← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وبَعْدَ صَوْمِ ثلاثين بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ حَلَّ الفِطْرُ، وبقَوْلِ عَدْلٍ لا. والأَضْحَى كالفِطْرِ. === انفراد الجمع القليل بالرؤية يوجبُ ظَنَّ غَلَطِهِم، فيوجب التوقف فيه حتى يكون جمعاً كثيراً، بخلاف ما إِذا كان بالسماء غَيْمٌ، فإِنَّه قد يَنْشق الغيم فيتفق لبعض الناس النظر إِلى الهلال دون الباقين. والجمع العظيم: قيل: أَهْل مَحَلَّة، وعن أَبي يوسف: خمسون رَجُلاً كالقَسَامَةِ (١) ، وعن محمد: أَنه قَدْر ما يحصل للإِمام العِلْمُ بخبرهم، بأَنْ يتواتر الخبر من كل جانب، والاكتفاء باثنين روايةٌ عن أَبي حنيفة. والأَصح تفويضه إِلى رأْي الإِمام لتفاوت الناس صِدْقاً. (وبَعْدَ صَوْمِ ثلاثين بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ) متعلق (٢) بصوم (حَلَّ الفِطْرُ) عَامِلٌ (٣) في «بَعْدَ» أَي، وحَلَّ بعد صوم ثلاثين بقول عدلين الفِطْرُ، لأَنه يَثْبُت بشهادة عدلين (وبِقَوْلِ عَدْلٍ لا) أَي لا يَحِلُّ الفِطْرُ، لأَنه لا يثبت بشهادةِ الواحد، فلا يُفْطِرُون احتياطاً. وأَجاز محمد للناس الفِطْر بعد ثلاثين يوماً بِقَوْل عدلٍ واحدٍ، كَثُبُوتِه بشهادة عدلين. (والأَضْحَى كالفِطْرِ) أَي وحُكْمُ هِلالِ الأَضحى كحكم هلال الفِطْرِ، فيثبت بمثل ما يثبت به، لأَنه تَعَلَّق به حقُّ العباد وهو التوسع بلحوم الأَضحى. ولو رأَى الهلال نهاراً، فهو للَّيلة الآتية، لأَنه يحتمل أَنْ يكون من الماضية، أَوْ من الآتية فيُجْعل من الآتية وهو قول أَبي حنيفة، ومحمد، ومذهب مالك، والشافعي، وأَحمد، والليث، والأَوزاعي، وقال به من الصحابة عمر، وابن مسعود، وأَنس بن مالك. روى عبد الرزاق في «مُصَنَّفِهِ»، عن مَعْمَر، عن الأَعْمَش، عن أَبي وائل قال: كتب إِلينا عمر أَنْ الأَهِلَّة بَعْضُها أَكبر من بعض، فإِذا رأَيتم الهلال نهاراً، فلا تُفْطِروا حتى يشهد شاهدان أَنَّهما رأَياه بالأَمس ـ أَي بليلة ـ. ولقوله ﷺ «صوموا لرؤيته، وأَفطروا لرؤيته» (٤) ، فوجب سَبْقُ الرؤية على الصوم والفطر. والمفهوم المتبادر منه الرؤية عند عشية آخر كل شهر عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

стр. 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ورُوِي عن عمر، وهو قول علي، وعائشة، ومذهب الثوري، وأَبي يوسف: إِنْ رُئِيَ (١) قبل الزوال فللماضية في الصوم والفطر، لأَن الشيء يأْخذ حكم ما قَرُبَ منه، ولأَن الظاهر أَنه لا يُرَى قبل الزوال إِلاَّ (وهو) (٢) لليلتين. وقال الحسن بن زياد: إِنْ غاب بعد الشَّفَقِ فللماضية، وإِنْ غاب قبله فللراهنة. وإِذا ثبت الهلال في مصر لزِم الصوم سائر الناس، فَيُلْزَمُ أَهلُ المشرق برؤية أَهل المغرب في ظاهر المذهب، واختاره أَكثر المشايخ، لعموم الخطاب في قوله ﷺ «صوموا» مُعَلَّقاً بِمُطْلقِ الرؤية في قوله: «لرؤيته»، وبرؤية قوم يصدق اسم الرؤية، وما يتعلق به من عموم الحكم فيجب العموم احتياطاً، هذا بناء على عدم الاعتبار باختلاف المطالع. والأَشبه من حيث الدليل هو الاعتبار باختلافها كما في دخول وقت الصلاة، لأَن السبب شهود الشهر، فإِذا انعقد بالرؤية في حق قوم، لا يلزم أَنْ ينعقد في حق غيرهم مع اختلاف المطالع، كما لو زالت الشمس، أَوْ غربت على قوم دون آخرين، يجب الظهر أَوْ المغرب على الأَولين دون أُولئك لعدم انعقاد السبب في حقّهم. واختار صاحب «التجريد» وغيره من المشايخ اعتبار اختلاف المطالع لما روى الجماعة إِلاَّ البخاري من حديث كُرَيْب، أَنَّ أُمَّ الفَضْل بَعَثَتْهُ إِلى معاويةَ بالشام، قال: فَقَدِمْتُ الشامَ، وقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، واستهل عليّ رمضانُ وأَنَا بالشَّامِ، فرأَيتُ الهِلَالَ ليلةَ الجُمُعَة، ثم قَدِمْتُ المدينةَ في آخرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلني ابنُ عَبَّاس، قال: متى رأَيتم الهلال؟ قلت: ليلة الجمعة، فقال: أَنت رَأَيْتَه؟ قلت: نعم، ورَأَوهُ النَّاس فَصَامُوا، وصَامَ معاويةُ، فقالَ: لكنَّا رأَينا ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أَوْ نراه ـ أَي الهلال ـ فقلت: أَولا تكتفي برؤية معاويةَ وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ شك أَحدُ رواتِهِ في نكتفي، بالنون أَوْ بالتاء، ولا شك أَنَّ هذا أَولى لأَنه نَصّ، وذلك يحتمل أَنْ يكون المراد: أَمَرَ أَهل كل مطلع بالصوم إِذا رَأَوْه. هكذا قال بعض المحققين، وأُجيب بأَنه جاز أَنْ يكون مذهب ابن عباس أَنَّه من باب الشهادة، فلذا لم يُقْبَل قولُ كُرَيْب وحده، ويكون قوله: هكذا أَمرنا رسولُ الله ﷺ يعني باعتبار قوله: «فإِنْ غُمَّ عليكم فأَكملوا».

стр. 563

فَصْلٌ فيما يُفسِدُ الصَّومَ وفيما لا يُفْسِدُهُ مَنْ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ في أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، أَوْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ غِذَاءً، أَوْ دَوَاءً عَمْدًا، قَضَى وكَفَّرَ كالمُظَاهِرِ === فصلٌ فيما يُفْسِدُ الصوم وفيما لا يُفْسده (مَنْ جَامَعَ) حَيَّاً من الآدمِيِّين، (أَوْ جُومِعَ في أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ) سواء وُجِدَ منه إِنْزَالٌ أَوْ لم يُوجَد. (أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ غِذَاءً) ـ بكسر الغين وبالذال المعجمتين وبالمد ـ ما يُتَغَذَّى به (١) من الطعام والشراب. (أَوْ دَوَاءً): وهو ما يُتَدَاوَى به (عَمْداً) ـ أَي متعمداً ـ في نهار رمضان. (قَضَى) استدراكاً لما فاته (وكَفَّرَ) لكمال الجناية. ولِمَا في الصحيحين عن أَبي هريرة، أَنَّ النبيّ ﷺ أَمَرَ رجلاً أَفْطَر في رمضانَ أَنْ يُعْتِقَ رقبةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً. ولما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن أَبي مَعْشَر، عن محمد بن كَعْب القُرَظي، عن أَبي هريرة، أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ في رَمَضَانَ، فأَمَرَهُ (٢) النبيُّ ﷺ أَنْ يَعْتِقَ … الحديث، إِلاَّ أَنَّه أَعَلَّهُ بأَبي مَعْشَر. قلنا: يَعْضُدُه ما مَرَّ في الصحيحين عنه. وقال الشافعي، وأَحمد: لا كفارة على مَنْ أَكل أَوْ شرب عمداً لأَن الكفارة وردت في الجِماع على خلاف القياس، فلا يلحق به غيره. وحديث أَبي هريرة هذا محمول على الإِفطار بالجماع، لأَنه رواه نَحْوُ عشرين عن الزُّهْرِي بلفظ: «وقع على امرأَته في رمضان». ولنا أَنَّ الكفارة تعلقت بالجِماع لكونه جنايةَ إِفطار في رمضان على وجه الكمال وهو التعمد، وهذا المعنى موجود في الأَكل والشرب عمداً، وما روى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث أَبي هريرة، أَنَّ رجلاً أَكلَ في رمضانَ، فأَمَرَهُ النبيُّ ﷺ أَنْ يَعْتِقَ رقبةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ ستينَ مِسْكيناً. (كالمُظَاهِرِ) أَي ككفارةِ المُظَاهِرِ على الترتيب دون التخيير، لقوله ﷺ «مَنْ

стр. 564

وهِيَ بإِفسادِ أَداءِ رمَضَانَ لا غَيْرَ. === أَفْطَر في رمضانَ فَعَلَيْهِ ما على المُظَاهِر». رواه الدَّارَقُطْنِيّ بمعناه وقد تَقَدَّمَ. وهو قول الشافعي، وأَظْهَرُ الروايتين عن مالك، وأَحمد، لما روى الجماعة عن أَبي هريرة قال: جاء رجل إِلى النبيِّ ﷺ فقال: هَلَكْتُ يا رسول الله، قال: «وما أَهْلَكَكَ؟» قال: وَقَعْتُ على امرأَتي في رمضانَ وأَنَا صَائِمٌ، قال: «هَلْ تَجِدُ ما تَعْتِقُ رقبةً؟» قال: لا، قال: «فهل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قال: لا، قال: «فهل تَجِدُ ما تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟» قال: لا، قال: «اجلس»، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيه تمر، فقال: «تَصَدَّقْ بهذا»، قال: على أَفْقَر مِنَّا؟ فما بَيْنَ لَابَتَيْهَا (١) ـ يريد الحَرَّتَيْنِ (٢) ـ أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فضَحِكَ النَّبيُّ ﷺ حتى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وفي رواية أَنْيَابُه ثُمَّ قال: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». يعني والكفارة تبقى في ذِمَّتِهِ إِلى وقت الإِيسار. والعَرَق: بفتحتين: المِكْتَل، وهو الزَّنْبّيِل (٣) العظيم الذي يَسَعُ ثلاثينَ صاعاً. وفي رواية: «وقَعْتُ على امرأَتي وأَنَا صَائِمٌ». وفي أُخْرَى: «وَطِئْتُ امرأَتي في رمضانَ نهاراً». وفي رواية أَبي داود، قال ﷺ «صُم يوماً مكانه». وأَما قول صاحب «الهداية» في آخر الحديث: «يُجْزِئُكَ ولا يُجْزِاءُ أَحداً بعدك»، فغير معروف. (وهِيَ) أَي الكَفَّارة في الصوم (بإِفسادِ أَداءِ رمَضَانَ لا غَيْرَ) أَي لا بإِفساد قضائه، ولا بإِفساد أَداء غيره، لأَنها لِهَتْكِ حُرْمَة رمضانَ، بخلاف الكفارة في الحج فإِنها لهتك حرمة العبادة، ولذلك تجب في الحج الفرض وغيره. وكَفَتْ عندنا كفارةٌ واحدة عن وطآت في أَيام لم يتخلل بينها تَكْفِير، ولَوْ كانت في رمضانين على الصحيح، وقيل: في رمضانَ واحد. وأَما إِنْ تَخَلَّلَ التكفير، فلا يكفي كفارة واحدة في ظاهر الرواية، لأَن التداخل قَبْلَ الأَداء لا بَعْدَه كما في الحدود. وأَوجب مالك والشافعي لكل يَوْمٍ كَفَّارَةٌ، لأَنَّ السَّبَبَ تَكَرَّرَ، فيتكرر حُكْمُه كما لو حَنِثَ في يَمِينَيْنِ. وهذا (٤) لأَن معنى العبادة راجح فيها حتى يتأَتّى بما هو عبادة، والتداخل في العقوبات المَحْضَة (٥) . ولنا أَنها شُرِعَت لمعنى الزَّجر، وأَنَّه حاصل بالأَول، فلا يفيده الثاني (٦) ، لأَنَّه

стр. 565

وَقَضَى فَقَط إِنْ أَفْطَرَ خَطَأً، أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ يَظُنُّ === تحصيل الحاصل. وهذا (١) مبني على الدرء بالشبهة، والاقتصار في الحدود على حدَ واحدٍ إِنَّما كان باعتبار شبهة عدم الفائدة لحصول الانزجار بالأَول منها فكذا هنا، بخلاف اليمين، لأَنها شرعت جبراً لهتك حرمة الاسم عندنا والهتك متعدد، بخلاف الكفارة هنا، لأَنها للزَّجر لا للجبر. وتجب الكفارة على المُطَاوِعَةِ (٢) عندنا، ونفاها مالك والشافعي عنها. وفي قولٍ للشافعي يجب عليها، ويتحملها الزوج عنها. وله قول ثالث كمذهبنا. وتَسْقُطُ الكفارةُ اتفاقاً لَوْ طَرَأَ في يوم الإِفسادِ حَيْضٌ، أَوْ نِفَاسٌ، أَوْ مَرَضٌ مبيحٌ للفِطْر، لأَنَّ الكفَّارة إِنَّما تَجِبُ بالإِفطار في صوم مُسْتَحَقَ، واستحقاقه في يوم واحد لا يتجزّأْ ثُبُوتاً وسُقُوطاً، فَبِعُرُوضِ المرض والحيض في آخره تَمَكَّنَتْ شبهةُ انتفاء الاستحقاق في أَوَّلِهِ. (وَقَضَى فَقَط) ـ أَي من غَيْرِ كفارة ـ (إِنْ أَفْطَرَ خَطَأً) بأَن كان ذَاكِراً للصَوْمِ غَيْرَ قَاصِدٍ للفِطْرِ. كما لو تَمَضْمَضَ فَدَخَلَ الماءُ في حلقه وإِنْ لم يُبَالِغْ، وبه قال مالك، وشَرَطَ الشافعي وجودَ المبالغة للإِفطار على الأَصح، لأَنَّه حصل من غير قَصْدِه في إِقامة فِعْلٍ وهو سُنَّةٌ فكان معذوراً كالناسي، بخلاف ما إِذا زاد على السُّنَّةِ بالمبالغة، لأَنَّه حينئذ لا يكون مقيماً قُرْبةً. وعن ابن أَبي ليلى: أَنَّه إِذا توضّأَ للمكتوبة لا يَفْسُد صومُه، وإِن توضأَ للنَّافلةِ يَفْسُدُ، لأَنه مضطرّ إِلى الأَول دون الثاني. (أَوْ مُكْرَهاً) وبه (٣) قال مالك، وعند (٣) الشافعي: لا يَقْضِي فيهما لقوله تعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ فيما أَخْطَأْتُم به﴾ (٤) ، وقوله ﷺ «رُفِعَ عن أُمَّتِي: الخَطَأُ، والنسيانُ، وما استُكْرِهُوا عليه». رواه الطبراني عن ثَوْبَان، والبيهقي عن ابن عمر بلفظ: «وُضِعَ». ولنا أَنَّ المُفْطِرَ وَصَلَ إِلى جوفه فَيَفْسُدُ صَوْمُه، وهو القياس في الناسي، إِلاَّ أَنَّا تَرَكْنَاهُ لما سيأْتي، وصار كما إِذا أُكْرِه على أَنْ يَأْكُلَ بيده، وأُجِيبَ عن الآيةِ والحديثِ بأَنَّ المرادَ بهما نَفْيُ الإِثم في الآية، ورَفْعُ الإِثمِ وَوَضْعُه في الحديث. (أَوْ يَظُنُّ) ـ بصيغة المضارع ـ أَي أَفْطَرَ ظانَّاً، وفي نسخة صحيحة: بصيغة

стр. 566

أَنَّه لَيْلٌ، أَوْ وَصَلَ دَوَاءٌ إِلى جَوْفِهِ، أَوْ دِمَاغِهِ مِن غَيْرِ المَسَامِّ، === الجار والمجرور، أَي أَفْطَرَ بِظَنَ (أَنَّه) أَي وقت الأَكل (لَيْلٌ) ثم تَبَيَّنَ أَنَّهُ نهار، وهذا شامل للمسأَلتين: إِحداهما أَنْ يأْكل وهو يَظُنُّ أَنَّ الفجر لم يَطْلُع، وكان قد طَلَعَ. وثانيهما: أَنْ يأْكُلَ وهو يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ غَرَبَتْ، وكانت لم تَغْرُب، فيجب عليه الإِمساك بقيةَ يومه قضاءً لِحَقِّ الوقت وحرمته، لأَن إِفطارَهُ أَوَّلاً حَقٌّ مضمون بالمِثْلِ، ولا يجبُ الكفارة لأَنَّ الجناية قَاصِرة، ولقول أَسْمَاءَ: أَفْطَرْنَا يوماً في رمضان في غَيْمٍ في عهد رسولُ الله ﷺ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْس، قال: أُسامَةُ قلت لِهِشَام: أُمروا بالقَضَاءِ؟ قال: وبدٌ (١) من ذلك؟ رواه أَبو داود. (أَوْ وَصَلَ) من غير الفَمِ (دَوَاءٌ إِلى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ) بأَنْ دَاوَى آمَّة: وهي الشَّجةُ التي تبلغ أُم الدِّمَاغِ (مِنْ غَيْرِ المَسَامِّ) قَيَّدَ به لأَنه لو وصل إِلى جوفه من المَسَامِّ لا يقضي، كما لو اغتسل بالماء البارد ووجد برده في كبده، وكما لو ادَّهَنَ فوجد أَثر الدهن في بوله، أَوْ اكتحل فوجد طَعْمَ الكُحْلِ في حَلْقِهِ، أَوْ لونِهِ في بُزَاقِهِ. وصورة وصول الدواء من غير الفم إِلى الجوف: أَنْ يتداوى بِحُقْنَةٍ، أَوْ سَعُوط: وهو الصَّبُّ في الأَنف، أَوْ يُدَاوي جائفةً: وهي الجِرَاحة التي تكون في الجوف، أَوْ تقطر امرأَة دواء في قُبُلِها وهو الصحيح، أَوْ يقطر رَجُلٌ في إِحليله فَيَصِلُ إِلى المَثَانَةِ عند أَبي يوسف خلافاً لأَبي حنيفة، ولو دخل الماء باطنه بالاستنجاء يقضي، ولو أَقطر في أُذُنِهِ دهناً قضى، ولو أَقْطَرَ ماء لا يقضي، ولو استنشق الماء فوصل إِلى دماغه قضى. وإِنما قلنا: إِنْ الوصول إِلى الجَوْفِ والدماغ من غير الفم والمسام موجب للقضاء وحده، لوجود معنى الفطر وهو صلاح البدن وعدم صورته. وفي «الهداية»: ومَنِ احْتَقَنَ، أَوْ اسْتَعَطَ، أَوْ أَقْطَرَ في أُذُنِهِ أَفْطَر لقوله ﷺ «الفِطْرُ مِمَّا يَدْخُل»، رواه البيهقي في «سننه الكُبْرَى» عن ابن عباس أَنَّه ذَكَرَ عندَهُ الوضوءَ مِنَ الطعام، فقال: الوضوءُ مِمَّا خَرَجَ وليس مِمَّا دخل، وأَمَّا الفطر فممَّا دخل. ورُوِيَ عن عليَ من قوله، ورُوِي عن النبيِّ ﷺ ولا يَثْبُت.

стр. 567

أَو ابْتَلَعَ حَصَاةً، أَوْ تقَيَّأَ مِلأَ فيهِ، لا إِنْ غَلَبَهُ، أَو أفطَرَ نَاسِيًا، === (أَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً) وكذا ما في معناها (١) ممَّا لا يُتَغذَّى به، ولا يُتَدَاوَى كالحديد لوجود صورة الفطر وهو الإِدخال من الفم إِلى الجوف دون معناه، ولو مضغ لقمة ناسياً فتذكر فابتلعها، قال أَبو الليث: إِنْ ابتلعها بعد إِخراجها فلا كفّارة عليه لأَنها شيء تعافه النفس، وإِنِ ابتلعها قبل إِخْرَاجِها فعليه الكفارة. (أَوْ تَقَيَّأَ مِلأِ فيهِ) أَمَّا القضاءُ فلِمَا روى أَصحاب السُّنَنِ الأَربعة من حديث أَبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ «مَنْ ذَرَعَهُ القيءُ ـ أَي سَبَقَهُ وغَلبه ـ وهو صَائِمٌ فليس عليه القضاءُ، ومَنِ استقاءَ عَمْداً فَلْيَقْضِ». وقال الدَّارَقُطْنِيّ: رواتُه كُلُّهُم ثِقَات. وأَما عدمُ الكفارة فَلِعَدَمِ صورةِ الفِطْر. قَيَّدَ «بملأ الفم»، لأنه لو تَقَيَّأَ دونه لا يَقْضي عند أَبي يوسف لعدم الخروج حُكْماً، ويقضي عند محمد، وهو الظاهر لإِطلاقِ الحديثِ السابقِ، (لا إِنْ غَلَبَهُ) أَي لا يقضي إِنْ غَلَبَ القيء ولو أَنه ملأَ الفم. (أَوْ أَفطَرَ نَاسِياً) أَي لا يَقْضِي إِنْ أَفْطَرَ نَاسياً بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاع، وهو قول الشافعي. وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة. وقال الأَوزاعي، والليث: يجب القضاء في الجِماع دون الأَكل والشُّرْب. وقال أَحمد: يجب القضاء والكفارة في الجِماع، ولا شيء في الأَكل والشرب. لنا ما رواه الشيخان وغيرهما من قوله ﷺ «مَنْ نَسِي وهو صَائِم فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَه، فإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وسَقَاه». وما روى ابن حِبَّان، وابن خُزَيمَة في «صَحِيحَيْهِما» والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، من حديث أَبي هريرة، أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَفْطَرَ في رمضانَ ناسياً فلا قضاء عليه، ولا كَفَّارَة». وروى ابنُ حِبَّان في «صحيحه»، والدَّارَقُطْنِيّ في «سُنَنِه»: أَنَّ رجلاً سأَل رسولَ الله ﷺ وقال: إِنِّي كنت صائماً فَأَكَلْتُ وشَرِبْتُ ناسياً، فقال رسول الله ﷺ «أَتِمَّ صَوْمَكَ فَإِنَّ اللهَ أَطْعَمَكَ وسَقَاكَ». وزاد الدَّارَقُطْنِي في لفظه: «ولا قضاء عليك»، وفي لفظ (له) (٢) : «إِذا أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِياً أَوْ شَرِبَ نَاسِياً، فإِنَّما هو رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِليه، فلا قضاء عليه». وقال: إِسناده صحيح. وإِذا ثبت هذا في الأَكل والشُّرْبِ ثَبَتَ في الوِقَاع دَلالَةً، للاستواء بين الكل في قيام الصوم بالكَفِّ عن الأَكل (٣) مع أَنه (٤) دونهما (٥) في المناقضة. والنسيان يَغْلِبُ في

стр. 568

أَوْ احْتَلَمَ، === الصوم لأَنه ليس له حالةُ مُذَكِّرَةٌ أَنَّه فيه، بخلاف الصلاة فإِنَّ لها هيئةً مذكرةً أَنَّه فيها، فلا يغلب النسيان فيها فلا تلحق به، فيبقى على خلاف القياس، ولا فَرْق بين الفرض والنفل، لأَنَّ النَّصَّ لم يفصِّل. وعن سفيانَ أَنه إِذا أَكل أَوْ شرب ناسياً لم يُفْطِر، وإِنْ جامع ناسياً أَفطر. وَوَجْهُهُ أَنَّ الجِمَاعَ ليس في معناهما، لأَن زمانَ الصوم زمانُ الأَكل والشرب عادة، (فقد) (١) يُبْتَلى فيه المرء بالنسيان جَرْياً على مُقْتَضَى العادة، وليس وقت الجماع عادة، فقلَّ أن يُبْتَلى فيه، فافترقا. وجوابه ما قدمناه. ولو أَكَل عامداً بعد أَكْلِه ناسياً لا كفارة عليه وإنْ علم ببقاء الصومِ في ظاهر الرواية عن أَبي حنيفة، وعنه أَنَّه تجب، وبه قالا، لأَنه اشتباه بلا شبهة، وهذا لأَنَّ ظَنَّهُ مَدْفُوع لقوله ﷺ «تمَّ على صَوْمِكَ» (٢) فلا يبقى شبهة، وَوَجْهُ الظاهر عنه قِيَامُ الشُّبْهَةِ الحُكْمِيةِ نظراً إِلى القِيَاسِ، ولا تنتفي هذه الشبهةُ بالعلم، لأَن خبر الواحد لا يُوجِبُ العلم إِنما يوجب العمل، فلا تنتفي به الشبهةُ. (أَوْ احْتَلَمَ) لما روى الترمذي، عن أَبي سعيد الخُدرِيّ قال: قال رسولُ الله ﷺ «ثَلَاثٌ لا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الحِجَامَةُ والقَيْء ـ أَي الغالب ـ والاحْتِلامُ». وفي سنده عبد الرحمن بنُ زيد بن أَسْلَم وهو ضعيف. ورواه البَزَّارُ في «مسنده» عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله ﷺ «ثلاثةٌ لا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: القيءُ، والحجامةُ، والاحتلام». ثم قال: وهذا من أَحْسَنِها إِسناداً، وأَصَحِّهَا إِلاَّ أَنَّ عبد العزيز لم يكن بالحافظ. ورواه الطبراني عن ثَوْبَان، أَنَّ رسولَ الله ﷺ وذَكَر الحديث. وقال: لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن ثَوْبان إِلاَّ بهذا الإِسناد، وقد تَفَرَّدَ به ابنُ وَهْب، فَقَدْ ظهر أَنَّ هذا الحديث يجِب أَنْ يرتقي إِلى درجة الحَسَنِ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وضَعْفُ إِسناده إِنَّمَا هو مِنْ قِبَلِ الحِفْظِ لا العدالة، (فالتضافر دليل الإِجادة في خصوصه) (٣) . ومما يؤيده روايةُ أَبي داود: «لا يُفْطِرُ مَنْ قاء، ولا مَنْ احْتَلَم، ولا مَنْ احْتَجَم». لقول ابن عباس: احتجم

стр. 569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === النبيُّ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ. رواه البُخَاري. وقول عبد الرحمن بن أَبي لَيْلَى: حَدَّثَنِي رجلٌ مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ ﷺ أَنَّ رسولَ الله ﷺ نهى عن الحِجَامَةِ والمُوَاصلة (١) ولم يُحَرِّمْهُمَا إِبقاء على أَصحابه. رواهما أَبو داود، وقال أَحمد: يُفْطِرُ الحاجِمُ والمحجوم، لقوله ﷺ «أَفطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُوم»، حين أَتى على رَجُلٍ يَحْتَجِمُ في رمضانَ. رواه أَصْحَابُ السُّنَنِ وغَيْرُهُم، وهو منسوخ بما روينا. وقد بسطنا الكلام عليه في «المرقاة شرح المشكاة». فلو ظَنَّ الصَّائِمُ أَنَّ الحِجَامَةَ مُفْطِرة فَتَعَمَّدَ الفِطْر بعدها قَضَى وكَفَّرَ، لأَنَّ الظن ما استند إِلى دليلٍ شرعي، إِلاَّ إِذا أَفتاه به فَقِيهٌ يراها مفطرة، كالحنابلة، وبعض أَهل الحديث، فحينئذ لا كفَّارة عليه، لأَن الواجب على العامي الأَخْذُ بِفَتْوى المُفْتي، فتصير الفتوى شبهة في حَقِّه وإِنْ كانت خطأً في نفسها، أَوْ سَمِعَ الحديث ولم يَعْرف تأْويلَه على المذهب، لأَنَّ قول الرسول ﷺ لا يكون أدنى درجةً من قول المُفْتِي، وقولُ المفتي صَلُحَ عُذْراً، فَقَوْلُ الرسول ﷺ أَوْلى. وعن أَبي يوسف إِنَّها (٢) تَجِبُ، لأَن العامي إِذا سَمِع حديثاً فليس له أَنْ يأْخذ بظاهره، لجواز أَنْ يكون مصروفاً عن ظاهره، أَوْ منسوخاً، وتجب الكفارة إِنْ عَرَف تأْويله لانتفاء الشبهة، وتأْويله أَنَّه ﷺ مَرَّ بهما وهما يغتابان آخَرَ فقال ﷺ ذلك (٣) ، أَي ذهب ثواب صومهما بالغِيبة. ويدل عليه أَنَّه ﵊ سَوَّى بين الحَاجِمِ والمَحْجُوم، ولا خلاف أَنَّه لا يَفْسُدُ صَوْمُ الحاجم. لا يُقَالُ: إِنَّ الأَوزاعي خَالَفَهُ فتُورثُ (٤) الشبهةَ، كخلاف مالك في النسيان، لأَن خلافه إِنَّما اعْتُبِر لموافقةِ القياس، وخلَاف الأَوزاعي مخالف للقياس فلا يُورِثُ شبهة، أَوْ إِنَّهُ (٥) منسوخ لما في البخاري، عن ابن عباس: «أَنَّه ﷺ احتجم وهو مُحْرِم، واحتجم وهو صائم».

стр. 570

أَوْ نَظَرَ فَأَنْزَلَ، أَوْ دَخَلَ غُبَارٌ، أَوْ دُخَانٌ، أَوْ ذُبَابٌ حَلْقَةُ. === وفي الدَّارَقُطْنِيّ عن أَنس قال: أَول ما كُرِهَتْ الحِجَامَةُ للصائم، أَنَّ جَعْفَرَ بنَ أَبي طالب احتجم وهو صائِمٌ، فمرّ به رسولُ الله ﷺ فقال: «أَفْطَرَ هذَانِ»، ثُمَّ رَخَّصَ رسولَ الله ﷺ بَعْدُ في الحِجَامة للصائم. وكان أَنسُ يَحْتَجِمُ وهو صائمٌ. قال: كل رواته ثقات، ولا أَعلم له علَّة. وفي النَّسائي عن أَبي سعيد الخُدْري، أَنَّ رسولَ الله ﷺ رَخَّصَ في القُبْلَة، ورَخَّصَ في الحِجَامة. وفيه أَيضاً عن أَبي هريرة أَنَّه قال: يُقَال: أَفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُوم، وأَما أَنا فَلَوْ احتَجَمْتُ ما بَالَيْتُ. وكذا لا يَقْضِي إِنْ أَصْبَحَ جُنُباً، لاسْتِلْزَامِ جوازِ المباشرةِ إِلى الفجر وقوعَ الغُسْلِ بعده ضرورةً، لقوله تعالى: ﴿فالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وكُلُوا واشْرَبُوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْودِ مِنَ الفَجْرِ﴾ (١) ، ولما في سُنَنِ أَبي داود عن عائشةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ ـ زَوْجَي النَّبيِّ ﷺ أَنَّهما قالتا: كان رسولُ الله ﷺ يُصْبِحُ جُنُباً في رَمَضَانَ مِنْ جِمَاع غَيْرِ احتلام، ثم يَصُومُ. وفيه عن عائشةَ، أَنَّ رجلاً قال لرسول الله ﷺ وهو وَاقِفٌ على الباب: يا رسولَ الله، إِنِّي أُصْبِحُ جُنُبَاً، وأَنا أُريد الصيامَ، فقال رسولُ الله ﷺ «وأَنا أُصْبِحُ جُنُباً، وأَنَا أُرِيدُ الصيام، وأَغْتَسِلُ وأَصُومُ … » الحديثَ. (أَوْ نَظَرَ فَأَنْزَلَ) لأَنَّه لم يوجد منه صورةُ الجماع ولا معناه ـ وهو الإِنزال ـ عن شهوةٍ بالمباشرة، فصار كما إِذا تَفَكَّرَ فأَمْنَى، ولو استَمْنَى بِكَفِّه، المختارُ أَنَّه يجبُ القضاء. وهل يجوزُ هذا الفعلُ لغير الصائم؟ قالوا: إِنْ قصد قضاء الشهوة لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِم حَافِظُونَ إِلاَّ على أَزْوَاجِهِم أَوْ ما ملَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فإِنَّهم غَيْرُ مَلُومِين فَمَنِ ابْتَغَى ورَاءَ ذلك فأُولئك هم العَادُون﴾ (٢) ، قال: ابن جُرَيْج سأَلت عطاء فقال: سَمِعْت بقومٍ يُحْشَرُون وأَيْدِيهم حُبَالى، فَأَظُنُّ أَنهم هؤلاء. انتهى. وإِنْ أَراد تسكينَ ما به من الشهوة لا بأْس به. انتهى. كذا في «الكافي» (٣) . (أَوْ دَخَلَ غُبَارٌ أَوْ دُخَانٌ أَوْ ذُبَابٌ) أَوْ طَعْمُ الأَدْوِيَةِ (حَلْقَةُ) لأَنَّه لا يمكن الاحتراز عن هذه الأَشياءِ، بخلاف الثلج والمطر على الأَصح لإِمكان الاحتراز عنه بضم الفم،

стр. 571

ولو وَطِئَ بهيمةً، أَوْ ميتةً، أَو في غَيْرِ فَرْجٍ، أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ، إِنْ أَنْزَلَ قَضَى ولا كَفَّارَةَ. ولا يَفْسُدُ بِأَكْل ما في أَسْنَانِهِ إِذَا كانَ أَقَلَّ من حِمِّصَةٍ، إِلَّا إِذا أُخْرِجَ مِن فِيه ثُمَّ أُكِلَ. ولا بأَكْلِ سِمْسِمَة مَضْغًا. وعودُ القيءِ يُفْسِدُ إِنْ كَثُرُ === ولو دخل من دموعه أَوْ عَرَقِهِ قَطْرَةٌ أَوْ قَطْرَتَانِ لا يفطر، ولو دخله أَكثر يُفْطِر. (ولو وَطِاءَ بهيمةً، أَوْ ميتةً، أَوْ في غَيْرِ فَرْجٍ،) كالتفخيذ (أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ، إِنْ أَنْزَلَ قَضَى) وكذا المرأَةُ تَقْضِي إِنْ أَنْزَلَتْ لوجود الجِمَاعِ مَعْنىً. (ولا كَفَّارَةَ) لِنُقْصَانِ الجناية، أَمَّا في وَطاءِ البهيمةِ، والميتةِ فلانعدام المَحَلِّ المُشْتَهَى، وأَمَّا في الباقي فلانعدام صورةِ الجِمَاعِ. (ولا يَفْسُدُ) صَوْمُه (بِأَكْل ما في أَسْنَانِهِ) أَي فيما بَيْنَهَا (إِذَا كانَ أَقَلَّ من حِمِّصَةٍ إِلاَّ إِذا أُخْرِجَ مِنْ فِيه ثُمَّ أُكِلَ). وقال زُفَر: يَفْسُدُ، لأَن الفَمَ له حُكْمُ الظاهر، ولهذا لا يَفْسُدُ الصومُ بِالمَضْمَضَةِ. وأُجِيبَ بأَنَّ القليل يبقى عادةً بين الأَسْنَانِ فيكون تابعاً للرِّيقِ، بخلاف الكثير. ثمَّ قال أَبو يوسف: لا كَفَّارة في قَدْرِ الحِمِّصَة، لأَنَّ الطَّبْعَ يعافه. وقال زفر: فيه الكفارة لأَنه طعام (ولا بِأَكْلِ سِمْسِمَة) لم تكن بين أَسنانه (مَضْغاً) لأَنَّها تتلاشى في فمه وتلتزق بين أَسنانه، فلا يصل شيء منها إِلى جوفه، قَيَّدَ «بالمَضْغ» لأَنه لو ابتلعها صحيحة تُفْسِدُ صَوْمَه، واختلفوا في الكفارة، والأَصحُّ وُجُوبُهَا لوجود العلم بِوُصُولِ ما يُؤكَلُ عَادَةً إِلى حَلْقِهِ. ولو جَمَعَ رِيقَهُ وابتلعه لا يُفْطِر ويُكْرَه. ولو أَخْرَجَهُ ثُمَّ ابتلعه يُفْطِرُ ولا كفارة عليه، كما لو ابتلع ريق غيره. وكذا (١) لو ابتلع المُخَاط الذي نزل من رأْسه في فيهِ، والبزاق الذي تَرَطَّبَتْ شفتاه منه عند الكلام ونحوه. وفي «المحيط»: ولو خرج الدم من بين أَسنانه ودخل حَلْقَهُ إِنْ كانت الغلبة للبزاق لا يُفْطِر، وإِن كانت للدم أَوْ كانا سواءً أَفْطَرَ، لأَن له حكمَ الخروج كما في الوضوء. (وعودُ القيءِ يُفْسِدُ) ويوجب القضاء عند أَبي يوسف (إِنْ كَثُرَ) بأَن كان مِلْء الفم لأَنه خارج، ولهذا ينتقض به الوضوء، وقد دخل فيفسد الصوم، وخالفه محمد فلم يفسد عنده وهو الصحيح، لأَنه لم توجد صورةُ الفِطْر وهو الابتلاع، وكذا معناه (٢) ،

стр. 572

وعِنْدَ مُحَمَّدٍ إِنْ أُعِيدَ. وكُرِهَ الذَّوْقُ ومَضْغُ شَيءٍ، إِلَّا طعامَ صَبِيٍّ ضَرُورَةً، === لأَنه لا يُتَغَذَّى به. (وعِنْدَ مُحَمَّدٍ) يُفْسِد (إِنْ أُعِيدَ) سواء كان قليلاً أَوْ كثيراً لوجود الصُّنْعِ منه في الإِدخال. وفي «المواهب»: إِنْ أَعادَه فَسَدَ اتفاقاً لوجود الإِدخال بعد الخروج فتتحقق صورةُ الفِطْر، وقد تقدَّم أَنَّ أَبا يوسفَ يشترط للفساد في تعمد القيء امتلاءَ الفمِ، واكتفى محمد بالتعمد، فلو ذرَعهُ أَقلُّ من مِلْئِهِ فعاد لم يَفْسُد اتفاقاً، لأَنه غَيْرُ خارج ولا صُنْعَ له في الإِدخال، ولو استقاء دون ملئه وأَعاده، فعن أَبي يوسف الفساد لكثرة الصنع، وعدمه لعدم الخروج حُكْماً. (وكُرِهَ الذَّوْقُ) أَي ذَوْقُ الصَّائِمِ مَطْعُوماً لما فيه من تعريض الصوم للإِفْسَاد، لاحتمال أَنْ يَدْخُلَ في حلقه ولا يُفْطِر لعدم المُفْطِر صُورَةً ومَعْنىً. قالوا: وهذا في حَقِّ الفَرْض، وأَما في حَقِّ التطوع فلا يُكْرَه، لأَنَّ الإِفطار فيه لعذر مباح باتفاق، وبغير عذر في روايةٍ. وقال بعضهم: إِنْ كان الزوج سَيِّءَ الخُلُقِ لا بأْس للمرأَة أَنْ تذوق المَرَقة بلسانها، ويُكْرَه للصائم أَنْ يذوق العسل والدهن ليعرف الجيد من الرديء عند الشراء، كذا في قاضيخان، وفي «المحيط»: لا بأْس به كي لا يُغْبَن فيه، وهو مَرْوِيٌّ عن الحسن البَصْرِي. (ومَضْغُ شَيءٍ) عِلْكاً كان أَوْ غَيره، (إِلاَّ طعامَ صَبِيَ ضَرُورَةً) كما إِذا لم يَكتَفِ وَلَدُ المرأَة بِلَبَنِها، ولم تجد مُفْطِراً يمضغ له طعاماً، (ولا طعاماً لا يحتاج إِلى مضغ،) (١) لأَنَّ الضرورة تبيح المحظورَ فأَولى أَنْ تبيح المَكْرُوه، ولأَنه يَجُوزُ لها الفِطر لحاجته فَجَوَازُ المضغ أَوْلى. وقيل: يُكْرَهُ مضغُ العِلْك لأَنَّ فيه تهمةَ الإِفطار، وقد قال النبيُّ ﷺ «مَنْ كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر فلا يَقِفَنَّ مَواقِفَ التُّهَم» (٢) . وقال عليّ كرّم الله وجهه: «إِيَّاك وما يَسْبِقُ إِلى القلوبِ إِنْكَارُه، وإِنْ كان عندك اعتذارُه، فليس كُلُّ سامعٍ نكيرٍ يُطِيقُ أَنْ يُوسَعه عذير». إِلاَّ أَنَّه لا يُفْطر لأَنه لا يصل إِلى الجوف

стр. 573

والقُبْلَةُ إِنْ خَافَ، لا السِّوَاكُ === عَيْنُه، وإِنما يصل إِليه طَعْمُه، ولا يكره للمرأَةِ إِذا لم تَكُنْ صائمةً، لِقِيَامِهِ مَقَامَ السِّوَاكِ في حَقِّها. ويكره للرجل إِذا لم يكن من عِلَّة، لما فيه من التَّشبُّه بالنِّساء. (والقُبْلَةُ) والمَسُّ والمباشرةُ في ظاهر الرواية كُرِهَ (إِنْ خَافَ) على نفسه الجِماع، أَوْ الإِنزال، قَيَّدَ بهِ (١) لأَنه لو لم يَخَفْ فلا بأْس بها. وقال محمد: تُكْرَهُ القُبْلة مطلقاً، لأَنها لا تَخْلُو عن الفتنة، يعني إِذا كانت على طريق الشهوة. ولهما ما في الصحيحين من حديث عائشة أَنَّه ﷺ كان يُقَبِّل ويُبَاشِر ـ (أي) (٢) باللَّمْسِ ـ وهو صائم. وفي رواية: «وكَانَ أَمْلَكَكُم لإِربِهِ (٣) » (٤) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن أَبي سعيد الخْدِري بإِسناد جَيِّد، أَنه ﷺ رَخَّصَ في القُبْلَةِ والحِجَامَةِ وروى أَبو داود بإِسناد جَيِّد عن أَبي هريرة، أَنَّه ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عن المُبَاشَرة للصائمِ فَرَخَّصَ له، وأَتاه آخرُ فَنَهَاه، فإِذا الذي رَخَّصَ له شَيْخٌ، والذي نهاه شَابٌّ. (لا السِّوَاكُ) أَي لا يُكْرَه للصائم استعمالُ السواك سواء كان رطباً أَوْ مبلولاً قبل الزوال أَوْ بعده، وهو قول مالك، وقال الشافعي: يُكْرَهُ بَعْدَ الزوال لأَنَّ فيه إِزالةَ الخُلُوفِ المَحْمُودِ بقوله ﷺ «لخُلُوفُ فَمِ الصَّائم أَطْيَبُ عند الله مِنْ ريحِ المِسْكِ» (٥) . ولنا إِطلاقُ ما روى ابن ماجه والدَّارَقُطْنِي من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ «مِنْ خَيْرِ خِصَال الصائم السِّوَاكُ». وعمومُ قوله ﷺ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي لأَمَرْتُهم بالسِّواك عند كل صلاة». إِذْ يَدْخُل في عُمومِ كُلِّ صلاة، الظُّهر والعَصْر، للصَّائمِ والمُفْطِر. وفي رواية النَّسَائِي، وصَحَّحها الحاكم، وعَلَّقَها البُخَارِيُّ عند كل وضوء، فيعم عند وضوء هذه الصلاة، وعموم قوله ﷺ «صلاةٌ بسِواك أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ من سبعينَ صلاةً بِغَيْرِ سِوَاك». رواه أَحمد. والخُلُوفُ: بِضَمِّ الخاء المعجمة على الصحيح: تَغَيُّرُ رائحة الفم من خلو المعدة، وذلك لا يزول بالسواك، ولأَنه لتطهير الفم وحال الصوم به أَحَقُّ، ولأَنه أَثر

стр. 574

ولا الكَحْلُ. === العبادة واللائقُ به الإِخفاء صيانةً للطاعة عن الرياء. وقد روى أَبو داود والترمذي عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعةَ، عن أَبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يَسْتَاكُ وهو صَائمٌ ما لا أَعُدُّ ولا أُحْصِي. وكره مالك وأَبو يوسف الرَّطْبَ والمبلول منه، لأَنَّه تعريض للصوم على الإِفساد بسبب دخول الرطوبة. ولنا إِطلاق ما روينا، ويشهد له ما رواه البَّيْهَقِيُّ عن إِبراهيم بن عبد الرحمن الخَوَارِزْمِي قال: سأَلْتُ عاصِماً الأَحْول: أَيَسْتَاكُ الصائِمُ بالسِّوَاك الرَّطْبِ؟ قال: نعم، أَتُرَاهُ أَشدَّ رطوبةً من الماء. قلت: أَوَّل النهار وآخِرَه؟ قال: نعم. قلت: عَمَّنْ رَحِمَك الله؟ قال: عن أَنس عن النبي ﷺ ثم قال: تَفَرَّدَ به إِبراهيمُ الخَوَارِزْمِيّ. وقد حدَّث عن عاصم بالمناكير فلا يُحْتَجُّ به. قيل: وتكره المضمضةُ في الصوم لغير الوضوء. وأَمَّا الاستنشاق والاغتسال أَوْ التلفف بثوب مُبْتَلَ للتبرّد فَمَكْرُوهٌ عند أَبي حنيفة لما في ذلك من إِظْهار التضجر في إِقامة العبادة، ولا يُكْرَهُ عند أَبي يوسف، وبه يُفْتَى، لأَنَّه ﷺ صَبَّ على رأْسِهِ الماءَ وهو صائم من العطش ـ أَي مِنَ الحَرِّ ـ، رواه أَبو داود. وكان ابنُ عُمَرَ يَبُلُّ الثوبَ، ويَلُفُّهُ عليه وهو صائِمٌ. ولأَنَّ في هذه الأَشياء عَوْناً على العبادة، ودفعاً للتَّضَجُّر الطبيعي وَفْقَ العادة. (ولا الكَحْلُ) ـ بفَتْحِ الكافِ ـ أَي الاكتحال، وبِضَمِّهَا أَي ولا يُكْرَهُ استِعْمَالُه للصَّائِم، لما روى ابنُ ماجه من حديث عائشة، أَنَّه ﷺ اكتحل وهو صائم. وكذا رواه أَبو داود والدَّارَقُطْنِي. ولأَنَّ أَنَساً كان يَكْتَحِلُ وهو صَائِمٌ. متفق عليه. ويُسْتَحَبُّ السَّحور، لِمَا رواه الجَمَاعَةُ إِلاَّ أَبا دَاودَ عن أَنس قال: قال رسولُ الله ﷺ «تَسَحَّرُوا فإِنَّ في السَّحُورِ بَرَكَة». وروى أَبو داودَ عن العِرْبَاضِ بن سَارِيَة قال: دعاني رسولُ الله ﷺ إِلى السَّحُورِ في رمضانَ فقال: «هَلُمَّ إِلى الغَدَاءِ المُبَارَكِ». وفي «سُنَنِ أَبي داود» عن عَمْرو بنِ العاصِ قال: قال رسول الله ﷺ «إِنَّ فَصْلَ ما بين صِيَامِنَا وصِيَامِ أَهْلِ الكتاب أَكْلَةُ السَّحَرِ». قال «العَيْنِيّ»: رواه الجماعةُ إِلاَّ البُخَارِيَّ وابنَ ماجه. ويُرْوَى السَّحُور ـ بفتح السين ـ اسمُ ما يُؤْكَلُ وَقْتَ السَّحَرِ، وهو السُّدُسُ الأَخِيرُ من الليل. ويُسْتَحَبُّ تأْخيره (١) لما في «معجم الطبراني»، عن أَبي الدَّرْدَاءِ مرفوعاً: «ثَلَاثٌ

стр. 575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === من أَخْلاقِ المُرْسَلِينَ: تَعْجِيلُ الإِفْطَارِ، وتَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَوَضْعُ اليَمِينِ على الشِّمال». ولِمَا رواه أَبو داود، أَنه ﷺ كان يقول: «لا تزال أُمَّتي بخير ما أَخَّروا السَّحُورَ، وعَجَّلوا الفِطْرَ». ورواه أَحمد. وفي الصحيحين عن سَهْل بن سَعْد، أَنه ﷺ قال: «لا يزالُ النَّاسُ بِخَيْر ما عَجَّلُوا الفِطْرَ». وعن أَنس: «أَنَّه ﷺ كان يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ على رُطَبَاتٍ، فإِنْ لم تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْراتٍ، فإِنْ لم تكن تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ من ماء». رواه أَحمد، وأَبو داود، والترمذي. (الايام التي يُسْتَحبُّ صومها) ويُسْتَحَبُّ صِيَامُ الأَيَّامِ البيضِ لما في «سُنَنِ أَبي دَاودَ، وابن ماجه» عن ابنِ مِلْحَان القَيْسِي، عن أَبيه قال: كان رسولُ الله ﷺ يأْمُرُنا أَنْ نصومَ البِيضَ: ثلاثَ عَشرةَ وأَرْبَعَ عَشرةَ وخَمْسَ عَشرةَ قال: وقال: «هُوَ كَصَوْمِ الدَّهْرِ». وفي الترمذي والنسائي عن أَبي ذَرّ قال: قال رسول الله ﷺ «يا أَبَا ذَرَ إِذا صُمْتَ من الشهرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلاثَ عشرةَ، وأَرْبَعَ عَشرةَ، وخَمْسَ عَشرَةَ». وفي النَّسائي عن ابن عباس قال: كان رسولُ الله ﷺ لا يُفْطِرُ أَيامَ البِيضِ لا في سَفَر، ولا في حَضَر. ويُسْتَحَبُّ صومُ يومِ الاثنينِ والخَمِيسِ، لقوله ﷺ «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وأَنَا صائِمٌ». رواه الترمذي، وأَبو داود. وعن أَبي هريرة أَنَّه ﷺ كان يَصُومُ الاثنينِ والخميس، فقيل: يا رسول الله: إِنَّكَ تصومُ يوم الاثنينِ والخَميس (١) ، فقال: «إِنَّ يوم الاثنينِ والخميسِ يَغْفِرُ اللهُ فيهما لكل مسلم، إِلاَّ مُهْتَجِرَين، يقول: دَعْهُمَا حتى يَصْطَلِحَا». رواه ابن ماجه. ولقول حَفْصَةَ كان رسول الله ﷺ يَصُومُ ثلاثةَ أَيَّام من الشهرِ: الاثنينِ والخَمِيسَ والجُمُعَةَ. ويُسْتَحَبُّ صومُ يومِ عاشوراءَ مَعَ يومٍ قَبْلَه أَوْ بَعْدَه، لقول ابن عباس: ما رَأَيْتُ النبي ﷺ يَتَحَرَّى صيامَ يومٍ فَضَّلَهُ على غَيْرِه إِلاَّ هذا اليوم ـ يومَ عاشوراءَ ـ، وهذا الشهرَ ـ يَعْنِي شَهْرَ رمضانَ ـ. رواه الشيخان. ولقوله: قَدِمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ فرأَى اليهودَ تَصُومُ يوم عاشوراءَ فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يَوْمٌ صَالِحٌ، هذا يومٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسرائيل من عَدُوِّهِم فَصَامَهُ (٢) موسى، فقال: أَنَا أَحَقُّ بِمُوسى منكم فَصَامَهُ، وأَمَرَ بِصِيَامِهِ. رواه البخاري. ولقوله حينَ صَامَ رسول الله ﷺ يومَ عاشوراءَ وأَمَرَ بصيامه، قالوا: يا

стр. 576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === رسولَ الله إِنَّه يومٌ يُعَظِّمُهُ اليهودُ والنَّصَارَى، فقال: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلى قَابل لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ». رواه مسلم. ولا يُكْرَهُ عندنا، وعند الشافعي إِتْبَاعُ عيدِ الفطر بِسِتَ من شوّال، لقوله ﷺ «مَنْ صَامَ رمضانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتَّاً من شوال كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ». رواه مسلم وأَبو داود. وكَرِهَهُ مالكٌ، وهو رِوَايةٌ عن أَبي حنيفة وأَبي يوسف، لاشْتِمَالِهِ على التَّشَبُّهِ بأَهل الكتاب في الزيادة على الفروض، والتشبّه بهم مَنْهِيٌّ عنه، وعَامَّةُ المُتَأَخِّرِينَ لم يَرَوْا به بَأْساً. واختلفوا فيما بينهم، فقيل: الأَفضلُ وَصْلُهَا بِيَوْمِ الفِطْرِ لظاهر قوله: «ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتَّاً»، وقيل: تَفْرِيقُهَا. (الايام التي يَحْرُمُ ويُكْرَه صوفها) ويَحْرُمُ صَوْمُ يوم العيدينِ لما رُوِيَ أَنَّه ﷺ نَهَى عن صيامِ يومين: يومِ الفِطْرِ، ويَوْمِ الأَضْحَى. رواه مالك في «الموطأْ»، وأَبو داود في «السنن». وكذا يَحْرُمُ صومُ أَيام التَّشْرِيقِ، لما وَرَدَ مِنْ أَنَّ أَيَّامَ مِنى أَيَّامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ وبِعَال ـ أَي جِمَاع ـ. ويُسْتَحَبُّ صَوْمُ يوم عَرَفَة لقوله ﵊: «صِيَامُ يومِ عَرَفَةَ، إنِّي أَحْتَسِبُ على اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَه، والسَّنَةَ التي بَعْدَه». رواه مسلم، وهذا لِغَيْرِ الحُجَّاجِ لِمَا رُوِيَ أَنَّه ﷺ نَهَى عن صوم يوم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رواه أَبو داود وابنُ ماجه. ولا تصومُ المرأَةُ تَطَوُّعاً إِلاَّ بإِذن زَوْجِهَا لقوله ﷺ «لا تَصُومُ المَرْأَةُ وبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، غَيْرَ رَمَضَانَ». رواه أَبو داود. وكُرِهَ إِفْرَادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ بالصوم عِنْدَ أَبي يُوسُف، لقوله ﵊: «لا تَخْتَصُّوا ليلةَ الجُمُعَةِ (بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيالِي، ولا تَخُصُّوا يومَ الجُمُعَةِ) (١) بِصِيَامٍ من بين الأَيام إِلاَّ أَنْ يكون في صوم يَصُومُهُ أَحدُكُم». رواه مسلم، وقوله ﷺ «لا يَصُم أَحَدُكُم يومَ الجُمُعَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَه بيَوْمٍ أَوْ بَعْدَه». رواه أَبو داود، وكذا يُكرهُ إِفرادُ يوم السبت بالصوم لقولهِ ﵊: «لا تصُومُوا يومَ السَّبْتِ إِلاَّ فيما افْتُرِضَ عَلَيْكُم، فَإِنْ لم يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ لحاء عنبة (٢) ، أَوْ عود شجرة فليمضغه». رواه أَحمد،

стр. 577

وشَيْخٌ فَانٍ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ، أَفْطَرَ، وأَطْعَمَ لِكُلِّ يومٍ مِسْكِينًا كالفِطْرَة. ويَقْضِي إِنْ قَدَرَ. === وأَصحاب السُّنَنِ إِلاَّ النَّسَائِي، وكذا يوم النَيْرُوز (١) والمِهْرَجَان (٢) لأَن فيه تعظيمَ أَيَّامٍ نُهِينَا عن تعظيمها إِلاَّ أَنْ يُوافِق ذلك عادته في الصوم لفواتِ علَّة الكراهة. ويُكْره صومُ الصَّمْتِ: وهو أَنْ يصومَ ولا يتكلم، يعني يلتزم عَدَمَ الكلامِ، بل يَتَكَلَّمُ بِخَيْرٍ وبِحَاجَتِه، وكذا يُكْره صومُ الوِصال ولو يومين لقول ابن عُمَر: نهى رسول الله ﷺ عن الوِصال، فقال: إِنَّك تُواصِلُ يا رسولَ الله، قال: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم، إِنِّي أُطْعَمُ وأُسْقى». رواه أَبو داود. وفي روايةٍ قال: «إِنِّي أَبِيتُ عِند رَبِّي يُطْعِمُني ويسْقِينِي». وصوم الدَّهْرِ لأَنه يُضْعِفُه أَوْ يصير طبعاً له، ومبنى العبادة على خلاف العادة. ولا تصومُ المرأَةُ نفلاً إِلاَّ بإِذن زوجها وله أَنْ يُفَطِّرَهَا. وأَفضلُ الصيامِ صيامُ داود ﵊ لقوله ﷺ «أَحَبُّ الصيامِ إِلى اللَّهِ صيامُ داودَ، وأَحَبُّ الصلاةِ إِلى الله صلاةُ داودَ، كانَ يَنَامُ نِصْفَهُ ويَقُومُ ثُلُثَه ويَنَامُ سُدُسَهُ، وكانَ يُفْطِرُ يوماً ويَصُومُ يَوْماً». رواه أَبو داود وغيره. (وشَيْخٌ فَانٍ) سُمِّي به لِقُربهِ إِلى الفناء، أَوْ لأَنَّهُ فَنِيَتْ قوته، وهذا معنى قوله: (عَجز عَنِ الصَّوْمِ، أَفْطَرَ وأَطْعَمَ) على سبيل الوجوب، وهو قول أَحمد، وأَظْهر قولي الشافعي، ورواية عن مالك. (لِكُلِّ يومٍ مِسْكِيناً كالفِطْرَةِ، ويَقْضِي إِنْ قَدَرَ) على الصيام بَعْدَ الإِطعام، لأَن شَرْطَ خَلَفية الإِطعامِ لصَوْمِه استمرارُ عَجزِهِ ولم يوجد، وقال مالك في المشهور عنه: لا يجب عليه الإِطعام، وهو قول الشافعي القديم، ومُخْتَار الطحاوي، لأَنه عَاجِزٌ عن الصوم، ولما لم يزل عادة مَنَع الوجوب، وتَرْكُ غير الواجب لا يوجب الضمان، فأَشبه المريض إِذا مات قبل البُرْء. وفي الصحيحين عن سَلَمَة بن الأَكْوَع قال: لَمَّا نزِلت هذه الآية: ﴿وعلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين﴾ (٣) ، كان مَنْ أَراد أَنْ يُفْطِرَ ويَفْتَدي فَعَل، حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ منكم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤)

стр. 578

وحَامِلٌ أَوْ مُرْضِعٌ خَافَتْ على نَفْسِهَا أَوْ ولدِها، === فنسختها. ولنا ما روى الجماعة عن عطاء، أَنَّه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وعلى الذينَ يُطِيقُونَه فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين﴾. وفي رواية: «يُطَوَّقُونَه» (١) ، فقال: إِنَّها ليست بمنسوخة، بل هي للشيخ الكبير، والمرأَة الكبيرة لا يستطيعان أَنْ يصوما، فيطعمان كل يوم مسكيناً. وهو مَرْوِيٌّ عن علي وابن عمر وغيرهما من الصحابة، ولم يُرْوَ عن أَحد منهم خلاف ذلك، فكان إِجماعاً. وأَيضاً لو كان خلاف لكان قول ابن عباس: ليست بمنسوخة، مُقدَّماً لأَنه مما لا يقال بالرأي، بل عن سَمَاع، لأَنَّه مخالف لظاهر القرآن، لأَنه مُثْبَتٌ في نَظْم كتاب الله، فَجَعْلُه مَنْفياً بتقديرِ حَرْفِ النَّفْي لا يُقَدَّمُ عليه إِلاَّ بِسَماعٍ البتَّة. وكثيراً ما يُضْمَرُ حرفُ «لا» في الكلام، قال الله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (٢) ، ﴿وألقى في الأرض رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٣) ، ﴿تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٤) أَي لا تَفْتَؤُا، يعني لا تَنْفَكُّ ولا تَزَالُ. ورِوَايَةُ الأَفْقَهِ أَوْلى. وفي «المحيط»: والأَعذار التي تبيح الإِفطار ستة: السفر، والمرض، والحَبَلُ، والإِرضاع، والعطش الشديد أَوْ الجوع الذي (٥) يخاف منه الهلاك، أَوْ المرض، وعجز الشيخ الفاني عن الصوم، فلو وجب عليه قَضَاءُ شيءٍ من رمضانَ فلم يَقْضِهِ حتى صار شيخاً فانياً جازت له الفديةُ. وكذا لو نذر صوم الأَبد فَضَعُفَ عن الصوم لاشتغاله بالمعيشة، له أَنْ يُفْطِر ويطعم لأَنه استيقن أَنه لا يقدر على قضائه، وإِنْ لم يقدر على الإِطعام لعسرته يستغفر الله ويستقيله (٦) . (وحَامِلٌ أَوْ مُرْضِعٌ خَافَتْ على نَفْسِهَا أَوْ ولدِها) لقوله: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عن المُسَافِرِ الصومَ وشَطْرَ الصلاة، وعن الحُبْلَى والمُرْضِع الصومَ» (٧) . ولا كفارةَ على مَنْ أَفْطَرَتْ في رَمَضَانَ خَوْفاً على نَفْسِهَا من أَنْ تَمْرَضَ من الخدمةِ، أَمَةً كانت أَوْ مَنْكُوحَةً،

стр. 579

ومَرِيضٌ خَافَ زيادَةَ مَرَضِهِ والمُسَافِرُ، أَفْطَرُوا وقَضَوْا بلا فِدْية. وصومُ سَفَرٍ - لا يَضُرُّ - أَحَبُّ === لعَدَمِ قَصْدِ هتك حُرمة الشهر. (ومَرِيضٌ خَافَ زيادَةَ مَرَضِهِ) أَوْ تَأَخُّرِه بأَن غَلَبَ على (١) ظنِّه ذلك، أَوْ أَخبر به طبيب حاذق عَدْل عند أَبي حنيفة، وقالا: المبيح له هو عجزه عن القيام في الصلاة، لأَن فرض الصوم لا يسقط إِلاَّ بالأَداء، أَوْ بما هو عُذْر شرعي. والشرع اعتبر العجز عن القيام في الصلاة عُذْراً فتتعلق إِباحة الإِفطار به. وله أَنَّ قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كان مِنْكُم مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَر﴾ (٢) يقتضي تعليقَ الفطر بمجرد المرض أَوْ السفر، إِلاَّ أَنَّ المرض لما كان متنوعاً يزداد بعضه بالصوم وينتقص بعضُه به، بَنَيْنَا الحُكْمَ على ازدياده دون أَصله بخلاف السفر، لأَن مَظِنَّة المشقة بكل حال، فأُدير الحكمُ فيه على أَصل السفر. (والمُسَافِرُ) الذي فارق بيوتَ المِصْر قبل الفجر (أَفْطَرُوا) خَبَرٌ عن «الحامل» وما عُطِفَ عليه (وقَضَوْا بلا فِدْية) إِذا أَفطروا، ولا كفارة عليهم، لأَنهم أَفطروا بعذر، وهو مَرْوِيٌّ عن علي وابن عباس، وعن الشافعي ومالك كمذهبنا. (وصومُ سَفَرٍ ـ لا يَضُرُّ ـ أَحَبُّ) من الفطر، وبه قال مالك والشافعي، وقال أَحمد والأَوْزَاعي: الفِطر أَحب مطلقاً لقوله ﷺ «ليس من البِرِّ الصيامُ في السَّفَر» (٣) . ولنا أَنَّ الصوم هو العزيمة في حق الكل لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤) ، ثم قال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَر﴾ (٤) للرُّخْصة، والأَفضل هو الأَخْذ بالعزيمة، ويؤيده أَيضاً إِطلاق قوله تعالى: ﴿وأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لكم﴾ (٤)، وأَيضاً رمضانُ أَفضل الوقتين، فالأَداء فيه أَفضل مع ما فيه من المبادرة إِلى الطاعة، وفي التأْخير تعرضٌ لحدوث الآفة. وفي «مُسْلم» من حديث أَبي سعيد الخُدْري قال: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضانَ، فَمِنَّا الصائمُ ومنّا المُفْطِرُ، فلا يَجِدُ الصائِمُ على المُفْطِر، ولا المفطر على الصائم، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ

стр. 580

وإِنْ صَحَّ أَوْ أَقَامَ، ثُمَّ مَاتَ، فَدَى وَارِثُه ما فات إِنْ عَاشَ بَعْدَهُ بِقَدْرِهِ، وإِلَّا فَبِقَدْرِهِما. === قُوَّةً فَصَام، فإِنَّ ذلك حسن، ويرون أَنَّ مَنْ وجد ضَعْفاً فأَفْطَر فإِنَّ ذلك حسن». ومعنى لا يجد: لا يغضب ولا ينكر. وفي الصحيحين وأَبي داود عن أَبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بَعْضِ غَزَوَاتِهِ في حَرَ شَدِيدٍ حتى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ يَدَهُ على رَأْسِهِ من شِدَّةِ الحَرِّ، ما فينا صَائِمٌ إِلاَّ رسولُ الله ﷺ وعبدُ اللَّه بنُ رواحة. فعلم أَنَّه اختيار رسول الله ﷺ وأَمَّا قوله ﷺ «لَيْسَ مِنْ البِرِّ الصَّيَامُ في السَّفَرِ»، فَقَالَهُ في مُسَافِرٍ ضَرَّهُ الصَّوم. (وإِنْ صَحَّ) المريضُ، (أَوْ أَقَامَ،) المسافر، (ثُمَّ مَاتَ) المريض (فَدَى وَارِثُه ما فات) أَي جميعه (إِنْ عَاشَ) أَي المريض أَوْ المسافر (بَعْدَهُ) أَي بعد المرض أَوْ السفر (بِقَدْرِهِ) أَي بَقْدر ما فات (وإِلاَّ) أَي وإِنْ لم يَعِش المريض بعد المرض، والمسافر بعد السفر بِقَدْر ما فاته بل عاش أَقَلَّ منه (فَبِقَدْرِهِما) أَي فَيَفْدِي وَارِثُهُ بِقَدْرِ الصحةِ والإِقامة، لأَنه عَجَزَ عن الأَداء في آخِرِ عمره فصار كالشيخ الفاني، فأُلْحِقَ به دلالةً لا قياساً. قال الطحاوي: هذا قول محمد، وأَمَّا قولهما: فيلزمه قضاء الكل وإِنْ صح يوماً واحداً، وهذا ليس بصحيح، وإِنَّما الخلاف في النَّذْر فلو ماتا على حالهما لا (١) شيء عليهما لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) ، ولم يُدْرِكَاها فلم يَلْزَمْهُمَا القضاء، ولأَنهما لَمَّا عُذِرَا في الأَداء، فأَوْلَى أَنْ يُعْذَرَا في القضاء، وإِنْ عاشا قَضَيَا بعد الصحة والإِقامة بلا شرط الوِلَاءِ (٣) ، فله الخِيَار إِنْ شاءَ فَرَّقَ، وإِنْ شَاءَ تابع، لإِطلاق النَّص، ولقول ابن عباس: أَبْهِمُوا ما أَبْهَمَهُ اللَّهُ تعالى. وإِنْ لم يَقْضِيا حتى مَرِضَا لزمهما الإِيصاء بالفدية عنهما، فإِن جاء رمضان الثاني قدمه على القضاء ـ لأَنه وقت الأَداء ـ ثم قضى الأَول ولا يجب عليه فدية بالتأْخير عندنا، وأَوجبها مالك والشافعي، لما رُوِيَ أَنَّه ﵊ قال في رجل مَرِضَ في رمضان فأَفطر ثُمَّ صح فلم يَصُم حتى أَدْرَكَهُ رمضان آخر: «يصومُ الذي أَدْرَكَهُ، ثُمَّ يَصُومُ الذي أُدْرِكَ فيه ويُطْعِمُ عن كلِّ يوم مِسكيناً» (٤) . ولنا إِطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ مِنْ غَيْر قَيْدٍ، فكان وجوب القضاء على التراخي، فلا يلزمه بالتراخي شيء، غير أَنه تاركٌ الأَولى: وهو

стр. 581

وَشُرِطَ الإِيصاءُ ونَفَذَ مِنَ الثُّلُثِ. وَفِدْيَةُ كُلِّ صلاةٍ كَصَوْمِ يَوْمٍ. وعبادةُ غيره لا يُجْزِيه. === المسارعة إِلى إِدراك الطاعة، وما روياه غير ثابت إِذْ في سنده إِبراهيمُ بنُ نَافع، وقد قال أَبو حَاتِم الرازي: إِنه كان يَكْذِبُ، وفيه من اتُّهِمَ بالوَضْع. (وَشُرِطَ) في لزوم فديةِ الوارث (الإِيصاءُ) أَي إِيصاء الميت بأَن تُؤَدَّى عنه الفديه، حتى لو لم يُوص لم يلزم الوارث الفديةَ عنه. وقال مالك والشافعي: يلزم الوارث الفدية عنه ولو لم يوصِ الميت، كديون العباد. وأُجيب بأَن الفديةَ عبادةٌ تُؤدى عن الميت، فلا بد فيها من اختياره وذلك بإِيصائه، وحق العبد يجب وصولُه إِلى مُسْتَحِقِّهِ بأَي طريق كان، ولو لم يوصِ الميت بالفدية وتبرع به الوليّ قال محمد: يُجْزِاء إِنْ شاء الله تعالى. (ونَفَذَ) أَي الإِيصاء (مِنَ الثُّلُثِ) لا من الكل كما قال مالك والشافعي، لأَنه تبرع ابتداءً وواجبٌ انتهاءً. وفي «الخَانِيّة»: يجوز في الفدية إِباحةُ أُكْلَتَانِ مُشْبِعَتَانِ، ولا يجوز ذلك في صدقة الفطر، وكذا الحُكْم في الكفارة المالية، والحج، والصدقة المنذورة. (وَفِدْيَةُ كُلِّ صلاةٍ كَصَوْمِ يَوْمٍ،) استحساناً، وقيل: صلاةُ يومٍ كَصَوْمِ يوم. (وعبادةُ غيره لا يُجْزِيه) ولا يجزِاء صوم الولي عمن عليه صوم أَوْ صلاة، وهو مَرْويّ عن عائشة، وبه قال مالك، وأَحمد. وقال الشافعي في أَصح القولين عنه: يجزيه، لما في «الصحيحين» عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: إِنَّ أُمّي مَاتَتْ وعليها صومُ شَهْرٍ أَفَأَقضيه عنها؟ فقال: «لو كانَ على أُمِّك دَيْنٌ أَكُنْتَ قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ». وفي رواية: أَنَّ امرأَةً قالت: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي ماتت وعليها صومُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عنها؟ قال: «أَرَأَيْتِ إِنْ كان على أُمُّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكانَ يجزاءُ ذلك عنها؟» قالت: نعم، قال: «صومي عن أُمِّكِ». وفيهما عن عائشةَ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وعليه صِيَامٌ يوم صامَ عنه وَلِيُّهُ». قلنا: الاتفاق على صَرْف الأَول عن ظاهره، فإِنه لا يصح في الصلاة الدَّيْن إِجماعاً. وقد أَخرج النسائي عن ابن عباس ـ وهو راوي الحديث الأَول في «سننه الكبرى» أَنه قال: «لا يصومُ أَحَدُكُم عن أَحَدٍ، ولا يُصَلِّي أَحَدٌ عن أَحَدٍ، ولكنْ يُطْعِمُ عنه مكان كل يوم (مُدَّاً) (١) من حِنْطَة». وفَتْوَى الراوي على خلاف مَرْوِيِّه بمنزلةِ

стр. 582

ويَلْزَمُ النَّفْلُ بالشُّرُوعِ إِلَّا في الأَيامِ المَنْهِيَّةِ: أَي === روايةِ الناسخ. وأَخرج عبد الرزاق في «مُصَنَّفهِ» عن ابن عمر أَنَّه قال: لا يُصَلِّيَنَّ أَحدُكُم عن أَحد، ولا يَصُومَنَّ أَحَدٌ عن أَحد، ولكن إِنْ كنت فَاعلاً تَصَدَّقْتَ عنه، أَوْ أَهْدَيت. وأَخرج الترمذي عن أَشْعَث بن سَوَّار، عن محمد بن عبد الرحمن بن أَبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ في رجل مات وعليه صيام، «فَلْيُطْعَم عنه مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً». وقال: لا نعرفه مرفوعاً إِلاَّ من هذا الوجه، والصحيح عن ابن عمر موقوف، قوله وروى ابن ماجه بإِسناد حسن، كما قاله القرطبي عن ابن عمر: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «مَنْ ماتَ وعليه صَوْمُ شَهْرٍ فَلْيُطْعَم عنه مَكَانَ كلّ يَوْمٍ مِسْكِيناً». وقال مالك: ولم أَسمع عن أَحد من الصحابة، ولا من التابعين بالمدينة أَنَّ أَحداً منهم أَمَرَ أَحداً أَنْ يصوم عن أَحد، ولا يصلي عن أَحد، وهذا يُؤَيِّدُ النسخ وأَنه الأَمر الذي استقر الشرع عليه آخِراً، ولأَن الولي لا يصوم عنه حال الحياة، فكذا بعد الموت كالصلاة. (ويَلْزَمُ النَّفْلُ بالشُّرُوعِ) فَيَجِبُ قضاؤه إِنْ أَفْسَدَهُ، وقَال مالك: إِنْ أَفْطَرَ بعذر كمرض أَوْ شدة جوع أَوْ إِكراه أَوْ سهوٍ أَوْ خطأٍ، فلا يجب قضاؤه، وإِلاَّ يجب. وقال الشافعي وأَحمد لا (١) يجب قضاؤه، وله الخروج عن صومه بغير عذر، لما روى أَحمد وأَبو داود والترمذي من حديث أُمِّ هانِاء، أَنَّ النبيّ ﷺ قال: الصائمُ المُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شاء صام وإِنْ شاء أَفطر». ولنا حديث عائشة في رواية النسائي والترمذي ومالك في «الموطأ» عن عائشة أَنها قالت: «أَصْبَحْتُ أَنَا وحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ، فأُهْدِي إِلينا طعامٌ فأَفْطَرْنَا عليه، فدخل علينا رسول الله ﷺ فَبَدَرَتْنِي حَفْصَةُ ـ وكانت ابنة أَبيها ـ فَسَأَلَتْهُ عن ذلك، فقال: «اقْضِيَا يوماً مَكَانَه». وهو قول أَبي بكر، وعمر، وعلي وابن عباس ﵃ وغيرهم، ولأَن صوم النَّفْل عَمَلٌ فيجب صيانته عن الإِبطال لقوله تعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم﴾ (٢) وصيانته عن الإِبطال بالمُضِيِّ فيه. وإِذا وجب المضي فيه وجب قضاؤه، (إِلاَّ في الأَيامِ المَنْهِيَّةِ) عن صومها (: أَي

стр. 583

يَوْمِ الفِطْرِ، والأَضْحَى مع ثَلاثٍ بعده. وصَحَّ النَّذْرُ فِيهَا، لكِنْ أَفطَرَ وقَضَىَ، وإنْ صامَ صَحَّ. === يَوْمِ الفِطْرِ، والأَضْحَى مع ثَلَاثٍ بعده): وهي أَيامُ التشريق، وقال أَبو يوسف ومحمد: إِنْ شَرَعَ في نفل فيها، ثم أَفسده كما هو واجب عليه فعليه القضاء، لأَن الشروع مُلْزِمٌ كالنُّذُور (١) ، ولأَبي حنيفة أَنَّ صيام هذه الأَيام مَنْهِي عنه، فلا يجب إِتمامه بل يجب إِفساده، ووجوب القضاء مَبْنِيٌّ على وجوب الإِتمَام. (وصَحَّ النَّذْرُ) بالصوم (فِيهَا) أَي في الأَيامِ المنهية، لأَن النَّذْر التِزَامٌ فلا يكون معصية، وإِنما المعصية في الفِعْل (لكِنْ أَفطَرَ) احترازاً عن المعصية (وقَضَىَ) إِسقاطاً لما أَوْجَبَ على نَفْسِهِ. (وإِنْ صامَ صَحَّ) لأَنَّه أَدَّى ما الْتَزَمَه. روى مسلم من حديث زياد بن جُبَيْر. قال: جاء رجل إِلى ابن عمر فقال: إِنّي نَذَرْت أَنْ أَصومَ يوماً فوافق يوم الأَضحى أَوْ الفِطر فقال: أَمر اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ، ونهى رسول الله ﷺ عن صيامِ هذا اليوم، والمعنى أَنَّه يمكنُ قضاؤه، فَيَخْرج به عن عُهْدة الأَمر والنهي. والحاصل أَنَّ نَذْرَ الأَيام المذكورة يصح عندنا في المختار، وجعله زفر لغواً، وبه قال مالك والشافعي، وهو رواية عن ابن المبارك عن أَبي حنيفة، لأَن هذا نذرٌ بمعصية، لما في الصحيحين عن أَبي سعيد الخُدْري: «نهى رسولُ الله ﷺ عن صِيَامَيْنِ: صيامِ يوم الأَضحى، وصيام يومِ الفِطْر». وفي لفظ لهما: سَمِعْتُه يَقُولُ: «لا يصح الصيام في يومين: يوم الأَضْحَى، ويومِ الفِطْرِ من رمضان». ولما في «مُعْجم الطبراني» عن ابن عباس: «أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَرْسَلَ أَيام مِنىً صَائِحاً يصيح: أَنْ لا يصوموا هذه الأَيامَ، فإِنَّها أَيامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ وبِعَال». والبِعَال: وِقَاعُ النِّساء. وفي «سُنن الدراقطني» (٢) عن أَبي هريرة قال: بعث رسولُ الله ﷺ بُدَيْلَ بنَ وَرْقَاء الخُزَاعِي على جَمَلٍ أَوْرَقَ (٣) يَصِيحُ في فِجَاج (٤) مِنىً: أَلا إِنَّ الذكاة في الحَلْق واللَّبَّة (٥) ، ولا تعجلوا الأَنفس أَنْ تزهق، وأَيام مِنىً أَيامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ وبِعَال. وفي «السنن

стр. 584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الثلاثة» عن عائشةَ، عنه ﵊: «لا نَذْرَ في معصية، وكفارتُه كفارَةُ يَمِين». وفي النَّسائي عن عِمْران بن حُصَيْن مرفوعاً يقول: «النَّذْرُ نَذْرَانِ، فَمَنْ كان نَذَرَ في طاعة الله، فذلك لله، ففيه الوفاءُ، ومَنْ كانَ نَذَرَ في معصيةِ اللهاِ، فذلك للشيطان، فلا وفاء له، ويُكَفِّرهُ ما يُكَفِّرُ اليمين». ولنا أَنَّ هذا نَذْرٌ بصومٍ مشروع، لأَن الدليل الدَّالُّ على مشروعيته ـ وهو كونه كَفَّاً للنفس، التي هي عدو الله، عن شهواتها ـ لا يفصل بين يوم ويوم، فكان من حَيْثُ حقيقتُهُ حسناً مشروعاً، والنذر بما هو مشروع جائز، وما رُوِي من النهي فإِنَّما هو لِغَيْره، وهو ترك إِجابة دعوةِ الله تعالى، لأَن الناس أَضياف الله تعالى في هذه الأَيام، وإِذا كان النهي لغيره لا يمنع صحته من حيث ذاتُه، فيجب الفطرُ، لئلا يصير مُعْرِضاً عن ضيافة الكريم، ويجب القضاءُ باعتبار ذاته القويم، ويُجزئه إِنْ صام فيها لأَنه أَدَّاه كما التزمه، فإِنَّ ما وجب ناقصاً يجوز أَنْ يُؤَدَّى ناقصاً مع ارتكاب الحرمة الحاصلة من الإِعراض. ثم اعلم أَنه يلزم الوفاء بنذرِ ما مِنْ جِنْسِهِ وَاجِب مقصود وليس بواجب، فهذه ثلاث شروط لا يصح النذر بدونها إِلاَّ إِذا قام الدليل على خلافه، فيلزم بالعتق، والاعتكاف، وبنذر الحج ماشياً، ولا يلزم الوضوء وسجدة التلاوة بالنذر، ولا عيادة المريض إِذْ ليس من جنسه وَاجب، وإِيجاب العبد معتبر بإِيجاب الرب، إِذْ له الاتباع لا الابتداع. ثم إِنْ كان النذر مطلقاً وَفَى به لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُم﴾ (١) ، ولقوله ﵊: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِي اللَّهَ، فلا يَعْصِهِ». رواه البخاري. والإِجماع على وجوب الإِيفاء به، وبه استدل القائلون بافتراضه. وكذا إِذا كان مُعَلَّقاً بِشَرْط يريد كونه، كـ: إِنْ شَفَى اللهُ مريضي فعليَّ كذا، وَفَى به، وبشرطٍ لا يريد كَوْنَهُ، كـ: إِنْ شفَى اللهُ عَدُوِّي، وَوُجِدَ الشَّرْطُ يَلْزَمُهُ الوفاءُ به في ظاهر الرواية عن أَبي حنيفة، لإِطلاق الآية والحديث. وأَجاز محمدٌ الاكتفاء بالكفارة، وقال: إِنْ شاء فعل المنذور، وإِن شاء أَتَى بكَفَّارَة اليمين، وهو رواية «النوادر»، وهو المَرْوِيُّ عن أَبي حنيفة آخراً، وبهذا كان يُفْتي إِسماعيل الزاهد، ومشايخ بُخَارى، وهو اختيار شمس الأَئمة، وَوَجْهُهُ ما في «صحيح مسلم» من حديث عُقْبَةَ بنِ عامر عن النبي ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ

стр. 585

ويُفْطِرُ بِعُذْرِ ضِيَافَةٍ، ثُمَّ يَقْضِي. ويُمْسِكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ مُسَافِرٌ قَدِمَ، وحَائِض طَهُرَتْ، وصبِيٌّ بَلَغَ، وكَافِرٌ أَسْلَم، === كَفَّارَةُ اليمينِ»، ولو نَذَرَ صوماً في زمان شديد الحر، وعَجَز عنه، قضاه في زمان البرد. (ويُفْطِرُ) المتنفل (بِعُذْرِ ضِيَافَةٍ) أَوْ غيرها (ثُمَّ يَقْضِي) لا يجوز الفطر لِمُتَطَوِّعٍ بلا عذر في ظاهر الرواية، ورواية «المنتقى»: أَنه يُباح بلا عذر، وهو رواية عن أَبي يوسف لما روى مسلم من حديث عائشةَ ﵂: أَنها قالت: دَخَلَ النبيُّ ﷺ ذاتَ يوم فقال: «هَلْ عِنْدَكُم منْ شيءٍ؟» (فقلنا): لا، فقال: «إِنِّي إِذاً صَائِمٌ»، ثم أَتى يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله أُهْدِي لنا حَيْسٌ، فقال: «هاتيه»، وفي نسخة: «أَرِينيه، فلقد أَصْبَحْت صائماً» فَأَكَلَ، زاد النسائي: «ولكن أَصُومُ يوماً مَكَانَه». وصحح عبد الحق هذه الزيادة. والحيس: تمر يُخْلَط بِسَمْنِ وأَقِط (١) . ودليل ظاهر الرواية ما رُوِيَ عنه أَنَّه ﵊ قال: «إِذا دُعِي أَحَدُكُم إِلى طعام فَلْيُجِب، فإِنْ كان مُفْطِراً فليأكل، وإِنْ كان صائماً فَلْيُصَلِّ». رواه أَبو داود. والصلاة: الدعاء كما قاله هشام. قال القرطبي: قد ثبت هذا عنه ﷺ ولو كان الفطر جائزاً، كان الأَفضل الفطرَ لإِجابة الدعوة التي هي السنة. انتهى. وفيه بحث لا يخفى، والضيافة عُذْر في الأَظهر لما روى أَبو داود والطيالسي في «مسنده» من حديث أَبي سعيد الخُدْرِي قال: صَنَعَ رجُلٌ من أَصحابِ رسول الله ﷺ طعاماً فدعا النبيَّ ﷺ وأَصحابه، فلما أَتى بطعامٍ تَنَحَّى رجلٌ منهم، فقال رسول الله ﷺ «ما لكَ؟» قال: إِنِّي صائم، فقال ﷺ «تَكَلَّفَ أَخوك وصَنَعَ لك طعاماً، ودعاك، ثُمَّ تقول: إِني صائم، كُل وصُم يوماً مكانه». وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث جابر قال: إِنْ الرجل الذي صنع: أَبو سعيد الخُدْرِي. وقيل: لا يكون عذراً، وقيل: عُذْرٌ قبل الزوال، لا بَعْدَهُ إِلاَّ إِذا كان في عدم الفطر عقوقٌ لأَحد أَبَوَيْه، فإِنَّه يُفْطِر، وكذا إِنْ كان يَتَأَذَّى صاحب الضيافة بذلك يفطر. (ويُمْسِكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ) وُجُوباً وهو الصحيح، وقيل: نَدْباً (مُسَافِرٌ قَدِمَ) سواء كان قدومه بعدما أَفطر، أَوْ قبله، بعد وقت النية، وأَمَّا إِذا كان قبل الفطر في وقت النيّة فلزمه النيّة والصوم، لزوال المُرَخِّص في وقت النية، لكن لو أَفطر لا كفارة عليه، لِقِيَامِ شُبْهَةِ المُبِيحِ (وحَائِض) أَوْ نُفَسَاء (طَهُرَتْ) نهاراً (وصَبِيٌّ بَلَغَ، وكَافِرٌ أَسْلَم) وإِنَّما يُمْسِكُ

стр. 586

ولا يَقْضِي هذان. ويُتِمُّ مُقِيمٌ سافر، ولو أَفْطَرَ لا كَفَّارَةَ عليه. وجُنُونُ كُلِّ الشَّهْرِ يُسْقِط لا البَعْضِ. وإِنْ أُغمِيَ أَيامًا قَضَاهَا، إِلَّا يومًا نواه. === هؤلاء بَقِيَّةَ يَوْمِهِم قَضَاءً لِحَقِّ الوَقْتِ بالتَّشَبُّهِ (ولا يَقْضِي هذان) أَي الصبي والكافر، وإِنْ كان البلوغُ والإِسلامُ في وقت النية ونويا الصوم وأَكلا، لأَن القضاء يَسْتَدْعِي سَبْقَ الوجوبِ ولا وجوبَ عليهما لعدم أَهْلِيَّتِهِمَا، وإِنما يجب قضاء الصلاة إِذا بلغ الصبي، أَوْ أَسلم الكافر في بعض وقتها، لأَن السبب فيها الجزء المتصل بالأَداء، وقد وجدت الأَهلية فيه. والسبب في الصوم الجزء الأَول من اليوم والأَهليةُ مُنْعَدِمَةٌ عنده. وكذا يُمْسِك بقيةَ يومه المريضُ إِذا بَرِأَ، والمجنونُ إِذا أَفاق. وأَمَّا المُفْطِرُ خطأً أَوْ عَمْداً أَوْ أَفْطر يومَ الشك، ثم ظَهَرَ أَنه من رمضان، فإِنه يجب التَّشَبُّهُ اتفاقاً في هذه الصور، بخلاف الأَمثلةِ المُتَقَدِّمَةِ فإِنَّه قيل: يستحب، لقول أَبي حنيفة رحمه الله تعالى في الحائض تطهر نهاراً: لا يحسن أَنْ تأْكُل والناس صيام، وهو قول مالك والشافعي، لأَن الصوم لا يلزمها أَول النهار لا ظاهراً ولا باطناً، فلا يلزمها الإِمساك في آخر النهار، وهذا لأَن الإِمساك يدل على حقيقة الصوم، فلا يخاطب به من لم يكن عليه خطاب الأَصل، وقيل: يجب وهو الصحيح، لما ثبت مِنْ أَمْرِهِ ﷺ بالإِمساك فِيمَنْ أَكل في يوم عاشوراء حين كان واجباً. (ويُتِمُّ مُقِيمٌ سافر) ترجيحاً لجانب الإِقامة ولِوُقوعِ الالتزام وحصول سبب الوجوب، (ولو أَفْطَرَ لا كَفَّارَةَ عليه) لقيام شبهة المبيح. (وجُنُونُ كُلِّ الشَّهْرِ يُسْقِط) وجوبَه، وفي نسخة: مسقط، وإِغماءُ كُلِّ الشهر لا يُسْقِطُ وُجُوبَه، والفَرْقُ أَنَّ الجنون يمتد شهراً عادة، فيتحقق الحَرَج في وجوبه، والإِغماء لا يمتد عادة، ولا حرج في وجوبه (لا البَعْضِ) بالجرِّ أَي لا يُسْقِطُ جنونُ بعضِ الشهرِ وجوبَ صوم الشهر، سواء كان الجنون أَصلياً بأَن بلغ مجنوناً، أَوْ عارضياً بأَن بلغ مُفِيقاً ثم جُنَّ لوجود سبب وجوب الشَّهْرِ كُلِّه وهو شُهُودُ بَعْضِ الشَّهرِ، إِذْ لو كان السَّبَبُ شُهُودَ جميع الشهر لَوَقَعَ صوم رمضان في شوال. وعن محمد أَنَّ المجنون الأَصلي كالصبي، واختاره بعض المتأَخرين. (وإِنْ أُغمِيَ أَياماً قَضَاهَا) لأَنَّ الإِغماء مَرَضٌ فيكون عذراً في التأْخير لا في الإِسقاط (إِلاَّ يوماً) الظاهر أَنه (نواه) وإِنَّما حملنا كلامه على هذا، لأَن عبارة «الوقاية»: إِلاَّ يوماً حَدَثَ الإِغماءُ فيه، أَوْ في ليلته. وفي «شرحها»: لأَن الظاهر أَنَّه نوى صوم ذلك اليوم، وهذا إِذا لم يَذْكُر أَنَّه نوى أَمْ لا، وأَمَّا إِذا علم أَنَّه نَوَى فلا شك في الصحة، وإِنْ

стр. 587

فَصْلُ [في الاعْتِكَافِ] وهُوَ لَبْثُ صَائمٍ في مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ === عَلِمَ أَنه لم يَنْوِ فلا شك في عدمها (١) . فصلٌ (في الاعتكاف) الاعتكافُ سُنَّة مُؤَكَّدة، وقال «القُدُوري»: مستحب. والحق أَنه ينقسم إِلى واجب: وهو النَّذْر، وإِلى سنة مؤكدة: وهو العَشْر الأَخير من رمضان، وإِلى مستحب: وهو ما عدا ذلك. روى الجماعةُ إِلاَّ ابن ماجه من حديث عائشةَ ﵂: أَنَّ رسول الله ﷺ كان يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَواخِرَ من رمضانَ، ثم اعتكف أزواجُه بعده. (وهُوَ) في اللغة: الإِقامة على الشيء، وحَبْسُ النفس عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ما هَذِهِ التَّمَاثِيلُ التي أَنْتُم لها عَاكِفُونَ﴾ (٢) . وفي الشرع: (لَبْثُ صَائِمٍ) ـ بِفَتْحِ اللام وسكون الموحدة ـ أَي مُكْثُه (في مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ) وهو الذي له مؤذن وإِمام، ويُصَلَّى فيه الصلوات الخمس، أَوْ بعضها بجماعة. وعن أَبي حنيفة: لا بد أَنْ يُصَلَّى فيه الصلوات الخمس بجماعة، وهو قول أَحمد. وعن أَبي يوسف ومحمد: يصِح الإِعتكاف في كل مسجد، وهو قول مالك والشافعي لإِطْلاق قوله تعالى: ﴿وأَنْتُم عَاكِفُون في المَسَاجِدِ﴾ (٣) . ولأَبي حنيفة قول عَلِيّ: «لا اعتكاف إِلاَّ في مسجد جماعة». رواه ابن أَبي شيبة، وعبد الرزاق في «مُصَنَّفَيْهِما». وقول ابن عباس: «إِنَّ أَبْغَضَ الأُمورِ إِلى اللَّهِ تعالى البِدَعُ، وإِنَّ مِنَ البِدَعِ الاعتكافَ في المساجد التي في الدُّورِ». رواه البيهقي في «سننه». وروى الطبراني في «معجمه» عن إِبراهيم النَّخَعِيّ، أَنَّ حذيفةَ قال لابن مسعود: «أَلَا (٤) تَعْجَب مِنْ قومٍ بين دارِكَ ودارِ أَبي موسى، يَزْعُمُونَ أَنَّهم مُعْتَكِفون؟ قال: لعلهم أَصابوا وأَخطأْتَ، أَوْ حَفِظُوا ونَسِيتَ، قال: أَمَّا أَنَا فقد عَلِمْتُ أَنَّه لا اعتكاف إِلاَّ في مسجد جماعة». انتهى. وأَفْضَل الاعتكافِ ما كان في المسجد الحرام، ثم ما كان في مسجده عليه

стр. 588

بِنِيَّتِه === الصلاة والسلام، ثم ما كان في المسجد الأَقْصى، ثم ما كان أَهله أَكثر من الجوامع. (بِنِيَّتِهِ) أَي بِقَصْد الاعتكاف، فإِنها المُمَيِّزة بين العادة والعبادة، فالصوم شَرْط عندنا وعند مالك وقال الشافعي وأَحمد: ليس بشرط، لِمَا في الصحيحين عن ابن عمر أَنه قال: يا رسولَ الله إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ في المسجد الحرام ليلة، فقال ﵊: «أَوْفِ بِنُذْرِكَ». وفي «سنن الدَّارَقُطَنِيّ» عن عبد الله بن عمر، أَنَّ عمر ﵁: نَذَرَ في الجاهليةِ أَنْ يَعْتَكِفَ ليلةً في المسجدِ الحرام، فَلَمَّا كانَ الإِسلامُ سأَل عنه ﵊ فقال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»، فاعتكف عمرُ ليلةً. ولنا ما روى أَبو داود من حديث عائشةَ أَنها قالت: مَضَتِ السُّنَّةُ على المُعْتَكِفِ أَنْ لا يعودَ مَرِيضاً، ولا يَشْهَدَ جَنَازَةً، ولا يَمَسَّ امرأَةً ولا يُبَاشِرَهَا، ولا يخرجَ لِحاجةٍ إِلاَّ لِمَا لا بُدَّ منه ـ أَي مِنَ البَوْلِ والغَائِطِ ـ، ولا اعْتِكَاف إِلاَّ بِصَوْم، ولا اعْتِكَافَ إِلاَّ في مَسْجِدٍ جَامِع. وأَيضاً لم يُرْوَ أَنه ﵊ اعتكف بلا صيام، والمواظبةُ من أَدلة الوُجُوب. فإِنْ قيل في «الصحيحين» أَنه ﵊ اعتكف العَشْر الأُوَل من شَوَّال، أُجِيبَ بأَنه ليس فيه دلالة على أَنه كان صائماً أَوْ مفطراً، وأَمَّا حديث اعتكاف عمر، فرواه أَبو داود والنسائي والدَّارَقُطْنِيّ بلفظ: أَنَّ عمر ﵁ جَعَلَ على نَفْسِهِ أَنْ يَعْتَكِفَ في الجاهلية ليلةً، أَوْ يوماً، عند الكعبةِ فسأَل النبيَّ ﷺ فقال: «اعتكف وصُم». ولفظ النسائي والدَّارَقُطْنِيّ: فأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ ويَصُومَ. وروى الدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي عن سُوَيْدِ بن عبد العزيز، عن سفيانَ بن حسين، عن الزُّهْرِيِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ مرفوعاً: «لا اعتكاف إِلاَّ بالصوم». وقد رُوي عن عَطَاء موقوفاً، وروى عبدُ الرَّزَّاق في «مُصَنَّفِهِ» عن عائشةَ وابن عباس: «مَنْ اعتكفَ فعليه الصَّوْمُ». وروى البيهقي من قول ابن عمر: «المُعْتَكِفُ يَصُومُ». وأَمَّا ما رواه الحاكم وصححه عن ابنِ عباس: أَنْ النبيَّ ﷺ قال: «ليس على المُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلاَّ أَنْ يجعله على نفسه»، فَمُعَارَضٌ بما قَدَّمْنَاهُ، فيُجْعَلُ مَرْجِعُ الضميرِ (١) ـ في قوله ـ إِلا أَنْ يجعله ـ للاعتكاف، فيكون دليل اشتراط الصوم في الاعتكاف المنذور دون النفل،

стр. 589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === هذا والجمع بين قوله: ليلة أَوْ يوماً: أَنَّ المراد الليلة مع يومها أَوْ اليوم مع لَيْلَتِهِ (١) . ثُمَّ اعلم أَنَّ الصوم شرط لصحة الاعتكاف الواجب رواية واحدة، ولصحة التطوع في رواية الحسن عن أَبي حنيفة، وبه قال مالك. وأَمَّا في رواية «الأَصل» وهو قول محمد، بل قيل: إِنَّه ظاهر الرواية عن العلماء الثلاثة: فَلَيْسَ بِشَرْط، لأَن مَبْنَى النفل على المساهلة، ثم اعتكاف (٢) العَشْرِ الأَخير سُنَّةٌ مُؤَكَّدة على الكفاية، للإِجماع على عدم ملامةِ بعض أَهلِ بلدٍ لم يأْتوا به إِذا أَتَى به بَعْضٌ منهم. ومما يدل على أَنها مؤكدة ما روى ابنُ ماجه عن أُبَيِّ بنِ كَعْب: كان رسولُ الله ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَواخِرَ من رمضانَ فَسَافَرَ عاماً، فلما كان العامُ المقبلُ اعتكفَ عِشْرِينَ يوماً. وما رُوِي (٣) : أَنه ﷺ اعتكف العَشْرَ الأَوْسَطَ، فلما فرغ أَتاه جبرائيل ﵇ وقال: إِنَّ الذي تَطْلُبُ أَمَامَك ـ يعني ليلة القدر ـ فاعتكفَ العَشْرَ الأَواخر. وعن هذا ذهب الأَكثر إِلى أَنها في العَشْرِ الآخرِ من رمضان. وقد وَرَدَ في الصحيح: أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأَواخِر، والتَمِسُوها في كل وِتْر». والجمهور على أَنَّها ليلة السابع والعشرين. والله سبحانه أَعلم. وفي «المحيط»: قال أَبو حنيفة: ليلة القدر في رمضان تَتَقدَّمُ وتَتَأَخَّرُ، وقال أَبو يوسف ومحمد: هي ليلة متعينة في النصف الأَخير من رمضان، فلو قال لامرأَته: أَنْتِ طالق ليلةَ القَدْرِ، فإِنْ كان عَامِّياً تَطْلُقُ ليلة (٤) السابع والعشرين من رمضان من تلك السَّنَة، لأَن العَوَام يعرفونها ليلة القدر، وإِنْ كان فقيهاً يَعْرِفُ الخِلَافَ: فإِنْ حَلَف قبل رمضان تَطْلُقُ بِمُضِيِّه ـ أَي عندهم جميعاً ـ، وإِنْ حَلَفَ في النصف الأَخير لا تَطْلُقُ عندهما حتى يجيء وقتُ حَلِفِهِ من النصف الأَخير من رمضان القابل، ولا تَطْلُقُ عند أَبي حنيفة حتى يمضي رمضانُ القابل، وعليه الفتوى. انتهى. لهما ما روى أَبو داود من حديث ابن مسعود قال: قال لنا رسولُ الله ﷺ «اطْلُبُوها ليلةَ سَبْعَ عَشَرَةَ من رمضانَ، وليلةَ إِحْدى وعشرينَ، وليلةَ ثلاث وعشرين، ثُمَّ سَكَتَ». ولأَبي حنيفة ما رواه أَبو داود عن ابن عمر قال: سُئِل رسولُ الله ﷺ وأَنا

стр. 590

وأَقَلُّهُ يَوْمٌ، فَيقْضِي مَنْ قطعه فِيهِ. ولا يَخْرُجُ منه إِلَّا لحاجةِ الإِنسانِ أَوْ الجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَال. ومَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ فَوَقْتًا يُدْرِكُهَا، ويُصَلِّي السنن، ولا يَفْسُدُ بِمُكْثِهِ في الجامع أَكثر منه === أَسْمَعُ ـ عن ليلةِ القَدْرِ، قال: «هي في كلِّ رمضانَ». (وأَقَلُّهُ يَوْمٌ) في الواجب، وفي النفل ـ على رواية الحسن ـ وشَرَطَ أَبو يوسف أَكثر النهار، وأَما على قول رواية «الأَصل»، وقول محمد ومذهب الشافعي: فأَقَلُّهُ ساعة ولو مِنَ الليل، وبهِ يُفْتَى، لأَنه مُتَبَرِّع فكان تقدير زمانه إِليه، والساعة: في عُرْفِ الفقهاءِ جُزْءٌ من الزمان، لا جُزْءٌ من أَربعةٍ وعِشْرينَ من يوم وليلة كما يقوله المنجمون. (فَيَقْضِي مَنْ قطعه) أَي الاعتكاف (فِيهِ) أَي في ذلك اليوم (ولَا يَخْرُجُ) المُعْتَكِفُ (منه) أَي من المسجد (إِلاَّ لحاجةِ الإِنسانِ) ـ وهي البول والغائط ـ ولا يمكث في منزله بَعْد فَرَاغه من طُهُورهِ، لأَنَّ الثابت بالضرورة مُقَدَّرٌ بِقَدْرِهَا، لِمَا في الكتب الستة عن عائشةَ قالت: كان رسولُ الله ﷺ إِذا اعتكفَ لا يَدْخُلُ البيتَ إِلاَّ لِحَاجَة الإِنسان. (أَوْ الجُمُعَةِ) لأَنَّها من أَهَمِّ الحَوَائِجِ (بَعْدَ الزَّوَال) لأَنَّ الخطاب بالوجوب يَتَوَجَّهُ حينئذ، وهذا لِمَنْ قَرُبَ مَنْزِلُهُ وكان بحيث إِذا خرج بعد الزوال وصلى السُّنَّةَ لا تفوته الجمعة. (ومَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ فَوَقْتاً) أَي فَيَخْرُجُ وَقْتاً (يُدْرِكُهَا، ويُصَلِّي السنن) أَرْبَعَاً قبلها. (ولا يَفْسُدُ) اعتكافُه (بِمُكْثِهِ في الجامع أَكثر منه) أَي مِمَّا ذكر، لأَنَّهُ موضع اعتكاف، إِلاَّ أَنَّه التَزَمَ الاعتكافَ في مسجد فالأَوْلى أَنْ لا يفعل شيئاً من اعتكافه في غيره (١) إِلاَّ من ضرورة، والخُرُوجُ للجُمُعَةِ فيه خلاف مالك والشافعي، فلهما أَنَّ الخُرُوج ضِدُّ اللَّبْثِ فَيُفْسِدُه (٢) إِلاَّ فيما تُحَقَّقُ الضرورةُ فيه، ويُمْكِنُهُ أَنْ يعتكف في الجامع فلا ضرورة له في الخروج. ولنا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بالخُرُوج للجمعة فصار مستثنى عن نَذْرِهِ كالخروج للحاجة، بل أَوْلى لأَنها حاجة دينية. وقولهما يمكنُهُ الاعتكافَ في الجامع مدفوع بأَنَّ الاعتكاف في سائر المساجد مشروع لقوله تعالى: ﴿ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وأَنْتُمْ عَاكِفُون في المَسَاجِدِ﴾ (٣) ،

стр. 591

وإِنْ خَرَجَ ساعةً بلا عُذْر، فَسَدَ. ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويَنَامُ ويَبِيعُ ويَشْتَرِي فيهِ بِلا إِحْضَارِ مَبيع فيهِ، لا غَيرُه === وإِذا صَحَّ الشُّرُوعُ وقدْ مَسَّتِ الضرورةُ أُطْلِقَ له الخروجُ، ولو أَقام فيه أَكثر من ذلك لا يَفْسُدُ اعتكافُه، لأَن المُفسِد له الخروجُ من المسجد لا المكث فيه. (وإِنْ خَرَجَ ساعةً بلا عُذْر فَسَدَ) اعْتِكَافُهُ عند أَبي حنيفة، وهو القياس لوجود المُنَافي، وقالا: لا يَفْسُدُ حتى يكونَ أَكثر من نصف يوم، لأَن في القليل ضرورةً، ولا ضرورةَ في الكثير، وفيه أَنْ لا ضرورة في مطلق القليل فتأمل في صحة التعليل. ولو خرج لإِنجاء غريق، أَوْ حَرِيق، أَوْ لأَداء شهادة، أَوْ لِنَفِيرٍ عَام، أَوْ لجنازة، أَوْ لعيادة فَسَدَ اعتكافُه فيقضيه. ولو خرج لانهدام المسجدِ، أَوْ تَفَرُّقِ أَهْله بحيث بطلت الجماعة عنه، أَوْ لإِخراج ظالم له كرهاً أَوْ لِخَوفٍ على نفسه أَوْ ماله من المكابرين لا يفسد، فَيَصحّ أَنْ يَبْنِي عليه. (ويَأْكُلُ) المُعْتَكِفُ (ويَشْرَبُ ويَنَامُ) ـ لأَن النبيّ ﷺ لم يكن له مأْوى إِلاَّ المسجد ـ، أَي وهو مُعْتَكِفٌ، ولأَنه يمكن قضاء هذه الحاجات فيه، فلا ضرورةَ إِلى الخروج. (ويَبِيعُ ويَشْتَرِي فيهِ) أَي في المسجد، لأَنه قد يحتاج إِلى ذلك (بِلَا إِحْضَارِ مَبيع فيهِ) لأَنَّ المسجد مُحْرَزٌ عن حقوق العباد. وفي «الذخيرة»: هذا فيما لا بد منه، وأَمَّا البيع والشراء للتجارة فَيُكْرَهُ، لأَنَّ المُعْتَكِفَ مُنْقَطِعٌ إِلى الله تعالى فلا يشتغلُ بالدنيا. (لا غَيْرُه) أَي لا يفعل غيرُ المُعْتَكِفِ شيئاً من هذه الأُمور في المسجد، لما روى الترمذي والحاكم ـ وقال: على شرط مسلم ـ عن أَبي هريرة قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يبيع ويشتري في المسجد، فقولوا له: «لا أربح اللهُ تجارَتَك، ومَنْ رأَيتموه ينشد ضالةً في المسجد فقولوا له: لا رَدَّ اللهُ عَلَيْكَ». ولقوله ﵊: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَنا، صِبْيَانَكُم، ومَجَانِينَكُم، وبَيْعَكم، وشِرَاءَكُم، وخُصُومَاتِكم، ورَفْعَ أَصواتِكم، وإِقَامَةَ حُدُودِكُم، وسَلَّ سُيُوفِكُمْ، واتَّخِذُوا على أَبوابِها المَطَاهِرَ (١) ، وجَمِّرُوهَا (٢) في الجُمَع». رواه ابن ماجه في «سُنَنِهِ»، والطَّبَرَانِيُّ في «مُعْجَمِهِ». ويُكْرَهُ استطراقُ (٣) المسجد إِلاَّ لِعُذْرٍ، فينبغي أَنْ ينوي الاعتكافَ ساعةً.

стр. 592

ولا يَصْمُتُ، ولا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْر. ويُبْطِلُه الوَطْئُ وَلَوْ لَيْلًا، أَوْ نَاسِيًا. وَوَطْؤُهُ في غَيْرِ فَرْجٍ أَوْ قُبْلَةٌ أَوْ لَمْسٌ إِنْ أَنْزَلَ، وإِلَّا فَلا، وإِنْ حَرُمَ === (ولا يَصْمُتُ) أَي لا يدوم على الصمت تَعَبُّداً بهِ (١) لأَنه (٢) ليس في شريعتنا بل في شريعة غيرنا كما يشير إِليه قوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليومِ إِنْسِيَّاً﴾ (٣) ، ولما روى أَبو داود عن علي ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يُتْمَ بَعْدَ احتلام، ولا صِمَاتَ يومٍ إِلى الليل». وأَسْنَدَ أَبو حنيفة عن أَبي هريرة: أَنَّ النبيّ ﷺ نهى عن صَوْمِ الوِصَالِ، وعن صَوْمِ الصَّمْتِ. فيلازم لتلاوة الحديثِ والعلمِ وتَدْرِيسهِ، وسِيَرِ النبيِّ ﷺ وسائر الأَنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأَخبار الصالحين، وكتابة أُصول الدين. (ولا يَتَكَلَّمُ إِلاَّ بِخَيْر) لأَنَّه في عِبَادَة، فلا يَخْلِطها بغيرها، ولإِطْلَاقِ (٤) قوله ﵊: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخر فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُت». رواه أَحمد والشيخان وغيرهم. (ويُبْطِلُه الوَطْاءُ) سواء أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِل، لقوله تعالى: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأَنْتُم عَاكِفُونَ في المَسَاجِدِ﴾ (٥) . (وَلَوْ لَيْلاً) لأَنَّ الليل مَحَلُّ الاعتكاف كالنَّهار، (أَوْ نَاسِياً) لأَن حالة الاعتكاف مُذَكِّرَةٌ كالصلاة فلا يُعْذر المُعْتَكِفُ بالنِّسْيان، بخلاف حالة الصوم، على أَنَّ الوطاء في المسجد حرام، وكذا الخروج والتوقف عنه لغير ضرورة. وقال الشافعي: لا يَفْسِدُهُ وطاءُ الناسي، وهو رواية ابن سَمَاعَة عن أَصحابنا. (وَوَطْؤُهُ في غَيْرِ فَرْجٍ أَوْ قُبْلَةٌ أَوْ لَمْسٌ إِنْ أَنْزَلَ) لأَنَّ هذه الأَشياء مع الإِنزال في معنى الجِمَاع (وإِلاَّ) أَي وإِن لم يُنْزِل (فَلَا،) يَبْطُلُ اعتكافه لانعدام معنى الجماع، وهو أَظهر أَقوال الشافعي، وأَبْطَلَهُ مالك لظاهر الآية. ولنا اعتبارُه بالصوم، ومجازُ الآية ـ وهو الجِماعُ ـ مرادٌ فَبَطَلَ أَنْ تكون الحقيقة مُرَادةً. (وإِنْ حَرُمَ) (٦) كلٌّ من هذه الأَشياء عليه، لأَنه من دواعي الوطاء، والوطاء

стр. 593

والمرأَةُ تَعْتَكِفُ في بَيْتِهَا. ولَوْ نَذَرَ اعتكافَ أَيَّامٍ لَزِمَهُ بِلَيَالِيهَا وِلاءً، وإِنْ لَمْ يَشْتَرِط === مَحْظُور الاعتكاف فَيَحْرُمُ دواعيه، كما في الظِّهَارِ والاسْتِبْراء والإِحْرَام، وإِنما لم تَحْرُمْ دواعي الوطاء في الصوم لأَنه يَكْثُرُ وجوده، فيؤدي مَنْعُهَا فيه إِلى الحرج، وأَمَّا الإِنزال من إِدامة نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ فلم يُفْسِد عندنا وعند الشافعي، وقال مالك: تُبْطِلُه لأَن الإِنزال لِشَهْوةِ الفِكْرِ كالوِقَاع. ولنا أَنَّ الإِنزال منهما (١) بمنزلة الإِنزال في الاحتلام. (والمرأَةُ تَعْتَكِفُ في بَيْتِهَا) أَي في المَوْضِع الذي أَعَدَّتْهُ للصلاة فيه، حتى لو لم يكن في بيتها موضع مُعَدٌّ للصلاة أَوْ كان، واعتكفت في موضع غَيْرِهِ من بيتها، لا اعتكاف لها. ولو اعتكفت في مسجدِ جماعةٍ جاز، ولكنَّ مَسْجِدَ بيتها أَفْضَلُ من مسجدِ حَيِّهَا، ومَسْجدُ حَيِّهَا أَفضل من مسجدِ جماعة غيرهِ. وقال مالك والشافعي في القول الجديد: لا يجوز اعتكاف المرأَة في مسجد بيتها، وأَلْحَقُوها بالرجال لإِطْلَاقِ: «لا اعتكافَ إِلاَّ في مسجدِ جماعةٍ» (٢) . ولنا أَنَّ مسجد بيتها أَصْوَنُ لها وأَحْرَزُ لفضيلة الصلاة، قال ﷺ «صلاة المرأَة في بيتها أَفضلُ من صلاة المرأَةِ في صَحن دَارِها، وصلاتُها في صَحنِ دارها أَفضل من صلاتها في المسجد» (٣) ، فإِذا أَعطى لبيتها حُكْمَ المسجد في حق الصلاة، فكذا في حق الاعتكاف بِمَكَانِ الصلاة. (ولَوْ نَذَرَ اعتكافَ أَيَّامٍ لَزِمَهُ) اعتكافُها (بِلَيَالِيهَا)، وكذا إِذا نَذَرَ اعتكاف ليالي، لَزِمَه اعتكافها بأَيَّامِها، لأَن ذِكْرَ الأَيام بلفظ الجَمْعِ يَدْخُل فيه لياليها، كما أَنَّ ذِكْر الليالي يَدْخُلُ فيه أَيَّامُهَا، قال تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزَاً﴾ (٤) ، وقال: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيَّا﴾ (٥) والقضية واحدة، وبه قال مالك وأَخرج الشافعي اللياليَ، لأَنَّ اسم الأَيام لا يتناول الليالي، وإِنَّما دخلت الليالي المتخللة في نَذْر الشهر للضرورة، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا. (وِلَاءً) أَي متتابِعَةً (وإِنْ لَمْ يَشْتَرِط) الوِلاءَ في ظاهر الرواية، وبه قال مالك، وأَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ عند عدم التصريح به، وهو رواية عن أَبي حنيفة، وبها قال زفر. ولو نَذَرَ

стр. 594

وفي يَوْمَيْنِ يَوْمَانِ بِلَيْلَتَيْهِمَا. وصَحَّ نِيَّةُ النَّهَارِ خَاصَّةً. === صَوْمِ أَيام لا يَلْزَمُه وِلاءٌ، إِلاَّ أَنْ يشترط والفَرْقُ بينهما: أَنَّ الليالي قابلة للاعتكاف غير قابلة للصوم، فيلزم الاعتكاف على التتابع حتى يَنُصَّ على التفريق، ويلزمه الصوم على التفريق حتى يَنُصَّ على التتابع. (وفي يَوْمَيْنِ) أَي ولزمِه في نذر اعتكاف يومين (يَوْمَانِ بِلَيْلَتَيْهِمَا، وصَحَّ نِيَّةُ النَّهَارِ خَاصَّةً) في المسأَلتين لأَنَّه نَوَى حقيقةَ كلامِه، ولو نَذَرَ اعتكاف شَهْرٍ، وقال: أَرَدْتُ النهار خاصة، لا يُصَدَّق، لأَنَّ الشهر اسم لِمُقَدَّرٍ يَشْمَلُ الأَيَّامَ والليالي، والله تعالى أَعْلَمُ بالصواب.

стр. 595

كِتَابُ الحَجِّ فُرِضَ === كتابُ الحَجِّ بِفَتْح الحاء وبكسر، وهو لغةً: القَصْدُ إِلى مُعَظَّم. وشَرْعاً: زيارةُ مكان مخصوص، بِفِعْل مخصوص. وسَبَبُهُ البيتُ، لأَنه يضاف إليه. وفي البخاري: عن أَبي إِسحاقَ، عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ: أَنَّ النبيَّ ﷺ حَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً واحدةً، وهي حَجَّةُ الوَدَاعِ، وهذا مِمَّا لا نِزَاعَ فيه بالإِجماع. وقال أَبو إِسحاق: وبمكةَ أُخرى، ـ يَعْنِي بِحَسَبِ عِلْمِهِ به ـ. وفي جزء الوزير (١) بن الجراح: عن سُفْيانَ الثَّوْري، عن جَعْفَرَ بن محمد، عن أَبيه، عن جابر بن عبد الله قال: حَجَّ رسولُ الله ﷺ ثلاث حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وحَجَّةً قَرَنَ معها عُمْرَة. انتهى. وأَخرجه الدَّارَقُطْنِيّ في «السُّنَن»، عن سُفْيانَ، عن جَعْفَرَ بن محمد، عن أَبيه، عن جابر مثله سواء. انتهى. وعن ابن عباس: أَنه ﵊ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ ثلاث حِجَج. أَخْرَجَهُ ابن ماجه والحاكم. وهو مَبْنِي على وفود الأَنصار بِمِنىً بعد الحج، وهذا لا يقتضي نَفْيَ الحج قبل ذلك. وقد أَخْرَجَ الحاكم بسند صحيح: أَنَّ النبيَّ ﷺ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ حِجَجاً لا يُعْلَمُ عَدَدُهَا. وقال ابن الأَثير: كان يحج كل سنة قبل أَنْ يهاجر، يعني إِلاَّ أَنْ يَمْنَعَ منه مانع، فكانت حجة الفريضة بعدما هاجر سنة عشر. وحَجَّ أَبو بَكْر في السنة التي قبلها سنة تسع، وفيها فُرِضَ الحج، وأَما سَنَةُ ثمان ـ وهي عام الفتح ـ في رمضان فَحَجَّ بالناسِ فيها عَتَّابُ بنُ أُسَيْد. وهو الذي وَلاَّهُ النبيُّ ﷺ أَميراً بمكةَ بعد الفَتْح. (فُرِضَ) فَرْضِيَّةً مُحْكَمَةً بالإِجماع، والكتاب، والسُنَّةِ. أَمَّا الكتابُ: فَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبِيلاً﴾ (٢) ، وكلمة: «على» للإِيجاب، وقد نَزَلَ في سَنَةِ تِسْع، وليس في: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) النَّازِل في سنة ست دَلالةٌ على الإِيجاب من غير شروع. وقيل:

стр. 596

عَلَى كُلِّ حُرٍّ مُسْلِم مُكَلَّفٍ صَحِيحٍ === فُرِضَ الحجُّ سنةَ سِتّ أَيضاً. وأَمَّا السُّنَّةُ: فقد وردت منها أَخبار كثيرة: منها حديث: «بُنِيَ الإِسلامُ على خَمْسٍ … » الحديثَ. متفق عليه، ومنها: «حُجُّوا، فإِنَّ الحَجَّ يَغْسِلُ الذُّنُوبَ كَمَا يَغْسِلُ الماءُ الدَّرَنَ». رواه الطبراني في «الأَوسط»، ومنها: «مَنْ مَاتَ ولم يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شاء يهودياً أَوْ نَصْرَانِيَّاً». رواه ابن عَدِي من حديث أَبي هريرة، والترمذي نحوه من حديث عليّ. (عَلَى كُلِّ حُرَ) خَرَجَ به العَبْدُ وإِن أَذِنَ له مَوْلَاه (مُسْلِم) خَرَجَ به الكافر (مُكَلَّفٍ) خرج به الصبي والمجنون، لقوله ﷺ «أَيُّمَا صَبِيَ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وأَيُّمَا أَعرابي حَجَّ ثُمَّ هَاجَرَ، فعليه أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثم أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى». رواه الحاكم في «مُسْتَدرَكِهِ»، وقال: على شرط الشيخَيْنِ. والمرادُ بالأَعْرَابي: الذي لم يُهَاجر ولم يُسْلِم، فإِنَّ مُشْرِكي العَرَبِ كانوا يَحُجُّونَ فنفى إِجْزَاء ذلك الحَجِّ عن الواجب بعد الإِسلام، كذا ذَكَره ابن الهُمَام. وقال البغَوِي: ولم يكن يُقْبَلُ الإِسلام بَعْدَ هجرةِ النبيِّ ﷺ إِلاَّ بالهِجْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذلك بعد فتح مكةَ بقوله ﷺ «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» (١) . هذا، والحِنْثُ: الإِثم، ولم يبلغوا الحِنْث: أَي لم يبلغوه فيكتب عليهم، وأَخْرَجَ أَبو داود في «مَرَاسِيله»، عن محمد بن كَعْبِ القُرَظي قال: قال رسولُ الله ﷺ «أَيُّما صَبِيَ حَجَّ به أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَ عنه، فإِن أَدْرَكَ فعليه الحَجُّ، وأَيُّما عَبْدٍ حَجَّ بهِ أَهْلُه فَمَاتَ أَجْزَأَ عنه، فإِنْ أُعْتِقَ فعليه الحَجُّ». وأَخْرَجَهُ ابن أَبي شيبةَ في «مُصَنَّفِهِ»: حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبي ظَبْيَان، عن ابن عباس قال: احْفَظُوا عني، ولا تقولوا: قال ابن عباس: أَيُّما عَبْدٍ حَجَّ … إِلى آخرهِ. وانْعَقَدَ على شَرْط الحريةِ الإِجْمَاعُ. (صَحِيحٍ) خرج به المريض، والمُقْعَدِ، والمَفْلُوج، والزَّمِن الذي لا يستطيع الثبوت على الراحلة، ومقطوع الرجلين عند أَبي حنيفة في المشهور عنه، وهو رواية عن أَبي يوسف ومحمد، لأَنَّ الاستطاعة معدومة عند عدم الصحة، فلا يجب عليهم الإِحْجَاج إِذا مَلَكُوا الزاد والراحلة، ولا الإِيصاء به في المرض، إِذا لم يَسْبِقْهُم الوجوب،

стр. 597

بَصِيرٍ، === لأَنه بدل الحج بالبدن، وإِذا لم يجب المُبْدَل لا يجب البَدَل. وفي ظاهر الرواية عنهما: يجب الحج على هؤلاء إِذا مَلَكُوا الزاد، والراحلة، ومؤنة مَنْ يرفعهم ويضعهم ويقودهم إِلى المناسك، وهو رواية الحسن عن أَبي حنيفة ﵀. ويلزمهم الإِيصاء به إِنْ لم يحجّوا بأَنفسهم، ولو حجّوا عنهم وهم آيسون من الأَداء بالبدن ثُمَّ صَحُّوا، وجب عليهم الأَداء بأَنفسهم، وظهرت نفلية الأَول لأَنه خَلَفٌ ضروري، فيسقط اعتباره (١) بالقدرة على الأَصل (٢) . فلهما حديث الخَثْعَمِية: إِنَّ فريضةَ الحجِّ أَدْرَكَتْ أَبي وهو شَيْخٌ كبير لا يَسْتَمْسِك على الراحلة، أَفترى أَنْ أَحجّ عنه؟ قال: «أَرأَيتِ لو كان على أبيكِ دين فَقَضَيْتِ عنه أَكان يجزاء عنه؟» قالت: نعم (٣) . وله قوله تعالى: ﴿ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِليهِ سَبِيلاً﴾ (٤) ، قيل: الإِيجاب به، والعجز لازم مع هذه الأُمور، والاستطاعة بالبدن هي الأَصل، وملاءمة القائد والخادم وحصول المقصود له من الرفقة غير معلوم، والعجز ثابت للحال فلا يثبت الوجوب بالشك، إِلاَّ أَنَّ هذا قد يُدْفع بأَن هذه العبادة يجزاء فيها النيابة عند العجز لا مطلقاً، تَوَسُّطاً بين المالية المحضة والبدنية المحضة لتوسطها بينهما، والوجوب دائر مع فائدته فيثبت عند قدرة المال، ليظهر أَثره في الإِحجاج والإِيصاء. وفي «التجنيس» لصاحب «الهداية»: وجب عليه الحج، فَحجَّ مِنْ عامه، فمات في الطريق، لا يجب عليه الإِيصاء بالحج، لأَنه لم يُؤخِّر بعد الإِيجاب. وفي «الغاية»: المحبوس والخائف من السلطان كالمريض لوجود المانع. انتهى. وكذا حُكْمُ السلطان إِذا خِيفَ على مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ. (بَصِيرٍ،) فلا يفترض على الأَعمى ـ الفاقِد مَنْ يقوده ـ أَنْ يَحُجَّ بنفسه باتفاق، ولا أَنْ يُحِجَّ غيرَه عند أَبي حنيفة. وقالا: عليه أَنْ يُحِجَّ غيره، ولا على الأَعمى الواجد مَنْ يقوده عند أَبي حنيفة ﵀، وعنهما روايتان: الوجوب وعدمه، والفرق لهما بين

стр. 598

لَهُ زَادٌ ورَاحِلَةٌ، فَضُلًا عَمَّا لا بُدَّ منه، وعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إِلى حِينِ عَوْدِهِ، === الجمعة والحج على رواية عدم وجوب الحج أَنَّ وجود القائد إِلى الجمعة غالب وإِلى الحج نادر. (لَهُ زَادٌ) أَي نفقة متوسطة ذاهباً وآيباً، (ورَاحِلَةٌ) وهو شِقُّ مَحْمِل (١) لذي رفاهية وضعيف بِنْيَة، أَوْ رأْس زَامِلَة (٢) لذي قوة وجَلَدٍ، لا عُقْبة (٣) ، لعدم القدرة في جميع السفر حينئذ، وهذا في حق غير أَهل مكة ومَنْ حولها ما دون مسافة القصر، وأَما هُمْ فليس من شرط الوجوب عليهم الراحلة لعدم المشقة في حقهم، فأَشبه السعي إِلى الجمعة. والفقير الآفاقي (٤) إِذا وصل إِلى ميقات فهو كالمكي. والمُعْتَمَدُ أَنْ يشترط الزاد في حقِّ المكي إِنْ قَدَرَ على المشي، وإِلاَّ فهو كالآفاقي. روى الحاكم في «المستدرك» ـ وقال: على شرط الشيخين ـ عن أَنس في قوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ على النَّاسِ حِجُّ البيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِليه سَبِيلا﴾، قيل: يا رسولَ اللهِ ما السبيلُ؟ قال: «الزاد والراحلة». وقال مالك: مَنْ كانت عادته المشي من غير حاجة راحلة لزمه الحج إِذا وجد الزاد، ومَنْ كانت عادته المشي والمسألة لزمه الحج وإِنْ عَدِمَ الزادَ في الحج، وفي معنى المَسْأَلةِ الصَّنْعَةُ. (فَضُلا) ـ بضَمِ الضاد ـ أَي زاد الزاد والراحلة (عَمَّا لا بُدَّ منه) من مسكنه، وخادمه، وفرسه، وسلاحه، وثيابه، وأَثاثه، وآلات حِرْفَتِهِ، وعبيد خِدْمَتِهِ ومَرَمَّة (٥) مسكنه، وقضاء دينه، وأَصْدِقَة نسائه ولو مؤجلة. وقيل: لا تشترط، كذا في «السراج»، والظاهر أَنَّه لا يُشْتَرَطُ (في المُؤجلة) (٦) دون المعجلة. (وعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ) أَي من تلزمه نفقته من الزوجة والأَولاد الصغار والبنات البالغة، والخدم لأَنَّ حق العبد لفَقْره مقدَّم، على حق الله سبحانه لغناه (إِلى حِينِ عَوْدِهِ)

стр. 599

مَع أَمْنِ الطَّرِيقِ. والزَّوْجِ أَوْ المَحْرَمِ للمَرْأَةِ === أَي رجوعه إِلى وطنه. (مَع أَمْنِ الطَّرِيقِ) وقتَ خروج أَهل بلده ـ وإِنْ كانَ مُخِيفاً في غيره ـ بغلبة السلامة فيه، براً كان الطريق أَوْ بحراً على المفتى به. وهو قول أَبي الليث، لأَنَّ العبرة للغالب، وقد سُئِل الكَرْخي عَمَّنْ لا يَحُجُّ خَوْفاً من القرامطة في البادية، فقال: ما سلمت البادية من الآفات، أَي لا تخلو عنها كقلة الماء، وشدة الحر، وهيجان السَّمُوم (١) ، وكثرة السرقة والغَلاء. وما أَفتى به أَبو بكر الرازي من سقوط الحج عن أَهل بغداد، وقول أَبي بكر الإِسْكَاف: لا أَقول الحج فريضة في زماننا، قاله سنة ست وعشرين وثلاث مئة، وقول الثلْجي (٢) : ليس على أَهل خُرَاسَان حجّ منذ كذا وكذا سنة، كان وقت غلبة النهب والخوف في الطريق. هذا، وذكر ابنُ شجاع عن أَبي حنيفة أَنَّ أَمْن الطريق شرط الوجوب، وهكذا ذكره الكَرْخِي (٣) وأَبو حفص الكبير، لأَن الحج لا يَتَأَتَّى بدونه إِلاَّ بمشقة، فصار كالزاد والراحلة، وقال بعض أَصحابنا: إِنه شرط الأَداء، لأَنه ﵊ لما فَسَّرَ الاستطاعة لم يذكر أَمْن الطريق منها. وثمرة الخلاف تظهر في وجوب الإِيصاء بالحج على مَنْ أَدركه الموت والطريق غير آمن ولم يكن حَجَّ، فَمَنْ جعل أَمْن الطريق شرطاً للأَداء أَوْجَب عليه الإِيصاء، ومَنْ جعله شرطاً للوجوب لم يوجبه. (و) مع (الزَّوْجِ) المكلف (أَوْ المَحْرَمِ) وهو مَنْ حَرُمَ عليه نكاحها على التأْبيد: وهو رضاعاً أَوْ مصاهرة، بشرط أَنْ يكون تقياً، لا فاسقاً ولا مجوسياً (للمَرْأَةِ) ولو عجوزاً. وهل ذلك شرط للوجوب، وهو الأَظهر، أَوْ للأَداء؟ فيه ما مر في أَمْن الطريق من الخلاف، وثمرته تظهر في وجوب الوصية إِذا أَدركها الموت وليس لها مَحْرَم ولا زوج، وفي وجوب نفقة المَحْرَم وراحلته عليه إِذا أَبَى أَنْ يَحُجَّ معها إِلاَّ بهما (٤) ، وفي

стр. 600

إِنْ كانَ بَيْنَها وَبيْنَ مَكَّةَ مسيرةُ سَفَر === وجوب التزوج عليها إِذا لم تجد مَحْرَماً، فَمَنْ قال: إِنَّ الزوج والمَحْرَم شرط أَداء قال: بِوُجُوب ذلك، ومَنْ قال: إِنه شرط وجوب، لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبه. وهذا كله إِذا وُجِد الشرط عند تأَهبِ أَهل بلده، إِذْ به يصير قادراً على الحج، فلو ملك مالاً قبله وأَنفقه حيث شاء، جاز ولا يجب عليه الحج، لأَنه لا يلزمه التأَهّب في الحال. (إِنْ كانَ بَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ مسيرةُ سَفَر) وهي ثلاثة أَيام بلياليها، ويُباح فيما دونها. ومذهب مالك: إِذا وجدت المرأَة صحبة مأْمونة لزمها الحج، لأَنه سفر مفروض كالهجرة. ومذهب الشافعي إِذا وجدت نسوةً ثِقَاتٍ فعليها أَنْ تحج معهنَّ. ولنا ما في الصحيحين عن ابن عُمَرَ أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: لا تُسَافِر المرأَةُ ثلاثةَ أَيامٍ إِلاَّ ومعها ذو مَحْرَم. وفي لفظ: «مسيرة ثلاثِ ليالٍ». وفي لفظ: «مسيرة ثلاثةِ أَيام». وما رواه الدَّارَقُطْنِيّ في «سُنَنِه،» والبَزَّار في «مسنده»، عن ابن عباس، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تَحُجُّ المرأَةُ إِلاَّ ومَعَها مَحْرَمٌ»، فقال رَجُلٌ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي اكْتَتَبْتُ في غزوةِ كذا، وامرأَتي حَاجَّة، قال: «ارْجِع وحُجَّ مَعَها». وفي «سُنَنِ الدَّارَقُطْنِي» من حديث أَبي أُمَامَةَ الباهِلِي مَرْفُوعاً: «لا تُسَافِرُ امرأَةٌ ثلاثةَ أَيَّامٍ أَوْ تَحُجُّ إِلاَّ ومعها زَوْجُها». وفي رواية لمسلم وأَبي داود: أَنه ﵊ قال: «لا يَحِلُّ لامرأَةٍ تُؤمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ أَنْ تُسَافِرَ سفراً يكونُ ثلاثةَ أَيام فَصَاعداً، إِلاَّ ومعها أَبوها، أَوْ ابنها، أَوْ زوجها، أَوْ أَخوها، أَوْ مَحْرَم منها». ورُوِي عن أَبي حنيفة، وأَبي يوسف كراهةُ خُرُوجها مسيرة يوم بلا مَحْرَم، لما في الصحيحين عن سَعْدِ بن أَبِي سعيد، عن أَبي هريرة مرفوعاً: «لا يَحِلُّ لامرأَةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ أَنْ تُسَافِرَ مسيرةَ يومٍ وليلةٍ إِلاَّ مع ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ عليها». (وفي لفظ لمسلم: «مسيرة ليلة»، وفي آخرَ له: «يوم») (١) . وفي لفظ لأَبي داود: «بَرِيداً»، وهو عن ابنِ حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وللطبراني في «مُعْجَمه»: ثلاثة أَميال، فقيل له: إِنَّ الناس يقولون: ثلاثة أَيام، فقال: وَهِمُوا. قال المُنْذِري: («في حواشيه») (١): ليس في هذه (الروايات) (١) تباين، فإِنه يُحْتَمَلُ أَنَّه ﷺ قالها في مواطن مختلفة بِحَسَب الأَسئلة، ويُحْتَمَل أَنْ يكون ذلك كله تمثيلاً لأَقل الأَعداد، فاليوم الواحد أَوَّل العدد وأَقَلُّه، والاثْنَان أَوَّلُ الكثير (٢) وأَقله، والثلاث أَوَّلُ
следующие страницы →