شيبةَ عن يَحْيَى بن آدم قال: «سمعت حسن بن صالح يقول: صَاعُ عمر ثمانيةُ أَرطال». قال شَرِيك: «أَكثر مِنْ سبعةِ أَرطال، وأَقل من ثمانية».
وقيل: أَبو يوسف وَجَدَ الصَّاعَ خَمْسَة أَرطال وثُلُثاً بِرَطْل المدينة، وأَبو حنيفة يقول: الصاعُ ثمانيةُ أَرطال بِالبَغْدادي: وهي تَعْدِل خَمْسة أَرطال وثُلُثاً بالمدني، لأَن الرَّطل المدني ثلاثون إِستاراً، والبغدادي عشرونَ إِستاراً، والإِستار ـ بكسر الهمزة ـ: ستةُ دراهمَ ونِصْف، (وقيل:) (١) وهو الأَشبه، لأَن محمداً لم يذكر في المسأَلة خلاف أَبي يوسف، ولو كان لَذَكَرَهُ على المعتاد، وهو أَعْرَفُ بمذهبه.
وحَاصِلُهُ أَنَّ النِّزَاع لَفْظِيٌّ، والحق أَنه تَحْقِيقِيٌّ يحتاج إِلى أَمْرٍ تَوْفِيقي.
وأَما قول صاحب «الهداية»: والصَّاع عند أَبي حنيفةَ ومحمد ثمانيةُ أَرطال بالعراقي. وقال أَبو يوسف: خَمْسَةُ أَرطال وثُلُثُ رطل، وهو قول الشافعيّ، لقوله ﵊: «صَاعُنا أَصْغَرُ الصِّيعَان»، فليس بِمَعْرُوفٍ. نعم روى ابنُ حِبَّان عن العلاء، عن أَبيه، عن أَبي هريرة: أَنَّ رسول الله ﷺ قِيل له: «يا رسولَ الله صَاعُنا أَصغر الصِّيعان، ومُدُّنَا أَكبر الأَمداد»، فقال ﵊: «اللهم بَارِك لنا في صاعِنا، وبارِك لنا في قليلِنا وكثيرِنا، واجْعَلْ لنا مَعَ البركةِ بَرَكَتَيْنِ». قال ابن حبان: وفي تَرْكِهِ ﵊ الإِنكارَ عليهم حيث قالوا: «صاعُنا أَصغر الصِّيعان»، بيانٌ وَاضِحٌ أَنَّ صاعَ المدينة أَصغر الصِّيعان.
(وجَازَ مَنَوَانِ بُرَّاً (٢) ) لأَنهما عَدْلُ نِصْفِ صاع من بُرَ وَزْناً، والوزنُ هو المُعْتَبَرُ في الصَّاعِ فيما رَوَى أَبو يوسف عن أَبي حنيفة، لأَن اختلاف العلماء في مقدارِ الصَّاعِ أَرْطَالاً دليل على اعتبار الوزن، وعن محمد المُعْتَبَرُ الكَيْلُ، لأَن الآثار جاءت بِلَفْظِ الصَّاعِ وهو اسمُ الكَيْلِ المَخْصوصِ، والمَنُّ: أَربعون إِستاراً.
стр. 545
[شُرُوط وُجُوبِ الفِطْرَةِ]
وتَجِبُ عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ له نِصَابُ الزَّكَاةِ وإِنْ لَمْ يَنْمُ، وبهِ تَحْرُمُ الصدقةُ. وتَجِبُ الأُضحيةُ وَنَفَقَةُ القَرِيبِ لِنَفْسِهِ وطِفْلِهِ فَقِيرًا، وخَادِمِهِ مِلْكًا ولو مُدبرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَو كَافِرًا،
===
(شُرُوط وُجُوبِ الفِطْرَةِ)
(وتَجِبُ) الفِطْرَةُ. وفي البخاري: وقال أَبو العالية وعطاء وابن سيرين: تُفْتَرض (عَلَى حُرَ) لا عبدٍ، ليتحققَ التمليكُ، فإِنَّ العبد لا يملِك لو مُلِّك، فكيف يَمْلِك؟ (مُسْلِمٍ) لِيَكُونَ له قُرْبة وثوابَ عبادةٍ لا تصح إِلاَّ بِنِيَّةٍ، والكافر ليس له ذلك. (له نِصَابُ الزَّكَاةِ) من أَيِّ مالٍ كان لا ما دونه، لظاهر قوله ﷺ «لا صدَقَةَ إِلاَّ عن ظَهْرِ غِنَى، واليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنْ اليَدِ السُّفْلَى، وابدأْ بِمَنْ تَعُول». رواه أَحمد عن أَبي هريرة. والمعنى: إِلاَّ عن غِنَى، فكلمة «ظهر» مقحمة، والغِنَى الشَّرْعي: نصابٌ فَاضِلٌ عن حَوَائجه الأَصلية. (وإِنْ لَمْ يَنْمُ) لأَن الفِطْرة إِنما وجبت بقدرة ممكنة، والنمو إِنما هو شرط فيما وَجَبَ بقدرةٍ ميسرة، كالزكاة.
وقال مالك والشافعي: تجب الفطرة على مَنْ يملك ما زاد على قوتِ يومِه لِنَفْسِه وعياله، لقوله ﵊: «أَدُّوا صاعاً من قمحٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ بُرَ ـ شك حمَّاد ـ عن كل اثنين، صغير أَوْ كبير، ذَكَر أَوْ أُنثى، حُرَ أَوْ مملوكٍ، غَنِيَ أَوْ فقيرٍ. أَمَّا غَنِيُّكُم فيزكيه اللهُ، وأَمَّا فَقِيرُكُم فَيَرُدُّ اللهُ عليه أَكثرَ مِمَّا يُعْطِي». رواه أَحمد.
قلنا: وقد ضُعِّفَ بالنُّعمان بن راشد، ولو صَحَّ لم يُقَاوِم ما رويناه في الصحة، مع أَنَّ ما لا ينضبط كثرةً من الروايات المشتَمِلة على التقسيم المذكور ليس فيها الفقير، فكانت تلك روايةً شاذةً، فلا تُقْبلُ، لا سيما وهي مُخَالِفةٌ للقياسِ، لأَن مَنْ يجب عليه شيءٌ لا يجوز له أَخْذُه، ولحديث: «لا صَدَقَةَ إِلاَّ عَنْ ظَهْرِ غِنَى».
(وبِهِ) أَي بهذا النَّصاب (تَحْرُمُ الصدقةُ) أَي أَخذُها (وتَجِبُ الأُضحيةُ وَنَفَقَةُ القَرِيبِ) أَي يتعلق الوجوب بوجوده (لِنَفْسِهِ) متعلق بـ: يجب الأَول، أَي تجب الفطرةُ على الحُرِّ لأَجل نَفْسِه غَنِيَّاً (وطِفْلِهِ فَقِيراً) لأَن الأَصل في الوجوب رأْسه وهو يَمُونُه مَوْناً كاملاً ويَلِي عليه ولاية تامة، فكذلك ما كان في معناه من أَولاده الصغار الفقراء (وخَادِمِهِ مِلْكاً) احترز به عن خَادِمه بإِجَارَةٍ أَوْ إِخْدَام.
(ولو مُدبَّر أَوْ أُمَّ وَلَدٍ) لأَنَّ الولاية والمُؤَن لا ينعدمان بالتدبير والاستيلاد، وإِنما تختل بهما المالية من حيث إِنهما لا يُبَاعان (أَوْ كَافِراً).
стр. 546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال مالك والشافعيُّ وأَحمد: لا فطرة لأَجل العبد الكافر، لما في الصحيحين من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أَنَّ رسول الله ﷺ فَرَضَ زكاة الفِطْر من رمضان على الناس صاعاً من تمر، أَوْ صاعاً من شعيرٍ، على كلِّ حُرَ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى من المسلمين.
قلنا: قال الشيخ في «الإِمام»: وقد اشتهرت هذه اللفظة أَعني: قوله ﷺ «مِنْ المسلمين» من رواية مالك، وقد رواه غيرُ واحدٍ عن نَافعٍ، فلم يقولوا (١) فيه «من المسلمين»، منهم: الليثُ بن سعد، وعبيد الله بن عمر، وحديثهما في «صحيح مسلم»، وأَيوب السَّخْتِياني وحديثه في «الصحيحين»، كُلُّهم رَوَوْهُ عن نافع، عن (٢) ابن عمر فلم يقولوا فيه: من المسلمين، ومشى على تفُّرده بها جماعةٌ، ولكنه ليس بصحيح، فإِنه قد تابعه سبعة من الثقات منهم: عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان، ويونس بن يزيد.
فحديث عمر رواه البخاري في «صحيحه» عنه، عن أَبيه نافع، عن ابن عمر قال: «فرض رسولُ الله ﷺ زكاةَ الفِطْر صَاعاً مِنْ تَمْر، أَوْ صاعاً مِنْ شعيرٍ، على العبد والحر، والذكر والأُنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأَمر بها أَنْ تُؤدّى قبل الصلاة».
وحديث الضحاك رواه مسلم عن نافع، عن ابن عمر قال: فرض رسولُ الله ﷺ زكاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على كل نَفْسٍ من المسلمين: حُرَ أَوْ عبدٍ، رجلٍ أَوْ امرأَةٍ، صغيرٍ أَوْ كبير، صاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شعيرٍ.
وحديث يونس رواه الطحاوي في «مُشْكِلِهِ» (٣) عنه: أَنْ نافعاً أَخبر قال: قال عبد الله بن عمر: فرض رسولُ الله ﷺ على الناس زكاةَ الفِطْر من رمضانَ صاعاً من تَمْر، أَوْ صاعاً من شعيرٍ على كُلِّ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرَ أَوْ عَبْدٍ مِنْ المسلمين.
ولنا إِطلاق ما رَوَى الدَّارَقُطنيّ ثُم البيهقيّ من حديث قاسم بن عبد الله بن عامر ابن زُرَارَة بِسَنَدِهِ، عن نافع، عن ابن عمر قال: أَمَرَ رسولُ الله ﷺ بصدقةِ الفِطْر عن الصغيرِ والكبيرِ، والحرِّ والعبد، مِمَّنْ تمونون. قال الدَّارقُطَنِيّ: رفعه القاسم. هذا، وهو ليس بالقوي، والصواب أَنه موقوفٌ. وروى أَيضاً من حديث علي بن موسى، عن أَبيه، عن جَدِّه، عن آبائه: أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَرَ بنحوه.
стр. 547
لا لِزَوْجَتِهِ
===
وروى البيهقي عن حاتم بن إِسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أَبيه، عن عليّ قال: فَرَض رسولُ الله ﷺ بنحوه، وزاد: صاعاً مِنْ شعيرٍ، أَوْ صَاعاً من تَمْر، أَوْ صَاعاً من زبيبٍ عن كل إِنسان. وصريح ما أَخرجه الدَّارَقُطْنِيّ في «سُننه» عن سَلاَّم الطويل، عن زيد العَمِّي، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أَدُّوا صدقةَ الفِطْر عن كل صغيرٍ وكبيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، يهوديَ أَوْ نصراني، حُرَ أَوْ مملوكٍ، نِصْفَ صاعٍ مِنْ بُرَ، أَوْ صاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ». ثُم قال: لم يُسْنِده غير سَلاَّم الطويل، وهو متروك.
وما أَخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن عباس قال: يُخْرِجُ زكاة الفطر عن كل مملوكٍ له وإِنْ كان يهودياً أَوْ نصرانياً. وما رواه الطحاوي في «المُشْكِلِ» عن ابن المبارك، عن ابن لَهِيعَة، عن عبيد الله بن جعفر، عن الأَعرج، عن أَبي هريرة قال: كان يُخْرِجُ الرجلُ زكاةَ الفِطْر عن كلِّ إِنسانٍ يَعُولُه: مِنْ صغيرٍ وكبيرٍ، حُرَ أَوْ عبدٍ، ولو كان نصرانياً، مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ صاعاً مِنْ تَمْرٍ. والتقييدُ بقوله: «مِنْ المسلمين»، لا يعارض المطلق عندنا، لما عُرِف مِنْ عدم حَمْلِ المطلق على المقيد في الأَسباب، لأَنه لا تَزَاحُمَ فيها فيمكن العمل بهما، فيكون كل من المطلق والمقيد سبباً، بخلاف ما إِذا وَرَدَا في حُكْمٍ واحدٍ.
(لا لِزَوْجَتِهِ) لقصور الوقاية والمَؤُنة، لأَنه لا يلي عليها في غير حقوق الزوجية، ولا يمونها في غير الرواتب كالمداواة، ولأَن عليها الإِخراج عن عبيدها (١) ، ونَفْسُهَا (٢) أَقرب إِليها منهم، ومَنْ وجب عليه عَنْ غيرهِ لا يَجِبُ على غيره عنه. وأَوجبها مالك والشافعيُّ، لأَنه يمونها وله عليها مِلكٌ كمِلْكِ المولى على أُمِّ وَلَدِه، ولهذا لو أَدَّى عنها بغيرِ إِذْنِها، جاز.
قلنا: وجوب النفقة عليه ليس باعتبار الملك، بل في مقابلة احتباسها بِحَقِّه، على أَنَّ مِلْكَ النكاح ليس بملكٍ حقيقيَ بل هو ضروريٌّ لِشَرْعية الطلاق، بخلاف أُم الولد لاجتماع الولاية والمَؤُنة على الكمال، وجواز الدَّفْع عنها بغير أَمرها روايةٌ عن أَبي يوسف: فلنا أَنْ نمنع، ولئن سُلِّم فإِنما أَجْزَى عنها استحساناً لثبوت الإِذْن عادةً، والقياس أَنَّه لا يجوز كالزكاة.
стр. 548
وَوَلَدِهِ الكَبِيرِ وطِفْلِهِ الغَنِيِّ، بَل مِنْ مَالِهِ ومُكَاتَبِهِ وعَبْدِهِ للتِّجَارَةِ، وعَبْدٍ لَهُ أَبَقَ إِلَّا بَعْدَ عَوْدِهِ، وعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ. وكذا العَبِيد مُشْتَرَكَةً خِلافًا لَهُمَا.
===
(وَوَلَدِهِ الكَبِيرِ) وإِنْ لزمه نفقته، لانعدام الولاية. وأَوجبها مالك والشافعيُّ لأَنه يمونه. (وطِفْلِهِ الغَنِيِّ) لعدم المُؤَن (بَلْ مِنْ مَالِهِ) أَي من مالِ الطفلِ، لأَنها أُجريت مجرى المَؤُنة فأَشبه النفقة، وهذا عند أَبي حنيفة، وأَبي يُوسف. وقال محمد وزُفَر: تجب صدقة فِطْر طفل الغني على أَبيه، لأَنها عبادةٌ وهو ليس مِنْ أَهْل وجوبها، فَحينئذٍ لو أَدَّى مِنْ ماله ضَمِنَ كالزكاة.
(ومُكَاتَبِهِ) لعدم الولاية الكاملة، ولا يجب على المُكَاتَب أَيضاً لِنَفْسِهِ لأَنه فَقِيرٌ، (وعَبْدِهِ للتِّجَارَةِ) لأَنه يجب عليه الزكاة بسببه، فلو وجبت الفِطْرة فيه لأَدَّى إِلى الثِّنَى في الزكاة: أَي التكرار، وقال ﷺ «لا ثِنَى في الصدقة» (١) .
(وعَبْدٍ لَهُ أَبَقَ) ـ بصيغة الماضي أَوْ الفاعل ـ لعدم الولاية، وكذا إِذا أُسِر، أَوْ غُصِب، أَوْ جُحِد (إِلاَّ بَعْدَ عَوْدِهِ) لوجود الولاية والمُؤَن.
(وعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ) بين اثنين لقصور الولاية والمُؤْنة في حَقِّ كُلِّ واحدٍ منهما. وأَوجبها مالك والشافعيُّ في العبيد الثلاثة كُلِّها لإِطلاق النصوص المتقدمة، ولأَن صدقة الفطر مؤنة الرأس لا تعلق لها بالمالية كالنفقة، أَلَا ترى أَنها تجب عن الولد الحر ولا مالية فيه، وزكاةُ المال تجب بسبب المال النامي، فكانا حَقَّيْنِ مختلفين يَجِبَانِ بسببينِ مختلفين: أَحدهما في الذمة: وهي الفطرة، حتى لا تسقط بعروض الفقر بعد الوجوب، والآخَر في المال: وهو بعضُ النِّصاب حتى تسقط بهلاك المال، فلم يكن بينهما تدافع كالأُجْرة والزكاة والنفقة. ولنا ما قدمناه، ولأَن الشرع بَنَى هذه الصدقة على المؤنة فقال: «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُون» (٢) ، وهذا العبد مُعَدٌّ للتجارةِ لا للمؤنة والنفقة.
(وكذا العَبِيدِ) حال كونها (مُشْتَرَكَةً) عند أَبي حنيفة (خِلَافاً لَهُمَا) في المشهور عنهما، فإِنهما قالا: يجب على كُلِّ واحدٍ من الشريكين فطرة ما يَخُصّهُ من الرؤوس دون الأَشقاص (٣) ، حتى لو كان بين رجلين ثلاثة أَعْبُدٍ أَوْ خَمْسَةٌ، يجب على كل واحدٍ منهما صدقةُ عبدٍ أَوْ عَبْدَيْنِ، وهذا بناءً على صِحَّةِ قسمة الرقيق جبراً عندهما
стр. 549
وتَجِبُ بِطُلُوعِ فَجْرِ الفِطْرِ. وجَازَ تَقْدِيُمهَا. ولا تَسْقُط إِنْ أَخَّرَ.
===
وعدم صحة قسمتها عنده، فلم يملك كل واحدٍ منهما ما يُسَمَّى عبداً. وقيل: لا تجب الفِطرة في العبيد المُشْتَرَكَةِ باتفاق، لأَنَّ النصيب لا يجتمع قبل القسمة، فلم يتم رقبة لواحدٍ.
(وتَجِبُ) الفطرة (بِطُلُوعِ فَجْرِ) يوم (الفِطْرِ) فَمَنْ ماتَ قَبْلَه، أَوْ أَسْلَمَ بعده، أَوْ وُلِد، لا يجب لأَجله، ومَنْ أَسلم، أَوْ استغنى، أَوْ وُلِدَ له، أَوْ ملك عبداً قبله فعليه الصدقة.
وقال الشافعيُّ: تَجِبُ بغروبِ الشمس من اليوم الأَخير مِنْ رمضان، وعنه أَنَّها تَجب بطلوعِ الفجر. وعن مالك وأَحمد أَيضاً روايتان. ومَبْنَى الخِلاف على أَنَّ قول ابن عمر في الحديث السابق: «فرض رسولُ الله ﷺ صدقةَ الفِطْر من رمضانَ». المراد به الفِطْرُ المعتاد في سائر الشهر، فيكون الوجوب بالغروب، أَوْ الفطر الذي ليس بمعتادٍ فيه، فيكون الوجوبُ بطلوع الفجر. لنا أَنه لو كان المراد الفِطْر المعتاد في سائر الشهر لوجب ثلاثونَ فِطْرَةً.
ثُم يُستحب إِخراجها بعد طلوع الفَجْر قبل صلاة العيد، لما رَوَى الحاكم في «علوم الحديث» من حديث ابن عمر قال: «كان يَأْمُرُنا رسولُ الله ﷺ أَنْ نُخْرِجَ صدقةَ الفِطْرِ قبل الصلاة، وكان رسولُ الله ﷺ يَقْسِمُها قبل أَنْ يَنْصرِف إِلى المُصَلَّى ويقول: «أغنُوهُم عنِ السؤالِ في هذا اليوم». ورواه أَبو داود عن ابن عمر، ولفظه: «أَمَرَنا ﵊ بزكاةِ الفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خروجِ النَّاسِ إِلى الصلاة».
(وجَازَ تَقْدِيمُهَا) على يوم الفطر مُطلقاً، وهو اختيار صاحب «الهداية». وقال خَلَف بن أَيوب: يجوز في رمضان ولا يجوز قبله، وهو اختيار الإِمام أَبي بكر محمد ابن الفضل، وهو الصحيح وعليه الفتوى، كذا في «الظهيرية». وقيل: يجوز في العَشْرِ الأَواخر لا قبله، وعند الحسن بن زياد لا يجوزُ تَعْجِيلُها أَصلاً، كذا في «الكافي».
(ولا تَسْقُط إِنْ أَخَّرَ) عن يوم الفطر في الأَصح وإِنِ افتقر، لأَنها قُرْبَةٌ مالية، فلا تسقط بعد الوجوب إِلاَّ بالأَداء، كالزكاة. وعن الحسن أَنها تسقطُ بِمُضِيِّ يوم الفطر، لأَنها قُرْبةٌ اختصت بيوم العيد فَتَسْقُط بِمُضِيِّه، كالأَضحية. قلنا: لا تسقط بل ينتقل الوجوبُ إِلى التصدق بالقيمة، وهذا لأَن القُرْبة بإِراقة الدم غَيْرُ معقولةِ المعنى (١) ، وإِنَّما عُرِفت شَرْعاً في أَيامٍ مخصوصةٍ، وَوَجْهُ القُرْبَةِ في التصدق مَعْقُولٌ: وهو سَدُّ خَلَّةِ
стр. 550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المحتاج، فلا يتقدر وقتُ الأَداء فيه بوقت دون وقت، كالزكاة.
ولو فَرَّقَ شخصٌ صدقةَ فِطْرِهِ على مسكينين لم يجزئه نظراً لظاهر: «أغنوهم». وقال الكَرْخي: يُجزئه، وهو الصحيح لوجود الدفع إِلى المَصْرِف. ولو دفع جماعةٌ إِلى مِسكينٍ واحدٍ جاز على الصحيح، لأَنه بالنسبة إِلى كُلِّ مُعْطٍ مَصْرِفٌ. والله أَعلم.
стр. 551
كِتَابُ الصَّوْمِ
هو تَرْك الأَكَلِ والشُّرْب والوطئِ من الصُّبْحِ اإلى المَغْرِب، مَعَ النيَّة.
ويَصِحُّ أَداءُ رمضانَ وَقَضَاؤُه
===
كتاب الصَّوْمِ
كانت فرضيته بعدما صُرِفت القبلة إِلى الكعبة بشهرٍ، في شعبان، على رأْس ثمانية عشر شهراً من الهجرة. وسببه الشهر، لأَنه يضاف إِليه ويتكرر بِتَكَرُّرهِ، وكل يوم سبب لوجوب صومه، حتى إِذا بلغ الصبي في أَثناء الشهر يلزمه ما بقي لا ما مضى، لأَن الصيام يتفرق في الأَيام تفرُّق الصلوات في اليوم والليلة.
وهو لغةً: الإِمساك مطلقاً.
وشرعاً: إِمساك خاصٌّ (هو تَرْك الأَكلٍ والشُّرْب والوطاءِ من الصُّبْحِ اإلى المَغْرِب) أَي إِلى الغروب لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أِتمُّوا الصيامَ إِلى الليل﴾ (١) (مَعَ النيَّة) لتتميّزَ العبادة عن العادة، ولا بد مِنْ قَيْد «من أَهله» لِيخرج الحائض والنفساء. والمُعْتَبَرُ أَول طلوع عند الصبح عند جمهور العلماء، وقيل: استنارته، وهو مَرْوِيٌّ عن عثمان، وحذيفة، وابن عباس، وطَلْق بن علي، وعَطَاء بن أَبي رباح، والأَعْمَش. قال مَسْرُوق: لم يكونوا يَعدُّونَ الفجرَ فجركم، إِنَّما كانوا يَعدُّون الفجر الذي يملأُ البيوت. قال شمس الأَئمة «الحَلْوَاني»: الأَول أَحوط، والثاني أَرْفَق ـ أَي أوْسع ـ وللضعفاء أَوفق.
(ويَصِحُّ أَداءُ رمضانَ) ـ وهو فرض عين على كل مسلم عاقل بالغ أَداؤه، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ منكم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه﴾ (٢) ، (وَقَضَاؤُه) لقوله تعالى: ﴿فمن كان مِنْكم مَرِيضاً﴾ (٣) الآية، وعلى فرضيته انعقد الإجماع، ولهذا يُكْفَرُ جَاحِدُه. قال تعالى: ﴿يا أَيُّها الذين آمنوا كُتِب عليكمُ الصِّيامُ كما كُتِب على الذين مِنْ قَبْلِكُم لعلكم تَتَّقُون * أَيَّاماً معدودات﴾ (٤) ، ثُمَّ بَيَّنَها بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فيه القرآنُ﴾ (٥) الآية. روى الطبراني عن قَتَادة (ودَغْفَل) (٦) بن حَنْظَلة، عن النبيّ ﷺ قال: «كان على
стр. 552
بِنِيَّةٍ
===
النصارى صومُ رمضانَ، وكان عليهم مَلِكٌ فَمَرِضَ، فقالوا: لئن شفاه اللهُ لَنَزِيدَنَّ عَشْراً، ثم كان عليهم مَلِكٌ بعده فتوجع، فقالوا: لئن شفاه اللهُ لنزيدَنَّ ثمانية أَيام، ثم كان بعد ذلك ملك فقالوا: نُتِمُّ هذه الأَيام، ونَجْعَلُ صومنا في الربيع، فصار خمسين يوماً».
وكذا صوم الكفارات فَرْضٌ لقوله تعالى في كَفَّارَتَيْ القتل والظِّهار (١) : ﴿فَمَنْ لم يَجِد فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٢) ، وفي كفارة اليمين: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَامُ ثلاثةِ أَيَّامٍ، ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣) ، ولقوله ﵊ للذي وَاقَع امرأته في رمضان: «صُم شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ» (٤) . وكذا فَرْضُ المَنْذُورِ في الأَظهر لقوله تعالى: ﴿وليُوفُوا نُذُورَهُم﴾ (٥) ، وقول النبيّ ﷺ لِعُمَرَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» (٦) . وقيل: إِنَّه واجب.
وشُرِطَ لوجوبِ أَداء رمضانَ: الصحةُ والإِقامةُ لما تلونا. وشَرْطُ صِحَّته: الطهارةُ من الحيض والنفاس ـ لما تقدم في بابه ـ لا الطهارةُ من الجنابة، لقوله تعالى: ﴿فالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (٧) الآية.
(بِنِيَّةٍ) متجددة لكل يوم، لأَنه عبادة على حِدَة. وقال مالك في المشهور عنه، وهو رواية عن أَحمد: يكفي نيةٌ واحدة لجميع الشهر في أَول ليلة منه، لأَن صوم الشهر عبادةٌ واحدة، فتصح بنية واحدة، كصحة اعتكاف شهرٍ بنية واحدة. قلنا: إِنَّ صوم كل يوم عبادة على حِدَة، لِتَخَلُّلِ ليلةٍ غَيْرِ صَالحة للصوم بين كل يومين بخلاف اعتكاف شهر، فإِنَّ جميع أَوقاته صالحة له، ثم لو نوى عند الغروب لا يَصِحُّ، فلا بد أَنْ تقع في ليلةٍ.
стр. 553
قَبْلَ نِصْفِ النهارِ الشَّرْعِي
===
وجاز وُقوعُها (قَبْلَ نِصْفِ النهارِ الشَّرْعِي)، وهو من الفجر (١) إِلى الغروب. وَقَيَّدَ «النهار» بالشرعي لِدَفْعِ تَوَهُّم أَنَّ المراد النهار اللُّغوي، وهو من طلوع الشمس إِلى غروبها. وذلك لأَنه لا بد من وجود النية في أَكثر وقت الأَداء لقيامه مقام الكمال، ونصفه من طلوع الفجر إِلى وقت الضحوة الكبرى (٢) ، فتُشْتَرَطُ النية قبلها لِتَتَحَقَّقَ في الأَكثر، وهذا على الأَصح. وقيل: قيام الزوال. وقال مالك، والشافعي وأَحمد: يجب تعيين صوم الحاضر من الليل، إِلاَّ أَنَّ مالكاً يشترط تبييت النيّة من الليل في كل صوم: فرضاً ونفلاً.
وقال الشافعي، وأَحمد: في غير النَّفْل، لما في السنن الأَربعة من حديث ابن عمر، عن أُخته حفصة ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ «مَنْ لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له».
هكذا لفظ أَبي داود والترمذي، ولفظ ابن ماجه: «لا صيام لِمَنْ لم يَفْرِض الصيام من الليل»، وجَمَعَ النسائي بينهما، قال أَبو داود: ورواه الليث، وإِسحاق بن حازم عن عبد الله بن أَبي بكر بن عمرو بن حزم، عن الزّهْرِيّ مثله. وَوَقَفَهُ على حَفْصَةَ مَعْمَرٌ، والزُّبَيْر، وابن عُيَينة، ويونس الأَيلي، عن الزُّهْري. ورواه الترمذي عن يحيى بن أَيوب، عن عبد الله بن (أَبي بكر) (٣) وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إِلاَّ من هذا الوجه. وقد روى نافع عن ابن عمر قوله، وهو أَصح.
وقال النَّسائي: الصواب عندنا أَنه موقوف، ولم يَرْوِ مالك في «الموطأ» إِلاَّ من كلام ابن عمر، وعائشة، وحفصة، وعلى تقدير ثبوته مَحْمُولٌ على نَفْي الكمال، ولأَن أَول أَجزائه مفتقر إِلى النية، لأَنه قُرْبةٌ كسائره، فإِذا خلا عنها بَطَلَ ذلك الجزء، فبطل الباقي ضَرُورَةً، لأَنه لا يتجزَّأُ.
ولنا ما في السنن الأَربعة عن ابن عباس قال: جاء أَعرابي إِلى النبيِّ ﷺ فقال: إِنّي رأَيتُ الهِلَال ـ قال الحسن في حديثه: يعني رمضانَ ـ فقال: أَتشهدُ أَنْ لا إِله إلااللهُ؟ قال: نعم، قال: أَتشهدُ أَنَّ محمداً رسولُ الله؟ قال: نعم، قال: يا بلالُ أَذِّن في الناس، فليصوموا». وأَما قول صاحب «الهداية»: لقوله ﵊ بعدما شَهِدَ
стр. 554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأَعرابي برؤية الهلال: «إِلاَّ مَنْ أَكَلَ فلا يأْكل بَقِيَّةَ يومه، ومَنْ لم يأْكل فَلْيَصُم». فَغَيْرُ مَعْروف. نعم، ورد في الصحيحين عن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوعِ: أَنه ﷺ أَمر رجلاً من أَسْلَم: «أَذِّنْ في الناس أَنَّ مَنْ أَكل فَلْيَصُم بَقِيَّةَ يَوْمِهِ». ـ أَي فَلْيُمْسِك، كما في رواية ـ: ومَنْ لم يكن أَكَلَ فَلْيَصُم، فإِنَّ اليومَ يومُ عاشوراءَ».
وفيه دليل على أَنه كان أَمْرُ إِيجاب قبل نَسْخِه بِرَمَضَانَ، إِذْ لا يُؤْمَرُ مَنْ أَكَلَ بإِمساك بقية اليوم إِلاَّ في يوم مفروض الصوم، بخلاف قضاء رمضان إِذا أَفطر فيه، فعلم أَنَّ مَنْ تَعَيَّنَ عليه صومُ يوم ولم ينوه ليلاً أَنَّه يجزئه نهاراً. وهذا بناءً على أَنه كان واجباً، لما في الصحيحين عن عائشة قالت: «كان يومُ عاشوراءَ يوماً تصومُهُ قُريشٌ في الجاهلية، وكان رسولُ الله ﷺ يصومُه، فلما قَدِمَ المدينةَ صامَهُ وأَمر بصيامه، فَلَمَّا فُرِضَ رمضانُ قال: «مَنْ شاء صامه، ومَنْ شاء تَرَكَهُ». قال الطحاوي: فيه دليل على أَنَّ مَنْ تَعَيَّنَ عليه صومُ يومٍ ـ يعني كصوم رمضان، والنَّذْر المُعَيَّن ـ ولم يَنْوِهِ ليلاً، تجزئه النية نهاراً.
ولأَن الأَصل في النية مقارنتها للأداء، وإِنَّما جاز التقدم للضرورةِ، والضرورة موجودة في حَقِّ يوم الشك، وفي حَقِّ المجنون، والمُغْمَى عليه إِذا أَفاق نهاراً، وفي حَقِّ المسافر إِذا قَدِمَ نهاراً، ولا تندفعُ هذه الضرورة إِلاَّ بجواز النيةِ المتأخّرة، فَثَبَتَ أَنَّ الافتراض لا يمنعُ اعتبار النية مُجَزَّأَةً من النهار شرعاً، ويلزمه عدم الحكم بفساد الجزء الذي لم يُقْرَن (١) بها في أَول النهار عن الشارع، بل اعتباره موقوفاً إِلى أَنْ يَظْهَرَ الحالُ من وجودها بعده أَمْ لا، فإِذا وُجِدَتْ ظَهَرَ اعتبارُه عبادة لا أَنَّه انقلب صحيحاً بَعْدَ الحُكْم بالفساد. فبطل ذلك المعنى الذي عيَّناه (٢) لقيام ما رويناه دليلاً على اعتباره شرعاً، وحُمِلَ مرويهما على نفي الكمال كما في أَمثاله من نحو: «لا وضوء لمن لم يُسَمِّ اللهَ» (٣) ، «ولا صلاة لجار المسجد إِلاَّ في المسجد» (٤) ، أَوْ على تقديم النيّة على الليل، فإِنه لو نوى قبل غروب الشمس أَنْ يصوم غداً لا يصح، وإِنَّما
стр. 555
ويَصِحُّ أَداءُ رمضانَ بِنِيَّةِ نَفْلٍ أَو بِنِيَّة مُطْلَقٍ وبنِية واجبٍ آخر، إِلَّا في سَفَرٍ أَو مَرَضٍ. وكَذَا النَّفْلُ، والنَّذْرُ المُعَيَّن إِلَّا في الأخير.
===
يصح إِذا نوى بعد الغروب. أَوْ معناه لم ينوِ أَنَّه صومٌ من الليل، ثم نوى الصوم من وقت النية على أَنَّه عام خُصَّ منه النفل، والعام متى خُصَّ منه شيء، صَحَّ تَخْصِيصُهُ بالقياس، فَتَحْمِلُه على صوم القضاء، والنذر المطلق، والكفارات.
ثم لا فرق فيما ذكرنا من جواز النية قبل نصف النهار، بين المسافر والمقيم، والصحيح والسقيم، لأَنه لا تفصيل في ذلك من (الدليل) (١) . وقال زفر: لا يجوز الصوم للمسافر والمريض إِلاَّ بنية من الليل، لأَن الأَداء غير مُسْتَحَقَ عليهما وقت السفر والمرض، فصار كالقضاء.
(ويَصِحُّ أَداءُ رمضانَ بِنِيَّةِ نَفْلٍ (أَوْ بِنِيَّة) (٢) مُطْلَقٍ) بالإِضافة أَي مطلق الصوم، وفي بعض النسخ بنيةٍ مطلقةٍ ـ بالوصف ـ فلا بد من تقييدها للصوم، وهو روايةٌ عن أَحمد. وقال مالك، والشافعي: لا يصح أَداء رمضان إِلاَّ بنية على التعيين كما في الصلاة، ولنا في جواز النية المطلقة أَنَّ شهر رمضان مُتَعَيِّنٌ للفرض، ولا يسع غيره، والإِطلاق في المُتَعَيِّنِ تَعْيِينٌ، كَمَنْ نادى زيداً، المنفردَ في الدار بـ: يا إِنسان، فإِنَّ فيه تعيناً له، وأَمَّا في نيَّة النَّفْل فلأَن وصفه بالنفل خطأ فيبطل، ويبقى الإِطلاقُ، وهو تعيين.
(وبِنِية واجبٍ آخر، إِلاَّ في سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ) فإِن المسافر والمريض إِذا نويا في رمضان واجباً آخر يقع عن ذلك الواجب، وهذا عند أَبي حنيفة. وقال أَبو يوسف ومحمد: يقع عن رمضان، لأَن الرُّخْصَةَ لأَجل المشقة، فإِذا تحمل المعذور التَحَقَ بِغَيرِهِ، ولأَبي حنيفة: أَنهما شَغَلا الوَقْتَ بالأَهَمِّ، لمؤاخذتهما بذلك الواجب في الحال، حتى لو مات فيها يأَثم، وتأَخر مؤاخذتهما برمضان إِلى إِدراك عدةٍ من أَيام أُخَر، حتى لو مات قبل إِدراك العِدَّة، ليس عليه شيء.
(وكَذَا) أَي مثل رمضان فيما تقدم (النَّفْل، والنَّذْرُ المُعَيَّنُ إِلاَّ في الأَخير) وهو الواجب الآخر، والفَرْقُ بينَ رَمضانَ والنَّذْرِ المُعَيَّنِ: أَنَّ رمضان مُتَعَيِّنٌ بِتَعْيينِ الشارع، وله (٣) إِبطال صلاحية ما نواه (بالتَّعيين لغير رمضان من الصيام، وأَمَّا النذر المعَيَّن فمتعين بتعْيين) (٤) الناذر، وله إِبطال صلاحيته لما له وهو النفل، لا لما عليه وهو الواجب الآخر.
стр. 556
وشُرِطَ للقضاءِ والكَفَّارة والنَّذر المُطْلَق أَنْ يُبَيِّتَ النيةَ، ويُعَيِّنَ. والنَّفْل يَوْمَ الشَّكِّ أَفْضَلُ لِمَنْ وافَقَ صومًا يَعْتَادُهُ وللخَوَاصِّ، ويفْطِرُ غَيْرُهم بَعْدَ نِصْفِ النهار.
===
(وشُرط للقضاءِ والكَفَّارة والنَّذر المُطْلَق أَنْ يُبَيِّتَ النيةَ) من الليل (ويُعَيِّنَ)، لأَنَّ هذه الأَشياء ليس لها وقت مُعَيَّن، فيجب تعيينها من الابتداء، وكذا النفل عند مالك، لإِطلاق ما روينا من قوله ﵊: «لا صِيَامَ لمَنْ لم يَفْرِضْهُ من الليل» (١) . ولنا ما في مسلم، عن عائشة قالت ﵂: دخل عليَّ النبيّ ﷺ ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، فقال: إِنِّي إِذاً صائم»، وأَجاز الشافعي في قولٍ نِيَّتَهُ بعد الزوال أَيضاً، فيصيرُ صائماً من حين نوى، إِذْ هو مُتَجَزِّاءٌ عنده لكونه مبنياً على النشاط، ولعله ينشط بعد الزَّوال، ولكن الصحيح اشتراط حصول شروط الصوم من أَول النهار.
(والنَّفْلُ يَوْمَ الشَّكِّ): وهو ما استوى فيه طرفُ العلم والجهل، وذا بأَنْ غُمَّ هِلَالُ رمضانَ في اليوم التاسع والعشرين، فيقع الشَّكُّ في اليوم الثلاثين أَنه من شعبان أَوْ رمضان، نظراً إِلى قوله ﷺ «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» (٢) ، وحبس إِبهامه في المرة الثالثة.
وقوله: «هكذا وهكذا وهكذا»، (أَفْضَلُ لِمَنْ وافَقَ صوماً يَعْتَادُهُ)، كذا لِمَنْ صام ثلاثة أَيام أَوْ أَكثر من آخر شعبان، وأَراد تكميل شعبان (وللخَوَاصِّ) كالقاضي، والمفتي من العلماء.
(ويُفْطِرُ غَيْرُهم بَعْدَ نِصْفِ النهار) الشرعيِّ نفياً لتُهْمَةِ ارتكاب المنهيِّ عنه. وقال أَحمد، وجماعةٌ: إِذا كان بالسماء غَيْمٌ فليس بيوم شك موصوف بالمنهيّ (٣) عنه، ويجب صومه عن رمضان. وقال مالك: هو يوم الشك، ويجوز صومه إِذا لم يَقْصِد به استقبال رمضان، أَوْ وَافَقَ صوماً كان يصومه، ولا يجوز أَنْ يصومه على (٤) أَنه من رمضان على طريق الاحتياط. وقال الشافعي: يكره التطوع إِذا انتصف شعبان، لما روى أَبو داود، والنسائي: «إِذا انتصف شعبان فلا تصوموا». لكن قال أَحمد: إِنَّه غير
стр. 557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
محفوظ.
ولما روى أَبو داود والنَّسائي عن حذيفة: أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تَقَدَّمُوا الشهر حتى تَرَوا الهِلال، أَوْ تُكْمِلوا العدَّة، ثُمَّ صوموا حتى تروا الهلال أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّة». وما في أَبي داود والترمذي عن ابن عباس مرفوعاً: «لا تصوموا قبل رمضانَ، صوموا لرؤيته وأَفطروا لرؤيته، فإِنْ حال بينكم وبينه سحابٌ فكمِّلوا العِدَّة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالاً». وصححه الترمذي. وما في البخاري: «لا تصوموا حتى تَرَوا الهِلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإِنْ غُمَّ عليكم فاقدروا له». وفي رواية له: «صوموا لرؤيته، وأَفطروا لرؤيته». وما في السنن الأَربعة عن صِلَة بن زُفَر قال: كنا عند عمَّار في اليوم الذي شُكَّ فيه، فأَتى بشاةٍ مَصْلِيَّةٍ (١) فَتَنَحَّى بعض القوم، فقال عمَّار: «مَنْ صام هذا اليوم فقد عَصَى أَبا القاسم».
وما رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» من قول ابن عباس: «مَنْ صام اليوم الذي شك فيه، فقد عَصَى اللهَ ورسولَه». وما رواه البَزَّارُ من حديث أَبي هريرة: «نَهَى النبيّ ﷺ عن ستة أَيام من السنة: يوم الأَضحى، ويوم الفِطْر، وأَيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من رمضان. وأَما قول صاحب «الهداية»: للحديث المرفوع، وهو قوله ﵊: «مَنْ صام يوم الشك فقد عصى أَبا القاسم»، فَرَفْعُهُ غير معروف، وإِنَّما هو من قول عمار كما تقدم، والله سبحانه أَعلم.
ولنا ما في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر، أَنه ﵊ قال لرجل: «هل صمت من سَرَرِ شَعْبَان؟» قال: لا، قال: «وإِذا أَفطرت فصم يوماً مكانه». وسَرَر الشَّهْر ـ بفتح السين وكسرها ـ: آخِرُه، كذا قال جمهور أَهل لغة الحديث: وسُمِّي بذلك لاسترار القمر فيه واختفائه، ذكره المُنْذِري. وربما كان ليلةً وربما كان ليلتين، وقد استدل به الإِمام أَحمد على وجوب صوم يوم الشك.
وعندنا هذا يفيد استحبابه لا وجوبه، لأَنه مُعَارَض بنهي التقدم بصيام يوم أَوْ يومين، فيحمل على كون التقدم بصوم رمضان جَمْعاً بين الأَدلة وهو واجب ما أَمْكن، ويصير حديث السَّرر للاستحباب، ولأَنَّ المعنى الذي يُعْقَل فيه هو أَنْ يختم شعبان بالعبادة، كما يستحب ذلك في كل شهر. فهو بيان أَنَّ هذا الأَمر ـ وهو صوم الشهر ـ بعبادة الصوم لا يختص بشهر شعبان، كما قد يتوهم بسبب اتصال الصوم الواجب به.
стр. 558
وَكُرِهَ إنْ نَوَى واجبًا
===
وفي الكُتُب الستة عن أَبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ «لا تَقَدَّمُوا رمضان بصوم يوم أَوْ يومين إِلاَّ رَجُلٌ كان يصُومُ صَوْماً فَيَصُومُه». وفي لفظ أَبي داود: «إِلاَّ أَنْ يكون صوماً يَصُومُه رَجُلٌ فَلْيَصُمْ ذلك الصوم (١) ».
وفي «المحيط»: الصوم قبل رمضان بيوم أَوْ يومين مكروه، ولا يكره بثلاثة لهذا الحديث، يعني إِذا لم يكن قصده الاستقبال، والله تعالى أَعلم بالحال.
وأَما حديث عمار، وابن عباس فموقوف، فلا يُعَارِض حديث السَّرَر، والأَولى حمله على إِرادة صومه عن رمضان، وكأَنَّه فَهِم من التَّنَحِّي (٢) قَصْدَ ذلك، فلا تَعَارُضَ حينئذ أَصلاً. وعلى هذا التقدير لا يكره صومُ واجب آخر في يوم الشك، كما قال مالك والشافعي: لأَن المنهي عنه صوم رمضان. وهو غَيْرُ بَعِيدٍ من كلام «الكافي» وشارحي «الهداية»، حيث ذكروا أَنَّ المراد من التقدم التَّقَدُّم بصوم رمضان، قالوا: ومقتضاه أَنْ لا يُكْرَه واجبٌ آخر أَصلاً، وإِنما كُرِه لصورةِ النَّهْي في حديث العصيان، وحقيقة هذا الكلام على وجه يصح أَنْ يكون معناه أَنُ يُتْرَك صَوْمُه عن واجب آخر تورّعاً. هذا ملخص كلام بعض أَهل التحقيق والله ولي التوفيق.
وأَمَّا قول صاحب «الهداية»: لقوله ﵊: «لا يُصَامُ اليومُ الذي يُشَكُّ فيه أَنَّه من رمضان، إِلاَّ تَطَوُّعاً»، فَغَيْرُ معروف.
(وكُرِهَ) الصومُ تنزيهاً (إِنْ نوى) يوم الشك (واجباً) سواء كان ذلك الواجب رمضان أَوْ غيره، لكنَّ كراهة رمضان أَشد من كراهة غيره، فإِنْ ظهر أَنَّ ذلك رمضان صح لوجود أَصل (٣) النية، وإِنْ ظهر أَنَّه من شعبان فإِنْ كان نوى رمضان يكون تطوعاً، وإِنْ أَفطر لا قضاء عليه، لأَنه ظانٌّ، وإِنْ كان نوى واجباً غير رمضان، قيل: يُكْرَهُ تطوعاً لأَنه منهيٌّ عنه فلا يتأَدَّى به الواجب، وقيل: يُجْزِئه عن الذي نواه وهو الأَصح.
стр. 559
ولا صَوْمَ إِنْ نَوَى: إِنْ كان الغَدُ مِن رَمَضَانَ فَأَنا صَائِمٌ، وإِلَّا فلا. وكُرِه إِنْ رَدَّدَ بَيْنَ صومِ رمضانَ وغَيْرِه، فإِنْ كان الغَدُ مِنْ رمضانَ يَقَع عنه وإِلَّا فَنَفْلٌ.
ومَنْ رَأَى هلالَ صَوْمٍ أَوْ فِطْرٍ وَحْدَه يَصُومُ وإِنْ رُدَّ قَوْلُه
===
(ولا صَوْمَ إِنْ) رَدَّدَ في أَصل الصوم بأَنْ (نَوَى: إِنْ كان الغَدُ مِنْ رَمَضَانَ فَأَنا صَائِمٌ، وإِلاَّ) أَي وإِنْ لم يكن الغد من رمضان (فلا،) أَي فلست بصائم، وإِنما لا يكون بهذه النية صائماً لعدم الجزم فيها.
(وكُرِه إِنْ رَدَّدَ) في وصف الصوم بأَنْ رَدَّدَ (بَيْنَ صومِ رمضانَ وغَيْرِه) سواء كان ذلك الغيرُ واجباً أَوْ نَفْلاً مثل أَنْ يقولَ: إِنْ كان الغَدُ من رمضان فأَنا صائمٌ عنه، وإِنْ كان من شعبان فأَنا صائم عن قضاء، أَوْ أَنا صَائم تطوّعاً. وإِنَّما كُرِهَ ذلك للترديد بين مكروهين في المسأَلة الأُولى، وبين مكروه وغير مكروه في الثانية.
(فإِنْ كان الغَدُ مِنْ رمضانَ يَقَع عنه) لوجود الجزم في أَصْل النية، وإِنْ لم يوجد في وَصْفِها (وإِلاَّ) أَي وإِنْ لم يكن الغد من رمضان (فَنَفْلٌ) أَي فصومه نَفْلٌ. أَمَّا إِذا رَدَّدَ بين رمضان وَوَاجبٍ، فَلأَنَّ الجَزْمَ بالوصْفِ شَرْطٌ في واجب غير رمضان ولم يوجد، فلم يقع عنه، ومطلق النية موجود ـ وهو كافٍ في النفل ـ، فوقع عنه. وأَمَّا إِذا رَدَّدَ بين رمضانَ ونَفْلٍ، فَلأَنَّ الغد لما لم يكن من رمضان لَغَا ذِكْر رمضان وبقي مطلق النية، وهو كاف في النفل، ولو أَفسد هذا النفل لا يلزمه قضاؤه، لأَنه لم يَشْرع فيه مُلْتَزِماً، وإِنَّما شَرَعَ فيه مُسْقِطاً (١) . وأَما مَنْ جَهِلَ كونه رمضانَ، فنوى صوماً غيره، فإِنَّه يقع عن رمضان اتفاقاً، لوجود السبب (٢) وتعينه (٣) له (٤) .
(ومَنْ رَأَى هلالَ صَوْمٍ أَوْ فِطْرٍ وَحْدَه) أَي منفرداً (يَصُومُ وإِنْ رُدَّ قَوْلُه.) أَي لم يقبل القاضي شهادته، أَما هِلال رمضانَ فلأَنه شهد الشهر، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٥) وأَمَّا هلالَ الفِطْرِ فللاحتياط، ولأَن الناس لم يفطروا في هذا اليوم، وقد روى أَبو داود، والترمذي عن أَبي هريرة: أَنَّ رسولُ الله ﷺ قال: «الصومُ
стр. 560
وإِنْ أَفْطَرَ يَقْضِي ولا كَفَّارَةَ عليه. وقُبِلَ خَبَرُ عَدْلٍ ولو قِنًّا، أَوْ امرأَةً للصومِ مَعَ غَيْمٍ.
وشُرِطَ مع غيمٍ لِلْفِطر نِصَابُ الشهادة، ولَفْظُهَا، والعدالة لا الدَّعْوَى. وبِلا غَيْمٍ جَمْعٌ عَظِيمٌ فِيهما.
===
يومَ تَصُومُون، والفِطْرُ يوم تُفْطِرُون».
(وإِنْ أَفْطَرَ) مَنْ رأَى وحده هلال الصوم أَوْ الفِطْر (يَقْضِي) استدراكاً لما فاته (ولا كَفَّارَةَ عليه) في الصحيح، لأَن الكفارة تندراء بالشبهة وقد وجدت، أَما (في هلال الصوم) (١) في حَقِّ مَنْ رُدَّتْ شهادَتُه، فلأَنه صار مكذَّباً شَرْعاً، وفي حقِّ مَنْ لم تُرَدُّ شهادَتُه: بأَنْ رأَى ولم يشهد، أَوْ بأَنْ أَفْطَر قبل أَنْ يُرَدّ وفيه خلاف، لأَن هذا اليوم لم يَصُمْه الناس، وأَما في هلالِ الفِطْر فلأَنه يومُ عيدٍ عنده، ولو أَكمل ثلاثين يوما لا يُفْطِر إِلاَّ مع الإِمام للاحتياط، ولو أَفطر لا كَفَّارة عليه اعتباراً للحقيقةِ التي عنده.
(وقُبِلَ خَبَرُ عَدْلٍ ولو قِنَّاً، أَوْ امرأَة للصومِ) فقط (مَعَ غَيْمٍ) يمنع الرؤية، أَوْ دخانٍ، أَوْ غُبارٍ كذلك. وشَرَطَ مالك، والشافعيّ في أَحد قوليه: عَدْلين، لأَنه شهادة يُشْتَرَط فيها العدد. ولنا أَنْ هذا خبر ديني فَتُشترط فيه العدالة دون العدد والحرية والذكورة، كرواية الأَخبار، ولهذا لم يشترط فيه لفظ الشهادة، كما نبَّه عليه بقوله «خبر عدل». وقَيَّد «بالعدل» لأَن الفاسق لا يُقْبَلُ خَبَرُهُ في الديانات التي يمكن تلقيها من العدول، ويُقْبَلُ فيما لا يمكن، كالإِخبار بنجاسة الماء وطهارته، وقول الطحاوي: عدلاً كان أَوْ غيره، أَراد بغير العَدْل المَسْتُور، وهو مَنْ لم يُعْرَفْ بِعَدَالَةٍ ولا فِسْقٍ.
وفي «المحيط»: ينبغي أَنْ يُفَسِّرَ الرائي جهة الرؤية، فإِنِ احتُمِل انفرادهُ برؤية تُقْبَل وإِلاَّ فلا. وفي «الخَانِيَّة»: تقبل شهادة الواحد على الواحد، وشهادة المحدود في قَذْف بعد التوبة. يعني في هذه المسأَلة على ظاهر الرواية، وعن أَبي حنيفة لا تُقْبَل، لأَنها شهادة مِنْ وَجْه.
(وشُرِطَ مع غيمٍ لِلْفِطر نِصَابُ الشهادة،) وهو رجلان، أَوْ رجل وامرأَتان (ولَفْظُهَا، والعدالة)، والحرية وعدم الحَدِّ في قذف لأَنَّها شهادة بما فيه نفع للعباد وهو الفطر، فكانت كشهادة سائر حقوقهم (لا الدَّعْوَى) أَي لا يشترط في هذه (الشهادة) (٢) الدعوى، لما فيها مِنْ حَقّ الله تعالى، كما لا تشترط في الشهادة بِعِتْق الأَمَة، وطلاق الحرَّة.
(وبِلَا غَيْمٍ) ونحوه شُرِطَ (جَمْعٌ عَظِيمٌ فِيهما) أَي في الصوم والفطر، لأَن
стр. 561
وبَعْدَ صَوْمِ ثلاثين بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ حَلَّ الفِطْرُ، وبقَوْلِ عَدْلٍ لا. والأَضْحَى كالفِطْرِ.
===
انفراد الجمع القليل بالرؤية يوجبُ ظَنَّ غَلَطِهِم، فيوجب التوقف فيه حتى يكون جمعاً كثيراً، بخلاف ما إِذا كان بالسماء غَيْمٌ، فإِنَّه قد يَنْشق الغيم فيتفق لبعض الناس النظر إِلى الهلال دون الباقين. والجمع العظيم: قيل: أَهْل مَحَلَّة، وعن أَبي يوسف: خمسون رَجُلاً كالقَسَامَةِ (١) ، وعن محمد: أَنه قَدْر ما يحصل للإِمام العِلْمُ بخبرهم، بأَنْ يتواتر الخبر من كل جانب، والاكتفاء باثنين روايةٌ عن أَبي حنيفة. والأَصح تفويضه إِلى رأْي الإِمام لتفاوت الناس صِدْقاً.
(وبَعْدَ صَوْمِ ثلاثين بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ) متعلق (٢) بصوم (حَلَّ الفِطْرُ) عَامِلٌ (٣) في «بَعْدَ» أَي، وحَلَّ بعد صوم ثلاثين بقول عدلين الفِطْرُ، لأَنه يَثْبُت بشهادة عدلين (وبِقَوْلِ عَدْلٍ لا) أَي لا يَحِلُّ الفِطْرُ، لأَنه لا يثبت بشهادةِ الواحد، فلا يُفْطِرُون احتياطاً. وأَجاز محمد للناس الفِطْر بعد ثلاثين يوماً بِقَوْل عدلٍ واحدٍ، كَثُبُوتِه بشهادة عدلين.
(والأَضْحَى كالفِطْرِ) أَي وحُكْمُ هِلالِ الأَضحى كحكم هلال الفِطْرِ، فيثبت بمثل ما يثبت به، لأَنه تَعَلَّق به حقُّ العباد وهو التوسع بلحوم الأَضحى. ولو رأَى الهلال نهاراً، فهو للَّيلة الآتية، لأَنه يحتمل أَنْ يكون من الماضية، أَوْ من الآتية فيُجْعل من الآتية وهو قول أَبي حنيفة، ومحمد، ومذهب مالك، والشافعي، وأَحمد، والليث، والأَوزاعي، وقال به من الصحابة عمر، وابن مسعود، وأَنس بن مالك. روى عبد الرزاق في «مُصَنَّفِهِ»، عن مَعْمَر، عن الأَعْمَش، عن أَبي وائل قال: كتب إِلينا عمر أَنْ الأَهِلَّة بَعْضُها أَكبر من بعض، فإِذا رأَيتم الهلال نهاراً، فلا تُفْطِروا حتى يشهد شاهدان أَنَّهما رأَياه بالأَمس ـ أَي بليلة ـ. ولقوله ﷺ «صوموا لرؤيته، وأَفطروا لرؤيته» (٤) ، فوجب سَبْقُ الرؤية على الصوم والفطر. والمفهوم المتبادر منه الرؤية عند عشية آخر كل شهر عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
стр. 562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ورُوِي عن عمر، وهو قول علي، وعائشة، ومذهب الثوري، وأَبي يوسف: إِنْ رُئِيَ (١) قبل الزوال فللماضية في الصوم والفطر، لأَن الشيء يأْخذ حكم ما قَرُبَ منه، ولأَن الظاهر أَنه لا يُرَى قبل الزوال إِلاَّ (وهو) (٢) لليلتين. وقال الحسن بن زياد: إِنْ غاب بعد الشَّفَقِ فللماضية، وإِنْ غاب قبله فللراهنة.
وإِذا ثبت الهلال في مصر لزِم الصوم سائر الناس، فَيُلْزَمُ أَهلُ المشرق برؤية أَهل المغرب في ظاهر المذهب، واختاره أَكثر المشايخ، لعموم الخطاب في قوله ﷺ «صوموا» مُعَلَّقاً بِمُطْلقِ الرؤية في قوله: «لرؤيته»، وبرؤية قوم يصدق اسم الرؤية، وما يتعلق به من عموم الحكم فيجب العموم احتياطاً، هذا بناء على عدم الاعتبار باختلاف المطالع.
والأَشبه من حيث الدليل هو الاعتبار باختلافها كما في دخول وقت الصلاة، لأَن السبب شهود الشهر، فإِذا انعقد بالرؤية في حق قوم، لا يلزم أَنْ ينعقد في حق غيرهم مع اختلاف المطالع، كما لو زالت الشمس، أَوْ غربت على قوم دون آخرين، يجب الظهر أَوْ المغرب على الأَولين دون أُولئك لعدم انعقاد السبب في حقّهم.
واختار صاحب «التجريد» وغيره من المشايخ اعتبار اختلاف المطالع لما روى الجماعة إِلاَّ البخاري من حديث كُرَيْب، أَنَّ أُمَّ الفَضْل بَعَثَتْهُ إِلى معاويةَ بالشام، قال: فَقَدِمْتُ الشامَ، وقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، واستهل عليّ رمضانُ وأَنَا بالشَّامِ، فرأَيتُ الهِلَالَ ليلةَ الجُمُعَة، ثم قَدِمْتُ المدينةَ في آخرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلني ابنُ عَبَّاس، قال: متى رأَيتم الهلال؟ قلت: ليلة الجمعة، فقال: أَنت رَأَيْتَه؟ قلت: نعم، ورَأَوهُ النَّاس فَصَامُوا، وصَامَ معاويةُ، فقالَ: لكنَّا رأَينا ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أَوْ نراه ـ أَي الهلال ـ فقلت: أَولا تكتفي برؤية معاويةَ وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ
شك أَحدُ رواتِهِ في نكتفي، بالنون أَوْ بالتاء، ولا شك أَنَّ هذا أَولى لأَنه نَصّ، وذلك يحتمل أَنْ يكون المراد: أَمَرَ أَهل كل مطلع بالصوم إِذا رَأَوْه. هكذا قال بعض المحققين، وأُجيب بأَنه جاز أَنْ يكون مذهب ابن عباس أَنَّه من باب الشهادة، فلذا لم يُقْبَل قولُ كُرَيْب وحده، ويكون قوله: هكذا أَمرنا رسولُ الله ﷺ يعني باعتبار قوله: «فإِنْ غُمَّ عليكم فأَكملوا».
стр. 563
فَصْلٌ فيما يُفسِدُ الصَّومَ وفيما لا يُفْسِدُهُ
مَنْ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ في أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، أَوْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ غِذَاءً، أَوْ دَوَاءً عَمْدًا، قَضَى وكَفَّرَ كالمُظَاهِرِ
===
فصلٌ فيما يُفْسِدُ الصوم وفيما لا يُفْسده
(مَنْ جَامَعَ) حَيَّاً من الآدمِيِّين، (أَوْ جُومِعَ في أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ) سواء وُجِدَ منه إِنْزَالٌ أَوْ لم يُوجَد.
(أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ غِذَاءً) ـ بكسر الغين وبالذال المعجمتين وبالمد ـ ما يُتَغَذَّى به (١) من الطعام والشراب.
(أَوْ دَوَاءً): وهو ما يُتَدَاوَى به (عَمْداً) ـ أَي متعمداً ـ في نهار رمضان. (قَضَى) استدراكاً لما فاته (وكَفَّرَ) لكمال الجناية. ولِمَا في الصحيحين عن أَبي هريرة، أَنَّ النبيّ ﷺ أَمَرَ رجلاً أَفْطَر في رمضانَ أَنْ يُعْتِقَ رقبةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً. ولما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن أَبي مَعْشَر، عن محمد بن كَعْب القُرَظي، عن أَبي هريرة، أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ في رَمَضَانَ، فأَمَرَهُ (٢) النبيُّ ﷺ أَنْ يَعْتِقَ … الحديث، إِلاَّ أَنَّه أَعَلَّهُ بأَبي مَعْشَر.
قلنا: يَعْضُدُه ما مَرَّ في الصحيحين عنه. وقال الشافعي، وأَحمد: لا كفارة على مَنْ أَكل أَوْ شرب عمداً لأَن الكفارة وردت في الجِماع على خلاف القياس، فلا يلحق به غيره. وحديث أَبي هريرة هذا محمول على الإِفطار بالجماع، لأَنه رواه نَحْوُ عشرين عن الزُّهْرِي بلفظ: «وقع على امرأَته في رمضان».
ولنا أَنَّ الكفارة تعلقت بالجِماع لكونه جنايةَ إِفطار في رمضان على وجه الكمال وهو التعمد، وهذا المعنى موجود في الأَكل والشرب عمداً، وما روى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث أَبي هريرة، أَنَّ رجلاً أَكلَ في رمضانَ، فأَمَرَهُ النبيُّ ﷺ أَنْ يَعْتِقَ رقبةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ ستينَ مِسْكيناً.
(كالمُظَاهِرِ) أَي ككفارةِ المُظَاهِرِ على الترتيب دون التخيير، لقوله ﷺ «مَنْ
стр. 564
وهِيَ بإِفسادِ أَداءِ رمَضَانَ لا غَيْرَ.
===
أَفْطَر في رمضانَ فَعَلَيْهِ ما على المُظَاهِر». رواه الدَّارَقُطْنِيّ بمعناه وقد تَقَدَّمَ. وهو قول الشافعي، وأَظْهَرُ الروايتين عن مالك، وأَحمد، لما روى الجماعة عن أَبي هريرة قال: جاء رجل إِلى النبيِّ ﷺ فقال: هَلَكْتُ يا رسول الله، قال: «وما أَهْلَكَكَ؟» قال: وَقَعْتُ على امرأَتي في رمضانَ وأَنَا صَائِمٌ، قال: «هَلْ تَجِدُ ما تَعْتِقُ رقبةً؟» قال: لا، قال: «فهل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قال: لا، قال: «فهل تَجِدُ ما تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟» قال: لا، قال: «اجلس»، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيه تمر، فقال: «تَصَدَّقْ بهذا»، قال: على أَفْقَر مِنَّا؟ فما بَيْنَ لَابَتَيْهَا (١) ـ يريد الحَرَّتَيْنِ (٢) ـ أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فضَحِكَ النَّبيُّ ﷺ حتى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وفي رواية أَنْيَابُه ثُمَّ قال: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». يعني والكفارة تبقى في ذِمَّتِهِ إِلى وقت الإِيسار.
والعَرَق: بفتحتين: المِكْتَل، وهو الزَّنْبّيِل (٣) العظيم الذي يَسَعُ ثلاثينَ صاعاً. وفي رواية: «وقَعْتُ على امرأَتي وأَنَا صَائِمٌ». وفي أُخْرَى: «وَطِئْتُ امرأَتي في رمضانَ نهاراً». وفي رواية أَبي داود، قال ﷺ «صُم يوماً مكانه». وأَما قول صاحب «الهداية» في آخر الحديث: «يُجْزِئُكَ ولا يُجْزِاءُ أَحداً بعدك»، فغير معروف.
(وهِيَ) أَي الكَفَّارة في الصوم (بإِفسادِ أَداءِ رمَضَانَ لا غَيْرَ) أَي لا بإِفساد قضائه، ولا بإِفساد أَداء غيره، لأَنها لِهَتْكِ حُرْمَة رمضانَ، بخلاف الكفارة في الحج فإِنها لهتك حرمة العبادة، ولذلك تجب في الحج الفرض وغيره. وكَفَتْ عندنا كفارةٌ واحدة عن وطآت في أَيام لم يتخلل بينها تَكْفِير، ولَوْ كانت في رمضانين على الصحيح، وقيل: في رمضانَ واحد. وأَما إِنْ تَخَلَّلَ التكفير، فلا يكفي كفارة واحدة في ظاهر الرواية، لأَن التداخل قَبْلَ الأَداء لا بَعْدَه كما في الحدود. وأَوجب مالك والشافعي لكل يَوْمٍ كَفَّارَةٌ، لأَنَّ السَّبَبَ تَكَرَّرَ، فيتكرر حُكْمُه كما لو حَنِثَ في يَمِينَيْنِ. وهذا (٤) لأَن معنى العبادة راجح فيها حتى يتأَتّى بما هو عبادة، والتداخل في العقوبات المَحْضَة (٥) .
ولنا أَنها شُرِعَت لمعنى الزَّجر، وأَنَّه حاصل بالأَول، فلا يفيده الثاني (٦) ، لأَنَّه
стр. 565
وَقَضَى فَقَط إِنْ أَفْطَرَ خَطَأً، أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ يَظُنُّ
===
تحصيل الحاصل. وهذا (١) مبني على الدرء بالشبهة، والاقتصار في الحدود على حدَ واحدٍ إِنَّما كان باعتبار شبهة عدم الفائدة لحصول الانزجار بالأَول منها فكذا هنا، بخلاف اليمين، لأَنها شرعت جبراً لهتك حرمة الاسم عندنا والهتك متعدد، بخلاف الكفارة هنا، لأَنها للزَّجر لا للجبر.
وتجب الكفارة على المُطَاوِعَةِ (٢) عندنا، ونفاها مالك والشافعي عنها. وفي قولٍ للشافعي يجب عليها، ويتحملها الزوج عنها. وله قول ثالث كمذهبنا. وتَسْقُطُ الكفارةُ اتفاقاً لَوْ طَرَأَ في يوم الإِفسادِ حَيْضٌ، أَوْ نِفَاسٌ، أَوْ مَرَضٌ مبيحٌ للفِطْر، لأَنَّ الكفَّارة إِنَّما تَجِبُ بالإِفطار في صوم مُسْتَحَقَ، واستحقاقه في يوم واحد لا يتجزّأْ ثُبُوتاً وسُقُوطاً، فَبِعُرُوضِ المرض والحيض في آخره تَمَكَّنَتْ شبهةُ انتفاء الاستحقاق في أَوَّلِهِ.
(وَقَضَى فَقَط) ـ أَي من غَيْرِ كفارة ـ (إِنْ أَفْطَرَ خَطَأً) بأَن كان ذَاكِراً للصَوْمِ غَيْرَ قَاصِدٍ للفِطْرِ. كما لو تَمَضْمَضَ فَدَخَلَ الماءُ في حلقه وإِنْ لم يُبَالِغْ، وبه قال مالك، وشَرَطَ الشافعي وجودَ المبالغة للإِفطار على الأَصح، لأَنَّه حصل من غير قَصْدِه في إِقامة فِعْلٍ وهو سُنَّةٌ فكان معذوراً كالناسي، بخلاف ما إِذا زاد على السُّنَّةِ بالمبالغة، لأَنَّه حينئذ لا يكون مقيماً قُرْبةً. وعن ابن أَبي ليلى: أَنَّه إِذا توضّأَ للمكتوبة لا يَفْسُد صومُه، وإِن توضأَ للنَّافلةِ يَفْسُدُ، لأَنه مضطرّ إِلى الأَول دون الثاني.
(أَوْ مُكْرَهاً) وبه (٣) قال مالك، وعند (٣) الشافعي: لا يَقْضِي فيهما لقوله تعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ فيما أَخْطَأْتُم به﴾ (٤) ، وقوله ﷺ «رُفِعَ عن أُمَّتِي: الخَطَأُ، والنسيانُ، وما استُكْرِهُوا عليه». رواه الطبراني عن ثَوْبَان، والبيهقي عن ابن عمر بلفظ: «وُضِعَ». ولنا أَنَّ المُفْطِرَ وَصَلَ إِلى جوفه فَيَفْسُدُ صَوْمُه، وهو القياس في الناسي، إِلاَّ أَنَّا تَرَكْنَاهُ لما سيأْتي، وصار كما إِذا أُكْرِه على أَنْ يَأْكُلَ بيده، وأُجِيبَ عن الآيةِ والحديثِ بأَنَّ المرادَ بهما نَفْيُ الإِثم في الآية، ورَفْعُ الإِثمِ وَوَضْعُه في الحديث.
(أَوْ يَظُنُّ) ـ بصيغة المضارع ـ أَي أَفْطَرَ ظانَّاً، وفي نسخة صحيحة: بصيغة