← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

عَلَى كُلِّ حُرٍّ مُسْلِم مُكَلَّفٍ صَحِيحٍ === فُرِضَ الحجُّ سنةَ سِتّ أَيضاً. وأَمَّا السُّنَّةُ: فقد وردت منها أَخبار كثيرة: منها حديث: «بُنِيَ الإِسلامُ على خَمْسٍ … » الحديثَ. متفق عليه، ومنها: «حُجُّوا، فإِنَّ الحَجَّ يَغْسِلُ الذُّنُوبَ كَمَا يَغْسِلُ الماءُ الدَّرَنَ». رواه الطبراني في «الأَوسط»، ومنها: «مَنْ مَاتَ ولم يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شاء يهودياً أَوْ نَصْرَانِيَّاً». رواه ابن عَدِي من حديث أَبي هريرة، والترمذي نحوه من حديث عليّ. (عَلَى كُلِّ حُرَ) خَرَجَ به العَبْدُ وإِن أَذِنَ له مَوْلَاه (مُسْلِم) خَرَجَ به الكافر (مُكَلَّفٍ) خرج به الصبي والمجنون، لقوله ﷺ «أَيُّمَا صَبِيَ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وأَيُّمَا أَعرابي حَجَّ ثُمَّ هَاجَرَ، فعليه أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثم أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى». رواه الحاكم في «مُسْتَدرَكِهِ»، وقال: على شرط الشيخَيْنِ. والمرادُ بالأَعْرَابي: الذي لم يُهَاجر ولم يُسْلِم، فإِنَّ مُشْرِكي العَرَبِ كانوا يَحُجُّونَ فنفى إِجْزَاء ذلك الحَجِّ عن الواجب بعد الإِسلام، كذا ذَكَره ابن الهُمَام. وقال البغَوِي: ولم يكن يُقْبَلُ الإِسلام بَعْدَ هجرةِ النبيِّ ﷺ إِلاَّ بالهِجْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذلك بعد فتح مكةَ بقوله ﷺ «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» (١) . هذا، والحِنْثُ: الإِثم، ولم يبلغوا الحِنْث: أَي لم يبلغوه فيكتب عليهم، وأَخْرَجَ أَبو داود في «مَرَاسِيله»، عن محمد بن كَعْبِ القُرَظي قال: قال رسولُ الله ﷺ «أَيُّما صَبِيَ حَجَّ به أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَ عنه، فإِن أَدْرَكَ فعليه الحَجُّ، وأَيُّما عَبْدٍ حَجَّ بهِ أَهْلُه فَمَاتَ أَجْزَأَ عنه، فإِنْ أُعْتِقَ فعليه الحَجُّ». وأَخْرَجَهُ ابن أَبي شيبةَ في «مُصَنَّفِهِ»: حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبي ظَبْيَان، عن ابن عباس قال: احْفَظُوا عني، ولا تقولوا: قال ابن عباس: أَيُّما عَبْدٍ حَجَّ … إِلى آخرهِ. وانْعَقَدَ على شَرْط الحريةِ الإِجْمَاعُ. (صَحِيحٍ) خرج به المريض، والمُقْعَدِ، والمَفْلُوج، والزَّمِن الذي لا يستطيع الثبوت على الراحلة، ومقطوع الرجلين عند أَبي حنيفة في المشهور عنه، وهو رواية عن أَبي يوسف ومحمد، لأَنَّ الاستطاعة معدومة عند عدم الصحة، فلا يجب عليهم الإِحْجَاج إِذا مَلَكُوا الزاد والراحلة، ولا الإِيصاء به في المرض، إِذا لم يَسْبِقْهُم الوجوب،

стр. 597

بَصِيرٍ، === لأَنه بدل الحج بالبدن، وإِذا لم يجب المُبْدَل لا يجب البَدَل. وفي ظاهر الرواية عنهما: يجب الحج على هؤلاء إِذا مَلَكُوا الزاد، والراحلة، ومؤنة مَنْ يرفعهم ويضعهم ويقودهم إِلى المناسك، وهو رواية الحسن عن أَبي حنيفة ﵀. ويلزمهم الإِيصاء به إِنْ لم يحجّوا بأَنفسهم، ولو حجّوا عنهم وهم آيسون من الأَداء بالبدن ثُمَّ صَحُّوا، وجب عليهم الأَداء بأَنفسهم، وظهرت نفلية الأَول لأَنه خَلَفٌ ضروري، فيسقط اعتباره (١) بالقدرة على الأَصل (٢) . فلهما حديث الخَثْعَمِية: إِنَّ فريضةَ الحجِّ أَدْرَكَتْ أَبي وهو شَيْخٌ كبير لا يَسْتَمْسِك على الراحلة، أَفترى أَنْ أَحجّ عنه؟ قال: «أَرأَيتِ لو كان على أبيكِ دين فَقَضَيْتِ عنه أَكان يجزاء عنه؟» قالت: نعم (٣) . وله قوله تعالى: ﴿ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِليهِ سَبِيلاً﴾ (٤) ، قيل: الإِيجاب به، والعجز لازم مع هذه الأُمور، والاستطاعة بالبدن هي الأَصل، وملاءمة القائد والخادم وحصول المقصود له من الرفقة غير معلوم، والعجز ثابت للحال فلا يثبت الوجوب بالشك، إِلاَّ أَنَّ هذا قد يُدْفع بأَن هذه العبادة يجزاء فيها النيابة عند العجز لا مطلقاً، تَوَسُّطاً بين المالية المحضة والبدنية المحضة لتوسطها بينهما، والوجوب دائر مع فائدته فيثبت عند قدرة المال، ليظهر أَثره في الإِحجاج والإِيصاء. وفي «التجنيس» لصاحب «الهداية»: وجب عليه الحج، فَحجَّ مِنْ عامه، فمات في الطريق، لا يجب عليه الإِيصاء بالحج، لأَنه لم يُؤخِّر بعد الإِيجاب. وفي «الغاية»: المحبوس والخائف من السلطان كالمريض لوجود المانع. انتهى. وكذا حُكْمُ السلطان إِذا خِيفَ على مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ. (بَصِيرٍ،) فلا يفترض على الأَعمى ـ الفاقِد مَنْ يقوده ـ أَنْ يَحُجَّ بنفسه باتفاق، ولا أَنْ يُحِجَّ غيرَه عند أَبي حنيفة. وقالا: عليه أَنْ يُحِجَّ غيره، ولا على الأَعمى الواجد مَنْ يقوده عند أَبي حنيفة ﵀، وعنهما روايتان: الوجوب وعدمه، والفرق لهما بين

стр. 598

لَهُ زَادٌ ورَاحِلَةٌ، فَضُلًا عَمَّا لا بُدَّ منه، وعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إِلى حِينِ عَوْدِهِ، === الجمعة والحج على رواية عدم وجوب الحج أَنَّ وجود القائد إِلى الجمعة غالب وإِلى الحج نادر. (لَهُ زَادٌ) أَي نفقة متوسطة ذاهباً وآيباً، (ورَاحِلَةٌ) وهو شِقُّ مَحْمِل (١) لذي رفاهية وضعيف بِنْيَة، أَوْ رأْس زَامِلَة (٢) لذي قوة وجَلَدٍ، لا عُقْبة (٣) ، لعدم القدرة في جميع السفر حينئذ، وهذا في حق غير أَهل مكة ومَنْ حولها ما دون مسافة القصر، وأَما هُمْ فليس من شرط الوجوب عليهم الراحلة لعدم المشقة في حقهم، فأَشبه السعي إِلى الجمعة. والفقير الآفاقي (٤) إِذا وصل إِلى ميقات فهو كالمكي. والمُعْتَمَدُ أَنْ يشترط الزاد في حقِّ المكي إِنْ قَدَرَ على المشي، وإِلاَّ فهو كالآفاقي. روى الحاكم في «المستدرك» ـ وقال: على شرط الشيخين ـ عن أَنس في قوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ على النَّاسِ حِجُّ البيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِليه سَبِيلا﴾، قيل: يا رسولَ اللهِ ما السبيلُ؟ قال: «الزاد والراحلة». وقال مالك: مَنْ كانت عادته المشي من غير حاجة راحلة لزمه الحج إِذا وجد الزاد، ومَنْ كانت عادته المشي والمسألة لزمه الحج وإِنْ عَدِمَ الزادَ في الحج، وفي معنى المَسْأَلةِ الصَّنْعَةُ. (فَضُلا) ـ بضَمِ الضاد ـ أَي زاد الزاد والراحلة (عَمَّا لا بُدَّ منه) من مسكنه، وخادمه، وفرسه، وسلاحه، وثيابه، وأَثاثه، وآلات حِرْفَتِهِ، وعبيد خِدْمَتِهِ ومَرَمَّة (٥) مسكنه، وقضاء دينه، وأَصْدِقَة نسائه ولو مؤجلة. وقيل: لا تشترط، كذا في «السراج»، والظاهر أَنَّه لا يُشْتَرَطُ (في المُؤجلة) (٦) دون المعجلة. (وعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ) أَي من تلزمه نفقته من الزوجة والأَولاد الصغار والبنات البالغة، والخدم لأَنَّ حق العبد لفَقْره مقدَّم، على حق الله سبحانه لغناه (إِلى حِينِ عَوْدِهِ)

стр. 599

مَع أَمْنِ الطَّرِيقِ. والزَّوْجِ أَوْ المَحْرَمِ للمَرْأَةِ === أَي رجوعه إِلى وطنه. (مَع أَمْنِ الطَّرِيقِ) وقتَ خروج أَهل بلده ـ وإِنْ كانَ مُخِيفاً في غيره ـ بغلبة السلامة فيه، براً كان الطريق أَوْ بحراً على المفتى به. وهو قول أَبي الليث، لأَنَّ العبرة للغالب، وقد سُئِل الكَرْخي عَمَّنْ لا يَحُجُّ خَوْفاً من القرامطة في البادية، فقال: ما سلمت البادية من الآفات، أَي لا تخلو عنها كقلة الماء، وشدة الحر، وهيجان السَّمُوم (١) ، وكثرة السرقة والغَلاء. وما أَفتى به أَبو بكر الرازي من سقوط الحج عن أَهل بغداد، وقول أَبي بكر الإِسْكَاف: لا أَقول الحج فريضة في زماننا، قاله سنة ست وعشرين وثلاث مئة، وقول الثلْجي (٢) : ليس على أَهل خُرَاسَان حجّ منذ كذا وكذا سنة، كان وقت غلبة النهب والخوف في الطريق. هذا، وذكر ابنُ شجاع عن أَبي حنيفة أَنَّ أَمْن الطريق شرط الوجوب، وهكذا ذكره الكَرْخِي (٣) وأَبو حفص الكبير، لأَن الحج لا يَتَأَتَّى بدونه إِلاَّ بمشقة، فصار كالزاد والراحلة، وقال بعض أَصحابنا: إِنه شرط الأَداء، لأَنه ﵊ لما فَسَّرَ الاستطاعة لم يذكر أَمْن الطريق منها. وثمرة الخلاف تظهر في وجوب الإِيصاء بالحج على مَنْ أَدركه الموت والطريق غير آمن ولم يكن حَجَّ، فَمَنْ جعل أَمْن الطريق شرطاً للأَداء أَوْجَب عليه الإِيصاء، ومَنْ جعله شرطاً للوجوب لم يوجبه. (و) مع (الزَّوْجِ) المكلف (أَوْ المَحْرَمِ) وهو مَنْ حَرُمَ عليه نكاحها على التأْبيد: وهو رضاعاً أَوْ مصاهرة، بشرط أَنْ يكون تقياً، لا فاسقاً ولا مجوسياً (للمَرْأَةِ) ولو عجوزاً. وهل ذلك شرط للوجوب، وهو الأَظهر، أَوْ للأَداء؟ فيه ما مر في أَمْن الطريق من الخلاف، وثمرته تظهر في وجوب الوصية إِذا أَدركها الموت وليس لها مَحْرَم ولا زوج، وفي وجوب نفقة المَحْرَم وراحلته عليه إِذا أَبَى أَنْ يَحُجَّ معها إِلاَّ بهما (٤) ، وفي

стр. 600

إِنْ كانَ بَيْنَها وَبيْنَ مَكَّةَ مسيرةُ سَفَر === وجوب التزوج عليها إِذا لم تجد مَحْرَماً، فَمَنْ قال: إِنَّ الزوج والمَحْرَم شرط أَداء قال: بِوُجُوب ذلك، ومَنْ قال: إِنه شرط وجوب، لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبه. وهذا كله إِذا وُجِد الشرط عند تأَهبِ أَهل بلده، إِذْ به يصير قادراً على الحج، فلو ملك مالاً قبله وأَنفقه حيث شاء، جاز ولا يجب عليه الحج، لأَنه لا يلزمه التأَهّب في الحال. (إِنْ كانَ بَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ مسيرةُ سَفَر) وهي ثلاثة أَيام بلياليها، ويُباح فيما دونها. ومذهب مالك: إِذا وجدت المرأَة صحبة مأْمونة لزمها الحج، لأَنه سفر مفروض كالهجرة. ومذهب الشافعي إِذا وجدت نسوةً ثِقَاتٍ فعليها أَنْ تحج معهنَّ. ولنا ما في الصحيحين عن ابن عُمَرَ أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: لا تُسَافِر المرأَةُ ثلاثةَ أَيامٍ إِلاَّ ومعها ذو مَحْرَم. وفي لفظ: «مسيرة ثلاثِ ليالٍ». وفي لفظ: «مسيرة ثلاثةِ أَيام». وما رواه الدَّارَقُطْنِيّ في «سُنَنِه،» والبَزَّار في «مسنده»، عن ابن عباس، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تَحُجُّ المرأَةُ إِلاَّ ومَعَها مَحْرَمٌ»، فقال رَجُلٌ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي اكْتَتَبْتُ في غزوةِ كذا، وامرأَتي حَاجَّة، قال: «ارْجِع وحُجَّ مَعَها». وفي «سُنَنِ الدَّارَقُطْنِي» من حديث أَبي أُمَامَةَ الباهِلِي مَرْفُوعاً: «لا تُسَافِرُ امرأَةٌ ثلاثةَ أَيَّامٍ أَوْ تَحُجُّ إِلاَّ ومعها زَوْجُها». وفي رواية لمسلم وأَبي داود: أَنه ﵊ قال: «لا يَحِلُّ لامرأَةٍ تُؤمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ أَنْ تُسَافِرَ سفراً يكونُ ثلاثةَ أَيام فَصَاعداً، إِلاَّ ومعها أَبوها، أَوْ ابنها، أَوْ زوجها، أَوْ أَخوها، أَوْ مَحْرَم منها». ورُوِي عن أَبي حنيفة، وأَبي يوسف كراهةُ خُرُوجها مسيرة يوم بلا مَحْرَم، لما في الصحيحين عن سَعْدِ بن أَبِي سعيد، عن أَبي هريرة مرفوعاً: «لا يَحِلُّ لامرأَةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ أَنْ تُسَافِرَ مسيرةَ يومٍ وليلةٍ إِلاَّ مع ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ عليها». (وفي لفظ لمسلم: «مسيرة ليلة»، وفي آخرَ له: «يوم») (١) . وفي لفظ لأَبي داود: «بَرِيداً»، وهو عن ابنِ حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وللطبراني في «مُعْجَمه»: ثلاثة أَميال، فقيل له: إِنَّ الناس يقولون: ثلاثة أَيام، فقال: وَهِمُوا. قال المُنْذِري: («في حواشيه») (١): ليس في هذه (الروايات) (١) تباين، فإِنه يُحْتَمَلُ أَنَّه ﷺ قالها في مواطن مختلفة بِحَسَب الأَسئلة، ويُحْتَمَل أَنْ يكون ذلك كله تمثيلاً لأَقل الأَعداد، فاليوم الواحد أَوَّل العدد وأَقَلُّه، والاثْنَان أَوَّلُ الكثير (٢) وأَقله، والثلاث أَوَّلُ

стр. 601

في العُمُرِ مرةً عَلَى الفَوْر. === الجَمْعِ وأَقله، فكأَنه أَشار إِلى أَنَّ مثل هذا في قلة الزمنِ لا يَحِلُّ لها [فيه] (١) السفر مع غير مَحْرم، فكيف بما زاد؟ انتهى. ويُشْتَرَطُ في المرأَة أَيضاً أَنْ لا تكون مُعْتَدَّةً، ثم إِذا وجدت المرأَة مَحْرماً، ليس للزوج مَنْعُها من الحج الفرض، لأَنَّ حَقَّ الزوج لا يظهر في الفرائض كالصلاة والصوم، وجوّز مالك والشافعي أَنْ يمنعها الزوج من الحج كالحج المنذور، لأَن في خروجها تفويتَ حَقِّه، وحَقُّ العبد مُقَدَّمٌ على حَقِّ الله تعالى بإِذنه. ولنا ما قدمنا، وأَمَّا المنذور فَلأَنَّ وجوبه بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِها، فلا يظهر الوجوب في حَقِّه، فكان نَفْلاً بالنسبة إِليه. (في العُمُرِ مرةً) لما روى أَبو داود، وابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح الإِسناد، عن ابن عباس، أَنَّ الأَقْرَعَ بنَ حَابِسٍ سَأَلَ رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، الحَجُّ في كل سَنَة أَوْ مرة واحدة؟ قال: «لا بل مرةً واحدةً، فَمَنْ زَادَ فهو تَطَوُّع». ولقول أَبي هريرة: خَطَبَنا رسولُ الله ﷺ فقال: «يا أَيها الناس، قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُم الحَجُّ فَحُجُّوا»، فقال رجل: أَكُلَّ عام يا رسولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حتى قالها ثلاثاً، فقَالَ رسولُ الله ﷺ «لو قلت: نعم لَوَجَبَتْ ولَمَا اسْتَطَعْتُم»، ثُمَّ قال: «ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُم، فإِنما هلك مَنْ كان قبلكم بِكَثْرَةِ سؤالهم واختلافهم على أَنبيائهم، فإِذا أَمَرْتُكُمْ بِشيءٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم، وإِذا نَهَيْتُكُم عن شيء فدعوه». رواه مسلم. فقوله: «لو قُلْتُ: نعم لوجبت ولَمَا اسْتَطَعْتُم»، يستلزم نفي وجوب التكرار من وجهين: لإِفادة «لو» هنا امتناعَ «نعم»، فيلزمه ثبوت نقيضه وهو «لا»، والتصريح بنفي الاستطاعة أَيضاً، ولِقَوْلِ ابنِ عباس: خطبنا رسولُ الله ﷺ فقال: «يا أَيها الناس، إِنَّ اللهَ كَتَبَ عليكم الحج»، فقام الأَقْرَعُ بنُ حَابِس فقال: في كل عام يا رسول الله؟ قال: «لو قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ ولم تستطيعوا أَنْ تَعْمَلوا بها، الحج مرة، فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ». رواه أَحمد في «مُسْنَدِهِ»، والدَّارَقُطْنِيّ في «سُنَنِهِ». ولأن سببه البيتُ، وإِنه لا يتعدد، فلا يتكرر الوجوب، فاندفع قولُ الشافعية: أَنَّ الحج فَرْضُ كفاية في كل سنة. (عَلَى الفَوْر) وهو قول أَبي يوسف، ومذهب مالك، وأَصح الروايتين عن أَبي حنيفة. وقال محمد، وهو رواية عن أَبي يوسف وقول الشافعي: إِنه على التراخي، إِلاَّ

стр. 602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أَنْ يَظُنَّ فَوَاتَه إِنْ أَخَّرَه، لأَنَّ الحجَّ وقته العمر نَظَراً إِلى ظاهر الحال في بقاء الإِنسان، فكان كالصلاة في وقتها، فيجوز تأْخيره إِلى آخر العمر كما يجوز تأْخيرها إِلى آخر وقتها، إِلاَّ أَنَّ جواز تأْخيره مشروط عند محمد بأَنْ لا يفوت، حتى لو مات ولم يحج أَثِم، وعليه الإِجماع. ولأَبي يوسف أَنَّ الحج في وقت معين من السنة، والموت فيها ليس بنادر فيتضيق عليه الاحتياط لا لانقطاع التوسع بالكلية، فلو حَجَّ في العام الثاني كان مؤدياً باتفاقهما، ولو مات قبل العام الثاني كان آثماً باتفاقهما. وثمرة الخلاف بينهما إِنَّما تظهر في حق تَفْسِيقِ المُؤَخِّر وَرَدِّ شهادتِهِ عند مَنْ يقول بالفور، وعدم ذلك عند مَنْ يقول بالتراخي. وفي «السِّرَاجِ الوهَّاج»: أَنَّ الخلاف فيما إِذا كان غالب ظَنِّه السلامة، وأَمَّا إِذا كان غالب ظَنِّه الموت بسبب مرض أَوْ هَرَم، فإِنه يتضيق عليه بالوجوب إِجماعاً، فلو مات يأْثم بتركه عن ذلك الوقت. ويؤيده قوله ﷺ «مَنْ أَرادَ الحجَّ فَلْيَتَعَجَّل، فإِنه يَمْرَضُ المريضُ، وتَضِلُّ الضَالَّةُ، وتَعْرِض الحَاجَةُ». رواه أَحمد (١) ، وابن ماجه، والبيهقي. وأَما ما استدل به الشافعي ومَنْ تَبِعَهُ من القول بالتراخي، أَنَّ الحج فُرِضَ في سنة خَمْس أَوْ سِت أَوْ تِسْع، وحجّ ﵊ في سنة عشر، ولو كان على الفور لم يؤخر، فأُجيب عنه (٢) بأَنه ﷺ قد عَلِمَ بالوَحْي أَنه يعيش إِلى أَنْ يؤديه ويُعَلِّمَ الناس مناسكهم تكميلاً للتبليغ، فكان آمِناً من فواته، أَوْ لأَنه كان لعذر من نزول الآية بعد فوات الوقت، أَوْ لِخَوْفٍ من المشركين على أَهل المدينة، أَوْ لغير ذلك مِنْ أَمر النبيّ ﷺ واختلاط المشركين بالمؤمنين ونحوها من جواز الحج النفل للضرورة كما قلنا. ومما يدل على أَنه فُرِض سنة خمس، ما رواه أَحمد في «مسنده» من طريق محمد ابن إِسحاق: حدّثني محمد بن الوليد بن نُوَيْفِع، عن كُرَيْب، عن ابن عباس قال: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بنِ بكر ضِمَامَ بنَ ثعلبةَ وافداً إِلى رسولِ الله ﷺ فَذَكَر له فرائض الإِسلام: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، بعد أَنْ ذَكَرَ التوحيد. قال: وقد رواه شُرَيك بن أَبي نَمِر عن كُرَيب فقال فيه: بَعَثَتْ بنو سعد ضِماماً في رجب سنة خمس. ومما يؤيد وجه الفورية حديث الحجاج بن عمرو الأَنصاري: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فقد

стр. 603

ولو أَحْرَمَ صَبِيٌّ فَبَلَغَ، أَوْ عَبْدٌ فعَتَقَ لم يُؤَدِّ فَرْضَه، ولَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ إِحْرَامَهُ للفَرْضِ صَحَّ، لا لِلْعَبْدِ. وفَرْضُهُ: الإِحْرَامُ، === حلَّ، وعليه الحج من قابل» (١) . وهذا بناء على أَنَّ لفظ «قابل» متعارف في السَّنَّة الآتية التي تلي هذه السَّنَّة. والحاصل: أَنْ حقيقة دليل وجوب الفور هو الاحتياط، فلا يدفعه أَنَّ مقتضى الأَمر المطلق جواز التأْخير بشرط عدم التفويت. (ولو أَحْرَمَ صَبِيٌّ فَبَلَغَ، أَوْ عَبْدٌ فعَتَقَ) فمضى الصبي أَوْ العبد (لم يُؤَدِّ فَرْضَه) لأَن إِحرامه انعقد للنفل فلا يَسْقُطُ به الفرض (٢) . فإِنْ قيل: الإِحرام، شرط في الحج، والوضوء، شرط في الصلاة، فكان ينبغي أَنْ يجوز أَداء فرض الحج بإِحرام قبل البلوغ، كما يجوز أَداء فرض الصلاة بوضوء قبله، فالجواب أَنَّ الإِحرام إِنَّما يتحقق بنية الحج، وبها يصير شارعاً في أَفعاله من غير تجديد نيّة له، بخلاف الوضوء، فإِنه يتحقق قبل الشروع في الصلاة، وقد يُجَابُ بِأَنَّ الإِحرام شرط يشبه الركن من حيث إِمكانُ اتصال الأَداء به، فاعتبرنا شَبَهَ الركن فيما نحن فيه احتياطاً للعبادة. (ولَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ) بعد البلوغ (إِحْرَامَهُ للفَرْضِ) قبل مُضِيّ وقت الوقوف بعرفة (صَحَّ،) إِحْرَامُه (لا لِلْعَبْدِ)، أَي لا يَصِحُّ تجديد إِحرامه له بعد العتق. والفَرْق أَنَّ إِحرام الصبي غير لازم لعدم أَهليته، ولذا لو أُحْصِر الصبي وتَحَلَّلَ لا دَمَ عليه ولا قضاء، وكذا لا جزاء عليه لارتكاب المحظورات كما صرّح به ابن الهُمَام، فيمكنه الخروج عن الإِحرام بالشروع في غيره، وإِحرام العبد لازم فلا يمكنه الخروج إِلاَّ بالإِتمام. وفي «المبسوط»: ولو أَحرم صبي وهو يعقل، أَوْ أَحرم عنه أَبوه صار مُحْرِماً، يعني فينبغي أَنْ يُجَرِّدَه ويُلبِسه إِزاراً ورداء. (فُروض الحَجِّ) (وفَرْضُهُ) أَي فرض الحج، وهو ما لا بُدَّ منه شرطاً أَوْ ركناً (الإِحْرَامُ) بإِجماع الأُمّة، ولأَن كل عبادة لها تحليل فلها إِحرام كالصلاة، وهو عندنا شرط الأَداء لا ركنٌ، كما قال مالك والشافعي، لأَنه يدوم إِلى الحَلْقِ، ولا يَنْتَقِلُ عنه إِلى غيره، ويجامع كلَّ

стр. 604

والوُقُوفُ بِعَرَفَة، وطَوَافُ الزِّيَارَة. وَوَاجِبُهُ: وُقُوفُ جَمْع، === ركن في الجملة، ولو كان ركناً، لما كان كذلك. (والوُقُوفُ بِعَرَفة) أَي الحضور بها ـ ولو ساعةً ـ من زوال (١) عرفة إِلى طلوع فجر النحر، بِشَرْطِ تقَدُّمِ الإِحرام. (وطَوَافُ الزِّيَارَة) أَي أَكثرُه مقروناً بالنية، وفرضيتهما بإِجماع الأُمة، وهما رُكنان اتفاقاً، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا من حيثُ أَفاضَ النَّاسُ﴾ (٣) ، ولقول رسولِ الله ﷺ «الحَجُّ عَرَفَةَ». رواه أَحمد، والأَربعة. أَي معظم أَركانه الذي لا يفوت بعد وجوده وقوفَها، ولقوله ﷺ «الحج عرفة، فَمَنْ وقف بعرفة ساعة من ليل أَوْ نهار فقد تمّ حجّه». روى بمعناه أَبو داود وغيرُه، وصححه الترمذي، ولقول عائشةَ: حاضتَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيَ بعدما أَفاضت فقال ﷺ «أَحَابِسَتُنَا هي؟» قالوا: يا رسولَ الله، إِنّها أَفَاضَتْ، وطَافَتْ بالبيتِ، ثُمَّ حَاضَتْ بعد الإِفاضة، فقال رسولُ الله ﷺ «فَلَا إِذاً». رواه الشيخان، ولقوله تعالى: ﴿وليَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ (٤) فإِنَّه مُفَسَّرٌ بِطَواف الإِفاضة، ويَدُلُّ عليه ما قَبْلَهُ مِنْ قوله: ﴿ثُمَّ ليَقْضُوا تَفَثَهُم﴾ (٥) . (واجبات الحج) (وَوَاجِبُهُ وُقُوفُ جَمْع) أَي مُزْدَلِفَة ـ ولو ساعةً ـ من بعد فجر النحر إِلى ما قبل طلوع الشمس، لقول النبيّ ﷺ «من شَهِدَ صَلَاتَنَا هذه، وَوَقَفَ معنا حتى نَدْفَع (٦) ، وقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذلك ليلاً أَوْ نهاراً، فَقَدْ تَمَّ حَجُّه، وقَضَى تفثه». رواه أَصحاب السنن، والطحاوي من حديث عُرْوَة بن مُضَرِّس، علَّق به تمام الحج. وبهذا ثبت الوجوب لا الركنية، لأَنه خبر الواحد، ولأَنه ﷺ قدَّم ضَعَفَة أَهْلِه بليل، كما في الصحيحين عن عائشةَ قالت: كانت سَوْدةُ امرأَةً ضخمة ثَبِطة (٧) ، فاسْتَأْذَنَتْ رسولَ الله ﷺ

стр. 605

والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، === أَنْ تَفِيضَ من جَمْعٍ (١) بِلَيْلٍ فَأَذِنَ لها، قالت عائشةُ: فليتني كُنْتُ استأْذنْتُ رسولَ الله ﷺ كما استأذنت سودةُ، وكانَتْ عائِشةُ لا تَفِيضُ إِلاَّ مع الإِمام. وعن ابن عباس قال: «أَنَا مِمَّنْ قدَّم رسول الله ﷺ ليلة مزدلفة في ضعفه أَهله مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ». ولو كان الوقوف بِمُزْدَلِفة بعد الفجر ركناً، لما جاز تَرْكُه كالوقوف بِعَرَفَة، فاندفع به قول الليث بن سعد: أَنَّ الوقوف به رُكْنٌ لقوله تعالى: ﴿فإِذا أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ (٢) ، ولأَن المأْمور به في الآية الذّكْر، وهو ليس بركن بالإِجماع، فلا شيء على مَنْ تَرَكَهُ بِعُذْرٍ لما قدّمنا. وقال الشافعي: الوقوف بِجَمْعٍ سنَّة، وله في المَبِيت به قولان: الوجوب والسُّنِّية، وهو مذهبنا. وأَما ما ذكره العيني في «شرح تُحْفَةُ الملوك» (٣) مِنْ أَنَّ الوقوف بِمُزْدَلِفة رُكْن عند الشافعي ـ وتَبِع فيه «الهداية» ـ فغيرُ صحيح، بل وَهْمٌ صَريح. وسُمِّي جَمْعاً لاجتماعِ آدم مع حَوَّاء فيه. وسُمّي مُزْدَلِفة لأَن آدم ازدلف فيه من حواء، أَي دنا منها بعد بُعْدِه عنها، أَوْ لاقتراب الناس إِلى مِنى، أَوْ لأَن الوَاقِفِينَ فيه يَزْدَلِفُون إِلى الله تعالى: أَي يَتَقَرَّبُونَ إِليه. (والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ)، وقال مالك، والشافعي: وهو ركن لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٤) ، وما كان من الشعائر كان ركناً، ولقوله ﷺ «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عليكم السَّعْيَ فَاسْعَوْا»، رواه ابن أَبي شَيبةَ. وروى الدَّارَقُطْنِيّ بإِسنادٍ صحيح: «أَنَّ نِسْوَةً مِنْ بَنِي عبد الدَّار اللاتي أَدْرَكْنَ رسولَ الله ﷺ قُلْنَ: دَخَلْنَا دار أَبي حسين، فَرَأَيْنَا رسولَ الله ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمروة، والنَّاسُ بين يديه، وهو مِنْ ورائِهِم، وهو يَسْعَى حَتَّى نَرى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعي، وهو يقول: اسْعَوا فإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عليكمُ السَّعْيَ». والجواب عن الآية بأَنَّ المُزْدَلِفَةَ مِنَ الشعائر، ولذا سُمِّي بالمَشْعَر الحرام، مع أَنَّ الوقوف بها وكذا المبيت فيها ليس بركن اتفاقاً، على أَنَّ قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عليه أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٤) ينفي الركنية والوجوب جميعاً، إِلاَّ أَنَّا تركنا الظاهر في

стр. 606

ورَمْيُ الجِمَار، وطَوافُ الصَّدَرِ للآفاقِي، والحَلْقُ. وغَيْرُهَا سُنَنٌ === الإِيجاب للإِجماع، وأَما ورود النَّص بِنَفْي الحرج لأَنَّ الصحابة كانوا يَحْتَرِزُونَ عن الطوافِ بهما لمكان الصنمين: «إِساف»، و «نائلة» حيث كانا عليهما في الجاهلية. ورُوِي عن أَنَس، وابن عباس، وابن الزبير أَنَّهُمْ عملوا بظاهر الآية ولم يُوجِبُوا بِتَرْك السَّعْي شيئاً، وقالوا: بأَنه تَطَّوُّع، وعن الحديث بأَنَّه آحاد، فلا: يثبت به الفَرْضية، وإِنما يثبت به الوجوب، وقد قلنا به. (ورَمْيُ الجِمَار) لقول عبد الرحمن بن مُعَاذ التَّيْمِي: «خَطَبَنا رسول الله ﷺ ونحن بِمِنىً، ففتحنا أَسماعنا، حتى كنَّا نَسْمَعُ ما يقول ونَحْنُ في منازلنا، فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُم مَنَاسِكَهِم حتى بلغ الجِمار، فَوَضَع أُصْبَعَيْه السَّبَّابَتَيْنِ ثم قال: بحصَى الخَذْف». رواه أَبو داود. (وطَوافُ الصَّدَرِ) ـ بفتحتين ـ وهو طواف الوداع (للآفاقِي) من الحاج دون المعتمر، لما في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: «أُمِر النَّاسُ أَنْ يكون آخر عَهْدِهم بالبيت، إِلاَّ أَنَّه خُفِّفَ عن المرأَة الحائض». أَي سَقَطَ، وفي لفظ لمسلم، وأَحمد قال: «كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسولُ الله ﷺ لا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُم حتى يكونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطوافَ بالبيت». وقال مالك والشافعي: هو سُنَّة. قَيَّدَ بالآفاقي، لأَن المكي ومَنْ في (١) حُكْمِهِ مِمَّنْ هو دون الميقات لا يجب عليه طواف الصَّدَر بالاتفاق. ولو نوى الآفاقي الاستيطان قبل النَّفْر الأَول (٢) صار من أَهل مكة، ولو نواها بعده لَزِمه طواف الصَّدَر. (والحَلْقُ) وكان حَقُّه أَنْ يُقَدَّم على طواف الصَّدَر، والمراد به هو (٣)، أَوْ ما يقوم مقامه: من تقصير وإِمرار موسى، وإِنَّما يجبُ لأَمر النبيّ ﷺ به، ودعائه للمُحَلِّقين ثلاثاً، وللمُقَصِّرِينَ واحدةً، ولما رُوِي عن أَنس: «أَنه ﷺ أَتى منى، فأَتى الجَمْرة فرماها، ثم أَتى منزله بمنى ونَحَرَ (١) وقال للحلاق: خُذ ـ وأَشَارَ إِلى جَانِبه الأَيمن، ثم الأَيسر ـ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيه النَّاسَ». رواه مسلم، وأَبو داود، وأَحمد. ويتعين التقصير للمرأَة لقوله ﷺ «ليس على النساء الحَلْقُ، إِنَّما على النساءِ التَّقْصِيرُ». رواه أَبو داود. (وغَيْرُهَا) أَي غير هذه المذكورات من الفرائض والواجبات (سُنَنٌ) مؤكَدَةٌ

стр. 607

وآدَابٌ === كالرَّمَلِ (١) في الطواف، والهرولة في السَّعْيِ، والمبيت بِمِنىً لياليها، لما رُوي: «أَنه ﷺ بات بها». رواه أَبو داود (وآدَابٌ) مستحبَّة كما سيأتي. والأَصل في ذلك كله فِعله ﷺ مع قوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم» (٢) ، ولا يخفى أَنَّ قوله: «وغَيْرُهَا سُنن وآداب»، إِنْ أُرِيدَ أَنَّ كل ما هو غير المفروض والواجبات مطلقاً، فَسُنَنٌ وآداب، فليس بِمُفيد، وإِنْ أُرِيدَ أَنَّ كُلَّ ما هو غير هذه الفرائض الثلاثة وهذه الواجبات الخمسة سُنَنٌ وآداب، فمَمْنُوعٌ بِأَنَّ كثيراً من الواجبات غَيْرُ مذكور هنا: منها الإِحرام من الميقات، لقول رسول الله ﷺ «لا تُجَاوِزُوا الوقت (٣) إِلاَّ بإِحرام»، رواه ابن أَبي شيبةَ، والطبراني من حديث ابن عباس. وروى الشافعي في «مسنده» عن أَبي الشعثاء: «أَنَّه رأَى ابن عباس يَرُدُّ مَنْ جَاوَزَ الميقاتَ غَيْرَ مُحْرِم». وروى إِسحاق بن رَاهُويه في «مسنده»: أَخبرنا فُضَيْلُ بنُ عِياض، عن لَيْث بن أَبي سُلَيم، عن عطاء، عن ابن عباس: «إِذا جاوز الوقتَ فلم يُحْرِم حتى دخل مكة، رَجَعَ إِلى الوقت فأَحرم، فإِنْ خَشِيَ إِنْ رَجَعَ إِلى الوقت فإِنه يُحْرِمُ ـ أَي في الطريق ـ ويهريقُ لذلك دماً». ومنها مَدُّ الوُقُوفِ بِعَرفة من الزوال إِلى الغروب، لأَن النبي ﷺ إِنَّما دَفَعَ بعد الغروب، وقد قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»، وقال في خطبته: «أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ كانوا يدفعون من هذا الموضع، إِذا كانتِ الشمس على رُؤوسِ الجبال مِثْلَ عمائم الرِّجالِ في وجوهها، وإِنَّا نَدْفَعُ بَعْدَ أَنْ تَغِيب». رواهما الحاكم. وكذا الرَّمْيُ، والحَلْقُ، وطَوَافُ الزِّيارة في أَيام النحر، وتقديم الرمي على الحَلْق ونحر القَارِن، والمتمتع (٤) بين الرمي والحلق من الواجبات عند أَبي حنيفة. وقالا: إِنها سنة لما رواه الطحاوي عن علي ﵁ قال: «أَتى رسولَ الله ﷺ رَجُلٌ فقال: يا رسولَ الله، إِنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِق قال: احْلِقْ ولا حَرَج، قال: وجاءه آخر فقال: يا رسولَ اللهاِ إِني ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرمي، قال: ارْمِ ولا

стр. 608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حرج». وما رواه (١) عن ابن عباس: «أَنْ رسول الله ﷺ سُئِل عَمَّنْ يَحْلِق قبل أَنْ يَذْبَحَ، أَوْ ذَبَحَ قبل أَنْ يَحْلِق، فقال: لا حَرَجَ». وفي لفظ آخر: «أَنَّه قيل له يومَ النَّحْر ـ وهو بِمنَى ـ في النَّحْر والحَلْقِ والرمي والتقديم والتأْخير، فقال: لا حَرَجَ». وفي لفظ آخر: أَنه قال: «ما سُئِل رسولُ اللهِ ﷺ يَومَئِذٍ عَمَّنْ قَدَّم شيئاً قبل شيءٍ إِلاَّ قال: لا حَرَجَ». ورُوي عن جَابِر بن عبد الله بِمَعْنَاه. ولأَبي حنيفة أَنَّ ابن عمر كان يرى في تأْخير النُّسُكِ دَماً. وعن ابن عباس: فيمن أَخَّرَ نُسُكاً عَنْ نُسُكٍ أَوْ قَدَّمَ نُسُكاً على نُسُكٍ أَنَّ عليه دَماً. والمرفوع محمول على النسيان كما رُوِي مَشْرُوحاً عن عليَ (٢) كرَّم الله وَجْهَهُ: أَنَّ رسولَ الله ﷺ سَأَلَهُ رجلٌ في حَجَّته فقال: إِني رَمَيْتُ، وأَفَضْتُ، ونَسِيتُ ولم أَحْلِق، قال: فاحْلِق ولا حَرَجَ»، ثم جاءه رجلٌ آخر فقال: رَمَيْتُ وأَفَضْتُ (٣) ونَسِيتُ أَنْ أَنْحَر، قال: «فانْحَر ولا حَرَج». وعن عبد الله بن عمر (٤) أَنَّه قال: وَقَفَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاع للناسِ يَسْأَلُونَه، فجاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ لم أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْل أَنْ أَرْمِيَ، قال: «ارْمِ ولا حَرَج»، قال: فَمَا سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّر إِلاَّ قال: «افْعَل ولا حَرَج». فَدَلَّ ما روينا: أَنَّ رسولَ الله ﷺ إِنَّما أَسْقَطَ الحَرَج عنهم في ذلك للنِّسْيان أَوْ الجَهْل، لا أَنه أَباح لهم ذلك حتى يصير فِعْله مباحاً في العمل، كيف وابنُ عباس أَحَدُ رواة نَفْي الحَرَجُ يُوجِبُ بالتقديمِ والتأْخيرِ دَماً، فكان معنى ذلك عنده، على أَنَّ الذي فعلوه في حجّة النبي ﷺ للجهل منهم بالحُكْم فيه كيف هو فَعَذَرَهُم، إِذْ كان ابتداء الخطاب بالمناسك على التمام والترتيب، وكان مِمَّنْ (٥) لم يبلغهم الخطاب، لا يلزمهم على ما هو الأَصل في ابتداء الشرع: أَنَّه لا يجب إِلاَّ بعد السَّمَاع، هذا خلاصة ما ذكره الطحاوي والدَّبُوسي.

стр. 609

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وكذا الحَلْقُ في الحَرَم واجب (عند أَبي حنيفة ومحمد، وسُنَّةُ) (١) عند أَبي يوسف، وكذا الاستقامة في الطواف: وهي أَنْ يَشْرَعَ على أَيْمَنَ ما يلي الباب. وكذا الطهارة له (٢) من الحَدَثَيْن وستر العورة واجبان عندنا لا شرائط كما قال مالك والشافعي، ولا خلاف في رُكْنِيَّة طواف الزيارة، وعدم تمام الحج بدونه، وعَدَم جَبْرِه بشيء دونَ فِعْله، وإِنَّما الخلافُ في شروطه وكيفيته، فقال علماؤنا: طواف المُحْدِث والجُنُب يقع به التحلل عن الحج، وكذا بدون الستر، وبالمنكوس والمعكوس. وعندهما لا يقع به التحلل ويكون كَمَنْ لم يَطُف. وجملة الجواب عندنا: أَنَّ مَنْ طَافَ وتَرَكَ واحِداً مما ذكرنا أَنَّهُ يَجِبُ عليه الإِعادة، وإِنْ لم يُعِد حتى خرج إِلى أَهله يَجبر نَقْص الجناية بالبَدَنة، ونقص البواقي بالشاة. ولهما أَنَّ الطهارة شَرْطُ هذه العبادة قياساً على الصلاة، ولقوله ﷺ «الطَّوَافُ بالبيتِ صَلَاةٌ إِلاَّ أَنكم تَتَكَلَّمُونَ فيه، فَمَنْ تَكَلَّمَ لا يتكلمُ إِلاَّ بخَيْر»، رواه الترمذي. أَي صَلَاةٌ حُكْماً، لأَنَّه ﷺ بُعِث لتعليم الأَحكام، ولأَنه استثنى، فَعُلِمَ أَنَّ المستثنى منه أَيضاً حُكْمٌ، فثبت أَنَّ الطهارة شرطُ هذا الركن، بخلاف سائر أَركان الحج، وأَنَّه مُشَبَّه بالصلاةِ في هذا الحُكْم. ولِعُلمائنا قَوْلُه تعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيق﴾ (٣) ، وأَنَّه في اللغة عبارة عن الدوَرَان حول البيت، فَمَنْ شَرَطَ للخروج عن عُهْدَة هذا الأَمر غير هذا الفعل، من طهارةٍ فَقَدْ زَادَ على النص وذلك بِمَنْزِلَةِ النَّسْخِ، فلا يجوز بخبر الواحد، ولا بالقياس. فإِنْ قيل: فِعْلُ رسول الله ﷺ الطوافَ بطهارةٍ كان بياناً للأَمر في حق الطهارة، إِذْ النص كان مُجْمَلاً في حقِّ الطهارة، وهذا الفعل ثبت عن رسول الله ﷺ بتواتر. قلنا: إِنَّما يقال: إِنَّه بيان، إِذا كان النص يحتمله بِوَجْهٍ، والأَمر بالطواف لا يحتمل الطهارة، فيصير زيادة لا محالة، والزيادة قد تكون لتعلق أَصل الجواز به، وقد تكون لتعلق الكمال به، فلا يتعلّق به أَصل الجواز بالاحتمال، بل يبقى معه ظاهر النص كما كان، ولأَن الأَصل في (النصوص الظاهرة أَنها لا تتوقفُ) (٤) على البيان، وما يوجد

стр. 610

وأَشْهُرُهُ: شَوّال وذو القَعْدة وعَشْرُ ذِي الحِجَّة. وكُرِهَ إِحْرَامُهُ له قَبْلَهَا. === من رسول الله ﷺ يكون بياناً للكامل منه في حق العمل (وفي حقِّ العلم، أَما في حقِّ العلم، فالطهارة ليست بشرط كسائر أَركان الحج، وفي حق العمل) (١) فالطهارة شرط له كالصلاة. فعلى هذا أَمْرُ الطواف، أَصله بِقَدْرِ ما تدل عليه الآية واجبٌ عِلْماً وعَمَلاً، وما زِيدَ بالسُّنَّةِ مما لا يمكنُ إِضَافَتُه إِلى الآية واجبٌ عَمَلاً لا عِلْماً، إِما لأَنَّ الخبر خَبَرُ واحدٍ، فلا يُنْسَخُ به الفرضُ الثابت بالكتاب، فَيُحْمَل عليه، حتى لا يكون نسخاً، أَوْ لأَن النسخ لا يُصَارُ إِليه ما أَمكن حَمْلُ فِعْل رسول الله ﷺ على بيان الأَكمل به بواجب من قبله لا بالكتاب، فيحمل عليه حتى (٢) لا (٣) يكون نسخاً. وستجيء سننه وآدابه. (وأَشْهُرُهُ شَوّال وذو القِعْدة) ـ بفَتْح القاف وتكسر ـ (وعَشْرُ ذِي الحِجَّة) ـ بكسر الحاء ـ أَي عشرة أَيام منها، فإِنَّه إِذا حُذِف التمييز جاز التذكير، وهو قول العبادلة. وعن أَبي يوسف: عَشْرُ ليالٍ وتسعةُ أَيَّام. وقال مالك: وذو الحِجة بِتَمَامِهِ لقوله تعالى: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٤) ، أَي وَقْتُه، والشَّهْرُ يقع على الكامل حقيقةً، وعلى غيره مَجَازاً من باب إِطلاق الكل وإِرَادَة البعض. ولنا ما أَخرجه الحاكم ـ وقال: على شرط الشيخين، وعَلَّقَهُ البُخَاري ـ عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، قال: شوال، وذو القِعدة، وعَشْرُ ذي الحِجة، وتَفْسِيرُ الصحابي في حُكْم الرفع (٥) . وبهذا يتم الاستدلال. وأَخرج الدَّارَقُطْنِيّ، وابن أَبي شيبة عن ابن عباس وابن الزبير وابن مسعود نحوه. وفائدة توقيت الحج تظهر في أَنَّ شيئاً من أَفعال الحج لا يجزاء إِلاَّ فيه، لا في أَنَّ أَفعال الحج تجزاء في أَي وقت كان منه، فلو أَحرم بالحج في رمضان وسَعَى بعد أَكثر طواف القدوم في شوال أَجزأَه ذلك عن السعي الواجب، وإِن سعى في رمضان لا يجزئه. (وكُرِهَ) أَي كراهة تحريم (إِحْرَامُهُ له) أَي الحج (قَبْلَهَا) أَي قبل أَشْهُرِ الحج،

стр. 611

[أَحْكامُ العُمْرَةِ] والعُمْرَةُ سُنَّةٌ، === لئلا يقع في محظور من محظوراته، فلو أَمِنَ من وُقُوعِ (١) محظورٍ لا يُكْرِه على ما في «المحيط». ولو أَحرم صح، لأَن الإِحرام شرط، فيجوز إِيقاعه قبل وقت المشروط، وفيه خلاف مالك والشافعي لأَنه ركن عندهما، كما تقدّم. ولو أَحرم يوم النحر بالحج للقابل لم يُكْره عند أَبي حنيفة ومحمد، كما في «الذخيرة». ومن فوائد التأَقيت: أَنْ لو مَلَكَ الزاد والراحلة قبل الأَشهر فاسْتَهْلَكَهُمَا لم يجب الحج، كما في «المحيط». ولنا ما أَخرجه الحاكم ـ وقال: على شرط الشيخين، وعَلَّقَهُ البُخَاري ـ عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، قال: شوال، وذو القِعدة، وعَشْرُ ذي الحِجة، وتَفْسِيرُ الصحابي في حُكْم الرفع. وبهذا يتم الاستدلال. وأَخرج الدَّارَقُطْنِيّ، وابن أَبي شيبة عن ابن عباس وابن الزبير وابن مسعود نحوه. وفائدة توقيت الحج تظهر في أَنَّ شيئاً من أَفعال الحج لا يجزاء إِلاَّ فيه، لا في أَنَّ أَفعال الحج تجزاء في أَي وقت كان منه، فلو أَحرم بالحج في رمضان وسَعَى بعد أَكثر طواف القدوم في شوال أَجزأَه ذلك عن السعي الواجب، وإِن سعى في رمضان لا يجزئه. (وكُرِهَ) أَي كراهة تحريم (إِحْرَامُهُ له) أَي الحج (قَبْلَهَا) أَي قبل أَشْهُرِ الحج، لئلا يقع في محظور من محظوراته، فلو أَمِنَ من وُقُوعِ محظورٍ لا يُكْرِه على ما في «المحيط». ولو أَحرم صح، لأَن الإِحرام شرط، فيجوز إِيقاعه قبل وقت المشروط، وفيه خلاف مالك والشافعي لأَنه ركن عندهما، كما تقدّم. ولو أَحرم يوم النحر بالحج للقابل لم يُكْره عند أَبي حنيفة ومحمد، كما في «الذخيرة». ومن فوائد التأَقيت: أَنْ لو مَلَكَ الزاد والراحلة قبل الأَشهر فاسْتَهْلَكَهُمَا لم يجب الحج، كما في «المحيط». (أحكام العمرة) (والعُمْرَةُ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِمَنِ استطاع. وقيل: واجبة، وعن بعض أَصحابنا أَنه فرض كفاية كما في «الكافي». ومذهب مالك أَنَّها سنّة. وقال الشافعي ـ في قوله الجديد ـ: إِنها فرض عين لِقِرَانها بالحج في قوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، (٢) ولما روى الحاكم ـ وقال: على شرط الشيخين ـ عن أَبي رَزِين العُقَيْلي: «أَنَّه قال: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبي شَيْخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ الحَجَّ ولا العُمْرَةَ ولا الظَّعْنَ، ـ أَي الارتحال ـ فقال: احْجُجْ عن أَبيكَ واعتَمِرْ». ولنا ما روى الترمذي ـ وقال: حسن صحيح ـ عن جابر بن عبد الله قال: «سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن العُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ؟ قال: لا، وأَنْ تَعْتَمِرُوا هو أَفْضَل». وقد روى ابنُ جُرَيْجٍ، عن محمد بن المُنْكَدِرِ، عن جابر موقوفاً، وروى عبدُ الباقي بنُ قَانِع، عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «الحَجُّ جِهَادٌ، والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ». وروى ابن ماجه عن طَلْحَة بن عبيد الله، أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقول: «الحَجُّ جِهَادٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ». وأَخْرَجَ ابن أَبي شيبة من حديث أَبي أُسامَةَ، عن سعيد بن أَبي عَرُوبَةَ، وعن أَبي مَعْشَر، عن إِبراهيم قال: قال ابنُ مسعود: «الحَجُّ فَرِيضَةٌ، والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ»، وكفى بعبد الله قُدْوَةً. وأُجِيبَ عن الآية: بأَنَّ (قِرَانَها في الذكر) (٣) لا يقتضي المساواة في الحكم، ولو سُلِّمَ فقِرَانُها بالحَجِّ في الآية إِنَّما هو في الإِتمام، وذلك إِنَّما يكونُ بَعْدَ الشُّرُوعِ. وعن حديث أَبي رَزِين: بأَنَّ رسول الله ﷺ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَحُجَّ ويعتمرَ عن أَبيه، وحَجُّهُ

стр. 612

وهِيَ: طَوَافٌ، وسَعْيٌ. وجَازَتْ في كُلِّ السَّنَةِ، وكُرِهَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، وأَرْبَعَةً بَعْدَها. === واعْتِمَارُه عن أَبِيه ليس بواجب، مع أَنَّ قول أَبي رَزِين: «لا يستطيعُ الحَجَّ ولا العُمْرَةَ» يَقْتَضِي عدم وجوبهما على أَبيه، فيكون الأَمْرُ في حديثه للاستحباب. وأَما ما روى الحاكم، والدَّارَقُطْنِيّ عن زَيْد بن ثابت قال: قال رسولُ الله ﷺ «الحَجُّ والعُمْرَةُ فَريضَتَانِ لا يَضُرُّكَ بأَيِّهِما بَدَأْتَ». فقال الحاكم: الصحيح عن زيد بن ثابت من قوله (١) . انتهى. وفيه إِسماعيل بنُ مسلم المَكِّي: ضَعَّفوه. قال البخاري: مُنْكَرُ الحديث. وقال أَحمد: حرقنا حديثه. وأَما ما رواه البَيْهَقِيّ عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين موقوفاً، وهو الصحيح. وعن ابن عمر: «ليس أَحَدٌ من خَلْقِ اللَّهِ تعالى إِلاَّ وعليه حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ واجبتان، على من استطاع إِلى ذلك سبيلاً». وعن ابن عباس: «الحَجُّ والعُمْرَةُ فريضتانِ على النَّاسِ كُلِّهم إِلاَّ أَهْلَ مَكَّةَ فإِنَّ عُمْرَتَهُم طَوَافُهُم، فَلْيَخْرُجُوا إِلى التَّنْعِيم ثُمَّ لِيَدْخُلوها … » الحديثَ. رواه الحاكم، وقال: على شرط مسلم. فكلُّ مذهبِ صحابيَ مَعَارَضٌ بمِثْلِهِ أَوْ بأَعْلَى منه. ثم اعلم أَنَّ رسول الله ﷺ اعتمر بعد الهجرة أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ في ذِي القِعْدَة، إِلاَّ التي مع حَجَّتِهِ (٢) . وعن ابن حَزْم: «حَجَّ رسولُ الله ﷺ واعتمر قَبْلَ النبوّة وبعدها قبل الهجرة حِجَجاً وعُمْراً، لا نعرف أَعدادها». (وهِيَ) أَي العمرة (طَوَافٌ،) وهو رُكْنٌ بإِجماع الأَمة (وسَعْيٌ) واجب عندنا. وكذا الحَلْقُ أَوْ التقصير في الصحيح. وقيل: إِنه شرط للخروج منها. ويُشْتَرَطُ فيها الإِحرام كما في الحج. (وجَازَتْ) مَرَّةً أَوْ أَكْثَر (في كُلِّ السَّنَةِ،) لأَنها غير مُؤقتة (وكُرِهَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، وأَرْبَعَةً بَعْدَها): وهي يومُ النحر، وثلاثة أَيام التَّشْريق، لما رُوِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّها كانت تَكْرَهُ العُمْرَةَ في الأَيام الخمسة. ولأَن الله تعالى سَمَّى هذه الأَيامَ أَيَّامَ الحج، فَيَقْتَضِي أَنْ تكون متعينةً للحج، فلا يجوز الاشتغال فيها بغيره. ولكن مع هذه الكراهةِ، لو نَوَاهَا في هذه الأَيام صَحَّ، ويبقى مُحْرِماً بها، فإِنْ أَهَلَّ بالعُمْرَة في هذه الأَيام رَفَضَها، وإِنْ مضى عليها صَحَّ ولَزِمه دمٌ في الوجهين: من الرَّفْضِ، وعَدَمِهِ (٣) . أَمَّا في الرفض فظاهر،

стр. 613

[مواقيت الإحرام] ومِيقَاتُ المَدَنِيِّ ذُو الحُلَيفَةِ، والعِرَاقيِّ ذَاتُ عِرْقٍ، والشاميِّ جُحْفَة، والنَّجْدِيِّ قَرْنٌ، واليَمَنِيِّ يَلَمْلَم. === وأَمَّا في عَدَمِهِ فَلِجَمْعِهِ بينهما (١) إِمَّا في الإِحرام أَوْ في الأَفعال الباقية. وقال ابنُ دقيقِ العيد في «الإِمام»: روى إِسماعيل بن عَيَّاش، عن إِبراهيم بن نافع، عن طَاوسِ قال: قال الحَبْرُ ـ يعني ابن عباس ـ: «خمسة أَيام: يوم عرَفَةَ، (و) (٢) يوم النَّحْر، وثلاثة أَيام التشريقِ، اعْتَمِر قَبْلَها وبعدَها ما شئت». وفيه دليل على أَنَّ العمرة المفردة لأَهل مكةَ في أَشْهُر الحج غير مكروهة، وإِنَّما الممنوعُ في حَقِّهم القِران والتمتع، كما سيجيء. (مواقيت الإحرام) (ومِيقَاتُ المَدَنِيِّ) الميقات: الوقت المعين، استُعِير للمكانِ المُعَيَّن، كعكسه في قوله تعالى: ﴿هنالك ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ (٣) ، أَي مكان إِحرامه ومَنْ وافقه في مرامه، (ذُو الحُلَيْفَةِ) ـ بالحاء والفاء مصغراً ـ بينه وبين مكة عشرة مراحل (٤) ، أَوْ تِسْعٌ، وبينه وبين المدينة ستة أَميال أَوْ أَقل، وهو أَبعد المواقيت من مكة. (والعِرَاقيِّ) وسائر أَهل الشرق (ذَاتُ عِرْقٍ) ـ بِكَسْرِ العين المهملة وسكون الراء ـ بينه وبين مكة ثلاثة أَيام ولياليها، ويقال له العقيق. (والشاميِّ جُحْفَة) (٥) ـ بِضَم الجيم وسكون الحاء المهملة ـ ويقال لها رَابِغ. وهو على نحو ثلاثة مراحل من مكة على طريق المدينة. (والنَجْدِيِّ قَرْنٌ) ـ بفَتْحِ القاف وسكون الراء ـ وهو جبل مشرف على عرفات، بينه وبين مكة نحو مرحلتين. (واليَمَنِيِّ يَلَمْلَم) ـ بفتح التحتية واللامين ـ وهو من جبال تِهَامة على

стр. 614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مرحلتين من مكة. وروى الشيخان من حديث ابن عباس: «أَنْ رسول الله ﷺ وَقَّتَ لأَهل المدينة ذا الحُلَيْفةِ، ولأَهل الشامِ الجُحْفَةَ، ولأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِل، ولأَهل اليمنِ يَلَمْلَمَ: هُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ من غير أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَراد الحَجَّ والعمرة ـ أَي مكانهما ـ ومَنْ كان دون ذلك، فمن حيثُ أَنشأَ حتى أَهْلُ مكة من مكةَ». أَي أَنشأَوا إِحرامهم منها للحج، وأَمَّا للعمرة فلا بدَّ لهم من الخروج إِلى الحِلِّ من أَرض الحرم. ورُوِي: هنَّ لَهُم، والمشهور الأَول، وَوَجْهُهُ أَنَّه على حذف مضاف، والتقدير: هُنَّ لأَهلهن. وروى البخاري عن ابن عمر قال: «لما فُتح هذان المصرانِ أَتَوْا عمر فقالوا: يا أَمير المؤمنين، إِنَّ رسولَ الله ﷺ حَدَّ لأَهل نَجْدٍ قَرْناً وهي جَوْرٌ عن طريقنا ـ أَي مائل ـ وإِنَّا إِذا أَرَدْنَا قَرْناً شَقَّ علينا، قال: انظروا حَذْوَها من طريقِكم، فَحَدَّ لَهُمْ ذاتَ عِرْق». والمِصْران: هما البصرة والكوفة. وقد ثبت في «صحيح مسلم» عن أَبي الزُّبَيْر عن جابر قال: سمعت، أَحسبه رَفَعَ الحديثَ إِلى رسول الله ﷺ قال: «مُهَلُّ (١) أَهْلِ المدينة .... إلى أَنْ قال: ومُهَلُّ العِرَاقِ من (٢) ذَاتِ عِرْق». إِلاَّ أَنَّ الراوي شكَّ في رَفْعِهِ في هذه المرة، ورواه مرةً أُخرى بلا شك على ما في ابن ماجه. ولفظ ابن عمر: «ومُهَلُّ أَهْل الشُّرْق ذَاتُ عِرْق». إِلاَّ أَنَّ في سنده إِبراهيم بن يزيد الجوزي لا يُحتج بحديثه. وفي «سُنن أَبي داود» عن عائشة: «أَنه ﷺ وَقَّتَ لأَهل العراق ذاتَ عِرْق». وفيها أَيضاً عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس قال: «وَقَّتَ رسول الله ﷺ لأَهْل المَشْرِقِ العَقِيق». قال البيهقي: تَفَرَّدَ به يزيد بن أَبي (٢) زياد، عن محمد بن علي، وقال ابن القطان: أَخافُ أَنْ يكون مُنْقَطِعاً، فإِنَّ محمداً فيما عُهِدَ يَرْوي عن أَبيه، عن جَدِّه. وفي «مُسنَد البَزَّارِ» عن مُسْلم بنِ خالد الزَّنْجِي، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس: «وقّت رسولِ الله ﷺ لأَهل (المَشْرق) ذَاتَ عِرْق». وقال الشافعي: أَخبرنا سعيد بن سالم: أَخبرني ابن جُرَيْج: أَخبرني عطاء: أَنَّ رسول الله ﷺ .. فذكره مُرْسَلاً بِتَمَامِهِ. وفيه: «لأَهْل المَشْرق ذَاتُ عِرْق». قال ابن

стр. 615

وَحَرُمَ تَأْخيرُ الإِحرام عنها لِمَنْ قَصَدَ دُخُولَ مَكَّةَ === جُرَيْج: قلت لعطاء: «إِنَّهم يَزْعُمون أَنَّ النبيّ ﷺ لم يُوَقِّتْ ذَاتَ عِرْق»، وإِنَّه لم يكن أَهلُ مَشْرِق يَوْمَئِذٍ، فقال: كذلك سَمِعْنا أَنه ﷺ وَقَّتَ لأَهلِ المَشْرِق ذَاتَ عِرْق». قلت: ولَعَلَّهُ ما بَلَغَ عُمَرَ ﵁، فيكون من جملة موافقاتِهِ له ﷺ ولو سلك في البَرِّ والبحر بين ميقاتين، اجتهد وأَحرم إِذا حَاذَى واحداً منهما، وإِحْرَامُه مِنْ أَبعدهما أَوْلى. ولو لم يُحْرِم المَدَنِي، ومَنْ بمعناه، من ذي الحُلَيْفَة، وأَحرَمَ من الجُحْفَة، لا شيء عليه وكُرِهَ وفاقاً. وعن أَبي حنيفة يلزمه دَمٌ، وبه قال الشافعي. لكنَّ الظاهر هو الأَول، لما رُوِي في الحديث من قوله ﵊: «هُنَّ لَهُنَّ ولِمَنْ أَتى عليهن من غَيْر أَهْلِهِنَّ». فَمَنْ جاوز إِلى الميقات الثاني صار ميقاتاً له. (وَحَرُمَ تَأْخيرُ الإِحرام عنها) أَي عن هذه المواقيت وعن ما حذاها (لِمَنْ قَصَدَ دُخُولَ مَكَّةَ) أَوْ الحَرَم، سواء قَصَدَ الحَجَّ أَوْ العُمْرَة أَوْ لم يقصد أَحَدَهُمَا، فإِنْ دخل بلا إِحرام فعليه حجة أَوْ عمرة لوجوب الإِحرام منها (١) لأَحَد النُّسُكَيْن، ولزم الدَّمُ بالتأخير، واحترز به عَمَّن قَصَدَ موضعاً دون الحرم، كبُسْتَان بني عامر ونحوه، سواء نوى الإِقامة فيه خمسة عشر يوماً أَوْ لم يَنْوِ فإِنه (يجوز له) (٢) مجاوزة الميقات بغير إِحرام، ويصير كأَهْلِ ذلك الموضع. ومذهب مالك: يجوز مجاوزة الميقات بغير إِحرام للذي يكثر تَرْدَادُه إِلى مكة كأَهلها والمقيمين بها، الذين يخرجون للمعاش، دون أَهل الآفاق الذين إِنَّما يَقْصِدُونها لحاجة أَوْ تجارة. ومذهب الشافعي على طريقين: أَحدهما يحكِي القَطْع بالاستحباب فيمن يَقْصِدُ مَكَّةَ لحاجة أَوْ تجارة أَوْ رسالة، وأَصحهما يحْكي قولين: أَحدهما لزوم الإِحرام، والآخر استحبابه وهو أَظهرهما. لهما ما روى مسلم والنَّسائي من حديث جابر: «أَنَّ النبي ﷺ دخل يوم فَتْحِ مَكَّةَ، وعليه عِمَامَةٌ سوداءُ، بغير إِحرام». ولنا ما قدمنا، وما روى ابن أَبي شيبةَ، عن عبد السلام بن حَرْب، عن خُصَيْف، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: أَنْ النبيّ ﷺ قال: «لا تُجَاوِزُوا الميقاتَ إِلاَّ بالإِحرام». وهو لِكَونِهِ منطوقاً أَولى مِنْ أَخْذِ الشافعي بمفهوم قوله ﷺ مِمَّنْ أَراد الحج والعمرة. ودُخُولُه ﷺ عام الفتحِ بغير إِحرام حُكْمٌ مخصوص له ولأَصحابه بذلك الوقت، ولذا قال ﷺ في ذلك اليوم: «إِنَّها ـ أَي مكةَ ـ لا تَحِلُّ لأَحَدٍ قَبْلِي ولا تَحِلُّ

стр. 616

لا التَّقْدِيمُ، وحَلَّ لأَهْلِ دَاخِلِهَا دُخُولُ مكةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، === لأَحَدٍ بعدي، وإِنَّما حَلَّتْ لي ساعةً مِنْ نهار، ثُمَّ عادَتْ حَرَاماً» (١) . يعني في الدخول بغير إِحرام للإِجماع على حِلِّ الدُّخُولِ بعده ﷺ للقِتال مع الإِحرام. (لا التَّقْدِيمُ) أَي لا يَحْرُم تقديمُ الإِحرام على هذه المواقيت، بل هو أَفضل إِذا كان في أَشهر الحج، وأَما فيما قبله فمكروه، لما روى الحاكم من حديث عبد الله بن سَلَمَة المُرَادي قال: «سُئِل علي ﵁ عن قوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) ، أَي من الإِتمام بمعنى الإِكمال، قال: أَنْ تُحْرِمَ من دُوَيْرَةِ أَهلك». وقال: صحيح على شرط الشيخين. وقد رُوي أَيضاً من حديث أَبي هريرة مرفوعاً، ونُظِرَ فيه. ولكن يَشْهَدُ له قوله ﷺ «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ من المسجد الأَقصى إِلى المسجد الحرام، غُفِر له ما تَقَدَّم من ذنبه وما تأَخر، وَوَجَبَتْ له الجنةُ». رواه أَحمد، وأَبو داود، وابن ماجه. ولأَنه أَكثر تعظيماً وأَوْفر مشقةً، والأَجْر على قَدْرِ المَشَقَّةِ. ولذا كانوا يستحبون الإِحرام بهما من الأَماكن القاصية، فَرُوي عن ابن عمر أَنَّه أَحْرَم من بيت المقدس، وعِمْران بن حُصَيْن من البصرة، وابن مسعود من القادسية، وابن عباس من الشام. وأَما قول صاحب «الهداية»: إِنْ الرواية عن ابن مسعود كعلي في تفسير قوله تعالى، فغير معروف، وإِنَّما رواه البَيْهَقِيُّ عنه، قال: «أَتموا الحج والعمرة لله». وعن أَبي حنيفة: أَنْ تقديم الإِحرام على الميقات لا يكون أَفضل إِلا لِمَنْ أَمِنَ على نفسه الوقوع في محظور الإِحرام. وكره مالك تقديم الإِحرام على الميقات، اعتباراً له بتقديمه على أَشْهر الحج. والجواب ما قدمناه في شَبَهِ الإِحرام بالرُّكْن. (وحَلَّ لأَهْلِ دَاخِلِهَا) أَي داخل المواقيت، وكذا لِمَنْ هو مَنْزِلُه في نفس الميقات (دُخُولُ مكةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ) لأَن دخولهم إِليها يكثر، وفي إِيجاب الإِحرام عليهم كُلَّ مرة حَرَجٌ. ولقول ابن عباس: «إِنَّ النبيّ ﷺ رَخَّصَ للحطَّابين أَنْ يدخلوا مكَّة بغير إِحرام. والظاهر أَنَّهم لا يجاوزون الميقات، فدل أَنَّ كل مَنْ هو داخل الميقات له أَنْ يدخل مكة بغير إِحرام. وقد خرج ابن عمر من مكة يريد المدينة، فلما انتهى إِلى قُدَيْد بَلَغَتْهُ فتنة المدينة فرجع إِلى مكة ودخلها بغير إِحرام.

стр. 617

ومِيقَاتُهُ الحِلُّ. ولِمَنْ بِمَكَّةَ لِلْحَجِّ الحَرَمُ، ولِلعُمْرَةِ الحِلُّ. === وهذا إِذا لم يَقْصِد الداخل منهم الحج والعمرة، وأَمَّا إِذا قَصَدَ أَحدهما فموضع إِحرامه. (ومِيقَاتُهُ الحِلُّ) الذي بين الميقات والحرم، إِلا أَنه يجوز الإِحرام من دُوَيْرَةِ أَهله، بل هو أَفضل، وما بين الميقات والحرم مكان واحد حَدُّه الحَرَم كالميقات في حق الآفاقي، وحَدُّ الحرم من جانب المدينة نحو أَربعة أَميال ينتهي إِلى التَّنْعِيم، ومن جانب العراق ثمانية إِلى المنقطع، ومن جانب عرفات سبعة، ومما يلي اليمن سبعة إِلى أَضاة، ومِنْ جُدَّة عشرة تنتهي إِلى حُدَيبية وهي دون جُدَّة (١) . ويُعْرَفُ (٢) الحرم بأَن مسيل الحِلّ إِذا جرى إِليه وقف دونه. كذا ذكره ابن الحاجب. (ولِمَنْ بِمَكَّةَ) وما حولها من الحرم (لِلْحَجِّ الحَرَمُ) لما روى مُسْلِمٌ من حديث جابر قال: «أَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ لما أَحْلَلْنَا (٣) أَنْ نُحْرِم إِذا توجهنا إِلى مِنىً، قال: فَأَحْرَمنا من الأَبْطَح». (ولِلعُمْرَةِ الحِلُّ) لما روى البخاري عن عائشةَ ﵂ أَنها قالت: «يا رسولَ الله، اعتمرْتُم ولم أَعتمِر فقال: يا عبدَ الرحمنِ اذهبْ بأُختِكَ فأَعْمِرْهَا من التنعيم، فأَحْقَبَها على راحلة، فاعتمرت». ومعنى أَحْقَبَها: احْتَمَلها. ولما في «صحيح مسلم» عن عائشةَ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ لا نذكر إِلاَّ الحَجَّ حتى جئنا سَرِفَ (٤) فطَمَثْتُ (٥) ، فدخل عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ وأَنا أَبكِي، فقال: ما يُبْكِيكِ؟ فقلت: واللهِ لَوَدِدْت أَني لم أَكُنْ خرجْتُ العامَ، فقالَ: ما لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قلت: نعم، قال: هذا شيءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ على بناتِ آدمَ، افعلِي كما يفعلُه الحاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تطوفي بالبيتِ حتى تَطْهُرِي. قالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قال رسولُ الله ﷺ لأَصحابه: اجعلوها عُمْرَةً، فَأَحَلَّ الناسُ إِلاَّ مَنْ كان معه الهدي، قالت: وَكَانَتِ الهَدْيُ مَعَ النبيِّ ﷺ ومع أَبي بكر، وعمرَ وذوي اليسارة، ثُم أَهلُّوا حين راحوا، فلما كان يومُ النَّحْرِ طَهُرْتُ، فأَمرني رسولُ

стр. 618

[سُنَنُ وآدَابُ الحَجِّ] ومَنْ شَاءَ إِحْرَامَهُ بالحَجِّ تَوَضَّأَ، وغُسْلُهُ أَحَبُّ، === الله ﷺ فَأَفَضْتُ، قَالَتْ: فأَتينا بِلَحْمِ بقرٍ، فَقُلْتُ: ما هذا؟ فقال: أَهْدَى رسول الله ﷺ عن نسائه البقرة، فلما كانَتْ ليلةُ الحَصْبَة (١) ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ يَرْجِعُ الناسُ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ، وأَرجعُ بِحَجَّةٍ، فأَمَرَ عبدَ الرحمن بن أَبي بكر، فَأَرْدَفَنِي على جَمَلِهِ، قالت: فإِني لأَذكر وأَنَا جَارِيةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنعس فيصيب وجهي مُؤْخِرَة الرحل (٢) ، حتى جِئْنَا إِلى التنعيم، فأَهْلَلْتُ منها بِعُمْرَةٍ جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا». وفي قولها: «يَرْجِعُ الناسُ بِحَجَّةٍ وعُمرةٍ، وأَرجع بِحَجةٍ» دليلٌ وَاضِحٌ على أَنَّ الناس: إِمَّا كانوا قارنين، أَوْ متمتعين، لا مُفْرِدين كما عليه المحققون من المجتهدين. ولأَن أَداء الحج في عرفة ـ وهي (في) (٣) الحِلِّ ـ فيكونُ إِحْرَامُ المَكِيِّ بالحج مِنْ الحرم، لِيَتَحَقَّقَ له نوعٌ من السفر (بَتَبَدّل المكان، وأَداءَ العمرةِ في الحرم، فيكون إِحرام المكي بالعُمرة من الحِلِّ ليتحقق له نوعٌ من السفر) (٣). (سنن وآداب الحج) (ومَنْ شَاءَ إِحْرَامَهُ بالحَجِّ تَوَضَّأَ) اسْتِحْبَابَاً (وغُسْلُهُ أَحَبُّ) بل سُنَّةٌ، لما في «سنن الترمذي» ـ وحَسَّنَهُ ـ عن خارجةَ بنِ زَيْد، عن أَبيهِ زَيْد بن ثابت، أَنه رأَى النبيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإِهلاله واغتسل، وفي رواية الدَّارَقُطْنِيّ: «اغتسل لإِحرامهِ»، والمراد بهذا الغُسْل تحصيلُ النظافة وإِزالة الرائحة لا قَصْدَ الطهارة، حتى تُؤْمَرُ به الحائض والنُّفَسَاء، لما روى ابن عباس أَنه ﷺ قال: «إِنَّ النُّفَسَاءَ والحائِضَ تَغْتَسِلُ وتُحْرِمُ، وتَقْضِي المناسِكَ كُلَّها غَيْرَ أَنْ لا تطوف بالبيتِ». رواه أَبو داود والترمذي وفي «مُعْجَم الطبراني» عن عائشة: أَنَّ النبي ﷺ كان إِذا خَرَجَ إِلى مَكَّةَ اغْتَسَل حين يُرِيدُ أَنْ يُحْرِم ـ أَي بِحج أَوْ عمرة ـ. ولما روى الحاكم ـ وقال: صحيح الإِسناد ـ من حديث ابن عباس قال: اغتسل رسولُ الله ﷺ ثُم لَبِس ثيابَهُ ـ أَي الإِزَار والرداء ـ، فلما أَتى ذا الحُلَيْفَةَ صَلَّى رَكْعَتين، ثُم قصَد على بعيرِه، فلما استوى به على البَيْداء أَحْرَم ـ أَي جَدَّدَ إِحرامه ـ. فإِنَّ الصحيح أَنه ﷺ عَقَّبَ صلاتَه بالإِحرام (٤) ، أَوْ المعنى:

стр. 619

ولَبِسَ رِدَاءً وإزَارًا طَاهِرَيْنِ، وتطَيَّبَ === رَفَعَ صَوْتَه بما يَدُل على الإِحرام، وهو التلبية. ثم هذا الغُسْل للتنظيف حتى تُؤمرُ به الحائض والنفساء والصبي، ولا يقوم التيمم لهم مقامه. ويُستحب له قبل الغُسْل كمَالُ التنظيف: من قَصِّ الأَظفار، ونَتْفِ الإِبْطِ، وحَلْقِ العانة، وقص الشارب، وجِمَاع زوجته إِنْ تيسر، لأَنه يحصل به ارتفاق (١) له أَوْ لها فيما بعد ذلك. وقد أَسْند أَبو حنيفة عن إِبراهيم بن المُنْتَشِر، عن أَبيه، عن عائشة قالت: كنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله ﷺ ثُم يَطُوفُ في نسائه، ثُم يُصْبِحُ مُحْرِماً. وفي رواية: «طيَّبْتُ، فَطَافَ، ثُم أَصبح» بصيغة الماضي. (ولَبِسَ رِدَاءً وإِزَاراً طَاهِرَيْنِ) أَبْيَضَيْنِ، لحديث: «خَيْرُ ثِيَابِكُم البِيضُ». رواه ابن ماجه. ولأَنهما بمنزلةِ الكفن، ولذا يُستحب أَنْ يكونا جَديدَيْنِ أَوْ غَسِيلين. وفي البخاري عن كُرَيْب، عن ابن عباس قال: انطلقَ النبيُّ ﷺ من المدينةِ بَعْدَمَا تَرَجَّلَ (٢) وادَّهَنَ، ولَبِسَ إِزَارَهُ ورداءه هو وأَصحابه، فلم يَنْهَ عن شيءٍ من الأَردية، والأُزُر تُلْبَسُ، إِلاَّ المزعفرةَ التي تَرْدَعُ (٣) على الجلد، فأَصبح بذي الحُلَيْفَةَ، رَكِبَ راحلته حتى استوى على البيداء، وأَهَلَّ هو وأَصحابُه وقَلَّدَ (٤) بَدَنَتَهُ … الحديثَ. (وتَطَيَّبَ) بأَيِّ طِيبٍ كان، وكَرِهَ محمدٌ مما يبقى عينه بعد الإِحرام، وهو قول مالك، لما في «الصحيحين» من حديث يَعْلَى بن أُمَيَّةَ قال: أَتى النبيَّ ﷺ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ (٥) وعليه جُبَّةٌ فقال: يا رسولَ اللهِ، كيف تَرى في رجلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ في جُبَّةٍ بَعْدَما تَضَمَّخَ بطيب؟ فقال له النبيُّ ﷺ «أَمَّا الطيبُ الذي لكَ فاغْسِلْهُ ثلاثَ مراتٍ، وأَمَّا الجُبَّةُ فانْزعْها، ثم اصْنَع في عُمْرَتِكَ ما تَصْنَعُ في حَجَّتِك». ولأَنه يصير منتفِعاً بعد الإِحرام بِعَيْنَ الطِّيب، وهو ممنوع منه. ولنا ما في «الصحيحين» عن عائشةَ أَنها قالت: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ لإِحرامه قبل أَنْ يُحْرِم. ورُوِيَ عن عائشةَ قالت: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله ﷺ بأَطْيَب ما أَقْدِرُ عليه قبل أَنْ يُحْرِم. وفي رواية مالك في «الموطأ»، والبخاري، وأَبي داود، عن

стр. 620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عائشةَ قالت: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله ﷺ لإِحرامه قَبْل أَنْ يُحْرِم، ولإِحْلَالِهِ قبل أَنْ يَطُوفَ بالبيتِ. وفي لَفْظٍ لهما: كأَنِّي أَنْظُرُ إِلى وبيص (الطِّيب في مَفْرِق (١) رسول الله ﷺ وهو مُحْرم. وفي لفظ لمسلم: كأَني أَنظر إِلى وبيص) (٢) المِسْك في مَفْرِق رسولِ الله ﷺ وهو يُلَبِّي. والوَبِيص: ـ بصاد مُهْمَلة ـ البَرِيق. والجواب عن حديث يَعْلى: أَنَّه محمول على أَنه كان من زعفران، تدل عليه روايةُ مسلم: وهو مُزَعْفِرٌ لحيته ورأْسه، وقد نُهِيَ الرجل عن الزَّعْفَران (٣) . ورواية الطحاوي لحديث يَعْلى بن أُمية: «اخلع عَنْك هذه الجُبَّةَ، واغْسِل هذا الزَّعْفَرانَ، واصْنَع في عمرتِك ما كُنْتَ صَانِعاً في حَجَّتِك». أَوْ أَنه منسوخ، لأَنه كان في عام الجِعْرانَةِ وهو سَنة ثمانٍ، وحديث عائشةَ في حجة الوداع سنةَ عَشْر. وكونه (٤) مُنْتَفَعَاً به (٥) بعد الإِحرام لا يَضُر، لقول عائشةَ: كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النبيِّ ﷺ إِلى مكةَ فنضمِّد (٦) جِبَاهَنَا بالمِسْك المطيب عند الإِحرام، فإِذا عَرِقَتْ إِحْدانا سَالَ على وَجْهِهَا، فَيَراهُ النبيُّ ﷺ فلا يَنْهَانَا. رواه أَبو داود. ورُئِيَ ابن عباس مُحْرِماً وعلى رأْسه مِثْلُ الرُّبّ من الغَالِية (٧) . وقال مُسْلم بن صُبَيح: رأَيت ابنَ الزُّبَيْر مُحْرِماً، وعلى رأْسه وفي لحيته من الطيب ما لو كان لرجلٍ أَعْدَمته رأْس ماله. قال المُنْذِري: وعليه أَكْثَرُ الصحابة ﵃. ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَدَهَّنَ أَيضاً، لما رُوِي عن عائشةَ قالت: كان ﷺ إِذا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ تَطَيَّبَ بأَطْيَب ما يَجِدُ، ثُم يُرَى وبيصُ الدَّهْنِ في رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ بعد ذلك. رواه مسلم.

стр. 621

وصَلَّى شَفْعًا. [أَحْكَامُ المُفْردِ] وقَالَ المُفْرِدُ: اللهُمَّ إِنِّي أُريدُ الحَجَّ فَيَسِّرْهُ لي وتَقَبَّلْهُ مِنِّي، ثُمَّ لَبَّى، يَنْوي بها الحَجَّ، === (وصَلَّى شَفْعَاً) أَي ركعتين عند إِحْرَامه، لما رَوَى أَبو داود من حديث ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ حَاجّاً، فَلَمَّا صَلَّى في مسجده بِذِي الحُلَيْفَة ركعتيه، أَوجب في مجلسه فَأَهَلَّ حين فَرَغَ من رَكْعَتَيْن. وأَمَّا ما ذكره في «الهداية» عن جابر: أَنه ﷺ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَة ركعتين عِند إِحْرَامه (١) ، فالمعروف في حديث جابر: أَنَّه صَلَّى بذِي الحُلَيْفَةَ في المسجد من غير ذِكْرِ رَكْعَتَيْنِ. وأَمَّا ما روى مسلم من حديث ابن عمرَ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يَرْكع بذِي الحُلَيْفَة ركعتين، فإِذا استوتْ به الناقةُ قائمةً عِنْد مسجدِ ذي الحُلَيْفَة، أَهَلَّ بهؤلاء الكلماتِ ـ أَي جَدَّدَ إِهْلَالَهُ بِكَلِمَاتِ التلبية ـ فلا يُعَارِضُ ما قَبْلَه. ويُستحب أَنْ يقرأَ فيهما (بـ: ﴿قل يا أيها) (٢) الكافرون﴾، وسورة الإِخلاص. وفي رواية أَبي داود عن أَنس: أَنَّه ﷺ صَلَّى الظهر ثُمَّ رَكِبَ راحِلَتَهُ، فَلَمَّا عَلَا جَبَلَ البَيْدَاء أَهَلَّ. (أحكام المفرد) (وقَالَ المُفْرِدُ): وهو الذي يريد إِحرام الحَجِّ فقط، (اللهُمَّ إِنِّي أُريدُ الحَجَّ فَيَسِّرْهُ لي وتَقَبَّلْهُ مِنِّي،) فيطلب تَيْسِيرَهُ، لأَنَّ أَداءه في أَزمنة متفرقة، وأَمْكِنَةٍ متباينة، فلا يخلو عن المشقة عادةً، ويطلب تَقَبُّلَه، لأَن المدَار (٣) على حصوله (٤) والاقتداء بالخليل وإِسماعيل (٥) ﵉ في قولهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّاً﴾ (٦) . (ثُمَّ لَبَّى، يَنْوي بها) أَي بالتَّلْبِية (الحَجَّ) لأَنَّه عبادة، فلا يَتَأَتَّى إِلاَّ بالنيةِ. والأَوْلى

стр. 622

وهِيَ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لك لبيك، إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لك والمُلْك لا شَرِيكَ لك. === أَنْ يقرأَ الدعاء بعد الصلاة، ثم يقول: نويت الحج، وأَحْرَمْتُ به لِلَّهِ تعالى، ثم يُلَبِّي. وفي «سنن أَبي داود» من حديث أَبي إِسحاق، عن خُصَيف، عن سعيد بن جُبَيْر قال: قلت لعبد الله بن عباس: عَجِبْتُ لاختلافِ أَصحاب رسولِ الله ﷺ في إِهْلالِه حين أَوْجَبَ، فقال: إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسَ بذلك، إِنَّها إِنَّما كانَتْ مِنْ رسول الله ﷺ حَجَّةً واحدةً، فمن هنالك (١) اختلفوا. خَرَجَ رسولُ الله ﷺ حَاجَّاً، فَلَمَّا صلَّى في مسجده بذي الحُلَيْفَة ركعتيه، أَوْجَبَ في مَجْلِسِه، فَأَهَلَّ بالحج حين فَرَغَ مِنْ ركعتيه، فسمع ذلك منه أَقْوَامٌ فحَفِظَتْهُ عنه، ثُمَّ رَكِبَ فَلمَّا اسْتَقَلَّت به ناقَتُهُ أَهَلَّ، وأَدْرَكَ منه ذلك أَقوامٌ، وذلك أَنَّ الناسَ كانوا يأْتون أَرسالاً (٢) فَسَمِعُوه حين استقلت به ناقته يُهِلُّ، فقالوا: إِنَّما أَهَلَّ حين استقلتْ به نَاقَتُه، ثُمَّ مَضَى رسول الله ﷺ فلمَّا عَلَا على شَرَف البَيْدَاء (٣) ، أَهَلَّ، وأَدرك ذلك منه أَقوام، فقالوا: إِنَّما أَهَلَّ حين علا على شرف البيداء، وأَيْمُ الله، لَقَدْ أَوْجَب في مصلاّه، وأَهَلَّ حين استقلتْ به ناقَتُه، وأَهَلَّ حين عَلَا على شَرَف البيداء. ورواه الحاكم أَيضاً، وقال: صحيح على شرط مسلم. (وهِي:) أَي التلبية المسنونة (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لك لبيك،) أَي أَجَبْتُ لك إِجَابَةً بعد إِجابةٍ (إِنَّ الحَمْدَ) بِكَسْرِ الهمزة عند محمد والكِسائي والفرَّاء على الاستئناف لزيادة الثناء، وبفتحها عند أَبي حنيفة وآخرين على التعليل. قال الخطابي: الفتح رواية العامة. وأَما ما في «المحيط» مِنْ أَنَّ الكسر أَصْوَب لأَن النبيّ ﷺ كَسَرها فغير صحيح (والنِّعْمَةَ لك والمُلْك) أَي لك (ولا شَرِيكَ لك) أَي في الملك ولا في غيره. وفي الكتب الستة عن ابن عمر: أَنْ تلبية رسولِ الله ﷺ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك، إلى آخره. وقد أَجمع المسلمون على أَنَّ التلبية بالحج هكذا. وروى الحاكم ـ وقال: صحيح الإِسناد ـ عن ابن عباس قال: لمَّا فَرَغَ إِبراهيمُ ﵇ من بناء البيت قال: يا رَبّ قَدْ فَرَغْتُ، فقال: أَذِّنْ في الناسِ بالحَجِّ، قال: يا ربّ وما يبلغ صوتي، قال: أَذِّن، وعَلَيَّ البلاغ، قال: يا رَبّ كيف أَقول؟ قال: قل يا أَيَّها الناس، كُتِبَ عليكم الحَجُّ، حج البيت العتيق، فسمع مَنْ بينَ السماء والأَرض، أَلا تَرَى أَنَّهم يُجِيبُون من

стр. 623

ولا يُنْقِصُ منها وإِنْ زَادَ جَازَ، === أَقْصَى الأَرض. قلت: ولَعَلَّهُ المَرادُ بقوله تعالى: ﴿وإِذْ بَوَّأْنَا لإِبراهيمَ مكانَ البيتِ﴾ (١) ، إِلى أَنْ قال: ﴿وأَذِّنْ في النَّاسِ بالحجِّ يأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كل فَجَ عَمِيق﴾ (٢) ، الآيةَ. (ولا يُنْقِصُ منها) أَي من التلبية المأْثورة بالروايات (٣) المشهورة. وأَمَّا قولُ صاحب «الهداية»: لأَنه هو المنقول باتفاق الرواة فلا ينقص منه، فمنقوض بما روى البخاري في «صحيحه» عن عائشةَ قالت: إِنِّي لأَعْلَمُ كيف كان رسولُ الله ﷺ يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لك لبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لك ـ وليس فيه: والملك ـ لا شريك لك. (وإِنْ زَادَ) عليها (جَازَ). وقال القُدُوري في «شرحه»: إِنْ زاد عليها استُحِب. والأَظهر أَنْ يُقال: إِنْ الزيادةَ مُسْتَحَبَّةٌ إِنْ كانت مرويةً عن الصحابة، وجازتْ إِنْ كانت بخلافها، لقول نافع: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك وسَعْدَيْك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إِليك والعمل. رواه مسلم والأَربعة. وروى مسلم هذه الزيادة عن عمر أَيضاً: ولبيك إِله الخَلْق (٤) لبيك. رواه النَّسائي وابن ماجه وابن حِبَّان والحاكم عن أَبي هريرة. ورُوِي عن ابن مسعود زيادة: لبيك عدد التراب. رواه إِسحاق بن رَاهُوَيه في «مُسْنده». وروى الرَّبِيع عن الشافعي: إِنْ زاد عليها كُرِه. وإِذا فَرَغَ من تلبيته سأَل اللَّهَ مغفرته ورضوانه واستعتقه من النَّار. رواه الطبراني عن خُزَيْمَةَ بن ثابتِ الأَنصاري فيقول: اللهم إِنِّي أَسْأَلُكَ مَغْفِرَتَكَ ورضاك عني في دار القرار، وأَنْ تُعْتِقَنِي مِنَ النَّار. أَوْ يقول: اللهم إِنِّي أَسأَلك رضاك والجنة، وأَعوذ بك من النار. فللدَّارَقُطْنِيّ عن خُزَيْمَةَ أَيضاً بلفظ: أَنَّه ﷺ كان إِذا فَرَغَ من التلبية، سأَل رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار. ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصوتِ بالتلبية، لقوله ﷺ «جاءني جبرائيل فقال: يا محمدُ، مُرْ أَصْحابك فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهم بالتلبيةِ، فإِنها من شعائرِ الحجِّ». رواه ابن ماجه. ورُوِي

стр. 624

فَصارَ مُحْرِمًا. [مَحْظُورَاتِ الإِحْرامِ] فَيَتَّقي الرَّفَثَ، والفُسُوقَ، والجِدَال، === عن القاسم بن محمد بن أَبي بكر أَنَّه قال: كان يَسْتَحِبُّ الصلاة على النبيِّ ﷺ بعد التلبية. رواه أَبو داود والدَّارَقُطْنِي. (فَصَارَ مُحْرِماً) أَي بالجَمْع بين النيّة والتلبية. وينعقد الإِحرام بمجرد النيّة، ويُسَنُّ بهما عند مالك والشافعي، وهو رواية عن أَبي يوسف قياساً على الصوم. ولنا أَنَّ التلبية ذِكْرٌ يقوم مقام تكبير التحريمة في الصلاة، ولذا شُرِط في أَولهما، وسُنَّ عند الانتقالات فيهما. وقد رُوِي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فيهنَّ الحَجَّ﴾ (٢) ، قال: فَرْضُ الحَجِّ الإِهْلَالُ (١) . وقال ابن عمر: التلبية. (محظورات الإِحرام) (فَيَتَّقِي الرَّفَثَ والفُسُوقَ والجِدَال)، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ في الحَجِّ﴾ (٢) ، وهذا نَهْي في صيغة النفي، وهو آكَدُ. والرَّفَثُ: الجِمَاع، لقوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لكم لَيْلَةَ الصِيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسَائِكُم﴾ (٣) ، أَوْ ذِكْرُ الجِمَاع ودواعيه بحضرة النساء. ورُوِي أَنَّ ابن عباس أَنْشَدَ شِعْره (٤) : وهُنَّ يَمْشِينَ بنا هَمِيساً (٥) … إِنْ يَصْدُقِ الطير نَنِك لَمِيسا فَقِيل له: أَتَرْفُثُ وأَنْتَ مُحْرِم؟ فقال: إِنَّمَا الرَّفَثُ ذِكْر الجِماع بحضرة النساء. وقيل: الفُحْشُ من الكلام. وقيل: ذِكْرُ الجِماع، ولو في غَيْبَةِ النساء. والفُسُوق: هو الخروج عن حدود الشريعة، وهو (٦) في حالة الإِحرام أَشَدُّ وأَقْبَح، لأَنها حالة الإِقبال على الطاعات وهِجْرَان المباحات، فصار كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب في القراءة، ونظيرهُ الظلم في الأَشهر الحُرُم في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٧) . وقيل: هو السِّباب، والتنابز بالأَلقاب. والجِدال: المجادلة، وهي

стр. 625

وقَتْلَ صَيْدِ البَرِّ، والإِشارةَ إِليه، والدَّلالَةَ عليه، === المخاصمة مع الرفيق، أَوْ الخادم، أَوْ المُكَارِي (١) من غير ضرورة تلجِئُهُ إِليه، وإِلا فمن تمام الحج ضَرْبُ الجَمَّال، وقد ورد أَنَّ الصِّدِّيقَ ضرب جمّاله لتقصيره في الطريق. ويجوز نِكاح المُحْرم وإِنْكَاحه عندنا خلافاً لِمَالِك والشافعي. لهما قوله ﷺ «لا يَنْكِح المُحْرِمُ ولا يُنْكَح» (٢) . رواه عثمان بن عفان ﵁. ولنا ما رُوي عن ابن عباس: أَنَّ النبيَّ ﷺ تَزَوَّجَ ميمونةَ وهو مُحْرِمٌ. وهكذا رُوي عن عائشةَ، واختلفت الروايات في حديث أَبي رَافِع: ففي بعضها: تَزَوَّجَهَا رسولُ الله ﷺ وهو حلال، وفي بعضها: تَزَوَّجَها وهو مُحْرِم، وبنَى بها وهو حَلال، وكُنْتُ أَنَّا السفير فيما بينهما. وتبين بهذا الحديث أَنَّ المراد من حديث عثمان الوطاءُ دون العقد، فإِنه (٣) لِلوطئ (٤) حقيقةً، وإِن (٥) كان مُسْتَعَاراً للعقد مجازاً. وفي كتاب النكاح لهذا مزيد التحقيق والله ولي التوفيق. (وقَتْلَ صَيْدِ البَرِّ) وهو ما كان توالده ومثواه في البر، دون صيد البحر: وهو ما يكون كلاهما (٦) في البحر. وأَصل ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لكُم صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعاً لكم وللسَّيَّارةِ وحُرِّمَ عليكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُم حُرُماً﴾ (٧) أَي مُحْرِمين. (والإِشارةَ إِليه، والدَّلالَةَ عليه) والفرق بينهما: أَنْ الإِشارة لما يكون بالحضرة، والدَّلالة لما يكون بالغَيْبة، والنوعان ممنوعان لما في الكتب الستة من حديث أَبي قَتَادة: أَنَّهم كانوا في مَسيرٍ لهم، بَعْضُهم مُحْرِمٌ وبَعْضُهُم لَيْس بِمُحْرِم، قال: فَرَأَيْتُ حِمَارَ وَحْشٍ فَرَكِبْتُ فرسي، وأَخَذْتُ الرُّمْحَ واسْتَعَنْتُ بهم، فأَبَوْا أَنْ يُعِينُوني، فاخْتَلَسْتُ سوطاً من بعضهم وشددت على الحمار فأَصَبْتُه، فأَكلوا منه فأَشفقوا ـ وفي نسخة: واستبقوا ـ قال: فَسُئِلَ عن ذلك النبيُّ ﷺ فقال: «أَمِنْكُم أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عليها أَوْ أَشارَ إِليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي من لَحْمِهَا».

стр. 626

والتَّطَيُّبَ، وقَلْمَ الظُّفُرِ، وسَتْرَ الوَجْهِ والرَّأْسِ، === وفي لفظ (لمسلم) (١) : «هل أَشرتم؟ هل أَعنتم؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا». وفي رواية قال: (٢) «هل معكم مِنْ لَحْمِهِ شيءٌ»؟ قالوا: معنا رِجْلُهُ، فأَخَذَها وأَكَلَهَا. وفي رواية: قالوا: نعم، فَرَفَعْنَا له الذِّراع، فدعا بها وأَكل منها. أَخرجه البخاري. (والتَّطَيُّبَ) والتدهُّنَ، والخَضْبَ (٣) بالحِنَّاء، وشمَّ الرياحين والثمار الطيبة، لما روى الترمذي، وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: قامَ رجلٌ إِلى النبيِّ ﷺ فقال: مَنْ الحاجُّ ـ أَي الكامل ـ؟ فقال: «الشَّعِث التَّفِل». والشَّعِث: المنتشر شعر الرأْس. والتفل: التارك الطيب. وقال الشافعي: يجوز له الخِضَاب بالحِنَّاء، لأَنه ليس بِطِيب. ولنا أَنه ﷺ نهى المُعْتدة عن الكحل والخِضاب والحِنَّاء. وقال: «الحِنَّاءُ طِيبٌ». رواه النسائي. (وقَلْمَ الظُّفُرِ) لأَنه من قضاء التَّفَث: أَي إِزالته. والتَّفَثُ: الوسخ، وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ ليَقْضُوا تَفَثَهُم﴾ (٤) ، أَي بعد التحلل الأَول. (وسَتْرَ الوَجْهِ والرَّأْسِ) لقوله ﷺ «(إِحرامُ الرجل في رَأْسِهِ و) (٥) إِحرامُ المرأَةِ في وَجْهِهَا». رواه الدَّارَقُطْنِيّ، والبيهقي في «سُننهما». ورُوِي عن عائشة أَنها قالت: كان الركبانُ يَمُرُّونَ بنا ونحنُ مع رسول الله ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فإِذا حَاذُونا سدلت إِحدَانا جِلْبَابَهَا من رأْسها، فإِذا جاوزونا كشفنا. رواه أَبو داود، وأَحمد وغيرهما. واقتصر الشافعي، وأَحمد في الرجل على سَتْر الرأْسِ. ورُوي عن مالك جوازُ تغطية الوجه وعدمُه. للشافعي ما رواه هو عن النبيِّ ﷺ قال ـ في الذي وُقِصَ ـ: «خَمِّرُوا وَجْهَهُ، ولا تُخَمِّرُوا رأْسَه»، أَي في حال تكفينه لكونه مُحْرِماً، والوَقْص: كَسْرُ العنق، والتخمير: التغطية. ولنا ما في «صحيح مسلم»، والنسائي، وابن ماجه عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس: أَنَّ رجُلاً وقصته راحلتُه وهُو مُحْرِمٌ فمات، فقال رسولُ الله ﷺ «اغسلوه بماءٍ وسِدْرٍ، وَكَفِّنُوه في ثوبيه، ولا تُمِسُّوهُ طِيباً، ولا تُخَمِّروا رأْسَهُ ولا وَجْهَهُ، فإِنَّه يُبْعَثُ يومَ القيامة مُلَبِّياً». ورواه الباقون ولم يذكروا فيه الوَجْهَ. وفي الجملة أَفاد: أَنَّ للإِحرام أَثراً

стр. 627

وغَسْلَ رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ بِالخِطْمِي وقَصَّها، وحَلْقَ رَأْسِهِ، ولُبْسَ مَخِيطٍ، وعِمَامَةٍ، === في عدم تغطية الوجه، وإِنْ كان أَصحابُنا قالوا: لو مات المُحْرِمُ يُصْنَع به ما يُصْنَع بالحلال: من تغطية الرأْس والوجه، بِدَليلٍ آخر ذكره ابن الهُمَام. وقال بعض الأَعلام: يُشْكِلُ بهذا الحديثِ الصحيح تجويزُ مشايخنا تَخْمِيرَ وجه الميت مُحْرماً ورأْسه، لحديث ليس في قوة هذا، أَوْ لا يتمُّ الاستدلالُ به على عدم جواز (١) تغطية المحرم وجهه. ورُوِي عن ابن عمر: ما فوقُ الذَّقن من الرأْس فلا تخمروه. وعن ابن عباس أَنه كان لا يجعل للمحرم أَنْ يُخَمِّر وجهه. وما رُوِي بخلاف هذا، حكاياتُ فِعْلٍ، وأَنَّه يباح حال العذر فيحمل عليه. ولو حمَل المُحْرم على رأْسه عِدْلاً (٢) أَوْ طبقاً أَوْ إِجَّانة (٣) ، لا يكون مغطياً رأْسه عادة، ولو حمَل ثياباً كان مغطياً. (وغَسْلَ رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ بِالخِطْمِي): وهو ـ بِكَسْر الخاء المعجمة ـ نَبْتٌ يُغْسَلُ به الرأْس. أَمَّا عند أَبي حنيفة فلأَنه طِيب، وأَمَّا عِنْدَهما فلأَنه يَقْتُل هَوَامَّ الرأْس واللحية، ويُلَيِّن الشعر. وثمرة الخلاف تظهر فيما يجب بسببه: فعند أَبي حنيفة دَمٌ، وعندهما صَدَقَةٌ. وقيد «بالخِطْمِي» لأَنَّ غَسْلَهُمَا بالأُشنان (٤) والصابون ونحوهما جائز اتفاقاً. وأَجاز الشافعيُّ بالخِطْمِي أَيضاً خلافاً لِمَالِك. (وقَصَّها) أَي قَصّ لحيته، لأَنه في معنى الحلق (وحَلْقَ رَأْسِهِ) لقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُؤوسَكُم﴾ (٥) الآيةَ. وفي معناه التقصيرُ، وشَعْرُ بَدَنِهِ ولو بنَتْفٍ أَوْ غيره من إِزالته. (ولُبْسَ مَخِيطٍ) على الوجه المعتاد، فلو ارتدى بقميص أَوِ اتَّزَرَ بِسِرْوال (٦) لا شيء عليه، (وعِمَامَةٍ) ـ بالكسر ـ وفي معناه الطاقيةُ، وخُفين إِلا إِذا لم يجد نعلين،

стр. 628

والمَصْبوغِ بِطِيبٍ، إِلاَّ بَعْدَ زَوَالِهِ. === فإِنَّه يَلْبَسُ الخُفَّيْن بعد أَنْ يقطعهما أَسْفَلَ من الكعبين ـ أَعني المِفْصَلَيْنِ الذين في وسط القدمين عند مَعْقِدِ الشِّرَاك ـ. (والمَصْبوغِ بِطِيبٍ) أَي (بشيءٍ) (١) له رائحة مستلذة من زَعْفَرَان (٢) ، أَوْ وَرْس (٣) ، أَوْ عُصْفُر، وهو قول الثَّوْري. وأَصل ذلك ما في الكتب الستة من حديث ابن عُمرَ: أَنَّ رَجُلاً قال: يا رسولَ الله ما تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ من الثيابِ في الإِحْرَام؟ قال: «لا تَلْبَسُوا القُمُص، ولا السراويلات، ولا العمائم ولا البرَانِس (٤) ، ولا الخِفَاف إِلاَّ أَنْ يكونَ أَحَدٌ ليس له نَعْلانِ، فَلْيَلْبَس الخُفَّيْنِ، وليَقْطَعْهُمَا أَسْفَل من الكعبين، ولا تَلْبَسُوا شيئاً مَسَّهُ زعفران ولا وَرْس». وقال مالك والشافعي: لا بأْس بِلُبْس المُعَصْفَر، لما روى مالك في «الموطأ» عن أَسْمَاءَ بنتِ أَبي بكر أَنها كانت تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ وهي مُحْرِمةٌ. ولنا ما روى مالك في «الموطأ» من حديث نَافع أَنَّ عمر بن الخطاب أَنْكَرَ على طَلْحَةَ لُبْسَ المُعَصْفَر حالةَ الإِحرام. ومن المعلوم أَنَّ الرجال والنساء في اجتناب الطيبِ سواء، وإِنَّما يختلفان في لبس المَخِيط، وتغطية الرأْس، فإِنَّ المرأَة تُغَطِّيهِ دون الرجل قال ابن الهُمَام: في «الموطأ»: «أَنَّ عمر رأَى على طَلْحَةَ بن عُبَيدِ اللَّه ثَوْباً مَصْبُوغاً، وهو مُحْرِمٌ فقال: ما هذا الثوبُ المَصْبوغُ يا طَلْحَةُ؟ فقال: يا أَميرَ المؤمنين، إِنَّما هو (مَدَرٌ) (٥) ، فقال عمرُ: أَيُّها الرَّهْطُ إِنكُم أَئمةٌ يقتدي الناسُ بِكُمْ، فلو أَنَّ رَجُلاً جاهلاً رأَى هذا الثوبَ لقال: إِنَّ طَلْحَةَ بنَ عُبيد اللَّه كان يَلْبَسُ الثيابَ المُصْبغة في الإِحْرامِ، فلا تَلْبَسُوا أَيها الرَّهْطُ شيئاً مِنْ هذه الثيابِ المُصْبَغَةِ». فإِنْ صَحَّ كَوْنُه بِمَحْضَرٍ من الصحابة أَفاد مَنْع المتنازع فيه، ثم يخرج منه الأَزرق ونحوه بالإِجماع على جوازه، ويبقى المُتَنَازَعُ فيه في مقام المنع. (إِلاَّ بَعْدَ زَوَالِهِ) أَي زوال الطِيب بالغسْل، لأَن النهي للطِيب لا للون، بدليل أَنَّ المُحْرِم يجوز له لُبْسُ المَصْبُوغِ بمَغْرَة: وهو طين أَحْمَر، لأَنه لا رائحة له. وقيل: إِلاَّ أَنْ

стр. 629

[مباحات الإِحرام] لا الاسْتِحْمَامَ === يكون الثوبُ المَصْبوغُ مَغْسولاً لا يَنْفُض ـ أَي لا يَفُوح ـ وقيل: لا يتناثر، والتَّفْسِيرانِ مَرْوِيَّانِ عن محمد. والأَصل في الاستثناء ما روى الطحاوي عن ابنِ عمر قال: قال رسولُ الله ﷺ «لا تَلْبَسُوا ثَوْباً مَسَّهُ وَرْس أَوْ زعفران إِلاَّ أَنْ يكون غسيلاً». وما رواه ابن أَبي شيبةَ، والبَزَّار، وأَبو يَعْلَى المَوْصِلي في «مسانيدهم» عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: «لا بأْسَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ في ثوبٍ مَصْبُوغٍ بزَعْفَران، وقد غسل وليس له نفض ولا رَدْغ». قال ابن دُرَيْد: والرَّدْغ: ما يبل القدم من المطر أَوْ غيره. وأَمَّا النساءُ المُحْرِماتُ فَقَدْ أَباح لهنَّ النبيُّ ﷺ لُبْس السراويل والقُمُص، كما رواه أَبو داود. (مباحات الإِحرام) (لا الاسْتِحْمَامَ) أَي لا يجب أَنْ يتقي المُحْرم استعمال الماء الحار ودخول الحمام، لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن حُنَيْن: أَنَّ عبد الله بن عباس والمِسْوَر بنَ مَخْرَمة اختلفا بالأَبواء ـ وهو بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، جَبَلٌ بين مكة والمدينة وعنده بلد يُنْسَبُ إِليه على ما في «النهاية» ـ فقال ابن عباس: يَغْسِل المُحْرِمُ رأْسَه، وقال المِسْوَرُ: لا يغسله، فَأَرْسَله ابن عباس إِلى أَبي أَيُّوب الأَنصاري فوجده يغتسل بين القرنين، وهو مُسْتَتِر بثوب، قال: فسلمت عليه، فقال: مَنْ هذا؟ قُلْتُ: أَنا عبد الله بن حُنَيْن، أَرسلني إِليك عبد الله بن عباس أَسْأَلُك كيف كان رسول الله ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَه وهو محرم؟ قال: فوضع أَبو أَيُّوب يده على الثوب فطأطأه أَي خفضه حتى بَدَا لي رأْسه ـ ثم قال لإِنسان يَصُبُّ عليه ـ: اصْبُبْ، فَصَبَّ على رأْسه، ثمَّ حَرَّك أَبو أَيوب رأْسه بيديه: فأَقبل بهما وأَدبر، ثم قال: هكذا رأَيت رسول الله ﷺ يفعل. وفي البخاري: قال ابن عباس: يَدْخُلُ المُحْرِمُ الحَمَّامَ. وفي «مُسْنَدِ الشافعيِّ» في كتاب الحج الأَكبر: أَنَّ ابن عباس دخل الحمام بالجُحْفَة فقال: ما يعبأ اللَّهُ من أَوساخنا شيئاً. ورواه ابن أَبي شيبة في «مُصَنَّفِهِ» عن عِكْرمةَ، عن ابن عباس نحوه. «وفي مُسْنَد الشافعي» عن يَعْلَى بن أُميةَ أَنَّه قال: بينما عمر بن الخطاب يَغْتَسِلُ إِلى بعير وأَنَا أَسْتُر عليه بثوبٍ، قال عمر: يا يَعْلَى اصبُب على رأْسي، فَقُلْتُ: أَمير المؤمنين أَعلم، فقال عمر: واللَّهِ ما يزيدُ الماءَ الشَّعر إِلاَّ شَعَثاً فَسَمَّى اللهَ، ثُمَّ أَفاضَ على رَأْسِهِ.

стр. 630

والاسْتِظْلالَ بِبَيْتٍ أَوْ مَحْمِلٍ. === وأَصْلُ القِصَّة عند مالك في «الموطأ»، والشافعي في «مُسْنَدِهِ»، وأَبي بَكْر بن أَبي شَيْبَةَ في «مُصَنَّفِهِ». وفي «سُنن البيهقي» عن أَيُّوب السِّخْتِياني، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال: المُحْرم يشم الرَّيْحَان، ويدخل الحمام. وقال ابن الهمام: إِنَّما كَرِه مالك أَنْ يغيب رأْسُه في الماءِ لِتَوَهُّمِ التغطية، وقتل القمل، فإِنْ فَعَل أَطعم. (و) لا (الاسْتِظْلالَ بِبَيْتٍ) من حَجَر أَوْ مَدَر (١) أَوْ صوف أَوْ وَبَر (أَوْ مَحْمِلٍ) ـ بفتح الميم الأُولى وكسر الثانية، وبكسر الأُولى وفتح الثانية ـ لما في حديث جابر الطويل: فأَمَرَ بِقُبَّةٍ (٢) من شَعرٍ فضُرِبَت له بِنَمِرَة (٣) ، فسار رسولُ الله ﷺ حتى أَتى عرفة، فوجد القُبَّة ضربت له بنمرة، فنزَلَها حتى إِذا زاغت الشمس أَمر بالقَصْواء (٤) فَرُحِّلَتْ له (٥) . وفي «مصنف ابن أَبي شيبة» عن عبد الله بن عَامِر قال: خرجت مع عمر فكان يطرح النِّطْع (٦) على الشجرة فيستظل به ـ يعني وهو محرم ـ وفيه أَيضاً عن عُقْبَةَ بن صُهْبَان (٧) قال: رأَيت عثمان بالأَبْطَح وأَنَّ فسطاطه (٨) مضروبة، وسيفه معلق بالشجرة. وأَمَّا ما رواه البيهقي عن عامر بن ربيعة قال: رأَيت عثمان بن عفان بالعَرْج (٩) وهو محرم في يوم صائف قد غطّى وجهه بقطيفة أرجوان، فمحمول على أَنه كان بِعُذْر أَوْ بفصل بين الوجه والقطيفة، وهذا هو الوجه فتنبه. وقد استدلّ بعضُ علمائنا في هذا المقام بما رواه مسلم وأَبو داود والنسائي عن أُمِّ الحُصَين قالت:

стр. 631

وشَدَّ الهِمْيَانِ في خَصْرِه. وأَكْثَرَ التَّلْبِيَةَ مَتَى صَلَّى أَوْ عَلَا شَرَفًا، أَو هَبَطَ وَادِيًا، أَوْ لَقِيَ رُكْبَانَاً، أَوْ أَسْحَرَ. === حَجَجْنا مع رسول الله ﷺ حَجَّةَ الوداع فرأَيته في جمرة العقبة، وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأُسامة أَحدُهما يقود راحلته، والآخر رافع ثوبه على رأْس النبيِّ ﷺ يظلّله عن الشمس. وفيه أَنه لا دلالة فيه صريح على أَنه كان في حال الإِحرام. (و) لا (شَدَّ الهِمْيَانِ) ـ بكسر الهاء ـ ما توضع فيه الدراهم والدنانير سواء تحت الإِزار ـ كما هو العادة ـ أَوْ فوقه، لأَنه لم يرد حفظ الإِزار به، كما ذكره ابن الهُمَام. (في خَصْرِه) ـ بفتح أَوله ـ أَي على وسطه لقول عائشة: أَوْثِق عليك نفقتك بما شئت، حين سُئِلَت عنه. وكره مالك شَدَّهُ بما فيه من نفقة غيره، لعدم الضرورة. ولنا أَنه ليس في معنى لُبْسِ المَخِيط فاستوت فيه الحالتان. فإِنْ قلت: لو لم يكن الشَّدُّ لُبْساً لما كُرِه شَدُّ الإِزار بحبل ونحوه، مع أَنه مكروهٌ إِجماعاً. قلت: ثَبَتَتْ كراهته بالحديث، وهو: أَنه ﷺ رأَى رجلاً شَدَّ فوق إِزاره حبلاً فقال: «أَلْقِ ذلك الحَبْلَ» (١) . كذا في شرح «المجمع». (وأَكْثَرَ التَّلْبِيَةَ) أَي جهراً، لقوله ﷺ «أَتاني جبرائيلُ ﵇ فأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي ومَنْ معي أَنْ يَرْفَعُوا أَصواتهم بالإِهلال ـ أَوْ قال: بالتلبية ـ. مُتَّفَقٌ عليه. ولما روى أَبو بكر الصديق: أَنه ﷺ سُئِل: أَيُّ الحَجِّ أَفْضَل؟ قال: «العَجُّ والثَّجُّ». رواه الترمذي. والعج: رَفْعُ الصوتِ بالتلبية. والثج: إِسالة دم الهَدْي. (مَتَى صَلَّى) المكتوبة وغيرها في ظاهر الرواية (أَوْ عَلَا شَرَفاً) أَي مكاناً عالياً (أَوْ هَبَطَ وَادِياً) أَي نَزَل مكاناً سُفْلِيَّاً (أَوْ لَقِيَ رُكْبَانَاً) وهو اسْمُ جَمْع، أَوْ جمع راكب، وتخصيص الركب اتفاقي (٢) إِذْ لو لقِيَ مشاةً لكانَ الأَمر كذلك. (أَوْ أَسْحَرَ) أَي دَخَلَ في السَّحر: وهو سُدس آخر الليل، لما روى ابن أَبي شَيبة عن خَيْثَمَةَ قال: كان السلف يستحبون التلبية في ستة مواضع: في دبر الصلاة، وإِذا استقل الرَّجُلُ راحلته، وإِذا صعد شَرَفاً، وإِذا هَبَط وادياً، وإِذا لَقِيَ بعضُهم بعضاً، وبالأَسحار. وروى البيهقي عن ابن عمر: أَنه كان يُلَبِّي راكباً، ونازلاً، ومُضطجعاً. ورُوِي أَنه ﵊ كان يُلَبِّي إِذا لَقِي رَكْباً، أَوْ صعِد أَكَمَةً (٣) ،

стр. 632

[أَفْعَالُ الحَجِّ] وإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ === أَوْ هَبط وادياً، وفي أَدبار المكتوبة، وآخر الليل. كذا في «الإمام وفي «الإِمام» عن جابر قال: كان رسولُ الله ﷺ يُلَبِّي إِذا لَقِي رَكْباً، أَوْ صعِد أَكَمةً، أَوْ هبط (وادياً، وفي) (١) أَدبار المكتوبة وآخر الليل. قال ابن الهُمَام: ولو رد السلام حال التلبية جاز، ولكن يُكْره لغيره السلام عليه في تلك الحالة. (أفعال الحج) (وإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ) سُميت بها لأَنها تَمُكُّ الذنوب ـ أَي تذهبها ـ وتُسمى ببكة لأَنها تَبُكُّ (٢) أَعناق الجبابرة، ومنه قوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ للنَّاسِ للَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وهدىً للعَالَمِينَ﴾ (٣) أَي قِبْلَةً لهم (٤). ويُستحب أن يدخلها من كدآء ـ بفتح الكاف والمد ـ وهي (٥) الثَّنِية (٦) التي بأَعلى مكةَ على درب المُعَلَّى وطريق الأَبطح بجنب الحَجُون (٧)، وهي مَقْبُرَة أَهل مكة. ويخرج من كُدَا ـ بالضم والقَصْر ـ وهي الثَّنِية التي بأَسفل مكة على درب اليمن، لما في مُسْلِمٍ وغيره من حديث عائشةَ: أَنَّ النبيَّ ﷺ لما جاء إِلى مكةَ دخل من أَعلاها، وخرج من أَسفلها. قيل: لأَن أَعلاها هو موضع دعا فيه إِبراهيم ﵇ بقوله كما في التنزيل: ﴿رَبِّ اجْعَل هذا البَلَدَ آمِناً﴾ إِلى أَنْ قال ﴿فاجْعَل أَفْئِدَةً مِنْ الناسِ تَهْوِي إِليهم﴾ (٨)، الآية. قيل في السر في ذلك: أَنَّ نسبة باب البيت إِلى البيت كنسبة وجه الإِنسان إِلى الإِنسان.

стр. 633

بَدَأَ بالمَسْجِدِ وحِينَ رَأَى البَيْتَ كَبَّرَ، وهَلَّلَ ودَعَا، === والأَدب أَنْ يُقصد الإِنسان من جهة وَجْهِهِ، فكذا تُقصد الكعبةُ من جهة بابِها. قيل: وإِن لم يكن في طريقه ينبغي أَنْ يميل إِليها في الحجِ والعمرة. وقيل: في العمرة يدخل من أَسفل مكةَ. ثُمَّ لا فَرْقَ بين الدخول ليلاً أَوْ نهاراً لما روى النَّسائي: أَنه ﵊ دخل مكة ليلاً في عمرته، ونهاراً في حجته. وقيل: نهاراً أَفْضَل، وإِنَّما كَرِه ابنُ عمر الدخول بالليل للخوف من السُّرَّاق. (بَدَأَ) بعد حفظ أَثقاله ليكون حاضر القلب مقام إِقباله (بالمَسْجِدِ) لما في الصحيحين من حديث عائشة: إِنَّ أَوَّل شيءٍ بدأَ بهِ رسولُ الله ﷺ حينَ قَدِمَ مكةَ: أَنْ توضأَ، ثُم طافَ بالبيت. ويُستحب أَنْ يدخل المسجد من باب السلام، لأَنه ﷺ دخل منه. ويُقَدِّمُ في دخوله رجلَه اليُمنى، ويقول: بسم الله، والحمد للَّهِ، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهمّ اغْفِر لي ذنوبي، وافتح لي أَبواب رحمتك. (وحِينَ رَأَى البَيْتَ كَبَّرَ،) اللَّهَ، واسْتَحْضَرَ في قلبه عظمة تلك البُقعة (وهَلَّلَ) تجديداً للتوحيد (ودَعَا) لأَن الدعاء عند رؤيته مستجاب. وروى الشافعيُّ عن سعيد بن جُبَير، عن ابن جُرَيج: أَنَّ النبيَّ ﷺ كان إِذا رأَى البيت، رفع يَدَيْهِ وقال: «اللهم زِد هذا البيتَ تشريفاً وتَعْظيماً وتَكْرِيماً ومهابةً، وزِد مَنْ شَرَّفَهُ وكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّه أَوْ اعتمرَهُ تَشْريفاً وتعظيماً وتكريماً وبِرَّاً». وعن عطاء أَنه ﷺ كان إِذا لَقِي البيتَ يقول: «أَعوذ بِرَبِّ البيتِ مِنْ الكُفْرِ والفَقْرِ وضِيْقِ الصَّدْرِ وعذابِ القبر». ذكره ابن الهُمَام. واسْتُحْسِن أَنْ يقول عند دخول المسجد: اللَّهُمَّ أَنت السلام، ومنك السلام، وإِليكَ يَرْجع السلام، حَيِّنَا رَبَّنا بالسلام، وأَدخلنا دارك دار السلام، تباركت رَبَّنا وتعاليت، يا ذا الجلال والإِكرام، لما روى البيهقي بسنده إِلى سعيد بن المُسَيَّب أَنه قال: سَمَعْت عن عمر كلمة، ما بقي أَحدٌ من الناس سَمِعَهَا غيري، سمعتُه يقول: إِذا رأَى البيت: اللهم أَنت السلامُ، إِلى آخره. ثُم اعلم أَنْ أَول ما يَبْدأُ به داخلُ المسجد الحرام الطوافَ مُحْرِماً أَوْ غير مُحْرم دون الصلاة، إِلاَّ أَنْ يكون عليه فائتة أَوْ خوف فَوْت الوقتية، أَوْ الوتر، أَوْ سنة راتبة (١) ،

стр. 634

ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ وكَبَّرَ وهَلَّلَ، ورَفَعَ يَدَيْهِ كالصلاةِ واسْتَلَمَهُ إِنْ قَدِرَ غَيْرَ مُؤذٍ لأَحَدٍ، === أَوْ فَوْت الجماعة، فَتُقَدّم الصلاة في هذه الصور على الطواف، فإِنْ لم يكن مُحْرماً فطوافهُ تحيةٌ لقولهم: تحيةُ هذا المسجد الطوافُ. وليس معناه أَنَّ مَنْ لم يَطُف لا يصلّي تحية المسجد كما فَهِم بعضُ العوام. فقد روى عُروةُ عن عائشةَ أَنَّ أَول شيءٍ بَدأَ به رسولُ الله ﷺ حينَ قَدِم مكةَ أَنْ توضأَ، ثُم طافَ بالبيتِ … الحديث، رواه الشيخان. (ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ) الأَسود لِمَا رُوي مِنْ: «أَنَّ الحجر يَمِينُ اللَّهِ في الأَرض يُصَافِحُ بها عبادَه». رواه الخَطِيب، وابن عَسَاكِر عن جابر. وفي رواية: «الحَجَرُ يمينُ اللَّهِ، فَمَنْ مسَحَهُ فَقَدْ بَايَعَ اللهَ». ولما في مُسْلم عن جابر قال: لَمَّا قَدِم النبيُّ ﷺ مكةَ، بَدَأَ بالحجرِ فاسْتَلَمَه، ثُم مَضَى على يمينِه فَرَمَلَ ثلاثاً، ومَشَى أَرْبَعاً. وعن ابن عمر قال: استقبل النبيُّ ﷺ الحجرَ، ثُم وَضع شَفَتَيْهِ عليه فبكى طويلاً، ثُمَّ الْتَفَتَ فإِذا هو بعمرَ بن الخطاب ﵁ يَبكي، فقال: «يا عمر ههنا تُسْكَب العَبَرات». رواه ابن ماجه، قال الحاكم: صحيح الإِسناد. وهذا الاستقبال مع الاستلام أَوْ نحوه في ابتداء الطواف سنة مؤكدة، ومستحبةٌ في أَول كل شوط عندنا لا واجبٌ كما قيل. (وكَبَّرَ) فيقول: باسمِ اللهِ واللهُ أَكبرُ، لما روى أَحمد، والبخاري عن ابن عباس: أَنه ﷺ طافَ على بَعيرٍ، كُلَّمَا أَتى على الرُّكْنِ أَشَارَ إِليه بشيءٍ في يده، وكَبَّرَ. (وهَلَّلَ، ورَفَعَ يَدَيْهِ) عند التكبير لافتتاح الطواف حِذَاءَ مَنْكِبيه أَوْ أُذُنَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القبلة بباطن كفيه. (كالصلاةِ) أَي ناوياً به، لأَن الطواف كالصلاة على ما ورد. (واسْتَلَمَهُ) أَي لَمَسَهُ باليد. والقُبْلَةُ من غير صوتٍ. وقيل: وضع كفيه على الحجر وقَبَّله، أَوْ مَسَحَه بالكف وقَبَّلهُ (إِنْ قَدَرَ غَيْرَ مُؤذٍ لأَحَدٍ) لأَنَّ تَرْكَ الأَذى واجبٌ، والاستلام سُنَّةٌ، ولما روى أَحمد والبيهقي عن عمر أَنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «يا عمرُ، إِنَّك رجلٌ قويٌّ، لا تُزاحِم على الحجر فتؤذي الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فاسْتَلِمْه، وإِلا فاسْتَقْبِلهُ، وكَبِّرْ وهَلِّل». وكذا رواه الشافعي، وإِسحاق بن رَاهُويَه، والطحاوي. وهل يُستحب السجود على الحجر عَقيبَ التقبيل؟ قال قِوَام الدين الكَاكي: عندنا الأَوْلى أَنْ لا يسجد لعدم الرواية في المشاهير، لكن نَقَل عِزُّ الدين بن جَمَاعة في «مناسكه» السجودَ عن أَصحابنا. ويُؤَيِّدُه ما رُوِي عن ابن عباس: أَنه كان يُقَبِّلُه ويَسْجُدُ عليه بجبهته، وقال: رَأَيْتُ عُمَرَ ﵁ قَبَّلَهُ، ثُم سجد عليه، ثم قالَ: رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ فَعَلَ ذلك، فَفَعَلْته. رواه ابن المُنْذِر والحاكم وصَحَّحَه.

стр. 635

وإِلاَّ يَمَسُّ شَيْئًا في يَدِهِ وقَبَّلَهُ === وأَمَّا التقبيل فسنّةٌ مُؤَكَّدةٌ، لما في البخاري عن عمر: أَنه سُئِل عن اسْتِلامِ الحَجَرِ فقال: رأَيتُه ﷺ يَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُه. وروى النَّسائي عن ابن عمر: أَنَّ عمر قَبَّله ثلاثاً. ولما في الكُتُبِ الستةِ عن عمرَ بن الخطاب: أَنَّه جاء إِلى الحجر فقَبَّله، وقال: إِني أَعلم أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولولا أَنِّي رَأَيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبِّلُكَ لما قَبَّلْتُكَ. ورواه الحاكم وزاد فيه: فقال عليٌّ: يا أَمير المؤمنين يضر وينفع، ولو عَلِمتَ تأْويلَ ذلك من كتابِ الله لَعَلَمْتَ أَنه كما أَقول، قال الله تعالى: ﴿وإِذ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَم﴾ (١) الآيةَ، فلما أَقَرُّوا أَنَّه الرَّبُّ ، وأَنهم العبيدُ، كَتَبَ ميثاقَهُم في رَقَ ـ أَي في جلد رقيق ـ وأَلْقَمَهُ في الحجر، وأَنَّه يُبْعَثُ (٢) يوم القيامة وله عينانِ ولسانٌ وشفتانِ، ويَشْهَدُ لِمَنْ وَافاه بالموافةِ، فهو أَمِينُ اللَّهِ في هذا الكتاب، فقال له عمرُ: لا أَبقاني اللَّهُ بأَرضٍ لَسْتَ فيها يا أَبا الحسن. وفي رواية: أَعوذُ بالله مِنْ أَنْ أَعيش في قوم لَسْتَ منهم. وقال الحاكم: ليس هذا الحديث على شرط الشيخين، فإِنَّهما لم يَحْتَجَّا بأَبي هارونَ العَبْدِي. وقال ابن الهُمَام: ومن غرائب المتون ما في «مصنف ابن أَبي شيبة» في آخر مُسْند أَبي بكر عن رجلٍ رَأَى النبيَّ ﷺ وقف عند الحجر فقال: إِنِّي لأَعلَمُ أَنك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفع، ثُم قَبَّله، ثُم حَجَّ أَبو بكر فوقف عنده فقال: إِنِّي لأَعلمُ أَنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أَني رأَيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتك. فإِنْ صَحَّ، يُحْكَم بِبُطْلان حديث الحاكم لِبُعْد أَنْ يَصْدُر عن عليَ كرّم اللهُ وجهه قوله: «بل يَضُرُّ ويَنْفَع»، بعدما قال النبيُّ ﷺ «لا يَضُرُّ ولا يَنفع»، لأَنه صورة معارضة. لا جَرَم أَنَّ الذهبي قال عن العبدي: إِنه سَاقِطٌ. وعمر إِنما قال ذلك أَوْ النبيُّ ﷺ إِزالةً لِوَهْم الجاهلية من اعتقاد الحجارة التي هي الأَصنام. قال البِرْماوي: وما وَرَدَ مِمَّا يَقْتَضِي النفع والضر ما جعلَ اللهُ في الحجر من الخير والشر، فليس لذات الحجر. (وإِلاَّ) أَي وإِن لم يَقْدِر على استلام الحجر، أَوْ قَدَرَ عليه لكن يؤدي إِلى الضرر. (يَمَسُّ شَيْئاً في يَدِهِ) من نحو عصا وغيره (وقَبَّلَهُ) لما روى الجماعة إِلاَّ الترمذيَّ عن ابن عباس أَنَّ النبيَّ ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمِحْجَن معه ـ وهو، بكسر الميم وفتح الجيم: عُودٌ معوج الرأْس ـ.
следующие страницы →