← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وشَدَّ الهِمْيَانِ في خَصْرِه. وأَكْثَرَ التَّلْبِيَةَ مَتَى صَلَّى أَوْ عَلَا شَرَفًا، أَو هَبَطَ وَادِيًا، أَوْ لَقِيَ رُكْبَانَاً، أَوْ أَسْحَرَ. === حَجَجْنا مع رسول الله ﷺ حَجَّةَ الوداع فرأَيته في جمرة العقبة، وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأُسامة أَحدُهما يقود راحلته، والآخر رافع ثوبه على رأْس النبيِّ ﷺ يظلّله عن الشمس. وفيه أَنه لا دلالة فيه صريح على أَنه كان في حال الإِحرام. (و) لا (شَدَّ الهِمْيَانِ) ـ بكسر الهاء ـ ما توضع فيه الدراهم والدنانير سواء تحت الإِزار ـ كما هو العادة ـ أَوْ فوقه، لأَنه لم يرد حفظ الإِزار به، كما ذكره ابن الهُمَام. (في خَصْرِه) ـ بفتح أَوله ـ أَي على وسطه لقول عائشة: أَوْثِق عليك نفقتك بما شئت، حين سُئِلَت عنه. وكره مالك شَدَّهُ بما فيه من نفقة غيره، لعدم الضرورة. ولنا أَنه ليس في معنى لُبْسِ المَخِيط فاستوت فيه الحالتان. فإِنْ قلت: لو لم يكن الشَّدُّ لُبْساً لما كُرِه شَدُّ الإِزار بحبل ونحوه، مع أَنه مكروهٌ إِجماعاً. قلت: ثَبَتَتْ كراهته بالحديث، وهو: أَنه ﷺ رأَى رجلاً شَدَّ فوق إِزاره حبلاً فقال: «أَلْقِ ذلك الحَبْلَ» (١) . كذا في شرح «المجمع». (وأَكْثَرَ التَّلْبِيَةَ) أَي جهراً، لقوله ﷺ «أَتاني جبرائيلُ ﵇ فأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي ومَنْ معي أَنْ يَرْفَعُوا أَصواتهم بالإِهلال ـ أَوْ قال: بالتلبية ـ. مُتَّفَقٌ عليه. ولما روى أَبو بكر الصديق: أَنه ﷺ سُئِل: أَيُّ الحَجِّ أَفْضَل؟ قال: «العَجُّ والثَّجُّ». رواه الترمذي. والعج: رَفْعُ الصوتِ بالتلبية. والثج: إِسالة دم الهَدْي. (مَتَى صَلَّى) المكتوبة وغيرها في ظاهر الرواية (أَوْ عَلَا شَرَفاً) أَي مكاناً عالياً (أَوْ هَبَطَ وَادِياً) أَي نَزَل مكاناً سُفْلِيَّاً (أَوْ لَقِيَ رُكْبَانَاً) وهو اسْمُ جَمْع، أَوْ جمع راكب، وتخصيص الركب اتفاقي (٢) إِذْ لو لقِيَ مشاةً لكانَ الأَمر كذلك. (أَوْ أَسْحَرَ) أَي دَخَلَ في السَّحر: وهو سُدس آخر الليل، لما روى ابن أَبي شَيبة عن خَيْثَمَةَ قال: كان السلف يستحبون التلبية في ستة مواضع: في دبر الصلاة، وإِذا استقل الرَّجُلُ راحلته، وإِذا صعد شَرَفاً، وإِذا هَبَط وادياً، وإِذا لَقِيَ بعضُهم بعضاً، وبالأَسحار. وروى البيهقي عن ابن عمر: أَنه كان يُلَبِّي راكباً، ونازلاً، ومُضطجعاً. ورُوِي أَنه ﵊ كان يُلَبِّي إِذا لَقِي رَكْباً، أَوْ صعِد أَكَمَةً (٣) ،

стр. 632

[أَفْعَالُ الحَجِّ] وإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ === أَوْ هَبط وادياً، وفي أَدبار المكتوبة، وآخر الليل. كذا في «الإمام وفي «الإِمام» عن جابر قال: كان رسولُ الله ﷺ يُلَبِّي إِذا لَقِي رَكْباً، أَوْ صعِد أَكَمةً، أَوْ هبط (وادياً، وفي) (١) أَدبار المكتوبة وآخر الليل. قال ابن الهُمَام: ولو رد السلام حال التلبية جاز، ولكن يُكْره لغيره السلام عليه في تلك الحالة. (أفعال الحج) (وإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ) سُميت بها لأَنها تَمُكُّ الذنوب ـ أَي تذهبها ـ وتُسمى ببكة لأَنها تَبُكُّ (٢) أَعناق الجبابرة، ومنه قوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ للنَّاسِ للَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وهدىً للعَالَمِينَ﴾ (٣) أَي قِبْلَةً لهم (٤). ويُستحب أن يدخلها من كدآء ـ بفتح الكاف والمد ـ وهي (٥) الثَّنِية (٦) التي بأَعلى مكةَ على درب المُعَلَّى وطريق الأَبطح بجنب الحَجُون (٧)، وهي مَقْبُرَة أَهل مكة. ويخرج من كُدَا ـ بالضم والقَصْر ـ وهي الثَّنِية التي بأَسفل مكة على درب اليمن، لما في مُسْلِمٍ وغيره من حديث عائشةَ: أَنَّ النبيَّ ﷺ لما جاء إِلى مكةَ دخل من أَعلاها، وخرج من أَسفلها. قيل: لأَن أَعلاها هو موضع دعا فيه إِبراهيم ﵇ بقوله كما في التنزيل: ﴿رَبِّ اجْعَل هذا البَلَدَ آمِناً﴾ إِلى أَنْ قال ﴿فاجْعَل أَفْئِدَةً مِنْ الناسِ تَهْوِي إِليهم﴾ (٨)، الآية. قيل في السر في ذلك: أَنَّ نسبة باب البيت إِلى البيت كنسبة وجه الإِنسان إِلى الإِنسان.

стр. 633

بَدَأَ بالمَسْجِدِ وحِينَ رَأَى البَيْتَ كَبَّرَ، وهَلَّلَ ودَعَا، === والأَدب أَنْ يُقصد الإِنسان من جهة وَجْهِهِ، فكذا تُقصد الكعبةُ من جهة بابِها. قيل: وإِن لم يكن في طريقه ينبغي أَنْ يميل إِليها في الحجِ والعمرة. وقيل: في العمرة يدخل من أَسفل مكةَ. ثُمَّ لا فَرْقَ بين الدخول ليلاً أَوْ نهاراً لما روى النَّسائي: أَنه ﵊ دخل مكة ليلاً في عمرته، ونهاراً في حجته. وقيل: نهاراً أَفْضَل، وإِنَّما كَرِه ابنُ عمر الدخول بالليل للخوف من السُّرَّاق. (بَدَأَ) بعد حفظ أَثقاله ليكون حاضر القلب مقام إِقباله (بالمَسْجِدِ) لما في الصحيحين من حديث عائشة: إِنَّ أَوَّل شيءٍ بدأَ بهِ رسولُ الله ﷺ حينَ قَدِمَ مكةَ: أَنْ توضأَ، ثُم طافَ بالبيت. ويُستحب أَنْ يدخل المسجد من باب السلام، لأَنه ﷺ دخل منه. ويُقَدِّمُ في دخوله رجلَه اليُمنى، ويقول: بسم الله، والحمد للَّهِ، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهمّ اغْفِر لي ذنوبي، وافتح لي أَبواب رحمتك. (وحِينَ رَأَى البَيْتَ كَبَّرَ،) اللَّهَ، واسْتَحْضَرَ في قلبه عظمة تلك البُقعة (وهَلَّلَ) تجديداً للتوحيد (ودَعَا) لأَن الدعاء عند رؤيته مستجاب. وروى الشافعيُّ عن سعيد بن جُبَير، عن ابن جُرَيج: أَنَّ النبيَّ ﷺ كان إِذا رأَى البيت، رفع يَدَيْهِ وقال: «اللهم زِد هذا البيتَ تشريفاً وتَعْظيماً وتَكْرِيماً ومهابةً، وزِد مَنْ شَرَّفَهُ وكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّه أَوْ اعتمرَهُ تَشْريفاً وتعظيماً وتكريماً وبِرَّاً». وعن عطاء أَنه ﷺ كان إِذا لَقِي البيتَ يقول: «أَعوذ بِرَبِّ البيتِ مِنْ الكُفْرِ والفَقْرِ وضِيْقِ الصَّدْرِ وعذابِ القبر». ذكره ابن الهُمَام. واسْتُحْسِن أَنْ يقول عند دخول المسجد: اللَّهُمَّ أَنت السلام، ومنك السلام، وإِليكَ يَرْجع السلام، حَيِّنَا رَبَّنا بالسلام، وأَدخلنا دارك دار السلام، تباركت رَبَّنا وتعاليت، يا ذا الجلال والإِكرام، لما روى البيهقي بسنده إِلى سعيد بن المُسَيَّب أَنه قال: سَمَعْت عن عمر كلمة، ما بقي أَحدٌ من الناس سَمِعَهَا غيري، سمعتُه يقول: إِذا رأَى البيت: اللهم أَنت السلامُ، إِلى آخره. ثُم اعلم أَنْ أَول ما يَبْدأُ به داخلُ المسجد الحرام الطوافَ مُحْرِماً أَوْ غير مُحْرم دون الصلاة، إِلاَّ أَنْ يكون عليه فائتة أَوْ خوف فَوْت الوقتية، أَوْ الوتر، أَوْ سنة راتبة (١) ،

стр. 634

ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ وكَبَّرَ وهَلَّلَ، ورَفَعَ يَدَيْهِ كالصلاةِ واسْتَلَمَهُ إِنْ قَدِرَ غَيْرَ مُؤذٍ لأَحَدٍ، === أَوْ فَوْت الجماعة، فَتُقَدّم الصلاة في هذه الصور على الطواف، فإِنْ لم يكن مُحْرماً فطوافهُ تحيةٌ لقولهم: تحيةُ هذا المسجد الطوافُ. وليس معناه أَنَّ مَنْ لم يَطُف لا يصلّي تحية المسجد كما فَهِم بعضُ العوام. فقد روى عُروةُ عن عائشةَ أَنَّ أَول شيءٍ بَدأَ به رسولُ الله ﷺ حينَ قَدِم مكةَ أَنْ توضأَ، ثُم طافَ بالبيتِ … الحديث، رواه الشيخان. (ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ) الأَسود لِمَا رُوي مِنْ: «أَنَّ الحجر يَمِينُ اللَّهِ في الأَرض يُصَافِحُ بها عبادَه». رواه الخَطِيب، وابن عَسَاكِر عن جابر. وفي رواية: «الحَجَرُ يمينُ اللَّهِ، فَمَنْ مسَحَهُ فَقَدْ بَايَعَ اللهَ». ولما في مُسْلم عن جابر قال: لَمَّا قَدِم النبيُّ ﷺ مكةَ، بَدَأَ بالحجرِ فاسْتَلَمَه، ثُم مَضَى على يمينِه فَرَمَلَ ثلاثاً، ومَشَى أَرْبَعاً. وعن ابن عمر قال: استقبل النبيُّ ﷺ الحجرَ، ثُم وَضع شَفَتَيْهِ عليه فبكى طويلاً، ثُمَّ الْتَفَتَ فإِذا هو بعمرَ بن الخطاب ﵁ يَبكي، فقال: «يا عمر ههنا تُسْكَب العَبَرات». رواه ابن ماجه، قال الحاكم: صحيح الإِسناد. وهذا الاستقبال مع الاستلام أَوْ نحوه في ابتداء الطواف سنة مؤكدة، ومستحبةٌ في أَول كل شوط عندنا لا واجبٌ كما قيل. (وكَبَّرَ) فيقول: باسمِ اللهِ واللهُ أَكبرُ، لما روى أَحمد، والبخاري عن ابن عباس: أَنه ﷺ طافَ على بَعيرٍ، كُلَّمَا أَتى على الرُّكْنِ أَشَارَ إِليه بشيءٍ في يده، وكَبَّرَ. (وهَلَّلَ، ورَفَعَ يَدَيْهِ) عند التكبير لافتتاح الطواف حِذَاءَ مَنْكِبيه أَوْ أُذُنَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القبلة بباطن كفيه. (كالصلاةِ) أَي ناوياً به، لأَن الطواف كالصلاة على ما ورد. (واسْتَلَمَهُ) أَي لَمَسَهُ باليد. والقُبْلَةُ من غير صوتٍ. وقيل: وضع كفيه على الحجر وقَبَّله، أَوْ مَسَحَه بالكف وقَبَّلهُ (إِنْ قَدَرَ غَيْرَ مُؤذٍ لأَحَدٍ) لأَنَّ تَرْكَ الأَذى واجبٌ، والاستلام سُنَّةٌ، ولما روى أَحمد والبيهقي عن عمر أَنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «يا عمرُ، إِنَّك رجلٌ قويٌّ، لا تُزاحِم على الحجر فتؤذي الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فاسْتَلِمْه، وإِلا فاسْتَقْبِلهُ، وكَبِّرْ وهَلِّل». وكذا رواه الشافعي، وإِسحاق بن رَاهُويَه، والطحاوي. وهل يُستحب السجود على الحجر عَقيبَ التقبيل؟ قال قِوَام الدين الكَاكي: عندنا الأَوْلى أَنْ لا يسجد لعدم الرواية في المشاهير، لكن نَقَل عِزُّ الدين بن جَمَاعة في «مناسكه» السجودَ عن أَصحابنا. ويُؤَيِّدُه ما رُوِي عن ابن عباس: أَنه كان يُقَبِّلُه ويَسْجُدُ عليه بجبهته، وقال: رَأَيْتُ عُمَرَ ﵁ قَبَّلَهُ، ثُم سجد عليه، ثم قالَ: رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ فَعَلَ ذلك، فَفَعَلْته. رواه ابن المُنْذِر والحاكم وصَحَّحَه.

стр. 635

وإِلاَّ يَمَسُّ شَيْئًا في يَدِهِ وقَبَّلَهُ === وأَمَّا التقبيل فسنّةٌ مُؤَكَّدةٌ، لما في البخاري عن عمر: أَنه سُئِل عن اسْتِلامِ الحَجَرِ فقال: رأَيتُه ﷺ يَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُه. وروى النَّسائي عن ابن عمر: أَنَّ عمر قَبَّله ثلاثاً. ولما في الكُتُبِ الستةِ عن عمرَ بن الخطاب: أَنَّه جاء إِلى الحجر فقَبَّله، وقال: إِني أَعلم أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولولا أَنِّي رَأَيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبِّلُكَ لما قَبَّلْتُكَ. ورواه الحاكم وزاد فيه: فقال عليٌّ: يا أَمير المؤمنين يضر وينفع، ولو عَلِمتَ تأْويلَ ذلك من كتابِ الله لَعَلَمْتَ أَنه كما أَقول، قال الله تعالى: ﴿وإِذ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَم﴾ (١) الآيةَ، فلما أَقَرُّوا أَنَّه الرَّبُّ ، وأَنهم العبيدُ، كَتَبَ ميثاقَهُم في رَقَ ـ أَي في جلد رقيق ـ وأَلْقَمَهُ في الحجر، وأَنَّه يُبْعَثُ (٢) يوم القيامة وله عينانِ ولسانٌ وشفتانِ، ويَشْهَدُ لِمَنْ وَافاه بالموافةِ، فهو أَمِينُ اللَّهِ في هذا الكتاب، فقال له عمرُ: لا أَبقاني اللَّهُ بأَرضٍ لَسْتَ فيها يا أَبا الحسن. وفي رواية: أَعوذُ بالله مِنْ أَنْ أَعيش في قوم لَسْتَ منهم. وقال الحاكم: ليس هذا الحديث على شرط الشيخين، فإِنَّهما لم يَحْتَجَّا بأَبي هارونَ العَبْدِي. وقال ابن الهُمَام: ومن غرائب المتون ما في «مصنف ابن أَبي شيبة» في آخر مُسْند أَبي بكر عن رجلٍ رَأَى النبيَّ ﷺ وقف عند الحجر فقال: إِنِّي لأَعلَمُ أَنك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفع، ثُم قَبَّله، ثُم حَجَّ أَبو بكر فوقف عنده فقال: إِنِّي لأَعلمُ أَنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أَني رأَيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتك. فإِنْ صَحَّ، يُحْكَم بِبُطْلان حديث الحاكم لِبُعْد أَنْ يَصْدُر عن عليَ كرّم اللهُ وجهه قوله: «بل يَضُرُّ ويَنْفَع»، بعدما قال النبيُّ ﷺ «لا يَضُرُّ ولا يَنفع»، لأَنه صورة معارضة. لا جَرَم أَنَّ الذهبي قال عن العبدي: إِنه سَاقِطٌ. وعمر إِنما قال ذلك أَوْ النبيُّ ﷺ إِزالةً لِوَهْم الجاهلية من اعتقاد الحجارة التي هي الأَصنام. قال البِرْماوي: وما وَرَدَ مِمَّا يَقْتَضِي النفع والضر ما جعلَ اللهُ في الحجر من الخير والشر، فليس لذات الحجر. (وإِلاَّ) أَي وإِن لم يَقْدِر على استلام الحجر، أَوْ قَدَرَ عليه لكن يؤدي إِلى الضرر. (يَمَسُّ شَيْئاً في يَدِهِ) من نحو عصا وغيره (وقَبَّلَهُ) لما روى الجماعة إِلاَّ الترمذيَّ عن ابن عباس أَنَّ النبيَّ ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمِحْجَن معه ـ وهو، بكسر الميم وفتح الجيم: عُودٌ معوج الرأْس ـ.

стр. 636

وإِنْ عَجَزَ اسْتقْبَلَهُ وكَبَّرَ وهَلَّلَ وحَمِدَ اللهَ وصَلَّى على النبيِّ ﷺ ، === قيل: إِنما طاف ﵊ وهو راكبٌ لِبَيان الجواز، والأَصح أَنه لِيراه الناسُ ويأْخذوا عنه، وقد جاء ذلك في «صحيح مسلم» من حديث جابر. وقيل: كراهية أَنْ يصرف الناس عنه، لما في مسلم عن عائشة قالت: طافَ رسولُ الله ﷺ بالبيتِ في حجةِ الوداع على راحلته يستلم الركن، كراهيةَ أَنْ يصرف عنه الناس. وَرُدَّ هذا القيل باحتمال عود الضمير على الركن، ويدفع بأَن مآله إِلى ذلك القيل. وقال ابن الهُمَام: أَي لو طاف ماشياً لانصرفَ الناسُ عنه، لأَن كل مَنْ رام الوصول إِليه لسؤالٍ، أَوْ لرُؤيةٍ لاقتداءٍ لا يَقْدِرُ، لكثرةِ الخَلْقِ حَوْلَه، فينصرف من غير تحصيل حاجة. وقيل: كان به شكاية ـ أَي وجع ـ لما روى محمد في «الآثار» عن أَبي حنيفة عن حَمَّاد: أَنَّه سعى بين الصفا والمروةِ، مع عِكْرِمَةَ فجعل حَمَّادُ يصعد على الصفا والمروة وعِكْرِمة لا يصعد (ويصعد حمّاد المروة، ولا يصعده عِكْرَمة) (١) ، فقال حَمَّادُ: يا أَبا عبد الله أَلا تصعد الصفا والمروة؟ فقال: هكذا كان طوافُ رسول الله ﷺ قال حماد: فلقيتُ سعيدَ بنَ جُبَير، فذكرتُ له ذلك، فقال: إِنما طاف رسول الله ﷺ على راحلته ـ وهو شاكٍ ـ يستلم الرُّكْنَ بِمِحْجَن، فطاف بالصفا والمروة على راحلته، فمن أَجْل ذلك لم يصعد. قلت: وهذا القول أَظهر لأَنَّ المَشْيَ في الطواف والسعي واجبان، فلا يُتْرَكان إِلاَّ لِعُذْرٍ ظاهرٍ. ثُمَّ ههنا إِشْكَالٌ حَدِيثِي وهو: أَنَّ الثابت بلا شبهةٍ أَنه ﷺ رَمَلَ في حجَّة الوداع، وهذا يُنَافِي طوافه راكباً، والجواب: أَنَّ في الحج للآفاقي أَطوفة، والرُّكُوب كان في طواف الزيارة يوم النَّحْر، ومشيه كان في طواف القدوم. هذا، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: لم أَرَ النبيَّ ﷺ يَمَسُّ مِنْ الأَركان إِلاَّ اليَمَانِيَيْن. (وإِنْ عَجَزَ) عن الاستلام (اسْتَقْبَلَهُ) قائماً بحياله، رافعاً يدَيه حِذاءَ مَنْكِبيه أَوْ أُذنيه، جَاعِلاً بطنهما نَحْوَه، مشيراً بهما إِليه. (وكَبَّرَ وهَلَّلَ) ويقول: اللَّهُ أَكبرُ الله أَكبرُ، لا إِله إِلاَّ الله (وحَمِدَ اللَّهَ وصَلَّى على النبيِّ ﷺ ويقول: اللهم إِني أَسأَلُكَ إِيماناً بك، وتَصْدِيقاً بكتابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ،

стр. 637

وَطَافَ طَوَافَ القُدُوم. ويُسَنُّ هذا للآفاقي، آخِذًا عَنْ يَمِينِهِ مِمَّا يَلِي البابَ ورَاءَ الحَطِيمِ === واتِّباعاً لِسُنَّةِ نبيك محمدٍ ﷺ (وَطَافَ) أَي المُفْرِدُ بالحجِّ (طَوَافَ القُدُوم) ويُسمَّى طوافَ التحية، (ويُسَنُّ هذا) الطوافُ (للآفاقي) أَي غير المكي، وإِلاَّ فَسُنَّ لأَهْلِ المواقيتِ وداخِلِيها أَيضاً. وأَما المُعْتَمِر فليس عليه طواف القدوم، فيطوف طواف العمرة. وأَما القَارِن فيطوف أَولاً طوافَ العمرة، ثُم طوافَ القدوم. وأَوَّل وقته دخولُ مكةَ، وآخِرُهُ وُقُوفُه بِعَرَفَةَ، وأَوْجَبَ مالك طوافَ القدوم وجوب السُنَنِ لا الفرائضِ، يعني أَنه يجب بتركه الدَّمُ على الآفاقي إِذا تركه والوقت متسع، كذا في «الجوهرة» (١) ، لقوله ﷺ «مَنْ أَتى البيتَ فَلْيُحَيِّهِ بالطواف». ولنا أَنَّ الله تعالى أَمَرَ بالطواف، والأَمر المطلق لا يقتضي التكرار، وقد تعين طواف الزيارة بالإِجماع، والحديث غريب جداً، وعلى تقدير صحته ففي لفظ التحية دلالة على السنية، والسنية تنافي وجوبَ الدم. والله سبحانه أَعلم. (آخِذاً) حال استقباله الحَجَر (عَنْ يَمِينِهِ) أَي يمين الطائف لا يمين الحجر، فقَوْلُه: (مِمَّا يَلِي البابَ) ـ أَي باب الكعبة ـ تأْكيدٌ لقوله: عن يمينه، فيصيرُ البيتُ في الطواف عن يساره ليكون الباب في أَوَّل طوافه، لقوله تعالى: ﴿وأتُوا البيوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (٢) ، أَوْ لأَن القلب في الجانب الأَيسر. وفي مسلم والنَّسائي عن جابر: لَمَّا قَدِم النبيُّ ﷺ مَكَّةَ بَدَأَ بالحجر، فاستلمه، ثُمَّ مضى على يمينه، فَرَمَل ثلاثاً ومَشَى أَرْبَعَاً. (ورَاءَ الحَطِيمِ) ويُسَمَّى حظيرة إِسماعيل، وهو البُقعة التي تحت الميزَاب، عليها حاجز على هيئة نصف دائرة، بينها وبين البيت فُرجة. سُمِّي بالحطيم لأَنه حُطِّم من البيت ـ أَي كُسِر ـ وبالحِجْر لأَنه حُجِرَ منه ـ أَي مُنِع ـ. وإِنَّما يُطَافُ وراءَ الحطيم لأَنه من البيت، والمأمور هو الطواف به لا فيه، قال تعالى: ﴿وليَطَّوَّفُوا بالبيتِ العَتِيقِ﴾ (٣) . وفي الصحيحين ـ واللفظ لمسلم ـ عن عائشةَ قالت: سأَلت رسولُ الله ﷺ عن الحِجْر، أَمِنَ البيتِ هو؟ قال: «نعم»، قلت: فما بالُهم لم يُدْخِلُوه في البيت؟ قال:

стр. 638

سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَرْمُلُ في الثلاث الأُوَل === «إِنَّ قومكِ ـ يعني قريش ـ قصرت بهم النفقة ـ أَي المال ـ حال العِمَارة»، قلت: فما شأْنُ بابه مرتفعاً؟ قال: «فعل ذلك قَوْمُكِ ـ أَي بَنُو شيبةَ من قريش ـ لِيُدْخِلوا مَنْ شاؤوا ويمنعوا مَنْ شاؤوا، ولولا أَنَّ قومَكِ حديث عهدهم بكفر (١) ، وأَخاف أَنْ تنكر قلوبُهم، لنظرت أَنْ أَلصق الحِجْرَ بالبيت، وأَنْ أَلزق بابه بالأَرض». انتهى. وليس الحطيم كله من البيت على الصحيح، بل مقدار ستة أَذرع منه، لحديث عائشة أَنه ﷺ قال: «سِتَّةُ أَذْرُع من الحِجْرِ من البيتِ، وما زَادَ ليس من البيتِ». رواه مسلم. ولو طَافَ من الفُرجة التي بين الحطيم والبيت، لا تُجزئه في تحقق الكمال، ولا بد من إِعادة الطواف كله ليتحققه، وإِنْ أَعاد الحطيم وحده أَجزأَه بأَن يأْخذ على يمينه خارج الحِجْرِ حتى ينتهي إِلى آخره، ثُم يدخل الحِجْر من الفرجة، ويخرج من الجانب الآخر، أَوْ لا يدخل الحِجْر ـ وهو أَفضل ـ بأَنْ يرجع ويبتداء من أَول الحجر، هكذا يفعل سبع مرات، ويَقْضِي صفته من الرَّمَل وغيره. ولو لم يُعِد صح طوافه، ووجب عليه الدم. وفي «سنن أَبي داود»: أَنَّ عائشة قالت: كنت أُحِبُّ أَنْ أَدخل البيت وأُصلّي فيه، فَأَخَذَ رسولُ الله ﷺ يدي فأَدخلني الحِجْر فقال: صَلِّي في الحِجْر إِذا أَردتِ دخول البيت، فإِنما هو قطعةٌ منه، فإِنَّ قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة فأَخرجوه من البيت. وفي «المستدرك» عن ابن عباس قال: الحِجْر من البيت، لأَن رسول الله ﷺ طافَ بالبيتِ من ورائه. قال تعالى: ﴿وليَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العتيقِ﴾ (٢) ، ثُم وإِنْ ثَبَت بهذا الخبر وغيره أَنه من البيت، لكن لم تجز الصلاة باستقباله وحده، لأَن فَرْضِية الاستقبال ثبتت بنص الكتاب، فلم يُكْتَف بما ثبت بالآحاد أَخْذاً بالاحتياط. (سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) من الحجر الأَسود إِليه نفسه شوط واحد (يَرْمُلُ) ـ بضم الميم ـ أَي يُسْرِع، ويقارب الخطوتين، ويحرِّك في مشيه الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين (في الثلاث الأُوَل) ـ بضم الهمزة وتخفيف الواوـ جَمْع الأُولى مؤنث، الأُوَل ضد الأُخر. وذلك لما روى مسلم عن ابن عمر قال: رَمَلَ رسولُ الله

стр. 639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ﷺ من الحَجَر إِلى الحَجَر ثلاثاً، ومَشَى أَرْبَعاً. ولِمَا في الصحيحين عنه قال: كان النبي ﷺ إِذا طَافَ بالبيتِ الطوافَ الأَوَّل خَبَّ (١) ثلاثاً، ومشى أَرْبَعَاً، وكان يسعى ببطن المسيل إِذا طاف بين الصفا والمروة. وفي حديث جابر الطويل: حتى إِذا أَتينا البيتَ معه استلم الرُّكْنَ فرَمَلَ ثلاثاً، ومشى أَرْبَعَاً. وفي لفظ عنه: قالَ: رَأَيتُ رسولَ الله ﷺ رَمَلَ من الحجر الأَسود حتى انتهى إِليه ثلاثاً. وقد ثبت في مُسْلم عن ابن عباس: إِنما سعى رسولُ الله ﷺ ورَمَل بالبيتِ لِيُريَ المشركين قوّته. انتهى. وفي رواية: فأَمرهم النبيّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشواط الثلاث، وأَنْ يمشوا ما بين الركنين، ولم يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهم أَنْ يَرْمُلوا بالأَشواطِ كُلِّها إِلاَّ الإِبقاءُ عليهم. متفق عليه. وسببُ الرَّمَل إِظهار الجلادةِ للمشركين في عُمْرة القضاء، لقولهم: يَقْدَم غداً قومٌ قد وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فقال المشركون: هؤلاء الذين زَعَمْتُم أَنَّ الحُمَّى وهنَتْهُم أَجْلَدُ من كذا وكذا. ثُم بَقِيَ الحُكْم بعد زوال سببه كالاخفاء في صلاة الظهر والعصر الذي كان تَشْوِيشاً (٢) . وفي رواية البخاري عن عمر أَنه ﵁ قال: واللهِ أَعلم أَنَّك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تنفعُ، ولولا أَني رأَيتُ رسولَ الله ﷺ اسْتَلَمَكَ ما اسْتَلَمْتُكَ، ثُم قال: ما لنا وللرَّمَل، إِنَّا كُنَّا رَأَينا به المشركين وقد أَهْلَكَهُم اللَّهُ تعالى، ثُم قال: شيءٌ صَنَعَهُ رسولُ الله ﷺ فلا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَه. وفي «سُنن أَبي داود، وابن ماجه»، عن زيد بن أَسْلم، عن أَبيه قال: سمعت عمر يقول: فِيمَ الرَّمَلُ وكَشْفُ المَنَاكِب وقد أَعَزَّ اللَّهُ الإِسلام ونَفَى الكفر، ومع ذلك فلا نَدَعُ شيئاً كنّا نفعله على عهد رسولِ الله ﷺ انتهى. ولعل الحكمة في بقائه (٣) تُذكّر ذلك الحال والجهد على (٤) الانتقال بعون الله الملك المتعال. ولو زَحَمَهُ الناس في الرَّمَل وَقَف قائماً إِلى أَنْ يَجِدَ فُرْجَةً، لأَنه مِنْ سُنَّةِ الطواف

стр. 640

مُضْطَبعَاً، === ولا بُدَّ له، بخلاف استلام الحجر حيث لا يتوقف فيه عند الازدحام، لأَن الإِشارة إِليه بَدَلٌ له. وفي «شرح الطحاوي»: يمشي حتى يَجِدَ وهو الأَظهر، لأَن وقوفه مُخالفٌ للسُّنَّةِ، فما لا يُدْرَك كله لا يترك كله. (مُضْطَبعَاً) أَي جَاعِلاً رداءه تحت إِبْطِهِ اليُمنى مُلقياً طرفه على كتفه اليُسرى، لما روى أَبو داود والمُنْذِري ـ وقال: حديث حسن ـ عن ابن عباس: أَنَّ رسول الله ﷺ وأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الجِعْرَانَة، فَرَمَلُوا بالبيت وجعلوا أَرديَتهم تحتَ إِبَاطِهِم، ثُم قذفوها على عَوَاتِقِهِم (١) اليُسْرى. وقد نقل ذلك عن النبيّ ﷺ أَنه طاف مُضْطَبعاً وعليه بُرْدٌ. رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه أَبو داود وقال: بِبُرْدٍ له أَخضر. وينبغي أَنْ يكونَ الاضطباع قبل الشروع في الطواف بقليلٍ. ذكره ابنُ الهُمَام، يعني لا اضطباع من أَول الإِحرام كما يَفْعَلُه العوام، ولا في السَّعْي، كما صرح به في «البدائع». وكذا في «العناية شرح الهداية»، ثُم الاضطباع سُنَّةٌ في جميع أَشواط الطواف، كما ذكره ابن الضياء، «فمضطبعاً» حال من فاعل طاف، لا مِنْ ضمير يَرْمُل كما هو المتبادر من المتن. ولم يثبت عنه ﷺ في الطواف قراءة، بل الذكر، وهو مُتَوَارَثٌ عن السلف، والمُجْمَعُ عليه، فكانَ أَوْلى. ذكره ابن الهُمَام. وقد يقال: إِنه ﷺ لم يقرأ فيه لئلا يُتوهَّم أَنَّ القراءة فيه فرضٌ أَوْ واجبٌ كما في الصلاة خصوصاً في مذهبنا، حيث أَجازوا الطواف للمُحْدِث والجنب فلا بأْس بقراءته في نفسه، كما في «الكافي». ويُكره رَفْعُ صوتِه به وبغيره من الأَذكار. وقد ثبت عنه ﷺ أَنه دعا بَيْن الركنين بقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنَا عذابَ النَّارِ﴾ (٢) ». رواه أَبو داود، والنَّسائي، وابن حِبَّان، والحاكم، وابن أَبي شيبةَ عن عبد الله ابن السائب مرفوعاً. وكذلك يقول بين الرُّكن والحَجَر كما رواه ابن أَبي شيبةَ عنه. وكذا يقول في الطواف، أَي سائر أَماكنه، كما رواه الحاكم عنه أَيضاً. وفي رواية ابن أَبي شيبةَ موقوفاً من قول ابن عمر: أَنْ يقول أَيضاً بين الركْن والمقام. وروى الحاكم مرفوعاً عن ابن عباس، وابن أَبي شيبة من قوله، أَنْ يقول في الطواف: اللهم ـ وفي رواية ـ ربِّ قَنِّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلُف على كل

стр. 641

وكُلَّما مَرَّ بالحَجَرِ فَعَل ما ذُكِرَ. واسْتِلَامُ الرُّكْنِ اليَمَانِي حَسَنٌ. === غايبة لي بخير. وروى ابن أَبي شيبة عن ابن عمر أَنه كان يقول في الطواف: لا إِله إِلاَّ اللَّهُ، وَحدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحَمْدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ورَوَى ابن ماجه عن أَبي هريرة أَنه سمع النبيَّ ﷺ يقول: «مَنْ طافَ بالبيتِ سَبْعاً ولا يتكلم إِلاَّ بِـ: سُبْحَانَ اللهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إِله إِلاَّ اللهُ، واللهُ أَكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَليِّ العظيم، مُحِيَتْ عنه عَشْرُ سيّئاتٍ، وكُتِبَتْ له عَشْرُ حَسَنَاتٍ ورُفِعَتْ له عَشْر درجاتٍ». (وكُلَّما مَرَّ بالحَجَرِ) الأَسود (فَعَل ما ذُكِرَ) من الاستلام، لأَن أَشواط الطواف كَرَكْعَاتِ الصلاة، وكما يفتح كلَّ ركعةٍ بالتكبير، يفتح كلَّ شوطٍ بالاستلام، وهذا من جهة المعقول. وأَمَّا من طريق المنقول: فقد وَرَدَ في «مُسْنَد أَحمد»، والبخاري وغيره: أَنَّ النبيَّ ﷺ طَافَ على بعيرٍ كُلَّمَا أَتى على الرُّكْنِ أَشارَ إِليه بشيءٍ في يَدِهِ وكَبَّرَ. قال ابنُ الهُمَام: لم يذكر صاحبُ «الهداية» ولا كثيرٌ (١) رفعَ اليدين في كل تكبير يستقبل به في كل مبدأ شَوْط، فإِن لاحظنا ما رواه من قوله ﵊: «لا تُرْفَع الأَيدي إِلاَّ في سَبْعِ مَوَاطِنَ» (٢) ينبغي أَنْ تُرْفَع في كل تكبير للعموم في استلام الحجر، وإِنْ لاحظنا عَدَمَ صِحَّةِ هذا اللفظ فيه وعدم تحسينه، بل القياس المتقدم، لم يُفِد ذلك، إِذْ لا رَفْعَ مع ما به الافتتاح فيها إِلاَّلاً الأَول. واعتقادي أَنَّ هذا هو الصواب، ولم أَرَ عنه ﷺ خِلَافَه. انتهى (٣) . والأَظهر أَنْ يَرفع تارةً ولا يَرفع أُخرى، عملاً بالوجهين (وَفْقَ الدَّلِيلَيْن) (٤) . (واسْتِلَامُ الرُّكْنِ اليَمَانِي) ـ بتخفيف الياء على الصحيح، لأَنه نِسْبةٌ إِلى اليمن فأَبدل إِحدى يائي النِّسبة أَلِفاً، فلو قيل بالتشديد لزم الجمع بين البدل والمُبْدَل منه، ومَنْ شَدَّدَها قال الأَلف فيها زائدة. ذكره الكِرْماني في «شرح البخاري». (حَسَنٌ) مِنْ غير تقبيلٍ في قول أَبي حنيفةَ وأَبي يوسف لما رواه مسلم وأَبو داود عن ابن عمر أَنه قال: ما تَرَكْتُ استلامَ هذين الرُّكْنَين: الرُّكْنِ اليماني، والحَجَرِ الأَسودِ، مُنْذُ رأَيْتُ رسولَ الله ﷺ يَسْتَلِمُهُما.

стр. 642

وخَتم الطَّوَافَ باسْتِلَامِ الحَجَرِ، ثمَّ صَلَّى شَفْعَاً، يَجِبُ بَعْدَ كُلِّ طَوَافٍ === وقال محمد: السُّنَّةُ أَنْ يفعلَ فيه كما يفعلُ بالحجر الأَسود. كذا ذكره الشارح. وقال صاحبُ «المواهب»: حسنٌ في ظاهر الرواية عن أَبي حنيفة. وقالا: هو سُنَّةٌ، ومما يدل على قول محمد ما رَوَى ابن عباس أَنَّه ﷺ كان يُقَبِّلُ الرُّكْنَ اليماني ويضع يده عليه. رواه الدارقطني. وعن ابن عباس أَنَّه ﷺ إِذا استلم الرُّكْنَ اليماني قبَّله. رواه البخاري في «تاريخه». وأمّا الركن العِراقي والشامي فلا يُستلمان في المذاهب الأَربعة، لمَا روى الجماعةُ إِلاَّ الترمذيَّ عن ابن عمر قال: لم أَرَ رسولَ الله ﷺ يَمْسَحُ من البيت إِلاَّ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْن. وفي لفظٍ لمسلم: كان لا يستلمُ إِلاَّ الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمَانِي. وعن ابن عباس قال: لم أَرَ رسولَ الله ﷺ يستلم غير الركنين اليمانيين (١) ، ولأَن الرُّكن العراقي والشامي ليسا بِرُكْنَيْنِ حقيقةً، وإِنَّما هما من وسط البيت، لأَن بعض الحَطيم من البيت اتفاقاً. (وَخَتَم الطَّوَافَ باسْتِلَامِ الحَجَرِ) ليكونَ ختامَهُ مِسْكٌ، والإِيماء إِلى قوله تعالى: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ (٢) (ثِمَّ صَلَّى شَفْعَاً، يَجِبُ) (٣) عندنا وعند مالك (بَعْدَ كُلِّ طَوَافٍ) فرضاً أَوْ نَفْلاً، وقول ـ شذوذ مِنَّا ـ ينبغي أَنْ يكون واجباً عقيب الطواف الواجب (لا غير) (٤) ، ليس بشيءٍ لإِطلاق الأَدلة (منها الآية الآتية، ومنها ما رَوى البخاري عن الزُّهري:) (٤) فإِنَّ النبيَّ ﷺ لم يَطُف قَطُّ أُسبوعاً (٥) إِلاَّ صلَّى ركعتين. ومنها قول ابن عمر: سَنَّ رسولُ الله ﷺ لِكُلِّ أُسبوعٍ ركعتين. رواه أَبو القاسم تَمَّامُ بن محمد الرَّازِي في «فوائده». ومنها قول الحسن البصري: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ مع كل أُسبُوعٍ ركعتين، لا يجزاءُ عنهما تَطوُّعٌ ولا فريضةٌ. رواه ابن أَبي شيبةَ في «مُصَنَّفِهِ». وأَمَّا قول صاحب «الهداية»: لنا قَوْلُه ﷺ «وليصلِّ الطائفُ لِكُلِّ أُسبوعٍ ركعتين»، فلم يُعْرَفْ هذا الحديثُ كما قال ابن الهُمَام وغيره.

стр. 643

عِنْدَ المَقَامِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ المَسْجِدِ، === (عِنْدَ المَقَامِ) أَي مقام إِبراهيم ﵇: وهو الحجر الذي عليه أَثَرُ قدَمَيه لقوله تعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبراهيمَ مُصَلَّى﴾ (١) في قراءة الجمهور بكسر الخاء، والأَمر للوجوب، وقد واظب عليه النبيُّ ﷺ من غير تَرْكٍ أَصلاً. وقال السُّدِّي وقَتَادةُ: أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا عند المقام، (أَي) ركعتي الطَّواف. وروى أَحمد ومسلم أَنه ﷺ لما انتهى إِلى المقام قرأَ: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبراهِيمَ مُصَلَّى﴾، فَصَلَّى ركعتين وقرأَ فاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ يا أَيُّها الكافرون﴾ و ﴿قل هو اللهُ أَحَد﴾، ثُمَّ عاد إِلى الرُّكْنِ فاستلَمَه، ثم خرج إِلى الصَّفَا. ورَوَى الترمذي من حديث أَنس أَنَّ عمرَ ﵁ قال: يا رسولَ الله لو صَلَّينا خَلْفَ المقام ـ يعني ركعتي الطواف ـ فأَنْزَلَ اللهاُ تعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبراهِيمَ مُصَلَّى﴾، فَعَلَى صيغةِ الأَمر ظاهرٌ، وكذا على صيغةِ الخبر، فتدبر. وعن ابن عمر ﵄: إِذا أَراد أَنْ يركعَ خَلْفَ المقام جَعَلَ بينه وبين المقام صَفَّاً أَوْ صَفَّيْنِ، أَوْ رَجُلاً أَوْ رَجُلَيْنِ. رواه عبدُ الرَّزَّاق. (أَوْ غَيْرِهِ مِنَ المَسْجِدِ) إِنْ لم تُيَسَّر له الصلاة عند المقامِ. والحاصل: أَنَّ أَفضل الأَماكن لأَداءِ صلاة الطواف خلف المقام، وهو ما يصدق عليه ذلك عادةً وعُرْفاً، ثُم في الكعبة، ثُم في الحِجْر تحت المِيزَاب، ثُم كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ البيت، ثُم سائر المسجد، ثُم الحَرَم، ثُم جاز في غَيْرِه. ولا يُكْرَه الطواف في الأَوقات التي تُكْرَه فيها الصلاة، بخلاف صلاة الطواف فإِنها مكروهةٌ فيها عندنا لما روى الطحاوي عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: طافَ عمرُ بالبيتِ بعد الصُّبْح فلم يَرْكَع، فلما صار بذِي طُوَىً، وطلعت الشمس صلَّى ركعتين. فَلَوْ جَمَع بين الأَطْوِفَة في الأَوقات المكروهة يُصلي بعد الجميع ركعتين لِكُلِّ طواف لما رُوِي أَنَّ عائشة طَافَتْ ثلاثةَ أَسابيع (٢) ، ثُمَّ صَلَّتْ لكل أُسبوعٍ ركعتين. ويَستوي فيه أَنْ يَنْصَرف عن وترٍ أَوْ شَفْعٍ اتفاقاً. وأَمَّا في غيرِ الأَوقاتِ المكروهةِ فلا يَكْرَهُ أَبو يوسف وَصْلَ الأَسابيع في الطواف إِذا صلى عن وِتْر، كثلاثةٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ سبعةٍ. وفيها (٣) أَثَرُ عائشةَ: لا بأْس بذلك إِذا

стр. 644

ثُمَّ عَادَ واسْتَلَمَ الحَجَرَ وخرَجَ، وصَعِدَ الصَّفَا واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وكَبَّرَ وهَلَّلَ وصَلَّى على النبيِّ ﷺ ، ورَفَعَ يَدَيْهِ === انصرف عن وِتْرٍ. وكَرِهَهُ أَبو حنيفة ومحمد، سواءٌ انصرفَ عن وِتْرٍ أَوْ شَفْعٍ لقوله ﷺ «مَنْ طافَ حَوْلَ البيتِ أُسبوعاً فَلْيُصَلِّ ركعتين». وأَمَّا أَثَرُ عائشةَ فَمُعَارَضٌ بقول غيرها من الصحابة. وفي «النوازل»: يقرأَ في الركعة الأُولى بـ: ﴿قل يا أَيها الكافرون﴾، وفي الثانية بـ: ﴿قل هو الله أَحَد﴾، ويدعو بعد فراغه من الصلاة. والمأْثور دعاء آدم ﵇: اللهم إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرِّي وعلانيتي فاقْبَل مَعْذِرَتي، وتَعْلَمُ حاجتي فأَعطني سُؤلِي، وتَعْلَمُ ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي. اللهم إِني أَسأَلك إِيماناً يُبَاشِرُ قلبي، ويقيناً صَادِقاً حتى أَعلمَ أَنه لا يصيبُني إِلاَّ ما كتبت لي، ورضاءً بما قَسَمْتَ لي. ويُسْتَحَبُّ أَنْ يأْتي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ منها ويَتَضَلَّعُ (١) ، ويقول: اللهم إِني أَسأَلك رِزْقاً واسعاً، وعلماً نافعاً، وشفاءً مِنْ كُلِّ داءٍ. ثُم يأْتي المُلْتَزم (٢) ويَتَشَبَّثُ به ويضع صدره وبطنه وخَدَّه عليه، ويضع يديه فوق رأْسه مبسوطتين على الجدار قائمتين. وقيل عليه العمل: يلزم الملتزم قبل الركعتين، ثُم يصليهما، ثُم يأْتي زمزم. (ثُمَّ) أَي بعد ذلك إِذا أراد السَّعْي (عَادَ واسْتَلَمَ الحَجَرَ) لما في حديث جابر أَنه ﷺ فَعَلَ ذلك (وخرَجَ) مِنْ أَيِّ بابٍ شاء، وإِنما خَرَج النبيُّ ﷺ مِنْ باب الصفا لأَنه أَقربُ إِليه (وصَعِدَ الصَّفَا) ـ بكسر العين ـ أَي رَقِيَهَا بقدر ما يَرَى الكعبة. (واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ) قائماً (وكَبَّرَ) ثلاثاً مِنْ غيرِ رَفْعِ يَدٍ (وهَلَّلَ) وقال: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحَمْدُ، يُحْيي ويُمِيتُ، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخيرُ وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، لا إِله إِلاَّ اللهُ، (وَحْدَهُ، صَدَقَ) (٣) وعده، ونصر عبده، وأَعَزَّ جنده، وهزم الأَحزاب وَحْدَه، لا إِله إِلاَّ اللهُ، ولا نعبد إِلاَّ إِيَّاه، مخلصينَ له الدِّينَ ولو كره الكافرون. (وصَلَّى على النبيِّ ﷺ في أَوَّلِ دُعَائِهِ وآخره (ورَفَعَ يَدَيْهِ) حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ جاعلاً باطنهما إِلى السماء، لما روى أَبو داود في «سُننه» عن ابن عباس أَنَّ رسولَ الله

стр. 645

ودَعَا بِمَا شَاءَ، ثُمَّ مَشَى نَحْوَ المَرْوَةِ سَاعِيًا بَيْنَ المِيلَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ، وصعِدَ فِيها وفَعَلَ ما فَعَلَ علَى الصَّفَا، ثُمَّ سَعَى إِلى الصَّفَا، فَصَارَ اثْنَينِ، يَفْعَلُ هَكَذا سَبْعًا. === ﷺ قال: «المسألة أَنْ ترفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبيك أَوْ نَحْوَهُما». والاستغفار: أَنْ تشيرَ بأُصْبَعٍ واحدةٍ. والابتهال: أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جميعاً. ورَوى إِسحاق بن رَاهُويه وابن ماجه من حديث ابن عباس أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «سَلُوا اللهَ بِبِطُون أَكُفِّكُم ولا تَسْأَلُوه بِظُهُورِهَا، فإِذا فرغتم فامسحوا بها وُجُوهَكُمْ». (ودَعَا بِمَا شَاءَ) ومِنَ المأْثور: اللهم إِنَّك قلت: ادْعُونِي أَستجب لكم، وإِنك لا تُخْلِفُ الميعاد، وإِني أَسْأَلُكَ كما هديتني للإِسلام أَنْ لا تَنْزِعَه مني حتى تَتَوفَّاني وأَنا مُسْلِمٌ. رواه مالك عن ابن عمر موقوفاً. (ثُمَّ مَشَى) على هِينَتِهِ نازلاً (نَحْوَ المَرْوَةِ) داعياً: اللهم اجْعَلْهُ حَجَّاً مبروراً، وسعياً مَشْكوراً، وذَنْباً مغفوراً، وتجارةً لَنْ تَبُور يا عزيزُ يا غفورُ. وأَمثال ذلك من الأَدعية والأَذكار. (سَاعِياً) أَي مُسْرِعاً (بَيْنَ المِيلَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ) قائلاً: رَبِّ اغْفِر وارْحَم وتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَم، إِنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ. رواه (ابن أَبي شيبةَ من قول) (١) ابن مسعودٍ موقوفاً. وعن جابر أَنَّه ﷺ نَزَل إِلى المَرْوَةِ حتى إِذا انصبَّتْ قَدَمَاهُ رَمَلَ في بطن الوادي، حتى إِذا صَعِد مَشَى. رواه أَبو داود. (وصَعِدَ فِيها) أَي في المروة (وفَعَلَ ما فَعَلَ علَى الصَّفَا) من الاستقبال، والتكبير، والتهليل والدعاء، وهذا شَوْطٌ من السَّعْي. (ثُمَّ سَعَى) أَي مَشَى متوجّهاً (إِلى الصَّفَا) وهو شَوْطٌ آخَرُ (فَصَارَ اثْنَينِ) ذَهَابُهُ إِلى المروةِ واحدٌ، وعَوْدُهُ إِلى الصَّفَا آخَرُ (يَفْعَلُ هَكَذا سَبْعاً) أَي ابتداءها من الصفا وخَتْمَهَا بالمروة. وقال الطحاوي، وبعضُ الشافعية: الذهاب من الصفا إِلى المروة ومنها إِلى الصَّفا، مجموعُ ذلك شَوْطٌ، كما أَنَّ الشَّوْط في الطواف من الحجر إِلى الحجر. ويرده قول جابر: فلما كان آخر طوافه على المروة، لأَن مقتضى قولهم: أَنْ يكون آخر طوافه على الصفا. والفرق بين السَّعْي والطواف: أَنَّ السَّعْيَ يتم بالمروةِ فيكونُ الرجوعُ تَكْراراً، والطواف لا يتم إِلاَّ بالوصولِ إِلى الحجر. والأَصل في ذلك حديث جابر الطويل، من قوله: ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الباب إِلى الصفا، فَلَمَّا وَلَّى إِلى الصفا قرأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢) فبدأَ بما بدَأَ اللهُ به.

стр. 646

ثُمَّ سَكَنَ بِمَكَّةَ مَحْرِمًا === وفي أَبي داود: «نبدأُ». وفي النَّسائي، والدَّارَقُطْنِيّ: «ابدؤوا» ـ بصيغة الأَمر ـ، فبدأَ بالصَّفَا فَرَقِيَ عليها حتى رأَى البيت، فاستقبل القِبلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وكبَّره. وقال: «لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحَمْدُ وهو على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، لا إِله إِلاَّ اللهُ وَحْدَه، أَنْجَزَ وعده، ونصر عبده، وهزم الأَحزاب وحده»، ثُم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثُمّ نزل إِلى المروة حتى إِذا انصبَّتْ قَدَمَاه في بطن الوادي رَمَلَ، حتى إِذا كان آخر الطواف على المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، قال: «لو استقبلت مِنْ أَمري ما استدبرت لم أَسُقِ الهَدْيَ وجَعَلْتُهَا عمرةً، فَمَنْ كان مِنْكُم ليس معه هَدْي فليُحِلَّ وليجعلها عُمْرَةً … » الحديثَ. وفي روايةٍ لِمُسْلِم، وأَبي داود عن أَبي هريرةَ أَنَّه ﷺ لَمَّا فَرَغَ من طوافِهِ أَتى الصفا، فَعَلَا عليها حتى رأَى البيتَ ورَفَعَ يَدَهُ، فجعل يَحْمَدُ اللهَ تعالى ويدعو ما شاء أَنْ يدعو. ويُسْتَحَبُّ إِذا فَرَغَ من السَّعْي أَنْ يدخل المسجد فيصلّي ركعتين، فإِنه ﷺ صلّى ركعتين في ـ قيل ـ حاشية المطاف حَذْوَ الرُّكْنِ الأَسود، وقيل: فيما يلي باب العُمْرَة، ذكره ابن الهُمَام. (ثُمَّ سَكَنَ بِمَكَّةَ مُحْرِماً) مِنْ غَيْرِ تَحَلُّل، لأَنه مُحْرِمٌ بالحج فلا يتحلل منه حتى يأْتي بِأَفعاله. وقال ابن عباس: لهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ ويفسخَ الحجَّ إِلى عُمْرَةٍ لما روينا. وأُجيب بأَن ذلك كان مختصاً بأَصحاب النبيّ ﷺ لِمَا في مسلم وغيره عن أَبي ذرّ أَنه قال: (المتعة كانت) (١) لأَصحاب محمد ﷺ خَاصَّةً. ولا يعارضه حديث (٢) سُرَاقَةَ حيث قال: أَلِعَامِنَا هذا أَمْ للأَبد؟ فقال: «للأَبَدِ». لأَن المراد «أَلِعَامِنَا» فِعْلُ العُمْرَةِ في أَشهر الحج أَمْ للأَبد؟ لا أَنَّ المراد فسخ الحج إِلى العمرة، وذلك لأَن سبب الأَمْر بالفسخ ما كان إِلاَّ تقريراً لِشَرْعِ العُمْرةِ في أَشهر الحج ما لم يكن مانِعُ سَوْقِ الهَدْي، وذلك أَنَّه كان مُسْتَعْظَماً عندهم، حتى كانوا يَعُدُّونَهَا في أَشهر الحج من أَفْجَرِ الفجور، فكَسَرَ سَوْرَةَ (٣) ما استحكم في نفوسهم من الجاهلية من إِنكاره، بِحَمْلِهِم عَلَى فِعْلِهِ بأَنفسهم.

стр. 647

وطَافَ نَفْلًا ما شَاءَ. وخَطَبَ الإمَامُ سابع ذِي الحِجَّةِ خُطْبَةً، وعَلَّمَ، ثُمَّ التَّاسِع، ثُمَّ في حَادِي عَشَر بِمِنَى. ويَخْرُجُ غَدَاةَ التَّرْوِيةِ إِلى مِنَى === (وطَافَ نَفْلاً ما شَاءَ) لأَنه يشبه الصلاة، لقوله ﷺ «الطَّوافُ بالبيتِ صلاةٌ إِلاَّ أَنَّ اللهَ تعالى قد أَحلَّ فيه المنطق، فَمَنْ نَطَقَ فيهِ فلا يَنْطِقْ إِلاَّ بِخَيْر». رواه ابن حِبَّان في «صحيحه». ورواية الترمذي والنَّسائي: «الطَّوافُ حولَ البيتِ مثلُ الصلاة، إِلاَّ أَنكم تتكلمون فيه، فَمَنْ تَكَلَّم فيه فلا يتكلمنَّ إِلاَّ بخير». وأَمَّا التَّنَفُّلُ بالسَّعْي فَغَيْرُ مشروعٍ، والرَّمَل والاضطباعُ إِنما يُسنان في كل طوافٍ بَعْدَه سَعْيٌ. ثُم طوافُ النَّفْل أَفضلُ للغريب من صلاة التطوع. (وخَطَبَ الإِمَامُ سابع ذِي الحِجَّةِ خُطْبَةً) واحدةً لا جلوس فيها، بعد صلاة الظهر (وعَلَّمَ) الناسَ فيها المناسك، والخروجَ إِلى مِنَى وعرفةَ، والصلاةَ فيها، والوقوفَ، والإِفاضةَ (ثُمَّ) خَطَبَ في اليوم (التَّاسِع) بعرفات خطبتين كالجُمُعَة (ثُمَّ) خطَبَ (في حَادِي عَشَر بِمِنَى) خطبةً واحدةً بعد صلاة الظهر لا يجلس فيها كخطبته يوم السابع، وعَلَّم فيها المناسك المحتاجَ إِليها في كل خطبة. (ويَخْرُجُ) أَي الحاج مُلَبياً (غَدَاةَ التَّرْوِيةِ إِلى مِنَى) لقول جابر في الحديث الطويل: فَلَمَّا كان يوم الترويةِ توجّهوا إِلى مِنَى فأَهَلُّوا بالحجِّ، وركِب رسولُ الله ﷺ فَصَلَّى بِمِنَى الظهر، والعصر، والمَغْرب، والعِشاء، والفجر، ثُم مَكَثَ قليلاً حتى طَلَعَتِ الشَّمسُ (١) فأَجَاز رسولُ الله ﷺ حتى أَتى عرفةَ … الحديثَ. ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحِجة، سُمِّيَ بذلك لأَن إِبراهيم ﵇ رأَى في المنام ليلةَ هذا اليوم قائلاً يقول: إِنَّ اللهَ يأْمُرُكَ بِذَبْح ابنك، فلما أَصبح رَوَّى ـ أَي فَكَّرَ ـ أَنَّ ما رآه مِنْ الله فَيَأْتَمِرهُ، أَوْ لا فيترُكهُ، فسُمِّي يوم التَّرْوِية، فلما أَمسى رأَى مِثْلَ ذلك، فَعَرَف أَنَّه مِنْ الله تعالى فَسُمِّي يومَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رأَى مثل ذلك في الليلة الثالثة فَهَمَّ بِنَحْرِ وَلدِه فَسُمِّي يومَ النَّحْرِ. وقال ابنُ الأَنْباري: سُمِّي يومَ التروية لأَنَّ الناس يَرْوُونَ (فيه إِبِلَهم) (٢) ويحملون الماء (لأَجلهم) (٣) ، وسُمِّي يوم عَرَفَة لأَنَّ جبرائيل ﵇ عَلَّم إِبراهيم فيه المناسِكَ،

стр. 648

ومَكَثَ إِلى فَجْرِ عَرَفَةَ ثُمَّ مِنْها إِلى عَرَفَات، وكُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ. وإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَطَبَ الإِمَامُ كالجُمُعَةِ وجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بأذَانٍ وإِقَامَتَيْنِ. === فقال: عرفت. وقيل: لأَن آدم ﵇ لَمَّا أُهْبِطَ إِلى الأَرض وقع بالهند، ووقعت امرأَته حواء بالسند، وفي رواية: بجدة، فلم يلتقيا إِلاَّ عشيةَ عرفةَ، فسُمِّي يوم عرفة، لمعرفةِ كُلَ منهما الآخر. وقيل: سُمِّي مِنَى بذلك لأَن جبريل لما أَراد أَنْ يفارق آدمَ قال له: ماذا تَتَمنَّى؟ فقال آدم: الجنة. (ومَكَثَ) بعد وصوله إِلى مِنَى (إِلى فَجْرِ عَرَفَةَ) وصَلَّى الصبح، ومَكَثَ بعد الفجر إِلى طلوع الشمس على ثَبِير (١) ، لما روينا من حديث جابر. (ثُمَّ) دَفَعَ (مِنْها) أَي مِنْ مِنَى (إِلى عَرَفَات) لما قَدَّمنا، ولِمَا روى ابنُ عُمر: أَنه ﷺ غدَا مِنْ مِنَى حين طَلَعَ الصُّبحُ في صبيحةِ يَوْمِ عَرَفَةَ حتى أَتى عَرَفَةَ … الحديثَ. رواه أَحمد وأَبو داود. ويُسْتحبُّ أَنْ يسير إِلى عرفةَ على طريق ضَبّ لا على طريق المَأْزِمَيْن، وينزل في عرفة مع الناس حيث شاء، ويُكْره أَنْ ينزل في موضع وحده، وقُرْبُ الجبلِ أَفضلُ إِنْ لم يكن هناك مزاحمة ومنكر. (وكُلُّهَا) أَي جميع أَجزاء عرفة (مَوْقِفٌ) ولذا سُمِّيت عرفات (إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ) لما روى الطبراني والحاكم ـ وقال: على شرط مسلم ـ من حديث ابن عباس أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوقِفٌ، وادفَعُوا عن بَطْنِ عُرَنَة. والمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا موقفٌ، وادفعوا عن بَطْنِ مُحَسِّر». زاد ابن ماجه: «وكُلُّ مِنَى مَنْحَرٌ إِلاَّ ما وراء العَقَبَة». ورواه أَحمد عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِم وزاد: «وكُلُّ فِجَاج مِنَى مَنْحَرٌ، وفي كلِّ أَيامِ التشريقِ ذَبْحٌ» (وإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَطَبَ الإِمَامُ) في مسجد نَمِرَة بعد الزوال قبل الصلاة خطبتين، يَبْتَدِاءُ فيهما إِذا فَرَغَ المؤذن من الأَذان بين يديه، ويجلس بينهما، (كالجُمُعَةِ) ويُعَلِّمُهُم الوقوف بعرفةَ، ومُزْدَلِفَةَ وباقي المناسك، لحديث جابر: «فأَجازَ رسولُ الله ﷺ حتى أَتى عرفةَ، فوجد القبة قد ضربت له بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بها، حتى إِذا زَاغَتْ الشمسُ أَمَرَ بالقَصْواء، فرُحِّلت له، فأَتى بطنَ الوادي فخطب الناسَ إِلى أَنْ قال: ثُمَّ أَذَّن ثُم أَقام فصلّى الظهر، ثُم أَقام فَصَلَّى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئاً … الحديثَ. رواه مسلم. وهذا معنى قوله (وجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ) زَمَانِيَّاً (٢) لما روينا (بأَذَانٍ وإِقَامَتَيْنِ) يؤذن ويقيم للظهر، ثُم يقيم للعصر، وعليه الإِجماع.

стр. 649

وشُرِطَ الجَمَاعَةُ والإِحْرَامُ فِيهِمَا، فلا يَجُوزُ العَصْرُ لِفَاقِدِ أَحَدِهِما، ثُمَّ ذَهَبَ إِلى المَوْقِفِ بِغُسْلٍ سُنَّ === (وشُرِطَ) لهذا الجمع (الجَمَاعَةُ) في الصلاتين مع الخطيب (والإِحْرَامُ) بالحَجِّ (فِيهِمَا، فلا يَجُوزُ العَصْرُ (١) لِفَاقِدِ أَحَدِهِما) واقتصرا (٢) على الشرط الثاني: وهو الإِحرام كمالكٍ والشافعيِّ. (ثُمَّ ذَهَبَ إِلى المَوْقِفِ بِغُسْلٍ سُنَّ) لِمَا ذَكَرْنَا في باب الغُسْل، ويَقِفُ الإِمَامُ بِقُرْب الجبل عند الصخرات السود الكبار التي أَسفل الجبل الذي بِوَسَطِ عرفات، يقال له: إِلَالَ على وزن هِلَال، ويقال له (٣) أَيضاً: جبلُ الرحمة، بحيث يكون الجبل قُبَالَتَهُ بيمين إِذا استقبل القبلةَ، والبناء المربعِ عن يسارهِ بقليلٍ. فقيل: هو مَوْقِفُ النبيِّ ﷺ فيكون مستقبلَ القِبْلَةِ، ويدعو الناسُ بما أَحَبُّوا مستقبلين للقِبْلَةِ، لا كَمَا يَفْعَلُه العوامُ من استقبال الإِمام. وتُرْفَعُ الأَيدي بَسْطاً على رواحلهم وهو أَفْضَلُ من الوقوف قائماً، لما في حديث جابر: ثُم ركِب رسولُ الله ﷺ فجعل بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْواء إِلى الصخرات، وجعل جبلَ المشاة بين يديه، واستقبلَ القبلةَ فلم يزَلْ واقفاً حتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قليلاً حتى غاب القُرْصُ. رواه مسلم، وأَبو داود، وابن ماجه. وقد ورد: «خَيْرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عرفةَ، وخَيْرُ ما قلت أَنا والنبيُّون مِنْ قبلي: «لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له الملكُ وله الحَمْدُ وهو على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ». رواه مالك، والترمذي، وأَحمد وغيرُهم. وعن ابن عباس: رَأَيْتُ النبيَّ ﵊ يَدْعُو بعرفةَ، ويَدَاهُ إِلى صَدْرِهِ كالمُسْتَطْعِم المِسْكِين. رواه البيهقي في «سُنَنِهِ». وأَمَّا ما رواه ابنُ ماجه عن عبد الله بن كِنَانَةَ بن عباس بن مِرْدَاسِ السُّلَمِيّ: أَنَّ أَبَاه أَخبره عن أَبِيهِ: أَنَّ رسولَ الله ﷺ دَعَا لأُمَّتِهِ عشيةَ عرفةَ بالمَغْفِرة، فأُجيب: أَني قد غَفَرْتُ لهم ما خَلا المظالِمَ فإِني آخِذٌ للمظلومِ منه، قال: «أَي رَبّ، إِنْ شِئت أَعطيتَ المظلوم الجنة وغفرت للظالم، فلم يُجِبْهُ عشيةَ عرفةَ، فَلَمَّا أَصبح بالمُزْدَلِفَةَ أَعادَ الدعاء، فأُجِيبَ إِلى ما سَأَل، فَضَحِكَ رسولُ الله ﷺ أَوْ قال ـ تَبَسَّم، فقال أَبو بكر وعمر: بأَبي أَنْتَ وأُمّي، إِنَّ هذه الساعةَ ما كُنْتَ تَضْحَكُ فيها، فما الذي أَضْحَكَكَ (٣) أَضْحَكَ اللَّهُ (٣) سِنَّكَ قال: إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيس لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الله سبحانه قد استجابَ دعائي، وغَفَرَ لأُمّتِي، أَخَذَ الترابَ فَجَعَل يَحْثُوهُ على رأْسِهِ ويدعو

стр. 650

ويَكْفِي حُضُورُ سَاعَةٍ مِنْ زَوَالِ عَرَفَةَ إِلى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، === بالوَيْلِ والثُّبُورِ (١) ، فأَضْحَكَنِي ما رَأَيْتُ مِنّ جَزَعِهِ». فقد قال البُخاري: كِنَانة بن عباس عن أَبيه لا يصح. وقال ابن حِبَّان: كِنَانة بن عباس بن مِرْدَاس السُّلَمي ـ يَرْوي عن أَبيه وروى عنه ابنه ـ مُنْكَر الحديث جداً، ولا أَدْرِي أَنْ التخليط منه أَوْ مِنْ أَبيه، ومِنْ أَيِّهِمَا كان. فهو سَاقِطُ الاحتجاج. انتهى. وقد بسطت هذه المسأَلة في رسالة مستقلة. وفي «المحيط»: والليالي كُلُّها تابعة للأَيام المستقبلة لا للأَيام الماضية إِلاَّ في الحج، فإِنها في حُكْم الأَيام الماضية، فَلَيْلَةُ عرفةَ تابعةٌ لِيَوْمِ التروية، ولَيْلَةُ النَّحْر تابعةٌ ليومِ عرفةَ، ولهذا يَصِحُّ الوقوف فيها. وأَمَّا قَوْلُ صاحب «الهدايةِ»: قال رسولُ الله ﷺ «خَيْرُ المواقِفِ ما اسْتُقْبِلَ به القِبْلَةُ» فَغَيْرُ معروفٌ بهذا اللفظ، نعم وَرَدَ: «خَيْرُ المجالسِ ما اسْتُقْبِلَتْ به القبلةُ» كما ذكره النووي في «التبيان»، إِلاَّ أَنَّه مِنْ غير عَزْوٍ لأَحد، لكنْ أَخرجَهُ أَبو يَعْلَى، وابن عَدي، والطبراني في «الأَوْسط» ـ وفي سنده متروك ـ بلفظ: «أَكرمُ المجالِسِ ما اسْتُقْبِلَتْ به القبلةُ». وأَورده الحاكم في «صحيحه» (٢) من حديث طويل. وقال إِنه صحيح. ورواه العُقَيْلِي عن ابن عباس مرفوعاً بِلَفْظ: «إِنَّ لكلِّ شيءٍ شَرَفاً، وإِنَّ شَرَفَ المَجَالِسِ ما اسْتُقْبِلَتْ به القِبْلَةُ». وفي الجملة لهذا الحديث أَصْلٌ ثَابِتٌ، فقول ابن حِبَّان مَوْضُوعٌ، مَدْفُوعٌ. (ويَكْفِي) في الوقوف (حُضُورُ سَاعَةٍ) بشَرْط تَقَدُّم إِحرام (مِنْ زَوَالِ) يومِ (عَرَفَةَ) لأَنه ﷺ لم يَقِف إِلاَّ بَعْدَمَا جَمَعَ بين الظهر والعصر بعد الزوال، وجَوَّزَ أَحمد الوقوف مِنْ أَوَّل يوم عرفةَ (إِلى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) وقد رَوَى أَصحابُ السُّنَن الأَربعة، والحاكم ـ وقال: صحيح الإِسناد على شرط كافَّة أَئمة الحديث ـ عَنْ عُرْوَةَ بن مُضَرِّس قال: قال رسولُ الله ﷺ «مَنْ شَهِدَ صلاتنا هذه ـ أَي صلاة الصبح بِمُزْدَلِفة ـ وَوَقَفَ معنا حتى نَدْفَعَ، وقد وقف بِعَرَفَة قبل ذلك ليلاً أَوْ نهاراً، فَقَدْ تَمَّ حَجُّه وقَضَى تَفَثَه».

стр. 651

وَلَوْ كَانَ نَائِمًا أَو مَارَّاً، أَوْ مُغْمىً عَلَيْهِ، أَوْ أَهَلَّ عَنْهُ رَفِيقُهُ، أَوْ جَهِلَ أَنَّها عَرَفَةُ. وإِذَا غَرَبَتِ أَتى مُزْدَلِفَةَ - وكُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ وَادِي مُحَسِّر - === فإِن قيل: الطَّوافُ والوقوفُ رُكْنا الحَجِّ، فما الفَرْقُ بينهما، حيث لم تُشْتَرطُ النيةُ في الوقوف، وشُرِطت في الطواف، حتى لو طاف هَارِباً من عَدُوَ، أَوْ طَالِباً لغريم لا يُجْزِئه؟ أُجِيب بأَنَّ النيةَ عند الإِحرام تضمّنت جميعَ ما يُفْعَلُ فيه، والوقوفُ يُفْعَلُ فيه مِنْ كُلِّ وجه فاكْتُفِي فيه بتلك النية، والطواف يُفْعَلُ فيه من وَجْهٍ دونَ وَجْهٍ لأَنه يُفْعَلُ بعد التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فاشْتُرِط فيه أَصلُ النية دون تعيينها عملاً بالشَبَهَين. (وَلَوْ كَانَ نَائِماً أَوْ مَارَّاً (١) أَوْ مُغْمىً عَلَيْهِ أَوْ أَهَلَّ) أَي أَحرم (عَنْهُ رَفِيقُهُ) بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْر أَمْرِهِ، وهو قول أَبي حنيفةَ. وقالا: لا بد أَنْ يكون بأَمْرِه (أَوْ جَهِلَ أَنَّها عَرَفَةُ) وهذا من كمال توسعة الله على عِبَاده. ولم يفرض علماؤنا والشافعي (١) وقوفَ جزءٍ من الليل، وفَرَضَه مالكٌ لقوله (٢) : «مَنْ فَاتَهُ الوقوفُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَه الحَجُّ». ولنا قوله ﷺ «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ وَقَفَ بعرفةَ سَاعةً مِنْ ليلٍ أَوْ نهارٍ، فَقَد تَمَّ حَجُّه» (٣) . وكلمة «أَوْ» للتخيير والتنويع، ويُلَبِّي بعرفةَ ساعةً فساعةً. وقال مالك: يَقْطَعُ التلبيةَ كما (٤) يَقِفُ بِعرفةَ. ولنا ما رُوي عن الفَضْل: أَنَّ النبيَّ ﷺ ما زَالَ يُلَبي حتى أَتى جَمْرَة العَقَبَة. (وإِذَا غَرَبَتِ) الشَّمْسُ (أَتى مُزْدَلِفَةَ) على طريق المأْزِمَيْن بين العلمين دون طريق ضَبّ، وذلك لحديثِ عليَ أَنه ﷺ دَفَعَ حِينَ غَابتِ الشمسُ. رواه أَبو داود وغيره. والأَفضل أَنْ يمشي على هينته، وإِذا وجد فُرْجَةً أَسرع لما روى البخاري من حديث ابن عباس أَنَّه دَفَعَ مَعَ النبيِّ ﷺ يوم عرفةَ، فَسَمِعَ النبيَّ ﷺ وراءه زَجْراً شديداً، وضَرْباً للإِبِل، فأَشارَ بِسَوْطِهِ إِليهم، وقال: «أَيُّها النَّاسُ، عَلَيْكُم بالسَّكِينَةِ، فإِنَّ البِرَّ ليس بالإِيضاع ـ أَي الإِسراع ـ». (وكُلُّهَا) أَي جميع أَجزاء المزدلفة (مَوْقِفٌ) أَي مبيت، لأَن التبييت بِمُزْدَلِفَة ليلةَ النَّحْر سُنَّةٌ. (إِلاَّ وَادِي مُحَسِّر) لما تَقَدَّم من حديث ابن عباس: «المُزْدَلِفةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ،

стр. 652

وصَلَّى العِشَاءَيْنِ في وَقْتِ العِشَاءِ بأَذَانٍ وإِقَامَةٍ === وادفعوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّر». رواه البخاري. والأَفضل أَنْ يَنْزِل بِقُرْب قُزَح، لأَنه مَوْقِفُ النبيِّ ﷺ وهو المعروف بالمَشْعَرِ الحَرَام، لما رُوِي أَنه ﷺ لما أَصْبَحَ وقَفَ على قُزَح. رواه أَبو داود. وقُزَح: اسم جبل بالمزدلفة. ولا ينزل على الطريق كيلا يَتَضَرَّرَ، ولا يَضُرُّ بالمَّارةِ. (وصَلَّى العِشَاءَيْنِ) أَي المغرب والعشاء (في وَقْتِ العِشَاءِ بأَذَانٍ) واحدٍ اتفاقاً (وإِقَامَةٍ) واحدةٍ عندنا، إِلاَّ إِذا فَصَل بينهما: بصلاةٍ كان أَوْ بغيرها. وقال زُفر: بإِقامَتين مُطْلقاً. واختاره الطحاوي، وهو قول مالك والشافعيِّ، لما في الصحيحين عن أُسَامَة بنِ زَيْدٍ قال: دَفَعَ رسولُ الله ﷺ مِنْ عرفَةَ حتى إِذا كان بالشِّعْبِ نَزَل فبال فتوضَّأَ ولم يُسْبِغِ الوضوء، قلت: الصلاة يا رسولَ الله، قال ﷺ «الصلاةُ أَمامك» ـ أَي مكاناً أَوْ زَماناً ـ فركب فلما جاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَل فتوضأَ فأَسبغَ الوضوء، ثُم أُقيمت الصلاةُ فصلَّى المغرب، ثُم أَناخ كلُّ إِنسانٍ بَعِيرَهُ في منزله، ثُم أُقيمتِ الصلاة فَصَلاَّها ولم يُصَلِّ بينهما شَيئاً. وفي رواية: فلما جاء المزدلفة فصلى بها والمَغْرِبَ والعِشَاءَ بأَذانٍ واحدٍ وإِقامتين ولم يُسَبِّح بينهما شيئاً … الحديثَ. وفي البخاري عن ابن عمر قال: جَمَعَ النبيُّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِب والعِشَاءِ بِجَمْعٍ (١) ، كل واحدة منهما بإِقامةٍ ولم يُسَبِّح بينهما، ولا على إِثْرِ واحدةٍ (٢) منهما. ولنا ما في مسلم وأَبي داود عن سَعِيد بن جُبَير قال: أَفَضْنَا مَعَ ابن عمر فلما بلغنا جَمْعاً صلَّى بِنَا المَغْرِبَ ثلاثاً، والعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بإِقامةٍ واحدةٍ، فلما انْصَرَفَ قال ابن عمر: هكذا صَلَّى بِنا رسولُ الله ﷺ في هذا المكانِ. وجعل بعضُ الرواة مكانَ ابنِ عُمَرَ ابنَ عبَّاسٍ. كما أَخرجه أَبو الشيخ الأَصبهاني عن ابن عباس أَنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى المَغْرِبَ والعِشَاءَ بإِقامةٍ واحدةٍ. وفي «سُنَنِ أَبي داود» عن أَشْعَثَ بن سُلَيْم عن أَبيه قال: أَقْبَلْتُ مع ابنِ عُمَرَ مِنْ عرفاتٍ إِلى المُزْدَلِفَة، فلم يكن يَفْتُرُ عن التكبير والتهليلِ حتى أَتَيْنَا المزدلفة، فأَذَّنَ وأَقام أَوْ أَمَرَ إِنْسانَاً فأَذَّنَ وأَقَامَ، فَصَلَّى بِنَا المَغْرِبَ ثَلَاثَ ركعاتٍ، ثم التَفَتَ إِلَيْنَا فقال: الصلاةَ، فَصَلَّى بِنا العِشَاءَ.

стр. 653

وإِذَا أَدَّى المَغْرِبَ أَعادَ مَا لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ، === وفي الطحاوي، و «مُصَنَّف ابن أَبي شيبةَ» عن أَبي أَيُّوبٍ الأَنصاري: أَنَّ رسولَ الله ﷺ جَمَعَ بَيْن صلاةِ المَغْرِبِ والعشاءِ بالمُزْدَلِفة بأَذانٍ واحدٍ وإِقامةٍ واحدةٍ. وقد رواه البخاري ومسلم عنه وليس فيه ذكر الإِقامة. وفي روايةٍ عن ابن عمر أَنه ﷺ أَذَّنَ لِلمَغْرِبِ بِجَمْعٍ فأَقام، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ بالإِقامةِ الأُولى. قال ابن حَزْم: رواه مسلم. قال بعضُ المحققين: فقد علمت ما في (١) هذا من التعارض، فإِنْ لم يَرْجَح ما اتّفق الشيخان على ما انفرد به مسلم وأَبو داود حتى تساقطا، كان الرجوعُ إِلى الأَصل يقتضي تعدد الإِقامة بتعدد الصلاة كما في قضاء الفوائت، بل أَوْلى لأَنَّ الصلاة الثانية ههنا وقتية، فإِذا أُقيم للأُولى المتأَخرة عن وقتها المعهود كانت الحاضرةُ أَوْلى أَنْ يُقَامَ لها بعدها، كما في الجَمْع بعرفة. ثُمَّ الأَفضل أَنْ يصليهِما مع الإِمام بجماعةٍ، ولو صَلاَّهُما وَحْدَه أَوْ مع غيرِه أَجْزَأَه. وفي «شَرْح مسلم»: مذهبُ أَبي حنيفة وجماعة أَنه جَمْعٌ بِسَبَبِ النُّسُكِ (٢) ، فيجوزُ لأَهل مكةَ وغيرهم. والصحيح مِنْ مذهب الشافعيِّ أَنه جَمْعٌ بِسببِ السَّيْرِ، فلا يجوزُ إِلاَّ لِمُسافِرٍ مسافةَ القَصْر، وقال بعضُ أَصحابه كما قال أَبو حنيفة. (وإِذَا أَدَّى المَغْرِبَ) في عرفات أَوْ في الطريق (أَعادَ مَا لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ) حتى لو طلع الفجر قَبْل الإِعادة عاد إِلى الجواز اتفاقاً، فهو فسادٌ موقوفٌ، وذلك لأَن الفجر إِذا طلعَ فَاتَ وَقْتُ الجَمْعِ، وبه قال الثَّوْرِي. وقال أَبو يوسف: يُجْزِئه المَغْربُ مع الإِساءة، لأَنه أَدَّاها في وَقْتها المعهود، وبه قال مالك والشافعيُّ. ولنا ظاهر قوله ﷺ لأُسامَةَ: «الصلاة أَمَامَكَ» (٣) ، فإِنَّ معناه زمانها أَوْ مكانها أَمامك، لا نَفْس الصلاة، لأَنها حركاتٌ توجد مِنْ فِعْل المُصَلِّي فلا تتصف بالقَبْلية قبل وجودها، فإِنْ كان المراد به المكان، فقد ظهر اختصاص هذه الصلاة بالمكان، وهو المزدلفة، فلا يجوز في غيرها، وإِن كان به المراد الزمان، فظهرَ أَنْ وقت المغرب في وقت الحج لا يدخل بغروب الشمس، وأَداء الصلاة قبل وقتها لا يجوز. إِلاَّ أَنَّ خَبَر الواحد يوجبُ العَملَ لا العِلْمَ، فأَمر بالإِعادة ما بقي الوقت لِيصيرَ جامعاً بين

стр. 654

ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ وَقَفَ ودَعَا. === الصلاتين بالمزدَلِفة، إِذِ التأْخيرُ إِنَّما وجب لِيُمْكِنَه الجمع بينهما بالمزدلفة، وبعد طلوع الفجر لا يمكنه الجمع فَسَقَطَتْ الإِعادة. ولأَنَّا لو أَمرنا بالإِعادة بعد ذهاب الوقت لَحَكَمْنا بفسادِ ما أُدِّيَ وهو من باب العلم، وخبر الواحد لا يوجب العلمَ. فأَما وجوب الإِعادة في الوقت فَمِنْ باب العَمَل والأَخْذِ بالاحتياط فيعيدُ، كذا حَقَّقَهُ بعضُ علمائنا لكن في ترديده نظر ظاهر إِذْ (١) تَحَقُّقُ كُلَ مِنْ وقتِ العشاءِ وَوُصُولِ المزدلفة شَرْطٌ لهذا الجمع، فلا يجوزُ لِفَاقدِ أَحَدهِما. (ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ بِغَلَسٍ (٢) ) لما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: ما رأَيتُ النبيَّ ﷺ صَلَّى صلاةً لِغَيْرِ مِيقَاتِها إِلاَّ صَلَاتَيْنِ: صلاةَ المَغْرِب، والعشاء بجَمْعٍ، وصَلَّى الفَجْرَ يَوْمئذٍ قبل ميقاتها. يعني بعد الفجر قبل ميقاتها المعتاد، ولا يعني أَنه صَلاَّهُمَا قبل الفجر، لما في البخاري: وصَلَّى الفَجْرَ حينَ بَزَغَ ـ أَي طَلَعَ ـ. (ثُمَّ وَقَفَ) وكَبَّرَ، وهَلَّلَ، ولبى، وصلّى على النبيِّ ﷺ (ودَعَا) لِحَاجَتِهِ ما شاء، لما في حديث جابر الطويل: فَصَلَّى الفَجْرَ حين تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ بأَذانٍ وإِقَامةٍ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْواء حتى أَتى المَشْعَرَ الحَرَامَ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَدَعَاهُ، وكَبَّره، وهَلَّلَه، وَوَحَّدَه، ولم يَزَل واقِفاً حتى أَسْفَرَ (٣) جِداً فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ … الحديثَ. رواه مسلم. وجملةُ ذلك في «سُنن أَبي داود، والترمذي، وابن ماجه» عن عليَ ﵁ قال: وَقَفَ رسولُ الله ﷺ بِعَرَفَةَ فقال: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»، ثُم أَفَاضَ حين غربت الشمس وأَرْدَفَ أُسامة بنَ زيدٍ، وجَعَلَ يُشِيرُ بيده على هينةٍ والنَّاسُ يَضْرِبُونَ الإِبِلَ يميناً وشمالاً، يلتفت إِليهم ويقول: «أَيُّهَا الناسُ عليكم بالسَّكِينة»، ثُم أَتى جَمْعَاً فصَلَّى بهم الصلاتين جَمِيعاً، فلما أَصْبَحَ أَتى قُزَحَ فَوَقَفَ. وفي «المُسْتَدْرَك» عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ قال: خَطَبنا رسولُ الله ﷺ بعرفاتٍ، فَحَمِدَ الله وأَثْنَى عليه، ثُم قال: «أَمَّا بَعْدُ: فإِنَّ أَهلَ الشِّرْكِ والأَوثان كانوا يدفعون (٤) من هذا الموضع إِذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأَنَّها عَمَائِمُ الرِّجال (على

стр. 655

وإِذَا أَسفَرَ أَتَى مِنىً، ورَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي سَبْعًا خَذْفَاً، وكَبَّرَ بِكُلِّ، === رؤوسها، وإِنَّا نَدْفَعُ قبل أَنْ تغيب، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام إِذا كانت الشمس) (١) منبسطة». ورواه الشافعي وقال: «وإِنَّا لا نَدْفَعُ مِنْ عرفةَ حتى تَغْرُبَ الشمسُ، ونَدْفَعُ مِنْ مُزْدَلِفَة قبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ، هَدْيُنَا مُخَالِفٌ لِهَدْي أَهْلِ الأَوْثَانِ والشِّرْكِ». (وإِذَا أَسْفَرَ (٢) ) أَي صار في وقت الإِسْفار. وأَمَّا ما وَقَعَ في بعض نُسَخ القُدُوري «وإِذَا طَلَعَتْ» فَخَطأٌ، لأَنَّ النبيَّ ﷺ دَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُع الشمسُ كما في حديثِ جابر، (أَتَى مِنىً) أَي تَوَجَّه إِليها. ولو دَفَعَ بِلَيْلٍ لِعُذْرٍ به: مِنْ ضَعْفٍ، أَوْ كِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ جازَ، ولا شيءَ عليه لما رَوَى ابن عمر أَنه ﷺ أَذِنَ لضَعفَة النَّاسِ أَنْ يدفعوا بِلَيلٍ. رواه أَحمد: فإِذا بَلَغَ بَطْنَ مُحَسِّر أَسْرَعَ إِنْ كانَ ماشِياً، وحَرَّكَ دابَّتَهُ إِنْ كان رَاكِباً قَدْرَ رميةٍ، ويقول: اللهُمَّ لا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وعَافِنا قَبْل ذلك. (ورَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي سَبْعاً) أَي سَبْعَ حَصَيَاتٍ (خَذْفَاً) وهو ـ بالخاء المعجمة ـ الرَّمْيُ برؤوس الأَصابع. يُقَال: الحَذْفُ بالعصا، والخُذْفُ بالحصى، الأَول بالحاء المهملة، والثاني بالمعجمة. وكيفيتُهُ: أَنْ يضعَ الحصياتِ على ظُفْرِ إِبْهَامِهِ اليمنى ويستعين بالمُسبَحة. وقيل: يَأْخُذُ بِطَرفي إِبهامه ومُسَبِّحَتِهِ، قال ابنُ الهُمَام: وهو الأَصح، لأَنه الأَيسر والمعتاد في الأَكثر. هذا، وقد ورد عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود أَنه رَمَى جمرةَ العَقَبةِ مِنْ بَطْن الوادي بِسَبْع حصياتٍ يُكَبِّر مع كلِّ حصاةٍ، قال: فَقِيل له: إِنَّ ناساً يَرْمُونها مِنْ فوقها، فقال: هذا والذي لا إِلهَ غَيْرُه مَقَامُ الذي أُنزلتْ عليه سورةُ البقرة. (وكَبَّرَ بِكُلَ) أَي مع كلِّ حصاةٍ لحديث جابر: رَكِب القَصْواءَ حتى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامِ فاستقبل القبلةَ، ودَعَا، وكَبَّرَ، وهَلَّلَ، وَوَحَّدَ، فلم يَزَل واقِفَاً حتى أَسْفَرَ جداً، فدفع قَبْلَ أَنْ تطلعَ الشمسُ حتى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّر فَحَرَّك قليلاً ـ أَي ناقته ـ ثُم سلك الطريق الوُسْطى التي تخرج على الجمرة الكُبْرى، حتى أَتَى الجمرةَ التي عند الشجرةِ فَرَمَاها بِسَبْعِ حَصَياتٍ يكبر مع كلِّ حصاة مثل حصى الخذف، رَمَى مِنْ بطن الوادي ثُم انصرفَ إِلى المنْحَر. رواه مسلم. وفي «سُنن أَبي داود» عن سليمان بن عمرو بن الأَحوص عن أُمِّه قالتْ: رأَيْتُ

стр. 656

وقَطَعَ تَلْبِيَتَهُ بِأَوَّلِهَا، === رسولَ اللهِ ﷺ يَرْمِي الجمرةَ مِنْ بَطْنِ الوادي وهو راكبٌ يُكَبِّر مع كُلِّ حصاةٍ، ورجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ يَسْتُره فَسَأَلتُ عن الرجل، فقالوا: الفضل بن عباس، وازدحم الناس، فقال ﷺ «يا أَيُّها الناس، لا يقتل بعضُكم بعضاً، وإِذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخَذْفِ». قِيل: هو مقدار الحِمِّصَة. أَوْ النواة، أَوْ مقدار الأُنْملة. ولو رَمَى بأَكبر مِنْ حصى الخَذف، أَوْ رمى من أَعلى العَقَبة لا من بطن الوادي جازَ لحصول المقصود وكان تاركاً للأَفضل. ومِقْدارُ الرَّمْي استحباباً أَنْ يكون بين الرامي وبين موضع السقوط خَمْسَةُ أَذرعٍ، فلو، وقعت الحصاة قريباً من الجمرة جاز، ولو وقَعت بعيداً لا. وقَدْرُ القريبِ ثلاثةُ أَذرع، والبعيد ما فوقها. ولو رمى بحصاةٍ أَخَذَها من عند الجمرة أَجزأَه، لأَنَّ الرَّمْيَ لا يُغَيِّرُ صفة الحجر وأَساء، لأَنَّ ما عندها حَصَى مَنْ لم يُقْبَل حَجُّه، لما روى الدَّارَقُطْنِيّ والحاكم ـ وصححه ـ عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْري قال: قلتُ: يا رسولَ الله هذه الجمار التي تُرمى بها كل عام فنحسب أَنها تنقص، فقال: «إِنَّه ما يُقبل منها رُفِع، ولولا ذلك لرأَيتها أَمثال الجبال». ورَوَى أَحمد في «مُسْنده» والحاكم في «صحيحه» عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله ﷺ غداةَ جَمْع: «القُطْ لي»، فَلَقَطتُ له حصياتٍ له مِنْ حَصَى الخذف، فلما وَضَعْتُهُنَّ في يده قال: «نعم بأَمثال هؤلاء، وإِيَّاكُم والغلوَ في الدِّين، فإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكم بالغُلُو في الدِّين». ويَجُوزُ الرَّمْيُ بِجِنْس الأَرض مِنْ مَدَر (١) ونَحْوه، لأَن المقصودَ فِعْلُ الرَّمْي، وذلك يحصل بالمَدَر كما يَحْصُل بالحَجَر، بخلاف ما إِذا رَمَى بالذَّهَبِ والفضة لأَنَّه يُسَمَّى نِثَاراً لا رَمْياً. ويختص الرَّمْيُ بالحجر عند مالك والشافعي اتباعاً للمنقول المتوارث بالأَثَر. ولا يقف عند جَمْرَة العَقَبة للدعاء لما رُوِي عن ابن عمر: أَنَّه كان يَرْمِي جَمْرَة العَقَبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، وينصرف ويقول: هكذا رأَيتُ النبيَّ ﷺ يَفْعَلُه. رواه البخاري. (وقَطَعَ تَلْبِيَتَهُ) عندنا وعند الشافعي (بِأَوَّلِهَا) أَي بأَوَّلِ حصاةٍ رماها لما في الصحيحين من حديث ابن عباس: أَنَّ أُسامَةَ كان رِدْفَ (٢) النبيِّ ﷺ مِنْ عرفةَ إِلى

стр. 657

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === المُزْدَلِفَةَ، والفَضْلَ كان رِدْفَهُ مِنْ مُزْدَلِفَة إِلى مِنَى، وكلاهما قال: فلم يَزَل النبيُّ ﷺ يُلَبِّي حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَة. ولما في الكتب الستة عن الفضل بن عباس أَنَّ رسول الله ﷺ لَمْ يَزَل يُلَبِّي حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبة. وفي ابن ماجه: فَلَمَّا رَمَاهَا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ. وفي «آثار الطحاوي» بسنده قال: لَبَّى عبدُ الله وهو مُتَوَجِّهٌ إِلى عرفاتٍ فقال أُناسٌ: مَنْ هذا الأَعرابي؟ فالتفت إِلى عبد الله فقال: ضَلَّ الناسُ أَمْ نَسَوْا؟ والله ما زَالَ رسولُ الله ﷺ يُلَبِّي حتى رَمَى الجَمْرَةَ، إِلاَّ أَنْ يخلط ذلك بتهليلٍ أَوْ تكبيرٍ. وفي رواية للطحاوي عن ابن عباس قال: ولم يَسْمع الناسَ يُلَبُّونَ عشيةَ عَرفةَ، قال: أَيُّها الناسُ، أَنَسِيتُم، والذي نَفْسي بِيَدِهِ، لقد رأَيتُ رسولَ الله ﷺ يُلَبِّي حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبة. وقَطَعَ مالكٌ التلبيةَ بالرجوعِ من عرفاتٍ، لأَنَّ عمرَ وعليّاً وعائشةَ قطعوا التلبية حين أَفاضوا من عرفة. ولا يَقِفُ بعد رَمْي هذه الجمرةِ لما في البُخاري عن الزُّهْري قال: سَمِعْتُ سَالِماً يحدثُ عن أَبيهِ عن النبيِّ ﷺ أَنه كان إِذا رَمَى الجَمْرَةَ رماها بِسَبْعِ حصياتٍ يُكبرُ مَعَ كلِّ حصاةً، ثُم ينحدرُ أَمامها فيقفُ مستقبلَ القِبلةِ رافعاً يَدَيْهِ يَدْعُو. وكان يُطِيلُ الوقوفَ، ويأْتي الجَمْرَة الثانيةَ فَيَرْمِيهَا بِسَبعِ حصياتٍ يُكبرُ كُلَّما رَمَى بحصاة، ثُم ينحدرُ ذاتَ اليسارِ مما يلي الوادي فيقفُ مستقبلَ البيتَ رافعاً يَدَيْه يَدْعُو، ثُم يأْتي الجَمْرَة عند العَقَبة فَيَرْمِيها بِسَبْع حصياتٍ يُكَبِّرُ كُلَّما رَمَاها بحصاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ ولا يَقِفُ عندها. ولا يجوزُ الرَّميُ قبل طلوع الفَجْرِ الثاني عندنا، وهو قول مالك. وأَجازه الشافعيُّ لقولِ ابن عباس: إِنَّ النبيَّ ﷺ رَخَّصَ للرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا لَيلاً. رواه ابن أَبي شيبةَ في «مسنده»، والطبراني في «مُعْجَمه»، ورواه الدارقُطَنِيّ بِسَنَدٍ ضعيفٍ من حديث ابن عُمر وزاد فيه: وأَيَّة ساعةٍ شَاؤوا مِنَ النهارِ. ولنا ما في السُّنَن الأَربعةِ عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسولُ الله ﷺ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهلِهِ بِغَلَس (١) ، ويَأْمُرُهُم أَنْ لا يَرْمُوا الجَمْرَةَ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وفي «مُسْنَدِ البَزَّارِ» عن الفَضْلِ بن عباس: أَنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ ضَعَفَةَ بني هاشم أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ ويقول: «أُبَيْنِيَّ (٢) ، لا تَرْمُوا الجمرةَ حتى تَطْلُعَ الشمسُ».

стр. 658

ثُمَّ ذَبَحَ إِنْ شاءَ، ثُمَّ قَصَّرَ، وحَلْقُهُ أَفْضَلُ، وحَلَّ لَهُ إِلاَّ النِّساءَ. === وفي الطحاوي عن ابن عباس: أَنَّ النبيَّ ﷺ كان يَأْمرُ نِسَاءه وثَقَله ـ أَي خدَمَهُ ـ صبيحة جَمْعٍ: أَنْ أَفيضوا من أَوَ لِ الفَجْرِ بسوادٍ ولا تَرْمُوا الجمرةَ إِلاَّ مُصبحين. فأَثْبَتْنَا الجوازَ بهذا، والفضيلةَ لما قبله. وما رواه على الليلة الثانية والثالثة فَمَخْصُوصٌ بالدُّعاء. وفي «مَبْسوط» شيخ الإِسلام: أَنْ ما بعدَ طلوعِ الفَجْرِ من يومِ النَّحْر وقتُ الجواز مع الإِساءة، وما بعد طلوعِ الشمسِ إِلى الزَّوَالِ وقتٌ مسنونٌ، وما بعد الزَّوال إِلى الغروب وَقْتُ الجواز بلا إِساءة، والليل وقتُ الجواز مع الإِساءة. (ثُمَّ ذَبَحَ إِنْ شاءَ) لأَنَّ المُفْرِد لا يجبُ عليه دَمٌ، بل يستحب له. وفي حديث جابر: فَنَحَرَ ﷺ ثلاثاً وستينَ بَدَنة، ثُم أَعطَى عَلِياً فَنَحَرَ ما غَبَرَ ـ أَي ما بقي من جُمْلَةِ المئة ـ وأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ. وقال ابن حِبَّان: والحِكْمَةُ في أَنَّه ﷺ نَحَرَ ثلاثاً وستينَ بَدَنة أَنه كان له يَومَئِذٍ ثلاثٌ وستونَ سنةً، فَنَحَرَ لِكُلِّ سَنَةٍ بَدَنةً. ورَوى ابنُ ماجه: أَنَّ رسولَ الله ﷺ ذَبَحَ بقرةً عَمَّنِ اعْتَمَرَ مِنْ نسائِهِ في حَجَّةِ الوداع. ورَوى النَّسائي عن عائشةَ قالت: ذَبَحَ عَنَّا رسولُ الله ﷺ يوم حَجِّنَا بقرةً. (ثُمَّ قَصَّرَ) بأَنْ أَخَذَ من رُؤوس شَعْر رَأْسِهِ مِقْدَارَ أُنْمُلةٍ، رجلاً كانَ أَوِ امرأَةً (وحَلْقُهُ) أَي الرجل (أَفْضَلُ) لتقديمه في الآية ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤوسَكُم ومُقَصِّرينَ﴾ (١) ، ولما في الصحيحين من حديث ابن عمر: أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ»، قالوا: والمقصّرين يا رسولَ الله؟ قال: «رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ»، قالوا: والمقصرين يا رسولَ الله؟ قال: «والمُقَصِّرين». ولفظ البخاري فلما كان الرابعة قال: «والمُقَصِّرين». وأَمَّا قولُ صاحب «الهداية»: ثم يَذبحُ إِنْ أَحبَّ، ثُم يَحلقُ أَوْ يُقَصِّر لما رُوي عن رسولِ الله ﷺ أَنه كان يقول: «نُسُكنا هذا أَنْ نَرْمي، ثُم نَذْبحَ، ثُم نَحْلقَ» فغير معروف. (وحَلَّ لَهُ) ما كان محظوراً منه (إِلاَّ النِّساءَ) لما في الصحيحين من حديث عائشةَ قالت: «طَيَّبْتُ رسولَ الله ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِم، ويومَ النَّحْر قَبْل أَنْ يَطُوفَ بالبيتِ بطيبٍ فيه مِسْكٌ». والرَّمْيُ غَيْرُ مُحَلِّلٍ من الإِحرام عندنا في المشهور، ومُحَلِّلٌ عند مالك والشافعيّ رحمهما اللهُ تعالى وفي غَيْرِ المشهورِ عندنا، لما في أَبي داود وابن

стр. 659

ثُمَّ طَافَ لِلزِّيارَةِ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، === ماجه عن عائشة قالت: قال رسولُ الله ﷺ «إِذا رَمَى أَحَدُكُم جَمرةَ العَقَبَة فَقَد حَلَّ له كُلُّ شيءٍ إِلاَّ النِّساء». وفي «مُسْنَد أَحمد» عن أُم سَلَمَةَ، عن النبيِّ ﷺ أَنَّه قال عشيةَ يومِ النَّحر: «إِنَّ هذا يومٌ رُخِّصَ لَكُمْ إِذا رَمَيْتُم الجمرةَ أَنْ تَحِلُّوا من كلِّ ما حُرِمْتُم عنه إِلاَّ مِنَ النساءِ». ولقول ابن الزبير: مِنْ سُنَّةِ الحَجِّ إِذَا رَمَى الجمرةَ الكُبْرى حل له كل شيء حرم عليه إِلا النساء والطيب حتى يزور البيت. رواه (١) الحاكم في «المُسْتَدْرَك» ـ وقال: على شَرْط الشيخين ـ. وقول الصحابي: «مِنَ السُّنَة» (له) (٢) حُكْم الرَّفْع. ولقول ابن عباس: إِذا رَمَيْتُم الجَمْرَةَ فقد حَلَّ لكم كُلُّ شيءٍ إِلاَّ النِّساءَ، فقال رجلٌ: يا أَبا العباسِ والطيب؟ قال: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ يُضَمِّخُ (٣) رَأْسَه بالمِسْكِ. أَفَطِيبٌ هُو أَمْ لا؟ رواه ابن ماجه، والنَّسائي. ولنا ما في الطحاوي والدَّارَقُطْنِيّ من حديث الحَجَّاج بن أَرْطَأَة عن أَبي بَكْر بن عمرو بن حزم، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ «إِذا رَمَيْتُم وحَلَقْتُم وذَبَحْتُم، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شيءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ». وفي الطحاوي والدَّارَقُطْنِيّ من حديث الحَجَّاج: «وقَدْ حَلَّ لَكُمْ الثِّيابُ والطِّيبُ». ثُم قال الدارقُطْنِي لم يَرْوِهِ غَيْرُ الحَجَّاجِ. وقد نُصَّ على ما ذَكَرْنَا من حصول (٤) التحليل بالرَّمْي عندنا أَيضاً في كتاب المناسك مِنْ «شرح المبسوط» للشيخ المعروف بخواهِر زَاده. وفي «شرح الجامع الصغير» لقاضي خان بقوله: وبعد الرَّمْي قَبْلَ الحَلْقِ حَلَّ لَهُ كُلُّ شيءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ والطِّيبَ. وعن أَبي يوسف أَنه يَحِلُّ له الطِّيبُ أَيضاً. ورَوى ابنُ عباس أَنَّه ﷺ قال: «لَيْسَ على النِّساءِ الحَلْقُ، إِنَّما على النِّساءِ التِّقْصِيرُ». رواه أَبو داود، وأَحمد، وغيرهما. (ثُمَّ طَافَ لِلزِّيارَةِ) وهذا الطواف رُكْنٌ (يَوْماً مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ) لقوله تعالى ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ في أَيَّامٍ معلومات عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنعام فَكُلُوا مِنْهَا وأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ * ثُمَّ ليَقْضُوا تَفَثَهُم وليُوفُوا نُذُورَهُم وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ (٥)

стр. 660

سَبْعَةً بلا رَمْي ولا سَعْي، إِنْ كَانَ سَعَى قَبْلُ. وأَوَّلُ وَقْتِهِ بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وهُوَ فِيهِ أَفْضَلُ، وَحَلَّ لَهُ النِّسَاءُ، فَإِنْ أَخَّرَ عَنْهَا كُرِهَ ويَجِبُ دَمٌ. وبَعْدَ زَوَالِ ثاني يَوْم النَّحْرِ رَمَى الجِمَارَ الثلاثَ، يَبْدَأُ بِمَا يَلِي المَسْجدَ، === فعطف الطواف على الذبح المؤقت بأَيام النحر فيتوقت هو (١) أَيضاً بها (سَبْعَةً) أَربعة فَرْضٌ، وثلاثة واجبٌ (بلا رَمْيٍ ولا سَعْيٍ إِنْ كَانَ سَعَى قَبْلُ) أَي قبل ذلك بأَنْ كان سَعَى عقيبَ طوافِ القُدُوم. (وأَوَّلُ وَقْتِهِ) أَي وقت طواف الزيارة (بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) لأَن ما قَبْلَهُ مِنْ الليل وقتُ الوقوف بِعَرفة، والطواف مرتبٌ عليه (وهُوَ) أَي طواف الزيارة (فِيهِ) أَي في أَوَّلِ أَيَّام النَّحْر (أَفْضَلُ) لما في مُسْلم عن ابن عمر: أَنَّه ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْر ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظهر بِمِنَى. قال نافع: وكان ابن عمر (يَفْعَلُ ذلك) (٢) . وأَمَّا قولُ صاحب «الهداية». وأَفضلُ هذه الأَيام أَوَّلُهَا، قال النبي ﷺ «أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا» فَغَيْرُ معروف. وفي حديث جابر الطويل: ثُمَّ رَكِبَ رسولُ الله ﷺ فأَفَاضَ إِلى البيتِ فَصَلَّى الظهر بِمَكَّةَ. قال بعضُهم: ولا شَكَّ أَنَّ أَحَدَ الخَبَرَيْنِ وَهْمٌ. وحيث لا بدَّ مِنْ صلاة الظهر في أَحَد المَكَانَيْنِ ففي المسجدِ الحرام أَوْلَى لِثُبوتِ مُضَاعَفَةِ الفرائض فيه، والأَوْلى أَنْ يُدْفَعَ الوَهْمُ ويجمع بأَنه ﵊ كان يَفِيضُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ النَّحْر كما رُوِي، فالاختلاف مَبْنِيٌّ على تَعَدُّدِه. (وَحَلَّ لَهُ النِّسَاءُ) بإِجماع الأُمةِ كذا ذكره الشارح. لكنَّ مَحَلَّهُ إِذا قَدَّم السَّعْي إِذْ لَا يَحِلُّ الجِمَاعُ بل ولا عَقْدُ النِّكَاحِ قبل السعي عند الشافعي، ثُم حِلهن بالحلق السابق (أَوْ الرَّمْي) (٣) بناءً على خِلَافٍ في ذلك، لا بالطواف إِلاَّ أَنه أَخَّر عَمَلَهُ في حَقِّ النِّساء لصاحب العُذْر. (فَإِنْ أَخَّرَ) الطواف (عَنْهَا) أَي عن أَيام النَّحر (كُرِهَ) تحريماً، لأَنَّه مؤقت بأَيامِ النَّحْر (ويَجِبُ دَمٌ) عند أَبي حنيفة كما لو أَخَّر رَمْيَ الجِمَار عن وقته، وعندهما لا يجبُ شيءٌ، لأَنه ﷺ ما سُئِل عَنْ شيءٍ من أَعمال يومِ النَّحْرِ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إِلاَّ قال: «افْعَل ولا حَرَج». وأُجِيبَ بأَنَّ معناه: لا إِثْمَ، ولا يلزمه من عدمه عَدَمُ الكفارة. (وبَعْدَ زَوَالِ ثاني يَوْمِ النَّحْرِ رَمَى الجِمَارَ الثلاثَ، يَبْدَأُ بِمَا يَلِي المَسْجِدَ) أَي

стр. 661

ثُمَّ بمَا يَلِيه، ثُمَّ بالعَقَبة سَبْعًا، وكَبَّرَ بِكُلٍّ ودَعَا، ثُمَّ غَدَاً كَذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَهُ كَذَلكَ إِنْ مَكَثَ، وهُوَ أَحَبُّ. ويَسْقُطُ بِنَفْرِهِ قَبْلَ طُلُوعِ اليَومِ الرَّابعِ، === مِنْ مَسْجِد الخَيْف (ثُمَّ بِمَا يَلِيه) المسمى بالجَمْرَةِ الوُسْطَى. (ثُمَّ بالعَقَبة سَبْعاً وكَبَّرَ بِكُلَ) أَي مع كل حصاةٍ يَرْمِيها، ووقف بعد كل من الأَولين في الموضع الذي يقف فيه النَّاسُ، وحَمِدَ اللَّهَ، وأَثْنَى عليه، وهَلَّلَ وكَبَّر (ودَعَا) واستغفر لأَبويه وأَقاربه ومعارفه لما رَوَى البخاري من حديثِ سالمٍ بن عبد الله، عن أَبيه: أَنَّه كان يرمي الجَمرةَ الدنيا بِسَبْعِ حصياتٍ، يُكَبِّرُ على إِثْرِ كُلِّ حصاةٍ، ثُم يتقدم فَيُسْهِل، ويقومُ مستقبلَ القبلة قياماً طويلاً، فَيَدْعُو ويَرْفَعُ يديه، ثُمَّ يَرْمِي الجمرةَ الوسطى كذلك فيأْخذ ذاتَ الشِّمال فيسهل (١) ، ويقومُ مستقبلَ القبلةِ قياماً طويلاً، فيدعو ويرفع يديه، ثُمَّ يَرْمِي الجَمْرَةَ ذاتَ العَقَبة مِنْ بَطْنَ الوادي ولا يقف عندها، ويقول (٢) هكذا رأَيتُ رسولَ الله ﷺ يَفْعَلُ. وفي روايةٍ لأَبي داود عن عائشةَ أَنها قالت: أَفَاضَ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ حين صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلى مِنَى فَمَكَثَ بها لَيَاليَ أَيَّام التَّشْرِيق ويَرْمي الجِمَارَ إِذا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلّ جمرةٍ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ مع كُلِّ حصاةٍ، ويَقِفُ عند الأُولى والثانيةِ فَيُطِيلُ القِيَامَ، ويَرْمي الثالثة ولا يَقِفُ عندها. رواه أَبو داود. (ثُمَّ غَدَاً) يَفْعَلُ (كَذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَهُ كَذَلِكَ) يفعل (إِنْ مَكَثَ) قَيَّدَ بذلك لأَنه مُخَيَّرٌ بَيْنَ النَّفْرِ في اليوم الثالث، أَوْ الرابع لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ في يومين فَلا إِثْمَ عليه ومَنْ تَأَخَّر فلا إِثْم عليه لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٣) (وهُوَ) ـ أَي المُكْث ـ إِلى زوال اليوم الرابع (أَحَبُّ) لِتَكْثُرَ العبادةُ وتزيدَ الطاعةُ، ولما رَوَى أَبو داود، وابن ماجه، وابن حِبَّان، والحاكم ـ وقال: على شرط مسلم ـ عن عائشةَ قالت: أَفَاضَ رسولُ الله ﷺ مِنْ آخِر يومٍ حينَ صَلَّى الظُّهْرَ ـ أَي في اليوم الرابعِ من أَيَّام مِنَى ـ. ورَوَى الحاكم عن أَبي هريرة مرفوعاً: «اللهم اغفر للحَاجِّ، ولِمَنْ استغفر له الحَاجُّ». وقال: صحيح على شرط مسلم. (ويَسْقُطُ) الرَّمْيُ عنه (بِنَفْرِهِ قَبْلَ طُلُوعِ) فَجْرِ (اليَوْمِ الرَّابِعِ) وعن أَبي حنيفة،

стр. 662

وإِذا نَفَرَ إلى مكَّةَ نَزَلَ بالمُحصَّبِ === وهو قول الشافعي: ليس له النَّفْرُ بَعْدَ غروب الشَّمْسِ من اليوم الثالث، لأَن النَّفْرَ في اليوم لا في الليل لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَينِ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ولو رَمَى في اليومِ الرَّابعِ قَبْلَ الزَّوال، صَحَّ عند أَبي حنيفةَ مع الكراهةِ، لأَنه خالف السُّنَّةَ، وقالا: لا يصح اعتباراً باليومِ الثاني والثالث، وعليه الجمهور من السَّلَف والخَلَف. ولأَبي حنيفة قول ابن عباس: إِذا انتفخ النهار مِنْ يومِ النَّفْرِ، فَقَد حَلَّ الرَّمْيُ، والصَّدَرُ. والانتفاخ: الارتفاع. لكنَّ في سنده طلحةَ بن عَمْرو: ضَعَّفَهُ البيهقيُّ، على أَنه إِنْ صَحَّ ليس بِنَصَ في المُدَّعَى كما لا يخفى. وفي قَاضِيخَان: قال أَبو حنيفة ومحمد: الرَّمْيُ كُلُّهُ رَاكِباً أَفْضَلُ. انتهى. لأَنه رُوِي رُكُوبُه ﷺ فيه كُلِّه. وفي «الظهيرية»: يُسْتَحب المَشْي إِلى الجمار، وإِنْ رَكِبَ إِلَيْهَا فلا بأْسَ به. والمَشْيُ أَفضلُ. فكأَنَّهُ حَمَلَ فِعْلَ النبيِّ ﷺ على عُذْرٍ تقدم في الطوافِ والسَّعْي. ثُم تَرْتِيبُ الرَّمْي كما ذكرنا، والمَبِيتُ (١) بِمِنىً في ليالي الرَّمْي سُنَّتانِ عندنا، لا واجبان كما قال مالك والشافعيُّ. لهما أَنَّ النبيَّ ﷺ رَتَّبَ الرَّمْي وبات بمنى في لياليه، وقد قال النبيّ ﷺ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم» (٢) . وروى ابن أَبي شيبةَ عن عمر: أَنَّه كان يَنْهَى أَنْ يَبِيتَ أَحَدٌ من وراء العَقَبة، وكان يَأْمُرُهُم أَنْ يدخلوا مِنى. وعن ابن عباس نحوه، وعن ابن عمر: أَنَّه كَرِهَ أَنْ يَنامَ أَحدٌ أَيَّامَ مِنىً بِمَكَّةَ. ولنا أَنَّ ابن عباس استأْذَنَ رسولَ الله ﷺ في البيتوتةِ بمكةَ في ليالي الرَّمْي للسِّقَايَةِ، فأَذِنَ له في ذلك. ولو كان واجباً لَمَا رَخَّصَ له تَرْكَها للسقاية، كذا قالوه. وفيه أَنَّ تَرْكَ الواجب بِعُذْرٍ مُسْقِطٌ للدم اتفاقاً، وقد سَبَقَ الإِذن للضعفة في ترك الوقوف بمزدلفة، على أَنه يَحْتَمِلُ الخصوصيةَ لأَهل السقاية، فافهم. والله تعالى أَعلم. وكُرِهَ تقديمُ الثَقَل ـ وهو بفتحتين: متاعُ المسافر وحشمه ـ زَمَنَ الإِقَامَةِ بمنى للرمي، لما في «مصنف ابن أَبي شيبةَ» عن عُمَارَة: قال عمرُ: مَنْ قَدَّمَ ثَقَلَهُ مِنْ مِنىً ليلةَ النَّفْرِ فلا حج له. وعن ابن شُرَحْبِيل، عن عمر قال: مَنْ قَدَّم ثَقَلَهُ قَبْلَ النَّفْرِ فلا حَجَّ لَهُ. أَي لا كَمَالَ لِحَجِّه، لأَنه يشتغلُ به قَلْبُه، ورُبَّمَا يَمْنَعُه عن إِتْمَامِ الرَّمْي. (وإِذَا نَفَرَ) مِنْ مِنَى (إِلى مَكَّةَ نَزَلَ بالمُحَصَّبِ) ـ بتشديد الصاد المهملة المفتوحة ـ ويقالُ له: الأَبطح، والبطحاء، والخَيْف، والبطحا، وهو ما بين الجبل الذي

стр. 663

ثُمَّ طَافَ للصَّدَرِ سَبْعَةً بِلا رَمَلٍ وسَعْيٍ === عنده المَقْبرة والجبل الذي يقابل مصعداً في الجانب الأَيسر وأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلى مِنَى مرتفعاً عن بطن الوادي، وليست المَقْبَرَةُ من المُحَصَّب. وسُنَّ أَنْ يُصَلِّي فيه الظُّهْرَ، والعَصْرَ، والمَغْرِبَ، والعِشَاءَ، ويَهْجَعُ هَجْعَةً (١) ، ثُمَّ يَدْخُل مكةَ، لما في البخاري عن أَنس: أَنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى الظهرَ والعَصْرَ، والمَغْرِبَ، والعِشَاءَ، ورَقَدَ رقدةً بالمُحَصَّبِ، ثُم رَكِبَ إِلى البيت فَطَافَ به ـ أَي طوافَ الوَدَاع ـ. قال شمس الأَئمة في «مَبْسُوطه»: وكان ابنُ عباس يقول: ليس النزولُ فيه سنة (ولكنّه موضعٌ نَزَلَهُ رسولُ الله ﷺ إِتفاقاً، وبه قال الشافعي. الأَصح عندنا أَنه سنّة، وأَنه ﵊ نزله قصداً. له ما في الكتب الستة من حديث عائشة قالت: إِنَّما نزل رسولُ الله ﷺ المُحَصَّب ليكون أَسمحَ لخروجه، وليس بسُنَّة) (٢) فَمَنْ شَاء نزله ومَنْ شاء لم ينزله. وفي مُسْلِمٍ عن أَبي رافع ـ مَوْلَى رسول الله ﷺ قال: لم يَأْمُرْني رسولُ الله ﷺ أَنْ أَنْزِلَ الأَبْطَحَ حين خرج مِنْ مِنَىً، ولكن جِئْتُ فَضَربْتُ قُبَّتَه، فَجَاء فنَزَلَ. قال أَبو بكر: وكان عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ ولنا ما في الصحيحين عن أَبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ ونحن بِمِنىً: «نَحْنُ نازلون غداً بخَيْفِ بني كِنانَةَ حيثُ تَقَاسَمُوا (٣) على الكُفْر». وذلك أَنْ قريشاً وبني كنانة تَحَالَفَتْ على بني هاشم وبني المطلب: أَنْ (٤) لا يُنْكِحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إِليهم رسول الله ﷺ يعني بذلك المُحَصَّب ـ. وفي مسلم من حديث نافع عن ابن عمر: أَنه كان يرى التَّحْصِيبَ سُنَّةً، وكان يُصَلِّي الظُّهرَ يومَ النَّفر بالمحصَّب. قال نافع: قد حَصَّبَ رسولُ الله ﷺ والخلفاء بعده. والأَظهر أَنْ يُقال: إِنه سُنَّةُ كِفاية، لأَن ذلك المَوْضِعَ لا يسع الحاج جميعهم، وينبغي لأُمراء الحاج أَنْ ينزلوا فيه، وكذا غيرِهم، ولو ساعةً إِظهاراً للطاعة. (ثُمَّ طَافَ للصَّدَرِ) عن البيت، وهو طوافُ الوَدَاع، ويُسْتَحب أَنْ يجعله آخِرَ طوافه (سَبْعَةً بِلا رَمَلٍ وسَعْيٍ) وهو واجبٌ على الآفاقي عندنا، وعند الشافعيِّ في الأَصح عنه. وقال مالك: هو سُنَّةٌ، لأَنه بمنزلةِ طواف القُدُوم. ولنا ما في الصحيحين

стр. 664

ثُمَّ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ === عن طاوس، عن ابن عباس قال: أَمَر الناسَ أَنْ يكونَ آخِرُ عهدِهم بالبيتِ، إِلاَّ أَنه خُفِّفَ على المرأَة الحائض. وفي لفظٍ لِمُسْلم قال: كان الناسُ يَنْصرِفونَ في كُلِّ وَجْهٍ، فقال رسولُ الله ﷺ «لا ينفرنَّ أَحَدٌ حتى يكونَ آخرَ عهده بالبيت الطوافَ». وفي الترمذي والنَّسائي عن ابن عمر قال: من حجّ فليكن آخر عهده بالبيت إِلاَّ الحُيَّض (١) رخّص لهن رسولُ الله ﷺ ورواه الشافعي في «مسنده» وزاد فيه: وإِن آخرَ النسك الطوافُ بالبيت. (ثُمَّ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ) مُسْتَقْبِلاً متضلعاً، ويستقي بيده إِنْ قدر، لما في حديث جابر: فأَتى ـ يعني النبيَّ ﷺ بني عبد المطلب وهم يسقون على زَمْزَمَ فقال: «انزعوا بني عبد المطلب فلولا أَنْ يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دَلْواً». ولقول ابن عباس: جاء النبيُّ ﷺ إِلى زَمْزَمَ فَنَزَعْنَا له دَلْواً فَشَرِبَ، ثُمَّ مَجَّ فيها، ثُمَّ أَفرغناها في زَمْزَمَ، ثُم قال: «ولولا أَنْ تُغْلَبوا عليها لنزعت بيدي». رواه أَحمد في («مُسْنَدهِ» والطبراني في) (٢) «معجمه». وذكر ابن سَعْد في «الطبقاتِ» بِسَنده عن عطاء، عن النبيَّ ﷺ فَلَمَّا أَفَاضَ نزع لنفسه بالدلو ـ يعني مِنْ زمزم ـ لم يَنْزِع معه أَحد، فشرب منها. وعنه: أَنه ﷺ قال: «خيرُ ماءٍ على وَجْه الأَرض ماءُ زمزم، فيه طعامُ طعمة وشفاءُ سَقَم. وشَرُّ ماءٍ على وجه الأَرض ماءٌ بِوادي بَرَهُوت (٣) بقية حَضْرَمَوْت، كرِجْلِ الجَرَاد (٤) (من الهوامّ) (٥) يصبح يتدفق (ويُمسي) (٥) لا بِلَال (٦) فيها». رواه الطبراني في «الكبير» ورواته ثقات. وعنه: أَنه ﷺ قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ له: إِنْ شرِبْتَهُ لتَستشفي (٧) شَفَاكَ اللهُ، وإِنْ شربْتَهُ ليُشْبِعَكَ أَشْبَعَكَ اللهُ، وإِنْ شَرِبْتَهُ لَيَقْطَع ظمأً قطعه الله، وهي هَزْمَة (٨) جبرائيل، وسُقْيا

стр. 665

وقَبَّلَ العَتَبَةَ، وَوَضَعَ وَجْهَهُ عَلَى المُلْتَزَمِ، ويَتَشَبَّثُ بالأَستَارِ، وَدَعَا مُجْتَهِدًا ويَبْكِي، ويَرْجِعُ القَهْقَرَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ. === اللهِ إِسماعيلَ». رواه الدَّارَقُطْنِيّ وسكت عنه. وكذا رواه الحاكم مرفوعاً. وكان ابن عباس إِذا شَرِبَ ماءَ زَمْزَمَ قال: اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ عِلْماً نَافِعَاً، ورِزْقاً وَاسِعاً، وشِفَاءً مِنْ كُلِّ داءٍ. رواه الحاكم في «مُسْتَدْرَكِهِ» موقوفاً. (وقَبَّلَ العَتَبَةَ) المرتفعة عن الأَرض تعظيماً للكعبة (وَوَضَعَ وَجْهَهُ) الشامل بجبهته وخَدَّيْهِ وصَدْرِه (عَلَى المُلْتَزَمِ) وهو ما بين الحجر الأَسود والباب. فقد رَوى البيهقي عن المُثنى بن الصَّبَّاح، عن عمرو بن شُعَيب، عن أَبيه، عن جدّه: أَنَّ رسولَ الله ﷺ كان يلزق وَجْهَهُ، وصَدْرَهُ بالمُلْتَزَم. والمُثَنى بن الصَّبَّاح (ضعيف، لكن هذا مِنْ باب الترغيب. ورواه أَبو داود أَيضاً من جهة المثنى بن الصَّبَّاح) (١) عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن أَبيه، عن جَدِّه بِأَطولَ مِنْ هذا. (ويَتَشَبَّثُ) أَي يتعلّقُ (بالأَستَارِ) والتَصَقَ بالجدارِ (وَدَعَا مُجْتَهِداً) في الاعتذار (ويَبْكِي) ويُكْثِرُ الاستغفار، ويتعوّذُ بالمَلِكِ الجَبَّار العزيز الغفّار، لما في «سُنَن أَبي داود» عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أَبيه قال: طُفْتُ مَعَ عبدِ الله فَلَمَّا جِئْنَا دُبُرَ الكعبةِ قلتُ: أَلا نَتَعَوَّذُ؟ قال: تَعَوَّذ باللهِ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ مَضَى حتى استلمَ الحجرَ، وقَامَ بين الرُّكِنِ والبابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وذِرَاعَيْهِ وكَفَّيْهِ هكذا، وبَسَطَهُمَا بَسْطاً، ثُم قال: هكذا رأَيتُ رسولَ الله ﷺ يَفْعَلُه. ورواه ابن ماجه وقال فيه: عن أَبيهِ، عن جَدّه. قال المُنْذِري: فيكونُ شُعَيبٌ وأَبو محمدٌ قَدْ طَافَا مع عبد الله، وهو مُضَعَّفٌ بالمُثَنى بن الصَّبَّاح. وكذلك رواه عبد الرزاق: أَخبرنا ابن جُرَيج، عن عَمْرو بن شُعَيب قال: طاف جَدِّي محمد بن عبد الله بن عمرو، مع أَبيه عبد الله بن عمرو، فَلَمَّا كان سَابِعَهَا قال محمد لعبد الله: أَلا نتعوّذُ إِلى آخره. وهذا أَصحُّ إِسناداً من الأَول. وأَمَّا تعيينُ مَحَلِّ المُلْتَزم ففي «شُعَبِ الإِيمان» للبَيْهَقِيّ عن ابن عباس عنه ﷺ قال: «ما بَيْنَ الرُّكْنِ والبابِ مُلْتَزَمٌ». وأَخرجَ ابنُ عَدِيَ في «الكامل» عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عباس مرفوعاً ووقفه عبدُ الرزاق في «مُصنفه» عن ابن عباس. والمُلْتَزَمُ مِنَ الأَماكن التي يُستجابُ فيها الدُّعَاءُ، نُقِلَ ذلك عن ابنِ عباس قال: فَوَاللهِ مَا دَعَوْتُ قَطُّ إِلاَّ أَجَابَنِي. (ويَرْجِعُ القَهْقَرَى) أَي الرجوع إِلى الوراء. وقيل: ينصرفُ ويمشي ويلتفت إِلى البيت كالمُتَحَزِّنِ على فِرَاقه (حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ) أَي مِنْ أَسْفَلِهِ، قيل: من بابِ

стр. 666

[أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بالَمْرأَةِ] والمَرْأَةُ كالرَّجُلِ إِلاَّ أَنَّها لا تَكْشِفُ رَأْسَهَا، بَلْ وَجْهَهَا. وَلَوْ سَدَلَتْ شَيْئًا عَلَيْهِ مُجَافِيًا عَنْهُ جَازَ. ولا تُلَبِّي جَهْرًا، ولا تَسْعَى بَيْنَ المِيلَيْنِ، ولا تَحْلِقُ بَلْ تُقَصِّرُ، === العُمْرة، وقيل: من باب المروة (١) وهو المشهور بل المأْثور. وفي «النوازل»: يقول إِذا رجع: تَائِبُون عَابِدُونَ لِرَبِّنا حَامِدُون، صَدق اللهُ وَعْدَه، ونَصَرَ عبدَه، وهزمَ الأَحزابَ وَحْدَهُ، الحمدُ لِلَّهِ الذي هدانا لهذا، وما كُنَّا لِنَهْتَدِي لولا أَنْ هدانا اللهُ، اللهم فكما هديتنا لذلك فتقبله منّا ولا تجعله آخر العهد بنا، وارزقنا العود إِليه حتى ترضى عنّا بِرَحْمَتك يا أَرْحَمَ الراحمين. (أحكام خاصة بالمرأة) (والمَرْأَةُ كالرَّجُلِ إِلاَّ أَنَّها لا تَكْشِفُ رَأْسَهَا) لأَنه عورةٌ (بَلْ) تكشفُ (وَجْهَهَا) لما رَوى الدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي والطبراني عن ابن عمر قال: قال رسولُ الله ﷺ «ليس على المرأَةِ إِحرَامٌ إِلاَّ في وَجْهِهَا وكَفَّيْهَا». قال الدَّارَقُطْنِيّ: الصوابُ وَقْفُه على ابن عمر. قال ابنُ الهُمام: وقولُ الصحابي حُجَّةٌ عندنا إِذا لم يُخَالف، خُصُوصاً فيما لم يُدْرَك (٢) . انتهى. لكن يُشْكِل ما في الفروع أَنَّ للمرأَة أَنْ تلبسَ القُفَّازَيْنِ. (وَلَوْ سَدَلَتْ) أَي أَرسلت، وفي نُسخةٍ: أَسْدَلَت (شَيْئاً) أَي أَرْخَتْهُ (عَلَيْهِ) أَي على وجهها (مُجَافِياً) أَي مُبعداً (عَنْهُ) أَي عن وجهها (جَازَ) ذلك السَّدْلُ، لما رَوى أَبو داود، وابن ماجه من حديث عائشةَ ﵂ قالت: كانَ رُكْبَانٌ يَمُرُّونَ بِنا ونَحْنُ مَعَ رسولِ الله ﷺ محرماتٌ فإِذا حَاذُونا سَدَلَتْ إِحْدَانا جِلْبَابَهَا مِنْ رأْسِها على وَجْهها، فإِذا جَاوزُونا كَشَفْنَاه. (ولا تُلَبِّي جَهْراً) لأَن صوتها عورةٌ وقد يُؤدي إِلى فتنةٍ (ولا تَسْعَى بَيْنَ المِيلَيْنِ) وكذا لا تَرْمُلُ في الطواف، لَئِلاَّ يَنْكَشِفَ شيء مِنْ بدَنِها (ولا تَحْلِقُ) رأْسَها، لأَن حَلْقَهُ مُثْلَةٌ (٣) بِهَا كَحَلْقِ الرجل لِحْيَتَه، ولقول عليَ كرَّم الله وجهه: نَهَى رسولُ الله ﷺ أَنْ تَحْلِقَ المرأَةُ رأْسَها. رواه الترمذي والنَّسائي. (بَلْ تُقَصِّرُ) لِقوله ﷺ «ليس على النِّساءِ الحَلْقُ، إِنَّما على النِّساءِ التَّقْصِيرُ». رواه أَبو داود من حديث ابن عباس.

стр. 667

وتَلْبَسُ المَخِيطَ، وحَيْضُهَا لا يَمْنَعُ إِلاَّ الطَّوَاف. [مَن فَاَتهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ] وفَائِتُ الحَجِّ طَافَ وسَعَى وتَحَلَّلَ وقَضَى مِنْ قَابِل. === (وتَلْبَسُ المَخِيطَ) والخُفَّ تَحَرُّزاً عن الكَشْفِ، ولا تقرب الحجرَ الأَسود في الزحام تَحَرّزاً عن مماسَّةِ الرجال. (وحَيْضُهَا) وكذا نِفَاسُها (لا يَمْنَعُ) شيئاً من أَفعال الحج (إِلاَّ الطَّوَاف) لِمَا روى البخاري في حديث جابر: أَنَّ النبيَّ ﷺ قال لعائِشَةَ حين حَاضَتْ بِسَرِف: «تَنَسَّكِي المَنَاسِكَ كُلَّها غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفي ولا تُصَلِّي حتى تَطْهُري». وسَرِفُ ـ بكسر الراء ـ: موضعٌ قُرْبَ مكةَ فُوَيق التَّنْعِيم. ولِمَا في الصحيحين عن عائشة قالت: خَرَجْنا لا نَرَى إِلاَّ الحَجَّ فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِف حِضْتُّ، فدخل عليَّ رسولُ الله ﷺ وأَنَا أَبْكِي فقال: «مَا لَكِ أَنَفِسْتِ»؟ قلت: نعم، قال: «إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ على بناتِ آدمَ، فَاقْضِي ما يَقْضِي الحاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفي بالبيتِ حتى تَطْهُري». (من فاته الوقوف بعرفة) (وفَائِتُ الحَجِّ) وهو الذي فاتَهُ الوقوفُ بعَرَفَة حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ (طَافَ) وَقَطَعَ التلبيةَ عند استلامِ الحَجَرِ كالعُمْرةِ، لأَنه يَتَحَلَّلُ بأَفْعَالِها (وسَعَى وتَحَلَّلَ) إِنْ حلق أَوْ قَصَّر. (وقَضَى) بإِحرامٍ جديدٍ (مِنْ قَابِل) ولا دَمَ عليه عندنا. وقال مالك والشافعيُّ: عليه هَدْيٌ، لما في «الموطأ» عن سُلَيْمَانَ بن يَسَار: «أَنَّ ابن الأَسود جاءَ يومَ النَّحْرِ وعُمَرُ بن الخطاب ﵁ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فقال: يا أَميرَ المؤمنين، أَخطأْنا العدة كنا نرى أَنْ هذااليوم يوم عرفة، فقال عمر: اذهب إِلى مكة فطف أَنت ومَنْ معك، وانحروا هَدْياً إِنْ كان معكم، ثُم احلِقوا أَوْ قَصِّروا وارْجِعُوا إِنْ شئتم، فإِنْ جاء عامٌ قَابِلٌ فحجّوا ـ أَي قضاء ـ واهدوا ـ. أي قياساً على المُحْصَر. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم﴾ (١) . ولنا ما رَوى الدَّارَقُطَنِيّ من حديث ابن عباس وابن عمر أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «مَنْ وَقَف بعرفةَ بليلٍ فقد أَدْرَكَ الحجَّ، ومَنْ فاتَه عرفاتٌ بِلَيلٍ فقد فاتَه الحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرةٍ، وعليه الحجُّ مِنْ قَابِل». ولم يذكر النبيُّ ﷺ الهَدْيَ، ولو كان واجِباً لَذَكَرَهُ. وما رُوِي عن عمرَ محمولٌ عندنا على الاستحباب.

стр. 668

فَصلُ [في القِرَانِ] === ثُم عند أَبي حنيفةَ ومحمد أَصْلُ إِحرامه باقٍ ويتحللُ بأَفعالِ العمرةِ. وعند أَبي يوسف ينقلبُ إِحرامُه للعُمرة، لأَن أَفعال العمرةِ بإِحْرامِ غيرها غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ. ولهما أَنَّ قَلْبَ إِحرام الحجِّ للعمرةِ غيرُ مُمْكِن. ولو كان فائتُ الحجِّ قَارِناً طافَ طوافَيْنِ وسَعَى سَعْيَيْنِ إِنْ فاتَه الحَجُّ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّي العمرةَ، وإِلاَّ فهو كالمُفْرِدِ. هذا، وقال في «الهداية»: ومَنْ قَلَّد بَدَنة تَطَوُّعاً، أَوْ نَذْراً، أَوْ جزاءَ صيدٍ، أَوْ شيئاً مِنَ الأَشياءِ وتوجّه معها يريد الحجّ فقد أَحرم، لقوله ﷺ «مَنْ قَلَّدَ بدَنَةً فَقَدْ أَحْرَم». وفيه أَنَّ هذا اللفظ رَفْعُه غيرُ مَعْرُوفٍ. ورواه ابن أَبي شَيْبَةَ عن ابنِ عمر مِنْ قوله: مَنْ قَلَّدَ بَدَنَةً فقد أَحْرَمَ». وعن ابن عباس أَيضاً مِنْ قوله: مَنْ قَلَّدَ وأَحلل أَوْ أَشْعَرَ فَقَد أَحْرَمَ. نعم روى الطحاوي بِسندِه عن جابر بن عبد الله قال: كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ جَالِساً في المسجد فَقَدَّ قَمِيصَهُ مِنْ جيبه حتى أَخرَجَهُ مِنْ رِجْلَيْهِ، فنظرَ القومُ إِلى النبيِّ ﷺ فقال: «إِنِّي أَمَرْتُ بِبُدْني التي بَعَثْتُ بها أَنْ تُقَلَّدَ اليوم (أَوْ) (١) تُشْعَرَ على كذا وكذا، فلبِسْت قميصي ونسيت، فلم أَكُنْ لأُخْرِجَ قميصي مِنْ رأْسي». وكان يبعث بُبْدنِهِ وأَقامَ بالمدينة. والحديث ضعيفٌ باتفاقِ المحققين، ومُعَارِضٌ لِمَا صَحَّ عِنْد المُحَدِّثِينَ، فروى الشيخانِ عن عائشةَ أَنها قالت: (أَنا) (٢) فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْي النبيِّ ﷺ فَبَعَثَ بها مع أَبي، فلم يَحْرُمْ على رسولِ الله ﷺ شيءٌ أَحل اللهُ له حتى نُحِرَ الهَدْيُ. ذَكَرَتْهُ ردّاً على ابن عباس في قوله: مَنْ أَهْدَى هَدْياً حَرُمَ عليه ما يَحْرُمُ على الحاج حتى يَنْحَرَ هَدْيَه. والله أَعلم. فصل (في القِرَان) القران أَفْضَلُ مُطْلَقاً، أَي مِمَّا عَدَاه وهو الإِفْراد والتمتع (٣) . وقال مالك والشافعيّ في قولٍ لهما: الإِفْراد أَفْضل مطلقاً. وقال أَحمد: التمتّع أَفْضل مطلقاً، وهو قول مالك، لما في «الصحيحين» عن ابن عمر قال: تَمَتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوداعِ بالعُمْرةِ إِلى الحج وأَهْدَى، فساقَ معه الهَدْيَ مِنْ ذي الحُلَيْفَة، وبَدأَ رسولُ الله ﷺ فأَهَلَّ

стр. 669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بالعُمْرةِ، ثُم أَهَلَّ بالحجِّ فَتَمَتَّعَ الناسُ مع رسولِ الله ﷺ بالعُمرةِ إِلى الحج، فكان مِنَ الناسِ مَنْ أَهْدَى فساقَ الهَدْيَ، ومنهم مَنْ لم يَهْدِ، فلما قَدِم النبيُّ ﷺ مَكَّةَ قال للناسِ: «مَنْ كان مِنْكم أَهْدَى فإِنَّه لا يَحِلُّ مِنْ شيءٍ حَرُمَ عليه حتى يَقْضِيَ حَجَّه، ومَنْ لم يكنْ منكم أَهْدَى فَلْيَطُف بالبيتِ، وبالصفا والمروة، وليُقَصِّر، وليَحْلِل، ثُم ليهل بالحج». وفيهما عن ابن عمر أَيضاً قال: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ يُلَبِّي بالحجِّ ولَبَّيْنَا معه، فَلَمَّا قَدِمَ أَمرَ مَنْ لم يكنْ معه الهَدْيُ أَنْ يَجْعَلُوها عُمْرةً. وفيهما أَيضاً عن ابن عباس قال: كانوا يَرَوْنَ العمرةَ في أَشْهُرِ الحج مِنْ أَفْجَرِ الفجورِ في الأَرض، ويَجْعَلونَ المُحَرَّمَ صَفَراً يقولون: أَذا بَرَأَ الدَّبَرُ (١) ، وَعَفَا الأَثَرُ (٢) ، وانْسَلَخَ صَفَرُ، حَلَّتِ العُمرةُ لِمَنْ اعتمر، فَقَدِمَ رسولُ الله ﷺ وأَصحابُهُ صبيحةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بالحج، فأَمَرَهم أَنْ يجعلوهَا عُمرةً، فَتَعَاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ: أَيُّ الحِلِّ؟ قال: «الحِلُّ كُلُّه». وفيهما أَيضاً عن عائشةَ قالت: خَرَجنا مع رسولِ الله ﷺ ولا نَرَى إِلاَّ أَنَّه الحَجُّ، فلمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بالبيتِ، فأَمَر رسولُ الله ﷺ مَنْ لم يكنْ ساق الهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لم يكنْ ساقَ الهَدْيَ، ونِساؤهُ لم يَسُقْنَ فأَحْلَلْنَ. وفي مسلمٍ عن سعيد قال: خَرَجنا مع رسولِ الله ﷺ فَصَرَخَ بالحجِّ صُرَاخاً، حتى إِذا طُفْنَا بالبيتِ قال: اجْعَلُوها عمرةً إِلاَّ مَنْ كان مَعه هَدْيٌ، قال: فجعلنَاهَا عمرةً، فلمَّا كان يومُ الترويةِ (٣) خَرَجنا بالحجِّ، فانْطَلَقْنَا إِلى مِنَى. وفي «الصحيحين» من حديث أَبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ قال: بَعَثَني رسولُ الله ﷺ أَرْضَ قَوْمي، فَلَمَّا حَضَر الحَجُّ حَجَّ رسولُ الله ﷺ وَحَججتُ، فَقَدِمتُ عليه وهو نَازِلٌ بالأَبْطَحِ، فقال: «بِما أَهْلَلْتَ يا عبدَ اللهِ بنَ قَيْس؟» قال: قلت: لَبَّيْكَ (بِحَجَ كَحَجِّ) (٤) رسولِ الله ﷺ قال: «أَحْسَنت»، ثُم قال: «هل سُقْتَ هَدْياً؟» فقلت: ما فعلت، قال: «اذهبْ فَطُفْ بالبيتِ، وبين الصَّفا والمَرْوة، ثُم احْلِل»، فانْطَلقتُ فَفَعلتُ ما أَمَرَنِي وأَتيتُ امرأَة مِنْ قومي فَغَسَلَتْ رَأْسِي بالخَطْمِيِّ (٥) وفَلَّتْهُ، ثُم أَهَلَّت بالحجِّ يومَ التَّرُويةِ.

стр. 670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ولمالك والشافعيِّ ما في «الصحيحين» عن عائشةَ: أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَفْرَدَ بالحجِّ. انتهى بلفظ مُسْلم بِطُوله والبخاري. وفيهما عن ابن عُمَر قال: أَهْلَلْنَا معَ رسولِ الله ﷺ بالحَجِّ مُفْرِداً. وفي لفظٍ: أَنَّ رسول الله ﷺ أَهَلَّ بالحَجِّ مُفْرِداً. وفي مُسْلم عن جابر قال: أَقبلنا مُهِلِّين مع رسولِ الله ﷺ بالحجِّ مُفْرِداً. وفيهما من حديث جابر قال: أَهْلَلْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ بالحجِّ خَالِصاً لا يُخَالِطُه شيءٌ. فَقَدِمْنَا مَكَّةَ لأَربعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذي الحجة وطُفْنَا وسَعَيْنَا، ثُم أَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ أَنْ نَحِلَّ، وقال: «لولا هَدْيِي لَحَلَلْتُ»، ثُمّ قام سُرَاقةُ بن مالك فقال: يا رسولَ اللهِ أَرأَيتَ مُتْعَتَنَا هذه، لِعَامِنَا هذا أَمْ للأَبَدِ؟ فقال ﷺ «بل للأَبدِ». قال «البِرْمَاوي»: قوله: «لولا هَدْيي لحَلَلْتُ» هذا مُعَلَّلٌ بقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رؤوسَكُم حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) ، وفَسْخُ الحج إِلى العمرة يَقْتَضِي التَّحْلِيل بالحَلْقِ بعد الفراغِ مِنْ العُمرة، ولو تَحَلَّل لَحَصَل الحَلْقُ قَبْل بلوغِ الهَدْي مَحلّه ـ وهو مِنىً ـ يومَ النحر. انتهى. والمعنى: بلوغ هَدْي الحج، ومحله أَرض الحَرَم مطلقاً، وإِنَّما ذكر مِنىً، لأَنه أَفْضَلُ أَمَاكِنِهِ في هَدْي (الحَجِّ، كما أَنَّ المروة أَفضلُ أَمَاكِنِ هَدْيِ) (٢) العمرة. فتأَمل. ثمَّ قوله: «أَرَأَيت مُتْعَتَنا هذه» أَي إِتيان العمرةِ في أَشهر الحج حتى صار تمتعاً لا فَسْخ الحج إِلى العمرة، لأَنه ليس للأَبد بل خَاصٌّ لأَصحاب محمدٍ ﷺ عند الجمهور خلافاً لأَحمد. ولنا ما في «الصحيحين» من حديث عبد العزيز بن صُهَيْب عن أَنس قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يُلَبِّي بالحج والعُمرةِ يقول: «لَبَّيك حجةً وعمرةً». وفيهما واللفظُ لمُسْلم عن بَكْر بن عبد الله المُزَني، عن أَنس قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يُلَبِّي بالحجِّ والعُمرة جميعاً. قال بَكْرٌ: فَحَدَّثَهُ بذلك ابنُ عمرَ قال: لَبَّى بالحج وَحْدَه، فلَقيتُ أَنساً فَحَدَّثْتُه بِقَولِ ابن عمر فقال أَنسٌ: ما تعدوننا إِلاَّ صِبْياناً، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لبيك عمرة وحجّاً». وفيهما أَيضاً: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لَبَّيكَ عمرةً وحَجَّاً». وفيهما عن أَنس أَيضاً قال: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعَ عُمَر كلهنَّ في ذي القِعدة إِلاَّ التي مع حجَّته: عُمرة الحديبية في ذي القِعدة، وعمرة من العام المُقْبل في ذي القعدة، وعمرة من الجِعرانة من حيث قسم غنائم حنين في ذي القِعدة، وعمرة مع حجته ـ أَي مقرونة ـ.
следующие страницы →