← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أَوْ طَعَاماً يَتَصَدَّقُ كالفِطْرَةِ، أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مِسْكينٍ يَوْماً. ومَا فَضَلَ عَنْه تَصَدَّقَ بِهِ أَو صَامَ يَوْماً === يلزم أَنْ يتصدَّقَ بقيمةِ لَحْمِهِ عندنا، ولو بعد التَّمَكُّنِ من التصدّقِ به لسقوط التصدق بِفَوَاتِ محله. وأَوجبه مالك والشافعيُّ لتقصيرهِ، وكذا حُكْم دم الجَبْر. وهذا الخلاف كالخلاف في هلاك المال بعد التمكن من أَداء الزكاة، يَسْقُط عندنا خلافاً لهما. ولو ذَبَح في غيرِ أَرْضِ الحَرَم لا يَخْرجُ عن العُهْدَةِ إِلاَّ إِذا تصدَّق على كل مسكينٍ من اللحم بما يساوي قيمةَ نصفِ صاعٍ مِنْ بُرَ، وكان فيه وفاء بِمَا قوَّمه عدلان، وإِنْ لَمْ يَفِ يُوَفَّى. وإِنما لا يجوزُ ذَبْحه إِلاَّ في الحَرَمِ لقوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾، فلو ذبح شيئاً مِنْ الدماءِ الواجبةِ في الحَجِّ والعُمْرة خَارِجَ الحَرَمِ لم يسقط عنه وعليه ذَبْحٌ آخَرُ في الحَرَم، وذلك لقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رؤسَكُم حَتَى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) . ويجوزُ أَنْ يتصدقَ بِلَحمِ الهَدْي على مِسْكِينٍ واحدٍ، أَوْ مَسَاكِينَ، ومساكينُ الحرم أَفْضَل. (أَوْ طَعَاماً يَتَصَدَّقُ) به في أَيِّ موضع شاء، لأَن الصدقة قُرْبةٌ غَيْرُ مؤقتةٍ بالمكان (كالفِطْرَةِ) بأَن يُعطِي كلَّ مسكين نصفَ صاع مِنْ بُرَ أَوْ صاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ شعيرٍ، لا أَقَلَّ مِنْ ذلك ولا أَزْيَد. وفي «السراج»: يجوز أنْ يتصدَّقَ بالكُلِّ على مسكينٍ واحدٍ. وفي «اللباب»: ولا يجوزُ أَنْ يُطْعِم لمسكينٍ واحد أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صاعٍ إِلاَّ أَنْ يَفْصُلَ، أَوْ يكون الواجب أَقلَّ منه، فيعطيه مسكيناً واحداً. (أَوْ صَامَ) في أَيِّ موضع شاء (عَنْ) طعام (كُلِّ مِسْكينٍ يَوْماً) بأَنْ يُقَوَّمَ المَقْتُولُ طعاماً ثُم يصوم مكانَ طعامِ كُلِّ مسكينٍ يوماً، فالقاتِلُ بالخيارِ ـ ولو مُوسَراً ـ بين الهَدْي والإِطعام والصيام. وإِنْ لم يبلغ الهدي فهو بالخِيار بين الطَعام والصيام (ومَا فَضَلَ عَنْه) أَي عنْ طعامِ مِسْكين بأَنْ بقي أَقل مِنْ نِصْفِ صاعٍ مِنْ بُرَ، أَوْ كَانَتْ قيمةُ المقتول أَقل من ذلك، بأَنْ قَتَلَ عُصْفُوراً (تَصَدَّقَ بِهِ) على مِسْكِينٍ وَاحِدٍ (أَوْ صَامَ يَوْماً) كاملاً لأَن صوم بعض اليوم غير مشروع. ثُم اعْلَم أَنَّ كَوْنَ القتل الخطأ كالعَمْد قولُ عمرَ، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أَبي وَقَّاص، وبه أَخذ علماؤنا. وقال ابن عباس: ليس على المُحْرم في قتلِ خطأٍ جزاءٌ لظاهِرِ الآيةِ، وتقدَّم الجوابُ عنه.

стр. 702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ثُمَّ كونُ العائِدِ (١) كالمُبْتَدِاء قولُ عطاء، وإِبراهيم، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن، وبه قُلْنا، وعليه عامَّةُ العلماءِ. وعن ابن عباس وشُرَيْح أَنه لا يَجِبُ الجزاءُ على العائِد، وهو قول داود، ولكن يقال له: اذهب فينتقم اللهُ مِنْك، لِظاهر قوله تعالى: ﴿ومَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (٢) . ولنا أَنَّ ضَمَانَ الإِتلاف لا يختلفُ بالابتداءِ والعودِ إِليه، بل جنايةُ العائِد أَظْهَرُ، والمرادُ بالآية ومَنْ عاد (من) (٣) بعد العلم بالحُرْمَةِ كما في آيةِ الرِّبا: ﴿فَمَنْ عَادَ فأُولئكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (٤) أَي ومَنْ عاد (إِلى المباشرة بعد) (٥) العلم بالحرمة، لا أَنْ يكون المراد به العودَ إِلى القَتْلِ بعد القَتْل. ثم لزوم الجزاء بالدلالة استحسانٌ عندنا، وفي القياس لا جزاء، وبه أَخَذ مالك والشافعيُّ، لأَنَّ الجزاءَ واجبٌ بِقَتْلِ الصَّيْدِ بالنَّصِّ. قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُتَعَمِّداً﴾ (٦) الآيةَ، والدلالة ليست في معنى القَتْل، ولهذا يجِبُ جزاءُ صَيْدِ الحَرَم على القاتِل الحلال، ولا يجِبُ على الدَّال (إِذا كانَ حَلالاً بالاتفاق، ولأَن حرمةَ الصيد في حقِّ المُحْرِم ليس بأَقوى مِنْ حرمةِ مالِ المُسْلِم ونَفْسِهِ) (٧) ، ولا يضمن الدَّالُّ على مَالِ المُسْلم ولا على نَفْسِهِ شيئاً بسبب الدلالةِ، فكذلك ههنا، إِلاَّ أَنَّا تَرَكْنا القِياسَ باتفاق الصحابة، فإِنَّ رجلاً سأَل عمرَ فقال: إِني أَشَرْتُ إِلى ظَبْيٍ وأَنَا مُحْرِمٌ فَقَتَلَهُ صاحبي، فقال عمرُ لعبدِ الرحمن: ماذا ترى (عليه) (٨) ؟ فقال: أَرَى عليه شاةً، فقال عمرُ: وأَنَا أَرَى عليه ذلك. وإِنَّ عَلِيَّاً وابن عباس سُئِلا عن مُحْرِمٍ دَلَّ على بَيْضِ نَعَامَةٍ فأَخَذَهُ المَدْلُولُ عليه فَشَواهُ، فقالا: على الدَّالِّ جَزَاؤه. وكذلك رُوِي عن عثمانَ. والقياسُ يُتْرَكُ بِقَوْلِ الفقهاءِ من الصحابةِ، وما نُقِل منهم في هذا كالمَنْقُول عَنْ رسولِ الله ﷺ إِذْ لا يُظَنُّ بهم أَنَّهم قالوه جُزَافاً، والقِيَاسُ لا يشهدُ لِقَوْلِهِم حتى نقولَ قالوا ذلك قِياساً، فلم يَبْق إِلاَّ السَّمَاعُ، ثُمَّ ثبتَ باتفاقهم أَنَّ الدلالة على الصيدِ مِنْ مَحْظُوراتِ الإِحرام، وذلك ثابتٌ بالنَّصِّ عَنْ رسولِ الله ﷺ حيثُ قال

стр. 703

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لأَصحاب أَبي قَتَادَةَ في صيدٍ أَخذه أَبو قَتَادة وكانوا مُحْرِمين: «هل مِنْكم أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عليه، أَوْ أَشارَ إِليه؟» قالوا: لا، قال: «فَكُلُوا ما بَقِيَ». فَجَعَلَ الإِشارةَ كالإِعانة، فَعَرَفْنَا عنه أَنَّه مِنْ محظوراتِ الإِحرَامِ وذلك يُوجِب الجزاء، وبه فارق صيدُ الحَرَمِ الدلالةَ على مالِ المُسْلم ونَفْسِه. ثُمَّ الخِيَارُ للقاتل عندنا على ما قَدَّمنا ككفارةِ اليمينِ والفِدْية لِعُذْرٍ. وجعله محمدٌ لِلعَدْلَين كمالك والشافعي لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ به ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم﴾ (١) الآية، وأَوجبوا إِنْ حَكَما بالهَدْي نظيرَ صَيدٍ مِنْ الحيوان الأَهْلي صورةً، كالشاةِ فجعلوها نظيراً للظَّبْي والضَّبُع، والعَنَاقِ (٢) نَظِيراً للأَرْنَبِ، والجَفْرَةِ (٣) نظيراً لليَرْبُوع (٤)، والجَمَل نظيراً للنَّعَامَةِ، والبَقَرة نظيراً لِحِمَارِ الوَحْش وبقرهِ أَيضاً، وإِنْ لم يَحْكُمَا بالهَدْيِ وحَكَما بالطعامِ أَوْ الصِّيامِ، أَوْ لم يكن له نَظِيرٌ مِنْ الأَهلي، فكما أَطلقَ أَبو حنيفةَ وأَبو يُوسف مِنْ لزوم قيمته. والحاصل أَنْ يُقَوَّم الصيدُ بالنظيرِ فيما له نَظِيرٌ، وأَمَّا ما ليس له نَظِيرٌ كَعُصْفُورٍ وحَمَامٍ فعليه قِيمَتُه إِجْماعاً، لأَنه تعالى أَوْجَبَ المِثلَ بِقَيدِ كونِهِ مِنَ النَّعَم. وحقيقةُ المِثْلِ المُمَاثِلُ صورةً ومعنىً، والنظير كذلك، فلا يُعْدل عنه إِلاَّ عِنْدَ عدمه. ولأَبي حنيفةَ وأَبي يوسف لو اعْتُبر المِثْلُ من حيثُ الصورةُ لما احتِيجَ إِلى العدلين، لأَنه لا يَخْفَى على أَحَدٍ، ولَمَا احْتِيجَ إِلى تَحْكِيمٍ جَدِيدٍ في كُلِّ مَقْتُولٍ، ولكن يُؤَيِّدُهُم أَنَّ الصحابةَ أَوْجَبَتْ المِثْلَ مِنْ حيثُ الصورةُ، ففي «الموطأ»: أَخْبَرنا أَبو الزبير عن جابر: أَنَّ عمرَ قَضَى في الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وفي الغَزَال بِعَنْزةٍ، وفي الأَرنب بِعَناقٍ، وفي اليَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ. وروى الشافعي حديثاً: أَنَّ عمرَ، وعثمانَ، وعَلِيَّاً، وزيدَ بنَ ثابت، وابن عباس، ومعاوية قالوا: في النَّعَامةِ يَقْتُلُهَا المُحْرِمُ بَدَنَةٌ من الإِبل. وفيه ضَعْفٌ، ولكن أَخرجه (٥) البيهقي عن ابن عباس قال: في حَمَامَةِ الحَرَمِ شَاةٌ، وفي البيضتين: درهم، وفي النَّعَامَةِ: جَزُور، وفي البقرة: بقرة، وفي الحِمَار: بقرة.

стр. 704

وإِنْ نَقَصَهُ يَجِبُ ما نَقَصَ مِنْه. === وفي «سُنن أَبي داود» عن جابر بن عبد الله قال: سأَلتُ رسولَ الله ﷺ عن الضَّبُعِ، أَصَيْدٌ هي؟ قال: «نعم، يُجْعَلُ فيه كَبْشٌ». والحاصل أَنَّهُمْ يَنْظرونَ إِلى النَّظِير إِنْ كان الصيدُ مِمَّا له نَظِيرٌ من حيثُ الخِلْقَةُ، سواءٌ كانت قيمةُ نَظِيرهِ مِثْلَ قيمتِهِ أَوْ أَقل، أَوْ أَكثر، ولا ينظرون إِلى القيمة. وعندهما لا يَجوزُ النظير إِلاَّ أَنْ تكونَ قيمتُهُ مساويةً لقيمة المقتول، وحَمَلا ما ورد عن الصحابةِ على مثل هذا. وقالا: إِيجاب الصحابة لهذه النظائرِ لا باعتبارِ أَعْيَانِها بل باعتبار القيمة، إِلاَّ أَنَّهم كانوا أَربابَ المواشي فكان ذلك أَيْسرَ عليهم من النقود. وهو نَظِيرُ ما قال عليٌّ كرَّمَ اللهُ وجهه: في ولد المَغْرُورِ يُفَكّ (١) الغلام بالغلام، والجارية بالجاريةِ». والمرادُ القيمةُ. ثُم الجزاءُ واجِبٌ على التخيير المذكور لأَن حقيقة «أَوْ» في الآيةِ لأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بلا ترتيب، فلا يُعْدَل عنه. وحَمَلها زُفَرُ على الترتيبِ، فأَوْجَبَ الهَدْيَ أَوَّلاً، ثُم الإِطعام، ثُم الصِّيام، لأَنَّ الترتيب هو الملائم لحال الجاني إِذْ في التخيير نوعُ تخفيفٍ وهو لا يَسْتَحِقُّ، وكلمة «أَوْ» لا تَنْفي الترتيب كما في آية قُطَّاع الطريق. والله ولي التوفيق. (وإِنْ نَقَصَهُ) أَي إِنْ نَقَصَ المُحْرِمُ الصيدَ، بِأَنْ جَرَحَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوَه، أَوْ جَذَّ شَعْره، أَوْ نَتَفَ رِيشَه، ولو لَمْ يُخْرِجْه عن حَيِّزِ الامتناع (يَجِبُ) مِنْ قيمته (ما نَقَصَ مِنْه) اعتباراً للجُزءِ بالكُلِّ كما في حقوق العباد، وهذا إِذا بَرَأَ الصيدُ وبَقِيَ فيه أَثَرُ الجِنايةِ. وأَمَّا إِذا لم يَبْقَ فيه أَثَرُهَا، فلا ضمانَ عليه لِزَوَالِ المُوجِب. وقال أَبو يوسف: يلزمه الصدقة للأَلم، ولو ماتَ الصَّيْدُ بعدما جَرَحه ضَمِن كُلَّه، لأَن جُرْحه سَببٌ ظَاهِرٌ لِموتِهِ، (فيُحَالُ) (٢) به عليه، ولو غاب الصَّيْدُ ولم يُعلم بهِ مَوْتُه أَوْ بُرْؤُه، ضَمِنَ نُقْصانَه فقط في القياس، لأَن ضمانَ جَمِيعِه مَشْكُوكٌ فيه. وفي الاستحسان يَلْزَمُه جميعُ القيمةِ احتياطاً، كَمَنْ أَخْرَجَ صَيْداً مِنْ الحَرَمِ ثُمَّ أَرْسله ولا يَعْلَمُ أَدخل الحَرَم أَوْ

стр. 705

وإِنْ أَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الامْتِنَاعِ أَو كَسَرَ البَيْضَ فَقِيمتُهُ، وكَذَا إِنْ ذَبَحَ الحَلَالُ صَيْدَ الحَرَمِ، أَوْ حَلَبَهُ، أَوْ قَطَعَ حَشِيشَهُ، أَوْ شَجَرَهُ === لا، يَجِب قِيمَتُه. (وإِنْ أَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الامْتِنَاعِ) بأَن نَتَفَ ريشَه كُلَّه أَوْ قَطع قَوائمه (أَوْ كَسَرَ البَيْضَ فَقِيمتُهُ) كاملةً تَجِب عليه. أَما إِذا أَخْرجه عن حَيِّز الامتناع وهو بالطيران، أَوْ بالعدو، أَوْ بِدُخُول الجُحْر، فلأَنه فَوَّتَ عليه الأَمْنَ بِتَفْويتِ آلةِ الامتناع، فيغرم جزاءه. وأَمَّا إِذا كَسَر بَيْضَه، فلأَنه أَصْلُ الصيد، فيأْخذ حُكْمَه، فعليه قيمةُ البيض لا قيمةُ مَآلِ البيض وهو الصيد، وهو مَرْوِيٌّ عن عليَ وابن عباس. وقد رَوى عبد الرزاق في «مُصَنَّفهِ» عن سفيانَ الثَّوْري، عن عبد الكريم الجَزَري، عن ابن عباس أَنه قال: في بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ المُحْرِم ثَمَنُه. ولو كَسَرَ بَيْضَةً، فخرجَ منها فَرْخٌ ميتٌ يجِب قيمةُ الفَرْخِ الحيّ، لأَن الظاهر أَنه ماتَ بسببِ كَسْر البيضةِ، ولا شيءَ عليه في البيض. وقيل: إِنما ضمنه إِذا عَلِم أَنَّه كان حيَّاً، وماتَ بسببِ الكَسْر، وأَمَّا إِنْ عَلِمَ أَنَّه كان ميتاً، فلا شيء عليه، وإِنْ لم يعلم فالقياسُ أَنْ لا يَجِب الجزاء، لأَنه لم يَعْلم حياةَ الفَرْخ قبل الكسر. وفي الاستحسان يجبُ، لأَن البيضَ مُعَدٌّ ليخرجَ منه فَرْخٌ حيٌّ، والتمسك بالأَصْل واجِبٌ حتى يظهرَ خِلَافُه. (وكَذَا إِنْ ذَبَحَ الحَلَالُ صَيْدَ الحَرَمِ) لزمه قيمتُه ويَهْدِي بها، أَوْ يطعم، ولا يُجزئه الصوم. وقال زُفَر: يجزئه. (أَوْ حَلَبَهُ) لأَن لَبَنَ الصيدِ جزؤُهُ، فأَخذ حُكْمَ كُلِّه. ولو فَعَل المُحْرمُ ذلك لَزِمَهُ في القياس قيمتان، لوجود الجناية على الإِحرام وعلى الحَرَم، وهو المذهب، وبه قال مالك. وفي الاستحسان قيمةٌ واحدةٌ، لأَن حرمةَ الإِحرام أَقْوى مِنْ حُرْمةِ الحَرَمِ لِحُصُولها في الأَماكِنِ كُلِّها، واعتبارُ الأَقْوى متعينٌ، فَتَدْخُلُ الجِنَايَةُ على الحَرَم في الجناية على الإِحرام، وبه قال الشافعيّ. والحاصل أَنَّ صَيْدَ الحرم حرام على المُحْرم والحلالِ إِلاَّ ما استثناهُ الشارِعُ. فلو قَتَل مُحْرِمٌ صيداً، فعليه جزاءٌ واحدٌ، وليس عليه لأَجْلِ الحَرَمِ شَيْءٌ للتَّدَاخُلِ، كما لو قَتَله حَلالٌ فعليه جزاءٌ واحِدٌ لأَجْلِ الحَرَمِ، ثُمَّ يَتَعَيَّنُ قيمةُ صيدِ الحرم عندنا فيتصدَّق بها، ولا يجوز الصوم عنه، وأَجازه زُفَرُ كمالك والشافعيّ. (أَوْ قَطَعَ) حَلَالٌ أَوْ مُحْرِمٌ (حَشِيشَهُ) أَي حشيش الحَرَم (أَوْ شَجَرَهُ) لأَنه أَزال عنه الأَمْنَ الذي كان يستحقُّه، بسببِ كونهِ منسوباً إِلى الحَرَمِ على الكمال. وذلك بأَنْ نَبَتَ بنفْسِه ولا يكون من جنس ما يُنْبِتُه الناسُ، فلو أَنْبَتهُ الناس سواء كان مِنْ جِنْس ما

стр. 706

إِلَّا مَمْلُوكًا أَوْ مُنْبَتاً أَو جَافَّاً. ولا يُرْعَى الحَشِيشُ ولا يَقْطَعُ شيئاً منه إِلَّا الإِذْخِرَ. === أَنْبَتُوه أَوْ لا، (يحلُّ قطعه، لأنه منسوب إلى مالك، وكذا لو) (١) نبت بنفسه، وهو مما ينبته الناس بأَنْ نبتَ بَذْرٌ وقع فيهِ منهم فلا شيء فيه. (إِلاَّ مَمْلُوكاً) للقاطع، قيدنا به لأَنَّه لو (قَطَعَهُ) (٢) غيرُ مالكه لزِمه قيمتان: قيمةٌ بحَقِّ الشارِعِ، وقِيمةٌ بِحَقِّ المالك. ولهذا قالوا: لو نَبَت في مِلك رَجُلٍ أُمُّ غَيْلَان (٣) فقطعها إِنْسَانٌ عليه قيمتها لِمَالِكِهِ، وعليه قيمتها لِحَقِّ الشَّرْع، بمنزلةِ ما لو قتل صيداً مملوكاً في الحرم. (أَوْ مُنْبَتاً) ـ بضم الميم وفتح الموحدة ـ سواء كان ما يُنْبِتُه النَّاسُ أَوْ مِمَّا يَنْبُتُ بنفسه، لأَنَّ نحوه غيرُ مضافٍ إِلى الحَرَمِ بل إِلى المَنْبت (أَوْ جَافَّاً) ـ بتشديد الفاء ـ أَي يابساً، لأَنه ليس بنامٍ فكان حَطَباً. (ولا يُرْعَى الحَشِيشُ) أَي حشيش الحَرَم، وجَوَّزَ أَبو يوسف كمالك والشافعيِّ رَعْيَه لِدَفْع الحَرَج عن الزائرين والمقيمين. (ولا يَقْطَع شيئاً منه إِلاَّ الإِذْخِرَ (٤) ـ بالذال والخاء المعجمتين ـ نبتٌ معروفٌ. روى أَصحابُ الكتبِ الستةِ من حديث أَبي هريرةَ قال: «لما فَتَحَ اللهُ على رسولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قام فَحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليه، ثُم قال: إِنَّ اللَّهَ حَبَس عن مَكَّةَ الفِيل ـ بالفاء، وفي روايةٍ: القتل (أَوْ الفيل، على الشَّك) (٥) ـ وسَلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين، وإِنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً مِنْ نَهار، ثُم هي حَرامٌ إِلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شجرُها ـ أَي لا يُقْطع ـ ولا يُنفَّر صيدها، ولا يُخْتَلَى خَلَاها، ولا تحل ساقطتها إِلا لمنشد ـ أَي مُعَرِّف ـ فقال العباس: إِلا الإِذْخِرَ، فإِنه لِقُبُورِنا وبيوتنا، فقال ﷺ إِلاَّ الإِذْخِر». وفي روايةٍ للبُخَارِيّ: «إِلاَّ الإِذْخِر إِلاَّ الإِذْخِر». مكرراً. والخلا ـ بالقصر ـ الحشيش الرطب، واختلاؤُه: قَطْعُه. وقوله: «لا تحلّ ساقطتها: أَي ما سقط فيها بغفلة المالك، وهي اللُّقَطَة فقيل: ليس لواجد لقطة مكةَ غير

стр. 707

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === التعريف، ولا يملكها أَبداً، ولا يتصدّقُ بها إِلاَّ أَنْ يظفر بصاحبها بخلاف لقطة سائر البقاع، وهو أَظْهر قولي الشافعي. والأَكْثَرُون على أَنَّه لا فَرْقَ بين لقطة الحرَمِ والحِلِّ. وقالوا معنى: «إِلاَّ لِمُنْشد» أَنه يُعَرِّفُها كما في سائر البقاع حَوْلاً كَامِلاً، حتى لا يتوهم (أَنَّه) (١) إِذا نَادَى عليها وقتَ الموسم، فلم يظْفَرْ بِمَالِكِها، جاز تمَلُّكُها. وقوله: «لِقُبُورِنَا وبُيُوتِنَا» لأَنَّه يُسَدُّ به فُرَجَ اللَّحْد المتخلِّل بين اللَّبِنَات، ويُسقف به البيت فوق الخشب. فإِنْ قلت: ليس في كلام العباس ما استثني إِلاَّ الإِذْخر منه، فما المستثنى البيت منه؟ قلت: مثله ليس مُسْتَثنىً، بل هو تَلْقِينٌ بالاستثناءِ، كأَنه قال: قل يا رسول الله: لا يُخْتَلَى خَلاها إِلاَّ الإِذْخِر. والواقع في لفظه ﷺ ظاهرٌ أَنَّه اسْتِثْنَاءٌ مِنْ كلامهِ السابِقِ، كذا أَفادَهُ الكِرْمَاني في «شَرْح البُخَاري». ورُوِي أَنَّ ابن (٢) عمر قَطَعَ دَوْحَةً (٣) كانت في موضع الطواف تؤذي الطائفين وتَصَدَّقَ بقيمتها. والحاصل أَنَّ كلَّ شجر أَنْبَتَه الناسُ وهو مِنْ جنسِ ما يُنْبِتُونه كالزرع، وما أَنْبَتَهُ النَّاسُ وليس مما يُنبتونه عادةً كالأَرَاك، وما نَبَتَ بِنَفْسه وهو مِنْ جنس ما ينبتونه، فهذا يَحِلُّ قَطْعُه ولا جزاء فيه، لأَنَّ الناسَ يَزْرَعُونَ ويحصدون في الحرم مِنْ لَدُن رسولِ الله ﷺ إِلى يومنا هذا مِنْ غَيْر نكيرِ مُنْكِر، ولا زَجْر زَاجِرٍ. وكل ما نَبَتَ بِنَفْسِهِ وهو من جِنْس ما لا يُنْبِتُونه كأُم غَيْلَان، فهذا محظورُ القَطْعِ على المُحْرِم والحَلَال، مملوكاً أَوْ غَيْرَ مَمْلُوكٍ، إِلاَّ اليابِسَ، والإِذْخِرَ، وذلك لأَنَّ حُرْمَةَ أَشْجَار الحَرَمِ كَحُرْمَةِ صَيْدِه، فإِنَّ صيده يأْوي (٤) إِلى أَشجاره ويستظلُّ بظلها، ويتخذ أَوْكاراً على أَغْصَانِها. فكما تجب القيمة في صيد الحَرَم على مَنْ أَتْلَفه، فكذلك تجب (القيمة) (٥) على مَنْ قطعه. ويجوزُ للمُحْرم أَنْ يقطعَ شجرَ الحِلِّ وحشيشَهُ، رطباً ويابساً. ثُم مُجْمَلُ ما احتجّ به أَبو حنيفةَ ومحمد على تحريمِ رَعْي حشيش الحَرَمِ قولهُ ﷺ «لا يُخْتَلَى خَلَاها». وفي رَعْي الدوابِ ارتكابُ المنهيِّ عنه، لأَن مشافر (٦)

стр. 708

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الدواب كالمناجل (١) . ولهم أَنَّ الذين يدخلون الحَرَمَ للحج والعُمرة يكونون على الدواب لا يمكنُهُم مَنْعها مِنْ رَعْيها، إِذْ في ذلك مِنَ الحرجِ ما لا يَخْفَى، حتى قال ابن أَبي ليلى: لا بأْس بأَنْ يحتشَّ ويَرْعى لأَجل الضرورة والبلوى، فإِنه يَشُقُّ على الناس حَمْلُ العلفِ للدوابِّ من خارج الحَرَم. ولقائلٍ أَنْ يقول: احتياجُ أَهْلِ مكَّةَ إِلى حشيش الحرم لدوابِّهم فوق احتياجهم الإِذْخِر لعدم انفكاكها عنهم، وأَمْرُهم بِرَعْيها خارجَ الحَرَمِ في غايةِ المشقة، إِذْ أَقْرَبُ حِلِّ الحرمِ جهةُ التَّنْعِيم، وهي نحو أَربعة أَميال، والجهات الأُخَر: سبعةً وثمانية وعشرة، كما فصلناها عند ذكر المواقيت. ولو حَرُمَ رَعْيُه لخرج بها الرِّعاء كل يوم مانِعِينَ (٢) لها إِلى إِحدى الجهات في زمن، ثُم عادوا في مثله، وقد لا يبقى من النهار وقتٌ تَرْعَى فيه الدوابُّ إِلى أَنْ تشبع، على أَنَّ أَصْلَ جَعْلِ الحرَم إِنَّما كان لِيأْمنَ أَهلُه على أَنفسِهم وأَموالِهم، فلو لم يَجُز لهم رَعْيُ حشيشه لَتُخُطِّفُوا كغيرهم، قال اللهُ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِم﴾ (٣) ، ذكره في مَعْرِض الامتنانِ عليهم، حيث كانت العرب حول مكةَ يغزو بعضهم بعضاً ويتغارُّون ويتناهبون، وأَهلُ مكةَ قارون آمِنون فيها لا يُغزَوْن ولا يغار عليهم مع قِلَّتِهم. بل وفي قوله ﷺ «لا يُخْتَلَى خَلاهَا، ولا يُعْضَدُ شَوْكُها»، وسكوتِه عن نفي الرَّعْي إِشارةٌ إِلى جوازه، إِذْ معنى لا يُعْضَدُ ولا يُخْتَلى: لا يقطع، ولو كان الرَّعْيُ مثلَه لَبَيَّنَه، ولا مساواةَ بينهما لِيُلْحَقَ به دلالةً، إِذِ القطعُ فِعْلُ مَنْ يفعل، والرَّعْي فِعْلُ العَجْماءِ (٤) وهو جُبَارٌ (٥) وعليه عَمَلُ الناس. وليس في النَّصِّ دلالةٌ على نَفْي الرَّعْي لِيلزَم من اعتبار البلوى مَعَارَضَتُه بخلافِ الاحتِشَاشِ الذي قال به ابن أَبي لَيْلَى. هذا، ويجوزُ أَخْذُ كَمْأَةِ (٦) الحَرَمِ، لأَنها ليست مِنْ نبات الأَرض، بل هي مُودَعَةٌ

стр. 709

وبِقَتْلِ قَمْلَةٍ أَوْ جَرَادَةٍ صَدَقَةٌ وإِنْ قَلَّتْ. === فيها. وكذلك لا بأْس بإخراج حجارةِ الحَرَمِ عندنا، وقد نُقِل عن ابن عباس وابن عمر أَنَّهُما كَرِهَا ذلك، وبه قال الشافعي. قال شمس الأَئمةِ السَّرَخْسِي: ولسنا نأْخذ بهذه العادة الجارية الظاهرة فيما بين الناس بإِخراج القذور ونحوها مِنْ الحَرَم. (وبِقَتْلِ قَمْلَةٍ) أَي مِنْ بَدَنِهِ، فإِنه لو قَتَل قَمْلَةً مِنَ الأَرض أَوْ مِنْ غيرِه، لا شيء عليه، وكذا لو قتل محرِمٌ قَمْلَ غيرِه لا شيء عليه. ولو قال مُحْرِمٌ لِحَلالٍ: ارْفَع عني هذه القَمْلَة، أَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِها، أَوْ أَشار إِليها فقتلها، فعلى الآمِر الجزاءُ، والدلالةُ فيها موجِبةٌ كما في الصيد. (أَوْ) قَتْل (جَرَادَةٍ صَدَقَةٌ وإِنْ قَلَّتْ) كَكَفَ من الطعامِ وكسرةٍ من خبزٍ. أَما القَمْلة فلأَنها متولدةٌ من بدنِهِ، فيكون قَتْلُهَا مِنْ قضاءِ التَّفَثِ، وفي إِزالتها ارتفاقٌ (١) ، والقَمْلتانِ والثلاثُ كالواحِدِ. ولو قتل قَمْلاً كثيراً وهو ما زاد على الثلاثِ ـ بالِغاً ما بَلَغ ـ أَطْعَم نِصْفَ صاعٍ مِنْ بُرَ. وإِلْقاؤها على الأَرض كَقَتْلِها. ولو وضَع ثوبَه في الشمس ليقتلَ قَمْلَةً فماتت فعليه الجزاءُ. ولو وضَع ثوبَه في الشمسِ ولم يَقْصد قَتْلَ القَمْلِ لا شيءَ عليه، كما لو غَسَلَ ثوبَه فماتَ القَمْلُ. وأَمَّا الجرادةُ فلأَنها مِنْ صَيْد البَرِّ، لما روى مالك في «المُوَطَّأ» من حديث يَحْيَى ابن سعيد: أَنَّ رجلاً سأَلَ عمرَ عن جرادة قتَلها وهو مُحْرِمٌ، فقال عمرُ لكَعْب: تَعَال حتى تَحْكُمَ، فقال كعب: دِرْهَمٌ، فقال عُمَر: إِنَّكَ لَتَجِدُ الدَّرَاهِم، لَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جرادةٍ. وعليه كثيرٌ مِنْ العلماء، لكنْ يُشْكِل عليه ما ورد في «سُنن أَبي داود والترمذي» عن أَبي هريرةَ قال: خَرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ في حَجَّةٍ أَوْ عُمرةٍ فاسْتَقْبلنا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ ـ بكسر الراء، أَي قطعة عظيمةٍ منه ـ فجعلنا نَضْرِبُه بِسِيَاطِنَا وقَسِّيِّنا (٢) ، فقالَ رسول الله ﷺ «كُلُوه، فإِنه مِنْ صَيْدِ البَحْرِ». وعلى هذا لا يكون فيه شيءٌ أَصلاً. وتَبِع عُمَرَ أَصحابُ المذاهبِ، كذا ذكره ابن الهُمامِ، وسكت عن تحقيقِ المرام. وفي «حياة الحيوان» للعلامة الدَّمِيري: أَنَّ الجراد نوعان: بَرِّي وبِحْري، لما روى ابن ماجه عن أَنس: أَنَّ النبيَّ ﷺ دَعَا على جرادٍ فقال: «اللَّهُمَّ أَهْلِك كِبَارَهُ، وأَفْسِد صغارَهُ، واقْطَع دَابِرَه، وخُذ بأَفْوَاهِهِ عن معايشِنَا وأَرْزاقِنا فإِنَّك سميعُ الدُّعاءِ»، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ كيف تَدْعُو على جُنْدٍ مِنْ أَجْنادِ اللَّهِ بِقَطْعِ دَابِره؟ قال:

стр. 710

ولا شَيءَ بِقَتْلِ غُرَابٍ، وحِدَأَةٍ، وعَقْرَبٍ، وحَيَّةٍ، وفَأْرَةٍ، وكَلْبٍ عَقُورٍ، === «الجرادُ نَثْرَهُ الحوتِ مفي البَحْر» ـ أَي عَطْسَتُه ـ. والمراد أَنَّ الجرادَ مِنْ صَيْدِ البحْرِ يَحِلُّ للمُحْرِم صَيْدُه. وبه قال أَبو سعيدٍ الخُدْرِي، فإِنَّه قال: لا جزاءَ فيه. وحكاه ابنُ المُنْذِر عن كعب الأَحبار، وعروةَ بن الزبيرِ، فإِنَّهم قالوا: هو مِنْ صَيْدِ البحرِ لا جزاءَ فيه. واحتجّ لهم بحديثِ أَبي المُهَزِّم عن أَبي هريرةَ قال: أَصَبْنا ضَرْباً مِنَ الجراد (١) ، فكان رَجُلٌ يَضْربُ بسوطٍ وهو مُحْرِمٌ، فقيل: إِنَّ هذا لا يصلح، فَذُكِر للنبيِّ ﷺ فقال: «إِنَّما هو مِنْ صَيْدِ البَحْر». رواه أَبو داود والترمذي وغيرهما. واتّفقوا على تَضْعِيفِهِ بِضَعْفِ أَبي المُهَزِّم، ثُم قال: والصحيح أَنَّهُ بَرِّي، لأَن المُحْرِم يجب عليه الجزاءُ إِذا أَتْلَفه عندنا، وبه قال عمرُ، وعثمانُ، وابن عمرَ، وابن عباس، وعطاء. قال العبدي: وهو قول أَهل العِلْم كافةً إِلاَّ أَبا سعيد الخُدْري. فقيل: حديثُ أَبي داود والترمذي مَنْسُوخٌ أَوْ غَيْرُ ثابتٍ، أَوْ مُؤَوَّل بأَنه مِثْلُ صيدِ البَحْرِ مِنْ حيث عدمُ الاحتياج إِلى ذَبْحٍ مِثْلِهِ. (ولا شَيءَ بِقَتْلِ غُرَابٍ) في الحرم والإِحرام، وهو الغُراب الأَبقع الذي يأْكلُ الجَيفَ دون ما يأْكل الزَّرْع. والأَبْقَع: ما خالط بياضَهُ لونٌ آخَرُ (وحِدَأَةٍ) (٢) دُوَيْبَّة على وزن عِنَبَة (وعَقْرَبٍ وحَيَّةٍ وفَأْرَةٍ) سواء كانت أَهليةً أَوْ وحشيةً (وكَلْبٍ عَقُورٍ) وهو المعروف عند الناس. وبه قال الأَوْزَاعِيُّ، وألحقوا به الذئب. قال ابن الهُمَام: اسم الكلب يتناول السِّباع بأَسْرِها، يدلُّ عليه أَنَّه ﷺ قال داعِياً على عُتْبَةَ بن أَبي لَهَب: «اللهم سَلِّط عليه كَلْباً مِنْ كلابِك، فافْتَرَسه سَبُعٌ ـ أَي أَسد ـ». وقيل: الكَلْبُ العقور: يُقال لِكُلِّ عَاقِر حتى اللصّ المقاتل. وقيل: المراد به الذئب، وقيل: الأَسد. وعن أَبي حنيفةَ أَنَّ العَقُور وغَيْرَ العقورِ والمستأْنس والمتوحش سواءٌ في عَدم لزومِ الجزاء، لأَنَّ المُعْتَبَرَ في ذلك الجِنْسُ لا الوصفُ، إِلاَّ أَنَّ الكلب الأَهْلِي (٣) إِذا لم يكن مؤذياً لا يحل قَتْلُه، لأَنَّ الأَمْرَ بِقَتْل الكلاب قد نُسِخ فيقيدُ القَتْل بوجودِ الإِيذاء. رَوى مسلمٌ والبخاري من حديث عائشةَ قالت: قال رسول الله ﷺ «خَمْسُ

стр. 711

وبَعُوضٍ، وبُرْغُوثٍ، وقُرَادٍ، وسُلَحْفَاةٍ، وسَبُعٍ صَائِلٍ. === فَوَاسِق (١) يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم: الغُرَابُ، والحِدَأةُ، والعَقْرَبُ، والفأْرَةُ، والكَلْبُ العَقُور». وفي لفظٍ لِمُسْلم: «الحَيَّةُ، والغُرابُ الأَبْقَعُ، والفأْرَةُ، والكلبُ العَقُور، والحُدَيّا ـ وهي تصغير الحِدَأَة ـ». وفيهما أَيضاً عن ابن عمرَ قال: قال رسولُ الله ﷺ «خَمْسٌ من الدَّواب ليس على محرم في قتلهن جناحٌ: العقرب، والفأْرة، والكلب العقور، والغراب، والحِدَأَة». وفي «سُنن أَبي داود» عن أَبي سعيدٍ الخُدْرِي: سُئِل رسولُ الله ﷺ عَمَّا يَقْتُلُه المُحْرِمُ، قال: «يقتل المحرم: الحية، والعقرب، والفويسقة، والكلب العقور، والحِدَأة، والسَّبُع العادي، ويَرْمي الغُرَابَ ولا يقتله». والمراد به غَيرُ الأَبقع: وهو الذي يأْكلُ الزَّرْعَ، وإِنَّما يرميه لِيَنْفِيهِ عن الزَّرْع. وقال الشافعيُّ وأَحمد والثوري: المرادُ بالكَلْبِ العَقُورِ: كُلُّ عَاقِرٍ، أَي جَارحٍ مُفْتَرسٍ غالباً، كالأَسد، والنَّمِر، والذئب، والفهد. (وبَعُوضٍ) أَي بَقَ، ومُفْرَدُه بَعوضةٌ (وبُرْغُوثٍ) بضمتين (وقُرَادٍ) (٢) بضم أوله لأَنها مؤذية بطبعها وليست بصيد ولا متولّدة من البَدَن، وكذا النملةُ، مؤذيةٌ أو لا، لا شيءَ في قَتْلِها إِلاَّ أَنَّ النمل الذي لا يؤذي لا يُقتل (وسُلَحْفَاةٍ) بضم ففتح فسكون: حيوانٌ معروف، وليس بصيدٍ لأَنه يُؤخذ مِنْ غير حيلةٍ، ولأَنها مِنْ الحشراتِ فأَشْبَهَت الخنافس والوَزَغات (وسَبُعٍ صَائِلٍ) أَي مستطيل، أَوْ وَاثِب مِنْ الصَّوْلة: وهي الحَمْلة. وقال زفر: يجب فيه القيمةُ، لأَن عِصْمَتَه لا تَزُول بصولته، ولهذا لو صال جَمَلٌ على رجل فقتله يجب فيه القيمةُ. ولنا ما روى الترمذي من حديث أَبي سعيدٍ الخُدْرِي: أَنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل ما يَقْتُلُ المُحْرم، فقال: «العَقْرب، والفُوَيْسِقة ـ وهي الفأْرة تصغير الفاسقة ـ، والغُراب، والكلب العَقُور، والحِدَأَة، والسَّبُع العادي». والفَرْق بين السَّبُع الصَّائِل، والجَمَل الصَّائل: أَنَّ السَّبُع الصائل أَذِنَ مَالِكهُ ـ وهو اللهُ تعالى ـ في قَتْلِهِ. والجملُ الصائِلُ لم يَأْذَنْ مَالِكُه ـ وهو العبد ـ في قتله. قال ابنُ الهُمَام: وطُولِب بالفَرْقِ بينه وبين العبدِ إِذا صال بالسَّيْفِ على إِنْسَانٍ فقتله المَصُولُ عليه لا يَضْمَنُه، مع أَنَّه لا إِذْن له أَيْضاً مِنْ مالكه. وأُجيبَ بأَنَّ العَبْدَ

стр. 712

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مضمونٌ في الأَصل حقّاً لِنَفْسِهِ بالآدميةِ لا للمولى، لأَنه مُكَلَّفٌ كسائرِ المُكَلَّفِين، أَلَا تَرَى أَنَّه لو ارتدَّ أَوْ قَتَل يُقْتَل. وإِذا كان ضمانُ نَفْسه في الأَصل له سَقَطَ بِمُبيح جاء مِنْ قِبَلِه ـ وهو المحاربة (١) ـ وماليةُ المولى فيه وإِنْ كانَتْ مَتَقَوِّمةً مضمونةً له، فهي تَبَعٌ بِضَمَانِ النَّفْس، فيسقط التَّبَعُ في ضِمْن سُقُوطِ الأَصْل. انتهى. وفي «مواهب الرحمن»: نُوجبُ نَحْنُ ومالك الجَزَاءَ بِقَتْل السِّباع في ظاهر الرواية، إِذْ كُلُّها صُيُودٌ. وعن أَبي يُوسُف أَنَّ الأَسَدَ كالكَلْبِ العَقُورِ، وكذا الذئب. وفي «البدائع» تَصْرِيحٌ بِحِلِّ قَتْل الأَسد، والفَهْد، والنَّمِر. أَقول: ويمكنُ الجمع بالحمل على العادي وغَيْرهِ. ولم يُوجِب الشافعيُّ في السِّباع مُطلقاً، لأَنَّ النبيَّ ﷺ إِنَّما استثنى الخَمْسَ، لأَن مِنْ طَبْعِها الأَذى، فَكُلُّ ما يكونُ من طبعه الأَذَى فهو بمنزلةِ الخَمْسِ مُسْتَثْنَى مِنْ نَصِّ التَّحْرِيم. فصار كأَنَّ الله تعالى قال: لا تَقْتُلوا غيرَ المؤذي من الصُّيودِ. وأُجِيب بأَنَّ ما سوى الخمس في معنى الإِيذاء دون الخَمْسِ، لأَنَّ الخَمْسَ مِنْ طَبْعها البدايةُ بالأَذَى، وما سواها لا يؤذي إِلاَّ أَنْ يُؤْذَى، فلم يكن في معنى المنصوص لِيُلْحَقَ به. ثُم لا يتجاوز جزاءُ غَيْرِ المأْكولِ شاةً، وأَوجبَ زُفَرُ قيمتَهُ ـ بالِغَةً مَا بَلَغَتْ ـ اعتباراً بمأْكولِ اللَّحم، فإِنَّ الواجِبَ لحقِّ اللهِ تعالى مُعتبرٌ بالواجبِ لِحَقِّ العباد، وهناك لا فرق بين مأْكول اللحم وغيره، فههنا لا فَرْقَ بينهما أَيضاً، فإِمَّا أَنْ يُقالَ تجِب القيمةُ ـ بَالِغةً ما بلغت ـ في الموضعين جَمِيعاً، أَوْ لا يُجَاوَزُ بالقيمة شاةٌ في المَوْضِعَين. وحُجتُنا في ذلك: أَنَّ فيما لا يُؤكل لحمه وجوبَ الجزاءِ باعتبارِ معنى الصَّيْدِيَّةِ فقط، لا باعتبار عَيْنِهِ فإِنَّه غَيْرُ مَأْكولٍ، وباعتبار معنى الصيديةِ يكونُ مُرْتَكِباً محظورَ إِحرامه، فلا يلزمه أَكْثر من شاة كسائر محظورات الإِحرام. وأَمَّا في مأْكولِ اللَّحم فوجوبُ الجزاءِ باعتبارِ عينه، لأَنه (مُفْسِدٌ) (٢) لِلَحْمهِ بَفْعَله فتجب قيمتُه بالِغَةً ما بَلَغَتْ، وكذلك في حقوق العباد، ووجوبُ الضَّمَانِ ليس باعتبارِ الملكِ بل العينُ، فَيُقَدَّرُ (بِقَدْر) (٣) قيمة العين، ثُم زيادة القيمة في الفهد والنَّمِر والأَسد لِمَعْنَى تفاخر الملوك بها، لا لِمَعْنىً في الصَّيْدِية، وذلك غيرُ مُعْتَبَرٍ في (حق) (٤)

стр. 713

ولَهُ ذَبْحُ الحيوانِ الأَهْلِي، وأَكْلُ ما صَادَه حَلَالٌ وذَبَحَهُ بِلا دَلَالَةِ مُحْرِمٍ وأَمْرِهِ. === المُحْرم، فلهذا لا يلزمه أَكْثر من شاةٍ إِنْ كان مُفْرداً بالحج أَوْ العُمرةِ، وإِنْ كان قَارِناً لا يجاوز ما وجب عليه شاتين. (ولَهُ ذَبْحُ الحيوانِ الأَهْلِي) إِجماعاً، وهو الشاة، والبقرة، والبعير، والدجاجة، والبط، والأَوز الذي يكون في المَسَاكِن والحِياضِ ولا يطير، لأَن ذلك ليس بصيدٍ لِعَدَمِ التَّوَحُّش. والحَمَام صَيْدٌ ولو كان مُستأْنساً أَوْ مُسَرْوَلاً (١) ، لأَنه متوحشٌ بأَصل الخِلْقَة، والاستئناس عَارض، فلم يُعتبر، كالبعيرِ إِذْ نَدَّ لا يأْخذُ حُكْمَ الصيدِ في حَقِّ الحُرْمةِ على المُحْرِم. ويجب الجزاءُ بِقَتْل خِنْزِيرٍ، وقِرْدٍ، وفيلٍ. ونفاه زُفَرُ، لأَنها مِمَّا يُمْسَك في البيوت فهي مُسْتَأْنِسة، فكانت في حُكْم الأَهْلي. ولنا أَنها مُستوحِشَةٌ بِطَبْعِها، مُمْتَنِعَةٌ بقوائمها وأَنْيابِها حسب طاقتها، فكانت صَيْداً فَتَنَاوَلتها الآيةُ، والاستئناسُ العارِض لا يُصَيِّرُها في حُكْم الأَهلي، كالظبي المستأْنس. (وأَكْلُ ما صَادَه حَلَالٌ وذَبَحَهُ) ـ بفتح الموحدة، عَطْفٌ على صَادَه ـ أَي وللمُحْرم أَنْ يأْكل ما فعل الحلال فيه مجموع الاصطياد والذبح. سواءٌ صاده لأَجل حَلَالٍ أَوْ لأَجل مُحْرِم، فلو صاده حَلَالٌ فذبح له مُحْرِمٌ أَوْ عَكْسه، فهو مَيْتَةٌ. وهذا الحكم إِذا صادَه حَلَالٌ (بِلا دَلَالَةِ مُحْرِمٍ وأَمْرِهِ) وقال مالك والشافعيُّ: إِذا صادَ حَلَالٌ صيداً لأَجل مُحْرِم، لا يَحِل للمُحْرم أَكْلُه، لما روى أَبو داود، والترمذي، والنَّسائي من حديث جابر بن عبد الله قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «صَيْدُ البَرِّ لكم حَلَال ما لم تَصِيدُوه أَوْ يُصَد لَكُمْ». والخطاب للمُحْرِمين، كذا ذكره الشارح. وقال ابن الهُمَام: الحديث على ما في «السنن الثلاثة» عن جابر: «لَحْمُ الصَّيْدِ حَلَالٌ (لَكُمْ) (٢) ما لم تَصِيدوه أَوْ يُصَادُ لَكُمْ»، هكذا بالأَلف في «يصاد». قلت: العَطْفُ بحسب المعنى، والتقدير: أَوْ ما لا يصادُ لكم. ولنا ما رَوَى مُسْلِمٌ من حديث معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان عن أَبيه قال: كُنَّا مع طَلْحَةَ بنِ عبيد الله، ونَحْن حُرُمٌ، فأُهْدِي إِليه طيرٌ، وطَلْحَة رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ أَكَل، ومِنَّا مَنْ تَوَرَّع، فَلَمَّا انْتَبَه أُخْبر، فَوَافَقَ مَنْ أَكَلَهُ وقال: أَكَلْناه مع رسولِ الله ﷺ لكن قَدْ يُقَال: إِنه ليس فيه نَصُّ على أَنَّ الصيدَ كان لأَجْلِ المُحْرِمين، فلا يَتِمُّ

стр. 714

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الاستدلال. وفي «المُوَطأ» من حديث هِشَام (١) بن عُرْوَةَ، عن أَبيه: أَنَّ الزُّبَيْرَ بن العَوَّام كان يَتَزَوَّدُ صَفِيفَ الظِّبَاءِ (٢) في الإِحْرَام. والصفيف ـ بمعجمتين بينهما مثناة من تحت ـ ما يصف مِنْ اللَّحْمِ على اللَّفْمِ (٣) لينشوي. وهو أَيضاً غَيْرُ تَمامٍ، إِذْ لا دلالةَ فيه على كون الاصطيادِ له وَقَع بَعْدَ إِحْرامه. قال ابن الهُمَام: وفي «مسند أَبي حنيفةَ»: عن هشام بن عروة (عن أَبيه (٤) )، عن جَدِّهِ الزُّبَيْرِ بن العوام قال: كُنَّا نَحْمِلُ الصَّيْدَ صَفِيفاً (٥) ، وكُنَّا (٦) نتزوَّدُهُ ونأْكلُه ونَحْنُ مُحْرِمُونَ مع رسولِ الله ﷺ واختصره مالك. وحاصله: نُقِل وقائِعُ أَحوالٍ فيه لا عموم لها، فيجوزُ كونُ ما كانوا يِحْمِلون مِنْ لُحُومِ الصَّيْدِ للتزوّد ومِمَّا لم يُصَد لأَجل المُحْرِمين، بل هو الظاهر، لأَنَّهم يَتَزَوَّدُون مِنْ الحضر ظاهراً، والإِحْرَام بعد الخروج من الميقات، فالأَوْلى بالاستدلال على أَصل المطلوبِ حديثُ أَبي قَتادَةَ على وجه المُعَارضةِ على ما في «الصحيحين»، فإِنَّهم لَمَّا سأَلوه ﷺ لَمْ يُجِب بحِلِّهِ لهم حتى سَأَلَهم عن موانعِ الحِلِّ، أَكانت موجودةً أَمْ لا؟ فقال ﷺ «أَمِنْكُم أَحَدٌ أَمَرَه أَنْ يَحْمِلَ عليها أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟» قالوا: لا، قال: «فَكُلوا إِذاً». فلو كانَ مِنَ الموانعِ أَنْ يُصَادَ لهم لَنُظِم في سِلْك ما يُسأَل عنه منها في التفحصِ عن الموانع، فيجب ما يحكم عند خلوه عنها. وهذا المعنى كالصريح في نفي كَوْنِ الاصطياد لهم مانِعاً، فَيُعَارِضُ حديثَ جَابِرٍ ويُقَدَّمُ عليه لِقُوَّةِ ثُبوتِه، إِذْ هو في «الصحيحين» وغيرهما من الكتب الستة بخلاف ذلك. انتهى. وأَجابَ الطحاوي عن حديث جابر: بأَنَّ معناه: أَوْ يُصَاد لكم بأَمْرِكم، توفيقاً بين الحديثين: فإِنَّ الغالب في عمل الإِنسان لغيره أَنْ يكون بطلبٍ منه، فليكن محمله هذا دَفْعاً للمعارضة، وبأَنَّ اللام للملك ، والمعنى أَنْ يصاد ويجعل له، فيكون تمليك عين الصيد من المُحْرِم وهو مُمْتَنِعٌ أَنْ يَتملكه، فيأْكل مِنْ لَحْمِه.

стр. 715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === هذا، وفي «آثَارِ محمد بن الحسن»: أَخبرنا أَبو حنيفة، عن محمد بن المُنْكَدر، عن عُثمانَ بن محمد، عن طَلْحَةَ بن عُبَيد الله قال: تَذَاكَرْنا لَحْم الصَّيْدِ يأْكُلُه المُحْرم والنبيُّ ﷺ نائِمٌ، فارتفعتْ أَصواتُنا فاستيقظَ رسولُ الله ﷺ فَقَال: «فَبِمَ تنازعون؟» قلنا: في لَحْمِ الصَّيْدِ يأْكُلُهُ المُحْرم، فأَمَرَنا بأْكْلِهِ. وفي «آثار الطحاوي» عن عُمَير بن سَلَمَةَ (الضَّمْري) (١) قال: بينما نحنُ نسيرُ مَعَ رسولِ الله ﷺ بِبَعْضِ أَفْنَاءِ الروحاء وهُو مُحْرِمٌ، إِذا حمارٌ مَعْقُورٌ فيه سَهْمٌ قد مات، فقال ﷺ «دَعُوه فيوشك صاحبُه أَنْ يأْتيه». فجاء رجلٌ من بَهْز ـ وهو الذي عَقَرَ الحمارَ ـ فقال: يا رسولَ الله، هذه رميتي فشأْنكم (٢) به، فأَمَرَ ﷺ أَبا بكرٍ أَنْ يَقْسِمَه بين الرِّفاقِ، وهم مُحْرِمُون. وفي «سُنن أَبي داود»: أَنَّ الحارثَ بنَ نوفل ـ وكان خليفةَ عثمانَ على الطائف ـ صَنَعَ لعثمانَ طعاماً فيه مِنْ: الحَجَلِ (٣) ، واليعاقيب (٤) ، ولحم الوحش، فَبَعَثَ إِلى عليَ فجاءه الرسول وهو يَخْبِطُ لأَباعرَ له، فجاءه وهو ينْفُضُ الخَبَط (٥) عن يديه، فقالوا له: كُلْ، فقال: أَطعموه قوماً حلالاً فأَنَا مُحْرِم، ثُم قال عليٌّ: أَنْشِد مَنْ كان ههنا مِنْ أَشْجَع: أَتعلمون أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَهْدَى إِليه رَجُلٌ حِمارَ وَحْشٍ وهو محرم فأَبَى أَنْ يَأْكلَه؟ قالوا: نعم. ورواه الطحاوي في «شرح الآثار» ولم يقل: أَنْشِد مَنْ كان ههنا … إلى آخره، وإِنَّما قال: فقال عليٌّ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ متاعاً لَكُمْ وللسَّيَّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكُم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُم حُرُماً﴾ (٦) . قال الطحاوي وقد خالف عَلِيَّاً في ذلك عُمرُ، وأَبو هريرة، وعائشةُ، وطلحةُ بن عُبَيْد الله. ثُم أَخرج عن عليّ بن المبارك (٧) : حدثنا يحيى بن أَبي سَلَمَة، عن أَبي هريرةَ:

стр. 716

ومَنْ دَخَلَ الحَرَمَ بِصيدٍ أَرْسَلَهُ، وَرُدَّ بَيْعُهُ إِنْ بَقِي، وإِلَّا جزى === أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الشام استفتاه في لَحْمِ الصَّيْدِ وهو مُحْرِم، فأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ، قال: فَلَقِيتُ عُمَرَ فأَخْبَرْتُه بِمَسْأَلة الرجل، فقال: بِمَ أَفْتَيتَهُ؟ قلت: بأَكْلِهِ، قال: والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لو أَفْتَيْتَه بغيرِ ذلك لَعَلَوتُك بالدِّرَّةِ (١) ، إِنَّما نُهِيتَ أَنْ تَصْطَادَه. وأَخرج عبد الله بن شماس عن عائشةَ قالت ـ في لَحْمِ الصَّيْدِ يَصِيدُه الحَلالُ ثُمَّ يُهْدِيه للمُحْرِم ـ: ما أَرَى به بَأْساً. قال: وأَمَّا الآيةُ فمعناها: وحُرِّمَ عليكم قَتْلُ صَيْد البَرِّ، بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الذينَ آمَنُوا لا تَقْتُلوا الصَّيْدَ وأَنْتُم حُرُمٌ﴾ (٢) ولم يقل: لا تأْكلوا. انتهى. وقد قدر المضاف، والأَظهر أَنَّ الصيد في الآيةِ الأُولى بمعنى الاصطياد، وفي الثانية بمعنى الصيد، لتفيد الآيتانِ الحُكْمَينِ المُحَرَّمَيْنِ على المُحْرِمين، وهما الاصطياد وقَتْل الصيد، فإِنَّهما مُتَغَايرَان. وأَكْل المُحْرم المضطر ميتة أَوْلى مِنْ أَكْل الصَّيْد يصيدُه، هو عند أَبي حنيفة، وهو روايةٌ عن أَبي يوسف، وفي أُخْرى: بِعَكْسه (٣) ، ويلزمه الجزاءُ. وقال زُفر: يتناول من الميتة لا غَيْرُ. (ومَنْ دَخَلَ الحَرَمَ بِصَيْدٍ أَرْسَلَهُ) فيه، لأَنه بدخولِ الحَرَم صار مِنْ صَيْدِهِ، فلا يجوزُ التعرّضُ (له) (٤) كما إِذا دخل بنفسه. وفي المسأَلة خلاف مالك والشافعي: فلو أَدخل الحَجَل واليعاقِيب الحرمَ أَحياءً، يَثْبُتُ الأَمنُ فيها، فلا يَحِلُّ تَنَاولُ شيءٍ منها، وهو مَرْوِيٌّ عن عائشةَ، وابن عمر، والحسين بن علي. فلو ذَبَحها قَبْل أَنْ يُدْخِلَها الحَرَمَ، فلا بأْس بِتَنَاولها في الحَرَم، لأَنه إِنَّما أَدْخَلَ اللَّحْمَ في الحَرَم، واللَّحْمُ ليس بِصَيدٍ، وأَكْلُ القاتل المحرم من الصيد بعد أَداء الجزاء، يوجب قيمة ما أكل عند أَبي حنيفة، ونفيا وجوبها، لأَن صيدَ الحَرَمِ كالميتة، وتناولها لا يُوجِب إِلاَّ الاستغفارَ، وصار كأَكْله قبل أَداءِ الجزاء، وكغير القاتِل في عدَم لزومِه بالأَكل منه مُحْرِماً كان أَوْ حلالاً، وكأَكْل حَلالٍ صَيدَ الحَرَم في عدم لزومه بالأَكْلِ منه. (وَرُدَّ بَيْعُهُ) أَي بيع الحلال صيداً أَدخله في الحرم (إِنْ بَقِي) الصيدُ في يدِ المُشتري، سواء بيع في الحَرم أَوْ الحِلِّ بعد ما أَدخله في الحرم (وإِلاَّ) أَي وإِنْ لم يبق الصيد (جزى) البائع، لأَن البيع فاسِدٌ لاشتماله على التعرض للصيد، فيجب رَدُّهُ

стр. 717

كَبَيْعِ المُحْرِم صَيْداً، لا صَيْداً مَعَهُ إِذَا أَحْرَمَ. ومَنْ أَرْسَل صَيْداً في يَدِ مُحْرِمٍ إِنْ أَخَذَهُ حَلَالاً ضَمِنَ، === وإِرْسَالُ الصيدِ إِنْ كان باقياً، وقيمته إِنْ كان فانياً (كَبَيْعِ المُحْرِم صَيْداً) من مُحْرِمٍ أَوْ حَلالٍ، حيثُ يُردُّ البيعُ إِنْ كان الصيدُ قائماً، وتلزمُهُ القيمةُ إِنْ كان فَانياً، لأَنَّ البيع فاسِدٌ لاشتماله على تَعَرُّضِ المُحْرمِ للصَّيْد. (لا صَيْداً) أَي لا يُرْسِل المُحْرم صيداً (مَعَهُ، إِذَا أَحْرَمَ) وهذا إِذا كان الصيد في قفصه أَوْ رَحْله، أَما إِذا كان في يده فإِنه يرسله اتفاقاً، لأَنَّ الواجب عليه تَرْكُ التعرضُ له، وليس في تَرْكِهِ في القفص تعرضٌ له. غايةُ الأَمر أَنه على مِلْكهِ ولا معتبرَ ببقاءِ الملك، بل ولا يزولُ مِلْكه بالإِرسال، حتى لو أَرسله وأَخَذه إِنسانٌ يستردُّه إِذا تحلَّل مِنْ إِحرامه. وقيل: إِذا كان القفص في يده لزمه إِرسالهُ، لكن على وجهٍ لا يضيع مِلْكه: بأَن يخليه في بيتِه، وإِنْ لم يرسلْه حتى مات في يده لزمه جزاؤه. ورَوى ابن أَبي شيبةَ في «مُصَنّفه» عن أَبي بكر بن عَيَّاش، عن يزيد بن أَبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: كنَّا نحجُّ ونَتْركُ عند أَهلِنا شيئاً مِنْ الصيد ما نُرْسِلُها. ورُوي أَيضاً عن عبد السلام بن حَرْب، عن لَيْث، عن مجاهد: أَنَّ عَلِيَّاً رأَى مع بعضِ أَصحابهِ داجِناً مِنْ الصيد وهم محرمون، فلم يَأْمُرْهم بإِرساله. والدَّاجِن ـ بكسر الجيم ـ: الشاة التي يَعْلِفها الناس في منازلهم. وقال الشافعي: بِلزوم إِرْساله، لأَنه متعرضٌ للصيد بإِمساكه في مِلْكِه، وذا حَرُمَ بسبب الإِحْرام، فيلزمه إِرْساله كما كان في يده. ولنا ما قدَّمنا، وأَنَّ ذلك جرت به العادة الغاشية مِنْ لدن الصحابة. ومن بعدهم إِلى الآن، يُحْرمون وفي بيوتهم حَمَامٌ في أَبراج، وعندهم دواجنُ وطيورٌ لا يطلقونها، وهي مِنْ إِحدى الحُجج، فدلتْ على أَنَّ استبقاءها في المِلْك محفوظة بغيرِ اليد ليس هو التعرض المُمْتَنِع. ولم يَأْمُرْهُ (١) مالك بإِرساله مِنْ يده أَيضاً، كما لو كان في بيته وقفصه. (ومَنْ أَرْسَل صَيْداً) كائناً (في يَدِ مُحْرِمٍ) ففيه تفصيل: (إِنْ أَخَذَهُ) أَي صاده ذلك المُحْرم حال كونه (حَلَالاً ضَمِنَ) مُرْسِلُه عند أَبي حنيفة كالمُرسل من قفصه وهو القياس، ونَفَيا الضمانَ عنه كالصيدِ بعد الإِحرام وهو استحسانٌ، لأَنه محسن بأَمْرِه بالمعروف، ﴿ومَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل﴾ (٢) وهذا نظيرُ اختلافِهم فيمن أَتلف

стр. 718

وإِنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدَ مُحْرِمٍ ورَجَعَ آخِذُهُ عَلَى قَاتِلِهِ وَمَا بِهِ دَمٌ عَلَى المُفْرِد فَعَلَى القَارِنِ دَمَانِ إِلَّا بِجِوَازِ الوَقْتِ غَيْرَ مُحْرِم بهما === معازفَ غيره مِنْ الملاهي: كالمِزْمار والبَرْبَط (١) ، فعنده يَضْمن قيمته لغير لَهْوٍ، وعندهما لا يضمن. فلهما أَنه يجب عليه إِرساله، فإِذا فعله غيره حسبةً لم يضمن، لأَنه أَمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، كمَنْ أَراق خَمْرَ مسلمٍ. وله أَنه أَتلف مِلْكَه بإِرساله فيضمنه، وهذا لأَن الصيد قبل إِحرامه كان مِلْكاً له متقوماً، ولم يبطل تَقَوُّمُه بإِحرامه، حتى لو أُرسل، ثُم وجده بعد الإِحرام في يد شخصٍ كان له أن يأْخذه منه، فالمرسِل أَتلف عليه مِلكاً متقوِّماً له فيضمنه، بخلاف إِراقة الخَمْر لأَنه ليس بمتقومٍ، والواجب عليه رَفْع يده، ولو رفَعه بنفسه لرفَعَه على وجهٍ لا يفوت مِلْكه بعد ما يحِل مِنْ إِحرامه، فإِذا فَوَّت المُرْسل مِلْكه فقد زاد عليه ما بِحقِّه فيضمنه. وقيد: «بأَنه أَخذه حال كونه حَلَالاً» لأَنه لو أَخَذَه حال كونه مُحْرِماً لا يضمن مرسِلُه باتفاقٍ، لأَن المُحْرِم لا يملكه. (وإِنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدَ مُحْرِمٍ) فكلٌ يجزي، لأَن الآخذ متعرّضٌ للصيد بأَخْذه، والقاتلَ متعرّضٌ له بِقَتْله (ورَجَعَ آخِذُهُ) بما ضَمِنَ إِذا كَفَّر بالمال (عَلَى قَاتِلِهِ) وإِنْ كَفَّر بالصوم فلا. وقال زُفَر: لا يرجع، لأَنه في مقابلة صُنْعِه. ولنا أَنَّ القاتل قرر بِقَتْله ما كان على شرف الزوال، لأَن الآخذ كان متمكناً مِنْ الإِرسال فيضمن، كشُهودِ الطلاقِ قبل الدخول إِذا رجعوا، حيثُ يرجِع الزوج بما ضَمِنه مِنْ نصفِ المَهْر عليهم. (وَمَا بِهِ دَمٌ) واحِدٌ (عَلَى المُفْرِدِ) بالحج أَوْ العمرة (فَعَلَى القَارِنِ دَمَانِ) دمٌ لحجته، ودَمٌ لعمرته، لأَنه متلبّسٌ بإِحرامين وقد جنى عليهما، وكذا ما يقومُ مقَامَ الدَّم من الصدقةِ والصوم (إِلاَّ بِجِوَازِ الوَقْتِ) ـ بكسر الجيم ـ أَي بمجاوزة الميقات المكاني (غَيْرَ مُحْرِم بهما) فإِنَّ القارن يلزمه دَمٌ واحدٌ عندنا، لأَن المستحق عليه عند الميقات إِحرامٌ واحدٌ، وقد فوّته. ولهذا لو أَحْرَمَ مِنْ الميقات بالعمرةِ ثُم أَحرم داخلَ الميقاتِ بالحج لا يجِب عليه شيءٌ، لكن لو أَحرم بالحج مِنْ الحلِّ وبالعُمرة من الحرم أَوْ بهما مِنْ الحرَم، فعليه دَمَانِ. وهذا كُلُّه إِذا مضى على إِحرامه ذلك ولم يعد، أَما إِذا عاد إِلى الميقاتِ قبل الطوافِ وجدَّد التلبية والإِحرام، سقَط عنه الدَّم خلافاً لزُفر. وكذا بِقَطْع شجر الحرَم، وترْك الوقوفِ بمُزْدَلِفَةَ، والإِفاضة قبل الإِمام من عرفةَ، والحلْق قَبْل الرَّمي، والحلْق قبل الذَّبْح، وتأْخير الحلق عن أَيَّام النَّحْر،

стр. 719

ويُثَنَّى جزاء صَيْدٍ قَتَلَهُ مُحْرِمانِ. واتَّحَدَ لَوْ قَتَلَ صَيْدَ الحَرَمِ حَلَالَانِ. بَاعَ المُحْرِمُ صَيْدًا أَو شَرَاهُ، بَطَل، ولَوْ ذَبَحَهُ حَرُمَ، ولَوْ أَكَلَ، غُرِّمَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ لا مُحْرِمٌ لَمْ يَذْبَح. === وتأْخير الذَّبْح عنها، وترك الجمار، وترْك أَحد السَّعْيَيْن، وتَرْك طواف الصَّدَر، عليه دَمٌ واحِدٌ في جميع هذه الصُّور، لأَنها لا تتعلّق بإِحْرامَيْهِ (١) . وكذا لو نذَر حجّةً أَوْ عُمرةً ماشِياً فَقَرَن وركِب فعليه دَمٌ واحِدٌ. وكذا لو طافَ للزيارةِ جُنُباً أَوْ على غيرِ وضوء أَوْ للعُمرةِ كذلك، فعليه جزاء واحِدٌ، وإِنْ طافَ لَهُما كذلك، فعليه جَزَاآنِ. (ويُثَنَّى جزاء صَيْدٍ قَتَلَهُ مُحْرِمانِ) لأَنَّ كلَّ واحِدٍ منهما جَنَى على الصيدِ جنايةً تَفُوقُ الدلالةَ، وهو أَعَمُّ مِنْ أَنْ يكونَ صيدَ الحرَم أَوْ الحِلِّ. ولو كانوا عَشرَةً فعلى كل واحدٍ منهم جزاء كامِلٌ. (واتَّحَدَ) الجزاءُ (لَوْ قَتَلَ صَيْدَ الحَرَمِ حَلَالَانِ) لأَن الواجب فيه بَدَل المحل لا جزاء الفِعْل، ولهذا لا يتأَدَّى بالصوم. فلا يتعدّدُ الجزاء إِلاَّ بتعدّدِ المحلِّ، ولا تعدُّد هنا. ولو قتل مُحْرِمٌ صيوداً على قَصْد التحلل. بالأَوَّل يكفيه جزاءٌ واحِدٌ عندنا، وأَلْزمه مالِكٌ والشافعيُّ عن كُلِّ صيدٍ جزاءً. (بَاعَ المُحْرِمُ صَيْداً أَوْ شَرَاهُ بَطَل) لأَن في بيعه وشرائه تعرّضاً له، ولأَن المُحْرم لا يملك الصيدَ لا بالشراءِ، ولا بالهبةِ، ولا بالإِرْث، ولا بالوصية، فإِنْ قبضَه بعد الشراء دخَل في ضمانه، فإِنْ هلَك في يده لزِمه الجزاءُ لِحقِّ الله تعالى، والقيمةُ لمَالِكِه. وكذا لو وهَب مُحْرمٌ صيداً مِنْ محرمٍ فهلَك عنده، فعليه جزاآن، لحقِّ اللهِ، وضمانٌ لصاحبه، لفسادِ الهبةِ. ولو ردَّه المشتري على البائعِ فعليه جزاءٌ واحِدٌ حقّاً لِلّهِ تعالى، لتعديته بالتسليم. (ولَوْ ذَبَحَهُ) أَي المُحْرِم الصَيْدَ (حَرُمَ) على الذابح وعلى غَيْرِهِ، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُم حُرُماً﴾ (٢) كذا عَلَّله الشارح، والأَظْهر أَنه لِكَوْنِهِ كالميتةِ أَوْ كذَبْح المجوسي، وكذا ما ذبَحَه الحَلالُ مِنْ صيد الحَرَم. (ولَوْ أَكَلَ) المُحْرِم الذابح من الصيد (غُرِّمَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ) عند أَبي حنيفة. وقالا: لا شيء عليه إِلاَّ الاستغفار. وهذا الخلاف إِذا أَكل بعد الجزاء، وأَما إِذا أَكل قَبْلَه فيدخل قيمة ما أَكل في الجزاء اتفاقاً (لا مُحْرِمٌ) أَي لا يُغَرَّم قيمةَ ما أَكل مِنْ لحم الصيد مُحْرِمٌ (لَمْ يَذْبَح) باتفاقهم. ولو اضطر مُحْرم إِلى أَكْل الميتة فقتل

стр. 720

ولدت ظبية أُخْرِجَت من الحرم وماتا غُرِّمَهُمَا، وإِنْ أَدَّى جَزَاءَها ثُمَّ وَلَدَتْ لَمْ يُجِزه. === صيداً، فعليه الجزاء، لأن الإذن للمضطر بحلق الرأس مقيد بالكفارة، فكذا هذا. ولو اضطر المحرم إلى أكل الميتة (وَقَتْل الصيد، يأْكل الميتة ولا) (١) يقتل الصيد. ولو وجد المُحْرم المضطر صيداً ومالَ مسلم، يأْكل الصَّيْد، لأَن حُرْمَته لِحَقِّ اللهِ تعالى وَحْدَه. (ولدت ظبية أُخْرِجَت من الحرم) ولم يُؤْدَّ جزاؤها (وماتا) أَي الظبية وَوَلَدُها في الحِلِّ، وكذا إِنْ لم يعلم عودهما إِلى الحرم (غُرَّمَهُمَا) المخرج، سواءٌ كان حَلالاً أَوْ حَرَاماً، لأَنَّ الصيدَ بعد الإِخراج مِنْ الحرم مستحقُّ الرَّدِّ إِلى مأْمنه، وهو الحرم، فسرى إِلى الولد كالرِّقِّ والحرية. (وإِنْ أَدَّى جَزَاءَها) أَي أَعطى جزاء الظبية (ثُمَّ وَلَدَتْ) ثُم مات (لَمْ يجزه) أَي لم يُعْطَ جزاءَ ولدها، لأَنه صيد حَلَّ لانعدام أَثر الإِخراج في الظبية بالتكفير عنها، حتى لو أَنْشَأَ القتل لم يَضْمن، ولو باعها بعد ما أَخرجها من الحرَم جاز، لأَنها مملوكةٌ له، ووجوبُ الإِرسال لا يُنافي الملك كما لو أَخذها وأَدْخَلها الحرَم، إِلاَّ أَنَّه يُكْره، لأَن ابتداء الفِعْل وقع معصيةً، وكذا لو ذَبَحها يَحِل أَكْلُها لأَنها في الحِلِّ. ويجوز صيد المدينة المشرَّفة عندنا، ونفاه مالك والشافعي. لهما قوله ﷺ «إِنَّ إِبراهيم ﵇ حَرَّم مكةَ، وأَنا أُحَرِّم ما بينَ لَابَتَيْهَا» يعني المدينة، وقال: «مَنْ رأَيتُموه يصطادُ في المدينة فخذوا ثيابه». وحجتنا في ذلك ما رُوي في «الشمائل»: أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَعطى بعضَ الصبيانِ في المدينة طائراً، فَطَارَ مِنْ يدهِ فجعل يَتَأَسَّف في ذلك، ورسولُ اللهِ ﷺ يقول: «يا أَبا عُمَير ما فعل النُّغَيْر ـ اسم طائر ـ». وقد بسطتُ الكلام على هذا المرام في «المِرْقاة شرح المشكاة». ثُم علماؤنا والشافعيُّ فَضَّلوا مكةَ على المدينة، ومالك عَكَس القضيةَ لقوله ﷺ «اللَّهُم بَارِك لنا في ثمرِنا، (وبارِك لنا في مَدِينَتِنا) (٢) ، وبارِك لنا في صاعِنَا، وبارِك لنا في مُدِّنا. اللهمّ إِنَّ إِبراهيم عَبْدُكَ، وخليلُك، ونَبِيُّك، وإِني عبدُك ونبيُّك، وإِنَّه دَعَاك لِمكَّةَ، وأَنَا أَدْعُوك للمدينَةِ بِمِثْلِ ما دَعَاك لمَكَّةَ، ومِثْلِهِ معه». رواه مسلم. ولنا حديثُ عبد الله بن عَدِيِّ بن الحَمْرَاءِ قال: رأَيتُ رسولَ الله ﷺ على الحَزْوَرَةِ (٣) ، فقال: «والله إِنَّكِ لخَيْرُ أَرضِ اللهِ، وأَحبُّ أَرْضِ اللهِ إِلى اللَّهِ،

стр. 721

فَصْلٌ في الإحْصَارِ إنْ أُحْصِرَ المُحْرِمُ بِعَدُوٍّ، أوْ مَرَضٍ، === ولولا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ ما خَرَجْتُ». رَوَاهُ الترمذي وابن ماجه. وحديث ابن عباس قال: قال رسولُ الله ﷺ لِمكَّة: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بلدٍ، وأَحَبَّكِ إِليَّ، ولولا أَنَّ قومي أَخْرَجُوني مِنْكِ ما سَكَنْتُ غَيْرَكِ». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب إِسناداً. وأَمَّا دعاءُ النبيِّ ﷺ بِمِثْلِ دعاءِ إِبراهيم ﵊ فإِنَّما كان في الرِّزْقِ مِنْ الثمراتِ، ولا ريب في أَكثريةِ ثمراتِ المدينة، وليس هذا بسبب لأَفضليتها. فصلٌ (في الإِحصار) وهو لغةً: المَنْعُ مطلقاً. وشرعاً: مَنْعٌ أَوْ عُذْرٌ شرعي عنِ الوقوف والطواف معاً في الحج، وعن الطواف لا غَيْرُ في العمرة. (إِنْ أُحْصِرَ المُحْرِمُ بِعَدُوَ) مسلمٍ أَوْ كافرٍ (أَوْ مَرَضٍ) أَوْ سَبُع، أَوْ حَبْس ـ ولو من غَيْرِ سلطان ـ أَوْ كَسْرٍ، أَوْ بموتِ مُحرمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ بِعِدَّةِ طلاقٍ، أَوْ هلاكِ نفقةٍ، أَوْ راحلةٍ وعَجْزٍ عَنْ مشيٍ، أَوْ ضلالةِ الطريقِ، أَوْ مَنْع زَوْجٍ في حجِّ النَّفْلِ إِنْ أَحْرَمَتْ بغيرِ إِذْنه. وقال مالك والشافعي: لا إِحْصار إِلاَّ بالعدو، لأَن آية الإِحصارِ هي قوله تعالى: ﴿فإِنْ أُحْضِرْتُم فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي﴾ (١) نَزَلَتْ في حقِّ النبيِّ ﷺ وأَصْحَابه وكانوا محصورين بالعَدو (بِدَليل) (٢) قوله: ﴿فإِذَا أَمِنْتُم﴾ (٣) . وفي «الموطأ» عن عبد الله بن عمر أَنَّه قال: مَنْ حُبس دونَ البيتِ بِمَرَض فإِنه لا يَحِل حتى يطوفَ بالبيتِ وبين الصفا والمروة. ولنا أَنْ الإِحصار إِنَّما يقال لغةً في المرض خاصَّاً كما قال بعضهم، أَوْ فيه وفي غيرهِ عامَّاً. والأَول ليس بالإِجماع، فتعينَ الثاني. والعبرةُ لعموم اللفظِ لا لخصوص السبب. وإِن الحَجَّاج بن عمرو الأَنصاري يقول: قال رسولُ الله ﷺ «مَنْ كُسِر أَوْ جُرِح فقد حَلَّ وعليه الحجُّ مِنْ قَابِل». قال عِكْرمةُ: فسأَلتُ ابنَ عباس وأَبا هريرة عن ذلك فقالا: صَدَق. رواه أَصحاب السُّنَن والدَّارمِي، وقال الترمذي: حديث حسن، وزاد

стр. 722

بَعَثَ المُفْرِدُ دَمًا، والقَارِنُ دَمَيْنِ. وعَيَّنَ يَوْمًا يُذْبَحُ فِيهِ، ولَوْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ === في رواية لأَبي داود: أَوْ مرض. وروى الطحاوي من حديث عبد الرحمن بن يزيد قال: أَهَلَّ رَجُلٌ بعمرةٍ يُقال له: عُمَير بن سعيد فَلُدِغ، فبينا هو صريعٌ في الطريق إِذْ طلع عليه رَكْبٌ فيهم ابن مسعود فسأَلوه، فقال: ابعثوا بالهدي، واجعلوا بينكم وبينه يومَ أَمار ـ بفتح الهمزة، أَي وقته ـ فإِذا كان ذلك فليحلل، ثُم عليه عمرة بعد ذلك. وبه عن إِبراهيم، عن علقمة قال: لُدِغ صاحبٌ لنا وهو مُحْرِمٌ بعمرةٍ فذكرناه لابن مسعود فقال: يبعث (بِهَدْي) ويواعد أَصحابَه موعداً، فإِذا نُحِرَ عنه (حَلَّ) (١) . وفي الصحيحين عن عائشةَ: دخلَ النبيُّ ﷺ على ضُباعة بنت الزُّبَيْر فقال لها: لعلك أَردت الحجَّ فقالت: والله ما (أَجِدُنِي) (٢) إِلاَّ وَجعة، فقال لها: حُجِّي واشترطي وقولي: اللهم: مَحِلِّي (حيث) (٣) حَبَسْتَنِي. وفي البخاري: قال عطاء: الإِحْصار مِنْ كلِّ شيء يحبسه. (بَعَثَ المُفْرِدُ) بالحج أَوْ العمرة (دَماً) أَوْ قيمته ليُشْتَرى به ويُذْبح. وأَدْنَى ما يُجزاء فيه شاة كالأُضحية لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ (٤) ، ولو بعث دمين يَحِلُّ بأَولهما، والثاني تَطَوُّعٌ (والقَارِنُ دَمَيْنِ) لأَنه مُحْرِمٌ بالحج والعمرة، فلا يتحلل إِلاَّ بعد الذبح عنهما. ولو لم يبين أَيهما للحج وأَيهما بالعمرة لم يضره. (وعَيَّنَ يَوْماً يُذْبَحُ فِيهِ) لأَنَّ التَّحَلُّلَ موقوفٌ على الذبح لقوله تعالى: ﴿ولَا تَحْلِقُوا رُؤوسَكُم حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٥) أَي حتى يذبح في الحرم، فلا بدّ مِنْ عِلْم زمانه حتى يقع التحلل بعد، حتى لو ظنَّ المُحْصرُ أَنَّ الهدي قد ذبح في الوقت الذي عَيَّنه ففعل شيئاً من محظوراتِ الإِحرام، ثُم ظهر عدمُ الذبح إِذْ ذاك، لزِمه مُوجَب الجناية، وكذا لو ذبح في الحِلِّ على ظنِّ أَنه الحَرَم. (ولَوْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ)، وقالا: لا يجوز ذَبْحُ دم الإِحصار بالحج إِلاَّ في يوم (من أَيَّام) (٦) النحر، وهو قول مالك لأَنه دمُ تحلل عن الحج، فصار كالحَلْق فيه. ولأَبي

стр. 723

وفي حِلٍّ لا، ويذبْحِهِ يَحِلُّ === حنيفة قوله تعالى: ﴿فإِنْ أُحْصِرْتُم فَمَا اسْتَيْسَر مِنَ الهَدْي﴾ وهو مطلقٌ في الزمان، ولأَنه دمُ كفارةٍ للتحلل قبل أَوَانِهِ كدم الإِحْصَار بالعُمرة، ولهذا لا يُباح التناول منه، ودمُ الكفَّارة لا يختص بالزَّمان. (وفي حِلَ لَا) أَي ولو ذُبح دمُ الإِحصار في أَرض الحِلِّ لا يُجزاء، لقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُؤوسَكم حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَه﴾، والمراد به الحرَم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ (١) ، ولما قدّمنا عن ابن مسعود في الملدوغ: يَبْعَثُ بِهَدْي ويواعِدُ أَصْحَابَه موعِداً. وقال مالك والشافعي: محله حيث يَحِل ذبْحُه، وهو مكانٌ أُحْصِر فيه، لحديث ابن عمرَ: أَنَّ رسولَ الله ﷺ خرَج مُعتمِراً فحال كفَّار قريش بينه وبين البيت، فنَحَر هَدْيَه وحَلَقَ رأْسَه بالحديبية، وقَاضَاهم ـ أَي صالحهم ـ على أَنْ يعتمرَه العام القابل ولا يحملَ سِلاحاً ولا يقيمَ فيها إِلاَّ ما أَحَبُّوا، فاعتمرَ العام المقبل (فَدَخَلَها) كما كان صالحهم، فلمَّا أَقام بها ثلاثاً أَمَرُوه أَنْ يخرجَ، فخرَجَ. رواه البخاري في الشهادات. وأُجِيبَ بأَنَّ الحديبية (نِصْفُها مِنْ الحرم) (٢) ونصفها من الحل، ومضارب (٣) رسولُ الله ﷺ كانت في الحل، ومُصَلاَّه في الحرم، وإِنما سبق ببعث الهدايا إِلى جانب الحرَمِ منها ونُحِرت في الحرم. وقد قال الوَاقِدي: الحديبيةُ طَرَفٌ للحَرَمِ على تسعةِ أَميال مِنْ البيتِ. وعن الزُّهْري أَنه ﷺ نَحَرَ هَدْيَه بالحَرَم. والله سبحانه أَعلم. (وبِذَبْحِهِ) أَي بِذبْح الذي به بَعَثَ المُحْصَر (يَحِلُّ) أَي يَحِلُّ له أَنْ يَحِلَّ من إِحرامه بِفِعْل أَدنى ما يَحْظُرُه الإِحرام، (إِذْ لا يخرج مِنَ الإِحرام) (٤) بمجردِ الذَّبْح، إِلاَّ أَنه لا حلْق عليه ولا تقصير، وإِنْ حلَق فحسنٌ، وهذا عند أَبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: عليه الحَلْق، وإِنْ لم يحلِق فلا شيءَ عليه، لأَنَّ النبيَّ ﷺ وأَصحابه أُحْصِرُوا بالحديبيةِ فأَمَرَهم بعد بلوغِ الهدَايا مَحِلَّها أَنْ يحلِقوا وحلَق ﷺ ولحديث (٥) المِسْوَر ومروان: أَنه ﷺ قال لأَصْحَابِهِ: «قُوموا فانْحَرُوا ثُم احْلِقُوا … » إِلى أَنْ قال: فخرجَ فنحرَ

стр. 724

وعَلَيْهِ إِنْ حَلَّ مِنْ حَجَّ حَجٌّ وعُمْرَةٌ، === بدَنَةً (١) ودعا حلاَّقاً فحلَقه، فلما رَأَوا ذلك قاموا فَنَحَروا وجعل بعضُهم يحلِق بعضاً، (حتى كاد بعضُهم يقتلُ بعضاً غماً … الحديث) (٢) . ولهما أَنَّ الحَلْق عُرِفَ قُربةً إِذا كان مرتباً على أَفعالِ النُّسُكِ، ولم يُوجد أَفعالهُ ههنا، وأَمْرُه ﷺ بالحَلْقِ ليعرِفَ المشركون عَزْمهم على الانصراف، فلا يشتغلون بأَمْرِ الحرب، ويحصُل الأَمْن من كَيْد المشركين. فإِنْ قيل: كيفَ يَقُولانِ بِجَوازِ التحلُّلِ للمُحْصَر قبل الحلْق مع صريحِ النهيِّ بقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُؤوسكُم حَتَى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه﴾ (٣) ، والآية نَزَلَتْ في حَقِّ المُحْصَر، وحيثُ كان مَنْهِياً عن الحلقِ قبل الغايةِ كان مَأْمُوراً به بعدَها، لأَنَّ حُكْمَ ما بعدَها يخالفُ حُكْمَ ما قبلَها؟ أُجِيبَ بأَنَّ اللهَ نَهَى المُحْصَر عنه حتى يبلغَ الهديُ مَحِلَّه بهذه الآية، فذاك دليل الإِباحة بعد بلوغه مَحِلَّه لا دليل الوجوب كما في سائر المحظورات، مع أَنْ الحلْق واجب عليه للإِحلال، والدَّمُ أُقِيم مُقَامه فيُستغنى به عنه، وفِعْلُه ﷺ وأَمْرُه بالحلْق إِنما كان لأَنهم كانوا يمتنعونَ عن التحلل طمعاً في دخول مكة (يَرَوْنَ) (٤) التحلل بالحلْق، فقطع بالأَمْرِ به أَطماعَهم، تسليماً لأَمْر اللَّهِ، وانقياداً لِحُكْمه، حتى جاء الله بالنَّصر والفتح. هذا، ولا نرى نحنُ الصومَ للمُحْصَر بدلَ دم الإِحصار مجزياً، خلافاً لأَبي يوسف في روايةٍ، وهو أَظْهر أَقوال الشافعيُّ، فيقوَّم الدَّمُ ويتصدق به، وعند عَجْزهِ يصومُ عن كل صاعٍ يوماً ويتحلَّلُ به بمنزلةِ الهَدْي في جزاءِ الصيد، وهذا قول عطَاء. وفي «أَمالي أَبي يوسف»: هذا أَحَبُّ إِلي. وفي قولٍ للشافعي: إِذا عجزَ عن الهَدْي يصومُ مكانَه عشرةَ أَيَّام، عل قياسِ هَدْي المتعة. قلنا: هذا كلُّه قياسُ المنصوصِ على المنصوصِ، وإِنه لا يجوزُ، بل المَرْجِعُ في كُلِّ موضعٍ إِلى ما وقع التنصيص عليه، ولا يجوز العدول عنه إِلى غيره. (و) يجب (عَلَيْهِ) أَي على المُحْصَر (إِنْ حَلَّ مِنْ حَجَ حَجٌّ) لِلُزُومه بالشروع (وعُمْرَةٌ) لأَنه في معنى فائتِ الحَجِّ، فإِذا لم يأْت بها قضاها، وهو قول ابن مسعود

стр. 725

ومِنْ عُمْرَةٍ عُمْرَةٌ، ومِنْ قِرَانٍ حَجٌّ وعُمْرَتَانِ. وإِذا زَالَ إِحْصَارُهُ وأَمْكَنَهُ إِدْرَاكَ الهَدْي والحَجِّ، تَوَجَّهَ، وِإلَّا فَلَهُ أَنْ يَحِلَّ. ومَنْعُهُ عَنْ رُكْنَي الحَجِّ بِمَكَّةَ إِحْصَارٌ، وعَنْ أَحدِهِمَا لا. === وابن عمر وابن عباس، وهذا إِذا لم يقض الحج (مِنْ عامه ذلك، وأَمَّا إِذا قضاه فيه، فلا تجب عليه العمرةُ، لأَنه حينئذ لا يكون بمنزلة فائت الحجِّ) (١) . (و) إِنْ حَلَّ (مِنْ عُمْرَةٍ) فعليه (عُمْرَةٌ) لقضاءِ رسولِ الله ﷺ وأَصْحَابِه عمرةَ الحديبيةِ التي أُحْصِرُوا فيها، وكانت تُسمى عُمْرَةَ القضاء. وقال مالك والشافعي: لا يلزمه القضاء، لأَنه ﷺ تَحَلَّل بالحديبيةِ، ولم يأْمر بالقضاء. (و) إِنْ حَلَّ (مِنْ قِرَانٍ) فعليه (حَجٌّ وعُمْرَتَانِ) لأَنه صَحَّ شروعُه في الحج والعمرة، فيلزمه بالتحلل قضاؤهما وعمرة أُخرى، لترْكه التحللَ بأَفعال العمرة. (وإِذا زَالَ إِحْصَارُهُ) بعد أَنْ بَعَثَ الهدي، أَوْ ما يُشْترى به (وأَمْكَنَهُ إِدْرَاكَ الهَدْي والحَجِّ) معاً (تَوَجَّهَ) حتماً للحَجِّ لزوال العجز عن الأَداء قبل حصول المقصود بالحلق، وصَنَع بالهَدْي ما شاءَ، لأَنه عَيَّنَهُ لجهةٍ واستَغْنَى عنها. (وإِلاَّ) أَي وإِنْ لم يُمْكِنه إِدراك الهَدْي والحج، بأَنْ لم يمكنه إِدراك واحدٍ منهما، أَوْ أَمكنه إِدراك الهَدْي دون الحج، أَوْ الحج دون الهَدْي، (فَلَهُ أَنْ يَحِلَّ) بِذَبْح الهَدْي المبعوث، أَما إِذا لم يمكنه إِدراك واحدٍ منهما، أَوْ أَمكنه إِدراك الهَدْي دون الحج فَلِعَجْزِهِ عن الحج. وإِذا أَمكنه إِدراك الحج دون الهَدْي فلأَنه لو لم يتحلل يضيعُ هَدْيُه، وحرمةُ المال كحرمةِ النَّفْس، حتى أَباح الشرْع القَتْل دونه فيتحلل، كما إِذا خاف على نَفْسه، لكنَّ الأَفضل أَنْ لا يتحلل لفوات شيء قليلٍ من المال وإِدراك عظيم من الأَعمال، وهذا قول أَبي حنيفة وهو استحسانٌ، والقياسُ قولُ زُفَر، وهو روايةُ الحسن عن أَبي حنيفة: أَنه لا يجُوز التحلُّل لِزَوال العَجْز. (ومَنْعُهُ عَنْ رُكْنَي الحَجِّ) أَي الطواف والوقوف (بِمَكَّةَ) أَي ولو فيها (إِحْصَارٌ) لعَجْزِهِ عن أَداء ركنٍ مِنْ أَركان الحج. (و) مَنْعُه (عَنْ أَحدِهِمَا) أَي عن الطواف أَوْ عن الوقوف (لا) أَي لا يكون إِحْصَاراً. أَما مَنْعه عن الطواف وحدَه، فلأَن الحج يتم بالوقوفِ، وهو باقٍ على إِحرامه إِلى أَنْ يطوف، وأَما مَنْعه عن الوقوف وحدَه، فلأَنه يَتَحَلَّلُ بالطوافِ كفائت الحجِّ، ولا حاجةَ إِلى تَحَلُّله بالهَدْي.

стр. 726

[فَصْلٌ في أَحْكَامِ الحَجَّ عن الغَيْر] ومَنْ عَجَزَ فأَحَجَّ صَحَّ، ويَقَعُ عَنْهُ === (فصلٌ في أحكام الحج عن الغير) (ومَنْ عَجَزَ) أَي عن حجِّ الفَرْض، فإِنَّ حج النَّفْل لا يشترطِ فيه العَجْزُ، إِذْ بابُ النَّفْل وَاسِعٌ (فأَحَجَّ) غيره، سواءٌ كان ذلك لغير ذكراً أَوْ أُنثى، حُرَّاً أَوْ عبْداً مأْذوناً، حجَّ عن نَفْسه أَوْ لم يحج (صَحَّ) لكن يُكْره إِحجاج الأُنْثَى حرةً أَوْ أَمَةً عنِ الذَّكَر، وكذا العبد كراهةَ تَنْزيه. وأَمَّا مَنْ لم يَحجَّ عن نَفْسِهِ، فمكرُوهٌ كراهةَ تَحْرِيم. (ويَقَعُ عَنْهُ) أَي عن العاجز الحجُّ، لما في «الكتب الستة»: أَبو داود عن عبد الله بن عباس، والباقون عن أَخيه الفَضْل: أَنَّ امرأَةً مِنْ خَثْعَم قالت: يا رسولَ الله، إِنَّ أَبي أَدْرَكَتْهُ فريضةُ اللَّهِ في الحجِّ وهو شَيْخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ أَنْ يستويَ على ظهر البعير، قال: «حُجِّي عَنْه». وذلك في حجّة الوَدَاع، ولم يسأَلها ﷺ هَلْ حَجَّتْ عَنْ نَفْسِها أَمْ لم تحج، ولا هَلْ هي حرة أَوْ أَمَة. وفي «السُّنن الأَربعة» عن أَبي رَزِين العُقَيْلي قال: يا رسول الله إِنَّ أَبي شَيْخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجَّ ولا العُمرة ولا الظَّعْن، قال: «احْجُج عَنْ أَبِيكَ واعْتَمِر». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي «معجم الطبراني» بسنده إِلى سَوْدَة أُم المؤمنين: أَنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، إِنَّ أَبي شَيْخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحج، أَفَأَحُجُّ عنه؟ فقال ﷺ «أَرأَيتَ لو كان على أَبِيكَ دَيْنٌ فقضيته، أَكانَ يُجزاءُ عنه؟» قال: نعم، قال: «فَحَجَّ عَنْه». وإِذا حجّ المأْمور فأَصْل الحج يقع عن الآمر في ظاهر المذهب. وعن محمد يقع عن المأْمورِ، وللآمرِ ثوابُ النَّفقةِ، لأَن الحج عبادةٌ بدنيةٌ، والمال شَرْطٌ لوجوبها، فلا تُجزاءُ فيها النيابةُ، كالصلاة والصيام، ويَسْقطُ عن الآمرِ الفَرْضُ بالإِجماع، لأَن الانفاق أُقيم مُقام الأَفعال في حَقِّ سقوطها، كالشيخِ الفاني حيثُ أُقِيم الإِطعام في حَقِّه مُقام الصيام. ولا يسقط به عن المأْمور فَرْضُ الحج بالإِجماع، لأَن النية وقعت عن الآمر، سواءٌ أَدَّاه على الموافقةِ أَوْ المُخَالَفَة، وسواءٌ كان عليه حَجٌّ أَوْ لا. وأَمَّا حَجُّ النَّفْل فيقعُ عن المأْمورِ اتفاقاً، وللآمر الثوابُ بأَنْ يصيرَ المأْمور جاعِلاً ثوابَ فِعْلِهِ للآمِر، وهذا جائزٌ عند أَهل السُّنَّةِ، وهو أَنْ يجعلَ الإِنسان ثوابَ عملِهِ لغيره، صلاةً كان أَوْ صوماً أَوْ صدقةً أَوْ غيرها، كقراءةِ القرآنِ والطوافِ والعتاقِ والأَذكار ونحوها، لحديث عائشةَ وأَبي هريرة، رواهما ابن ماجه بسنده عنهما: أَنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

стр. 727

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === كان إِذا أَراد أَنْ يُضحي اشترى كَبْشَينِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ (١) مَوْجُوأينِ (٢) ، يَذْبَحُ أَحدهما عن أُمَّتِهِ مِمَّنْ شهِد لِلَّهِ بالتوحيد، وشهد له بالبلاغ، ويذبح الآخَرَ عن محمد وآل محمد (٣) . وفي رواية الحاكم: فقرَّب أَحَدَهما فقال: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُم مِنْك ولك، اللهم هذا عَنْ محمدٍ وأَهْل بيتِهِ»، ثُم قَرَّب الآخَرَ فقال: «بِاسْم اللَّهِ، اللَّهُم هذا مِنْك ولك، اللَّهُم هذا عَمَّنْ وَحَّدَكَ مِنْ أُمَّتِي». ولحديث جابر رواه أَبو داود وقال: ذبح النبيُّ ﷺ يومَ النَّحْر كَبْشَين أَقْرَنَين أَمْلَحَين مَوْجُوأَين، فلما وَجَّهَهُمَا قال: «﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ ـ الآيةَ (٤) ـ، اللهم مِنْك ولك عن محمدٍ وأُمَّتِهِ، باسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أَكْبر»، ثُم ذَبَح. ولحديث أَبي رافع رواه أَحمد وإِسحاق والطبراني من حديث شَرِيك قال: ضَحَّى رسولُ الله ﷺ بِكَبْشَيْن أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوأَين ـ أَي خصيين ـ وقال: أَحَدُهما عَمَّنْ شهِد لِلَّهِ بالتوحيد، وله بالبلاغِ، والآخر عنه وعن أَهْل بَيْتِهِ. ولحديث حذيفةَ رواه الحاكم، ولحديث أَبي طَلْحَةَ وأَنس، رواهما ابن أَبي شَيْبَةَ في «مسنده» بِمَعْنى ما تقدّم. وقالت المعتزلة: ليس له ذلك، ولا يصِل إِليه ولا يَنْعَقِدُ (٥) . وقال مالك والشافعيّ: يجوز ذلك في الصدقة والعبادة المالية كالحج. ولنا ما تقدم وما رُوي: أَنَّ رجلاً سأَل النبيَّ ﷺ فقال: كان لي أَبَوَانِ أَبَرُّهُما حال حياتهما، فكيف لي بِبِرِّهِمَا بَعْد موتِهِما؟ فقال ﷺ «إِنَّ من البِرِّ بعد المَوْتِ (٦) أَنْ تُصلِّيَ لهما مع صلاتِك، وأَنْ تصومَ لهما مع صومِك». رواه الدَّارَقُطْنِيّ. وعن عليَ ﵁ مرفوعاً: مَنْ مَرَّ على المقابِرِ وقَرَأَ: قُلْ هو اللَّهُ أَحَدُ، إِحْدى عشر مرةً ثُمَّ وَهَب أَجْرَها للأَموات، أُعْطِي من الأَجْر بِعَدَدِ الأَمواتِ». رواه الدارقطني. وعن مَعْقِل بن يَسَار مرفوعاً: «اقرؤوا على مَوْتَاكُم يس». رواه أَبو داود. والأَصل الحقيقة مع أَنه لا محظور على أَنها تُقْرَأُ على المُحْتصِر لإِشْرَافِهِ على الموت.

стр. 728

إِنْ دَامَ عَجْزُهُ إِلى مَوْتِهِ، ونَوَى عَنْه === (إِنْ دَامَ عَجْزُهُ إِلى مَوْتِهِ) فلو أَحَجَّ عنْ نَفْسه وهو محبوسٌ أَوْ مَرِيضٌ، إِنْ ماتَ به أَجزأَه الحج، وإِنْ تَخَلَّص منه بطلَ إِجزاؤه عنه فرضاً، فيبقى نَفْلاً. وذلك لأَن الحج فُرض في العمر مرة فيُعْتبر استمرارُ العَجْز فيما بَقِي مِنْه. (ونَوَى عَنْهُ) وَحْدَه على التعيين. حتى لو نوى الحج عن الآمرين على التعيين ضمِن النفقة لكلَ منهما وكان الحج له. ولو نواه عن واحدٍ منهما غير مُعَيّن ولم يعيِّن أَحدهما قبل طواف القدوم والوقوف ضمِن النفقة، وإِنْ عيَّن أَحدهما جاز استحساناً عند أَبي حنيفة ومحمد، كما لو أَهَلَّ الحج عن أَبويه ثُم عيَّنه لأَحدهما، وذلك لأَنَّ الإِبهام واقع في الإِحرام وليس بمقصودٍ، وإِنما المقصود الأَفعال، والتَّعْيين في الانتهاء بمنزلةِ التعيينِ في الابتداء. أَلَا ترى أَنه لو أَحرم ولا ينوي حجةً ولا عُمرةً بعينها كان له أَنْ يُعَيِّنَ في الانتهاء ويجعل ذلك كتعيينه في الابتداء. وعند أَبي يوسف وقع الحج عن المأْمور وضمِن النفقة لأَنه مأْمور بتعيين الحج، فإِذا لم يعين فقد خالف فيضمن النفقة. ولو نواه ساكِتاً عن المحجوج عنه، لا نَصَّ فيه، وينبغي أَنْ يصح التعيين باتفاقهم لعدم المخالفة. وهذا كلُّه بطريقِ النيابة. وأَمَّا الاستئجار فلا يجوز عندنا، وإِذا لم يجز بقي أَمره بالحج فيكون له نفقةُ مثلهِ في ماله، وليست بِعَوض، ولكن يستحقُّ كفايتَه لأَنه فرَّغ نفسه لعملٍ ينتفع به فيستحق الكفاية في ماله، كالقاضي والعامل. ولو حج عن أَبيه أَوْ أُمه حجة الإِسلام مِنْ غير وصيةٍ أَجزأَه إِنْ شاءَ الله تعالى، لما روينا من حديث الخَثْعَمِيَّة وغيرها. وإِنما قيَّد محمد الجواب بالاستثناء (١) بعد ما صح الحديث فيه، لأَن خبر الواحد لا يوجِب العلم اليقيني. فإِنْ قيل: فقد أُطْلِق الجواب في كثيرٍ من الأَحكام الثابتة بخبر الواحدِ. قلنا: لأَن خبر الواحد موجِبٌ للعَمل، فما طريقُه العمل أُطْلِق الجواب فيه. فأَما سقوط حَجَّةُ الإِسلام عن الميت بأَداء الوَرثة فطريقُه العِلْم، فإِنه أَمْرٌ بَيْنَه وبين الله، فلهذا قَيَّد الجواب بالاستثناء. ثُم مِنْ شرائط جواز الإِحجاج: أَنْ يحج بمالِ المحجوج عنه، فإِنْ تبرَّع الحاجُّ عنه بمالِ نَفْسه لم يَجُز، فينفق على نفسه بالمعروف في الطعام، والشراب، والكسوة في الطريق، وثَوْبَي إِحرامه، وما فضَل ردَّه إِلى الورثة أَوْ الوصي، إِلاَّ أَنْ يوصِي الميت له

стр. 729

ودَمُ الإحْصَارِ عَلى الآمِرِ ودَمُ القِرَانِ عَلَى الحَاجِّ. === به. وليس له أَنْ يدعو أَحداً إِلى طعامه، ولا يتصدّق به، ولا يقرِضه، ولا يصرِف الدنانير بالدراهم إِلاَّ لحاجةٍ تدعو إِلى ذلك، ولا يشتري منه ماء لوضوئه، ولا يدخل الحمام، ولا يشتري منها دهناً للسِّراج، ولا ما يدَّهِن به أَوْ يتداوى به، ولا يعطي منها أُجرة الحَلاق أَوْ الحجَّام إِلاَّ أَنْ يأْذن له الميت أَوْ الوارِث، ولا ينفق على مَنْ يَخْدُمه إِلاَّ إِذا كان مِمَّنْ لا يَخْدُم نفسه. وفي «فتاوى قاضيخان»: له أَنْ يدخل الحَمَّام بالمتعارَف مِنْ الزمان، ويعطي أُجرة الحارس مِنْ مال الآمر، وله أَنْ يخلط دراهم النفقة مع الرُّفقة، ويُودِع المال، وله أَنْ يشتري دابةً يركَبها، ومَحْمِلاً (١) وقِرْبة (٢) ، وأَدواتٍ وسائر الآلات. انتهى. وإِذا تَعَجَّل إِلى مكة مِنْ رمضان فنفقتُه من مال نفسه إِلى عشر ذي الحِجّة. ويحج عن المُوصِي بالحج راكِباً من بلده ـ لقيامه مقامه ـ إِنْ كَفَت نفقتُه لذلك، وإِلاَّ فمِنْ حيثُ يبلغه، وهذا استحسانٌ. وفي القياس تَبْطُل هذه الوصية لِعَجْز الوصي عن تنفيذ ما أُمِر به وهو الحج مِنْ منزِلِه، كما لو أَوْصى بعتق نَسمةٍ بأَلفٍ وكان ثلثُ المال دونَها. ووجه الاستحسان أَنَّ المقصود من الحج ابتغاءُ مرضاةِ اللهِ. ونَيْل الثواب، فيكون بمنزلةِ الوصية بالصَّدقة، وهي تَنْفُذ بِحَسب الإِمكان. (ودَمُ الإِحْصَارِ عَلى الآمِرِ) إِنْ كان حَيَّاً وفي ماله مِنْ ثُلُثهِ، أَوْ كله إِنْ كانَ ميتاً، لأَنه الذي ورَّطَه فيه، ثُم يجب عليه مِنْ قابل بمالِ نفسه، لأَنه لم يُتِمَّ الأَفعال بسببِ الإِحصار، وإِنَّما يقع ما هو مسمى الحج عنه ولم يتحقق. ولو فاته الحج لا يضمن النفقة لعدم المخالفة، فهو كالمُحْصَر وعليه الحج مِنْ قابل بمالِ نفسه. وقال أَبو يوسف: على المأْمور، لأَنه للتَّحَلُّل وصار كدَمِ القِران. وأُجيب بأَن دم الإِحصار مَؤُنة بمنزلة نفقة الرجوع. (ودَمُ القِرَانِ) ودم الجِناية (عَلَى الحَاجِّ) أَمَّا دم الجناية فلأَن المأْمور هو الجاني، وأَما دم القِران فلأَنه وجب شُكراً للجَمْع بين النُّسُكَيْن، والمأْمور هو المختص بهذه النعمةِ. قالوا: وهذه تشهد لصحَّة المَرْوي عن محمد مِنْ أَنَّ الحج يقع عن المأْمور، والمراد قِرانٌ أَمَرَه واحدٌ به أَوْ أَمَرَهُ اثنان: أَحدهما بالحج والآخر بالعمرة وأَذنا

стр. 730

وضَمِنَ النَّفَقَةَ إِنْ جَامَعَ قَبْلَ وُقُوفِهِ، وإِنْ مَاتَ في الطَّرِيق، يُحَجُّ مِنْ مَنْزِلِ آمِرِهِ بِثُلُثِ ما بَقِي، لا مِنْ حَيثُ مَاتَ === له في القِران. أَمَّا لو أَمَره اثنان أَحدهما بالحج والآخر بالعمرة ولم يأَذنا له بالقِران وقرن كان مخالفاً، إِذْ المأْمور بالإِفراد مخالِفٌ بالقِران وإِن نواه للآمر عند أَبي حنيفة، كالتمتع للآمر بالإِفراد. وإِنما يصير مخالفاً لأَنه مأْمور بأَن يحج عنه من الميقات، والمتمتع يحج من جوف مكة فكان هذا غير ما أَمره به. وقالا: هو موافِقٌ، وهذا استحسانٌ لأَنه أَتى بالمأْمور وزاد عليه ما يجانسه فلا يصير به مُخالِفاً، كالوكيل بالبيع إِذا باع بأَكثر مِمَّا سُمِّي له من جنسه. ويوضِّحه أَنَّ القِران أَفضل من الإِفراد، فهو بالقِران زاد خيراً فلا يكون مخالفاً. وأَبو حنيفة يقول: هو مأْمورٌ بإِنفاق المال في سفرٍ مجرَّدٍ للحج، وسفره هذا ما انفرد للحج، بل للحج والعُمرة جميعاً فكان مخالِفاً، كما لو تمتع. ولأَن العُمرة التي زادها لا تقع عن الآمر، لأَنه لم يأْمره بها فلا ولاية عليه للحاج في أَداء النُّسك عنه إِلاَّ بِقَدْر ما أَمَره. أَلا تَرَى أَنه لو لم يأْمره بشيءٍ لم يَجُز أَداؤه عنه، فكذا إِذا لم يأْمره بالعُمرة. وإِذا لم تكن عمرته عن الآمر صار كأَنه نَوَى العُمرة عن نفسه وهناك يصير مخالِفاً فكذا هنا. (وضَمِنَ النَّفَقَةَ) وعليه القضاء في مال نفسه (إِنْ جَامَعَ قَبْلَ وُقُوفِهِ) لأَن المأْمور به هو الحج الصحيح، والجِماع قبْل الوقوف يُفْسِد الحج. أَمَّا لو جامع بعد الوقوف فلا يَفْسُد حجُّه ولا يَضْمن النفقةَ، ولزِمه الدم لأَنه دمُ جنايةٍ، ودم الجناية على المأْمور بالحج. (وإِنْ مَاتَ) المأْمور بالحج عن الميت (في الطَّرِيق) أَوْ سُرِقت نفقته (يُحَجُّ مِنْ مَنْزِلِ آمِرِهِ) وهو الميت عند أَبي حنيفة (بِثُلُثِ ما بَقِي) من مال الميت على تقدير أَنْ يكون الحج عنه بوصيةٍ منه (لا مِنْ حَيْثُ مَاتَ) أَوْ سُرِقت نفقته كما قالا، وهو قول مالك والشافعيّ. وهذا مبنيٌّ على اختلافهم فيمن حجَّ بنفسه ومات في الطريق، فإِنه يوصِي بأَنْ يُحج عنه من منزله عند أَبي حنيفة، وعندهما ـ وهو الاستحسان ـ مِنْ موضع مات فيه، لأَن سفَره لم يبطُل بموته، لقوله تعالى: ﴿ومَنْ يخرُج مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُم يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَد وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (١) ، ولقوله ﷺ «مَنْ خَرَج حَاجَّاً فمات كتب اللهُ له أَجْرَ الحاجِّ إِلى يومِ القيامةِ، ومَنْ خَرَجَ مُعْتَمِراً فماتَ كُتِبَ له أَجْرُ المُعتمِر إِلى يومِ القيامةِ، ومَنْ خَرَج غَازِياً في سبيلِ اللَّهِ فمات، كُتِبَ له

стр. 731

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أَجْرُ الغازي إِلى يومِ القيامةِ». رواه الطبراني في «مُعْجمه»، وأَبو يَعْلَى المَوْصلي في «مَسْنَده». ورَوى تمَّام في «فوائده» عن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ «مَنْ مات في طريقِ مكةَ لم يَعْرِضْهُ اللهُ تعالى، ولم يُحَاسَب». ورَوى الدَّارَقُطْنِي عنها قالت: قال رسولُ الله ﷺ «مَنْ مات في هذا الوجهِ مِنْ حاجَ أَوْ مُعْتَمِرٍ لم يُعْرض له، ولم يُحَاسَبْ، وقيل له: ادخل الجنة». وأَما ما في «الهداية» مِنْ قوله ﷺ «مَنْ ماتَ في طريقِ مكةَ، كتبَ اللهُ له حجةً مبرورةً في كلِّ سنةٍ»، فغير معروف. ولأَبي حنيفة أَنْ الموجود من السفر بطل في حقِّ أَحكام الدنيا، لما روى مسلم وأَبو داود والترمذي والنَّسائي من حديث أَبي هريرة: أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذا مات ابنُ آدمَ انقطَعَ عملُهُ ـ أَي ثوابه ـ إِلاَّ مِنْ ثلاثٍ: صدقةٌ جاريةٌ، أَوْ علمٌ يُنْتَفَع به، أَوْ ولدٌ صالح يَدْعُو له». وحاصله: أَنَّ المراد بالانقطاع في أَحكام الدنيا وبعدَم الانقطاع في أَحكام العُقْبى، والأَول هو الذي يوجِبه هنا، كَمَنْ صام إِلى نصف النهار في رمضان، ثُم حضَره الموت، يجب أَنْ يوصِي بِفِدية ذلك اليوم، وإِنْ كان ثواب إِمساك ذلك القدر (١) باقياً، كذا ذكره ابن الهمام. وفي كون الوصية واجبةً بِفِدْية ذلك اليوم نَظَرٌ ظاهرٌ لا يَخْفَى على الأَعلام. وقد صرح صاحب «الهداية» في «التجنيس» أَنَّ مَنْ وجب عليه الحجُّ فحَجَّ مِنْ عامِه فمات في الطريق، لا يجب عليه الإِيصاء، لأَنه لم يؤخر بعد الإِيجاب. ولو نوى الصَّرُورة ـ بالصاد المهملة: وهو الذي لم يحج حجَّة الإِسلام ـ (الحجَّ) (٢) نفلاً أَوْ عن غيره صحَّ (٣) عمَّا نوى عندنا لا عن فرضه كما قال مالك والشافعيّ. لهما على الأَول أَنْ بنية النفل تبقى مطلق نيّة الحج، وبمطلقِ النيةِ يتأَدَّى الفَرْضُ، ويدل عليه أَنَّ نية النفل لَغْوٌ لأَنه عبارة عن الزيادة، ولا يتصور قبل الأَصل، وإِذا لغت نية النفل تبقى مطلق نية الحج، وبمطلق النية يتأَدّى الفرض، ويدل عليه أَنْ نيّة النفل نوعُ سَفَهٍ (منه) (٤) قَبْل أَداء حجَّة الإِسلام، والسَّفِيه يستحق الحج، فجعلت نية

стр. 732

ولا يَجُوزُ للهَدْي إِلَّا جَائِزُ التَّضْحِيَةِ === النفل لغواً تحقيقاً لمعنى الحجة، فبقي مطلق النية. ويجوز أَنْ تتأَدَّى حجة الإِسلام بغير نيّة، كما في المُغْمَى عليه إِذا أَحْرَم عنه أَصْحَابُه، فبنية النفل أَوْلى. وعلى الثاني ما روى الدَّارَقُطْني عن ابن عباس: أَنَّ النبيَّ ﷺ سمِع رجُلاً يُلَبِّي عن شُبْرُمَة فقال له: «مَنْ شُبْرُمة؟ قال: أَخٌ لي، قال: هل حَجَجْتَ؟ قال: لا، قال: حُجَّ عن نَفْسِكَ، ثُم احجُج عن شُبْرُمَة». ولنا على الأَول أَنْ وقت أَداء الفَرْض في الحجِّ يسع أَداء النفل فلا يتأَدى الفرض فيه بنية النفل، كالصلاة، بخلاف الصوم عندنا فإِنَّ وقت أَدائه لا يسع أَداء النفل. وعلى الثاني ما روينا من حديث الخَثْعَمِيَّة وغيرها أَنْ النبي ﷺ قال لها: «حجي عنه». وقال لأَبي رَزِين العُقَيلي: «احجُج عن أَبيك واعتمر»، ولم يستفسرهما أَنهما حجّا عن أَنفسهما أَوْ لا. وحديث الدَّارَقُطني معارَض بما رواه هو أَيضاً عن الحسن بن عُمَارة عن ابن عباس قال: سمِع النبيُّ ﷺ رجلاً يُلَبِّي عن نُبَيْشَة فقال: «أَيُّها المُلَبّي عن نُبَيْشَة، هل حججت؟ قال: لا، قال: فهذه عن نُبَيْشَة، واحجُج عن نَفْسِك». إِلاَّ أَنَّه قال: هذا وَهْم من الحسن عن ابن عباس، ثُم قال: وقد رجع الحسن بن عُمَارة عن ذلك، وحدَّث به على الصواب موافقاً لرواية غيره، ثُم قال: وعلى كل حال فالحسن بن عُمَارة متروك. وقوله ﷺ «حُجّ عنْ نَفْسِك ثُم عن شُبْرُمَة» أَمْرٌ باستئناف حجَ آخَر لنفسِه نظراً له، وقد كان قَبْل نَسْخ جواز فَسْخ الإِحرام، لا دالٌّ على وقوع الحج عن نفسه كما هو مذهبهما. ومن الفروع: لو أَوْصَى أَنْ يَحُج عنه فلانٌ، فعند محمد يحُج عنه غيرُه إِلاَّ أَنْ يكونَ قد صرَّح بأَن لا يحُج غيره. ولو أَوْصَى بأَنْ يُحَجَّ عنه بثُلُثِ مالِهِ، وثُلُثُ المال يبلغ حِجَجَاً كثيرة، فالوصي بالخِيار إِنْ شاء أَحجَّ عنه في كل سنةٍ حجَّةً واحدةً، وإِنْ شاءَ أَحجَّ عنه مقدارَ ما يبلغ في سنةٍ واحدة، والتعجيل أَفضل. وإِن اجتمع الورثة على أَنْ يحُج واحدٌ منهم عنه جاز. (ولا يَجُوزُ للهَدْي) وهو ما ينقل للذبح مِنْ الحِلِّ إِلى الحرم (إِلاَّ جَائِزُ التَّضْحِيَةِ) وهو الثَّنِي فصاعداً من الغنم والبقر والإِبل. والجَذَع من الضأْن فقط، لأَن الجَذَع من الإِبل: وهو ابن أَربع سنين، ومن البقر: ابن سَنة غير جائز، لقوله ﷺ «ضَحُّوا بالثَّنَايا إِلاَّ أَنْ يَعْسُرَ عليكم، فاذبحوا الجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ» (١) . والهدايا كالضحايا، لأَن كلاً منهما قربة متعلقة بالإِراقة، فيكون في الجواز كذلك، فلا بد من السلامة من العيوب

стр. 733

وأَكَلَ مِنْ هَدْي تَطَوُّعٍ ومُتْعَةٍ وقِرَانٍ فَقَط، وخُصَّا بِيَوْمِ النَّحْرِ لا غَيْرُهُمَا، والكُلُّ بالحَرَمِ === المذكورة في باب الأُضحية. والثَّنِي ـ بالكسر ـ من الإِبل: ما له خمس سنين وطعَن في السادسة، ومن البقر: ما له سنتان وطعن في الثالثة، ومن الغنم ما له سنة وطعن في الثانية. والجَذَع ـ بفتح الجيم والذال المعجمة ـ: ما أَتى عليه أَكثر السَّنة، وإِنَّما يجوز إِذا كان عظيماً. وتفسيره أَنه لو خُلِط بالثنايا اشتبه على النَّاظر أَنَّه منها. (وأَكَلَ) استحباباً (مِنْ هَدْي تَطَوُّعٍ ومُتْعَةٍ وقِرَانٍ) لما في حديث جابر: ثُم أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنةٍ بِبَضْعَةٍ فجعلت في قِدْرٍ، فأَكلا ـ أَي النبيّ ﷺ والولي ـ من لحمها، وشرِبا مِنْ مَرَقِها، ولأَنها دماءُ نُسُك كالأُضحية (فَقَط) أَي لا يجوزُ أَنْ يأْكل من غير هذه الهدايا، لأَنها دماء كفَّارَات. (وخُصَّا) أَي هَدْي المتعة والقِرَان (بِيَوْمِ النَّحْرِ) أَي بأَيَّامه، لقوله تعالى: ﴿فكُلُوا مِنها وأَطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ ثُمَّ ليقضُوا تفَثَهُم وليُوفُوا نُذُورَهُم وليَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ (١) ، وقضاء التَّفَث والطواف مختصّان بيوم النحر، فيكون الأَكل كذلك، ولأَنهما دما نُسُكٍ فيختصان بيوم النَّحْر كالأُضحيةِ. والمراد بالاختصاص من حيث الوجوبُ على قول أَبي حنيفة، وإِلاَّ لو ذبح بعد أَيام النَّحْر أَجزأَ إِلاَّ أَنه تاركٌ للواجب، وقَبْلَها لا يجزاء بالإِجماع. وعلى قولهما كذلك في القَبْلي، وكونه فيها هو السُّنة السّنية. (لا غَيْرُهُمَا) أَي لا يختص هَدْيُ غير المتعة والقِران بيوم النحر، بل يجوز فيه وفي غيره. أَما هديُ الكفارة فلأَنه وجب لجبر النقصان فكان التعجيل به أَولى. وأَما هَدْيُ التَّطوع فلأَن القربة فيه باعتبار أَنه هَدْي، وذلك يتحقق بالبلوغ إِلى الحرم ولا يتوقف على يوم النحر، لكن الأَفضل ذَبْحه فيه، لأَن معنى القربة في إِراقة الدم فيه أَظهر، وهذا هو الذي في «الأَصل». وذكر القُدُورِي أَنَّ دم التطوع يختص بأَيام النحر، كدم المتعة والقِرَان لأَنه نُسُك مثله. (والكُلُّ) أَي وخُصَّ ذَبْحُ كُلِّ هدي تَطَوُّعاً أَوْ غيره (بالحَرَمِ) لقوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ (٢) في جزاء الصيد، فكان أَصلاً في كلِّ دم وجب كفارةً، وقوله تعالى في دم الإِحصار: ﴿حتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه﴾ (٣) مع قوله تعالى في الهدايا مطلقاً: ﴿ثُمَّ

стр. 734

وتَصَدَّقَ بِجُلِّهِ وخِطَامه، ولا يُعْطِي أَجْرَ الجَزَّارِ مِنْهُ، ولا يُرْكَبُ إِلَّا ضَرُورَةً، ولا يُحْلَبُ. === مَحِلُّهَا إِلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ (١) . (وتَصَدَّقَ بِجُلِّهِ) أَي لِبْسِ الهَدْي (وخِطَامه) ـ بالكسر ـ ما يُجْعَلُ في أَنْف البعير ونحوه. (ولا يُعْطِي أَجْرَ الجَزَّارِ مِنْهُ) لما رَوى الجماعةُ إِلاَّ الترمذي عن عليَ ﵁ قال: أَمَرَنِي ﵁ أَنْ أَقُومَ على بَدَنَةٍ وأَقسِم جلودَها وجلالَها، وأَمَرَنِي أَنْ لا أُعطِي الجزارَ منها شيئاً، وقال: «نَحْنُ نُعْطِيه من عِنْدِنا». ولو تصدق بلحمه على فقير غيرِ الحرم جاز، لأَن الصدقة على كل فقيرٍ قُربةٌ مقصودة، ولإِطلاق قوله تعالى: ﴿وأَطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ (٢) خلافاً لمالك والشافعيّ، لأَن الذبح شُرِع في الحرمِ توسعةً على فقرائه، فلا يُتصَدَّق على غيرهم بأَنْ يُحمل إِلى خارج الحرم، فيتصدق على فقرائه. (ولا يُرْكَبُ) الهدي، لأَنه جعله خالصاً لله تعالى، فلا ينبغي أَنْ يصرِف منها شيئاً لمنفعَةِ نفسه (إِلاَّ ضَرُورَةً) وبه قال مالك، لما روى مُسْلِمٌ من حديث ابن جُرَيج قال: أَخبرني أَبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يُسْأَلُ عن ركوب الهَدْي فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «ارْكَبْهَا بالمعروفِ إِذا أُلْجِئْتَ إِليها حتى تجِدَ ظهراً». وأَجاز الشافعي ركوبَها مطلقاً لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها مَنَافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمَّىً﴾ (٣) ، ولقوله ﷺ للذي رآه يَسُوق بَدَنة: «ارْكَبْها وَيْلَك، أَوْ قال: ويحك» (٤) . ولنا ما قدمنا مِنْ قوله تعالى: ﴿ومَنْ يُعَظِّمْ شعائِرَ اللَّهِ﴾ (٥) والبُدْن منها، قال تعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (٦) وليس ركوبها من التعظيم في شيء. وقد رُوِي أَنَّ الرجل كان أَجْهَد نفسه، فأَمَرَهُ النبيُّ ﷺ بركوبها إِما مُتَرَحِّماً له بقوله: «ويحك»، أَوْ مُتَوَعِّداً بقوله: «وَيْلك»، لئلا يُفْضِي عدمُ ركوبه إِلى هلاكه. ولو نَقَصَ الهَدْي بالركوب، أَوْ حَمَّله متاعاً عليه للضرورة ضَمِن بنقصانه ويتصدق به على الفقراء. (ولا يُحْلَبُ) لأَن اللبن جزء الهدي، فلا يَنْتَفِعُ به هو ولا الأَغنياء. ولو انتفع به أَوْ

стр. 735

وما عَطِبَ أَوْ تَعَيَّبَ بِفَاحِشٍ، ففي الوَاجِبِ أَبْدَلَهُ والمَعِيبُ لَهُ، === دفعه إِلى غَنِي ضَمِنَه لوجود التعدي. (وما عَطِبَ) ـ بكسر الطاء ـ أَي هلك من الهدي في الطريق أَوْ قَرُبَ من العَطَب حتى خِيف عليه الموت، أَوْ امتنع عليه السَّيْر (أَوْ تَعَيَّبَ بِفَاحِشٍ) وهو ما يمنع إِجزاء الأُضحية، كذهاب ثُلُث الأُذن، أَوْ العين، أَوْ الذَّنَب (ففي الوَاجِبِ أَبْدَلَهُ) لأَنه في الذِّمة ولا يتأَدَّى بالمَعِيب، (والمَعِيبُ لَهُ) (١) لأَنه لم يخرج بتعينه لتلك الجهة عن ملكه، وقد امتنع صَرْفُه فيها فله صَرْفه في غيرها: من بيعٍو أَوْ تَصَدُّقٍ بلحمها. وفي التطوع: نَحَرَهُ وصَبَغَ نَعْلَهُ بدمِهِ وضرب به صفحة سَنَامه لما روى أَصحاب «السنن الأَربعة» من حديث نَاجِيةَ بن جُنْدُب الأَسْلَمِي: أَنَّ رسولَ الله ﷺ بَعَثَ معه هَدْياً وقال: «إِنْ عَطِبَ فانْحَرْه ثُم اصبغ نَعْلَه في دمِه، ثم خَلِّ بينه وبين النَّاسِ». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والمراد بالنَّعْل: القلادة وفائدة ذلك إِعْلامُ الناس أَنه هَدْي فيأْكل منه الفقراء دون الأَغنياء، وليس عليه غيرها، لقوله ﷺ «مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً تَطَوُّعاً فَعَطِبت فليس عليه بَدَلٌ، وإِنْ كانت نَذْراً فعليه البَدَلُ». ذكره الشيخ في «الإِمام» وسكت عنه. ولا يأْكل هو أَيضاً ولا رُفقاؤه منها ولو كانوا فقراء، لما في مسلم وابن ماجه عن ابن عباس: أَنَّ ذُؤَيباً الخُزَاعي حَدَّثه: أَنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَبْعَثُ بالبُدْن (٢) معه ثُم يقولُ: «إِنْ عَطِب منها شيء فخشيت عليه موتاً فانحرها ثُم اغمس نَعْلَها في دمها، ثُم اضرِب به صفحتها، ولا تطعمها أَنت ولا أَحَدٌ مِنْ أَهل رفقتك». وفي روايةٍ لمسلم: وبعث معه بست عشرةَ بدَنَةً. ولما أَسندَهُ الوَاقِدِي في أَول غزوةِ الحُدَيْبيةِ: أَنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا أَراد الخروج … فذكر القِصة بطولها، وفيها أَنَّ النبيَّ ﷺ استعمل على هَدْيه نَاجِيةَ بن جُنْدُب وأَمره أَنْ يتقدمه بها، وقال: وكانت سبعينَ بَدَنةً، وفيها قال نَاجِية: عَطِب معي بعيرٌ من الهَدْي فجئت رسولَ اللهِ ﷺ بالأَبواء فأَخْبَرْتُه، فقال: «انحرها واصبغ قلائدَها من دمها، ولا تأْكل أَنْت ولا أَحَدٌ من رفقتك منها شيئاً، وخَلِّ بينها وبين النَّاس». ولما في «مُسْند أَحمد بن حنبل» عن عمرو (٣) بن خَارجة الثُّمَالي قال: بَعَثَ النبي ﷺ معي بهَدْي وقال: «(إِذا عَطِب منها شيءٌ فانْحَرْه، ثم اضْرِب نَعْلَه في دَمِه،

стр. 736

وإِنْ شَهِدُوا بالوُقُوفِ قَبْلَ وَقْتِهِ، قُبِلَتْ، === ثم اضرب به صَفْحتَه) (١) ، ولا تأْكل أَنت ولا أَهلُ رفقتك، وخلِّ بينه وبين النَّاس» ـ أَي الفقراء دون الأَغنياء ـ. وهذا لأَن الإِذن يتناوله مُعَلَّقاً بِشرْط بلوغه محلّه، فينبغي أَنْ لا يَحِلَّ قبل ذلك أَصْلاً، إِلاَّ أَنَّ التصدّق على الفقراء أَفْضَل من أَنْ يتركه جَزَرَاً (٢) للسِّباع، إِذْ فيه نَوْعُ تَقَرُّب، والتقرُّب هو مقصودُ الربِّ المعبودِ، وهو الغفور الودود. (وإِنْ شَهِدُوا بالوُقُوفِ قَبْلَ وَقْتِهِ) أَي قَبْلَ يوم الوقوف: بأَنْ شَهِدُوا أَنهم وقفوا يوم التَّرْوية (قُبِلَتْ) شهادتُهم، وعلى أَهْل عرفةَ إِعادةِ الوقوف، لأَن التدارك ممكن إِذا ظهر خطؤهم. وصورة هذه المسأَلة مُشْكِلَة لأَن هذه الشهادة لا تكون إِلاَّ بِأَنْ الهلال لم يُرَ ليلة الثلاثين من ذي القِعدة، بل رُئِي بعدها وكان ذو القعدة تَامَّاً، ومثل هذه الشهادة لا تُقبل لاحتمال كونِ ذي القعدة تسعةً وعشرين. فصورتها بحيث لا (يَتَأَتَّى) (٣) إِشْكَال فيها: أَنَّ الناس وقفوا ثُم عَلِمُوا بعد الوقوف أَنهم غَلِطوا في الحساب وكان الوقوف يومَ التروية، فإِن هذا المعنى (وهو الغلط في الحساب ـ) (٤) قبل الوقت بحيث يمكن التدارك، فالإِمام يأْمر الناس بالوقوف، فإِن علم ذلك في وقت لا يمكن تداركه فينبغي أَنْ يُقَال قد تَمَّ حج الناس. هذا خلاصة كلام المصنف في «شرح الوقاية»، فتكون الشهادة على هذا بمعنى العِلْم، لكنَّ حَمْلَ العبارة المذكورة على هذا المعنى تَكَلُّفٌ (ظاهرٌ) (٥) ، وأَيضاً الغلط في الحساب من الجَمْع العظيم في غاية الاستبعاد. فلو قيل: إِنه علم ذلك بأَن رجع شهود رؤية الهلال أَوْ أَقَرُّوا أَنهم شهدوا زُوراً لم يَبْعُد. ويحتمل أَنْ تكون السماء متغيمة في أُفُق مكة في أَول ذي الحجة، وشهد شاهدان أَنهما رَأَيَا الهلال وحُكِم بشهادتهما، ثُم جاءت جماعةٌ كثيرة من موضع آخر كانت السماء مُصْحِيَةً بذلك الموضع، فأَخبروا أَنهم لم يَرَوا الهلال، (وحُكِم بشهادتهما) (٦) مع اجتهادهم في طلبه والتفحص عن موضعه، ومثل هذه الشهادة وإِنْ كانت على النفي لكنَّ النفي الذي يمكن أَنْ يحيط به علم الشاهد يقبل.

стр. 737

لا بَعْدَهُ. نَذَرَ حَجًّا مَشْياً، مَشَى حَتَّى يَطُوفَ الفَرْضَ. === ومثل هذا قد جَعَلَه المصنف في كتاب الشهادة مما يظهر فيه كذب الشاهد، ويحتمل أَنْ يشهدوا بأَنَّ ذا القِعْدَة غُرَّتُه (١) يوم الأَحد مثلاً، فكان الناس على أَنْ الغرة يوم الاثنين، فغرة ذي الحجة في زعم الناس يوم الأَربعاء، وفي زعم الذين يشهدون يوم الثلاثاء، فلا يكون شهادة على النفي كما لا يخفى. ولمكان المناقشة في ذلك ذكر صاحب «الهداية»: أَنهم قالوا: ينبغي للحاكِم أَنْ لا يسمع هذه الشهادة، ويقول: قد تمّ حجّ الناس، انْصَرِفُوا، لأَنه ليس فيها إِلاَّ إِيقاعُ الفتنة. (لا بَعْدَهُ) بأَن شهِدوا أَنهم وقفوا يوم النحر، فإِنَّ شهادتهم لا تُقبل ويجزاء أَهل عرفة حجتهم، والقياس أَنْ لا تُجْزِئهم كما لو شهدوا بالوقوف قبله. والفَرق أَنَّ التدارك فيما إِذا شهدوا بالوقوف قبل وقته ممكن وبعده غير ممكن، وفي الأَمْر بالإِعادة حَرَج، وأَيضاً العبادة قبل وقتها لا تَصِحُّ أَصْلاً وبعده تصِح في الجملة. ولو شهدوا يوم التروية أَنه يوم عرفة: فإِنْ أَمْكَن وقوف الإِمام مع أَكثر الناس قُبِلت شهادتهم، وكذلك إِنْ أَمكن وقوفه معهم ليلاً أَوْ نهاراً، وإِنْ لم يمكن لا تقبل شهادتهم ويقفون من الغد استحساناً. والشهود كالناس حتى لو لم يقفوا مع الناس ووقفوا بما رَأَوا، فاتهم الحج وعليهم قضاء الحج مِنْ قابل والإِهْلال بِعُمْرة، وذلك لما رُوي أَنه ﵊ قال: «صَوْمُكُم يومَ تَصُومون، وفِطْرُكم يومَ تُفْطِرون، وعَرَفَتُكُم يومَ تُعَرِّفون، وأَضْحَاكُم يوم تضحون» (٢) أَي وقت الوقوف بعرفة عند الله هو اليوم الذي يقف فيه الناس عن اجتهاد ورأي أَنه يوم عرفة. (نَذَرَ حَجَّاً مَشْياً مَشَى) من بيته لأَنه هو المراد بالعُرْف، وقيل: من الميقات ولا يركب (حَتَّى يَطُوفَ) طواف (الفَرْضَ) وهذه رواية «الجامع الصغير». وفي «المبسوط»: أَنه مُخَيَّرٌ. وعن أَبي حنيفة رحمه الله تعالى أَنَّ مَشْيَهُ مكروهٌ. ووجه رواية «الجامع» أنه (التَزَمَ) (٣) على صفة الكمال، لأَن المشي أَشقُّ على البدن فيلزمه الإِيفاء، وصار كالنَّاذر صوماً متتابعاً. فإِنْ قيل: فقد كَرِه أَبو حنيفةَ الحج ماشِياً، فكيف يكون صفة كمال؟ قلنا: إِنما كَرِهَهُ إِذا كان مِظنَّة سوء خُلُق الفاعل له، كأن يكون صائماً مع

стр. 738

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === المشي، أو ممن لا يطيق المشي، فيكون سبباً للإِثم من مجادلة الرفيق، والخصومة في الطريق وإلا فلا شك أن المشي أفضل في نفسه، لأنه أقرب إلى التواضع، وأدل على التذلل لربه. وعن ابن عباس أنه قال لمّا كُفَّ بَصَرُهُ: ما أسفتُ على شيءٍ إلا على أن لم أحج ماشياً، فإن الله تعالى قدم المشاة فقال تعالى: ﴿يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر﴾ (١) وعنه ﷺ «من حج ماشياً كُتبَ له بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم، قيل: ما حسنات الحرم؟ كل حسنة بسبع مئةٍ». لا يقال: لا نظير للمشي في الواجبات، ومِن شَرْط صحة النذر أن يكون من جنس المنذور واجباً، على ما ذُكِرَ في كتاب الصوم، لأنا نقول: بل له نظير وهو مشي المكي الذي لم يجد راحلة وهو قادر على المشي، فإنه يجب عليه أن يحج ماشياً ولو ركب أكثر المسافة أراق دماً لإدخال النقص فيما التزمه، ولو ركب أقلها وجب عليه من الدم بحسابه. رزقنا الله التوفيق للوقوف بالتحقيق على ما في بابه والله أعلم (٢) .

стр. 739

كِتَابُ النِّكَاحِ === كتاب النِّكَاحِ هو في اللغة: حقيقةٌ في الوَطء، مجازٌ في العقد (لأنه يُتَوَصَّل به إلى الوطء، وقيل: مشترَك بينهما) (١) . وفي الشرع: حقيقة في العقد الموضوع لمِلك المُتْعَة، فخرج العقد الموضوع لمِلك الرقبة، وإن كان يَثبت به مِلك المتعة ضمناً، كالبيع والهبة، ولهذا يصح البيع والهبة في محل لا يَحِلّ الاستمتاع به. وادعى الشافعي أن النكاح في الشريعة يتناول العقد فقط، وليس كذلك، قال الله تعالى: ﴿حتى إذا بَلَغوا النِّكاح﴾ (٢) أي: الاحتلام، فإن المُحتلِم يرى في منامه صورة الوطء، وقال الله تعالى: ﴿الزاني لا يَنكِح إلا زانيةً﴾ (٣) والمراد الوطء، وقال الله تعالى: ﴿فإن طلَّقها فلا تَحِلُّ له من بعدُ حتى تَنْكِحَ زوجاً غيرَه﴾ (٤) أي يطأها، لما في «الصحيح»: «حتى تَذُوقي عُسَيْلَتَه» (٥) . والمراد به الجماع بالإجماع خلافاً لابن المُسَيَّب. والعقد مستفادٌ من قوله: ﴿زوجاً غيره﴾ وفي الموضع الذي حُمِل على العقد (٦) إنما هو لدليل اقترن به من ذكرِ العقد، أو خطابِ الأولياء كما في قوله تعالى: ﴿وأَنْكِحُوا الأَيامى منكم﴾ (٧) ، أو لاشتراط إذن الأهل، كما في قوله تعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بإذن أهلِهِنَّ﴾ (٨) . ثم هو سنَّةٌ حال الاعتدال في أصحّ الأقوال، لقوله ﷺ «أربعٌ من سُنَنِ المرسَلِين: الحياءُ، والتعطُّر، والسِّواك، والنِّكاحُ». رواه التِّرمِذِيّ وقال: حَسَنٌ غريب،

стр. 740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقوله ﷺ «النكاحُ سُنَّتي، فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مِنِّي» (١) . أي مِنْ أتْبَاعي في اتِّبَاعي. وقيل: فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿فانكِحُوا ما طابَ لكم﴾ (٢) . وتعليق الحكم بالعام لا ينفي كونَه على الكفاية، لأن الوجوب في الكفاية على الكلّ، ولقوله ﷺ «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فإني مُكَاثرٌ بكم الأُمَمَ». رواه عبد الرزاق، عن سعيد بن أبي هلال مرسلاً. وقوله ﷺ لعَكَّاف بن وَدَاعة الهِلالي: «أَلَكَ زوجةٌ يا عَكَّاف»؟ قال: لا، قال: «ولا جارية»؟ قال: لا، قال: «وأنت صحيح مُوسِرٌ» قال: نعم، والحمد لله، قال: «فأنت إذاً من إخوانِ الشياطين إما أن تكونَ من رُهبان النصاري، فأنت منهم، وإما أن تكونَ مِنَّا، فاصنع كما نَصْنَعُ، وإنَّ من سُنَّتِنا النكاحَ، شِرَارُكم عُزَّابُكُم، وأَرَاذِلُ موتاكم عُزَّابُكُم، ويحك يا عَكَّاف، تَزَوَّجْ». فقال: يارسول الله، لا أتَزَوَّجُ حتى تُزَوِّجَني مَنْ شئتَ قال: فقال رسول الله ﷺ «قد زَوَّجْتُكَ على اسم الله والبركةِ كَريمةَ بنتَ كُلْثُومٍ الحِمْيَرِي». رواه أبو يَعْلَى في «مسنده»، من طريق بَقِيَّة. وقيل: واجبٌ على الكفاية، لما أنَّ الثابت بخبر الواحد الظنُّ (٣) ، والآية لم تُسَقْ إلا لبيان العدد المُحَلَّل (٤) . وعند أصحاب الظواهر: إنه فرض عين على القادر على الوطء، تمسكاً بظاهر الآية والحديث. والأصح أنه يجب عند التَّوَقَان، ويُكره حال الخوف من الجَور والعدوان، فهو أفضل من التخلِّي للعبادة عندنا، وعَكَسَه مالكٌ والشافعيّ لقوله تعالى: ﴿وسَيِّداً وحَصُوراً﴾ (٥) ، فقد مُدِح يحيى ﵇ بأنه كان حَصوراً، والحَصُور: الذي لا يأتي النساء مع القدرة على الإتيان. وحجتنا التمسك بحال النبي ﷺ في نفسه حيث اشتغل بالتزوج حتى انتهى العدد المشروع المباح له (٦) ، والاستدلال بحال رسولنا أولى من الاستدلال بحال
следующие страницы →