← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وإِنْ شَهِدُوا بالوُقُوفِ قَبْلَ وَقْتِهِ، قُبِلَتْ، === ثم اضرب به صَفْحتَه) (١) ، ولا تأْكل أَنت ولا أَهلُ رفقتك، وخلِّ بينه وبين النَّاس» ـ أَي الفقراء دون الأَغنياء ـ. وهذا لأَن الإِذن يتناوله مُعَلَّقاً بِشرْط بلوغه محلّه، فينبغي أَنْ لا يَحِلَّ قبل ذلك أَصْلاً، إِلاَّ أَنَّ التصدّق على الفقراء أَفْضَل من أَنْ يتركه جَزَرَاً (٢) للسِّباع، إِذْ فيه نَوْعُ تَقَرُّب، والتقرُّب هو مقصودُ الربِّ المعبودِ، وهو الغفور الودود. (وإِنْ شَهِدُوا بالوُقُوفِ قَبْلَ وَقْتِهِ) أَي قَبْلَ يوم الوقوف: بأَنْ شَهِدُوا أَنهم وقفوا يوم التَّرْوية (قُبِلَتْ) شهادتُهم، وعلى أَهْل عرفةَ إِعادةِ الوقوف، لأَن التدارك ممكن إِذا ظهر خطؤهم. وصورة هذه المسأَلة مُشْكِلَة لأَن هذه الشهادة لا تكون إِلاَّ بِأَنْ الهلال لم يُرَ ليلة الثلاثين من ذي القِعدة، بل رُئِي بعدها وكان ذو القعدة تَامَّاً، ومثل هذه الشهادة لا تُقبل لاحتمال كونِ ذي القعدة تسعةً وعشرين. فصورتها بحيث لا (يَتَأَتَّى) (٣) إِشْكَال فيها: أَنَّ الناس وقفوا ثُم عَلِمُوا بعد الوقوف أَنهم غَلِطوا في الحساب وكان الوقوف يومَ التروية، فإِن هذا المعنى (وهو الغلط في الحساب ـ) (٤) قبل الوقت بحيث يمكن التدارك، فالإِمام يأْمر الناس بالوقوف، فإِن علم ذلك في وقت لا يمكن تداركه فينبغي أَنْ يُقَال قد تَمَّ حج الناس. هذا خلاصة كلام المصنف في «شرح الوقاية»، فتكون الشهادة على هذا بمعنى العِلْم، لكنَّ حَمْلَ العبارة المذكورة على هذا المعنى تَكَلُّفٌ (ظاهرٌ) (٥) ، وأَيضاً الغلط في الحساب من الجَمْع العظيم في غاية الاستبعاد. فلو قيل: إِنه علم ذلك بأَن رجع شهود رؤية الهلال أَوْ أَقَرُّوا أَنهم شهدوا زُوراً لم يَبْعُد. ويحتمل أَنْ تكون السماء متغيمة في أُفُق مكة في أَول ذي الحجة، وشهد شاهدان أَنهما رَأَيَا الهلال وحُكِم بشهادتهما، ثُم جاءت جماعةٌ كثيرة من موضع آخر كانت السماء مُصْحِيَةً بذلك الموضع، فأَخبروا أَنهم لم يَرَوا الهلال، (وحُكِم بشهادتهما) (٦) مع اجتهادهم في طلبه والتفحص عن موضعه، ومثل هذه الشهادة وإِنْ كانت على النفي لكنَّ النفي الذي يمكن أَنْ يحيط به علم الشاهد يقبل.

стр. 737

لا بَعْدَهُ. نَذَرَ حَجًّا مَشْياً، مَشَى حَتَّى يَطُوفَ الفَرْضَ. === ومثل هذا قد جَعَلَه المصنف في كتاب الشهادة مما يظهر فيه كذب الشاهد، ويحتمل أَنْ يشهدوا بأَنَّ ذا القِعْدَة غُرَّتُه (١) يوم الأَحد مثلاً، فكان الناس على أَنْ الغرة يوم الاثنين، فغرة ذي الحجة في زعم الناس يوم الأَربعاء، وفي زعم الذين يشهدون يوم الثلاثاء، فلا يكون شهادة على النفي كما لا يخفى. ولمكان المناقشة في ذلك ذكر صاحب «الهداية»: أَنهم قالوا: ينبغي للحاكِم أَنْ لا يسمع هذه الشهادة، ويقول: قد تمّ حجّ الناس، انْصَرِفُوا، لأَنه ليس فيها إِلاَّ إِيقاعُ الفتنة. (لا بَعْدَهُ) بأَن شهِدوا أَنهم وقفوا يوم النحر، فإِنَّ شهادتهم لا تُقبل ويجزاء أَهل عرفة حجتهم، والقياس أَنْ لا تُجْزِئهم كما لو شهدوا بالوقوف قبله. والفَرق أَنَّ التدارك فيما إِذا شهدوا بالوقوف قبل وقته ممكن وبعده غير ممكن، وفي الأَمْر بالإِعادة حَرَج، وأَيضاً العبادة قبل وقتها لا تَصِحُّ أَصْلاً وبعده تصِح في الجملة. ولو شهدوا يوم التروية أَنه يوم عرفة: فإِنْ أَمْكَن وقوف الإِمام مع أَكثر الناس قُبِلت شهادتهم، وكذلك إِنْ أَمكن وقوفه معهم ليلاً أَوْ نهاراً، وإِنْ لم يمكن لا تقبل شهادتهم ويقفون من الغد استحساناً. والشهود كالناس حتى لو لم يقفوا مع الناس ووقفوا بما رَأَوا، فاتهم الحج وعليهم قضاء الحج مِنْ قابل والإِهْلال بِعُمْرة، وذلك لما رُوي أَنه ﵊ قال: «صَوْمُكُم يومَ تَصُومون، وفِطْرُكم يومَ تُفْطِرون، وعَرَفَتُكُم يومَ تُعَرِّفون، وأَضْحَاكُم يوم تضحون» (٢) أَي وقت الوقوف بعرفة عند الله هو اليوم الذي يقف فيه الناس عن اجتهاد ورأي أَنه يوم عرفة. (نَذَرَ حَجَّاً مَشْياً مَشَى) من بيته لأَنه هو المراد بالعُرْف، وقيل: من الميقات ولا يركب (حَتَّى يَطُوفَ) طواف (الفَرْضَ) وهذه رواية «الجامع الصغير». وفي «المبسوط»: أَنه مُخَيَّرٌ. وعن أَبي حنيفة رحمه الله تعالى أَنَّ مَشْيَهُ مكروهٌ. ووجه رواية «الجامع» أنه (التَزَمَ) (٣) على صفة الكمال، لأَن المشي أَشقُّ على البدن فيلزمه الإِيفاء، وصار كالنَّاذر صوماً متتابعاً. فإِنْ قيل: فقد كَرِه أَبو حنيفةَ الحج ماشِياً، فكيف يكون صفة كمال؟ قلنا: إِنما كَرِهَهُ إِذا كان مِظنَّة سوء خُلُق الفاعل له، كأن يكون صائماً مع

стр. 738

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === المشي، أو ممن لا يطيق المشي، فيكون سبباً للإِثم من مجادلة الرفيق، والخصومة في الطريق وإلا فلا شك أن المشي أفضل في نفسه، لأنه أقرب إلى التواضع، وأدل على التذلل لربه. وعن ابن عباس أنه قال لمّا كُفَّ بَصَرُهُ: ما أسفتُ على شيءٍ إلا على أن لم أحج ماشياً، فإن الله تعالى قدم المشاة فقال تعالى: ﴿يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر﴾ (١) وعنه ﷺ «من حج ماشياً كُتبَ له بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم، قيل: ما حسنات الحرم؟ كل حسنة بسبع مئةٍ». لا يقال: لا نظير للمشي في الواجبات، ومِن شَرْط صحة النذر أن يكون من جنس المنذور واجباً، على ما ذُكِرَ في كتاب الصوم، لأنا نقول: بل له نظير وهو مشي المكي الذي لم يجد راحلة وهو قادر على المشي، فإنه يجب عليه أن يحج ماشياً ولو ركب أكثر المسافة أراق دماً لإدخال النقص فيما التزمه، ولو ركب أقلها وجب عليه من الدم بحسابه. رزقنا الله التوفيق للوقوف بالتحقيق على ما في بابه والله أعلم (٢) .

стр. 739

كِتَابُ النِّكَاحِ === كتاب النِّكَاحِ هو في اللغة: حقيقةٌ في الوَطء، مجازٌ في العقد (لأنه يُتَوَصَّل به إلى الوطء، وقيل: مشترَك بينهما) (١) . وفي الشرع: حقيقة في العقد الموضوع لمِلك المُتْعَة، فخرج العقد الموضوع لمِلك الرقبة، وإن كان يَثبت به مِلك المتعة ضمناً، كالبيع والهبة، ولهذا يصح البيع والهبة في محل لا يَحِلّ الاستمتاع به. وادعى الشافعي أن النكاح في الشريعة يتناول العقد فقط، وليس كذلك، قال الله تعالى: ﴿حتى إذا بَلَغوا النِّكاح﴾ (٢) أي: الاحتلام، فإن المُحتلِم يرى في منامه صورة الوطء، وقال الله تعالى: ﴿الزاني لا يَنكِح إلا زانيةً﴾ (٣) والمراد الوطء، وقال الله تعالى: ﴿فإن طلَّقها فلا تَحِلُّ له من بعدُ حتى تَنْكِحَ زوجاً غيرَه﴾ (٤) أي يطأها، لما في «الصحيح»: «حتى تَذُوقي عُسَيْلَتَه» (٥) . والمراد به الجماع بالإجماع خلافاً لابن المُسَيَّب. والعقد مستفادٌ من قوله: ﴿زوجاً غيره﴾ وفي الموضع الذي حُمِل على العقد (٦) إنما هو لدليل اقترن به من ذكرِ العقد، أو خطابِ الأولياء كما في قوله تعالى: ﴿وأَنْكِحُوا الأَيامى منكم﴾ (٧) ، أو لاشتراط إذن الأهل، كما في قوله تعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بإذن أهلِهِنَّ﴾ (٨) . ثم هو سنَّةٌ حال الاعتدال في أصحّ الأقوال، لقوله ﷺ «أربعٌ من سُنَنِ المرسَلِين: الحياءُ، والتعطُّر، والسِّواك، والنِّكاحُ». رواه التِّرمِذِيّ وقال: حَسَنٌ غريب،

стр. 740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقوله ﷺ «النكاحُ سُنَّتي، فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مِنِّي» (١) . أي مِنْ أتْبَاعي في اتِّبَاعي. وقيل: فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿فانكِحُوا ما طابَ لكم﴾ (٢) . وتعليق الحكم بالعام لا ينفي كونَه على الكفاية، لأن الوجوب في الكفاية على الكلّ، ولقوله ﷺ «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فإني مُكَاثرٌ بكم الأُمَمَ». رواه عبد الرزاق، عن سعيد بن أبي هلال مرسلاً. وقوله ﷺ لعَكَّاف بن وَدَاعة الهِلالي: «أَلَكَ زوجةٌ يا عَكَّاف»؟ قال: لا، قال: «ولا جارية»؟ قال: لا، قال: «وأنت صحيح مُوسِرٌ» قال: نعم، والحمد لله، قال: «فأنت إذاً من إخوانِ الشياطين إما أن تكونَ من رُهبان النصاري، فأنت منهم، وإما أن تكونَ مِنَّا، فاصنع كما نَصْنَعُ، وإنَّ من سُنَّتِنا النكاحَ، شِرَارُكم عُزَّابُكُم، وأَرَاذِلُ موتاكم عُزَّابُكُم، ويحك يا عَكَّاف، تَزَوَّجْ». فقال: يارسول الله، لا أتَزَوَّجُ حتى تُزَوِّجَني مَنْ شئتَ قال: فقال رسول الله ﷺ «قد زَوَّجْتُكَ على اسم الله والبركةِ كَريمةَ بنتَ كُلْثُومٍ الحِمْيَرِي». رواه أبو يَعْلَى في «مسنده»، من طريق بَقِيَّة. وقيل: واجبٌ على الكفاية، لما أنَّ الثابت بخبر الواحد الظنُّ (٣) ، والآية لم تُسَقْ إلا لبيان العدد المُحَلَّل (٤) . وعند أصحاب الظواهر: إنه فرض عين على القادر على الوطء، تمسكاً بظاهر الآية والحديث. والأصح أنه يجب عند التَّوَقَان، ويُكره حال الخوف من الجَور والعدوان، فهو أفضل من التخلِّي للعبادة عندنا، وعَكَسَه مالكٌ والشافعيّ لقوله تعالى: ﴿وسَيِّداً وحَصُوراً﴾ (٥) ، فقد مُدِح يحيى ﵇ بأنه كان حَصوراً، والحَصُور: الذي لا يأتي النساء مع القدرة على الإتيان. وحجتنا التمسك بحال النبي ﷺ في نفسه حيث اشتغل بالتزوج حتى انتهى العدد المشروع المباح له (٦) ، والاستدلال بحال رسولنا أولى من الاستدلال بحال

стр. 741

يَنْعَقِدُ بإيجابٍ وقَبُولٍ لَفْظُهُمَا ماضٍ كـ: زَوَّجْتُ وتَزَوَّجْتُ أو أمرٌ وماضٍ كـ: زَوِّجْني، فقال: زَوَّجْتُ وإِنْ لَمْ يَعْلَما مَعْنَاه، وَقولِهِما: دادُ ويذيُرفث بلا مِيمٍ بعد دادي وبذيرُفتي كَبَيْعٍ وشِرَاءٍ === يحيى، مع أنه كان في شريعتهم العُزْلة أفضل من العِشْرَة، وفي شريعتنا العِشْرَة أفضل من العُزْلة، لقوله ﵊: «لَا رهْبَانِيَّة في الإسلام» (١) . هذا، ويستحب مباشرة عقد النكاح في المسجد، وكونه في الجمعة، لِمَا في سنن التِّرْمِذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ «أَعْلِنُوا هذا النِّكَاحَ واجعلوه في المساجد، واضرِبوا عليه بالدُّفُوف». أي خارجَه (٢) . وفي الترمذي والنَّسائي عنه ﷺ أنه قال: «فصل ما بين (٣) الحلال والحرام الدُّفُّ والصوت». قال الفقهاء: المراد بالدُّفِّ ما لا جَلاجِل له. (يَنْعَقِدُ) أي يرتبط عقد النكاح (بإيجَابٍ) وهو ما يُقَال أوّلاً (وقَبُولٍ) وهو ما يُقال ثانياً (لَفْظُهُمَا) أي صيغة الإيجاب والقبول كلاهما (ماضٍ كـ: زَوَّجْتُ) أو أنكحتُ (وتَزَوَّجْتُ) أو نَكَحت، أو قَبِلتُ، أو رَضِيت. وإنما اختير لفظ الماضي للإنشاء، لأنه أدلّ على الوجود والتحقق، حيث أفاد دخولَ المعنى في الثبوت والوقوع قبل الإخبار (٤) . (أو) لفظهما (أمرٌ وماضٍ) أي وُضِع أحدهما للإخبار والآخر للإنشاء (كـ: زَوِّجْني) أو زَوِّج ابنتك (فقال) الآخر: (زَوَّجْتُ). وفي «فتاوى قَاضِيخَان»: ولفظ الأمر في النكاح إيجابٌ، وكذا في الطلاق إذا قالت: طَلِّقني على ألف، فطلَّقها كان تاماً. (وإنْ لَمْ يَعْلَما) أي العاقدان (مَعْنَاه) أي معنى لفظ ما عقد به من التَّزَوُّج ونحوه. (وَقولِهِما): (٥) أي: وينعقد بقول العاقدين: (دَادُ ويذيرُفت) (٦) بضم الراء (بلا مِيمٍ) أَي ولو بلا ميم (بعد دادي وبذيرُفتي (٧) كَبَيْعٍ وشِرَاءٍ) أي وكما في عقدهما

стр. 742

لا بِقَولِهِما عِنْدَ الشُّهُودِ: ما زن وشوييم. ويصحُّ، بِلَفْظِ نكاحٍ وَتَزْوِيجٍ. وما وُضِعَ لِتَمْلِيكِ العَيْنِ حالاً. وشُرِطَ سَمَاعُ كُلٍ مِنْهُما، وحُضُورُ حُرَّيْنِ، أو حُرٍّ وحُرَّتَيْنِ، === بلفظ الماضي. والفرق بين بعني كذا بكذا، فقال: بِعتُ، لا ينعقد البيع، وبين زَوِّجني فقال: زوجتك حيث ينعقد النكاح، مع أن الأمر ليس فيهما بإيجاب، وإنما هو توكيل، وكلاًّ من: زَوَّجتُ وبِعتُ إيجاب وقبول، أنّ الواحد يتولَّى طرفي عقد النكاح ولا يتولى طرفي عقد البيع، لأن الوكيل في النكاح سفيرٌ محضٌ، وفي البيع أصيلٌ في الحقوق، ولهذا ترجع الحقوق في النكاح إلى الموكِّل، وفي البيع إلى الوكيل. (لا بِقَولِهِما عِنْدَ الشُّهُودِ): أي الشاهدين: (ما زن وشُوييم) (١) . (ويَصِحُّ) عقد النكاح (بِلَفْظِ نكاحٍ) أو تَزَوّجٍ (وَتَزْوِيجٍ) أو إنكاحٍ إجماعاً، لأنها صريحة، واقتصر الشافعي في جوازه عليهما. (وما) أي بلفظ (وُضِعَ لِتَمْلِيكِ العَيْنِ) كُلِّها (حالاً) كالتمليك، والهِبَةِ، والصَّدَقَةِ، والبيع، والشِّرَاء، لأنها سبب لمِلك المُتْعَةِ في محلَ يَقبلها بواسطة مِلك الرقبة، فيكون من إطلاق السبب وإرادة المُسَبَّب لقوله ﷺ «مَلَّكْتُكَها بما معك من القرآن» (٢) ، ولقوله تعالى: ﴿وامْرأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ (٣) ، ولأن رجلاً وهب ابنته لعبيد الله بن الحقّ بشهادة شاهدين، فأجازه عليٌّ ﵁. قَيَّد الوَضْعَ بتمليك العين، لأن النكاح لا ينعقد بلفظ الإجارة، ولا بلفظ الإعارة على الصحيح. وقَيَّدَ بالحال، لأن النكاح لا ينعقد بلفظ الوصية، لأنها لتمليك العين بعد الموت لا في الحال. (وشُرِطَ سَمَاعُ كُلٍ مِنْهُما) أي من العاقدين لفظَ الآخر، لأن عدم سماع أحدهما لفظَ الآخر بمنزلة غَيْبته (وحُضُورُ حُرَّيْنِ، أو حُرَ وحُرَّتَيْنِ) وبه قال مالك خلافاً للشافعي، لأن عنده شهادة النساء في غير المال وتوابعه لا تُقبل، وسيأتي بيان ذلك في الشهادة إن شاء الله تعالى. قال في المبسوط: واعتمادنا حديث عمر ﵁،

стр. 743

مُكَلَّفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ سَامِعَيْنِ معاً لَفْظَهُمَا. === حيث أجاز شهادة رجل وامرأتين في النكاح والفُرْقَة. (مُكَلَّفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ) لأن الشهادة ولاية لنفوذ قول الشاهد على غيره، ولا ولايةَ للعبد والصبي والمجنون على غيره، ولا للكافر على المسلم. وقال أهل المدينة: يجوز النكاح بغير شهود إذا أعلنوا، لأن ابن عمر زَوَّج ولم يُحْضِر شاهدين، وَزوَّج الحسن بن عليّ وابن الزُّبير وما معهما أحد. كذا قال ابن المُنْذِر. ولنا ما روى الترمذي من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «البغايا اللاَّتي يُنْكِحْنَ أنْفُسَهُنَّ بغير بَيِّنةٍ». ولم يرفعه غير عبد الأعلى في التفسير، ووقفه في الطلاق. وروي أيضاً عنه (١) أنه قال: «لا نكاح إلا بِبَيِّنَة». وروى الدَّارَقُطْنِي أنه ﷺ قال: «لا نكاح إلا بشُهُود»، وقد قال ﷺ «لا نِكاحَ إلا بِوَليّ وشَاهِدَي عَدْلٍ، وما كان من نكاحٍ على غير ذلك فهو باطلٌ، فإن تشاجَرُوا فالسلطانُ وَليُّ مَنْ لا وليَّ له». رواه ابن حِبَّان وقال: لا يصح في ذكر شاهِدَينِ غير هذا الحديث. (سَامِعَيْنِ معاً لَفْظَهُمَا) أي لفظ العاقدَينِ معاً، فلا ينعقد (بحضور أصمَّيْن، ولا بحضور سامعَين متفرقَين: بأن عَقَدا بحضور واحدٍ ثم بعد غَيبته عقدا بحضور آخر، وبأن عُقِد) (٢) بحضورهما فسمع أحدهما كلام العاقدين ولم يسمعه الآخر، فأعاد العقد، فسمعه الآخر ولم يسمعه الأول، أو بأن عَقَدا بحضورهما فسمع أحدُهما كلام الزوج والآخر كلَام المرأة، ثم أعادا فسمع كلامَ المرأةِ الذي كان سمع كلام الزوج، وسمع كلامَ الزوج الذي كان سمع كلامَ المرأة. ووجه المنع في هذه الصورة أنهما عقدانِ لم يَحضُرْ كلَّ واحدٍ منهما شاهدانِ، وقيل: يصح بحضرة الأصَمَّين وأغْرَبَ من زاد: النَّائِمَينِ والنبي ﷺ يقول: «لا نكاحَ إلا بشهود»، ولأن السماع هو المقصود من الحضور، ولو سمعا كلَام العاقدَين ولم يعرِفا تفسيرَه، قيل: يصح، والظاهر خلافه.

стр. 744

وصَحَّ عِنْدَ فَاسِقَيْنِ، ولا يَظْهَرُ عِنْدَ الدَّعْوَى. وصَحَّ عِنْدَ ابْنَيْهِمَا أو أحدِهما. === (وصَحَّ) النكاح (عِنْدَ فَاسِقَيْنِ) ولو كانا محدودَيْنِ في قذفٍ، غيرَ تائبَين، لأن الفاسق من أهل الولاية القاصرة بلا خلاف، لأن له أَنْ يُزَوِّجَ نفسه، وعبدَه، وأمَتَهُ، فيكون من أهل تحمُّل الشهادة، وإن لم يكن من أهل أدائها، لأن كُلاًّ مِنْ التحمُّل والولاية القاصرة لا إلزام فيه. (ولا يَظْهَرُ) أَثَرُ شَهَادَتِهِما الدالّ عليها فحوى الكلام (عِنْدَ الدَّعْوَى) لأن أداء الفاسق مردودٌ، والنكاح موقوف على تحمل الشهادة لا على قبولها، فصار العقد بحضور الفاسقَين كالعقد بحضور الأصَمَّينِ، حيث يَصِحُّ ولا تُفيد شهادتهما عند الدعوى، ولم يُجِزِ الشافعيُّ شهادةَ فاسقَين لما قدَّمنا من قوله ﷺ «لا نكاحَ إلا بِوَليَ وشَاهِدَي عَدْلٍ»، ولا شهادةَ الأعْمَيَيْنِ في الأصح عنه. ولنا في انعقاده بشهادة الفاسقَين أصلٌ وهو: أن كلَّ ما يَصْلُح أن يكون قابلاً للعقد بنفسه ينعقد النكاح بشهادته، وكلَّ مَنْ يَصْلُح أن يكون وليًّا في النكاح يَصلح أن يكون شاهداً فيه. وهذا الحديث إِنْ صحَّ مقيَّداً بالعدالة، فالآخَر وهو قوله: «لا نكاح إلا بشهود» وهو الذي ذكره عند قوله: «مُكَلَّفَينِ مُسْلِمَيْن» مُطلقٌ عنها، ونحن نعمل بالمُطْلَقِ والمقيَّدِ جميعاً، مع أنه ذكر العدالة في موضع الإثبات فتقتضي عدالةً ما، وذلك من حيث الاعتقادُ، وفي الحقيقة إن المسألة مبنيَّةٌ على أن الفاسق من أهل الشهادة عندنا، وإنما لم تُقبل شهادته لتمكُّنِ تُهمةِ الكذب، وفي الحضور والسماع لا تَتَمَكَّنُ هذه التهمة، فكان بمنزلة العدل. وعنده الفاسق ليس من أهل الشهادة أصلاً لنقصان حاله بسبب الفِسق. قلنا: الفسق لا يُخْرِجُهُ من أن يكونَ أهلاً للإمامة والسلطنة، فإن الأئمةَ بعد الخلفاء الراشدين قلَّ ما خَلَوْا عن الفِسق، فالقول بخروجه من أن يكون إماماً بفسقٍ ما، يؤدي إلى فسادٍ عظيم، ومن ضرورة كونه أهلاً للإمامة كونه أهلاً للقضاء، لأن تقلُّد القضاء يكون من الإمام، ومن ضرورة كونه أهلاً للقضاء أن يكون أهلاً للشهادة. (وصَحَّ عِنْدَ ابْنَيْهِمَا) بأنْ وقعتِ الفُرقةُ بين رجلٍ وامرأة، ثم تزوجا (١) بحضور ابنيهما، وبه قال الشافعي في الأصح. (أو) ابْنَي (أحدِهما) أي ابْنَي الزوج، أو ابْنَي الزوجة. قال أبو المكارم: وعطفه على الضمير المجرور بلا إعادة الجار (٢) مبنيٌّ على

стр. 745

ولا تُقْبَل للقَرِيبِ وصحّ عند ذِميِّين، ولا تُقبل على المسلم. والوكيلُ شَاهِدٌ إنْ حَضَرَ مُوَكِّلُهُ === مذهب الكوفيين، وقد ارتكب المصنف ذلك في تصانيفه. قلت: وهو كذلك عند جماعة من البصريين، وهو المذهب المختار عند علماء العربية وعامة القُرّاء كما حُقِّقَ في قوله تعالى: ﴿تَساءَلونَ به وَالأَرْحَامِ﴾ (١) بالخفض على قراءة حمزة. وقيل: التقدير: أو عند ابْنَي أحد العاقدين، بحذف المضاف. وأما جَعْلُ الضَّميرِ راجعًا إلى الابنَيْنِ وإرادةُ أن النكاح يَصِحُّ عند أحد الابنَيْنِ وشاهدٍ آخر، فَتَكَلُّفٌ، بل وتَعَسُّفٌ مخالفٌ لصريح كلام المصنف في «شرح الوقاية». (ولا تُقْبَل للقَرِيبِ) لأجل التهمة، فإذا عقدا بحضور ابْنَي الزوج، فإِن كان هو المدعي لم تُقْبَل شهادتهما له، وإن كانت الزوجةُ المدعيةَ قُبِلت شهادتهما لها، وإذا عقدا بحضور ابْنَي الزوجة، فإن كانت المُدَّعِيَةَ لم تُقْبَلْ شهادتهما لها، وإن كان المُدَّعِي قُبِلت شهادتهما. وإذا عقدا بحضور ابنيهما الشقيقين لا تُقْبَلُ، سواءٌ كان المدعي هو أو هي. وصح في بعض النسخ: كنكاح مسلم ذِمِّية عند ذِمِّيَّيْنِ. (وصَحَّ عِنْد ذِمِّيَّيْنِ) كنكاح مسلمٍ ذميةً (ولا تُقْبَلُ) شهادتهما عند الدَّعْوَى (على المسلم) لعدم صحة شهادة الذمي على مسلم، وتُقْبَلُ على الذِّمِّيَّة. وقال محمد وزُفَر: لا يَصِح العقد، لأنه نكاحٌ لا يَصِحُّ إلا بشهود، ولا يصَح بشهادة الكافِرَين كالعقد بين مسلمين، بخلاف أنكحة الكفار، فإنها تنعقد بغير شهود، ولأنها شهادة الكافر على الزوج المسلم بلزوم المهر، وأُجِيب بمنع ذلك، وإنما هي شهادة الكافر على المرأة الكافرة بتمليك المُتْعَة، لأن الشهادة شرط في النكاح لأجل مِلك المُتعة لا لأجل مِلك المال، لأن ملك المال لا يُشترط فيه الشهادة. (والوكيلُ شَاهِدٌ إنْ حَضَرَ مُوَكِّلُهُ) لأنه أمكنَ جعلُ الموكِّلِ مباشراً للعقد، وكل من أمكن جعله مباشراً لشيء يُجعل مباشراً له حكماً، كالزوج يُجعل واطئاً بالخَلوة الصحيحة، وكالجاهل بالأحكام في دار الإسلام عالماً (٢) ، لتمكُّنه من التعلُّمِ، فإذا وَكَّلَ رجلٌ رجلاً أن يُزَوجه، أو وَكَّلتِ امرأةٌ رجلاً أن يُزَوِّجَها، فعقد الوكيل، بحضرة رجل أو امرأتين، إن كان الموكِّلُ حاضراً صحَّ العقد، لأنه يمكن جعله مباشراً له، فيُجعلُ مباشراً له، ويُجعل الوكيلُ شاهداً، وإن كان الموكِّل غائباً لا يَصِح العقد لعدم صحة جعله مباشراً.

стр. 746

كالوَليِّ إِنْ حَضَرَتْ المَوْلِيَّةُ بَالِغَةً. وحَرُمَ أَصْلُهُ وفَرْعُهُ، وفَرْعُ أصْلِهِ القَرِيبِ، وصُلْبِيَّةُ أَصْلِهِ البَعِيدِ، وأمُّ زَوْجَتِهِ === (كالوَليِّ إِنْ حَضَرَتْ المَوْلِيَّةُ) (١) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر اللام، وتشديد التحتية، اسم مفعول من: وَلِيَ. (بَالِغَةً) أي حال كونها بالغةً، والأولى أن يقول: مُكَلَّفةً، فإن للمجنونة البالغة حكمَ الصبية عند تزويجه لها بحضرة رجل أو امرأتين، حيث ينتقل العقد إليها، ويصير الوَلِيُّ كشاهد. (وحَرُمَ) في حقِّ التزوج (أَصْلُهُ) أي أصْلُ المتزوِّج، وهي أُمُّهُ، وجدَّته لأمه أو لأبيه وإن علت، إن كان ذكراً، وأبوها وجدُّها لأبيها، أو أمها وإن علا، إن كانت أُنثى. (وفَرْعُهُ) أي بنته وبنت ولده، أعمّ من الذكر والأنثى وإن سَفَل، وابنها وابن ولدها وإن سَفَل، وابن بنتها وإن سَفَلَتْ. (وفَرْعُ أصْلِهِ القَرِيبِ، وصُلْبِيَّةُ أَصْلِهِ البَعِيدِ) الأصل القريب: الأب والأم، وفرعه: الإخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا، والأصل البعيد: الأجداد والجَدّات، وصُلْبِيَّتُه: العمة وإن عَلَتْ، والخالة وإن عَلَتْ، يعني من عمة أبيه وخالته، فيَحِلُّ بناتُ الأعمام، والعمات، والأخوال والخالات. والأصل في حرمة ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُم أُمَّهَاتُكُم وَبَنَاتُكُم وأَخَوَاتُكُم وعَمَّاتُكُم وخَالَاتُكُم وبَنَاتُ الأخِ وبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ (٢) ، والجَدَّاتُ أُمَّهاتٌ، وبناتُ الأولاد بناتٌ، إذ الأم الأصل، والبنتُ الفرعُ، فكأنه قال: أُصولُكُم وفُرُوعُكُم، فيكون من المجاز المُرْسَل، أو على قول مَنْ يقول: إن اللفظ الواحد يجوز أن يُرَاد به الحقيقة والمجاز في مَحَلَّين مختلفين، أو نقول: ثبتت حرمة الجدات وبنات الأولاد بالإجماع. والأخوات أصناف ثلاثة: الأخت لأبوين، ولأب، ولأم. والعمات والخالات تشمل أخوات الأب والأم لأبوين، ولأب ولأم، وبنات الأخ وبنات الأخت يَعمّ بنات الأخ والأخت لأبوين، ولأبٍ، ولأم. (وأمُّ زَوْجَتِهِ) سواء دخل بزوجته أو لا، وسواء كانت الأمَّ القُرْبَى أو البُعْدى وهي الجدة، لإطلاق قوله تعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسَائِكْم﴾ (٣) .

стр. 747

وَبِنْتُها، مَوْطُوءَة، === (وَبِنْتُها) أي بنت زوجته، حال كون زوجته (مَوْطُوءَةً) وهو شرطٌ إجماعاً، سواء كانت البنت في حِجْرِه: بأن كانت مع أمها في بيته، وهو شرط عند عليِّ، وإليه ذهب داود، وحُكِي عن مالك، أو لم تكن في حِجْرِه لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾ (١) . والدخول كنايةٌ على الجِمَاع، وذِكرُ الحِجْر خَرَجَ مَخْرَجَ العادة، أو للتشنيع عليهم لا لتعلّق الحكم به نحو: ﴿أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ في قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ (٢) ، ثم في تحريم البنت على الرجل بعد الخلوة الصحيحة بأُمها من غير الوطء اختلافٌ، فقيل: يثبت، وهو قول أبي يوسف، وهو الأظهر، وعليه الأكثر، وقيل: لا يثبت، وهو قول محمد. ثم اعلم أنّ حُرْمة أم المرأة والربيبة تثبت بنفس العقد في قول عمر، وابن عباس، ورجع إليه ابن مسعود حين ناظره عمر، وبه أخذ أئمتنا، وفي قول عليَ وزيد بن ثابت لا يثبت إلا بالدخول بالبنت، وبه أخذ محمد بن شُجَاع وبِشْر المَرِيسي، وهو أحد قولي الشافعي، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسَائِكُم﴾ الآية (٣) ، إذ الأصل أنّ الشيء إذا عُطِفَ على شيء في حكمٍ، وذُكِر في المعطوف شرطٌ، فذا ينصرف إليهما، (فكذا هنا، ذَكَرَ أُمَّ المرأة ثم عَطَف عليها الربائب، ثم شَرَطَ الدخول، فانصرف إليهما) (٤) . قال في «المبسوط»: ولكنا نستدل بحديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَزَوَّجَ امرأةً حَرُمَتْ أمُّها، دَخَلَ بها أو لم يَدْخُلْ، وحَرُمَتْ عليه ابنتُها إن دَخَل بها». وكان ابن عباس يقول: أم المرأة مُبْهَمَةٌ فأبْهِموا ما أبهم الله فبَيَّنَ أنّ الشرط المذكور، وهو الدخول، ينصرف إلى الربائب دون الأمهات. واختلفَ الصحابة في أن الحِجْرَ هل يُنْصَبُ شرطاً لهذه الحرمة أو لا؟ فكان عليٌّ يقول: الحِجْرُ شرطٌ لقوله تعالى: ﴿ورَبَائِبُكُم اللاَّتي فِي حُجُورِكُمْ من نسائِكُم اللاَّتي دَخَلتُم بِهِنَّ﴾، ولما روي أنه عُرِضَ على رسول الله ﷺ رَبِيبةُ بِنتِ أمّ سَلَمَةَ

стр. 748

وزَوْجَةُ أصْلِهِ وَفَرْعِهِ، === فقال: «لو لم تكن رَبِيبَتي في حِجْري ما كانت تَحِلُّ لي، أرْضَعَتْني وأباها ثُوَيْبَةُ» (١) . فأما عمر وابن مسعود فإنهما كانا يقولان: الحِجْرُ ليس بشرط، وبه أخذ علماؤنا، للحديث الذي رويناه، وإنما ذَكَرَ الحِجْرَ في الآية على وجه العادة لا على وجه الشرط، كما في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُم فِيهِمْ خيراً﴾ (٢) ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣) ، شَرَطَ للحِلِّ عدمَ الدخول، فذلك دليل على أنه بعد ما دخل بالأم لا تَحِلّ له البنتُ قط، سواء كانت في حِجْرِهِ أو لم تكن. (وزَوْجَةُ أصْلِهِ) أي أبِيهِ وَجَدِّه، وإن بَعُدَ، سواءٌ كان من قِبَلِ أبيه أو من قِبَل أُمّه، وكذا مَوْطُوءَته، أما الموطوءة فلقوله تعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنْ النِّسَاءِ﴾ (٤) . وأما المعقود عليها عقداً صحيحاً، فللإجماع، ولإقامة ما يُفضي إلى الوطاء مُقَام الوطاء. (وَ) زوجةُ (فَرْعِهِ) وهي زوجة ابنه وإن سَفَل، لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أبنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلَابِكُم﴾ وذَكَرَ الأصْلَابَ لإخراج ابن التَّبَنِّي، فإن حليلته لا تَحْرُم، وكذا يَحْرُم الجمع بين الأُختين نِكاحاً وكذا فِرَاشاً (٥) حتى لا يجمع بين الأُختين وطئاً بمِلك اليمين لإطلاق قوله تعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بين الأُخْتَينِ﴾ (٦) ، فإنه في موضع رفعٍ، عطفاً على المُحَرَّمات، وهو قول عليّ وابن مسعود وعَمَّار بن ياسر، فإنه قال: ما حرَّم الله من الحرائر شيئاً إلا وحَرَّم من الإماء مثله، إلا رجل يجمعهن يريد به الزيادة على الأربع. وكان عثمان يقول: أحَلَّتهُما آيةٌ وحرَّمَتْهُما آية. يريد بآية التحليل قوله تعالى: ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ﴾ (٦)، وبآية التحريم قوله: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بين الأُخْتَينِ﴾. وكان يتوقف في ذلك. قلنا: عند التعارض يترجح جانب الحُرمة لقوله ﷺ «وما اجْتَمَعَ الحرامُ والحلالُ إلا وغَلَبَ الحرامُ» (٧) .

стр. 749

وكلُّ هَذِهِ رَضَاعًا. وَفَرْعُ مَزْنِيَّتِهِ === (وكلُّ هَذِهِ رَضَاعاً) أي وَحَرُمَ جميعُ المذكورات إذا كُنَّ من الرَّضاع. وفي «شرح الوقاية»: وهذا يشمل عدة أقسام: كبنت الأخت مثلاً، تشمل البنتَ الرَّضَاعِيَّة للأُخت النَّسَبِيّة، والبنتَ النَّسَبِيّة للأُخت الرَّضَاعية، والبنتَ الرَّضاعِيَّة للأُخت الرَّضَاعِية انتهى. وأصل ذلك قوله تعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُم اللاَّتي أرْضَعْنَكُم وأَخَوَاتُكُم من الرَّضَاعَة﴾ (١) ، وما في «الصحيحين» عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أُرِيدَ على ابنة حمزة (٢) فقال: «إنها لا تَحِلُّ لي إنها ابنةُ أخي من الرَّضاعة، وإنه يَحْرُمُ من الرَّضَاعة ما يَحْرُمُ مِنْ النَّسَب». (وَ) حَرُمَ (فَرْعُ مَزْنِيَّتِهِ) سواء كان الفرع من زناه أو من غيره، فالزنا عندنا يُوجِب حُرمةَ المصاهرة، حتى لو زنى بامرأةٍ حَرُمَت عليه أُمُّها وبنتها، وَحرُمَت الموطوءة على أصوله وفروعه. وعند الشافعي لا يُوجِبها، وعن مالك روايتان، المشهورةُ كمذهبنا. واحتج في «المبسوط» للشافعي بقوله ﷺ «الحرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلَال». كذا رواه ابن عباس. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ سُئِل عمن يبتغي من امرأة فجوراً ثم تزوَّجَ ابنتها؟ فقال: «لا بأس، لا يُحَرِّمُ الحرامُ الحلالَ». ولنا عموم قوله تعالى: ﴿ولَا تنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُم من النِّسَاءِ﴾ (٣) ، وقد بَيَّنَّا أن النكاح للوطاء حقيقةً، فتكون الآية نصاً في تحريم موطوءة الأب على الابن، فالتقييد بكون الوطاء حقيقةً في الحلال زيادةٌ، ولا تَثْبُتُ هذه الزيادة بخبر الواحد ولا بالقياس، والدليل عليه أن موطوءة الأب بالمِلك حَرَامٌ على الابن بهذه الآية، فدلّ على أنّ المراد بالنكاح الوطاءُ لا العقدُ. وما ذهبنا إليه هو قول عمر، وابن مسعود، وابن عباس، في الأصح، وعمرانَ بن حُصَين، وجابر، وأُبَيَ وعائشة، وجمهورِ التابعين: كالحسن البَصْري، والنَّخَعِي، والأَوْزَاعي، وطاوس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن المُسَيَّب، وسليمان بن يسار، وحَمّاد، والثَّوْرِي، وإسحاق بن رَاهُويَه. والحديث غيرُ مَجْرِيَ على ظاهره، فإن كثيراً

стр. 750

وَمَمْسُوسَتِهِ وَمَاسَّتِهِ وَمَنْظُورٍ إلى فَرْجِهَا الدَّاخِلِ بِشَهْوةٍ، === من الحرام يُحَرِّمُ الحلالَ، كما إذا وقعت قطرةٌ من خمرٍ في ماء (١) ، وكالوطاء بالشبهة، ووطاء الأَمَة المشترَكة، ووطاء الأب جاريةَ الابن، فإن هذا كله حرامٌ حَرَّمَ الحلالَ. هذا لو صح الحديث، لكن حديث ابن عباس مُضَعَّفٌ برواية عثمان ابنعبد الرحمن الوَقَّاصِي، لطعن يحيى بن مَعِين فيه بالكَذِب، ولقول البخاري، والنَّسائي، وأبي داود فيه: ليس بشيء. وذكره عبد الحق عن ابن عمر ثم قال: في إسناده إسحاق ابن أبي فَرْوَة، وهو متروك. وقد احتج بعض أصحابنا بما روي: «أَنّ رجلاً قال: يا رسول الله إني زَنَيتُ بامرأةٍ في الجاهلية، أفَأَنْكِح ابْنَتَهَا؟ قال: لا أرى ذلك، ولا يَصْلُحُ أنْ تَنْكِحَ امرأةً تَطَّلِعُ من ابْنَتِها على ما تَطَّلِعُ عليه منها» (٢) . وهو مرسل ومنقطع، وفي سنده أبو بكر بن عبد الرحمن بن أم حكيم. وبما رُوي من طريق ابن وَهْبٍ، عن أبي أيوب، عن ابن جُرَيج: أن النبي ﷺ قال في الذي تَزوَّجَ امرأةً فَيَغْمِز (٣) ولا يزيد على ذلك: «لا يَتَزَوَّج ابْنَتَهَا». وهو مرسل ومنقطع، إلا أن هذا لا يقدح عندنا إذا كانت الرجال ثقات. ثم كما تثبت حرمةُ المصاهرة بالوطاء، تثبت بالمَسِّ والتقبيل عن شهوة عندنا، سواء كان في الملك أو في غيره، وهذا معنى قوله: (وَ) فرعُ (مَمْسُوسَتِهِ) (وَ) فَرْعُ (مَاسَّتِهِ) سواء كان المس عمداً أو سهواً، أو خطأً أو كَرْهاً، وسواء كان بحائل، ووجد حرارةَ البدن، أو بلا حائل، لأنه استمتاع، فكان كالوطاء. وقال مالك: القُبلة واللَّمس يقومان مقام الوطاء، وخالف الشافعي أيضاً في ذلك حتى لو قَبَّل أَمَتَه ثم أراد أن يتزوج ابنتها يجوز عنده، وكذا لو تزوَّج امرأةً وقَبَّلها بشهوة ثم ماتت، يجوز له أن يتزوج ابنتها عنده. (وَ) فَرعُ (مَنْظُورٍ إلى فَرْجِهَا الدَّاخِلِ)، ولا يَتَحقَّقُ ذلك إلا إذا كانت مُتَّكِئَةً (بِشَهْوةٍ) متعلق باللَّمس والنظر على طريق التنازع. وقال الشافعي: لا تثبت الحرمة بالنظر، ومذهب مالك أن النظر للَّذةِ مُحتَمِلٌ لثبوت الحرمة كالقُبلة، ولعدَمِهِ كالتفكُّر. ولنا ما رواه في «الغاية السَّمْعَانية» عن النبي ﷺ «مَنْ نَظَرَ إلى فَرْجِ امرأةٍ

стр. 751

وأصْلُهُنَّ. وَمَا دُوْنَ تِسْعِ سِنينَ لَيسَتْ بِمُشْتَهَاةٍ. === بشهوةٍ حَرُمَتْ عليه أُمُّها وابْنَتُها» (١) . وعن عمر أنه جَرَّد جاريةً ونظر إليها، ثم استوهبها منه بعض بنيه فقال: إنها لا تَحِلُّ لك. وعن عبد الله بن عمر أنه قال: إذا جامع الرجلُ المرأةَ أو قَبَّلها أو لمسها بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة، حَرُمَتْ على أبيه وابنه، وحرمت عليه أُمُّها وابنتها. وعن مسروق أنه قال: بيعوا جاريتي هذه، أما أنِّي لم أُصِبْ منها إلا ما يُحَرِّمها على ولدي من المس والقُبْلَة. ولأن المس والتقبيل سببٌ يُتَوَصَّل به إلى الوطاء، فإنه من دواعيه ومقدماته، والحرمة تُبنَى على الاحتياط، فيقام سبب الوطاء مقامه. ولو نظر إلى فرجها من وراء زجاج، أَوْ من وراء ماء بأن كانت في الماء، تثبتُ المصاهرةُ، ولو نَظَرَ فَرْجَها في المرآة لا تثبت، لأنه عَكَسَ فَرْجَها لا حقيقته، ولو نظرت المرأةُ إلى ذَكَر الرجل فهو مثل نظر الرجل إلى فرج المرأة. وحد الشهوة أن يشتهي بقلبه، ويَتَلَذَّذ به، ويَمِيل أنْ يُوَاقِعَها، ولا يُشترط تَحَرُّكُ الآلة ولا انتشارها، وهو الأصح عند بعضهم، وقيل: يُشْتَرَطَان. وفي «الخلاصة»: وعليه الفتوى. ويعتبر في الشهوة أن تكون عند اللمس والنظر، حتى لو وُجِد بغير شهوة ثم اشتهى بعد الترك، لا تتعلق به الحرمة. ويُشترط أن لا يُنْزِلَ عند اللمس والنظر، حتى لو أنزل لا يثبت حرمة المصاهرة وعليه الفتوى، لأن اللمس والنظر حينئذ ليسا بمُفْضِيَيْنِ إلى الوطاء، وما أثبتنا حرمةَ المصاهرة إلا لإفضائها إلى الوطاء. (و) حرم (أصْلُهُنَّ) أي أصل مَزْنِيَّتِهِ، وَمَمْسُوسَتِهِ، ومَاسَّتِهِ، ومنظورٍ إلى فرجها. (وَمَا دَوْنَ تِسْعِ سِنينَ لَيسَتْ بِمُشْتَهَاةٍ) وعليه الفتوى، وأما بنتُ التسع وأكثر، فقد تكون مشتهاةً وقد لا تكون، وهذا يختلف بِعِظَمِ الجُثَّة وصِغَرِها كما في «شرح الوقاية». وفي «شرح الكنز»: بنتُ تسعٍ مشتهاةٌ من غير تفصيل، وبنت خمس وما دونها غير مشتهاة من غير تفصيل، وبنت ستَ وسبعٍ وثمانٍ إن كانت عَبْلَةً ضخمة كانت مشتهاة، وإلا فلا. ولو كَبِرَت المرأة حتى خرجت عن حَدِّ الاشتهاء تُوجِب الحرمةَ، لأنها دخلت تحت حكم الاشتهاء، فلا تخرج بالكِبَرِ، ولا كذلك الصغيرة.

стр. 752

ويُحَرِّم نِكَاحُ امْرَأةٍ وَعِدَّتُهَا نِكَاحَ امْرَأةٍ أيَّتُهُما فُرِضَتْ ذكراً لم تَحِلَّ لَهُ الأُخْرَى، وَوَطْأَهَا مِلْكًا، === (ويُحَرِّم) بكسر الراء المشددة، أي ويمنع منعَ تحريم (نِكَاحُ امْرَأةٍ) أي عقدَ أحدٍ عليها (وَعِدَّتُهَا) من طلاق رَجْعِيَ أو بائن، أو عتقٍ، إذا كانت أمَّ ولد (نِكَاحَ امْرَأةٍ) أي عقدها، وهو مفعول يُحَرِّم، وجملة (أيَّتُهُما فُرِضَتْ ذكراً لم تَحِلَّ لَهُ الأُخْرَى) صفة المرأتين (وَوَطْأَهَا) بالنصب عطف على مفعول يُحَرِّم، أي: ويُحَرِّم نكاحُ امرأة وعدتُها أيضاً وَطْءَ امرأة (مِلْكاً) أي من جهة المِلك، إذا كانتا أيتهما فُرِضت ذَكَراً لم تَحِلَّ له الأخرى، فلا يجوز الجمع بين الأختين كما وقع في النص، وعليه الإجماع. وأما ما في «الهداية» من قوله ﷺ «مَنْ كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يَجْمَعَنَّ مَاءَهُ في رَحِم أُختين». فغير معروف، نعم روى الضحاك بن فيروز الدَّيْلَمِي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، إني أسْلَمتُ وتحتي أُختان قال: «طَلِّقْ أيَّتَهُما شِئتَ». أخرجه أبو داود، وعند الترمذي: «اخْتَر أيَّتَهُمَا شئتَ»، وقال: هذا حديث حسن، وذكر البيهقي في إسناده عن أبي داود أنه حديث صحيح. وأخرجه ابن حِبّان في «صحيحه». ولا يُجْمَعُ بين المرأةِ وعَمَّتها، أو خالتها، أو بنت أختها. أو بنت أخيها، وقال عثمان البَتِّي وداود الظاهري: يجوز الجمع بين غير الأختين من المحارم، لقوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لكم ما وراء ذَلِكُم﴾ (١) . ولنا ما روى مسلم مفرّقاً، وأبو داود والترمذي والنَّسَائي مجموعاً من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تُنْكَحُ المرأةُ على عَمَّتِها، ولا العمّةُ على بنت أخيها، ولا المرأةُ على خالتها، ولا الخالةُ على بنت أُختها، ولا تُنْكَحُ الكُبرَى على الصُّغرَى، ولا الصغرى على الكبرى». كرر النفيَ من الجانبين لتأكيد الحكم، ولدفع تَوَهُّم جوازِ تزوُّجِ العمة على بنت أخيها، والخالة على بنت أُختها، لفضيلة العمة والخالة، كما يجوز تزوج الحرة على الأمة دون العكس. والمراد بالكبرى: العمة والخالة، وبالصغرى: بنت الأخ وبنت الأخت، والآية مخصوصة من عمومها ببنته وعمته من الرَّضاع، وبالمشركة، فيجوز تخصيصها بخبر الواحد والقياس (٢) ، والمُعْتَدَّة كالمنكوحة، بدليل ثبوت النفقة، والسُّكْنَى، والنَّسَب

стр. 753

وكَذَا وَطْؤُهَا مِلْكاً وَطْأَهَا نِكَاحاً ومِلْكاً لا نِكَاحَهَا، === بالفِراش، والمَنْع من الخروج. قيَّدَ بقوله: أيَّتهما فُرِضَتْ ذَكَراً لم تَحِلّ له الأخرى، لأنه لو فُرِضت إحداهما ذكراً لم تَحِلّ له الأخرى، ولو فُرِضت الأخرى ذكراً حلت له الأخرى، مثل المرأة وبنت زوجها، أو امرأة أبيها، جاز الجمع بينهما. وقال زُفَر، وابن أبي ليلى، والحسن البصري: لا يجوز، لأن الامتناع ثبت من وجهٍ، فالأحوطُ الحرمةُ، وللجمهور قوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ (١) وأن عبد الله بن جعفر جمع بين زينب بنتِ عليَ وزوجتِهِ النَّهْشَلِيّة، ولم يُنْكَر عليه. ذكره البخاري تعليقاً، وأسنده ابن أبي شيبة والدَّارَقُطْنِيّ، وكذا ابن عباس جَمَعَ بين امرأةٍ ورجلٍ وبنتِه من غيرها. ولا يجوز نكاح أخت مُعْتَدَّتِهِ من الطلاق البائن عندنا كالطلاق الرجعي، وحَكَمَ مالكٌ والشافعي بجوازه، لأنه نكاحٌ يرتفع بينهما علائقه، فيجوز له نكاح أختها كما بعد انقضاء العدة. ولنا: هذه مُعْتَدَّةٌ على الإطلاق، فليس له أن يتزوج بأُختها كالعدة من طلاق رجعي، ومذهبنا قول عليَ، وابنِ مسعود، وابن عباس ذكره سليمان بن يَسَار عنهم، وبه قال سعيد بن المُسَيَّب، وعَبِيدَة السَّلْمَاني، ومجاهد، والثوري والنَّخَعِي، ورُوي مذهبهما عن زيد بن ثابت، إلا أن أبا يوسف ذكر في «الأمالي» رجوعَ زيدٍ عن هذا القول، وذكر الطحاوي قول زيد الأَخير أنه ليس له أن يتزوجها، وحكى أن مروان شاور الصحابة في هذا، فاتفقوا على التفريق (٢) بينهما، وخالفهم زيد، ثم رجع إلى قولهم. وقال عَبِيدة: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء كاجتماعهم على تحريم نكاح الأخت في عِدَّةِ الأخت، والمحافظة على أربع قبل الظهر. (وكَذَا وَطْؤُهَا) بالرفع، أي: ويحرم وَطْءُ امرأة (مِلْكاً) أي من جهة المِلك (وَطْأَهَا) بالنصب، أي وَطْأ امرأةٍ أُخرى (نِكَاحاً ومِلْكاً) يتميزان، أي من جهتهما، إذا كانت بحيث لو فُرِضت أيّتهما ذَكَراً لم تَحِلّ له الأُخرى، (لا نِكَاحَهَا) بالنصب عطفاً على وطئها، أي لا يُحَرِّمُ وَطْءُ امرأة مِلكاً العقدَ على امرأة أخرى أيَّتهما فُرِضَت ذكراً لم يَحِلّ له الأخرى، لأن العقد ليس بوطاء، وإنما يصير وطئاً عند ثبوت حكمه، وهو حِلُّ الوَطاء، وحكم الشيء يَعْقُبُه.

стр. 754

فإنْ نَكَحَهَا لا يَطَأُ واحدةً حتى يُحَرِّمَ الأُخْرَى. وَصَحَّ نِكَاحُ الكِتَابِيَّةِ === (فإنْ نَكَحَهَا) أي عقد عليها (لا يَطَأُ واحدةً) من الموطوءة بالمِلك والمعقود عليها (حتى يُحَرِّمَ الأُخْرَى)، أما المَنكوحةُ فبطلاقها وانقضاء عدتها، وأما المملوكةُ فبعتقِها أو بعتق بعضها، أو بتمليك جميعها أو بعضها، أو بتزويجها، أو بكتابتها، لأنه إن وَطِاء المعقود عليها من غير تحريم المملوكة، كان جامعاً بين الموطوءتين حقيقةً، وإن وَطاء المملوكة من غير تحريم المعقود عليها، كان جامعاً بين موطوءة حقيقة وبين موطوءة حكماً، (وهي المعقود عليها) (١) . (وَصَحَّ نِكَاحُ الكِتَابِيَّةِ) ولو كانت أَمَةً، وفي الأَمَةِ خلافٌ سيأتي. والكِتَابِية: كافرةٌ تعتقد كتاباً سماوياً كصُحُفِ إبراهيم أو غيرها، وإنما صح نكاحها لقوله تعالى: ﴿وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ (٢) عطف على الطيبات في قوله تعالى: ﴿اليومَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٣) . وفي «المبسوط»: قال محمد بن الحسن: بلغنا عن حُذَيفةَ بن اليَمَان أنه تزوَّج يهوديةً. ولو تَزَوَّج كتابية على مسلمة جاز وقَسَمَ بينهما على السواء. وكان ابن عمر لا يُجَوِّز نكاح (٤) الكتابية ويقول: هي مُشْرِكة، وقد قال تعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٥) . وكان يقول: معنى الآية الثانية (٦) : واللاَّتي أَسْلَمْنَ من أهل الكتاب ولسنا نأخذ بهذا، فإن الله عطف المُشْرِكين على أهل الكتاب، فدلّ أن اسم المُشْرِك لا يتناول الكتابيَّ مطلقاً، ولو حملنا الآية الثانية على ما قال ابن عمر لم يكن لتخصيص الكتابية بالذِّكْر معنًى، فإن غيرَ الكتابية إذا أسلمت يَحِلُّ نِكاحُها. وقد جاء عن كعب بن مالك أنه تَزَوَّج يهودية، وخطب المُغِيرة بنُ شُعبةَ بنتَ النعمان بن المُنْذِر، وكانت تَنَصَّرَتْ فَأبَتْ وقالت: أيُّ رغبة لشيخ أعورَ في عجوز عمياء؟ ولكنْ أردتَ أن تفتخرَ بنكاحي فتقول: تَزَوَّجتُ بنتَ النعمانِ بنِ المُنْذِر فقال:

стр. 755

والأَمةِ مَعَ طَوْلِ الحُرَّةِ، === صدقتِ، وكانت بعد ذلك تدخل عليه فيُكرِمها ويسألها عن حالها فقالت: *فبينا نَسُوسُ النَّاسَ والأمرُ أمْرُنا ** إذا نحن فيهم سُوْقَةٌ نَتَنَصَّفُ* *فَأُفَ لدنيا لا يدوم نَعِيمُها ** تَقَلَّبُ تاراتٍ بنا وَتَصَرَّفُ* وقولها: نَتَنَصَّف أي: نُسْتَخْدَم، والمَنْصَفُ: الخادم. ولما كان الأمر على ما قُرِّر ذهب عامة المفسرين إلى تفسيرالمحصنات بالعفائف، والعِفَّة ليست بشرط أيضاً، وإنما قَيَّدَ للعادة، ولئن كانت شرطاً فانتفاؤه (١) لا يدل على عدم الجواز لما عرفتَ، فثبت الجواز بالنصوص المطلقة، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) . وقوله ﷺ «تناكحو … » (٣) ، وغير ذلك. (و) صح نكاح (الأَمةِ) (مسلمةً كانت أو كتابية) (٤) (مَعَ طَوْلِ الحُرَّةِ) أي مع القدرة على نكاح الحرة، بأن يكون له مهرها ونفقتها، لكن بشرط أن لا يكون تحته حُرَّةٌ، فإنه لا يجوز حينئذٍ إجماعاً. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز تزوّجُ الأمة الكتابية مطلقاً، ولا تَزَوُّجُ الأمةِ المسلمة إذا وَجَدَ طَوْلَ الحرة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِع مِنْكُم طَوْلاً أنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِنْ فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾ (٥) أي: فليتزوج، والمراد بالمحصنات هنا: الحرائر. ولنا النصوص المطلقة، نحو قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٦) ، وقوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ (٧) ، وأما الآية السابقة فقد نقلنا عن ابن عباس أن المراد حال وجود نكاح الحرة، وبه نقول، وهو معنى قوله ﷺ «لا تُنْكَحُ الأَمَةُ على الحُرَّةِ» (٨) . كذا في «الهداية». وروى البيهقي عن الحسن:

стр. 756

والمُحْرِمِ وَالمُحْرِمَة === رسول الله ﷺ نهى أن تُنْكَحَ الأمةُ على الحرة. قال: هذا مرسل إلا أنه في معنى الكتاب، وهو قول جماعة من الصحابة. وأما قول صاحب «الهداية»: ويجوز تَزَوُّج الحرة عليها لقوله ﷺ «تُنْكَحُ الحرة على الأمة»، فرفعه وَهمٌ، وإنما هو موقوف على عَليَ، كما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عنه بلفظ: إذا تزوجتَ الحرةَ على الأَمة قَسِّمْ لها يومين وللأَمة يوماً. لأن الأَمة لا ينبغي لها أنْ تُزَوَّجَ على الحرة. ثم قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنْكُم﴾ (١) . فيد عدم جواز نكاح الأَمة مطلقاً حين لا ضرورة من خشية العَنَت وهو: الخوف على نفسه من الزنا. (و) صح نكاح (المُحْرِمِ وَ) نكاح (المُحْرِمَة) بالحج أو العمرة، وهو مذهب الثَّوري. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يَصِحُّ نكاحُ المُحْرِم زوجاً كان أو وَلِيًّا، ولا نكاحُ المُحْرِمة، لِمَا روى الجماعة إلا البخاريَّ من حديث نُبَيْه بن وَهْبٍ: أن عمر بن عُبَيد الله أرسله إلى أبانَ بنِ عثمان بن عفان يسأل، وأبانُ يومئذٍ أميرُ الحجِّ، وهما مُحْرِمان: إني أردت أن أُنْكِح طلحةَ بن عمر ابنةَ شَيبةَ بن جُبَير؟ فقال أبان: سمعتُ أبي عثمانَ يقول: قال رسول الله ﷺ «لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ ولا يُنْكَح». زاد مسلم وأبو داود في رواية: «ولا يَخْطُب»، وزاد ابن حِبَّان: «ولا يُخْطَبُ عليه»، وهما (٢) محمولان على الكراهة اتفاقاً، فليكن ما قبلها كذلك، ولِمَا في «الموطأ» عن داود بن الحُصَين أن أبا غَطَفَان المُرِّي (٣) أخبره أن أباه طَرِيفاً تَزَوَّج امرأةً وهو محرم، فردَّ عمر نكاحه. ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ (٤) وصريحُ ما في الكتب الستة من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ تزوَّج مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ. زاد البخاري: وبَنَى بها وهو حلال، وماتت بسَرِف. وهو ظرف للبناء والموت، وهو من أعجب التواريخ (٥) .

стр. 757

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وأما ما رواه يزيد بن الأَصَمّ أنه تزوجها وهو حلال، لم يَقْوَ قوةَ هذا، فإنه مما اتفق عليه الستة، وحديث يزيد لم يُخَرِّجه البخاري ولا النسائي، وأيضاً لا يقاوَم يزيدُ بابن عباس حفظاً وإتقاناً، لا سيما وميمونة خالته، فهو أعْرَف بخالته، لِمَا روى الطَّحاوي عن عمرو بن دينار: حدثني ابن شِهاب، عن يزيدَ بن الأصَمّ: (أنه ﷺ نَكَحَ ميمونة وهما حلالان، قال: فقلتُ للزُّهْرِيّ: وما يُدْرِي ابنَ الأصم؟) (١) إنه أعرابي بَوَّال على عَقِبَيْه، أتجعله مثل ابن عباس؟. وما روي عن أبي رافع أنه ﷺ تَزَوَّجها وهو حلالٌ، وبَنَى بها وهو حلال، وكنتُ أنا رسولاً (٢) بينهما، لم يُخَرَّج في واحد من الصحيحين (٣) وإن رُوي في «صحيح ابن حِبَّان»، فلم يبلغ ذلك في درجة الصحة، ولذا لم يقل فيه الترمذي سوى: حديث حسن، قال: ولا نعلم أحداً أسنده غير حَمّاد عن مَطَرٍ (٤) . قال بعض المحققين: والحاصل أنه قام رُكْنُ المعارضة بين حديث ابن عباس وحَدِيثَي يزيد وأبان، وحديثُ ابن عباس أقوى منهما سنداً، فإن رَجَّحْنا باعتباره كان الترجيح مَعَنَا، ويَعْضُدُهُ ما رواه الطحاوي عن أبِي عَوَانَة، عن مُغِيرَة، عن أبي الضُّحَى، عن مَسروقٍ، عن عائشة، قالت: تزَوَّج رسول الله ﷺ بعضَ نسائه وهو مُحْرِمٌ. قال: ونَقَلَةُ هذا الحديث كلهم ثِقاتٌ يُحْتَجُّ بروايتهم، ورواه البَزَّار في «مسنده» عن مسروق، عن عائشة أنه ﷺ تَزَوَّج ميمونةَ وهو مُحْرِمٌ، واحتجم وهو مُحْرِمٌ. وإن رَجَّحْنَا بقوة ضَبْطِ الرُّواةِ وفِقههم، فإن الرواة عن عثمان وغيره، ليسوا كمَن روى عن ابن عباسٍ ذلك، فقهاً وضبطاً، كسعيد بن جُبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وجابرِ بن زيد (٥) . وإن تركناه تساقطا للتعارض وصِرنا إلى القياس، فهو معنا،

стр. 758

وَحُبْلَى مِن زِنَا، === لأنه عقدٌ كسائر العقود التي يُتَلَفَّظُ بها من شراءِ أَمَةٍ للتَّسَرِّي (١) وغيره، ولا يمتنع شيء من العقود بسبب الإحرام، ولو حَرُمَ لكان غايته أن يُنَزَّل منزلةَ الوطاء وأثَرِهِ في إفساد الحج، لا في بطلان العقد نفسه وإن وَفَّقْنَا لدفع التعارض يُحْمَلُ لفظ التَّزَوُّجِ في حديث ابن الأصَمّ على البناء بها مجازاً، لعلاقة السببية العادية، ويُحْمَل قوله ﷺ «لا يَنْكِحُ المُحْرِم» إما، على نَهْي التَحْريم، والنكاحُ: الوطاءُ والمرادُ بالجملة الثانية (٢) : التمكينُ من الوطاء، والتذكيرِ (٣) باعتبار الشخص، أي لا تُمَكِّنُ المُحْرِمةُ زوجَها منه أو على الكراهة جمعاً بين الأدلة، وذلك لأن المُحْرِم في شغل عن مباشرة عقد النكاح، لأنه يَشْغَلُ القلبَ عن الإحسان في العبادة، لما فيه من خِطْبَةٍ، ومُرَاوَدَاتٍ، ودعوةٍ، واجتماعات، ويتضمن تنبيه النفس لطلب الجِمَاع، وهذا مَحْمَلُ قوله: «ولا يَخْطُب» إجماعاً. وقال في «الكافي»: والأوجه أن يقال: الحديث (يُروَى) (٤) بالنهي مجزوماً، وهو اختيار الخَطَّابي، والنهي يكون للتنزيه وإن رُوي منفيّاً فالنفي يجيء بمعنى النهي. (وَ) صحَّ نكاحُ (حُبْلَى مِنْ زِنَا) وقال أبو يُوسف وزُفَر: لا يَصِحّ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأن الحَبَلَ من الزنا محترم، حتى لا يجوز إسقاطه، فَيَمنعُ صحةَ النكاح، كما يَمْنَعُ الحَبَلُ (٥) من غيره اتفاقاً (٦) . ولنا قوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذلِكُمْ﴾ (٧) وإنما يمتنع تزوُّج الحُبْلى من غير الزِّنا لحرمة صاحب الماء، ولا حرمةَ للزاني والخلاف فيما إذا كان الناكحُ غيرَ الزاني، وفيما إذا لم يكن الحملُ ثابتَ النَّسَب من غير الناكحُ، فإنه إذا كان الزاني هو الناكحَ يصح النكاح إجماعاً، (وإذا كان الحَبَلُ ثابتَ النَّسَب من غير الناكح لا يصح النكاح إجماعاً) (٨) .

стр. 759

وَلَا تُوطَأُ حَتَّى تَضَعَ. وَمَنْ ضُمَّتْ إلى مُحَرَّمَةٍ، === (وَلَا تُوطَأُ) أي ولا يطؤها الزوجُ (حَتَّى تَضَعَ) كيلا يَسقيَ ماؤه زرعَ غيره (١) ، ولا يلزم من حرمة الواطاء لعارضِ الحَبَل فسادُ النكاح، كما لا يلزم ذلك من حُرمته لعارضِ الحيضِ والنِّفاس. ثم المذكور في «الهداية»: أن حرمة الوطاء لأجل أن يسقي ماؤه زرعَ غيره، ويُفهم منه أن الناكح لو كان هو الزاني يجوز الوطء، وذكر في «الملتقط»: أنه لا يجب النفقة للحُبْلَى من الزِّنى ما لم تضع الحَمْل، لأنه لا يَحِلّ له الاستمتاع بها عند من يُجِيزُ النكاح، سواءٌ كان الحَبَل منه أوْ لا، وإطلاق كلام المتن يُشعر ذلك. ذكره البِرْجَنْدِي. والظاهر أن قوله: «سواءٌ» تعميمٌ لقوله: لا يجب النفقة، لا لقوله: لا يحل له الاستمتاع، فيوافق عبارة «الهداية» الموافِقَة للقياس على ما سبق من الرواية. وفي «واقعات النَّاطِفِي»: رجل تزوَّج امرأة، فجاءت بسِقْطٍ استبان خَلْقُهُ، إن جاءت به لأقلَّ من أربعة أشهر لم يَجُز النكاح، لأن خَلْقَ الولد إنما يَستَبِينُ في أربعة أشهر، فتعيَّنَ أن الولد من الأول. ثم ليس الزنا ووطاءُ المولى مانعاً من تزويج الجارية، أما الزنا، فلعدم حُرمة ماءِ الزاني، وأما المولى فلأنها ليست بفِرَاشٍ لمولاها، فإنها لو جاءت بولد لا يَثْبُتُ نسبه بغير دعوة، إلا أنه يُستحب أن يَسْتَبْرِئَها صيانة لمائه، ومَنَعَ زُفَر جواز تزوُّجها حتى تحيض ثلاث حِيَض، بناء على أصله وهو: وجوب العِدَّة للتزوج بعد كل وطاء ولو من زنا. وقال محمد: لا أُحِبُّ أن يطأها قبل الاستبراء، يعني إذا زَوَّجها المولى قبله، لأنه لو تحقق الحَمْلُ يَحْرُم الوطاء، تفادياً عن سقي زَرْعِ غيره، فإذا احتمل وَجَبَ التنزُّهُ احتياطاً، كما لو كان مكانَ النكاح الشراءُ. (وَ) صَحَّ نكاح (مَنْ ضُمَّتْ) في عقد النكاح (إلى مُحَرَّمَةٍ) بتشديد الراء المفتوحة، بأن ضُمَّت إلى مُحَرَّمَةٍ، أو وَثَنِيَّة، أو ذات زوج، أو مُعْتَدَّةِ الغير، ويَبْطُل نكاح الأُخرى، لأن بُطلان نكاح المُحَرَّمة لا يقتضي بطلانَ نكاح المَضمومة معها في العقد، والفرق بين هذا وبين الجمع بين حُرَ وعبد في البيع، حيث يبطل البيع فيهما، أنّ قبول العقد فيما لا يجوز، شرطٌ في صحة العقد فيما يجوز، وهو شرط فاسد، والبيع يبطل

стр. 760

لا نِكَاحَ أَمَتِهِ ومَالِكَتِهِ وَلا كَافِرَةٍ غَيْرِ كتَابِيَّةٍ === بالشروط الفاسدة، والنكاح لا يبطل بها. وعن النَّخَعي: النكاحُ يَهْدِم الشرط، والشرط يَهْدِم البيع. ثم المسمَّى بكماله للتي صح نكاحها عند أبي حنيفة. وقالا: يَقْسِم على مهرِ مِثْلِهِمَا فما أصاب التي صح نكاحها لزمه، وما أصاب الأُخرى سقط عنه. وفي «الزيادات»: ولو دخل بالتي لا تَحِلُّ له يلزمه مهرُ مِثلِها، ولا حَدَّ عليه مع العلم بالحرمة عند أبي حنيفة. (نِكاحُ الشِّغَار) ويصح عندنا نكاح الشِّغار ـ بكسر الشين ـ، وهو: أَنْ يقول الرجل للرجل: أُزَوِّجُك أُختي على أن تزوِّجني أُختَكَ، على أن يكون مهرُ كلِّ واحد منهما نكاحَ الأُخرى، أو قالا ذلك في ابنتَيْهِما أو أُمَّيْهِما، ولكل واحدة منهما مهرُ مثلها. وأبطله مالك والشافعي لنهيه ﷺ عن نِكاح الشِّغَار، كما رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة، والنهي يقتضي فسادَ المنهيِّ. ولنا أن النِّكاحَ لا يَبطل بالشرط الفاسد، واستدلالهما بالنهي غير صحيح، لأن النهي للخُلُوِّ عن المهر، هكذا قال ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ أن تُزَوَّجَ المرأةُ بالمرأة من غير مهرٍ لكلِّ واحدة منهما. وهذا لأن الشِّغَار هو الخُلُوّ في اللغة، يقال: بلدة شَاغِرَة: إذا كانت خَالية من السُّلطان، وإنما أراد به أن تَخْلُوَ المرأة بالنِّكاح عن المهر، وبه نقول. (لا نِكَاحَ) أي لا يصح للرجل نكاح (أَمَتِهِ) لأن مِلك المُتْعَة ثابتٌ له قبل التزوُّج، فيؤدي إلى إثبات الثابت، إلا إذا كان هناك شبهة الحرية، فيرتفع بهذه القضية. (و) لا نكاح (مَالِكَتِهِ) لأن النكاح ما شُرِعَ إلا مثمراً ثمراتٍ مشتَركة بين المُتَنَاكِحَين، ولهذا كان لها أن تُطَالب بالوطاء، كما له أن يُطَالبها يالتَّمْكِين، والمملوكيةُ تُنَافي المالِكِيَّة (١) ، فيمتنع حينئذٍ وقوع ثمرة النكاح على الشركة، ولو نكح العبد بنتَ مولاه جاز، لأنها لا مِلْكَ لها في مال أبيها. (وَلا) نكاح (كَافِرَةٍ غَيْرِ كِتَابِيَّةٍ) ولا وطؤها بملك اليمين، سواء كانت مجوسية،

стр. 761

وَلا أُخْرَى لِلحُرِّ في عِدَّةِ رَابِعَةٍ ولِلْعَبْدِ فِي عِدَّةِ ثَانِيةٍ. === أو وثنية أو صابئة، إن كان الصاباء مَنْ لا كتاب له، بل يعبد الكواكب أو الملائكة، كما قيل عن أبي يوسف ومحمد، لا إن كان نصرانياً يقرأ بالزَّبُور ويُعَظِّم الكواكب كتعظيمنا القِبلة كما قيل عن أبي حنيفة. أما المجوسية، فلِمَا روى عبد الرزاق، وابن أبي شَيْبة في «مُصَنَّفَيْهما» من حديث قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن علي: أن النبي ﷺ كَتَبَ إلى مجوسِ هَجَر يَعْرِضُ عليهم الإسلام، فَمَنْ أسلم قُبِل منه، وَمن لم يُسْلِم ضُرِبت عليه الجِزْيَة، غير نَاكِحي نسائهم ولا آكِلي ذبائحهم. قال ابن القَطَّان: هو مرسلٌ، ومع إرساله فيه قيس بن مسلم، وهو ابن الربيع، وقد اختُلِف فيه، وهو ممن ساء حفظه بالقضاء. ورواه ابن سعد في «الطبقات» من طريق ليس فيها قيس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ كتب إلى مجوس هَجَر. إلى أن قال: «لا تُنْكَح نساؤهم، ولا تُؤكَلُ دبائِحُهُم». وسيأتي ما فيه من الكلام في باب الجزية إن شاء المَلِك العَلاّم. وقال داود الظاهري وأبو ثور: يجوز تَزَوُّج المجوسية، لأن المجوس كان لهم كتاب، فَوَاقَعَ مَلِكُهُم أُخْتَهُ ولم يُنْكَرْ عليه، فرُفع كتابهم ونَسُوه وأُجيب بأن العبرة للحال كالوثني من ولد إسمعيل ﵊ لا يعتبر ذلك فيه الآن. وأما الوثنية فلقوله تعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْركَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (١) ، والمشركة لا تتناول الكتابيةَ لاختصاصها باسم آخر، ألا ترى أن الله سبحانه عطف المشركين على أهل الكتاب بقوله: ﴿لم يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهلِ الكِتَابِ والمُشْرِكِينَ﴾ (٢) والعطف يقتضي المغايرة. وقال سعيد بن المُسَيّب، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار: يجوز وطاء المشركة بملِكِ اليمين، لورود الأثر بجواز وطاء سبايا العرب. وأُجِيب بأن ما ورد من وطاء سبايا العرب محمولٌ على الوطاء بعد الإسلام، أو هو منسوخ بما تلونا. (وَلا) يصح نكاح (أُخْرَى لِلحُرِّ في عِدَّةِ رَابِعَةٍ) سواء كانت عدة طلاق رجعي أو بائن، كيلا يصيرَ جامعاً بين خمسٍ حُكْماً. (و) نكاح أخرى (لِلْعَبْدِ فِي عِدَّةِ ثَانِيَةٍ)

стр. 762

وَلا يَصِحُّ أَمَةٍ عَلى حُرَّةٍ أَوْ فِي عِدَّتِهَا، وَلا حَامِلٍ ثَبَتَ نَسَبُ حَمْلِها، === لئلا يصيرَ جامعاً بين ثلاثة حكماً، لأن المُعْتَدَّةَ وإن كانت مُبَانَةً بينونةً غليظةً، نكاحُها باقٍ من وجه لبقاء النَّفَقَةِ، والسُّكْنَى، والمنع من الخروج، واعتبار الفِرَاش، ولذا يثبت نَسَبُ ولدها إذا جاءت به لأقلَّ من سنتين، فصار كما لو تَزَوَّجَ الحُرُّ أُخرى والرابعةُ في مِلك نكاحه، أو تزوج العبد أُخرى والثانيةُ في ملك نكاحه. (وَلا يَصِحُّ) نكاح (أَمَةٍ) سواء كانت مُدَبَّرَةً أو أمَّ ولدٍ أو مُكَاتَبَة (عَلى حُرَّةٍ أَوْ فِي عِدَّتِهَا) أي عِدَّة الحُرَّة، سواء كانت عِدَّةً عن طلاق رجعي، وهو قولهما، أو عن بائن، وهو قول أبي حنيفة. لهما ـ وهو قول ابن أبي ليلى ـ: أنّ الحرام إدخال الأمة على الحرة، وهو إنما يتحقق إذا كان مِلكُه باقياً عليها، وهذه مُبَانةٌ فلا يكون متزوجاً عليها، كما لو تزوج أمةً في عدة حرة من نكاح فاسد، أو وطاءٍ بشبهة، ولهذا لو حلف لا يتزوج عليها، فأبانها وتزوج في عدتها، لا يحنث. ولأبي حنيفة: أن مِلك المُعْتَدَّة عن طلاق بائن باقٍ من وجه، فالاحتياطُ المنعُ، كنكاح المرأة في عدة أُختها، أو في عدة رابعةٍ. وقال الشافعي: يجوز للعبد أن يتزوج الأمةَ على الحرة. وقال مالكٌ: يجوز تَزَوُّجُ الأمة على الحرة إذا رضيت الحرة. ولنا ما روى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في «مُصَنَّفَيْهِما» عن الحسن قال: نَهَى رسول الله ﷺ أن تُنْكَحَ الأمةُ على الحرة. وقال عليٌّ ﵁: لا تُنْكَح الأمة على الحرة. ونحوُه عن ابن مسعود، رواهما ابن أبي شيبة. وقال جابر بن عبد الله: لا تُنْكَح الأمة على الحرة، وتُنْكَح الحرة على الأمة. رواه عبد الرزاق في «مصنفه» فهذه آثارٌ ثابتة عن الصحابة تُقَوِّي الحديث المُرْسَل (لو لم نقل) (١) بِحُجِّيَّتِهِ، فوجب قَبوله. ثم علماؤنا والشافعيُّ قَصَروا العبد على تزوُّج ثنتين. وقال مالك: له أن يتزوج أربعاً. ومذهَبُنا مرويٌّ عن عمر ﵁ قال: لا يتزوج العبدُ أكثرَ من ثنتين. (وَلا) يصح نكاح (حَامِلٍ ثَبَتَ نَسَبُ حَمْلِها) بأن كانت مَسْبِيَّةً، أو مُهَاجِرَةً ذاتَ حَمْلٍ من حَرْبيَ، روى ذلك محمد عن أبي حنيفة، واعتمده الكَرْخي لحرمة صاحب الماء بسبب ثبوت النَّسَب منه. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن المَسْبِيَّة، أو

стр. 763

وَلا المُتْعَةِ، === المُهَاجِرَة إذا كانت حاملاً من حربيّ يجوز تزوجها، ولا تُوطَأ حتى تضع. واعتمد الطحاوي هذه الرواية. (حكم نكاح المُتعة) (وَلا) يصح نكاح (المُتْعَةِ) وصورته: أن يُقال بحضرة الشهود لامرأة خالية عن الموانع: مَتِّعِيني نفسك، أو: أتَمَتَّعُ بِكِ كذا بكذا، ويَذكر مدةً من الزمان، وقَدْراً من المال، فتقول: مَتَّعْتُكَ نفسي. ولا بُدَّ من لفظ التمتع فيه، فرقاً بينه وبين المُوَقَّتِ لِمَا روى مسلم من حديث إياس بن سَلَمَة بن الأكوع قال: رَخَّصَ رسول الله ﷺ عام أَوْطَاس في المُتْعَة ثلاثاً، ثم نهى عنها. قال البيهقي: وعام أوْطَاس، وعام الفتح واحد، لأنه بعد الفتح بيسير. انتهى. وأوطاسُ يُصْرَفُ ولا يُصْرف: وادٍ من ديار هَوَازِن بالطائف، فيه قَسَمَ رسول الله ﷺ غنائم حُنَين. وفي كتاب «الناسخ والمنسوخ» للحَازِمي: قد كانت المُتْعَة مباحةً في صدر الإسلام، وإنما أباحها النبي ﷺ للسبب الذي ذكره ابن مسعود، كما في الصحيحين عن قيس بن أبي حَازِم قال: سمعتُ عبد الله بنَ مسعود يقول: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس لنا نِساءٌ فقلنا: ألا نَسْتَخْصِي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رَخَّص لنا أن تُنْكَحَ المرأةُ بالثوب إلى أجلٍ، ثم قرأ عبد الله: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ الَا يُحِبُّ المُعْتَدِين﴾ (١) ، وقراءَةُ عبد الله الآيةَ دَلَّ على أنه كان يَعتقد الإباحةَ مستمرةً كابن عباس، إلا أنه رَجَعَ بقول سعيد بن جُبير كما سيأتي. وأما ابن مسعود فلعله رجع بعد ذلك أو استمر، لأنه لم يبلغه النهي بالنصّ، أو للسبب الذي ذكره ابن عباس، كما روى الترمذي عن ابن عباس، قال: إنما كانت المُتْعَةُ في أول الإسلام، كان الرجل يَقْدُم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأةَ بِقَدْرِ ما يرى أنه يُقيم، فتَحْفَظُ له مَتَاعَهُ، وتُصْلِحُ له شيئه، أي طبخه ونحوه، حتى إذا نزلت الآية: ﴿إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُم﴾ (٢) قال ابن عباس: كلُّ فَرْجٍ سواهما حرامٌ، أي سوى الأزواج والسَّرَارِي. قال الحازمي: ولم يَبْلُغْنَا أنّ النبي ﷺ أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم،

стр. 764

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ولذلك نهاهم عنها غيرَ مرة، وأباحها لهم في أوقات مختلفة بحسب الضرورات، حتى حَرَّمها عليهم في آخر سِنِيِّهِ، وذلك في حَجَّة الوداع، فكان تحريمَ تأبيدٍ لا خلاف فيه بين الأئمة وفقهاء الأمصار، إلا طائفة من الشيعة، ويُحكى عن ابن جُرَيج. وأما ما يُحكى عن ابن عباس فيها، فإنه كان يَتَأَوَّلُ إباحتَها للمُضطَرِّ إليها لِطُول الغُربة وقِلَّة اليَسَار والجِدَّة (١) ، ثم توقف وأمسك عن الفتوى بها، ثم أسند الحازمي من طريق الخَطَّابِي إلى سعيد بن جُبَير قال: قلت لابن عباس: لقد سارت بِفُتْيَاك الرُّكْبَان وقالت فيها شِعراً قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا: *قَدْ قُلْتُ للشيخ لَمّا طَالَ مجلسُه ** يا صَاحِ هل لك في فُتْيَا ابن عَبَّاسِ *هل لكَ في رَخْصةِ الأطراف آنِسَة (٢) ** تكون مثواكَ حين مَصْدَر الناس المصدَر بفتح الدال، أي: مرجعهم، والرَّخْصَة بالفتح: الناعمة، وصَاحِ: مُرَخَّمُ صَاحِب. فقال: سبحان الله والله ما بهذا أَفتيتُ، وإنما هي كالمَيْتَةِ والدمِ ولحمِ الخنزير، إلا للمُضطر. قال الخَطَّابِي: فهذا يُبَيِّنْ لك أنه سلك فيه مذهبَ القياس، وشَبَّهَهُ بالمضطر إلى الطعام الذي به قِوَام النفس، وبعدمه يكون التَّلَفُ، وإنما هذا من باب غَلَبَةِ الشهوة، وقد تُحْسَم مادتها (٣) بالصوم والعلاج، فليس أحدهما في حكم الضرورة كالآخر، وهو قياس مع الفارق، فَتَدَبَّر. أقول: وهذا كله ليس فيه صريح الرجوع لابن عباس عن قوله، ومما يَدُلُّ على بطلان المُتْعَةِ مطلقاً ما في «صحيح مسلم»: أن النبي ﷺ حرَّمها يوم الفتح، وفيه وفي البخاري: أنه ﷺ حرَّمها يوم خَيْبَر، والتَّوْفِيقُ أنها نُسِخَتْ مرتين. قيل: ثلاثةُ أشياءٍ نُسِخَتْ مرتين: المْتْعَةُ، ولُحُوم الحُمُرِ الأهْلِيَّة، والتَّوَجُّه إلى بيت المقدس في الصلاة. وفي «صحيح مسلم»: «يا أيها الناس إني كنتُ أَذِنْتُ لكم في الاستمتاعِ من النساء، وقد حَرَّمَ الله ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنَّ شيءٌ فَلْيُخَلِّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتَيْتُمُوهُنَّ شيئاً.» وفيه أيضاً: أنّ علياً سمع ابن عباس يُلَيِّنُ في المُتْعَةِ،

стр. 765

وَلا المُوَقَّتِ. === فقال: مهلاً يا ابن عباس، فإنَّ رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحُمُر الإنْسِيَّة. وأما قول صاحب «الهداية»: قال مالك: هو جائز، لأنه كان مباحاً فيبقى إلى أن يظهر ناسخه، قلنا: ثبت النسخ بإجماع الصحابة، وابن عباس صَحَّ رجوعه إلى قولهم: فتقرَّرَ الإجماعُ. فما نَقَلَهُ عن مالكٍ ليس مَذْهَبَهُ. وقوله: ثبت النسخ بإجماع الصحابة، فيه أن النسخَ لا يَثبت بالإجماع، وقد ثبت نسخُ نكاح المُتْعَةِ عن رسول الله ﷺ من غير نِزَاع ولا عبرة بمخالفة الشيعة من أهل الابتداع. (حكم النكاح الموقَّت) (وَلا) يصح نكاح (المُوَقَّتِ) وهو نكاح إلى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ طويلة أو قصيرة، وهو مختار شمس الأئمة، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا ذكر مُدَّةً لا يعيش مِثْلُهما إليها صح النكاح، وهذا مختار صاحب «المختلف». وقال زُفَر: يصح النكاح، ويَبْطُلُ التوقيت، لأن معنى النكاح إسقاط حرمة البُضْع (١) ، والإسقاط لا يَبْطُل بالشروط الفاسدة، فصار كما لو تَزَوَّجها بشرط أنْ يُطَلِّقها بعد شهر. ولنا أن نكاح المُوَقَّت في معنى نكاح المُتْعة، (فلا يصح، كما لا يَصِح نِكاح) (٢) المُتْعَةِ، إذ العبرة للمعاني، ألا ترى أنه إذا قال: جعلتُكَ وكيلاً بعد موتي، فإنه يكون وَصِيًّا، ولو قال: جعلتُك وَصِيًّا في حياتي يكون وكيلاً، وكذا الحَوَالة بشرط بقاء الدَّين على الأصيل كفالةٌ، والكفالةُ بشرط براءة الأصيل حَوَالةٌ. ويؤيد هذا ما رُوي عن عمر أنه قال: لا أرى برجل تَزَوَّج امرأةً إلى أَجَلٍ إلا رجمته. وأما إذا تَزَوَّج بشرط أن يُطَلِّقَ بعد شهر، فقد اشترطَ القاطِعَ للنكاح بعد شهر، وذلك يَدُلُّ على انعقاد النكاح مؤبَّداً، ولو تزوجها على أن يَقْعُدَ معها في النهار دون الليل أو بالعكس، أو تزوَّجها ناوياً أن يَقْعُدَ معها مدةً ولم يَتَلَفَّظ بذلك في صُلْبِ العقد فالنكاح صحيح.

стр. 766

فَصْلٌ في الأَوْلِيَاءِ والأَكْفَاءِ نَفَذَ نِكَاحُ حُرَّة مُكَلَّفَةٍ وَلَو مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِلا وَليٍّ، === فصل في الأولياء والأكْفَاء (نَفَذَ نِكَاحُ حُرَّة مُكَلَّفَةٍ) سواءٌ كانت ثَيِّباً أو بكرااً وسواء زَوَّجَتْ نفسَها أو غيرَها (وَلَو مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِلا وَلِيَ) أي: ملابِساً (١) بغير وَليّ. وهذا على ظاهر الرِّواية عن أبي حنيفة، ورواية رجوعهما إليه على ما في «مبسوطي» شمس الأئمة وشيخ الإسلام المعروف بخواهر زَادَه. وكان أبو يوسف أولاً يقول: إن النكاح لا ينعقد إذا كان لها وليٌّ، ثم رَجَع وقال: إنْ كان الزوج كُفُؤاً انعقد، وإلا لم ينعقد، ثم رجع وقال: ينعقد سواءٌ كان الزوج كُفُؤاً أو لم يكن. وعند محمد ينعقد موقوفاً على إجازة الولي. سواءٌ كان الزوج كُفُؤاً أو لم يكن. وقال مالك: ينعقد إذا كانت خَسِيسةً، وقال الشافعي وأحمد: لا ينعقد النكاح بعبارة النساء، لِمَا رَوَى أبو داود والتِّرمذي وابن مَاجَه، عن ابن جُرَيج، عن سليمان بن موسى، عن الزُّهْريّ، عن عُرْوَة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «أيُّمَا امرأةٍ نَكَحَتْ بغير إذْنِ وَلِيِّها، فنِكَاحُها باطلٌ، فنِكَاحُها باطلٌ، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فالمهر بما استَحَلَّ من فرجها ـ أي: لازم ـ فإن اشْتَجَرُوا ـ أي: اختلفوا ـ فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له». قال الترمذي: حديث حسن، وقال: قد تَكَلَّم فيه بعض أهل الحديث من جهة أن ابن جُرَيج قال: ثم لَقِيتُ الزُّهرِيَّ فسألته عنه فأنكره فضَعَّفُوا الحديث من أجل هذا. وقال ابن عَدِيّ في «الكامل» في ترجمة سليمان: ثم قال: قال، ابن جُرَيج (فَلَقِيتُ الزُّهريَّ فسألتهُ عن هذا الحديث، فلم يَعْرِفه) (٢) ، فقلت له: إن سليمان حَدَّثَنا به عنك فأثنى عليه خيراً وقال: أخشى أن يكون وَهَمَ عَلَيَّ. وفي السنن أيضاً عن ابن أبي بُرْدَةَ، عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «لا نكاحَ إلا بوَليَ». قال الترمذي: هذا حديث فيه اختلاف، وذَكَر وجوهَ الاختلاف. وفي «سنن الدَّارَقُطْنِيّ»: عن ابن سِيرِينَ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ «لا تُزَوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا المرأةُ نَفْسَها، فإنَّ الزَّانِيَةَ هي التي تُزَوِّجُ نَفْسَها». ورواه الأوزاعيّ عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موقوفاً، وهو أشبه. وفي «سننه» أيضاً عن ابن

стр. 767

وَلَهُ الاعْتِرَاضُ هُنَا، ورُوي بُطْلانُهُ بِلَا كُفُؤ، === مسعود مرفوعاً: «لا نكاحَ إلا بوليَ وشَاهِدَي عَدْلٍ». إلا أنّ في سند الأول بَكْرَ بن بَكَّار، وفي الثاني عبد الله بن مُحَرَّر (١) ، وهما ضعيفان. ولنا قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ (٢) حيث أسنَدَ النكاح إليها، وقوله تعالى: ﴿أنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٣) ، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أنْفُسِهِنَّ﴾ (٤) وما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «الأَيِّمُ أحقُّ بنفسها من وَلِيِّها، والبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نفسها، وإذْنُها صُمَاتُها ـ بالضم ـ أو سُكُوتُها». كما في رواية، والأيِّم، بتشديد التحتية المكسورة: المرأةُ الثَّيِّب التي لا زوج لها، وهي بالغةٌ عاقلةٌ. ووجه الدَّلالة أنه ﷺ قَدَّمها على الوَلِيّ بقوله: «أحقُّ بنفسها». وأما استدلال الشافعي بقوله: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ﴾ (٥) حيث قال: هذه الآيةُ أبينُ آيةٍ في كتاب الله تَدُلُّ على أن النكاح لا يجوز بغير وليَ، لأنه نَهَى الوليَّ عن المَنْع، وإنما يتحقق المَنْعُ منه إذا كان الممنوعُ في يده، وهو الإنكاح، فمدفوعٌ بأنَّ المرادَ بالعَضْلِ: المَنْعُ حِسًّا بأن يَحْبِسَهَا في بيت، ويَمْنَعَها من أن تَتَزوَّج، إذ معناها الحقيقي النهي عن منعهن من مباشرة النكاح. (وَلَهُ) أي للوليّ (الاعْتِرَاضُ هُنَا) أي فيما لو زَوَّجَتْ نَفْسَها من غير كُفُوءٍ، بأن يَطْلُبَ من القاضي التفريقَ بينهما لِلُحُوقِ العارِ له بمصاهرة غير الكُفْء، وليس هذا التفريق طلاقاً، بل هو فسخٌ لأصلِ النِّكاح، ولهذا لا يجب عليه شيءٌ إذا لم يدخل، ولو سكت الوليُّ لا يكون ذلك رضاً، ولو خاصم لنفقتها أو لقبض مهرها كان ذلك رضاً، ولو وَلَدَتْ منه، فليس للوليّ حقُّ الفسخ، لئلا يضيع الولد. (ورُوي بُطْلانُهُ) أي بطلان نِكاحها إذا زَوَّجَتْ نفسَها (بِلَا كُفُؤ) روى ذلك الحسنُ عن أبي حنيفة، وفي «الخَانِيَّة»: هذا أصحُّ وأَحْوَطُ والمختار للفتوى في زماننا،

стр. 768

وَلا يُجْبِرُ وَلِيٌّ بَالِغَةً وَلَوْ كَانَتْ بِكْراً، === إذ ليس كل وليَ يُحْسِنُ المرافعة إلى القاضي، ولا كل قاضٍ يَعْدِل، ولذا قيل: الوقوف على باب القاضي في هذا الزمان ذُلٌّ، فَسَدُّ هذا الباب أَولى. والمطلقة ثلاثاً لو زَوَّجتْ نفسَها من غير كُفُؤ ودخل بها، ثم طَلَّقها لا تَحِلُّ للزوج الأول على ما هو المختار من رواية الحسن. (وَلا يُجْبِرُ وَلِيٌّ بَالِغَةً وَلَوْ كَانَتْ بِكْراً) وله أن يُجْبِرَ غيرَ البالغة ولو كانت ثَيِّباً، وقال مالك، والشافعي، وأحمد: وهو قول ابن أبي ليلى: يُجْبِر الأبُ والجَدُّ البِكرَ البالغةَ، لأنها جاهلةٌ بأمر النكاح في الجملة، كالبِكْر الصغيرة. فمدار إجبار الوليِّ عندنا على الصِّغَر، كانت بكراً أو ثَيِّباً، وعندهم على البَكَارَة، كانت صغيرةً أو كبيرةً. ومعنى الإجبار: أن يَنْفُذَ عقدُ وَلِيِّها عليها (١) وإن أَبَتّ أو رَدَّتْ. واحتجا بما في «صحيح مسلم»: «الثَيِّبُ أحَقُّ بنَفْسِهما من وَليِّها، والبِكْرُ يَسْتَأْمِرُها أَبُوها في نفسها». باعتبار أنه خصَّ الثيِّبَ بأنها أحق، فأفاد أنَّ البِكْرَ ليست أحقَّ بنفسها منه، فاستُفِيدَ ذلك بالمفهوم. ولنا ما رُوِّينا من قوله ﷺ «والبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِها، وإذْنُها صُمَاتُها». وما روى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنَّسَائي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنَّ جاريةً بِكراً أتتِ النبيَّ ﷺ فذكرت أنَّ أباها زَوَّجها وهي كارهةٌ، فَخَيَّرَهَا النبيُّ ﷺ وهذا حديث صحيح، فإنه مُخَرَّجٌ لرجاله في «الصحيحين». وما في النسائي عن عبد الله بن يَزيد، عن خَنْسَاء قالت: أنْكَحَنِي أبي وأنا كارهةٌ، وأنا بِكرٌ، فَشَكَوتُ ذلك إلى النبيِّ ﷺ فقال: «لا تُنْكِحْهَا وهي كارهة». ولكنْ ذكرَ البخاريّ أنها كانت ثَيِّباً قال ابن القطان: وتَزَوَّجَتْ خَنْسَاءُ بمَن هَوِيَتْ، وهو أبو لُبَابَة بن عبد المُنْذِر، صَرَّح به في «سنن ابن ماجه». وفي «سنن الدَّارَقُطْنِيّ» عن جابر أن رجلاً زوَّج ابنَتَه وهي بِكرٌ من غير أمرها فَأتتِ النبيَّ ﷺ فَفَرَّقَ بينهما. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّ رجلاً زوَّج ابنتَه بِكراً، فكرِهَتْ ذلك، فردَّ النبيُّ ﷺ نِكاحَها. وفي رواية قال: كان النبيُّ ﷺ يَنْتَزِعُ النساء من أَزواجِهِنَّ ثيباً وأبكاراً بعد أن يُزَوِّجَهُنَّ الآباءُ إذا كَرِهْنَ ذلك. وصحح الدَّارَقُطْنِيّ إرسال الحديث الأول وَوَصَل الثاني.

стр. 769

وَصَمْتُها وَضَحِكُهَا وَبُكَاؤُها بِلا صَوْتٍ: إذْنٌ، وَمَعَهُ رَدٌّ حِينَ اسْتَئْذَانِهِ، أَوْ بُلُوغِ الخَبَرِ === وعن ابن عباس أنَّ النبيَّ ﷺ ردَّ نكاح بِكْرٍ وثَيِّبٍ أَنْكَحَهُما أبوهما، وهما كارهتان إلا أنّ الدَّارَقُطْنِي جعله مرسَل عِكْرِمَة. وفي «سنن النسائي» و «مسند أحمد» عن عائشة قالت: جاءتْ فتاةٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبي زَوَّجني ابن أَخِيهِ ليرفع بي خَسِيسَته قال: فجعل الأمرَ إليها، فقالت: أجَزْتُ ما صَنَع أبي، ولكن أردتُ أن تَعْلَمَ النِّسَاءُ أنّ ليس إلى الآباءِ من الأمر شيءٌ. وهذا يفيد بعمومه أنْ ليس له المباشرةُ حقاً ثابتاً، بل الاستحباب، وفيه دليلٌ من جهة تقريره ﷺ قولَها ذلك أيضاً، وهو حديثٌ حُجَّةٌ، وحَمْلُهُ على أنَّ ذلك لعدم الكفاءَةِ خلافُ الأصل، مع أن العَرَب إنما يَعتبرون الكفاءة بالنَّسَب، والزَّوْجُ كان ابنَ عَمِّها (وَصَمْتُها) أي صَمْتُ البِكْر (وَضَحِكُهَا وَبُكَاؤُها بِلا صَوْتٍ: إذْنٌ، وَمَعَهُ) أي مع الصوت (رَدٌّ) لأنه إذا خرج الدمع من عينها من غير صوت البكاء لم يكن رداً، بل هو تَحَزُّنٌ على مُفَارَقَةِ بيت أبوَيها (حِينَ اسْتَئْذَانِهِ) أي وقت استئذانِ الوليّ البِكرَ (أَوْ بُلُوغِ الخَبَرِ) لها مع رسول الوليّ، أو مع فُضُوليَ. أما كون الصمت من البكر إذْناً، فلِمَا في الكتب الستة من حديث أبي هريرة أنّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرُ ـ أي يُطْلَب (أمرها) (١) صريحاً ـ ولا تُنْكح البِكر حتى تُسْتَأْذَن»، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنُها؟ قال: «أن تَسْكُتَ». وأما الضحك فلأنه يحتمل الردَّ والرضاء، فلا يَثْبُتُ واحدٌ منهما للمعارَضة، فيبقى مجرَّدُ السكوت وهو الرضاء، أو لأن الضحك أدلُّ على الرضاء بالتصرف من السكوت، لكن بلا استهزاء لِمَا سَمِعَتْ، والضَّحِكُ (الذي يكون) (٢) بطريق الاستهزاء معروفٌ بين الناس. وأما البكاء، فعن أبي يوسف فيه روايتان: في رواية يكون رضاً، لأن البكاء قد يكون عن سرور، وقد يكون عن حُزْنٍ، فلا يَثبت واحد منهما للمعارضة، ويبقى مجردُ السكوت وهو رضًى، وفي رواية: لا يكون رضًى، وهو قول محمد، لأن البكاء غالباً يكون عن حُزْن. والمختارُ أنه إن كان مع الصِّيَاح يكون دليلاً على الردِّ، وإن كان مع السكوت

стр. 770

بِشَرْطِ تَسْمِيَةِ الزَّوْجِ لا المَهْرِ. وَلَوْ اسْتَأْذَنَ غيرُ وَلِيٍّ أَقْرَبَ، فَرِضَاهَا بِالقَوْلِ، كَالثَّيِّبِ، وَالزَّائِلُ بَكَارَتُهَا بِزَناً أوْ غَيْرِ جِمَاعٍ كَالبِكْرِ === يكون دليلاً على الرضا. (بِشَرْطِ تَسْمِيَةِ الزَّوْجِ) على وجه يَحْصُل لها به معرفةٌ. لتُظْهِرَ (١) رغبتَها فيه أو عنه. (لا المَهْرِ) أي لا يُشترط تسميةُ المَهْر لها، لأنّ للنكاحِ صحةً بدونه. (وَلَوْ اسْتَأْذَنَ) البِكْرَ (غيرُ وَلِيَ أَقْرَبَ) بأن كان الأب كافراً، أو عبداً، أو استأذنها وَلِيٌّ غيرُه أولى منه، كالأخ مع الأب (فَرِضَاهَا بِالقَوْلِ) لاحتمال أنَّ سكوتَها لِقِلَّة المبالاة بكلامه، لا لرضاها به. (كَالثَّيِّبِ) سواء استأذنها وَلِيٌّ أقربُ أو غيره، فإن رضاها بالقول حقيقةً بأن تقول: رَضِيتُ، وحُكْماً بأن تُمَكِّنَ من نفسها (٢) ، أو تَطْلُبَ مهرَها أو نفقتها، لِمَا روينا عن أبي هريرة في الكتب الستة ـ ولا يعارضه ما روى الجماعة إلا البخاري ـ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِها، والبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نفسها، وإذْنُها صُمَاتُها». لأن الاستئمار إنما لم يكن مقتضياً للنُّطْقِ في حق البِكر لقوله ﷺ في آخر الحديث: «وإذْنُها صُمَاتُها»، وأما ما في «الهداية» من قوله ﷺ «الثَّيِّبُ تُشَاوَر»، فغيرُ معروف. (وَالزَّائِلُ بَكَارَتُهَا بِزناً) لم يتكرر، ولا أُقِيمَ عليها به الحدُّ، وأما إذا تكرر منها الزنا، أو أُقِيمَ عليها بسبب الحدُّ، ليس لها حكمُ البِكْرِ اتفاقاً. (أوْ غَيْرِ جِمَاعٍ) كَوَثْبَةٍ، أو حيضة بدُفْعَةٍ، أو جراحة، أو تَعْنِيسٍ وهو: طُولُ مُكْثٍ من غير تَزَوُّج. فالزائلُ مبتدأٌ، بكارتُها مرفوعٌ به على الفاعلية، وخبر المبتدأ. (كَالبِكْرِ) يعني أنّ مَنْ زالت بكارتها بزناً، أو بغير مُجَامَعَةٍ حُكْمُها حُكْمُ البِكرِ في أنّ سكوتَها عند استئذانها إذنٌ، أما مَنْ زالت بكارتُها بغير الجِمَاعِ فلأنها بكرٌ حقيقةً (٣) ، لأن ما يُصيبها من الجِماع أولُ مصيبٍ لها، إذ البَكَارة عبارةٌ عن أوّل (٤) الشيء، ومنه يقال لأوّل النهار: بُكْرَة، وأول الثِّمار: بَاكُورَة.

стр. 771

وَقَولُهَا: رَدَدتُّ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: سَكَتِّ. وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلى سُكُوتِهَا، === وأما مَنْ زالت بكارتُها بِزِناً، فالمذكور هنا قول أبي حنيفة، وقالا: ـ وهو قول الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية ـ لا يكون سكوتُها إذناً لأنها ليست ببِكْر (حقيقة) (١) ، لأن ما يُصيبها ليس بأول مصيب لها. ولأبي حنيفة أنّ الشارع جعل سكوتَها رِضاً لا للبَكَارة بل لِعِلَّةِ الحياء، فإن عائشة لَمَّا أَخْبَرَتْ أنها تَسْتَحي قال: «سكوتها رضاها» (٢) . وعلة الحياء هنا موجودة، بل مع الزيادة. وبعض مشايخنا يقولون في هذين الفصلين: يُكْتَفَى بسكوتها أيضاً، لأنها بكرٌ شرعاً، ألا ترى أنها تدخل تحت قوله ﷺ «البِكْرُ بالبِكْرِ جلدُ مِئَةٍ» (٣) ، ولكن هذا ضعيفٌ، فإن هذا موجود في الموطوءة بشُبهةٍ ونكاحٍ فاسد، ولا يُكْتَفى بسكوتها اتفاقاً، فعُلِم أن المُعْتَبَر هنا بقاءُ صفة الحياء، لأن الشرع أظهر ذلك الفعلَ عليها حين أَلْزَمَ المَهْرَ والعِدَّةَ، وأثبتَ النَّسَبَ، بخلاف هذه، إذ لم يُعَلِّق به شيئاً من الأحكام، بل أمرها بالسَّتْر على نفسها بقوله ﷺ «مَنْ أصاب من هذه القَاذُورَات شيئاً فليستتر بستر الله» (٤) . (وَقَولُهَا) أي قول البِكْر عند مُخَاصَمَة الزَّوج: (رَدَدتُّ) عند الاستئذان، أو عندما بلغني الخبرُ بالتزويج (أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ) أي قول الزوج: (سَكَتِّ) ولم تَرُدِّي. وقال زُفَر: قوله أولى، لأنه يَدَّعي الأصل، لأن السكوت أصلٌ والردُّ عارِضٌ. ولنا أن الزوج يَدَّعي تَمَلُّك بُضْعِها وهي تدفعه، فتكون مُنْكِرةً في المعنى، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، كما لو ادَّعَى أصلَ العقد وأنكرتْ هي، وهذا لأن العبرة للمعاني لا للصُّوَرِ والمباني، فإنّ المُوْدَعَ إذا قال: رددتُّ الوديعةَ (وأنكر صاحب الوديعة) (٥) ، كان القولُ قولَه، لأنه يُنْكِر الضمان من حيث المعنى. (وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ) أي بَيِّنَةُ الزوج (عَلى سُكُوتِهَا) وتُقَدَّمُ (٦) على بينتها أنها ردت،

стр. 772

وَلَا تَحْلِفُ هِيَ إنْ لَمْ يُقِم. وَلِلْوَلِيِّ إنكاحُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَلَوْ ثَيِّباً، === لأن بَيِّنَتَهُ تُثْبِتُ اللزومَ، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النافي، كما هو مُقَرَّرٌ في الأصول (وَلَا تَحْلِفُ هِيَ إنْ لَمْ يُقِم) الزوجُ البَيِّنَة على سكوتها. وعندهما تَحْلِف، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وفي «عيون المذاهب»: وبه يُفْتَى، وفي «فتاوى قاضيخان»: إن الفتوى على قولهما في النكاح. (وَلِلْوَلِيِّ) أباً كان أو جَدًّا (أو غيرهما) (١) (إنكاحُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَلَوْ) كانت (ثَيِّباً) وقال الشافعي: إن كانت الصغيرة ثَيِّباً، لا يجوز لأحد أن يُزَوِّجها، لأن الثيبَ تُشَاوَر، ولا يُعْتَبَرُ إذنُها قبل البلوغ، فيجب الانتظارُ. وإن كانت بِكراً جاز للأبِ والجدِّ أن يزوِّجها، ولا يجوز ذلك لغيرهما، بناءً على أنّ علة الوِلاية عنده البَكَارةُ، وعندنا عدمُ العقل، أو نقصانُه، لأنه المؤثِّرُ في الولاية على مالها، وعلى نفس الغلام وماله، وعلى المجنونة باتفاق. واحتج الشافعي بقوله ﷺ «لا تُنْكَحُ اليتيمةُ حتى تُسْتَأْمَر» (١)، واليتيمةُ: الصغيرة التي لا أب لها، وبِأنَّ قُدَامَة بن مَظْعُون زَوَّج بنتَ أخيه عثمان بن مَظْعُون من ابن عمر، فَرَدَّها ﷺ وقال: «إنها يتيمةٌ، وإنها لا تُنْكَحُ حتى تُسْتَأْمَر» (٢) . وأُجيب عن الحديث بأن المراد اليتيمةُ البالغة، قال تعالى: ﴿وآتُوا اليَتَامى أمْوَالَهُم﴾ (٣) والمراد البالغين، والدليل عليه أنه مُدَّ إلى غاية الاستئمار، وإنما تُستأمر البالغةُ دون الصغيرة. وتأويلُ حديث قُدَامة أنها بلغت فخيَّرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها، ألا ترى أنه رُوي عن ابن عمر أنه قال: واللهاِ لقد انْتُزِعَتْ عني بعد أن مَلَكْتُهَا. هذا، وعَيَّن مالكٌ الأبَ وحدَه للصغير والبِكر، واحتج بأن الولاية على الحرة إنما تَثبت لحاجته، ولا حاجة به (٤) قبل البلوغ لعدم الشهوة، إلا أنّ ولاية الأب ثبتت نصاً على خلاف القياس، فبقي ما سواه على الأصل. ولنا قوله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُم ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتَمَى﴾ الآية (٥) ، معناه: في نكاح

стр. 773

ثم إِنْ زَوَّجَهُما الأبُ أوِ الجَدُّ لَزِمَ، وَفي غَيْرِهِمَا فَسَخَ الصَّغِيرَانِ حِينَ بَلَغَا، أوْ عَلِمَا بِالنِّكَاحِ بَعْدَهُ. === اليتامى، وإنما يتحقق هذا الكلام إذا جاز نكاح اليتيمة، وقد نُقِل عن عائشة في تأويل الآية أنها أُنزلت في يتيمة تكون في حِجْرِ وَلِيِّها، يرغب في مالها وجمالها، ولا يُقْسِط في صَدَاقها، فَنُهُوا عن نكاحهن حتى يبلغوا بهن أعلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّدَاق (١) . وقالت في تأويل قوله تعالى: ﴿في يَتَامَى النِّسَاءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ (٢) : إنما نَزَلَتْ في يتيمةٍ تكون في حِجر وَلِيِّها، ولا يرغبُ في نكاحها لِدَمَامَتِها (٣) ، ولا يُزَوِّجُها من غيره لئلا يُشارِكَه في مالها، فأنزل الله هذه الآية، فأمر الأولياء بتزوُّج اليتامى أو بتزويجهن من غيرهم، وذلك دليل جواز تزويج اليتيمة، وقد زوج رسول الله ﷺ ابنةَ عمه حمزةَ من عمر بن أبي سلمة، وهي صغيرة، وقال: «لها الخيارُ إذا بلغت» (٤) ، وقد رُوي عن علي موقوفاً ومرفوعاً: «الإنكاحُ إلى العَصَبات» (٥) . والآثار في ذلك مشهورة عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة. (ثم إنْ زَوَّجَهُما) أي الصغيرَ والصغيرةَ (الأبُ أوِ الجَدُّ لَزِمَ) لأنهما كَامِلَا الرَّأْيِ والشفقة، فيلزم عقدهما على الصغيرين، كما إذا باشراه برضاهما بعد البلوغ. (وَفي غَيْرِهِمَا) أي غير الأبِ والجد من الأولياء، ولو كان إماماً أو قاضياً، وعند مالك والشافعي وأحمد في غير الأب (فَسَخَ الصَّغِيرَانِ حِينَ بَلَغَا) إن أرادا (أوْ) حين (عَلِمَا بِالنِّكَاحِ بَعْدَهُ) أي بعد البلوغ، لأن العقدَ صدر ممن هو قاصرُ الرأيِ كالأم، أو الشفقةِ كالقاضي، فيثبت لهما الخيار إذا مَلَكَا أنفسَهما، كالأَمة المُزَوَّجة إذا أُعْتِقَتْ وعَلِمَتْ بالزواج. ولو فُسِخَ النكاحُ بخيار البلوغ، فإن كان قبل الدخول فلا شيء للمرأة، وإن كان بعده فلها المهر كاملاً، ولا يكون طلاقاً، لأنه يَصِحّ من الأُنثى ولا طلاق إليها. ثم هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف في الأول، وهو قول ابن عمر وأبي

стр. 774

وسُكُوتُ البِكْرِ رِضاً هُنَا، وَلَا يَمْتَدُّ خِيَارُهَا إلى آخِرِ المَجْلِسِ وإنْ جَهِلَتْ بهِ، بِخِلَافِ المُعْتَقَةِ. وخِيَارُ الغُلَامِ وَالثَّيِّبِ لَا يَبْطُل بِلا رِضاً صَرِيحٍ أو دَلَالَةً، وَلا يَبْطُل بِقِيَامِهِمَا عَنِ المَجْلِسِ، وَشُرِطَ القَضَاءُ لِفَسْخِ مَنْ بَلَغَ، === هريرة، وقال أبو يوسف آخراً: لا خيار لهما، وهو قول عُرْوَةَ بن الزُّبَيْر، فإذا زَوَّجها غيرُ الأب والجدِّ لَزِم النكاح كما لو زوجها الأب والجد. والجواب ما قدمنا من أن النبي ﷺ لمَّا زوج أُمَامَة بنت حمزة قال: «لها الخيارُ إذا بَلَغَتْ» (١) . (وسُكُوتُ البِكْرِ رِضاً هُنَا) أي فيما إذا بلغت وقد عَلِمت بالنكاح، وفيما إذا عَلِمت بالنكاح بعد البلوغ، كما أن سكوتها رِضاً إذا استأذَنَها وهي بِكر بالغةٌ عند تزويجها. (وَلَا يَمْتَدُّ خِيَارُهَا) أي خيار فسخ البِكر (إلى آخِرِ المَجْلِسِ) بل يَبْطُل بمجرَّد السكوت (وإنْ جَهِلَتْ بِهِ) أي بأنَّ لها الخيارَ بالبلوغ، أو بأنه لا يَمْتَدُّ إلى آخر المجلس إذ جهلها ليس بعذر، لأن الدار دارُ العلم، وهي مُتَفَرِّغةٌ للتعلُّم، وجهلُها لأصل النِّكاح عذرٌ، لأن المولى يَنْفَرِدُ به. (بِخِلَافِ المُعْتَقَةِ) بعد التزويج، فإن خيارها يمتدُّ إلى آخر المجلس، ويَبْطُل بقيامها، لأن خيارها ثبت بإعتاق المولى، وتُعْذَرُ بالجهل، لأنها لا تتفرغ لتعلم الأحكام، لشغلها بخدمة المولى. (وخِيَارُ الغُلَامِ) أي الصغير قبل البلوغ (وَالثَّيِّبِ) سواء كانت ثيباً عند التزويج أو عند البلوغ (لَا يَبْطُل بِلا رِضاً صَرِيحٍ) بأن يقول: رَضِيتُ، (أو دَلَالَةً) بأن يفعل ما يدلّ على الرضا من قُبْلَةٍ، أو لمسٍ، أو إعطاء الغلام المهرَ، أو قَبولِ الثيِّبِ، ومطالبتِها بالمهر أو النفقة. (وَلا يَبْطُل بِقِيَامِهِمَا عَنِ المَجْلِسِ) لِمَا قَدَّمنا. والحاصل: أنها إذا بلغت ثيباً، فَوَقْتُ خيارِها العُمُرُ، لأن سبَبَه عدمُ الرضا، فيبقى إلى أن يُوجدَ ما يَدُلّ على الرضا بالنكاح، وكذا الغلام. (وَشُرِطَ القَضَاءُ لِفَسْخِ مَنْ بَلَغَ) من صغير أو صغيرة زَوَّجهما غيرُ الأب والجَدِّ، واختارا عند البلوغ فسخَ النكاح، لأن السبب مُخْتَلَفٌ فيه بين العلماء، فمنهم من أبَى،

стр. 775

لا مَنْ عَتَقَتْ. والوَليُّ العَصَبَةُ عَلَى تَرْتِيبِهِم === ومنهم من رأى (١) ، ولأنّ سببَ فسخهما النكاحَ وهو تركُ الوليّ النظرَ، بحكم عدم الشفقة لا يُوقَفُ على حقيقته، فكان ضعيفاً في نفسه، فيتوقف على القضاء، كالرجوع في الهبة، بخلاف خيار المُخَيَّرة، فإن سببه تخييرُ الزوج. (لا مَنْ عَتَقَتْ) أي لا يُشترط في فسخ نكاح الأمة المزوَّجة إذا عَتَقَتْ وبلغها الخبرُ واختارتْ فسخَ النكاح، قضاءُ القاضي، لأن سبب فسخها زيادةُ المِلك، وهو مقطوعٌ به، لأن الزوج كان يملك مراجعتها في قُرْءَيْنِ، ويَمْلِك عليها تطليقتين، وتنقضي عدتها في حيضتين، وقد زاد ذلك بالعِتق، ويتوارثان بموتِ أحدهما قبل فسخ القاضي، لأن أصل العقد صحيح، والملك الثابت به قد انتهى بالموت. (والوَليُّ العَصَبَةُ) أي بنفسه، وهو: كلُّ ذَكَر يَتَّصِل بلا تَوَسُّطِ أُنْثَى. (عَلَى تَرْتِيبِهِم) أي في الإرث، والحَجْبِ. فالأقرب يَحْجُبُ الأبعدَ. وتُقَدَّمُ عصبةُ النَّسَب، وأَولاهم الابنُ ثم ابن ابنه، وإن سَفَل، ثم الأب، ثم الجَدّ، وهو أبُ الأبِ، ثم الأخ لأبوين، ثم لأبٍ، ثم بَنُو الإخوة كذلك، ثم الأعمام كذلك، ثم بَنُوهم كذلك، ثم أعمام الأب كذلك. وفي شرح الطحاوي: أولى الأولياء الأبُ والجدُّ وإن علا، ثم الأخ لأب وأمَ، ثم الأخ لأبٍ، ثم ابن الأخِ لأبٍ وأمٍ، ثم ابن الأخ لأبٍ، وكذلك أولادهم على هذا الترتيب، ثم العمُّ لأبٍ وأمّ، ثم العمُّ لأب، وكذلك أولادهما، ثم عَمّ الأبِ لأبٍ وأمٍ، ثم عمّ الأَبِ لأبٍ، وكذلك أولادهما، ثم عمّ الجَدِّ لأبٍ وأُم، ثم عَمّ الجَدِّ لأبٍ، وكذلك أولادهما. والجَدُّ مُقَدَّمٌ على الأخ في التزويج عند أبي حنيفة، وسَوَّى صاحباه بينهما فيه، وفي «المبسوط»: الأصح أن الجَدّ مُقَدَّمٌ في قولهم جميعاً، لأن شفقته فوق شفقة الأخ، ولهذا لا يثبت لهما الخيارُ في عقد الجَدّ، كالأب، بخلاف الأخ. ويُزَوِّجُ المجنونةَ ابنُها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنه عَصَبَتُها، ألا ترى أن الأب معه يَستَحِقُّ السُّدُسَ بالفَرْضِيَّة وقال محمد: يزوجها أبوها، لأن ولاية الأب تَعُمُّ المالَ والنفس، ولا يثبت للابن إلا ولاية في المال، وإن لم يكن واحدٌ من هؤلاء،
следующие страницы →