← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

[أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بالَمْرأَةِ] والمَرْأَةُ كالرَّجُلِ إِلاَّ أَنَّها لا تَكْشِفُ رَأْسَهَا، بَلْ وَجْهَهَا. وَلَوْ سَدَلَتْ شَيْئًا عَلَيْهِ مُجَافِيًا عَنْهُ جَازَ. ولا تُلَبِّي جَهْرًا، ولا تَسْعَى بَيْنَ المِيلَيْنِ، ولا تَحْلِقُ بَلْ تُقَصِّرُ، === العُمْرة، وقيل: من باب المروة (١) وهو المشهور بل المأْثور. وفي «النوازل»: يقول إِذا رجع: تَائِبُون عَابِدُونَ لِرَبِّنا حَامِدُون، صَدق اللهُ وَعْدَه، ونَصَرَ عبدَه، وهزمَ الأَحزابَ وَحْدَهُ، الحمدُ لِلَّهِ الذي هدانا لهذا، وما كُنَّا لِنَهْتَدِي لولا أَنْ هدانا اللهُ، اللهم فكما هديتنا لذلك فتقبله منّا ولا تجعله آخر العهد بنا، وارزقنا العود إِليه حتى ترضى عنّا بِرَحْمَتك يا أَرْحَمَ الراحمين. (أحكام خاصة بالمرأة) (والمَرْأَةُ كالرَّجُلِ إِلاَّ أَنَّها لا تَكْشِفُ رَأْسَهَا) لأَنه عورةٌ (بَلْ) تكشفُ (وَجْهَهَا) لما رَوى الدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي والطبراني عن ابن عمر قال: قال رسولُ الله ﷺ «ليس على المرأَةِ إِحرَامٌ إِلاَّ في وَجْهِهَا وكَفَّيْهَا». قال الدَّارَقُطْنِيّ: الصوابُ وَقْفُه على ابن عمر. قال ابنُ الهُمام: وقولُ الصحابي حُجَّةٌ عندنا إِذا لم يُخَالف، خُصُوصاً فيما لم يُدْرَك (٢) . انتهى. لكن يُشْكِل ما في الفروع أَنَّ للمرأَة أَنْ تلبسَ القُفَّازَيْنِ. (وَلَوْ سَدَلَتْ) أَي أَرسلت، وفي نُسخةٍ: أَسْدَلَت (شَيْئاً) أَي أَرْخَتْهُ (عَلَيْهِ) أَي على وجهها (مُجَافِياً) أَي مُبعداً (عَنْهُ) أَي عن وجهها (جَازَ) ذلك السَّدْلُ، لما رَوى أَبو داود، وابن ماجه من حديث عائشةَ ﵂ قالت: كانَ رُكْبَانٌ يَمُرُّونَ بِنا ونَحْنُ مَعَ رسولِ الله ﷺ محرماتٌ فإِذا حَاذُونا سَدَلَتْ إِحْدَانا جِلْبَابَهَا مِنْ رأْسِها على وَجْهها، فإِذا جَاوزُونا كَشَفْنَاه. (ولا تُلَبِّي جَهْراً) لأَن صوتها عورةٌ وقد يُؤدي إِلى فتنةٍ (ولا تَسْعَى بَيْنَ المِيلَيْنِ) وكذا لا تَرْمُلُ في الطواف، لَئِلاَّ يَنْكَشِفَ شيء مِنْ بدَنِها (ولا تَحْلِقُ) رأْسَها، لأَن حَلْقَهُ مُثْلَةٌ (٣) بِهَا كَحَلْقِ الرجل لِحْيَتَه، ولقول عليَ كرَّم الله وجهه: نَهَى رسولُ الله ﷺ أَنْ تَحْلِقَ المرأَةُ رأْسَها. رواه الترمذي والنَّسائي. (بَلْ تُقَصِّرُ) لِقوله ﷺ «ليس على النِّساءِ الحَلْقُ، إِنَّما على النِّساءِ التَّقْصِيرُ». رواه أَبو داود من حديث ابن عباس.

стр. 667

وتَلْبَسُ المَخِيطَ، وحَيْضُهَا لا يَمْنَعُ إِلاَّ الطَّوَاف. [مَن فَاَتهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ] وفَائِتُ الحَجِّ طَافَ وسَعَى وتَحَلَّلَ وقَضَى مِنْ قَابِل. === (وتَلْبَسُ المَخِيطَ) والخُفَّ تَحَرُّزاً عن الكَشْفِ، ولا تقرب الحجرَ الأَسود في الزحام تَحَرّزاً عن مماسَّةِ الرجال. (وحَيْضُهَا) وكذا نِفَاسُها (لا يَمْنَعُ) شيئاً من أَفعال الحج (إِلاَّ الطَّوَاف) لِمَا روى البخاري في حديث جابر: أَنَّ النبيَّ ﷺ قال لعائِشَةَ حين حَاضَتْ بِسَرِف: «تَنَسَّكِي المَنَاسِكَ كُلَّها غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفي ولا تُصَلِّي حتى تَطْهُري». وسَرِفُ ـ بكسر الراء ـ: موضعٌ قُرْبَ مكةَ فُوَيق التَّنْعِيم. ولِمَا في الصحيحين عن عائشة قالت: خَرَجْنا لا نَرَى إِلاَّ الحَجَّ فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِف حِضْتُّ، فدخل عليَّ رسولُ الله ﷺ وأَنَا أَبْكِي فقال: «مَا لَكِ أَنَفِسْتِ»؟ قلت: نعم، قال: «إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ على بناتِ آدمَ، فَاقْضِي ما يَقْضِي الحاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفي بالبيتِ حتى تَطْهُري». (من فاته الوقوف بعرفة) (وفَائِتُ الحَجِّ) وهو الذي فاتَهُ الوقوفُ بعَرَفَة حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ (طَافَ) وَقَطَعَ التلبيةَ عند استلامِ الحَجَرِ كالعُمْرةِ، لأَنه يَتَحَلَّلُ بأَفْعَالِها (وسَعَى وتَحَلَّلَ) إِنْ حلق أَوْ قَصَّر. (وقَضَى) بإِحرامٍ جديدٍ (مِنْ قَابِل) ولا دَمَ عليه عندنا. وقال مالك والشافعيُّ: عليه هَدْيٌ، لما في «الموطأ» عن سُلَيْمَانَ بن يَسَار: «أَنَّ ابن الأَسود جاءَ يومَ النَّحْرِ وعُمَرُ بن الخطاب ﵁ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فقال: يا أَميرَ المؤمنين، أَخطأْنا العدة كنا نرى أَنْ هذااليوم يوم عرفة، فقال عمر: اذهب إِلى مكة فطف أَنت ومَنْ معك، وانحروا هَدْياً إِنْ كان معكم، ثُم احلِقوا أَوْ قَصِّروا وارْجِعُوا إِنْ شئتم، فإِنْ جاء عامٌ قَابِلٌ فحجّوا ـ أَي قضاء ـ واهدوا ـ. أي قياساً على المُحْصَر. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم﴾ (١) . ولنا ما رَوى الدَّارَقُطَنِيّ من حديث ابن عباس وابن عمر أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «مَنْ وَقَف بعرفةَ بليلٍ فقد أَدْرَكَ الحجَّ، ومَنْ فاتَه عرفاتٌ بِلَيلٍ فقد فاتَه الحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرةٍ، وعليه الحجُّ مِنْ قَابِل». ولم يذكر النبيُّ ﷺ الهَدْيَ، ولو كان واجِباً لَذَكَرَهُ. وما رُوِي عن عمرَ محمولٌ عندنا على الاستحباب.

стр. 668

فَصلُ [في القِرَانِ] === ثُم عند أَبي حنيفةَ ومحمد أَصْلُ إِحرامه باقٍ ويتحللُ بأَفعالِ العمرةِ. وعند أَبي يوسف ينقلبُ إِحرامُه للعُمرة، لأَن أَفعال العمرةِ بإِحْرامِ غيرها غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ. ولهما أَنَّ قَلْبَ إِحرام الحجِّ للعمرةِ غيرُ مُمْكِن. ولو كان فائتُ الحجِّ قَارِناً طافَ طوافَيْنِ وسَعَى سَعْيَيْنِ إِنْ فاتَه الحَجُّ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّي العمرةَ، وإِلاَّ فهو كالمُفْرِدِ. هذا، وقال في «الهداية»: ومَنْ قَلَّد بَدَنة تَطَوُّعاً، أَوْ نَذْراً، أَوْ جزاءَ صيدٍ، أَوْ شيئاً مِنَ الأَشياءِ وتوجّه معها يريد الحجّ فقد أَحرم، لقوله ﷺ «مَنْ قَلَّدَ بدَنَةً فَقَدْ أَحْرَم». وفيه أَنَّ هذا اللفظ رَفْعُه غيرُ مَعْرُوفٍ. ورواه ابن أَبي شَيْبَةَ عن ابنِ عمر مِنْ قوله: مَنْ قَلَّدَ بَدَنَةً فقد أَحْرَمَ». وعن ابن عباس أَيضاً مِنْ قوله: مَنْ قَلَّدَ وأَحلل أَوْ أَشْعَرَ فَقَد أَحْرَمَ. نعم روى الطحاوي بِسندِه عن جابر بن عبد الله قال: كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ جَالِساً في المسجد فَقَدَّ قَمِيصَهُ مِنْ جيبه حتى أَخرَجَهُ مِنْ رِجْلَيْهِ، فنظرَ القومُ إِلى النبيِّ ﷺ فقال: «إِنِّي أَمَرْتُ بِبُدْني التي بَعَثْتُ بها أَنْ تُقَلَّدَ اليوم (أَوْ) (١) تُشْعَرَ على كذا وكذا، فلبِسْت قميصي ونسيت، فلم أَكُنْ لأُخْرِجَ قميصي مِنْ رأْسي». وكان يبعث بُبْدنِهِ وأَقامَ بالمدينة. والحديث ضعيفٌ باتفاقِ المحققين، ومُعَارِضٌ لِمَا صَحَّ عِنْد المُحَدِّثِينَ، فروى الشيخانِ عن عائشةَ أَنها قالت: (أَنا) (٢) فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْي النبيِّ ﷺ فَبَعَثَ بها مع أَبي، فلم يَحْرُمْ على رسولِ الله ﷺ شيءٌ أَحل اللهُ له حتى نُحِرَ الهَدْيُ. ذَكَرَتْهُ ردّاً على ابن عباس في قوله: مَنْ أَهْدَى هَدْياً حَرُمَ عليه ما يَحْرُمُ على الحاج حتى يَنْحَرَ هَدْيَه. والله أَعلم. فصل (في القِرَان) القران أَفْضَلُ مُطْلَقاً، أَي مِمَّا عَدَاه وهو الإِفْراد والتمتع (٣) . وقال مالك والشافعيّ في قولٍ لهما: الإِفْراد أَفْضل مطلقاً. وقال أَحمد: التمتّع أَفْضل مطلقاً، وهو قول مالك، لما في «الصحيحين» عن ابن عمر قال: تَمَتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوداعِ بالعُمْرةِ إِلى الحج وأَهْدَى، فساقَ معه الهَدْيَ مِنْ ذي الحُلَيْفَة، وبَدأَ رسولُ الله ﷺ فأَهَلَّ

стр. 669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بالعُمْرةِ، ثُم أَهَلَّ بالحجِّ فَتَمَتَّعَ الناسُ مع رسولِ الله ﷺ بالعُمرةِ إِلى الحج، فكان مِنَ الناسِ مَنْ أَهْدَى فساقَ الهَدْيَ، ومنهم مَنْ لم يَهْدِ، فلما قَدِم النبيُّ ﷺ مَكَّةَ قال للناسِ: «مَنْ كان مِنْكم أَهْدَى فإِنَّه لا يَحِلُّ مِنْ شيءٍ حَرُمَ عليه حتى يَقْضِيَ حَجَّه، ومَنْ لم يكنْ منكم أَهْدَى فَلْيَطُف بالبيتِ، وبالصفا والمروة، وليُقَصِّر، وليَحْلِل، ثُم ليهل بالحج». وفيهما عن ابن عمر أَيضاً قال: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ يُلَبِّي بالحجِّ ولَبَّيْنَا معه، فَلَمَّا قَدِمَ أَمرَ مَنْ لم يكنْ معه الهَدْيُ أَنْ يَجْعَلُوها عُمْرةً. وفيهما أَيضاً عن ابن عباس قال: كانوا يَرَوْنَ العمرةَ في أَشْهُرِ الحج مِنْ أَفْجَرِ الفجورِ في الأَرض، ويَجْعَلونَ المُحَرَّمَ صَفَراً يقولون: أَذا بَرَأَ الدَّبَرُ (١) ، وَعَفَا الأَثَرُ (٢) ، وانْسَلَخَ صَفَرُ، حَلَّتِ العُمرةُ لِمَنْ اعتمر، فَقَدِمَ رسولُ الله ﷺ وأَصحابُهُ صبيحةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بالحج، فأَمَرَهم أَنْ يجعلوهَا عُمرةً، فَتَعَاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ: أَيُّ الحِلِّ؟ قال: «الحِلُّ كُلُّه». وفيهما أَيضاً عن عائشةَ قالت: خَرَجنا مع رسولِ الله ﷺ ولا نَرَى إِلاَّ أَنَّه الحَجُّ، فلمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بالبيتِ، فأَمَر رسولُ الله ﷺ مَنْ لم يكنْ ساق الهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لم يكنْ ساقَ الهَدْيَ، ونِساؤهُ لم يَسُقْنَ فأَحْلَلْنَ. وفي مسلمٍ عن سعيد قال: خَرَجنا مع رسولِ الله ﷺ فَصَرَخَ بالحجِّ صُرَاخاً، حتى إِذا طُفْنَا بالبيتِ قال: اجْعَلُوها عمرةً إِلاَّ مَنْ كان مَعه هَدْيٌ، قال: فجعلنَاهَا عمرةً، فلمَّا كان يومُ الترويةِ (٣) خَرَجنا بالحجِّ، فانْطَلَقْنَا إِلى مِنَى. وفي «الصحيحين» من حديث أَبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ قال: بَعَثَني رسولُ الله ﷺ أَرْضَ قَوْمي، فَلَمَّا حَضَر الحَجُّ حَجَّ رسولُ الله ﷺ وَحَججتُ، فَقَدِمتُ عليه وهو نَازِلٌ بالأَبْطَحِ، فقال: «بِما أَهْلَلْتَ يا عبدَ اللهِ بنَ قَيْس؟» قال: قلت: لَبَّيْكَ (بِحَجَ كَحَجِّ) (٤) رسولِ الله ﷺ قال: «أَحْسَنت»، ثُم قال: «هل سُقْتَ هَدْياً؟» فقلت: ما فعلت، قال: «اذهبْ فَطُفْ بالبيتِ، وبين الصَّفا والمَرْوة، ثُم احْلِل»، فانْطَلقتُ فَفَعلتُ ما أَمَرَنِي وأَتيتُ امرأَة مِنْ قومي فَغَسَلَتْ رَأْسِي بالخَطْمِيِّ (٥) وفَلَّتْهُ، ثُم أَهَلَّت بالحجِّ يومَ التَّرُويةِ.

стр. 670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ولمالك والشافعيِّ ما في «الصحيحين» عن عائشةَ: أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَفْرَدَ بالحجِّ. انتهى بلفظ مُسْلم بِطُوله والبخاري. وفيهما عن ابن عُمَر قال: أَهْلَلْنَا معَ رسولِ الله ﷺ بالحَجِّ مُفْرِداً. وفي لفظٍ: أَنَّ رسول الله ﷺ أَهَلَّ بالحَجِّ مُفْرِداً. وفي مُسْلم عن جابر قال: أَقبلنا مُهِلِّين مع رسولِ الله ﷺ بالحجِّ مُفْرِداً. وفيهما من حديث جابر قال: أَهْلَلْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ بالحجِّ خَالِصاً لا يُخَالِطُه شيءٌ. فَقَدِمْنَا مَكَّةَ لأَربعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذي الحجة وطُفْنَا وسَعَيْنَا، ثُم أَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ أَنْ نَحِلَّ، وقال: «لولا هَدْيِي لَحَلَلْتُ»، ثُمّ قام سُرَاقةُ بن مالك فقال: يا رسولَ اللهِ أَرأَيتَ مُتْعَتَنَا هذه، لِعَامِنَا هذا أَمْ للأَبَدِ؟ فقال ﷺ «بل للأَبدِ». قال «البِرْمَاوي»: قوله: «لولا هَدْيي لحَلَلْتُ» هذا مُعَلَّلٌ بقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رؤوسَكُم حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) ، وفَسْخُ الحج إِلى العمرة يَقْتَضِي التَّحْلِيل بالحَلْقِ بعد الفراغِ مِنْ العُمرة، ولو تَحَلَّل لَحَصَل الحَلْقُ قَبْل بلوغِ الهَدْي مَحلّه ـ وهو مِنىً ـ يومَ النحر. انتهى. والمعنى: بلوغ هَدْي الحج، ومحله أَرض الحَرَم مطلقاً، وإِنَّما ذكر مِنىً، لأَنه أَفْضَلُ أَمَاكِنِهِ في هَدْي (الحَجِّ، كما أَنَّ المروة أَفضلُ أَمَاكِنِ هَدْيِ) (٢) العمرة. فتأَمل. ثمَّ قوله: «أَرَأَيت مُتْعَتَنا هذه» أَي إِتيان العمرةِ في أَشهر الحج حتى صار تمتعاً لا فَسْخ الحج إِلى العمرة، لأَنه ليس للأَبد بل خَاصٌّ لأَصحاب محمدٍ ﷺ عند الجمهور خلافاً لأَحمد. ولنا ما في «الصحيحين» من حديث عبد العزيز بن صُهَيْب عن أَنس قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يُلَبِّي بالحج والعُمرةِ يقول: «لَبَّيك حجةً وعمرةً». وفيهما واللفظُ لمُسْلم عن بَكْر بن عبد الله المُزَني، عن أَنس قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يُلَبِّي بالحجِّ والعُمرة جميعاً. قال بَكْرٌ: فَحَدَّثَهُ بذلك ابنُ عمرَ قال: لَبَّى بالحج وَحْدَه، فلَقيتُ أَنساً فَحَدَّثْتُه بِقَولِ ابن عمر فقال أَنسٌ: ما تعدوننا إِلاَّ صِبْياناً، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لبيك عمرة وحجّاً». وفيهما أَيضاً: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لَبَّيكَ عمرةً وحَجَّاً». وفيهما عن أَنس أَيضاً قال: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعَ عُمَر كلهنَّ في ذي القِعدة إِلاَّ التي مع حجَّته: عُمرة الحديبية في ذي القِعدة، وعمرة من العام المُقْبل في ذي القعدة، وعمرة من الجِعرانة من حيث قسم غنائم حنين في ذي القِعدة، وعمرة مع حجته ـ أَي مقرونة ـ.

стр. 671

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وفيهما عن سَعِيد بن المُسَيَّب قال: اختلفَ عليٌّ وعُثْمَانَ وهما بِعُسْفَانَ في المُتْعَةِ، فقالَ له عليٌّ: ما تُرِيدُ إِلاَّ (١) أَنْ تَنْهَى عن أَمْرٍ فَعَلَهُ النبيُّ ﷺ فقال له عثمانُ: دَعْنَا مِنْكَ، فلما رَأَى ذلك عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِما جميعاً. هذا لفظ البخاري. ولَفْظُ مُسْلِمٍ: اجتمعَ عليٌّ وعُثمانُ بِعُسْفَانَ، فكانَ عثمانُ يَنْهَى عن المُتْعَةِ، فقال عليٌّ: ما تريد إِلى أَمْرٍ فعلَهُ رسولُ الله ﷺ تَنْهَى عنه، فقال عثمانُ: دَعْنَا منك، فقال: إِنّي لا أَستطيعُ أَنْ أَدَعَكَ، فلما رأَى عليٌّ ذلك أَهَلَّ بهما جَمِيعاً. وفي «سُنن النَّسائي» عن مروان بن الحكم: كنتُ جَالساً عند عثمانَ فسمِعَ عليَّاً يُلبِّي بحجَ وعُمرةٍ فقال: أَلَمْ تكن تنهى عن هذا؟ (فقال:) (٢) بلى، ولكنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يُلَبِّي بِهِما جَمِيعاً، فَلَم أَدَعَ فِعْلَ رسولِ الله ﷺ لِقَوْلِكَ. وفي البخاري عن عمرَ بن الخطاب قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول ـ وهو بالعتيق ـ: «أَتانِي الليلةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك وقل: عمرةً في حَجَّةٍ». زاد في لفظٍ: يعني ذَا الحُلَيْفَةِ. وفي الطحاوي عن أُم سَلَمَةَ: سَمِعَتْ رسولَ الله ﷺ يقول: «أَهِلُّوا يا آلَ محمدٍ بِعُمْرةٍ وحَجَّةٍ». وفي ابن ماجه عن ابن عباس قال: أَخْبَرني أَبو طلحةَ أَنَّ رسولَ الله ﷺ جَمَعَ بينَ الحَجَّةِ والعُمرةِ. وفي أَبي داود عن مجاهد قال: سُئِل ابنُ عمر: كم اعتمرَ رسولُ الله ﷺ فقال: مرتين، فقالت عائشةُ: لقد عَلِم ابن عمر أَنَّ رسولَ الله ﷺ قد اعتمرَ ثلاثاً سوى التي (قَرَنَها) (٣) بحجةِ الوَدَاع. وفي روايةٍ لأَبي داود والنَّسائي عن عليَ كرَّم اللهُ وَجْهَه قال: أَتَيْتُ النبيَّ ﷺ فقال: «كَيْفَ أَهْلَلْتَ؟» قلتُ: بإِهْلَالِكَ، فقالَ: «إِنِّي سُقْتُ الهَدْيَ وقَرَنْتُ». ولنا أَيضاً ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرةَ لِلَّه﴾ (٤) ، فإِنَّ إِتْمَامَهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِما مِنْ دُوَيْرَةِ أَهلِهِ. كذا فَسَّرَهُ الصحابةُ، وهو القِرَان. ورَوى أَحمد، والنَّسائي، وابن ماجه عن صُبَيِّ بن مَعْبَد التَّغْلِبِي قال: كنتُ رجلاً نَصْرانياً فأَسْلَمْتُ، فأَتَيْتُ رجلاً مِنْ عشيرتي يقال له: هُذَيْم (٥) بن ثُرْمُلة فقلت: يا هناه، إِنِّي حريصٌ على الجهادِ، وإِني

стр. 672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وجدتُ الحجَّ والعمرةَ مَكْتُوبَينِ عليَّ، فكيف لي بأَنْ أَجمع بينهما؟ فقال: اجْمَعْهُمَا واذبح ما تيسر مِنْ الهَدْي، فأَهْلَلْتُ بهما، فلما أَتيتُ العُذَيْب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأَنا أَهل بهما معاً، فقال أَحدُهما للآخَر: ما هذا بأَفْقَهَ مِنْ بعيرهِ. ـ وفي روايةٍ: لِهَذا أَضَلُّ مِنْ بَعِير أَهله ـ قال: فكأَنما حمل عليَّ بِكَلِمَتِهما جبل، فَقَدِمتُ على عمرَ بن الخطاب فأَخْبرتُه، فأَقْبَلَ عليهما فَلَامَهُمَا، وأَقْبَلَ عَلَيَّ وقال: هُدِيتَ سُنَّةَ نَبِيِّكَ محمدٍ ﷺ ورواه أَبو حنيفةَ عن حَمَّادٍ بن أَبي سُلَيْمَانَ، عن إِبراهيم، عن الصُبَيِّ بن مَعْبَدٍ قال: اقبلت من الجزيرة حَاجَّاً قَارِناً، فمررت بسليمانَ بن ربيعةَ وزيد بن صوحان وهما مُنِيخَان بالعُذَيْب، فسمعاني أَقولُ: لبّيك بعمرةٍ وحجَّةٍ معاً، فقال أَحدهما: هذا أَفْضَلُ مِنْ بَعيرِه، وقال الآخر: هذا أَضَلُّ مِنْ كذا وكذا. فَمَضَيتُ حتى إِذا قَضَيْتُ نُسُكِي مررتُ بأَميرِ المؤمنين عمر، فساقه إِلى أَنْ قال فيه: قال ـ يعني عمر ـ: فصنعت ماذا؟ قال: مضيت فَطُفْتُ طوافاً لِعُمرتي، وسعيتُ سعياً لِعُمرتي، ثُم عدتُ ففعلتُ مثلَ ذلك لِحَجِّي، ثُم بقيتُ حراماً ما أَقمنا أَصنعُ كما يصنعُ الحاجُّ حتى قَضيتُ آخِرَ نُسُكي، قال: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ ولأَن في القِرانِ جَمْعاً بين العبادتين، فكان كالصوم مع الاعتكاف، والجهاد في سبيل الله مع صلاة الليل. وفي «شَرْحِ مسلم»: اختلفت رواياتُ الصحابةِ في صِفةِ حَجِّه ﷺ في حجَّةِ الوَدَاع: هل كان قارناً، أَوْ مُفْرِداً، أَوْ مُتمتعاً؟ وطريق الجمع أَنه ﷺ كان أَوَّلاً مُفْرِداً ثُم صار قَارِناً، فَمَنْ روى الإِفْرَاد رَوى أَولَ الأَمر، ومَنْ رَوى القِرانَ اعتمد آخِرَ الأَمر، ومَنْ رَوى التمتّع أَرادَ التمتعَ اللغويَّ ـ وهو الارتفاق ـ أَي الانتفاع الأُخروي بأَداء النُّسُكَين في سفرٍ واحدٍ. انتهى. وقد وضع ابنُ حزمَ كِتاباً في أَنه ﷺ كانَ قَارناً في حجّة الوداع، وتأَول باقي الأَحاديث. وفي «المبسوط»: وأَهل الحديث جمعوا رواة نُسُك رسولِ الله ﷺ فكانوا ثلاثين نَفَراً: عشرة منهم يروون أَنه كان قَارناً، وعشرة أَنه كان مُفْرِداً، وعشرة أَنه كان مُتَمَتّعاً فَنُوَفِّقُ بين هذه الرواياتِ فنقول: لَبَّى رسولُ الله ﷺ أَوَّلاً بالعمرةِ فسمَعَهُ بعضُ الناس، ثُم رواه. ثُم لَبَّى بعد ذلك بالحج فظنّوا أَنه كان متمتعاً فنقلوا كما وقع عندهم. ثم لَبَّى بعد ذلك بالحج فسمعَهُ قومٌ آخرون، فظنُّوا أَنه مُفْرِدٌ بالحج. ثُمَّ

стр. 673

وهُوَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ مِنْ ميقَاتٍ مَعَاً، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الحَجَّ والعُمْرَةَ إِلى آخِرِهِ. وطَافَ للعُمْرَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَرْمُلُ للثلَاثَة الأوَلِ ويَسعَى، ثُمَّ يَحُجُّ كَمَا مَرَّ === لَبَّى بهما فسمعه قومٌ آخرون، فعلموا أَنه قارنٌ. فكُلٌّ نقل ما وقع عنده. والله أَعلم. وأَمَّا قولُ صاحِب «الهداية» خلافاً للشافعي لقولِهِ ﵊: «القران رخصة» فغيرُ معروفٍ. نعم، أَخرَجه الدَّارَقُطْنِيّ عن عائشةَ أَنَّ النبيَّ ﷺ قال لها في عمرتِها التي اعتمرَتْها: «إِنَّما أَجْرُك في عُمرتك على قَدْرِ نَصَبك». (وهُوَ) أَي القِران لغةً: الجَمْعُ، مَصْدر قَرَنَ (بين) (١) الشيئين نحو كَتَبَ كِتاباً. وشرعاً: (أَنْ يُهِلَّ) أَي يُحْرم (بِحَجَ وعُمْرَةٍ مِنْ ميقَاتٍ) مِنْ المواقيت، ولم يُرِد به الاحترازَ عن أَنْ يهل بعمرةٍ وحَجَ قبل الميقاتِ أَوْ بعده، فإِنَّ الآفاقِي إِذا أَهَلَّ بهما قبل الميقات أَوْ بعده ـ ولو بمكة ـ يكونُ قارناً لكنه مسيءٌ، وإِنما أَراد به بيانَ أَنَّ القارن لا يكون إِلاَّ آفاقياً ولو تقديراً، وكذا لم يُرد بقوله (مَعَاً) الاحتراز، وإِنَّما أَرادَ به بيانَ الأَوْلَى والأَصل، حتى لو أَحْرَمَ بعمرةٍ من الميقات، ثُم أَحْرَمَ بحجَّةٍ قَبْلَ أَنْ يطوفَ أَرْبعةَ أَشواطٍ من العمرةِ، أَوْ أَحْرَمَ مِنْ الميقات بِحجةٍ، ثُم أَحْرَمَ بعمرةٍ قَبْلَ أَنْ يطوفَ كانَ قَارِناً، وهو قول الشافعي لِفِعْلِهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ. (ويَقُولُ) عَقِيبَ صلاةِ سُنَّةِ الإِحْرامِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الحَجَّ والعُمْرَةَ) وفي نسخة بتقديم العمرة وهو أَوْلى لِسَبْقِ فعلها (إِلى آخِرِهِ) أَي فَيَسِّرْهُما لي وتقبلهما منِّي. (وطَافَ للعُمْرَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) مُضْطبِعَاً (٢) فيها (يَرْمُلُ (٣) للثلَاثَةِ الأُوَلِ) ويصلي بعد الطواف ركعتيه (ويَسْعَى) بين الصفا والمروة، ويُهَرْوِلُ بين الميلين. ومِن شرائط صحَّة (٤) القِران أَنْ يطوفَ للعُمرةِ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ في أَشْهُر الحج. لا يتحلّلُ القارِنُ بعد عُمرتِهِ. فلو طاف وقَصَّر كان جنايةً على إِحرام الحج وإِحرام العُمرة، فيجب عليه دَمَانِ، لأَن تَحَلُّلَ القَارِنِ مِنَ العمرة إِنَّما هو يومُ النَّحْر. (ثُمَّ يَحُجُّ كَمَا مَرَّ) في المُفْرِدِ فيبدأُ بطوافِ القُدوم بلا رَمَلٍ واضطباعٍ إِلاَّ إِذا أَراد تقديمَ سَعْي الحجِّ على وقتِهِ الأَصلي وهو كونهُ بعدَ طوافِ الفَرض. وإِنَّما يُقَدِّمُ

стр. 674

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === القارِنُ أَفعالَ العُمرةِ على أَفعالِ الحج، لأَن الله تعالى ذَكَرهُ في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ إِلى الحَجِّ﴾ (١) بعد حَرْف الغاية المُقْتَضِي (لانتهاء) (٢) ما قبله بما بعده. فإِن قيل: الآيةُ في التمتع، أُجيب بأَن القِرانَ بمعناه، فأُلْحِقَ به في مقتضاه، لأَن كُلاًّ منهما تَرَفُّقٌ بأَداءِ النُّسُكَيْنِ في سفرٍ واحدٍ. وقال مالك والشافعي وأَحمد: يطوفُ القارنُ طوافاً واحداً عن عُمرته وقُدوم حَجِّه، ويَسْعى سَعْياً واحداً عن عُمرته وحجّه، لما في حالصحيحينخ عن نَافِع عن ابن عمر: أَنه أَراد الحجَّ عامَ نزل الحَجَّاجُ بابن الزبير فَقِيل له: إِنَّ الناسَ كائن بينهم قِتالٌ وإِنَّا نخافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) ، إِذاً أَصنعُ كما صنعَ رسولُ الله ﷺ أُشْهِدُكُم أَني قد أَوْجَبْتُ عُمرةً، ثُم خرجَ حتى إِذا كانَ بظاهرِ البَيْدَاءِ وقال: ما شأْنُ الحجِّ والعُمرةِ إِلاَّ واحدٌ، أُشْهِدُكُم أَنِّي قد أَوْجَبْتُ حَجَّاً مع عُمرتي، وأهْدَى هَدْياً اشتراه بِقُدَيْد: وهو ـ مُصَغر ـ مَوْضِعٌ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، ولم ينحر ولم يحلل مِنْ شيءٍ حُرم منه، ولم يحلِقْ ولم يُقَصِّر حتى كان يومُ النَّحر، فنحر وحلق ورَأَى أَنْ قد قَضَى طوافَ الحجِّ والعُمرةِ بطوافِهِ الأَول. فقال ابن عمر: كذلك فَعَلَ رسولُ الله ﷺ ولقوله ﷺ «هذه عمرةٌ اسْتَمْتَعْنَا بها، فَمَنْ لم يَكُنْ عِنْدَهُ هَدْيٌ (فليحل) (٤) الحِلَّ كُلَّهُ، وقد دخلت العُمرةُ في الحجِّ إِلى يومِ القيامةِ». رواه مسلم، وأَبو داود، والنَّسائي. ولقوله ﷺ «مَنْ أَحْرَم بالحجِّ والعُمرةِ أَجزأَه طوافٌ واحدٌ، وسَعْيٌ واحِدٌ». رواه الترمذي وقال: حسن غريب. ولقول ابن عباس: لَمْ يَطُفِ النَّبيُّ ﷺ وأَصحابُهُ بين الصَّفَا والمروةِ إِلاَّ طَوَافاً واحداً لِعُمْرتِهِم وحَجِّهم. رواه ابن ماجه. ولنا ما رواه النَّسائي في «السُّنن الكبرى» من حديث حَمَّاد بن عبد الرحمن الأَنصاري، عن إِبراهيم بن محمد بن الحَنَفية قال: طُفْتُ مع أَبي وقد جَمع بين الحجِّ والعُمرةِ، فطافَ طوافَيْنِ وسَعَى سَعْيَيْنِ، وحَدَّثني أَنَّ عَلِيَّاً فعل كذلك، وحَدَّثه أَنَّ رسولَ الله ﷺ فَعَل ذلك. فإِنَّ حمَّاد بن عبد الرحمن هذا ضَعَّفَه الأَزديُّ.

стр. 675

وذَبَحَ للقِرَانِ بَعْدَ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ. وإِن عَجَزَ القَارِنُ، === أُجِيب بأَنَّ ابن حِبَّان وَثَّقَه، فلا ينزل حديثُه عن الحَسَن. وما أَخْرَجَه الدَّارَقُطْنِيّ عن عِمْران بن حُصَيْن: أَنَّ النبيَّ ﷺ طافَ طَوَافَيْنِ، وسَعَى سَعْيَيْنِ. وما في «مصنف ابن أَبي شيبةَ» عن زياد بن مالك أَنَّ عَلِيَّاً وابن مسعود قالا في القارن: يطوفُ طَوَافَيْنِ، ويَسْعَى سَعْيَيْنِ. وما رَوَى محمدُ بن الحسن في «الآثار» عن أَبي حنيفة، عن منصور بن المعتمر، عن إِبراهيم النَّخَعي، عن أَبي نصر السُّلَمِيِّ، عن علي بن أَبي طالب قال: إِذا أَهللت بالحج والعمرة فَطُفْ (١) لهما طَوَافَيْنِ، واسْعَ (٢) لهما سَعْيَين بين الصفا والمروة، قال منصور: فلقيتُ مُجَاهِداً وهو يُفْتِي بِطَوافٍ واحدٍ لِمَنْ قَرَن فَحَدَّثْتُه بهذا الحديث فقال: لو كنتُ سمعتهُ لم أَفْتِ إِلاَّ بِطَوافَيْن، وأَمَّا بعد فلا أُفْتِي إِلاَّ بهما. انتهى. وبه قال ابن مسعود، والشَّعْبي، والنَّخَعِي، وجابر بن زيد، وعبد الرحمن بن الأَسود، والثَّوْري، والحسن بن صالح. وأَمَّا ما رُوِي مِنْ قوله ﷺ «دَخَلت العُمرةُ في الحجِّ إِلى يومِ القيامةِ». فمعناه أَنَّ العُمرةَ لا بأْس بها في أَشهرِ الحَجِّ كما قال الترمذي، فمعنى التداخل المذكور في الحديث: الوقت، أَي دَخَلَ وقتُ العُمرةِ في وقتِ الحَجِّ على معنى أَنَّهما يُؤديان في وقتٍ واحدٍ، وأَيضاً لا تَدَاخُلَ في العبادات، وإِنَّما التداخُلُ فيما يَنْدَراء بالشُّبُهَات. (وذَبَحَ) وجوباً (للقِرَانِ بَعْدَ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ) قبل الحلق في الحرم وأَيام النحر. ويُسَنُّ أَنْ يذبح بمنىً شاةً أَوْ سُبُعَ بعيرٍ، أو بقرة لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعُمرَةِ إِلى الحَجِّ فما اسْتَيْسَر مِنَ الهَدْي﴾ (٣) ، (والهدي ما يُهْدَى) (٤) إلى الحَرَمِ من شاةٍ أَوْ بقرةٍ أَوْ بعيرٍ، ولما في «الصحيحين» من حديث جابر (قال) (٥) : حَجَجْنَا معَ رسولِ الله ﷺ فَنَحَرْنَا البعيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، والبقرةَ عَنْ سبعةٍ. ونَمْنَعُ نحن ومالكٌ ذَبْحَه قَبْلَ يومِ النَّحْرِ لكونه دَمَ شُكْرٍ عندنا، فيختص بيوم النَّحْر كالأُضحية. وأَجَازَهُ الشافعيُّ بناءً على كونِه دَمَ جَبْرٍ عنده. (وإِن عَجَزَ القَارِنُ) عن الهَدْي بأَنْ لا يكون في ملكه عن كفافه قَدْرُ ما يشتري

стр. 676

صَامَ ثلاثةَ أَيَّامٍ وَآخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وسَبْعَةً بَعْدَ حَجِّهِ أَيْنَ شَاءَ، فإِنْ فَاتَتِ الثَّلَاثَةُ تَعَيَّنَ الدَّمُ. === به الدَّم ولا هو في ملكه (صَامَ ثلاثةَ أَيَّامٍ) يُستحب تواليها (وَ) أَنْ يكون (آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ) بأَنْ يصومَ السابع والثامن والتاسع، وهذا بيانُ الأَفْضل، لأَنه غاية ما يمكن في التأْخير لاحتمال القدرةِ على الأَصْل وهو الهَدْي، ويجوز أَنْ يصومها قبل السابع إِذا كان قد أَحْرم بالعُمرةِ، ويكون في أَشهر الحَجِّ وينوي مِنْ الليل. وعند الشافعيِّ لا يجوزُ أَنْ يصومها حتى يُحْرِم بالحَجِّ، وأَمَّا قبل إِحرام العُمرةِ، فلا يجوز بالإِجماع. (وسَبْعَةً بَعْدَ حَجِّهِ) أَي فراغ أَعماله (أَيْنَ شَاءَ) ولو بمكةَ من غير نيةِ الإِقامَة لقوله تعالى: ﴿وسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُم﴾ (١) ، أَي من مِنىً إِلى مكةَ. والصحيح مِنْ مذهب الشافعيِّ أَنَّ المراد الرجوع إِلى الأَهل. وعن مالك قولان. وقال ابنُ الهُمَام: أَي إِذا فَرَغْتُم مِنْ أَعمال الحَجِّ، فإِن الفراغ سببُ الرجوع، ففيه ذِكْرُ المُسَبَّبِ وإِرادةُ السَّبَبِ. والدليل على إِرادة المجاز أَنَّ الإِجماع على أَنه لو استمر (٢) على السياحة، وجب عليه صومُها بهذا النَّصِّ، ولا يتحقق في حَقِّه سوى الرجوع عن الأَعمال، فَعُلِم أَنَّ المراد الرجوع عنها، سواءٌ قَصَدَ وطنه أَوْ لا. ثُم لو قَدِرَ القارنُ (على) (٣) الهَدْي بعد صوم الثلاثة قَبْل التحلّلِ وجب عليه الذَّبْحُ، ولو قَدِرَ عليه بعد التَّحَلُّلِ (٤) لا يجب عليه الذَّبح. (فإِنْ فَاتَتِ الثَّلاثَةُ) بأَنْ جاء يومُ النَّحْر ولم يَصُمْها بتمامها (تَعَيَّنَ الدَّمُ) ولم يجزئه الصومُ، لأَنه جُعِل خَلَفاً عن الدَّم على خلاف القياس، فيراعى ما ورد فيه، وهو الوقوعُ قَبْلَ يَوْم النَّحْر. وأَجازَ الشافعيُّ صومَها بعد أَيام التشريق، لأَنه صومٌ مؤقتٌ فَيُقْضَى. وأَجازه مالك فيها غَيْرَ يوم النَّحر لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ في الحَجِّ﴾ (٥) وهذا وقتُه، لأَن طواف الزيارة يَتَأَدَّى فيها، ولقول عائشةَ وابن عمر: لم يُرَخَّص في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يصومَ إِلاَّ مَنْ لم يَجِدِ الهَدْيَ. رواه البُخاري. وفيه عن ابن عمرَ أَنَّه قال: الصيامُ لِمَنْ تمتَّعَ بالعُمرةِ إِلى الحَجِّ إِلى يومِ عرفةَ، فإِنْ لم يَجِد هَدْياً ولم يَصُم، صَامَ أَيَّامَ مِنىً.

стр. 677

[فَصْلٌ في التَّمَتُّعِ] والتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الإِفْرَادِ وَهُوَ: أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرةٍ مِنَ المِيقَاتِ في أَشْهُرِ الحَجِّ ويَطُوفَ، ويَسْعَى، ويَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّر، === ولنا إِطلاقُ النهي المشهور عن الصيام في هذه الأَيام، وقولُ عمر لِمَنْ قال: إِنِّي تمتعتُ بالعُمرةِ إِلى الحَجِّ: اذْبَح شاةً، قال: ما معي شيءٌ؟ قال: سَلْ أَقارِبَكَ، قال: ما ههنا أَحدٌ منهم، فقال: يا مُغِيثُ أَعْطِهِ قيمةَ شاةٍ. ذَكَرَه في «المبسوط». ولو لَمْ يَقْدِر على الهَدْي تَحَلَّلَ (١) ، وعليه دَمَانِ: دَمٌ للقِرَان، ودَمٌ لِتَحَلُّلِهِ قَبْل الذَّبْحِ. هكذا قالوا، وفيه بَحْثٌ، إِذِ الترتيبُ واجبٌ عن من يقول به، وهو يسقط بالعُذْرِ. ولو لم يَدْخُلِ القارنُ مَكَّةَ ووقف بعرفةَ بعد الزوال، فعليه دَمُ جَبْرٍ لِرَفْضِ العمرةِ، سواءٌ نوى رَفْضَها أَمْ لا، وعليه قضاؤها، وبَطَل عنه دمُ القِران، لأَنه لما ارتفعتِ العُمرةُ لم يُوَفَّق بأَداء النُّسُكَيْنِ، فصارَ كالمُفْردِ لا دَمَ عليه. (فصلٌ في التمتع) (والتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الإِفْرَادِ) لأَنَّ فيه جَمْعاً بين العبادتين، ودَماً للنُّسكِ كما في القِران، فيكون أَفْضَلَ مِنْ الإِفْرَادِ. وفي أَمْر النبيِّ ﷺ المُحْرِمين بالحجِّ أَنْ يَتَحَلَّلُوا عنه ويَجْعلوه عمرةً إِشَارَةٌ إِلى أَنَّ التمتّعَ أَفْضَل مِنْ الإِفْراد. ورَوى الحسن عن أَبي حنيفة: أَنَّ الإِفرادَ أَفْضل مِنْ التمتُّعِ، لأَن المُتَمَتِّعَ وَقَعَ سَفَرُهُ للعمرة، بدليلِ أَنه بعد الفراغِ منها يصيرُ كالمكِّي في حقِّ الإِحرامِ، والحجّ فَرْض والعمرة سُنَّة، والسَّفَر (الواقع) (٢) للفَرْضِ أَعْلَى مِنْ السفر للسنّة. والظاهر أَنَّ الإِفراد إِنَّما يكونُ أَفْضل مِنْ التمتعِ، إِذَا أَتى بِعُمرةٍ مُفْرَدةٍ بعده، وإِلاَّ فلا شبهةَ أَنَّ العِبَادَتَيْنِ أَفضل مِنْ عبادةٍ واحدةٍ، ولِذا قال محمد: حَجَّةٌ كوفية، وعُمرةٌ كوفية أَفْضل عندي مِنْ القِرَان. (وَهُوَ) أَي التمتع لُغةً: الانتفاع، مأْخوذٌ مِنْ المَتَاع. وشَرْعاً: (أَنْ يُحْرِمَ) الآفاقي لِيكونَ على الوَجْهِ المَسْنُون (بِعُمْرةٍ مِنَ المِيقَاتِ) وجوباً، أَوْ مِنْ مكانٍ قَبْلَه ـ وهو أَفْضل ـ أَوْ بعده، ويَجِبُ عليه حِينئذٍ دَمٌ (في أَشْهُرِ الحَجِّ) أَوْ يُحْرِم بِعُمرةٍ قَبْلَ الأَشْهُرِ، ويَطُوف لها في الأَشهر أَربعة أَشواط أَوْ أَكثر (ويَطُوفَ، ويَسْعَى، ويَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّر) إِنْ لم يَكُنْ سَاقَ هَدْياً وقد حَلَّ مِنْ إِحرامه، أَوْ يَبْقَى على إِحرامه حتى يُحْرِم بالحجِّ يومَ التَّرْوِيةِ، ويَتَحَلَّلُ مِنْ الإِحْرَامَين بالحلق يوم النَّحْر.

стр. 678

ويَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ في أَوَّلِ طَوَافِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بالحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيةِ، وقَبْلَهُ أَفْضَلُ. وحَجَّ كالمُفْرِدِ وذَبَحَ، وإِنْ عَجَزَ صَامَ كالقَارِنِ، === (ويَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ في أَوَّلِ طَوَافِهِ) باستلام الحجر الأَسود، ونَحْوهِ مِنْ أَنواعِ شُرُوعِهِ، لا عند مُشَاهَدتِهِ للبيتِ كما قال مالك، وهو مرويٌّ عن عُمَرَ ﵁. ولنا ما رواه أَبو داود، وصَحَّحَهُ الترمذي من (حديث عطاء عن) (١) ابن عباس: أَنَّ النبيَّ ﷺ كان يُمْسِكُ عن التلبية في العمرة إِذا اسْتَلَمَ الحَجَر. (ثُمَّ أَحْرَمَ بالحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيةِ) مِنْ الحَرَمِ لأَنه صار مَكِّياً، وميقاتُ المكِّي في الحَجِّ الحَرَم (وقَبْلَهُ) عندنا وعند مالك (أَفْضَلُ) لما فيه مِنَ المسارعةِ إِلى الطاعة. وقال أَصحابُ الشافعيِّ في غَيْر واجدِ الهَدْي: إنَّ المُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يُحْرِم بالحجِّ قَبْلَ السَّادِس، والأَفْضَل لسائِقِ الهَدْي أَنْ يُحْرِم بالحَجِّ يَوْمَ الترويةِ قَبْل الزَّوال، لما رَوى جابر أَنَّه ﷺ قال: «إِذا توجّهتم إِلى مِنَى رائحينَ فأَهِلُّوا بالحَجِّ». وذلك يكونُ يومَ التَّرْوية قبل الزَّوال. (وحَجَّ كالمُفْرِدِ) ورَمَل في طوافِ الزيارة، لأَنه أَوَّلُ طوافٍ في حَجِّه وسَعَى بعده نفلاً وَرَمَلَ وسَعَى. ولو أَحْرم بالحَجِّ وطَافَ (نفلاً ورَمَل وسعى) (٢) قَبْلَ رَوَاحِهِ إِلى مِنَى لا يَرْمُلُ في طواف الزيارة ولا يَسْعَى بعده (وذَبَحَ) لِمَا ذكرنا في القِرَان، بَلْ هُو النَّص في القرآن. (وإِنْ عَجَزَ) عن الهَدْي (صَامَ كالقَارِنِ) كمِّيةً وكيفيةً مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بينهما، إِلاَّ أَنَّه إِنْ صامَ الثلاثةَ بعد إِحرامِ العُمْرة ولو قَبْل الطوافِ لها جاز. ولم يُجز مالك والشافعي صومها قبل أَنْ يُحرم بالحجِّ لظاهرِ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الحَجِّ﴾ (٣) ، ومَنْ صَام قبل أَنْ يُحْرِم بالحج لا يكونُ صومُه في الحج. ولنا أَنه أَدَّاه بعد انعقادِ سَبَبِهِ، وهو الإِحرامُ بالعُمْرةِ، لأَن تَحَقُّقَ سببِ الهَدْي إِنَّما هو بإِدْخَالِ العُمرةِ على الحَجِّ في أَشْهُره، لا بِشُرُوعِهِ في الحجِّ، فيجوزُ الصَّوْمُ بعد انعقاد السبب، كجواز التَّكْفِير بعد جَرْحِ الصَّيْدِ قَبْلَ مَوْتِه. والمراد بالحج المذكور في النَّص وَقْتُه، لأَن نفسه لا يَصْلُحُ ظَرْفاً، لأَنه عِبارةٌ عن الأَفْعَال، والفِعْل لا

стр. 679

فإِنْ أَحْرَمَ بِسَوْقِ الهَدْي - وهُوَ أَفْضَلُ - لا يَتَحَلَّلُ، === يصلُح أَنْ يكونَ ظَرْفاً لِلفِعْلِ. ولو صَامَ ثلاثةً مِنْ شَوَّال ثُم اعتمر لم يَجُز عن الثلاثةِ اتفاقاً، لأَن سبب وجوب هذا الصوم التمتع لأَنه بَدَلٌ عن الهَدْي، وهو في هذه الحالةِ غَيْرُ متمتعٍ لا حقيقةً ولا حُكْمَاً، فلا يجوزُ أَداؤُه قَبْل وجودِ سَبَبِهِ. (فإِنْ أَحْرَمَ) المُتَمَتِّع (بِسَوْقِ الهَدْي) بأَن قَلَّدَ بَدَنَةَ نَفْلٍ، أَوْ نَذْرٍ، أَوْ جزاء صيدٍ، أَوْ جِنايةٍ كانت عليه في السَّنَة الماضية وتوجَّهَ معها يُرِيدُ الحجَّ. والأَظهر أَنَّ لفظَ «بسوق» بالموحدة أَي مُصَاحَباً بِسَوْق الهَدي مُتَلَبِّساً به، ويُحْتَمَل أَنْ يكونَ بالمُثَنَّاةِ التحتيّة أَي حال كَوْنِه يَسُوقُ الهَدْي، والسَّوْقُ أَفْضَلُ مِنَ القَوْدِ إِلاَّ أَنْ لا يُسَاقَ فَيَقُودُهُ. والتقليد ـ وهو جَعْلُ مَزَادَة: أَي قِطعة من أَدم (١) ، أَوْ نَعْل، أَوْ لِحَاء (٢) شجرةٍ في عُنُقِهِ ـ أَفْضَلُ من التجليل لقوله تعالى: ﴿ولا الهَدْيَ ولا القَلَائِدَ﴾ (٣) ، والجَمْع بينهما حسن. وأَمَّا الإِشْعَارُ ـ وهو أَنْ يَطعن بالرُّمح في أَسْفَلِ سَنَام البَدَنَةِ مِنْ يَسَارِها أَوْ يَمِينِهَا حتى يَخْرُجَ الدَّمُ، ثُمَّ يُلَطَّخُ به سنَامُهَا ـ فقيل: مَكْرُوهٌ، وقيل: مَسْنُونٌ، لقول ابن عباس: صَلَّى النبيُّ ﷺ الظُّهْرَ بذي الحُلَيفة، ثُم دعا بِنَاقَةٍ ـ وفي لفظٍ: بِبَدَنَةٍ ـ فأَشْعَرَها في صفحةِ سَنَامها الأَيْمن وسَلَت (٤) الدم عنها، وقَلَّدها نَعْلَين. الحديث أَخرجه الجماعةُ إِلاَّ البخاريّ. (وهُوَ) أَي إِحرام المتمتع بِسَوْق الهَدْي (أَفْضَلُ) مِنْهُ بِغَيْر سَوْقٍ، لأَنَّ النبيَّ ﷺ أَهْدَى مئة مِنْ الإِبل. والجملةُ حاليةٌ مُعْتَرِضَةٌ بين الشَّرْطِ وجوابه وهو قوله: (لا يَتَحَلَّلُ) أَي يَبْقَى على إِحرامه للعُمْرةِ حتى يَتَحَلَّل مِنْ حَجِّه وإِنْ حَلَق لم يتحلل مِنْ إِحْرَامِهِ، ولزمه دَمٌ، وهو قول أَحمد. وقال مالك والشافعيُّ: إِذا طاف وسَعَى وحَلَق، حَلَّ مِنْ عُمرتِهِ قِيَاساً على مَنْ لم يَسُقِ الهَدْيَ. ولنا ما في «الصحيحين» مِنْ حديث ابن عُمر قال: تَمَتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حجَّةِ الوَدَاعِ بالعُمرةِ إِلى الحَجِّ وأَهْدَى، فساقَ معه الهَدْيَ مِنْ ذي الحُلَيْفة، وبَدَأَ رسولُ الله ﷺ فأَهَلَّ بالعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بالحَجِّ فَتَمَتَّعَ رسولُ الله ﷺ بالعُمرةِ إِلى الحَجِّ، فكان مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فساقَ الهَدْي، ومنهم مَنْ لم يَهْدِ. فَلَمَّا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ مَكَّةَ

стр. 680

ثُمَّ يُحْرِمُ بِالحَجِّ كَمَا مَرَّ. [فَصْلٌ في أَحْكَامِ المَكَي ومَن بمَعْناهُ] والمَكِّيُّ يُفْرِدُ فَقَطْ === قال للنَّاسِ: «مِنْ كانَ مِنْكُم أَهْدَى فإِنَّه لا يَحْلِل مِنْ شيءٍ حَرُمَ منه حتى يَقْضِي حَجَّه، ومَنْ لم يَكُنْ مِنكم أَهْدَى فَلْيَطُف بالبيتِ وبالصفا والمروة، وليُقَصِّر وليَحْلِل». (ثُمَّ يُحْرِمُ) ثانياً (بِالحَجِّ كَمَا مَرَّ) في المتمتع الذي لا يسوقُ الهَدْي. (فصلٌ في أحكام المكي ومن بمعناه) (والمَكِّيُّ) ومَنْ بِمعناه من أَهل داخل الميقات وإِنْ كانَ مسيرةَ سَفَر. وقد اختلف العلماءُ في حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَام، فقال مالك: هُمْ أَهّل مَكَّةَ خَاصَّةً. وقال الشافعيُّ: هم أَهْل مكة ومَنْ يكون مَنْزِلُه مِنْ مكةَ على مسيرةٍ لا يجوزُ فيها قَصْرُ الصلاةِ (يُفْرِدُ فَقَطْ) ولا يَتَمَتعُ ولا يَقْرِن، لما صحَّ عن عُمَرَ: لَيْسَ لأَهْلِ مكةَ تَمَتُّعٌ ولا قِرَانٌ. ومع هذا، فَمَنْ تَمَتَّعَ منهم أَوْ قَرَنَ صَحَّ وكان مُسِيئاً وعليه دَمُ جَبْرٍ لإِساءته، ومِنْ حُكْمِ هذا الدَّم أَنْ لا يقومَ الصَّوْمُ مقامه حال العُسْرةِ. وقال الشافعيُّ: يتمتعُ المَكِّيُّ ويَقْرِنُ، لأَن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ إِلى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي﴾ (١) يَشْملُ المَكِّيَّ كما يَشْمَل غيره. ولنا أَنَّ هذه الآيةَ مخصوصةٌ بِغَير المَكِّي ومَنْ بمعناه، لأَن الإِشارة فيها للتمتع المفهوم. من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ﴾ وليست للهَدْي والصومِ كما قال به الشافعيُّ، وإِلاَّ لقيل (٢) «ذلك على مَنْ لم يَكُنْ أَهْلُه حاضري المَسْجِدِ الحَرَامِ»، لأَن الهَدْيَ وبَدَله ـ أَعْنِي الصَّوْمَ ـ واجبٌ على المتمتع، والواجب يُستعمل فيه «على» لا «اللام». ولو خَرَجَ المكيُّ إِلى الكوفةِ مَثَلاً فَقَرَنَ صَحَّ، لأَنَّ عُمْرَته وحجّته ميقاتيتان، وصار بمنزلة الآفاقي، ولَزِمَهُ دَمُ شُكْرٍ. ولو تَمَتَّعَ لا يصح، لأَنه إِذا تَحَلَّلَ بالعُمْرةِ صارَ من أَهْلِ مَكَّةَ، فيصيرُ الحَجُّ مِنْ وطنه ولا يكونُ بناءً على سَفَرٍ سابقٍ. فعُلم أَنَّ عَدَمَ الإِلْمَامِ (٣) شَرْطٌ لِصحةِ التمتع، فَيَنْتَفِي بانتفائه. ويؤيدُه ما رَوَى الطحاوي عن سعيد

стр. 681

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ابن المُسَيَّب، وعطاء، وطَاوُس، ومجاهد، والنَّخَعي: أَنَّ المتمتعَ إِذا رَجَعَ إِلى أَهْله بعد العُمرةِ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ. وكذا حكاه الرَّازي في «أَحكام القرآن»، وهو قول مالك والشافعي أَيضاً. وفي «الأَسرار»: والمكيُّ يعتمر في أَشْهُر الحجّ ولا يُكْرَهُ له (١) ، ولكن (لا) (٢) يدرك فضيلة التمتع، لأَن الإِلمام يَقْطَعُ مُتْعَتَه كما يقطع متعة الآفاقي إِذا رجع بين النُّسُكَيْنِ إِلى أَهْلِهِ. انتهى. وهذا صريحٌ في أَنَّ المكيَّ لو اقتصر على عُمْرَةٍ مُفْردةٍ في أَشهر الحجِّ ولم يَحُجّ في تلك السنةِ لا تكونُ مكروهةً بلا خِلافٍ، ومَنِ ادَّعَى خلافَ ذلك كابنِ الهُمَام فقد أَبْطَلْناه في غير هذا المقام، وبَيَّنَا أَنَّهُ غيرُ مُوافِقٍ للروايةِ ولا للدِّرَايةِ. ومن الأَدلة على ذلك ما رَوَى البيهقيُّ عن مُعَاذَة العَدَوِيَّة، عن عائشةَ قالت: العمرةُ في السَّنةِ كُلِّهَا إِلا أَرْبَعَةَ أَيَّام: يومَ عَرفةَ، ويوم النَّحر، ويومان بعد ذلك. ورَوى الإِمام الأَعظم ﵀ بإِسنادهِ عن عائشةَ قالت: لا بأْس بالعُمْرَة في أَيِّ شَهْر شِئْت ما خلا خمسةَ أَيام: يوم عرفةَ، ويوم النَّحر، وأَيام التَّشْريقِ. ثُم الآفاقي إِذا أَتى بِعُمْرةٍ في أَشهر الحَجِّ وتَحَلَّلَ منها، ثُم عادَ إِلى وطنه، ثُم حَجَّ في عَامِهِ بطل تمتعه إِنْ لم يكن ساق معه هدياً، فلا يلزمه دم، لأَنه أَلَمَّ بأَهْلِهِ فيما بين النُّسُكَيْن إِلْماماً صَحِيحاً، وبذلك يَبْطُل التمتعُ، كذا رُوي عن عمر وابنه وابن عباس. وقد ذكرنا مَنْ تَبِعَهُم من التابِعِين، وهذا لأَن حَدَّ التمتع ليس بصادقٍ عليه حيث أَنْشَأَ لكل نسك سَفَراً من أَهله، والمتمتع مَنْ يترفق بأَداء النسكين في سَفَرٍ واحدٍ. وإِنْ ساقَ الهدي، أَوْ أَخَّرَ الحلق، أَوْ ترَكَ أَربعةَ أَشواطٍ من الطواف لم يبطل تمتعه عندنا، خلافاً لمالك والشافعيّ ومحمد، لأَنه لم يجمع بين النسكين في سفرٍ واحدٍ (لانتهاء) (٣) سفره الأَول بإِلْمَامِهِ (٤) بأَهْله. ولأَبي حنيفة وأَبي يوسف: أَنَّ إِلْمَامَه بأَهْلِه ليس بإِلْمَامٍ صَحِيحٍ لبقاءِ إِحْرَامه، لأَنَّ سَوْقَ الهَدْي يمنعه من التحلل، والعودُ ليحلِقَ في الحرم وليأْتيَ بالطواف واجبٌ عليه، فجرى وجود هذا السَّفَر مجرى عدمه لعدم استحكامه، فكأَنه لم يزل بمكةَ إِلى

стр. 682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أَنْ حج. وإِنْ أَحْرَمَ بالعمرة قبل أَشهر الحج وطاف أَقل السبعة، ثُم أَتَمها في الأَشهر وحَجَّ، يكونُ متمتعاً عندنا، وهو قول مالك، لأَن الإِحرام بالعُمرةِ وإِنْ حصل قبل الأَشْهر لكنه شرطٌ عندنا، وإِنما يعتبر أَداء الأَركان في أَشهره، وأَكثر أَفعال العمرة باقية مؤداة في أَشهره، وللأَكْثر حُكْم الكلِّ، فكان جَامِعاً بين العبادتين، فكان متمتعاً. ونفاه الشافعيُّ بناءً على أَنَّ الإِحرام رُكْن عنده. وعلماؤنا والشافعيُّ أَبطلوا التمتع إِنْ طاف الأَكثر قبل الأَشهر، وأَجازه مالك، لأَن تمام العمرة بالتحلل منها، وهو واقعٌ في أَشهره، فيكون جَامِعاً بين النُّسُكَيْن باعتبار تمامِ العمرة. قلنا: إِنه ليس بِجَامعٍ بينهما في الأَشْهُرِ لا حقيقةً ـ وهو ظاهر ـ، ولا حُكْماً، لأَن الأَكْثر قد وُجِدَ في غير الأَشهر، وللأَكْثر حُكْمِ الكل. ويَمْضِي المُحْرِمُ فيما أَفْسَدَ مِنْ حَجَ أَوِ عُمْرةٍ بخلاف الصلاة والصوم، لأَنه لا يمكنه الخروج عن عهدة الإِحرام إِلاَّ بالأَفعال، فإِن كان متمتعاً سقط دَمُ المتعة، لأَنه لم يُوَفَّق (١) بأَداء النُّسُكَين الصحيحين في سَفَرٍ واحدٍ. ولو أَحْرَم شخصٌ بنُسُكين كَحَجَّتَيْن أَوْ عمرتين لزماه عندنا، وأَلْزَم محمدٌ وزفر بِنُسك واحدٍ كمالك والشافعي، لأَن الإِهلال للشُّروع في الأَداء، وأَداؤهما معاً غَيْرُ ممكنٍ، ثم ارتفاض أَحد الإِحْرَامَين يتأَخّر إِلى زمن التوجه للأَداء عند أَبي حنيفة في ظاهر الرواية، وإِلى زمن الشروع في أَحَد النُّسُكَين في روايةٍ. ويحكم أَبو يوسف بالارتفاض عَقِيب الإِحرام بهما بلا مهلة. ولو أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أُخرى يَوْمَ النَّحْرِ قبل الحلق لزمته الحجة اتفاقاً (٢) ، وعليه دَمٌ عند أَبي حنيفة، قصَّر (٣) لأَجل الخروج من الإِحرام الأَول أَوْ لا، احتراماً للإِحرام الثاني (٤) ، وخَصَّا (٥) لزوم الدمِ بالتقصير، وهذا بناءً على ما قَدَّمنا في أَوَّل الكتاب مِنْ وجوب التحلل في أَيامِ النَّحْر عنده، وعدمه عندهما.

стр. 683

فَصْلٌ في الجِنَايَاتِ إِنْ طَيَّبَ مُحْرِمٌ عُضْوًا كَامِلًا، === ولو أَحْرَمَ بِعُمْرةٍ بعد الفراغ من الأُولى قبل التقصير لزمه دَمٌ لإِحْرامِه قبل الوقت، لأَن وقته بعد الحلق عن الأُولى، لأَن الجَمْع بين إِحْرَامي الحج أَوْ إِحْرامي العمرة بدعة. ولم يذكر محمد دَماً في الجَمْع بين الحجّتين في «الجامع الصغير»، وذكره في الجَمْع بين العمرتين، وأَوجبه في مناسك «المبسوط»، فجعل بعضُ المشايخ فيه روايتين، وذكر بعضُهم أَنَّه لا فَرْقَ بينهما. وسُكُوتُه في «الجامع» ليس نَفْياً بَعْدَ وجودِ المُوجِبِ، لأن الموجب له في العمرتين وهو عَدَمُ المشروعية ثابت في الحَجَّتَين. فصلٌ في الجنايات الجنايةُ: فِعْلٌ مُحَرَّمٍ، والمرادُ هنا خاصٌّ مِنْهُ، وهو ما يكون حُرمتُه بسببِ الإِحرام أَوِ الحَرَم. ثُم المُحْرِم إِذا جَنَى عَمداً بلا عذرٍ، يَجِب الجزاءُ والإِثم، فلا بد من التوبة، وإِنْ جَنَى بغيرِ عَمْدٍ أَوْ بِعُذرٍ، فعليه الجزاء دون الإِثم. وأَمَّا الواجبات فكلُّها إِنْ تركها لِعُذْرٍ لا شيءَ عليه، كما في «البدائع»، ويَجِب الجزاء عندنا وهو قول مالك على الناسي لإِحرامه، وكذا على الجاهل بالحُرْمةِ، إِذْ الإِحرام حالةٌ مُذَكِّرةٌ، فلم يكن النسيانُ ولا الجَهْلُ في دار الإِسلام عُذْراً. ونفاه الشافعيُّ عنهما لأَنهما معذوران، إِلاَّ إِذا قتلا صيداً فإِنه يَجِبُ الجزاءُ على الأَظهر. ثُم الكَفَّارات كُلُّها واجبةٌ على التراخي، فلا يَأْثم بالتأْخير عن وقت الإِمكان، ويكون مُؤَدِّياً لا قَاضِياً في أَيِّ وقت (أَدَّى، وإِنَّما يتضيّقُ عليه الوجوب في آخِر عُمُره في وقتٍ) (١) يَغْلب على ظَنِّه أَنه لو لم يُؤَدِّه لفات، فإِنَّه إِنْ لم يُؤدِّ فيه حتى ماتَ أَثِمَ، ويَجِب عليه الوصيةُ بالأَداء، ولو لم يُوصِ لم يجب في التَّركةِ ولا على الوَرَثة، ولو تَبَرَّعَ عنه الورثةُ جاز، ولا يصومون عنه. والأَفْضل تعجيلُ الكفارات والمبادرة إِلى الخيرات، فإِنَّ في التأْخيرِ آفاتٍ. ثُم الجنايات قِسْمَان: مُوجِبٌ للدم، ومُوجِبٌ للصَّدقةِ، فأَشار إِلى الأَوَّلِ بِقَوْلهِ: (إِنْ طَيَّبَ مُحْرِمٌ) مُكَلَّف، ذَكَراً كان أَوْ أُنْثَى (عُضْواً كَامِلاً) كالرأْس والفَخِذ والسَّاق. وقال الفقيه أَبو جعفر: يُعْتَبر كثرةُ الطَّيبِ في نفسه، كَكَفَّين مِنْ ماءِ

стр. 684

أَوِ ادَّهَنَ، === الوردِ، وكَفَ من الغالية (١) ، وما استكثره الناسُ مِنْ المسك. وفي «المحيط»: وإِلى كلِّ قولٍ أَشَار محمدٌ، والصحيح إِنْ كان الطيبُ قَليلاً فالعبرةُ بالعُضْو لا بالطيب، وإِنْ كانَ الطِّيبُ كثيراً فالعبرة بالطيبِ لا بالعضو. ولو طَيَّب في مجلسٍ واحدٍ جميعَ أَعضائه، فعليه دَمٌ وَاحِدٌ لاتحاد المجلس (٢) ، وإِنْ كان في مجالس، فَلِكل طِيبٍ دَمٌ على حِدَة، كَفَّرَ للأُولى أَوْ لا عندهما. وقال محمد: عليه كفارةٌ واحدةٌ ما لم يُكَفِّر للأُولى. ولو كان الطِّيبُ في أَكثر مِنْ عُضْوٍ يُجْمَع، فإِنْ بلغ عُضْواً فعليه دَمٌ. ولو شَمَّ طِيباً، أَوْ دخل بيتاً مُجَمَّراً فَعَلِقَ بثوبهِ رائحةٌ فلا شيءَ عليه، ويُكْرَهُ له شَمُّه قَصْداً. كما رُوي عن عمر (وجابر) (٣) : كان ابن عباس لا يرى به بأْساً. وسُئِل عثمانُ عن المُحْرِم يدخل البستان قال: نعم، ويَشَمُّ الريحان. وأَوجب مالك والشافعيُّ الدَّمَ عليه. ولو أَكل الزَّعفران وحدَه فعليه دَمٌ إِنْ كان كثيراً، وهو بحيث يلتزق به أَكثر فَمِه، وإِلاَّ فَصَدَقَةٌ عند أَبي حنيفةَ. وعندهما لا شيءَ عليه، لأَنَّ الزَّعْفَران يُستعمل في الأَطْعمة فالتَحَقَ بها. ولأَبي حنيفةَ أَنه طِيبٌ حقيقةً، ولا تسقط هذه الحقيقةُ إِلاَّ لضرورة التبعية للطعام، بأَنْ كان في طعام مسّته النار أَوْ لم تَمَسَّه. ولو طَيَّبَ رُبُعَ عُضْوٍ يَلْزَمُه صدقةٌ في ظاهر الرواية، وقيل: (يلزمه) (٤) دمٌ اعتباراً بالحلق. وفي «الهداية»: فإن خَضَب رأْسه بِحِنَّاء فعليه دَمٌ لقوله ﷺ «الحِنَّاءُ طِيبٌ». أَخرجه النَّسائي، والطبراني، والبيهقي، ولفظه عن خَوَلَة بنت حَكِيم عن أُمِّها: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا تُطَيِّبِي وأَنْتِ مُحْرِمَةٌ، ولا تَمَسِّي الحنّاء فإِنه طِيبٌ». (أَوِ ادَّهَنَ) ـ بتشديد الدال ـ أَي تَدَهَّنَ بِدُهْنٍ فيه طِيبٌ، كدُهْن البنفسج والورد والياسمين والبَان (٥) ، لَزِمه دَمٌ إِجْمَاعَاً. وفي «المحيط»: لو ادَّهَنَ بشحمٍ أَوْ سمنٍ، فلا شيء عليه إِجماعاً، لأَنه ليس بِطِيبٍ أَصلاً. ولو دهن شقاق رجليه بزيت أَوْ

стр. 685

أَوْ لَبِسَ مَخِيطاً، أَوْ سَتَرَ رَأْسَهُ يَوْماً كَامِلاً، === داوى به جراحة، فلا شيء عليه (إِجماعاً) (١) ، لأَن الزيت طِيبٌ من وجه، وليس بطيبٍ حقيقةً، فإِذا استعمل على وجه التَّطيّب لزمه الدَّمُ، ولو استعمل لإِصلاح البدن لا يلزمه شيءٌ، توفيراً على الشَّبَهَيْنِ حقهما. (أَوْ لَبِسَ مَخِيطاً) ولو متعدداً في مجلس واحدٍ: بقميصٍ وقَلَنْسُوَة، وعِمَامة، وقَباء (٢) وسراويل، لأَن جنس الجناية واحدٌ والمقصود واحدٌ، وهو الاستمتاع بلبسِ المخيط كحلق رأْسه كله، فصارت كجنايةٍ واحدةٍ. (أَوْ سَتَرَ رَأْسَهُ) أَي غَطَّاه (يَوْماً كَامِلاً) أَوْ ليلةً كاملة، وهو ظرف للفِعْلَين (٣) ، لأَنَّ الارتفاق (٤) الكامل في اللبس وستر الرأْس يدفع الحر والبرد، وذلك بيَوْمٍ كاملٍ. قال أَبو يوسف وهو قول أَبي حنيفة أَولاً: أَكْثرُ اليومِ كاليَوْمِ. وفي «المحيط»: ولو غطَّى ربع رأسه يوماً أو أكثر، فعليه دمٌ، وفي الأَقل صدقةٌ عندنا، لا دَمٌ كما قال مالك والشافعيُّ، واحتجَّا بأَنه محظورُ الإِحرام وقد ارتكبه، فيجِبُ عليه الدَمُّ بنفسه لا بامتدادِه كسائر محظوراتِ الإِحرامِ. وفي «شرح الطحاوي»: ولو لبس المُحْرم المَخِيط أَياماً ولم ينزعه ليلاً ونهاراً، فعليه دَمٌ واحِدٌ، فإِنْ ذبح ثُم استمر على اللبس يوماً كاملاً فعليه دَمٌ آخَرُ، لأَن الدوام كالابتداء. ولو اضطر المُحْرم إِلى ثوبٍ واحدٍ فلبس ثوبين: فإِنْ لبسهما على مَوْضع الضرورة لم يجب إِلاَّ دَمٌ واحدٌ على سبيل التخيير، كمَن اضطر إِلى لبس قميصٍ، فلَبِس قميصين أَوْ قميصاً وجُبَّةً. وإِنْ لَبِس أَحدهما على موضع الضرورة والآخر على غيره، كمَن اضطر إِلى لُبْسِ قَلَنْسُوة، فلبس قَلَنْسُوةً وقميصاً، فعليه دَمٌ (مُحَتَّمٌ) (٥) للبسه ما لا يحتاج إِليه. ويُخيَّرُ بَيْن الدَّم، والإِطعام، والصيام لِلبسه ما يحتاج إِليه. ولو كان يَلْبَسُ المخيط بالنهار ويَنْزِعُه بالليل للنوم من غير أَنْ يعزم على تَرْكه، فعليه دمٌ واحدٌ بالإِجماع. وإِن نَزَعَهُ على عزم الترك ثُم لبسه، فإِنْ كَفَّرَ للأُولى، فعليه

стр. 686

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === كفارةٌ بالإِجماع، وإِلا فعليه كَفَّارَتَان عندهما، وقال محمد: كفارةٌ واحدةٌ، كذا في «السراج». وقال ابن الهُمَام: لا فَرْق في لُزُوم الدَّم إِذا أَحْدث اللُّبْس بعد الإِحْرَام، أَوْ أَحْرَم وهو لَابِسٌ فَدَامَ يوماً أَوْ لَيلةً عليه، بخلافِ انتفاعِهِ بعد الإِحرام بالطِّيبِ السابق للنص فيه، ولولاه لأَوْجَبْنا فيه أَيْضاً، ولا في كونِه مختاراً في اللُّبْس أَوْ مُكْرهاً عليه أَوْ نَائِماً، فَغَطى إِنسانٌ رأْسَه لَيْلَةً أَوْ وجهه حتى يجِبُ الجزاء على النائم، لأَن الارتفاق حصل له، وعدم الاختيار أَسْقَطَ الإِثْمَ عنه لا المُوجَبَ. انتهى. ولا بأْس للمُحْرم أَنْ يُغَطي فاه وأُذُنَيه، ويُكْره أَنْ يُغطي أَنْفَه. ولو غَطَّى ما استرسل مِنْ شعر لِحيتِه لا بأْس به، كذا في «السراج». ويَجُوزُ وضع القَبَاء على مَنكبيه إِذا لم يُدْخِل يديه من كُمَّيه ولا دم عليه، وأَلْزَمه زُفَر ـ كمالك والشافعي ـ بالدَّم، لأَنه ارتفق بِلُبْس القَبَاء ارتفاقاً كاملاً وهو مَخِيط لأَنه قد لَبِسَ هكذا. ولنا أَنه استعمله اسْتِعْمال الرِّداء المطلق (١) للمُحْرم لا المَخِيط، أَلا ترى أَنه يحتاج إِلى التكلف في حِفْظه، والمَخِيط مَلْبوسٌ لا يتكلفُ في حِفْظه، فلم يكن لَابِساً للمَخِيط، فلم يَجِب عليه شيءٌ. وفي «المبسوط»: ويتوشح المُحْرِم بالثياب ولا يَعْقِد على عنقه، لأَنه إِذا عَقَدَه لا يحتاج في حِفْظه على نَفْسِه إِلى تَكَلُّف، فكان في معنى المَخِيط. وكذلك قالوا: إِذا اتَّزَر لا يَنْبَغِي له أَنْ يَعْقِدَ إِزَاره على نفسه بِحَبْلٍ أَوْ غيره، فقد رُوِي أَنَّ النبيَّ ﷺ رأَى رجلاً قد شَدَّ فوق إِزَارَه حَبْلاً فقال: «أَلْقِ ذلك الحَبْلَ، ويلك». وكذلك يكره أَنْ يُخَلِّل رِدَاءَهُ بخِلَال، لأَنه لا يحتاجُ إِلى تَكَلُّف في حِفْظه على نفسه، ولكنه مع هذا لو فَعَل، لا شيءَ عليه، لأَن المحظور عليه الاستمتاع بِلُبْس المخيط ولم يوجد ذلك، ولعل الحِكْمة في نفي الاحتياج إِلى التكلّف في حِفْظه على نَفْسِهِ ليكون مُذَكِّراً له حال إِحْرَامه، ولا يصير غَافِلاً عن مَرَامِهِ وكمال مقامه. هذا، ويجب الدم عندنا على لَابِس السراويل بلا فتق وإِنْ لم يجد غيره، ونفاه الشافعيُّ، لأَنَّ الستر فَرْضٌ عليه، ولا يسقط هذا الفرض بالإِحرام، والفتق غيرُ واجبٍ

стр. 687

أَوْ حَلَقَ رُبْعَ رَأسِهِ، === لاستلزامه الضرر بتنقيص المال. وهذا بخلافِ الخُفَّيْن حيثُ يَجِب قَطْعُهُمَا أَسْفَلَ من الكعبين إِذا لبسهما، لأَن اللبس ثَمَّةَ غيرُ واجبٍ، وإِنَّما يَلبَسه لِدَفْعِ الأَذى، فَوَجَب القَطْعُ للتمكن من الانتفاع على الوجه المباح، وههنا الستر فَرْضٌ، فكان مُضْطرَّاً إِلى اللُّبْس فلم يَجِب فَتْقُه. ولنا أَنَّ تأْثير الإِحرام في حُرْمةِ لُبْسِ المَخِيط، وتأْثير العُذْر في الإِطلاق، أَمَّا في إِسقاط الحرمة فلا، فُيَنَّزلُ اللُّبْسُ للعُذْرِ منزلةَ الحَلْقِ لِدَفْع الأَذَى. (أَوْ حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ) أَوْ لحيته طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، لأَنه حصل له ارتفاقٌ كامِل، لأَنَّ مِنَ الناسِ مَنْ يحلق بعض رأْسه، مَنْ يحلِق بعض لحيته. ولو كان مُكْرَهاً لا يرجع على المُكْرِه بشيءٍ، لأَن الدَّم في مقابلةِ ما حصل له مِنْ الراحة، وصار كالغُرور في العُقْر: ـ وهو بالضم: دية الفَرْج المغصوب، وصَدَاق المرأَة ـ. وصورته: أَنْ يَغُرَّ رَجُلاً فيقول له: أُزوِّجُ لك هذه فهي حرّةٌ، فيتزوجها ويدخل بها، ثُم استحق مُسْتَحِقٌّ بأَنها أَمَتُه، فإِنَّ المولى يأْخُذ مِنْ الزوجِ العُقْرَ، ولا يَرْجِعُ به الزوجُ على الغَارِّ، لأَنه قد حصلت له اللذةُ بمقابلةِ العُقْر وهي الوطء، كذا في «السراج». وقال زُفَر: يرجع به عليه، لأَنه هو الذي أَوْقعه في هذه العهدة، وأَلْزَمه هذه (الغرامة) (١) . ولا شيءَ عليه عند الشافعي بناءً على أَصْلِهِ: أَنَّ (٢) الإِكراه يُخْرِجُ المُكْرَهَ مِنْ أَنْ يكونَ مُؤاخَذاً بِحُكْم الفِعْل، والنوم عنده أَبْلغ من الإِكْراه، لأَن الإِكْرَاه يُفْسِدُ قَصْدَه. وبالنوم يَنْعَدم القَصْدُ أَصلاً. وعندنا سَبَبُ النوم والإِكراه ينفي عنه الإِثم، ولكن لا ينفي حُكْم الفِعْل إِذَا تَقَرَّرَ سَبَبُه (٣) ، والسبب هنا أَنه نال مِنْ الراحة والزينة بإِزالة التَّفَثِ (٤) عن بدنه فيلزمه الدَّمُ، وفي «الجامع الصغير»: عن أَبي حنيفةَ أَنه يَجِب الدمُ بِحَلْق الأَكْثر. انتهى. وهو رواية عن أَبي يوسف، وهو (الأَظْهَر) (٥) . وذكر شمسُ الأَئمة وقاضى خان: أَنَّ على قولهما في حلق الجميع الدم. وفي الأَقل منه الطعام. ثُم يَجِب عندنا صدقةٌ بِثَلاثِ شَعَراتٍ لِعَدَمِ كمال الارتفاق. ويجب دَمٌ عند الشافعيّ اعتباراً بنباتِ الحرم. وإِذا حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ محرم عند جواز

стр. 688

أَوْ عُضْواً كَامِلًا، أَو قَصَّ أَظْفَارَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ، أَو الكُلَّ في مَجْلِسٍ، === التحلل يوم النحر لم يكن عليهما شيءٌ، كذا في «السراج»، والظاهر أَنه كذلك عند جواز التَّحَلل في العمرة. (أَوْ عُضْواً كَامِلاً) بأَنْ حَلَق صدره، أَوْ ساقَه، أَوْ رقبته، أَوْ عانَتَه، أَوْ إِحدى إِبْطَيْهِ، أَوْ شَعْر مَوْضع حجامته في قول أَبي حنيفة. وقال أَبو يوسف ومحمد: الواجب في حَلْق المحاجم الصدقة، لأَنه ﷺ احتجم وهو مُحْرِم، ولو كان حَلْقُ المحاجم يُوجِبُ الدَّمَ لما بَاشَرَه ﷺ (أُجيب بأَنه يُحْتَمل بأَنه ﵊ احتجم في مَوْضعٍ لا شَعْر فيه، أَوْ احتجم لعُذْرٍ لأَنه ﵊ لا يفعل ما يُوجِب الدَّمَ) (١) . كما لا يفعل ما يُوجِب الدم لا يفعل ما يُوجِب الصدقة. وفي «المحيط»: لو حَلق إِبْطَيه فعليه دَمٌ واحِدٌ، لأَنهما جِنَايتان مِنْ جنْسٍ واحِدٍ، فليكتفى بجزاءٍ واحدٍ. وعلماؤنا أَلْزَموا بأَخْذ شاربٍ ونحوه حكومةَ عَدْلٍ، وتفسيرها: أَنْ ينظر إِلى هذا المأْخوذ كم يكون من ربع اللحية فيجب عليه من الطعام بِحِسَابِهِ (٢) ، ويجب دَمٌ عليه عند مالك اعتباراً منه بما يميط الأَذى مِنْ حَلْقِ العَانَةِ، وموضع الحجامة، ونتف الإِبطِ والأَنف، وأَوجب في شعرةٍ أَوْ شعراتٍ إِطْعَام حُفْنة بيدٍ واحدةٍ. (أَوْ قَصَّ أَظْفَارَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ) للارتفاق الكامل (أَوْ الكُلَّ في مَجْلِسٍ) لأَنها محظوراتٌ مِنْ نوعٍ واحدٍ فيتداخل، كإِيلَاجَيْن في جِمَاعٍ واحدٍ لا يلزم بها إِلاَّ مَهْرٌ وَاحِدٌ. وعند مالك والشافعيِّ يجب أَربعة دماء بناءً على عدم التداخل عندهما. قَيَّد «بِمَجْلس» لأَنه لو قَصَّ أَظفار كل يدٍ في مجلس، وَجَب لكل يَدَّ دَمٌ عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف. وللجميع دَمٌ عند محمد، لأَن الجناياتِ مِنْ جِنْسٍ وَاحدٍ، وهو القَصُّ، في حُرمةٍ واحدة، وهي الارتفاق، فصارِت كجنايةٍ واحدةٍ، إِلاَّ إِذا كَفَّرَ للأَول قبل قَصِّ الثاني، فيلزمه دَمٌ للثاني. ولهما أَنَّ هذه جناياتٌ متعددةٌ حقيقةً، لكنَّها في المعنى متحدةٌ، وهو حُصولُ الارتفاق مِنْ جانب القَصِّ، وهو شيءٌ واحدٌ. فعند اتحادِ المَجْلس جعلنا الكُلَّ جنايةً واحدةً. وعلى هذا الاختلاف لو جامع مرةً بعد أُخرى امرأَةً واحدةً، أَوْ نسوةً، أَلْحَقَ محمدٌ خمسةً متفرقةً فيهما بِمُجْتَمِعَةٍ في محلَ واحدٍ وأَلزم دَمَاً. وأَوجبا عن كل ظُفْر صدقةً إِلاَّ أَنْ يبلغَ ذلك دماً، فحينئذٍ ينقص منه ما شاء. وعن محمد: في

стр. 689

أَوْ طَافَ للفَرْضِ مُحْدِثًا، === كل ظُفْرٍ خُمْسُ الدَّم. ولا شيءَ بأَخْذِ الظُّفْر المُنْكَسِر وقطعه اتفاقاً، لأَنه لا ينمو بعد الانكسار، فأَشْبَه اليابس مِنْ شجر الحَرَم. (أَوْ طَافَ للفَرْضِ) جميعه أَوْ أَكثره (مُحْدِثاً) بناءً على أَنَّ الطهارة في الطواف عن الحدث الأَكبر والأَصغر واجبةٌ عندنا. وقال مالك والشافعي: لا يعتد بذلك الطواف بناءً على أَنَّ الطهارة فيه عنهما (١) شرط عنده (٢) كما في الصلاة لما رَوى الترمذي من حديث ابن عباس قال: قال رسولُ الله ﷺ «الطَّوافُ بالبيتِ صلاةٌ، إِلاَّ أَنكم تتكلَّمونَ فيه، فَمَنْ تَكَلَّم لا يتكلَّم إِلاَّ بخَيْر». وقال ابنُ الهُمَام: ووجه الاستدلال أَنه شَبِيهٌ في الحُكْم، بدليلِ الاستثناء مِنْ الحُكْم فكأَنه قال: هو مِثْل الصلاة في حُكْمِها إِلاَّ في جواز الكلام، فيصير ما سوى الكلام داخلاً في الصَّدَر، ومنه اشتراط الطهارة. وأَما المشي فقد عُلِم إِخراجه قبل التَّشْبِيه، فإِن الطواف نَفْسُ المشي، فحيث قال صلاة فقد قال المشي الخاص كالصلاة، فَوَجْه الشَّبَه ما سوى المشي. وخُصّ الانحراف أَيضاً بالإِجماع، وباتفاقِ رواةِ مَنَاسِكِه ﷺ أَنه جَعَل البيتَ عن يَسارهِ حين طاف. والجواب على تسليمِ أَنْ التشبيه في الحكم أَنه خَبَرٌ واحدٌ، لو لم (يكن) (٣) يلزم نَسْخُه لإِطلاق الكتاب لثبتَ به الوجوبُ لا الافتراض، لاستلزامه الإِكْفَار بِجَحْد مقتضاه، وليس ذلك لازمَ مُقْتضاه، بل لازِمُه التَّفْسيق به، على أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ التشبيه في الحُكْمِ لجَوَازِ أَنْ يكونَ في الثواب. وقوله: «إِلاَّ أَنكم .... » إِلى آخره، منقطع، كلام مستأْنف بيانٌ لإِباحة الكلام فيه، ولو كان التشبيه في الحكم لكان مقتضاه وجوب طهارة الثوب والبدن فيه، لكن صرَّحوا بعدم وجوبه. ففي «البدائع»: أَنها ليست بشرطٍ بالإِجماع، فلا يُفترضُ تحصيلها ولا يجب، لكنَّهُ سُنَّةٌ، حتى لو طَافَ وعلى ثَوْبَه نَجَاسَةٌ أَكثر مِنْ قَدْر الدِّرهم، لا يلزَمُه شيءٌ لكنه يُكْره. انتهى. وهو غايةُ التحقيق والله ولي التوفيق. ولنا قوله تعالى: ﴿ولَيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ (٤) مِنْ غيرِ قَيْدٍ بالطهارةِ. وفي «الإِمام»: روى أَحمد بن حنبل، عن محمد بن جعفر، عن شُعبةَ قال: سأَلت حَمَّاداً

стр. 690

أَو غَيْرِه جُنُباً، أَو أَفَاضَ قَبْلَ الإمَامِ، أَوْ تَرَكَ وَاجِباً، أَوْ أَكْثَرَه، أَوْ قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى آخَرَ، أَو أَخَّرَ طَوَافَ الفَرْضِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، === ومنصوراً عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يَرَيَا به بأْساً. (أَوْ غَيْرِه) أَي غير طوافِ الفَرْض، سواءٌ كان طوافَ قُدومٍ، أَوْ صَدَرٍ، أَوْ تَطَوُّعٍ (جُنُباً) لأَن نقص الجنابة في غير الفَرْص كنقض الحَدَث في طواف الفَرْض. (أَوْ أَفَاضَ قَبْلَ الإِمَامِ) نهاراً، لأَنه لو أَفاض قبل الإِمام ليلاً لا شيء عليه، ولو أَفاض الإِمَامُ نهاراً لَزِمه الدَّمُ، لأَن رواة نُسُكِ رسولِ الله ﷺ متفقون على أَنه ﷺ أَفَاضَ مِنْ عرفاتٍ بعد غروب الشمس وقال: «خُذُوا عنّي مَنَاسِككُم» (١). وأَمَّا قول صاحب «الهداية»: لقوله ﷺ «فادْفَعوا بَعْد غروبِ الشمسِ» فليس بمعروف. ولو عاد إِلى عرفةَ بعد غروبِ الشمسِ، لا يسقط عنه الدَّمُ في ظاهر الرواية، لأَنَّ المتروك سُنَّة الدفع مع الإِمام، ولَم يستدرك. وذكر ابن شُجَاع، عن أَبي حنيفة أَنه يسقط. قال القُدُوري: وهو الصحيح، والجمهور على أَنَّ الأَول هو الأَصح. ولو عاد قبل الغروب، قيل: يسقط لأَنه تدارك المتروك في وقته، وقيل: لا يسقط لأَنه لم يتدارك الجزءَ الفائتَ من الوقوف، وهو الأَظْهر، لأَن الاستدامة واجبٌ، فيفوتُ بِفَوْت البَعْض. (أَوْ تَرَكَ وَاجِباً) بأَنْ تَرَكَ الوُقُوفَ بالمُزْدَلِفَةِ مِنْ غير عُذْرٍ، أَوْ طواف الصَّدَر لِغَيْرِ حَائِضٍ، أَوْ السعي للحج أَوْ العمرة، أَوْ رمي يومٍ (أَوْ أَكْثَرَه) أَي أَكثر واجبٍ، بأَنْ ترك أَربعة أَشواطٍ مِنْ طوافِ الصَّدَر، أَوْ من السَّعْي، أَوْ تَرَك أَربعَ حَصَياتٍ في اليوم الأَول، أَوْ إِحْدَى عشرةَ حصاةً في يومٍ مِنْ الأَيامِ الأُخَرِ. والتَّرْكُ يتحققُ بِغُروبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِر أَيَّامِ الرَّمْي. ولو ترك رمي الجمار في الأَيام كُلِّها يلزمه دَمٌ واحِدٌ، كما لو حَلَق جميعَ بَدَنِهِ في مَجْلِسٍ واحدٍ. (أَوْ قَدَّمَ نُسُكاً) أَي عَمَلاً من أَعمال الحج (عَلَى) نُسُكٍ (آخَرَ) مِمَّا يكونُ مِنْ حَقِّه وجوبُ تَقْدِيمه، بأَن حَلَق قَبْلِ الرَّمْي، أَوْ نحر القارِنُ أَوْ المتمتع قبل الرمي، أَوْ حَلَق قَبْلَ الذَّبْح (أَوْ أَخَّرَ طَوَافَ الفَرْضِ) أَوْ الحَلْق أَوْ الذَّبْح لِمَنْ يَجِبُ عليه، (عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ) أَوْ أَخَّر رمي اليوم الأَول (إِلى الثاني، أَوْ رَمْي اليوم الثاني إِلى) (٢) الثالثِ، أَوْ الثالث إِلى الرابع، وهذا كله عند أَبي حنيفة.

стр. 691

أَوْ تَرَكَ أَقَلَّهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ. === وقال أَبو يوسف ومحمد ـ وهو قول الشافعيّ ـ: لا شيء عليه في تقديم نُسُكٍ أَوْ تأْخيره لما في «الصحيحين» من حديث ابن عباس: أَنَّ النبي ﷺ سُئِل عن الذبح، والرمي، والحلق، والتقديم والتأخير، فقال: «لا حَرَجَ». ولأَبي حنيفة ما رَوى ابنُ أَبي شيبةَ والطحاوي من حديث ابن عباس أَنَّه قال: مَنْ قَدَّم شيئاً في حَجِّه أَوْ أَخَّرَه، فَلْيُهْرِق لذلك دَماً. وقال الطحاوي: فهذا ابن عباس أَحَدُ مَنْ رَوى عن النبيِّ ﷺ أَنه ما سُئِل يومئذٍ عنْ شيءٍ قُدِّم أَوْ أُخِّر مِنْ أَمْرِ الحَجِّ إِلاَّ قال: «لا حَرَج». فليس عنده مَعْنَى ذلك على الإِباحة في تَقْدِيم ما قَدَّمُوا، ولا في تَأْخِيرِ ما أَخَّرُوا مِمَّا ذَكَرْنا أَنَّ فيه الدَّمَ، ولكن معنى ذلك عنده على أَنَّ الذين فعلوه كان على الجهلِ بالحُكْم فيه كيف هو، فَعَذَرهم وأَمرهم في المُسْتَأْنَفِ أَنْ يَتَعَلَّموا مَنَاسِكَهم. وتحقيقُ المقام ما ذكره ابن الهُمام أَنَّ لهما ما في «الصحيحين» أَنَّه ﷺ وقف في حَجَّةِ الودَاع فقال رجلٌ: لَمْ أَشْعُر فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذبح، قال: «اذْبَح ولا حَرَج»، وقال آخَرُ: يا رسولَ اللهِ لم أَشْعُر فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمي. قال: «ارْمِ ولا حَرَجَ»، فما سُئِل يَوْمئذٍ عن شيءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّر إِلاَّ قال: «افْعَل ولا حَرَج». والجواب أَنَّ نَفْي الحَرَج يتحقق بِنَفْي الإِثم والفساد، فَيُحْمل عليه دون نفي الجزاء. فإِنَّ في قول القائل: «لم أَشْعُر فَفَعَلْتُ» (ما) (١) يفيد أَنه ظهر له بَعْدَ فِعْله أَنَّه مَمْنوعٌ من ذلك، فلذا قَدَّم اعتذاره على سؤاله، وإِلاَّ لم يسأَل، أَوْ لم يعتذر. ولكن قَدْ يُقَال يحتمل أَنَّ الذي ظهر له مخالفةُ تَرْتِيبه لترتيبِ رسولِ الله ﷺ فَظَنَّ أَنَّ ذلك الترتيب مُتعينٌ، فقدّم ذلك الاعتذار وسأَل عَمَّا يلزمه به، فَبَيَّنَ ﷺ بالجوابِ عدمَ تَعَيُّنِهِ عليه بِنَفْي الحرج، وأَنَّ ذلك الترتيب مَسْنونٌ لا واجبٌ. والحق أَنَّه يُحْتمل أَنْ يكونَ ذلك، وأَنْ يكون الذي ظهر له كان هو الواقع إِلاَّ أَنه ﷺ عذَرهم بالجهل فأَمرهم أَنْ يتعلموا مَنَاسِكَهُم. وإِنَّما عذرهم بالجهل لأَنَّ الحال كانَ إِذْ ذاك (٢) في ابتدائه. وإِذا احتمل كُلاًّ منهما، فالاحتياطُ اعتبارُ التَّعْيين، إِذِ الأَخْذُ بهِ واجبٌ في مَقَام اضْطِّرابٍ فَيَتِمُّ الوَجْهُ لأَبي حنيفةَ. (أَوْ تَرَكَ أَقَلَّهُ) أَي أَقل طوافِ الفَرْض، بأَنْ تَرَكَ ثلاثة أَشواط، أَوْ شَوْطين أَوْ شَوْطاً، إِلاَّ أَنَّ النقصان بِتَرْكِ الأَقل نقصانٌ يسير فأَشْبه النقصان بالحدث (فَعَلَيْهِ دَمٌ)

стр. 692

وبِتَرْكِ أَكْثَرِهِ بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى يَطُوفَ، وإِنْ طَافَهُ جُنُبًا فَبَدَنَةٌ، وإِنْ فَعَلَ أَقَلَّ مِمَّا ذُكِرَ، أَوْ طَافَ غَيرَ الفَرْضِ مُحْدِثًا، === هذا جواب قوله: «إِنْ طَيَّبٍ مُحْرِمٌ عضواً» وما عطف عليه، وكذا إِنْ طافَ للعُمرة بِغَيْرِ طهارة. (وبِتَرْكِ أَكْثَرِهِ) أَي أَكْثَرَ طوافِ الفَرْضِ في الحَجِّ وهو أَربعة أَشْوَاط (بَقِيَ مُحْرِماً) أَي في حَقِّ النّساء (حَتَى يَطُوفَ) أَي إِلى أَنْ يطوف بذلك الإِحرام، لأَن تَرْك أَكثر الطواف كَتَرْك كُلِّه، وتَرْكُ كُلِّ هذا الطواف لا يُجْبَر بالدَّمِ. (وإِنْ طَافَهُ) كُلَّه أَوْ أَكثره (جُنُباً) أَوْ حائضاً أَوْ نُفَسَاءَ (فَبَدَنَةٌ) تَجِبُ عليه، أَوْ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، كما روى ابن عباس. وهي عندنا بعيرٌ أَوْ بقرةٌ، لأَن الجنابة أَغْلظُ من الحَدَث، فيجب جَبْرُ نقصانها بالبَدَنة إِظهاراً للتفاوت في الجنايةِ، وللأَكثر حُكْم الكل. ثُم قيل: يجب الإِعادة في الحدث الأَصغر والأَكبر. والأَصح كما في «الهداية» أَنْ يُؤمر مَنْ بِمكَّة بإِعادته في الحدثِ استحباباً، وفي الجنابة وجوباً. وإِنَّما كان ذلك أَصحَّ لأَن النقص في الحدث يسيرٌ، وفي الجَنَابة كثيرٌ، فينبغي أَنْ يتفاوت بينهما في حُكْم الإِعادة للجبر. فإِنْ أَعاده وقد طافَ مُحْدِثاً فلا دمَ عليه، سواءٌ أَعاد في أَيام النَّحْرِ أَوْ بعدها. وإِنْ أَعاده وقد طافه جُنُباً (إِنْ كان أَيام النَّحْر فلا دم عليه، و) (١) إِنْ كان بَعْدَها فعليه دَمٌ للتأْخيرِ عند أَبي حنيفةَ وسقطت البدنة بالاتفاق. وإِنْ رجع إِلى أَهْله في الحَدَث فالمستحبُّ بَعْثُ الشاةِ لا الإِعادة، لأَنه أَنْفَع للفقراء، وفي نقصانه خِفَّةٌ، وفي الجنابة عليه أَنْ يعود إِلى مكةَ بإِحرامٍ جديدٍ إِنْ جاوز الوقت، فلو لم يَعُدْ وبَعَثَ هَدْياً أَجْزَأَه. (وإِنْ فَعَلَ أَقَلَّ مِمَّا ذُكِرَ) بأَنْ طَيَّبَ أَقل مِنْ عُضْو، أَوْ لَبِسَ مَخِيطاً، أَوْ ستر رأْسه أَقل مِنْ يوم، أَوْ حلق أَقل مِنْ ربع رأْسه، أَوْ حلق بعضَ عُضْو غيره، أَوْ قصَّر أَقل من خَمْسةِ أَظْفارٍ، أَوْ قَصَّ خَمْسةً متفرقةً. وتقدَّم أَنَّ محمداً أَوجب الدَّمَ في هذه الصورة، كما لو قَصَّ الخمسةَ في يدٍ واحدةٍ. (أَوْ طَافَ غَيْرَ الفَرْضِ) أَي فرض الحج (مُحْدِثاً) سواء كان طواف الصَّدَر، أَوْ القُدُوم، أَوْ التَّطوّع، أَوْ طواف العُمرة. ويلزم دمٌ لو طافها جُنُباً، لأَنه نَقْصٌ كثير، ثُم كُلٌّ

стр. 693

أَوْ تَرَكَ القَلِيلَ مِنَ الوَاجِبِ، أَوْ حَلَقَ رَأْسَ غَيْرِهِ، تَصَدَّقَ بِنِصْفِ صَاعٍ. === منها دوْنَ طوافِ الزيارةِ فَيُكْتَفى بالشاة. وهذا كُلُّه على روايةِ القُدُوري، واختارها صاحب «الهداية» ومَنْ تَبِعه. وفي «شَرْح الطحاوي»: إِذا طاف (طواف) (١) اللقاء مُحْدِثاً أَوْ جُنُباً فإِنَّه يُعِيد، وإِنْ لم يَعِد فلا شيء عليه. وفي «مبسوط» شيخ الإِسلام: ليس لطوافِ التحية مُحْدثاً أَوْ جُنُباً شيء، لأَنه لو تَرَكَهُ أَصلاً لم يكن عليه شيءٌ، فكذا إِذا تركه من وجه. قلنا: لا يلزم مِنْ عدم لزوم شيءٍ بِتَرْكِه ـ لكونه سُنَّةً ـ أَنْ لا يلزم شيءٌ بترك الطهارة فيها، لأَنها واجبةٌ في الطواف على الأَصح، فَبِتَرْكها يرتكبُ محظوراً، فيلزمُه الجزاء. (أَوْ تَرَكَ القَلِيلَ مِنَ الوَاجِبِ) بأَنْ تَرَكَ ثلاثة أَشواط أَوْ أَقل من طوافِ الصَّدَر، أَوْ مِنْ السَّعْي، أَوْ ترك أَقل مِنْ جمرة العَقَبة في يوم النَّحْر، لأَنها فيه نسك كامل، أَوْ ترك أَقَلَّ الجِمار الثلاثِ في يوم بعد يوم النَّحر، لأَن الكل نُسُكٌ وَاحِدٌ فيه فكان المتروكُ أَقل. (أَوْ حَلَقَ رَأْسَ غَيْرِهِ) بأَمرِهِ، أَوْ بغير أَمْرِه، أَوْ أَخَذَ شَارِبه، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَه، سواء كان ذلك الغير حَلالاً أَوْ مُحْرِماً. ولعله مأْخوذٌ من عموم قوله تعالى: ﴿ولَا تَحْلِقُوا رُؤوسَكُم﴾ (٢) حيث يشمل (٣) معنى: لا يحلِق بَعْضُكُم رأْس بعض، كقوله تعالى ﴿ولا تَقْتُلوا أَنْفُسَكم﴾ (٤) . ولو كان الحالق حَلالاً، والمحلوق مُحْرِماً، فعلى الحالق الصدقة لأَنه أَزال ما استحق الأَمْن، كنبات الحَرَم، وعلى المَحْلوق الدَّم. وقيل: ليس على الحالق الحلال شيءٌ. ولا شيء عند الشافعيّ على الحالق المُحْرِم إِذا حلق شخصاً، مُحْرِماً كان أَوْ حلالاً، لاَّن المُحْرِم ممنوعٌ عن إِزالة ما ينمو مِنْ بَدَنِ نَفْسه لما فيه مِنْ معنى الراحة والزينة، ولا يحصل شيءٌ مِنْ ذلك بِحَلْقِهِ رأْسَ غيره، فلا يلزمه به شيءٌ. ويجب عليه دَمٌ عندنا وبه قال مالك على ما في «مواهب الرحمن». (تَصَدَّقَ) جواب قوله: «وإِنْ فعل أَقل مِمَّا ذكر» وما عطف عليه (بِنِصْفِ صَاعٍ) (٥) مِنْ بُرَ، أَوْ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شعير.

стр. 694

وإِنْ طَيَّبَ عُضْواً، أَو حَلَقَ بِعُذْرٍ، ذَبَحَ شاةً في الحَرَمِ، أَوْ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعِ طَعَامٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ صام ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. === واعلم أَنَّ كُلَّ موضع يجِب فيه الصدقة المطلقة في الحج، أَوْ العمرة فهي هذه، إِلاَّ ما يجب بِقَتْل جرادةٍ أَوْ قملةٍ أَوْ إِزالَة الشَّعَث، فَفِيها يُطْعِم شيئاً يسيراً، وقد وَرَدَ: «تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادة» (١) ، وإِنَّ تارك (ثلاثة) (٢) أَشواط مِنْ طوافِ الصَّدَرِ أَوْ السَّعْي، وتارك أَقل جَمْرَةِ العَقَبة في يوم النَّحْرِ أَوْ أَقل الجِمار الثلاث في يومٍ بعده، يجب عليه لِكُلِّ شَوْطٍ أَوْ رميةٍ صَدَقَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَصِيرَ مجموعُ الصدقاتِ بمنزلةِ دَمٍ فَيُنْقِصُ منه ما شاء إِنْ شاء. (وإِنْ طَيَّبَ عُضْواً) كاملاً، أَوْ قَصَّ أَظْفَارَه، أَوْ لَبِسَ المَخِيط قَدْر يوم (أَوْ حَلَقَ بِعُذْرٍ، ذَبَحَ شاةً في الحَرَمِ) فيه إِشارةٌ إِلى أَنْ الواجب عليه الذَّبْحُ في الحرم لا غيرُ، فلو سُرِقت بعد الذَّبْحِ أَوْ هلكت بآفةٍ بَعْدَه لا يَجِبُ عليه شيءٌ. (أَوْ تَصَدَّقَ) في أَي مَوْضِع شاء (بِثَلَاثَةِ أَصْوُعِ طَعَامٍ) بإِضافة أَصْوُع، وهو بفتح الهمزة وضم الصاد وسكون الواو (٣) ، جَمْع صاع (عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ) كل مِسْكين نِصْف صاع من بُرِّ، أَوْ دقيق. ويُستحب أَنْ يتصدق على مَساكين الحَرَم. (أَوْ صام) ولو كان مُوسَراً، لكن بتبييتِ النية وتعيينها (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) في أَي موضع شاء ولو مُتَفَرِّقَةً، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذَىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤) ، وكلمة «أَوْ» للتخيير، وفَسَّرها رسولُ الله ﷺ ففي «صحيح البخاري» من حديث عبد الرحمن بن أَبي ليلى، عن كَعْب بن عُجْرَة أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال له: «لعلك آذَاك هَوَامُّك» (٥) ، قال: نعم يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله ﷺ «احلق رَأْسَكَ، وصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّام، أَوْ أَطْعِم سِتَّةَ مَسَاكينَ، أَوْ انْسُك بشاةٍ».

стр. 695

وَوَطْؤهُ === وفي الكتب الستة: أَنَّ رسولَ الله ﷺ مَرَّ بِكَعْبِ بن عُجْرَة بالحُدَيبيةِ وهو يُوقِدُ تحت قدر والقَمْلُ يتهافتُ على وَجْهِهِ فقال: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ هذه»؟ قال: نعم، قال: «فاحلق رَأْسَك وأَطْعِم فَرَقَاً (١) بينَ ستةِ مساكينَ، أَوْ صُم ثلاثةَ أَيام، أَوْ انْسُك نَسِيكةً». وفي الصحيحين عن عبد الله بن مُغَفَّل قال: حدثني كَعْب بن عُجْرةَ أَنه خرج مع رسولِ الله ﷺ مُحْرِماً فَقَمِلَ رَأْسُه ولحيته، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فأَرسل إِليه فدعا الحلاَّقَ فحلق رأْسَه، ثُم قال له: «هل عنْدَك نُسُكٌ؟» قال: ما أَقْدِرُ عليه، فأَمَره أَنْ يصومَ ثلاثةَ أَيَّامٍ، أَوْ يُطْعِمَ ستةَ مساكينَ، لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ، فأَنْزَل اللهُ فيه خاصَّة: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُم مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٢) ثُم كانت للمُسْلِمين عَامَّةً. وفي لَفْظٍ لمُسْلم: فقال النبيُّ ﷺ «احْلِق ثُم اذْبَح شاةً نُسُكاً، أَوْ صُم ثلاثةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ ثلاثةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ على ستةِ مساكينَ». وفي روايةٍ: «لِكُلِّ مِسْكين نِصْفُ صَاعٍ». وفي لفظٍ له: فقال لي: «هل عندك فَرَقٌ تَقْسِمُه بينَ ستةِ مساكينَ، ـ والفَرَقْ: ثلاثة آصُع ـ أَوْ انْسُك شاةً، أَوْ صُم ثلاثةَ أَيَّامٍ؟» فقلت: اختر لي يا رَسُولَ اللهِ، قال: «أَطْعِم ستَّةَ مساكينَ». وفي لفظٍ عن الحسن: أَنه قال له: «فكيف صَنَعْت؟» قال: ذَبَحْت شاةً. فإِنْ قيل: الآيةُ والحديثُ لا يَدُلاَّنِ على الفِدْيةِ في الطِّيبِ واللُّبْسِ وقَصِّ الأَظْفار، فَبِمَ أَثْبَتُّم الفِدْيَةَ فيها؟ أُجيب: بالقياس على الحَلْقِ الثابتِ بالآيةِ والحديثِ لِوُجُودِ الجامِع بينهما وهو العُذْر. وإِنَّما قُلنا: إِنَّ الذَّبْح يَخْتَصُّ بِالحَرَمِ، والإِطعامُ والصيامُ لا يَخْتَصَّانِ به، لأَنهما عبادةٌ في كُلِّ مكانٍ وزمانٍ، والذَّبْحُ لم يُعْرف شَرْعاً عبادةً وقُربةً إِلاَّ في زمانٍ أَوْ مكانٍ، وهذا الذَّبْح لا يختص بزمانٍ فتعينَ اختصاصُه بالمَكَانِ. ثُم الإِباحةُ في الإِطعام يجزئه عند أَبي يوسف اعتباراً بِكَفَّارةِ اليمين، بِجَامعِ أَنَّهما كفارةٌ، ولأَن الحديث ورد بلفظ الإِطعام، والإِباحة مجزئةٌ في كل ما ورد بِلَفْظِ الإِطعام. وخالفه محمدٌ وشرَط التمليكَ كالزكاة، بِجَامِعِ أَنهما صدقةٌ، ونَصُّ الكتابِ وَرَدَ بها، فَيُحْملُ الإِطعامُ الوارد في الحديث على وَجْهِ التمليكِ، لأَن الحديث وَرَدَ مَوْرِدَ تفسيرٍ للآيةِ. (وَوَطْؤهُ) أَي جِمَاعُه بغيبوبةِ الحَشَفَةِ عامداً أَوْ نَاسياً، طَائَعاً أَوْ مُكْرَهَاً، في القُبُل

стр. 696

قَبلَ وُقُوفِ عَرَفَةَ أَفْسَدَ حَجَّهُ، ومَضَى في حَجِّهِ وذَبَحَ وقَضَى. ولَمْ يَتَفَرَّقَا في القَضَاءِ، === أَوْ الدُّبُر (قَبْلَ وُقُوفِ عَرَفَةَ) أَي قَبْل وُقُوفه بعرفاتٍ في زمانه (أَفْسَدَ حَجَّهُ) بالإِجماع، لأَن الجِمَاع أَقْوى مَحْظُوراتِ الإِحرام. (ومَضَى في حَجِّهِ) لإِجماع الصحابةِ على ذلك (وذَبَحَ) شاةً أَوْ شَارَكَ في سُبُعِ بقرةٍ أَوْ جَزُورٍ. وقال الشافعي: يجِبُ بَدَنَةٌ اعتباراً بالجِماعِ بعد الوقوف، بل أَوْلى، لأَن الجِمَاعَ قَبْلَه في مُطْلق الإِحرام، بخلافِه بعده. وأُجيبَ بأَنَّه لما وجب القضاءُ في الجِماع قَبْلَ الوقوف خَفَّ معنى الجِناية، فتجِبُ الشاةُ. وقد رَوى البيهقيُّ عن يَزِيد بن نُعَيْم الأَسلمي التابعي: أَنَّ رجلاً جامع امرأَتَهُ وهما مُحْرِمَانِ، فسأَلا رسولَ الله ﷺ فقال لهما: «اقْضِيَا نُسُكَكُما، واهْدِيا هَدْياً». واسم الهَدْي يتناول الشاةَ كما يتناولُ البَدَنَة، وفي البَدَنَةِ أَكْمل، والواجب انصرافُ المطلقِ إِلى الكامل في الماهية لا إِلى الأَكمل، وماهية الهَدْي كاملةٌ في الشاة. ورَوى أَبو داودَ مُرْسَلاً: أَنَّ رجلاً من جُذَام جامع امرأَتَه وهما مُحْرِمَان، فسأَل الرجلُ النَّبِيَّ ﷺ فقال: «اقْضِيَا حَجَّكُما واهْدِيا هَدْياً». ورَوى ابن وَهْب بسندٍ فيه ابنُ لَهِيعَة عن يزيد بن أَبي حَبِيب: أَنَّ رجلاً من جُذَامٍ … الحديثَ، وفيه: «إِذا كُنْتُما بالمكانِ الذي أَصَبْتُما فيه ما أَصَبْتُمَا، فأَحْرِمَا وتَفَرَّقَا ـ إِلى أَنْ قال: واهْدِيَا ـ». وضُعِّف بابن لَهِيعة. ورُوي بالزيادةِ عن عِدَّةٍ من الصحابةِ، فابنُ أَبي شيبةَ أَسْنَدَهُ إِلى مَنْ سَأَل مُجَاهداً عن المُحْرم يُواقِع امرأَتَه، فقال: كان ذلك على عَهْد عُمَرَ، فقال: يَقْضِيَانِ حَجَّهُما، ثُم يَرْجِعَان حَلَالاً، فإِذا كانَ مِنْ قابل حَجَّا وأَهْدَيا، وتَفَرَّقَا من المكانِ الذي أَصابَهَا فيه. وقال مالك في «المُوَطَّأ»: (إِنَّه بلغه) (١) أنَّ عمرَ بنَ الخطاب، وعليّ بنَ أَبي طالب، وأَبا هريرةَ سُئِلوا عن رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَه وهو مُحْرِمٌ بالحَجِّ، فقالوا: يَنْفُذَان لوجههما حتى يَقْضِيَا حَجَّهُما. ثُم عليهِما حَجٌّ مِنْ قابل والهَدْيُ، إِلاَّ أَنَّ عَلِيّاً قال: فإِذا أَهَلاَّ بالحَجِّ مِنْ قابِل تَفَرَّقَا حتى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا. والدَّارَقُطْنِيّ أَسْنَدَه عن ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أَبي شيبةَ عن عليَ أَيضاً قال: على كُلِّ واحد منهما بَدَنَةٌ، فإِذا حَجَّا من قابل تَفَرَّقَا من المكان الذي أَصابها فيه. (وقَضَى) بإِجماع (ولَمْ يَتَفَرَّقَا في القَضَاءِ) وهو مَرْويٌّ عن الحسن وعطاء إِلاَّ

стр. 697

وبَعْدَه تَجِبُ بَدَنَةٌ، === إِذا خَشِيَا المواقعةَ فَيُسْتحب أَنْ يتفرّقا في الإِحرام. والمُرَاد بالفُرْقة: أَنْ يَأْخذ كلٌّ منهما طريقاً غَيْرَ طريقِ الآخَرِ. وقال مالك: يجِب افتراقُهما في الإِحرام عن الموضع الذي وَطِئها فيه، وبه قال الشافعيُّ في القديم: وجوباً، وفي الجديد: اسْتِحْباباً، ومن حينِ الخُرُوجِ مِنْ مَوْضِع الإِقامة في قَوْل مالك لما رواه في «الموطأ» عن عليَ كَرَّمَ اللهُ وجهه، ومن حين الإِحرام في قولٍ آخَر، وبه قال زُفَر، لأَن الافتراق نُسُكٌ بِقَوْلِ الصحابة، وأَداء النُّسُكِ بعد الإِحْرَام. ولنا أَنْ الافتراق ليس بِنُسُكٍ في الأَداء، فلا يُؤمرُ به في القضاء. فإِنْ قيل: رُوِي عن عمر، وعليِّ، وابن عباس أَنَّهم قالوا: يفترقان، أُجيب: بأَن قولهم مَحْمولٌ على النَّدْب لما قَدَّمناه من الدليل. (وبَعْدَهُ) أَي بعد وقوف عرفةَ قَبْل الحَلْق (تَجِبُ بَدَنَةٌ) ولا يَفْسُد حَجُّهُ، سواءٌ جامع عامِداً أَوْ ناسياً. وفي «الوجيز»: وإِنَّما تجِبُ بَدَنةٌ إِذا جامع عامداً، أَما إِذا جامع ناسياً فعليه شاةٌ، كذا في «السراج». وقال الشافعي ـ وهو أَظْهَرُ القَوْلَيْن في مذهب مالك ـ: يَفْسُد إِذا جامع قبل الرَّمْي اعتباراً بما لو جامع قَبْلَ الوقوف، لأَن كُلاًّ منهما قبل التَّحَلُّل. ولنا على عدم الفسادِ ما في «السُّنن الأَربعة» ـ وقال الترمذي: حسن صحيح ـ عن عُروةَ بن مُضَرِّس قال: قال رسولُ الله ﷺ «مْنْ شَهِد صلاتنا هذه ـ أَي صلاة الصبح بالمُزْدَلِفَة ـ ووَقَفَ معنا حتى نَدْفَع وقد وَقَفَ بِعَرفةَ قَبْلَ ذلك ليلاً أَوْ نَهاراً فَقَد تَمَّ حَجُّهُ، وقَضَى تَفَثُهُ». وفي روايةٍ: «مَنْ أَدْرَكَ معنا هذه الصلاةَ، وأَتَى عرفاتٍ قَبْلَ ذلك ليلاً أَوْ نهاراً فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وقَضَى تَفَثُهُ». وحقيقةُ التَّمَام غيرُ مُرَادةٍ لبقاءِ طواف الزيارة وهو ركنٌ، فيكونُ المرادُ بِهِ الأَمْنَ مِنْ الفسادِ. وعلى (١) وجوبِ البَدَنَةِ ما رُوِي عن ابن عباس أَنَّهُ سُئِل عن رجلٍ وقع بأَهْلِهِ وهو بِمِنَى قبل أَنْ يفِيضَ، فأَمَرَه أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً. رواه مالك في «الموطأ» عن أَبي زبير المكي، عن عطاء، عنه. وأَسْنَدَهُ ابن أَبي شيبة (عن عطاء) (٢) قال: سُئِل ابن عباس عن رَجُلٍ قَضَى

стр. 698

وبَعْدَ الحَلْقِ شَاةٌ. === المَنَاسِكَ كُلَّها غيرَ أَنه لم يَزُر البيتَ حتى وقع على امرأَتِهِ، قال: عليه بَدَنَةٌ. ولو كان الواطِاءُ قارناً عليه بَدَنَةٌ لِحَجِّه، وشاةٌ لِعُمرَتِهِ، وليس عليه دَمُ القِرَانِ لفسادِ أَحَدِ النُّسُكَيْن. ولو جامع مرةً ثانيةً فعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شاةٌ مع بَدَنَةٍ، لأَنه وقع في حرمةٍ مهتوكةٍ فصَادَفَ إِحْراماً نَاقِصاً فيجب الدَّمُ. (وبَعْدَ الحَلْقِ) قبل الطواف (شَاةٌ) أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ، لأَن الجناية خَفَّتْ لِوُجودِ الحِلِّ في حَقِّ غَيْرِ النِّساءِ. ولو جامع بعد طواف الزيارة وقبل الحلق فعليه شاةٌ، لوجودِ الجِماع في الإِحرام، كذا في «الهداية» وشروح القُدُورِي. وقيل: يجب بَدَنَةٌ، لإِطْلَاق ظاهر الرواية لزوم البَدَنة بالجِماع بعد الوقوف، مِنْ غير تَفْصِيلٍ بينَ كَونِهِ قبل الحلق أَوْ بعده. وفي مذهب الشافعي: لو كان ناسياً أَوْ مُكْرَهاً أَوْ نائمةً لا يفسد حِجُّهُ، ولا يَلْزَمُهُ شيءٌ. ويلزم عندنا دَمٌ بِقُبلةٍ، أَوْ لَمْسٍ بشهوةٍ وإِنْ لم يُنزل، على روايةِ «الأَصْل». وفي «الجامع الصغير» يقول: إِذا مَسَّ بشهوةٍ فأَمْنَى. وللشافعيِّ قَوْلٌ إِذا اتصل به الإِنْزَالُ يَفْسُدُ الإِحْرامُ على قياسِ الصيام، فإِنه يَفْسُد بالتقبيلِ عنده إِذا اتصلَ به الإِنْزَالُ، ولكنَّا نقول: فسادُ الإِحرام حُكْمُه متعلّقٌ بالجماعِ فإِنَّه بارتكاب سائرِ المحظوراتِ لا يَفْسُد، وما تعلق بمعنى الجِماع مِنْ العقوبةِ لا يتعلقُ بالجِماع فيما دونَ الفَرْج كالحَدِّ. وللشافِعِيِّ قولٌ: أَنَّه لا يلزمه شيءٌ إِذا لم يُنْزِل، قياساً على الصوم، فإِنه لا يلزمُه شيءٌ إِذا لم يُنْزِل بالتقبيلِ فكذا في الحج. ولكنَّا نقولُ: الجِماعُ فيما دونَ الفَرْجِ مِنْ جملةِ الرَّفث فكان منهياً عنه بسبب الإِحرام، وبالإِقْدامِ عليه يصيرُ مُرْتَكِباً محظورَ إِحرامِهِ فيلزمُه الدَّمُ. ولو طاف مكشوفَ العورةِ، أَوْ مَعْكُوساً بأَنْ يتوجه من عند الحجر الأَسود إِلى جهة الرُّكْن اليماني، أَوْ راكباً بلا عُذْرٍ يجب عليه دَمٌ، لأَنَّ كل واحد منهما واجب فيحصل النقص بتركه فيلزمه الدم. وجعلها الشافعيُّ شروطاً فأَلغاهُ بِدُونها، ولم يُوجِب بالطوافِ رَاكباً شَيئاً، لأَنَّ النبيَّ ﷺ طافَ رَاكِباً، ولم يُنْقَل عُذْر. ولنا أَنَّ فِعْلَ الدابةِ وإِنْ أُضِيف إِلى الراكِبِ مَعْنىً لكنَّه مُتَخَلِّفٌ عنه صورةً، فيتمكن النقصان فيه باعتبار فوات الصورةِ، فيُجْبرُ بالدَّمِ، وما رواه كانَ لِعُذْرٍ، ففي «صحيح مُسْلمٍ» عن جابر قال: طافَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ على راحلتِهِ بالبيتِ يَسْتَلِمُ الحجرَ بِمحْجَنِهِ (١) وبين الصفا والمروة لِيَراهُ الناسُ ويُشْرِفَ ويسأَلوه،

стр. 699

وإِنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْداً، أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ قاتِلَهُ، === فإِنَّ الناسَ غَشُوهُ (١) . وفي «الصحيحين» عن أُمِّ سَلَمَةَ قالت: شَكَوْتُ إِلى رسولِ الله ﷺ أَني أَشتكي، فقال: «طوفي مِنْ وراءَ الناسِ وأَنْتِ رَاكِبةٌ». فموردُ النَّصِ فيه مُعَلَّلٌ بالمرض، وقَصْد السؤال. والله تعالى أَعلم بحقيقةِ الأَحوال. (وإِنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْداً) أَي حيواناً مَأْكولاً أَوْ غَير مأْكولٍ ذا قوائم، فخرج به مِثْلُ الحيةِ والعَقْرَب، وسائر الهوام، متوحشاً في أَصْلِ الخِلْقة، فدخل الحمام المستأْنس، وخرج الإِبل المستوحش، وكان تَوالُدُه وتَعَيُّشُه في البَرِّ، فخرج به صيد البحر: وهو ما يكون توالُدُه ومثواه في الماء، لأَنَّ التوالدَ هو الأَصل، والكينونةُ بعد ذلك عَارضٌ فاعتبر الأَصل. فالبحريُّ حَلالٌ للحَلالِ والمُحْرِم، والبريُّ حَرَامٌ على المُحْرم إِلاَّ ما استثناه النبيُّ ﷺ والأَصْل فيه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطعَامُهُ مَتَاعاً لكُم وللسيَّارةِ وحُرِّمَ عَلَيْكُم صيدُ البَرِّ ما دُمْتُم حُرُماً﴾ (٢) أَي مُحْرِمين، والمباح والمملوك فيه سواء، لأَن الصَيْدَ عَامٌّ. (أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ) بالإِشارة أَوْ غيرها في قَتْله عَمْداً أَوْ سَهْواً، لأَنه ضمانٌ، فأَشْبَه غَرَاماتِ الأَمْوالِ من حيثُ أَنَّ الضمان يَدُور مع الإِتلافِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بالعمد، والتَّقْييد في الآية به لأَنَّ مَوْرِدَها في المتعمَّد، أَوْ للتَّنْبِيه على أَنَّ الخاطاءَ بالأَولى، كذا قيل، وبُعْدُه لا يخفى، أَوْ لأَجْل وعيدٍ لِيَذُوقَ وبَالَ أَمْرِهِ، والنَّاسي لا يستحق الوعيدَ. قال الزُّهْرِي: وَرَد الكتابُ بالعَمْد، ووردَتِ السُّنَّةُ بالخطأ، فيستوي في ذلك العامِدُ والناسي لإِحرامه، وكذا الخاطاء. (قاتِلَهُ) المُحْرِم أَوْ الحَلَال بشروط منها: أَنْ لا يكون القاتلُ عالِماً بمكانِ الصيْدِ، لأَنه إِذا كان عالماً به يكون قتله بعِلْمِهِ لا بالدلالةِ، وعلى هذا لو أَعارَ المُحْرِمُ قَوْساً لِرَمْي صَيْدٍ، فَعَليهِ جزاءٌ إِنْ لم يَكُنْ مع المُسْتَعِيرِ قَوْسٌ، وإِنْ كان فلا شيءَ عليه. ومنها: أَنْ يُصَدِّقَه في الدلالة، حتى لو كَذَّبه ولم يتبع الصيدَ حتى دَلَّهُ عليه آخرُ فَصَدَّقَهُ وقتله، فالجزاءُ على الدَّالِّ الثاني، ولو لم يُصدِّقِ الأَول ولم يُكَذِّبه بأَنْ (أَخبره) (٣) فلم يَرَهُ حتى دَلَّه آخَرُ فطلبه وقتله، كان على كُلَ منهما جزاء كما على القاتل. ومنها: أَنْ يَبْقَى الدَّالُّ مُحْرِماً إِلى قَتْلِ الصيدِ، فإِنْ دَلَّ ثُمَّ حَلَّ فقتله المدلول، فلا جزاءَ

стр. 700

يَجِبُ جَزَاؤهُ، أَي ما قَوَّمَهُ عَدْلانِ في مَقْتَلِهِ، أَوْ [في] أَقْرَبِ مكانٍ مِنْه، فَيَشْتَرِي بِهِ هَدْيًا يُذْبَحُ بِمَكَّةَ، === عليه لكنه أَثِم. (يَجِبُ جَزَاؤهُ: أَي ما قَوَّمَهُ عَدْلانِ في مَقْتَلِهِ) أَي مكان قَتْله إِنْ كان له فيه قيمةٌ، بأَنْ كان يُباعُ ويُشْتَرى في ذلك الموضع (أَوْ (في) (١) أَقْرَبِ مكانٍ مِنْه) إِنْ لم يكنْ له في مكانِ قَتْله قيمةٌ، وذلك لأَن القيمة تختلف باختلافِ الأَماكن فيعتبر مكان قتله أَوْ ما قَرُبَ منه. أَمَّا وجوب الجزاء بالقتل فمجمعٌ عليه، وقد قال تعالى: ﴿يا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُم حُرُمٌ ومَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ به ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلك صِياماً لِيَذُوقَ وبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ومَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْه واللهُ عَزِيزٌ ذو انْتِقَامٍ﴾ (٢) . وأَمَّا وجوبُه بالدلالة فقال الطحاوي: ولَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصحابةِ خلافُ ذلك. (فَيَشْتَرِي) أَي القاتل (بِهِ) أَي بِمَا قَوَّمَه عَدْلانِ إِنْ بَلَغَتْ (هَدْياً) مُجزياً في الأُضْحِيةِ من جَذَعِ (٣) الضأْن أَوْ ثَنِيِّ (٤) المَعْزِ، وهذا شرطٌ عند أَبي حنيفةَ حتى لو لم يبلغ قيمةُ الصيدِ إِلاَّ قيمةَ حَمَلٍ (٥) أَوْ عَنَاقٍ يتصدَّقُ بها، ولا يُذْبَح بطريق الهَدْي عنده، لأَن مطلق الهَدْي يَنْصرفُ إِليه، كما في هدي المتعةِ والقِران، فإِنَّه ينصرفُ إِلى ما يجزاء في الأُضحيةِ. ولم يشترط محمدٌ ما يُجزاء فيها لِعُمومِ قوله تعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ فإِنَّه صادقٌ على الكبير والصغير، ولأَنَّ الصحابةَ أَوجبوا عَنَاقاً وجَفْرَةً. والعَنَاق: الأُنثى مِنْ أَولادِ المَعْزِ، والجدي: الذكَر، وهما دون الجَذَع. والجَفْر: ما يبلغُ أَربعةَ أَشْهُر، والجَفْرَة: أُنْثى. وَرُوي عن أَبي يوسف الاشتراطُ وعَدَمُه. (يُذْبَحُ بِمَكَّةَ) أَي في أَرْضِ الحَرَم. ويخرج عن العُهْدةِ بمجرد ذبحه (فيها، حتى) (٦) لو أُتْلف، (أَوْ تُصُرِّف فيه) (٧) ، أَوْ سُرِق بعد الذَّبْح لا يجبُ عليه شيء، فلا

стр. 701

أَوْ طَعَاماً يَتَصَدَّقُ كالفِطْرَةِ، أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مِسْكينٍ يَوْماً. ومَا فَضَلَ عَنْه تَصَدَّقَ بِهِ أَو صَامَ يَوْماً === يلزم أَنْ يتصدَّقَ بقيمةِ لَحْمِهِ عندنا، ولو بعد التَّمَكُّنِ من التصدّقِ به لسقوط التصدق بِفَوَاتِ محله. وأَوجبه مالك والشافعيُّ لتقصيرهِ، وكذا حُكْم دم الجَبْر. وهذا الخلاف كالخلاف في هلاك المال بعد التمكن من أَداء الزكاة، يَسْقُط عندنا خلافاً لهما. ولو ذَبَح في غيرِ أَرْضِ الحَرَم لا يَخْرجُ عن العُهْدَةِ إِلاَّ إِذا تصدَّق على كل مسكينٍ من اللحم بما يساوي قيمةَ نصفِ صاعٍ مِنْ بُرَ، وكان فيه وفاء بِمَا قوَّمه عدلان، وإِنْ لَمْ يَفِ يُوَفَّى. وإِنما لا يجوزُ ذَبْحه إِلاَّ في الحَرَمِ لقوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾، فلو ذبح شيئاً مِنْ الدماءِ الواجبةِ في الحَجِّ والعُمْرة خَارِجَ الحَرَمِ لم يسقط عنه وعليه ذَبْحٌ آخَرُ في الحَرَم، وذلك لقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رؤسَكُم حَتَى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) . ويجوزُ أَنْ يتصدقَ بِلَحمِ الهَدْي على مِسْكِينٍ واحدٍ، أَوْ مَسَاكِينَ، ومساكينُ الحرم أَفْضَل. (أَوْ طَعَاماً يَتَصَدَّقُ) به في أَيِّ موضع شاء، لأَن الصدقة قُرْبةٌ غَيْرُ مؤقتةٍ بالمكان (كالفِطْرَةِ) بأَن يُعطِي كلَّ مسكين نصفَ صاع مِنْ بُرَ أَوْ صاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ شعيرٍ، لا أَقَلَّ مِنْ ذلك ولا أَزْيَد. وفي «السراج»: يجوز أنْ يتصدَّقَ بالكُلِّ على مسكينٍ واحدٍ. وفي «اللباب»: ولا يجوزُ أَنْ يُطْعِم لمسكينٍ واحد أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صاعٍ إِلاَّ أَنْ يَفْصُلَ، أَوْ يكون الواجب أَقلَّ منه، فيعطيه مسكيناً واحداً. (أَوْ صَامَ) في أَيِّ موضع شاء (عَنْ) طعام (كُلِّ مِسْكينٍ يَوْماً) بأَنْ يُقَوَّمَ المَقْتُولُ طعاماً ثُم يصوم مكانَ طعامِ كُلِّ مسكينٍ يوماً، فالقاتِلُ بالخيارِ ـ ولو مُوسَراً ـ بين الهَدْي والإِطعام والصيام. وإِنْ لم يبلغ الهدي فهو بالخِيار بين الطَعام والصيام (ومَا فَضَلَ عَنْه) أَي عنْ طعامِ مِسْكين بأَنْ بقي أَقل مِنْ نِصْفِ صاعٍ مِنْ بُرَ، أَوْ كَانَتْ قيمةُ المقتول أَقل من ذلك، بأَنْ قَتَلَ عُصْفُوراً (تَصَدَّقَ بِهِ) على مِسْكِينٍ وَاحِدٍ (أَوْ صَامَ يَوْماً) كاملاً لأَن صوم بعض اليوم غير مشروع. ثُم اعْلَم أَنَّ كَوْنَ القتل الخطأ كالعَمْد قولُ عمرَ، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أَبي وَقَّاص، وبه أَخذ علماؤنا. وقال ابن عباس: ليس على المُحْرم في قتلِ خطأٍ جزاءٌ لظاهِرِ الآيةِ، وتقدَّم الجوابُ عنه.

стр. 702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ثُمَّ كونُ العائِدِ (١) كالمُبْتَدِاء قولُ عطاء، وإِبراهيم، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن، وبه قُلْنا، وعليه عامَّةُ العلماءِ. وعن ابن عباس وشُرَيْح أَنه لا يَجِبُ الجزاءُ على العائِد، وهو قول داود، ولكن يقال له: اذهب فينتقم اللهُ مِنْك، لِظاهر قوله تعالى: ﴿ومَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (٢) . ولنا أَنَّ ضَمَانَ الإِتلاف لا يختلفُ بالابتداءِ والعودِ إِليه، بل جنايةُ العائِد أَظْهَرُ، والمرادُ بالآية ومَنْ عاد (من) (٣) بعد العلم بالحُرْمَةِ كما في آيةِ الرِّبا: ﴿فَمَنْ عَادَ فأُولئكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (٤) أَي ومَنْ عاد (إِلى المباشرة بعد) (٥) العلم بالحرمة، لا أَنْ يكون المراد به العودَ إِلى القَتْلِ بعد القَتْل. ثم لزوم الجزاء بالدلالة استحسانٌ عندنا، وفي القياس لا جزاء، وبه أَخَذ مالك والشافعيُّ، لأَنَّ الجزاءَ واجبٌ بِقَتْلِ الصَّيْدِ بالنَّصِّ. قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُتَعَمِّداً﴾ (٦) الآيةَ، والدلالة ليست في معنى القَتْل، ولهذا يجِبُ جزاءُ صَيْدِ الحَرَم على القاتِل الحلال، ولا يجِبُ على الدَّال (إِذا كانَ حَلالاً بالاتفاق، ولأَن حرمةَ الصيد في حقِّ المُحْرِم ليس بأَقوى مِنْ حرمةِ مالِ المُسْلِم ونَفْسِهِ) (٧) ، ولا يضمن الدَّالُّ على مَالِ المُسْلم ولا على نَفْسِهِ شيئاً بسبب الدلالةِ، فكذلك ههنا، إِلاَّ أَنَّا تَرَكْنا القِياسَ باتفاق الصحابة، فإِنَّ رجلاً سأَل عمرَ فقال: إِني أَشَرْتُ إِلى ظَبْيٍ وأَنَا مُحْرِمٌ فَقَتَلَهُ صاحبي، فقال عمرُ لعبدِ الرحمن: ماذا ترى (عليه) (٨) ؟ فقال: أَرَى عليه شاةً، فقال عمرُ: وأَنَا أَرَى عليه ذلك. وإِنَّ عَلِيَّاً وابن عباس سُئِلا عن مُحْرِمٍ دَلَّ على بَيْضِ نَعَامَةٍ فأَخَذَهُ المَدْلُولُ عليه فَشَواهُ، فقالا: على الدَّالِّ جَزَاؤه. وكذلك رُوِي عن عثمانَ. والقياسُ يُتْرَكُ بِقَوْلِ الفقهاءِ من الصحابةِ، وما نُقِل منهم في هذا كالمَنْقُول عَنْ رسولِ الله ﷺ إِذْ لا يُظَنُّ بهم أَنَّهم قالوه جُزَافاً، والقِيَاسُ لا يشهدُ لِقَوْلِهِم حتى نقولَ قالوا ذلك قِياساً، فلم يَبْق إِلاَّ السَّمَاعُ، ثُمَّ ثبتَ باتفاقهم أَنَّ الدلالة على الصيدِ مِنْ مَحْظُوراتِ الإِحرام، وذلك ثابتٌ بالنَّصِّ عَنْ رسولِ الله ﷺ حيثُ قال

стр. 703

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لأَصحاب أَبي قَتَادَةَ في صيدٍ أَخذه أَبو قَتَادة وكانوا مُحْرِمين: «هل مِنْكم أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عليه، أَوْ أَشارَ إِليه؟» قالوا: لا، قال: «فَكُلُوا ما بَقِيَ». فَجَعَلَ الإِشارةَ كالإِعانة، فَعَرَفْنَا عنه أَنَّه مِنْ محظوراتِ الإِحرَامِ وذلك يُوجِب الجزاء، وبه فارق صيدُ الحَرَمِ الدلالةَ على مالِ المُسْلم ونَفْسِه. ثُمَّ الخِيَارُ للقاتل عندنا على ما قَدَّمنا ككفارةِ اليمينِ والفِدْية لِعُذْرٍ. وجعله محمدٌ لِلعَدْلَين كمالك والشافعي لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ به ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم﴾ (١) الآية، وأَوجبوا إِنْ حَكَما بالهَدْي نظيرَ صَيدٍ مِنْ الحيوان الأَهْلي صورةً، كالشاةِ فجعلوها نظيراً للظَّبْي والضَّبُع، والعَنَاقِ (٢) نَظِيراً للأَرْنَبِ، والجَفْرَةِ (٣) نظيراً لليَرْبُوع (٤)، والجَمَل نظيراً للنَّعَامَةِ، والبَقَرة نظيراً لِحِمَارِ الوَحْش وبقرهِ أَيضاً، وإِنْ لم يَحْكُمَا بالهَدْيِ وحَكَما بالطعامِ أَوْ الصِّيامِ، أَوْ لم يكن له نَظِيرٌ مِنْ الأَهلي، فكما أَطلقَ أَبو حنيفةَ وأَبو يُوسف مِنْ لزوم قيمته. والحاصل أَنْ يُقَوَّم الصيدُ بالنظيرِ فيما له نَظِيرٌ، وأَمَّا ما ليس له نَظِيرٌ كَعُصْفُورٍ وحَمَامٍ فعليه قِيمَتُه إِجْماعاً، لأَنه تعالى أَوْجَبَ المِثلَ بِقَيدِ كونِهِ مِنَ النَّعَم. وحقيقةُ المِثْلِ المُمَاثِلُ صورةً ومعنىً، والنظير كذلك، فلا يُعْدل عنه إِلاَّ عِنْدَ عدمه. ولأَبي حنيفةَ وأَبي يوسف لو اعْتُبر المِثْلُ من حيثُ الصورةُ لما احتِيجَ إِلى العدلين، لأَنه لا يَخْفَى على أَحَدٍ، ولَمَا احْتِيجَ إِلى تَحْكِيمٍ جَدِيدٍ في كُلِّ مَقْتُولٍ، ولكن يُؤَيِّدُهُم أَنَّ الصحابةَ أَوْجَبَتْ المِثْلَ مِنْ حيثُ الصورةُ، ففي «الموطأ»: أَخْبَرنا أَبو الزبير عن جابر: أَنَّ عمرَ قَضَى في الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وفي الغَزَال بِعَنْزةٍ، وفي الأَرنب بِعَناقٍ، وفي اليَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ. وروى الشافعي حديثاً: أَنَّ عمرَ، وعثمانَ، وعَلِيَّاً، وزيدَ بنَ ثابت، وابن عباس، ومعاوية قالوا: في النَّعَامةِ يَقْتُلُهَا المُحْرِمُ بَدَنَةٌ من الإِبل. وفيه ضَعْفٌ، ولكن أَخرجه (٥) البيهقي عن ابن عباس قال: في حَمَامَةِ الحَرَمِ شَاةٌ، وفي البيضتين: درهم، وفي النَّعَامَةِ: جَزُور، وفي البقرة: بقرة، وفي الحِمَار: بقرة.

стр. 704

وإِنْ نَقَصَهُ يَجِبُ ما نَقَصَ مِنْه. === وفي «سُنن أَبي داود» عن جابر بن عبد الله قال: سأَلتُ رسولَ الله ﷺ عن الضَّبُعِ، أَصَيْدٌ هي؟ قال: «نعم، يُجْعَلُ فيه كَبْشٌ». والحاصل أَنَّهُمْ يَنْظرونَ إِلى النَّظِير إِنْ كان الصيدُ مِمَّا له نَظِيرٌ من حيثُ الخِلْقَةُ، سواءٌ كانت قيمةُ نَظِيرهِ مِثْلَ قيمتِهِ أَوْ أَقل، أَوْ أَكثر، ولا ينظرون إِلى القيمة. وعندهما لا يَجوزُ النظير إِلاَّ أَنْ تكونَ قيمتُهُ مساويةً لقيمة المقتول، وحَمَلا ما ورد عن الصحابةِ على مثل هذا. وقالا: إِيجاب الصحابة لهذه النظائرِ لا باعتبارِ أَعْيَانِها بل باعتبار القيمة، إِلاَّ أَنَّهم كانوا أَربابَ المواشي فكان ذلك أَيْسرَ عليهم من النقود. وهو نَظِيرُ ما قال عليٌّ كرَّمَ اللهُ وجهه: في ولد المَغْرُورِ يُفَكّ (١) الغلام بالغلام، والجارية بالجاريةِ». والمرادُ القيمةُ. ثُم الجزاءُ واجِبٌ على التخيير المذكور لأَن حقيقة «أَوْ» في الآيةِ لأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بلا ترتيب، فلا يُعْدَل عنه. وحَمَلها زُفَرُ على الترتيبِ، فأَوْجَبَ الهَدْيَ أَوَّلاً، ثُم الإِطعام، ثُم الصِّيام، لأَنَّ الترتيب هو الملائم لحال الجاني إِذْ في التخيير نوعُ تخفيفٍ وهو لا يَسْتَحِقُّ، وكلمة «أَوْ» لا تَنْفي الترتيب كما في آية قُطَّاع الطريق. والله ولي التوفيق. (وإِنْ نَقَصَهُ) أَي إِنْ نَقَصَ المُحْرِمُ الصيدَ، بِأَنْ جَرَحَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوَه، أَوْ جَذَّ شَعْره، أَوْ نَتَفَ رِيشَه، ولو لَمْ يُخْرِجْه عن حَيِّزِ الامتناع (يَجِبُ) مِنْ قيمته (ما نَقَصَ مِنْه) اعتباراً للجُزءِ بالكُلِّ كما في حقوق العباد، وهذا إِذا بَرَأَ الصيدُ وبَقِيَ فيه أَثَرُ الجِنايةِ. وأَمَّا إِذا لم يَبْقَ فيه أَثَرُهَا، فلا ضمانَ عليه لِزَوَالِ المُوجِب. وقال أَبو يوسف: يلزمه الصدقة للأَلم، ولو ماتَ الصَّيْدُ بعدما جَرَحه ضَمِن كُلَّه، لأَن جُرْحه سَببٌ ظَاهِرٌ لِموتِهِ، (فيُحَالُ) (٢) به عليه، ولو غاب الصَّيْدُ ولم يُعلم بهِ مَوْتُه أَوْ بُرْؤُه، ضَمِنَ نُقْصانَه فقط في القياس، لأَن ضمانَ جَمِيعِه مَشْكُوكٌ فيه. وفي الاستحسان يَلْزَمُه جميعُ القيمةِ احتياطاً، كَمَنْ أَخْرَجَ صَيْداً مِنْ الحَرَمِ ثُمَّ أَرْسله ولا يَعْلَمُ أَدخل الحَرَم أَوْ

стр. 705

وإِنْ أَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الامْتِنَاعِ أَو كَسَرَ البَيْضَ فَقِيمتُهُ، وكَذَا إِنْ ذَبَحَ الحَلَالُ صَيْدَ الحَرَمِ، أَوْ حَلَبَهُ، أَوْ قَطَعَ حَشِيشَهُ، أَوْ شَجَرَهُ === لا، يَجِب قِيمَتُه. (وإِنْ أَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الامْتِنَاعِ) بأَن نَتَفَ ريشَه كُلَّه أَوْ قَطع قَوائمه (أَوْ كَسَرَ البَيْضَ فَقِيمتُهُ) كاملةً تَجِب عليه. أَما إِذا أَخْرجه عن حَيِّز الامتناع وهو بالطيران، أَوْ بالعدو، أَوْ بِدُخُول الجُحْر، فلأَنه فَوَّتَ عليه الأَمْنَ بِتَفْويتِ آلةِ الامتناع، فيغرم جزاءه. وأَمَّا إِذا كَسَر بَيْضَه، فلأَنه أَصْلُ الصيد، فيأْخذ حُكْمَه، فعليه قيمةُ البيض لا قيمةُ مَآلِ البيض وهو الصيد، وهو مَرْوِيٌّ عن عليَ وابن عباس. وقد رَوى عبد الرزاق في «مُصَنَّفهِ» عن سفيانَ الثَّوْري، عن عبد الكريم الجَزَري، عن ابن عباس أَنه قال: في بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ المُحْرِم ثَمَنُه. ولو كَسَرَ بَيْضَةً، فخرجَ منها فَرْخٌ ميتٌ يجِب قيمةُ الفَرْخِ الحيّ، لأَن الظاهر أَنه ماتَ بسببِ كَسْر البيضةِ، ولا شيءَ عليه في البيض. وقيل: إِنما ضمنه إِذا عَلِم أَنَّه كان حيَّاً، وماتَ بسببِ الكَسْر، وأَمَّا إِنْ عَلِمَ أَنَّه كان ميتاً، فلا شيء عليه، وإِنْ لم يعلم فالقياسُ أَنْ لا يَجِب الجزاء، لأَنه لم يَعْلم حياةَ الفَرْخ قبل الكسر. وفي الاستحسان يجبُ، لأَن البيضَ مُعَدٌّ ليخرجَ منه فَرْخٌ حيٌّ، والتمسك بالأَصْل واجِبٌ حتى يظهرَ خِلَافُه. (وكَذَا إِنْ ذَبَحَ الحَلَالُ صَيْدَ الحَرَمِ) لزمه قيمتُه ويَهْدِي بها، أَوْ يطعم، ولا يُجزئه الصوم. وقال زُفَر: يجزئه. (أَوْ حَلَبَهُ) لأَن لَبَنَ الصيدِ جزؤُهُ، فأَخذ حُكْمَ كُلِّه. ولو فَعَل المُحْرمُ ذلك لَزِمَهُ في القياس قيمتان، لوجود الجناية على الإِحرام وعلى الحَرَم، وهو المذهب، وبه قال مالك. وفي الاستحسان قيمةٌ واحدةٌ، لأَن حرمةَ الإِحرام أَقْوى مِنْ حُرْمةِ الحَرَمِ لِحُصُولها في الأَماكِنِ كُلِّها، واعتبارُ الأَقْوى متعينٌ، فَتَدْخُلُ الجِنَايَةُ على الحَرَم في الجناية على الإِحرام، وبه قال الشافعيّ. والحاصل أَنَّ صَيْدَ الحرم حرام على المُحْرم والحلالِ إِلاَّ ما استثناهُ الشارِعُ. فلو قَتَل مُحْرِمٌ صيداً، فعليه جزاءٌ واحدٌ، وليس عليه لأَجْلِ الحَرَمِ شَيْءٌ للتَّدَاخُلِ، كما لو قَتَله حَلالٌ فعليه جزاءٌ واحِدٌ لأَجْلِ الحَرَمِ، ثُمَّ يَتَعَيَّنُ قيمةُ صيدِ الحرم عندنا فيتصدَّق بها، ولا يجوز الصوم عنه، وأَجازه زُفَرُ كمالك والشافعيّ. (أَوْ قَطَعَ) حَلَالٌ أَوْ مُحْرِمٌ (حَشِيشَهُ) أَي حشيش الحَرَم (أَوْ شَجَرَهُ) لأَنه أَزال عنه الأَمْنَ الذي كان يستحقُّه، بسببِ كونهِ منسوباً إِلى الحَرَمِ على الكمال. وذلك بأَنْ نَبَتَ بنفْسِه ولا يكون من جنس ما يُنْبِتُه الناسُ، فلو أَنْبَتهُ الناس سواء كان مِنْ جِنْس ما
следующие страницы →