← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وَقَولُهَا: رَدَدتُّ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: سَكَتِّ. وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلى سُكُوتِهَا، === وأما مَنْ زالت بكارتُها بِزِناً، فالمذكور هنا قول أبي حنيفة، وقالا: ـ وهو قول الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية ـ لا يكون سكوتُها إذناً لأنها ليست ببِكْر (حقيقة) (١) ، لأن ما يُصيبها ليس بأول مصيب لها. ولأبي حنيفة أنّ الشارع جعل سكوتَها رِضاً لا للبَكَارة بل لِعِلَّةِ الحياء، فإن عائشة لَمَّا أَخْبَرَتْ أنها تَسْتَحي قال: «سكوتها رضاها» (٢) . وعلة الحياء هنا موجودة، بل مع الزيادة. وبعض مشايخنا يقولون في هذين الفصلين: يُكْتَفَى بسكوتها أيضاً، لأنها بكرٌ شرعاً، ألا ترى أنها تدخل تحت قوله ﷺ «البِكْرُ بالبِكْرِ جلدُ مِئَةٍ» (٣) ، ولكن هذا ضعيفٌ، فإن هذا موجود في الموطوءة بشُبهةٍ ونكاحٍ فاسد، ولا يُكْتَفى بسكوتها اتفاقاً، فعُلِم أن المُعْتَبَر هنا بقاءُ صفة الحياء، لأن الشرع أظهر ذلك الفعلَ عليها حين أَلْزَمَ المَهْرَ والعِدَّةَ، وأثبتَ النَّسَبَ، بخلاف هذه، إذ لم يُعَلِّق به شيئاً من الأحكام، بل أمرها بالسَّتْر على نفسها بقوله ﷺ «مَنْ أصاب من هذه القَاذُورَات شيئاً فليستتر بستر الله» (٤) . (وَقَولُهَا) أي قول البِكْر عند مُخَاصَمَة الزَّوج: (رَدَدتُّ) عند الاستئذان، أو عندما بلغني الخبرُ بالتزويج (أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ) أي قول الزوج: (سَكَتِّ) ولم تَرُدِّي. وقال زُفَر: قوله أولى، لأنه يَدَّعي الأصل، لأن السكوت أصلٌ والردُّ عارِضٌ. ولنا أن الزوج يَدَّعي تَمَلُّك بُضْعِها وهي تدفعه، فتكون مُنْكِرةً في المعنى، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، كما لو ادَّعَى أصلَ العقد وأنكرتْ هي، وهذا لأن العبرة للمعاني لا للصُّوَرِ والمباني، فإنّ المُوْدَعَ إذا قال: رددتُّ الوديعةَ (وأنكر صاحب الوديعة) (٥) ، كان القولُ قولَه، لأنه يُنْكِر الضمان من حيث المعنى. (وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ) أي بَيِّنَةُ الزوج (عَلى سُكُوتِهَا) وتُقَدَّمُ (٦) على بينتها أنها ردت،

стр. 772

وَلَا تَحْلِفُ هِيَ إنْ لَمْ يُقِم. وَلِلْوَلِيِّ إنكاحُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَلَوْ ثَيِّباً، === لأن بَيِّنَتَهُ تُثْبِتُ اللزومَ، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النافي، كما هو مُقَرَّرٌ في الأصول (وَلَا تَحْلِفُ هِيَ إنْ لَمْ يُقِم) الزوجُ البَيِّنَة على سكوتها. وعندهما تَحْلِف، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وفي «عيون المذاهب»: وبه يُفْتَى، وفي «فتاوى قاضيخان»: إن الفتوى على قولهما في النكاح. (وَلِلْوَلِيِّ) أباً كان أو جَدًّا (أو غيرهما) (١) (إنكاحُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَلَوْ) كانت (ثَيِّباً) وقال الشافعي: إن كانت الصغيرة ثَيِّباً، لا يجوز لأحد أن يُزَوِّجها، لأن الثيبَ تُشَاوَر، ولا يُعْتَبَرُ إذنُها قبل البلوغ، فيجب الانتظارُ. وإن كانت بِكراً جاز للأبِ والجدِّ أن يزوِّجها، ولا يجوز ذلك لغيرهما، بناءً على أنّ علة الوِلاية عنده البَكَارةُ، وعندنا عدمُ العقل، أو نقصانُه، لأنه المؤثِّرُ في الولاية على مالها، وعلى نفس الغلام وماله، وعلى المجنونة باتفاق. واحتج الشافعي بقوله ﷺ «لا تُنْكَحُ اليتيمةُ حتى تُسْتَأْمَر» (١)، واليتيمةُ: الصغيرة التي لا أب لها، وبِأنَّ قُدَامَة بن مَظْعُون زَوَّج بنتَ أخيه عثمان بن مَظْعُون من ابن عمر، فَرَدَّها ﷺ وقال: «إنها يتيمةٌ، وإنها لا تُنْكَحُ حتى تُسْتَأْمَر» (٢) . وأُجيب عن الحديث بأن المراد اليتيمةُ البالغة، قال تعالى: ﴿وآتُوا اليَتَامى أمْوَالَهُم﴾ (٣) والمراد البالغين، والدليل عليه أنه مُدَّ إلى غاية الاستئمار، وإنما تُستأمر البالغةُ دون الصغيرة. وتأويلُ حديث قُدَامة أنها بلغت فخيَّرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها، ألا ترى أنه رُوي عن ابن عمر أنه قال: واللهاِ لقد انْتُزِعَتْ عني بعد أن مَلَكْتُهَا. هذا، وعَيَّن مالكٌ الأبَ وحدَه للصغير والبِكر، واحتج بأن الولاية على الحرة إنما تَثبت لحاجته، ولا حاجة به (٤) قبل البلوغ لعدم الشهوة، إلا أنّ ولاية الأب ثبتت نصاً على خلاف القياس، فبقي ما سواه على الأصل. ولنا قوله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُم ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتَمَى﴾ الآية (٥) ، معناه: في نكاح

стр. 773

ثم إِنْ زَوَّجَهُما الأبُ أوِ الجَدُّ لَزِمَ، وَفي غَيْرِهِمَا فَسَخَ الصَّغِيرَانِ حِينَ بَلَغَا، أوْ عَلِمَا بِالنِّكَاحِ بَعْدَهُ. === اليتامى، وإنما يتحقق هذا الكلام إذا جاز نكاح اليتيمة، وقد نُقِل عن عائشة في تأويل الآية أنها أُنزلت في يتيمة تكون في حِجْرِ وَلِيِّها، يرغب في مالها وجمالها، ولا يُقْسِط في صَدَاقها، فَنُهُوا عن نكاحهن حتى يبلغوا بهن أعلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّدَاق (١) . وقالت في تأويل قوله تعالى: ﴿في يَتَامَى النِّسَاءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ (٢) : إنما نَزَلَتْ في يتيمةٍ تكون في حِجر وَلِيِّها، ولا يرغبُ في نكاحها لِدَمَامَتِها (٣) ، ولا يُزَوِّجُها من غيره لئلا يُشارِكَه في مالها، فأنزل الله هذه الآية، فأمر الأولياء بتزوُّج اليتامى أو بتزويجهن من غيرهم، وذلك دليل جواز تزويج اليتيمة، وقد زوج رسول الله ﷺ ابنةَ عمه حمزةَ من عمر بن أبي سلمة، وهي صغيرة، وقال: «لها الخيارُ إذا بلغت» (٤) ، وقد رُوي عن علي موقوفاً ومرفوعاً: «الإنكاحُ إلى العَصَبات» (٥) . والآثار في ذلك مشهورة عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة. (ثم إنْ زَوَّجَهُما) أي الصغيرَ والصغيرةَ (الأبُ أوِ الجَدُّ لَزِمَ) لأنهما كَامِلَا الرَّأْيِ والشفقة، فيلزم عقدهما على الصغيرين، كما إذا باشراه برضاهما بعد البلوغ. (وَفي غَيْرِهِمَا) أي غير الأبِ والجد من الأولياء، ولو كان إماماً أو قاضياً، وعند مالك والشافعي وأحمد في غير الأب (فَسَخَ الصَّغِيرَانِ حِينَ بَلَغَا) إن أرادا (أوْ) حين (عَلِمَا بِالنِّكَاحِ بَعْدَهُ) أي بعد البلوغ، لأن العقدَ صدر ممن هو قاصرُ الرأيِ كالأم، أو الشفقةِ كالقاضي، فيثبت لهما الخيار إذا مَلَكَا أنفسَهما، كالأَمة المُزَوَّجة إذا أُعْتِقَتْ وعَلِمَتْ بالزواج. ولو فُسِخَ النكاحُ بخيار البلوغ، فإن كان قبل الدخول فلا شيء للمرأة، وإن كان بعده فلها المهر كاملاً، ولا يكون طلاقاً، لأنه يَصِحّ من الأُنثى ولا طلاق إليها. ثم هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف في الأول، وهو قول ابن عمر وأبي

стр. 774

وسُكُوتُ البِكْرِ رِضاً هُنَا، وَلَا يَمْتَدُّ خِيَارُهَا إلى آخِرِ المَجْلِسِ وإنْ جَهِلَتْ بهِ، بِخِلَافِ المُعْتَقَةِ. وخِيَارُ الغُلَامِ وَالثَّيِّبِ لَا يَبْطُل بِلا رِضاً صَرِيحٍ أو دَلَالَةً، وَلا يَبْطُل بِقِيَامِهِمَا عَنِ المَجْلِسِ، وَشُرِطَ القَضَاءُ لِفَسْخِ مَنْ بَلَغَ، === هريرة، وقال أبو يوسف آخراً: لا خيار لهما، وهو قول عُرْوَةَ بن الزُّبَيْر، فإذا زَوَّجها غيرُ الأب والجدِّ لَزِم النكاح كما لو زوجها الأب والجد. والجواب ما قدمنا من أن النبي ﷺ لمَّا زوج أُمَامَة بنت حمزة قال: «لها الخيارُ إذا بَلَغَتْ» (١) . (وسُكُوتُ البِكْرِ رِضاً هُنَا) أي فيما إذا بلغت وقد عَلِمت بالنكاح، وفيما إذا عَلِمت بالنكاح بعد البلوغ، كما أن سكوتها رِضاً إذا استأذَنَها وهي بِكر بالغةٌ عند تزويجها. (وَلَا يَمْتَدُّ خِيَارُهَا) أي خيار فسخ البِكر (إلى آخِرِ المَجْلِسِ) بل يَبْطُل بمجرَّد السكوت (وإنْ جَهِلَتْ بِهِ) أي بأنَّ لها الخيارَ بالبلوغ، أو بأنه لا يَمْتَدُّ إلى آخر المجلس إذ جهلها ليس بعذر، لأن الدار دارُ العلم، وهي مُتَفَرِّغةٌ للتعلُّم، وجهلُها لأصل النِّكاح عذرٌ، لأن المولى يَنْفَرِدُ به. (بِخِلَافِ المُعْتَقَةِ) بعد التزويج، فإن خيارها يمتدُّ إلى آخر المجلس، ويَبْطُل بقيامها، لأن خيارها ثبت بإعتاق المولى، وتُعْذَرُ بالجهل، لأنها لا تتفرغ لتعلم الأحكام، لشغلها بخدمة المولى. (وخِيَارُ الغُلَامِ) أي الصغير قبل البلوغ (وَالثَّيِّبِ) سواء كانت ثيباً عند التزويج أو عند البلوغ (لَا يَبْطُل بِلا رِضاً صَرِيحٍ) بأن يقول: رَضِيتُ، (أو دَلَالَةً) بأن يفعل ما يدلّ على الرضا من قُبْلَةٍ، أو لمسٍ، أو إعطاء الغلام المهرَ، أو قَبولِ الثيِّبِ، ومطالبتِها بالمهر أو النفقة. (وَلا يَبْطُل بِقِيَامِهِمَا عَنِ المَجْلِسِ) لِمَا قَدَّمنا. والحاصل: أنها إذا بلغت ثيباً، فَوَقْتُ خيارِها العُمُرُ، لأن سبَبَه عدمُ الرضا، فيبقى إلى أن يُوجدَ ما يَدُلّ على الرضا بالنكاح، وكذا الغلام. (وَشُرِطَ القَضَاءُ لِفَسْخِ مَنْ بَلَغَ) من صغير أو صغيرة زَوَّجهما غيرُ الأب والجَدِّ، واختارا عند البلوغ فسخَ النكاح، لأن السبب مُخْتَلَفٌ فيه بين العلماء، فمنهم من أبَى،

стр. 775

لا مَنْ عَتَقَتْ. والوَليُّ العَصَبَةُ عَلَى تَرْتِيبِهِم === ومنهم من رأى (١) ، ولأنّ سببَ فسخهما النكاحَ وهو تركُ الوليّ النظرَ، بحكم عدم الشفقة لا يُوقَفُ على حقيقته، فكان ضعيفاً في نفسه، فيتوقف على القضاء، كالرجوع في الهبة، بخلاف خيار المُخَيَّرة، فإن سببه تخييرُ الزوج. (لا مَنْ عَتَقَتْ) أي لا يُشترط في فسخ نكاح الأمة المزوَّجة إذا عَتَقَتْ وبلغها الخبرُ واختارتْ فسخَ النكاح، قضاءُ القاضي، لأن سبب فسخها زيادةُ المِلك، وهو مقطوعٌ به، لأن الزوج كان يملك مراجعتها في قُرْءَيْنِ، ويَمْلِك عليها تطليقتين، وتنقضي عدتها في حيضتين، وقد زاد ذلك بالعِتق، ويتوارثان بموتِ أحدهما قبل فسخ القاضي، لأن أصل العقد صحيح، والملك الثابت به قد انتهى بالموت. (والوَليُّ العَصَبَةُ) أي بنفسه، وهو: كلُّ ذَكَر يَتَّصِل بلا تَوَسُّطِ أُنْثَى. (عَلَى تَرْتِيبِهِم) أي في الإرث، والحَجْبِ. فالأقرب يَحْجُبُ الأبعدَ. وتُقَدَّمُ عصبةُ النَّسَب، وأَولاهم الابنُ ثم ابن ابنه، وإن سَفَل، ثم الأب، ثم الجَدّ، وهو أبُ الأبِ، ثم الأخ لأبوين، ثم لأبٍ، ثم بَنُو الإخوة كذلك، ثم الأعمام كذلك، ثم بَنُوهم كذلك، ثم أعمام الأب كذلك. وفي شرح الطحاوي: أولى الأولياء الأبُ والجدُّ وإن علا، ثم الأخ لأب وأمَ، ثم الأخ لأبٍ، ثم ابن الأخِ لأبٍ وأمٍ، ثم ابن الأخ لأبٍ، وكذلك أولادهم على هذا الترتيب، ثم العمُّ لأبٍ وأمّ، ثم العمُّ لأب، وكذلك أولادهما، ثم عَمّ الأبِ لأبٍ وأمٍ، ثم عمّ الأَبِ لأبٍ، وكذلك أولادهما، ثم عمّ الجَدِّ لأبٍ وأُم، ثم عَمّ الجَدِّ لأبٍ، وكذلك أولادهما. والجَدُّ مُقَدَّمٌ على الأخ في التزويج عند أبي حنيفة، وسَوَّى صاحباه بينهما فيه، وفي «المبسوط»: الأصح أن الجَدّ مُقَدَّمٌ في قولهم جميعاً، لأن شفقته فوق شفقة الأخ، ولهذا لا يثبت لهما الخيارُ في عقد الجَدّ، كالأب، بخلاف الأخ. ويُزَوِّجُ المجنونةَ ابنُها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنه عَصَبَتُها، ألا ترى أن الأب معه يَستَحِقُّ السُّدُسَ بالفَرْضِيَّة وقال محمد: يزوجها أبوها، لأن ولاية الأب تَعُمُّ المالَ والنفس، ولا يثبت للابن إلا ولاية في المال، وإن لم يكن واحدٌ من هؤلاء،

стр. 776

بشَرْطِ حُرِّيَةٍ وَتَكْلِيفٍ، وإِسْلامٍ فِي وَلَدٍ مُسْلِمٍ، ثم الأمُّ، ثُمَّ ذُو الرَّحِمِ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ، ثُمَّ مَوْلَى المُوَالَاةِ، === فمولى العَتَاقة، الرجلُ والمرأةُ فيه سواء. (بِشَرْطِ حُرِّيَةٍ وَتَكْلِيفٍ) لأن العبد، والصبي، والمجنون لا ولاية لهم على أنفسهم، فكذا على غيرهم. (وَإِسْلامٍ فِي وَلَدٍ مُسْلِمٍ) ذكراً كان أو أُنثى، لأن الكافر لا ولاية له على المسلم (لأنها تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى، ولا يجوز أن يَنْفُذَ قولُ الكافر على المسلم) (١) لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (٢) ، فإنّ هذا يقتضي نفيَ السبيل من كل وجه، لأن النَّكِرةَ في موضع النفي تَعُمّ، لكنّ السبيلَ ثابتٌ حقيقةً، فيراد به نفيُ السبيل حكماً، كقبول الشهادة، والوِلاية، والقضاء، والوِراثة، وأيضاً يُشترط في وليّ وَلَدِ الكافر أنْ يكون كافراً لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُم أوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣) ، ولهذا تُقبل شهادة الكافر على مثله ويتوارثان. (ثم) أي إذا لم يوجد للصغير وليٌّ عَصَبَةٌ فالولي في التزويج (الأمُّ) عند أبي حنيفة، خلافاً لهما لحديث: «الإنكاحُ إلى العَصَبَات» (٤) ، وحجة أبي حنيفة حديث ابن مسعود في إجازته في تزويجِ امرأتِه ابنَتَها، وأن الأصح أنّ ابنتها لم تكن من عبد الله، وإنما جُوّز نكاحها لولاية الأُمومة. (ثُمَّ ذُو الرَّحِمِ) وهو هنا كلُّ قريب ليس بعَصَبة ولا أمّ. (الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ) فتُقَدَّمُ البنتُ، ثم بنتُ الابن، ثم بنتُ البنت، ثم بنتُ ابن الابن، ثم الأُختُ لأب وأُمَ، ثم لأبٍ، ثم أولادُ الأُمِّ: ذكورُهم وإناثُهم سواء، ثم أولادُهنَّ، ثم الأعمام، ثم العمَّات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم بناتُ الأعمام. والجدُّ الفاسد (٥) أولى من الأخت عند أبي حنيفة، وقيل تُقَدَّم الأُخت لأبٍ وأمَ على الأم، لأنها تكون في بعض الأحوال عَصَبَة. (ثُمَّ مَوْلَى المُوَالَاةِ) على روايتهما عن أبي حنيفة، وهو مَنْ وَالى غيرَه على أنه

стр. 777

ثُمَّ قَاضٍ في مَنْشُورِهِ ذلِكَ. وَالأَبْعَدُ يُزَوِّجُ بِغَيْبَةِ الأَقْرَبِ، مَا لَمْ يَنْتَظِرِ الكُفْءُ الخَاطِبُ خَبَرَهُ. وَعِنْدَ البَعْضِ أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ. === إن جَنَى، فَأَرْشُهُ (١) عليه، وإن مات، فميراثُه له، لأنه مؤخَّرٌ في الإرث عن ذوي الأرحام، فكذا في ولاية النكاح. (ثُمَّ قَاضٍ في مَنْشُورِهِ) أي في المكتوب الذي له من السلطان بالولاية (ذلِكَ) أي تزويج الصغار، لما رويناه من قوله ﷺ «السلطانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَليَّ له» (٢) . (وَالأَبْعَدُ يُزَوِّجُ بِغَيْبَةِ الأَقْرَبِ) وهو مقدَّمٌ على القاضي عندنا، خلافاً لمالك والشافعي، وهو رواية عن بعض أصحابنا، ولا يبطل عقده بمجيء الأقرب، بل تَبْطُل ولايته، لأن الأقرب لعدم الانتفاع به ـ لأجل غَيْبته ـ كالمعدوم، فيتعيَّن مَنْ يَخْلُفُه، وإذا حصل المقصود بِمَنْ يَخْلُفُه لا يبطل بعد حصوله، كَفَاقِدِ الماء إذا تَيَمَّم وصلَّى ثم وجد الماء، لا تبطل صلاته. والغَيْبَةُ التي يُزَوِّج الأبعدُ فيها هي: (مَا) أي مُدَّةً (لَمْ يَنْتَظِرِ الكُفْءُ الخَاطِبُ خَبَرَهُ) أي خبر الأقرب، وهذا مختار شمس الأئمة السَّرَخْسِي، ومحمد بن الفَضْل، والإِسْبِيجَابي، وصاحب «الهداية»، لأن الولاية نظريةٌ، ولا نَظَر في ولاية الأقرب على وجهٍ يَفُوتُ بفواته الكُفْءُ. (وَعِنْدَ البَعْضِ) من المتأخرين كالقاضي أبي علي النَّسَفِيّ، وصَدْر الإسلام البَزّدَويّ، وهو قول محمد بن مُقَاتِل، وسُفْيان الثَّوْرِي، وعليه فتوى الصدر الشهيد والوَلْوَالجيّ. وقال في «الكافي»: وعليه الفتوى. ((أَدْنَى) (٣) مُدَّةِ السَّفَرِ) وهي ثلاثة أيام ولياليها، واختار القُدُورِيُّ، ومحمدُ بن سَلَمة الغَيْبَةَ المنقطعة، بأن يكون في بلد لا تَصل إليه القافلة في السنة إلا مرةً. وفي «الواقِعات»: أن أكثر المشايخ اختاروا قَدْرَ الشهر، ـ وهو مَرويٌّ عن أبي يوسف ومحمد ـ لا يُجْهَل مكانُه، كما روي عن زُفَر وبعضِ مشايخنا. ثم من العلماء مَنْ قال: لا يجوز عقد الولِيَّيينِ المُتَساوِيين إلا مجتمعين، والعمل

стр. 778

[الكَفَاءَةُ في النِّكَاحِ] وَتُعْتَبَرُ الكَفَاءَةُ في النِّكَاحِ نَسَبَاً، === عندنا على أنّ أيَّهما عَقَدَ جاز، فإن زوجها كلٌّ منهما، فالصحة للسابق، فإن لم يُعْلَم، أو وَقَعَا معاً، بَطَلَ لعدم الأولَوِيَّة بالتصحيح، وليس الوصيُّ بوَلِيّ في التزويج عندنا، وقال ابن أبي لَيلى: له ولايةُ التزويج لقيامه مَقَام الأب، ألا ترى أنه قام مَقامه في التصرُّف في المال فكذا في التصرف في النفس. ولكنّا نستدل بما روينا من أن: «الإنكاح إلى العَصَبَات» (١) . (الكَفَاءَةُ في النِّكَاحِ) (وَتُعتَبَرُ) للمرأة على الرجل (الكَفَاءَةُ) أي المساواة (في النِّكَاحِ) أي في ابتدائه، حتى لو زالت الكفاءة بعد العقد لا يُفسخ النكاح لأجلها، كالمبيع إذا تَعَيَّب عند المشتري (٢) . وإنما تُعتبر الكفاءة لِمَا روى أحمد، والنَّسَائي عن عائشة أنها قالت: جاءت فتاةٌ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبي زَوَّجَني ابن أخيه ليرفع بي من خَسِيسته فجعل الأمرَ إليها، فقالت: إني قد أجزتُ ما صنع أبي، ولكن أردتُ أن تَعلمَ النِّساءُ أنْ ليس للآباء من الأمر شيءٌ. وروى الترمذي في «جامعه» وكذا الحاكم ـ وصححه ـ عن عليّ بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال له: «يا عليُّ، ثلاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا: الصلاة إذا أَتَتْ ـ أي حضرت، وفي رواية: آنَتْ، أي حانت ـ والجَنَازة إذا حَضَرَتْ، والأَيِّم إذا وَجَدَتْ لها كُفُؤاً». بصيغة الغَيبة أو الخطاب، والله تعالى أعلم بالصواب. (نَسَبَاً) أي من جهة النَّسَب، لأن التفاخر يقع بذلك السبب، وروى محمد في كتاب «الآثار» عن أبي حنيفة، عن رجل، عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذواتِ الأحساب، إلاّ مِنْ الأكفاء. والأحْسَابُ: جمع حَسَبٍ: بفتحتين، وهو: ما يَعُدُّه الإنسان من مفاخِر آبائه. ولقوله ﷺ «لا تَنْكِحُوا النِّسَاءَ إلا الأكفاء، ولا يُزَوِّجُهُنَّ إلا الأولياء، ولا مَهْرَ دون عشرة دراهم». رواه ابن أبي حاتم عن جابر، وحَسَّنه البَغَوِيّ. وقوله ﷺ «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُم وانْكِحُوا الأَكْفَاءَ»، رُوي من حديث عائشة وعمر

стр. 779

فَقُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ كُفُؤٌ لِبعْضٍ، وَالعَرَبُ بَعْضُهُم كُفُؤٌ لِبعْضٍ، === من طُرُقٍ عديدة، فوجب ارتفاعه إلى الحُجِّيَّة بالحُسن، لحصول الظنِّ بصحة المعنى وثبوته، وإن كانت كلها ضعيفة، كما ذكره الزَّيْلَعي في كتاب «الإسعاف بأحاديث الكشَّاف» في سورة النساء. وقال مالك: لا تُعتبر الكفاءةُ إلا في الدِّين لقوله ﷺ «الناسُ سَوَاسِية كأسنانِ المُشْطِ، لا فَضْلَ لعربيَ على عجميَ، وإنما الفضل بالتقوى» (١) . وقال تعالى: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ ااِ أتْقَاكُم﴾ (٢) . قلنا: المرادُ به في حكم العُقْبَى، وكلامُنا في حكم الدنيا وأما قول الكَرْخِي: الأصح عندي أنْ لا تُعتبر الكفاءة في النكاح، لأنها غير مُعتبرةٍ فيما هو أهم منه، وهو الدماء، فَلأَنْ لا تُعتبر في النكاح أولى، فمدفوعٌ بما قَدَّمناه من الأحاديث الدالَّة على اعتبار الأكفاء في النكاح دون الدماء. (فَقُرَيْشٌ) وهم أولاد النَّضْر بن كِنَانَة (بَعْضُهُمْ كُفُؤٌ لِبَعْضٍ) لأنه ﷺ زَوَّج ابنته رُقَيَّةَ من عثمان، ولما ماتت زوَّجه أُختَها أُمَّ كُلْثُوم، ولذا قيل له: ذو النُّورَيْن، وعثمان قرشيٌّ أُمويٌّ لا هاشمي. وزَوَّج عليٌّ ابنته (أُمَّ كُلْثُوم بنتَ فاطمة بنتِ رسول الله ﷺ لعمر) (٣) وهو عَدَوِيّ لا هاشمي، لأن رسول الله ﷺ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد المُطَّلِبِ بنِ هاشم بن عَبْدِ مَنَاف بن قُصَيِّ بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن نَضْر بن كِنَانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكة بن إياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان. وعمر بن الخطاب بن نُفَيل بن عبد العُزَّى بن رِياح بن عبد الله بن قُرْط بن زَرَاحَ ابن عَدِيّ بن كعب. وعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شَمْس بن عبد مَنَاف. (وَالعَرَبُ) من غير قريش (بَعْضُهُم كُفُؤٌ لِبَعْضٍ) ويُستثنى من ذلك بنو بَاهِلة بن قيس بن سعد بن عَيْلان ـ بالعين المهملة ـ وأنهم ليسوا بأكفاء لمن عداهم من العرب لِخِسَّتِهِم عند العرب، وبَاهلة في الأصل اسمُ امرأةٍ من هَمْدَان، نُسِبَ وُلْدُها إليها، وهم

стр. 780

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === معروفون بالخَسَاسة، قيل: كانوا يأكلون بقية الطعام مرة ثانية، وكانوا يأخذون عظام الميتة يطبخونها ويأخذون دُسُومَاتها، ولذا قيل: *وَلَا يَنْفَعُ الأصلُ من هاشِمٍ ** إذا كانتِ النَّفْسُ مِنْ بَاهِلة وقيل أيضاً: *إذا قيلَ للكلب: يا بَاهِليّ ** عَوَى الكلبُ من شُومِ هذا النَّسَب ثم اعلم أنّ القرشيين مَنْ جَمَعها أبٌ هو النَّضْر بن كِنَانَة فمن دونه، ومَنْ لم يَنتسب إلا إلى أبٍ فوقَه فهو عربيٌّ غير قرشي، وإنَّما سُمِّيت أولاد النَّضْر قُرَيشاً تشبيهاً بدابَّةٍ في البحر تُدعى قُرَيشاً تأكلُ كلَّ دوابّه، لأنه من أعظم دواب البحر عِزَّةً وفخراً ونَسَباً. ثم طبقات العرب ستٌّ، فالشَّعْب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العِمَارة، والعِمَارة تجمع البطون، فالبطن تَجْمَعُ الأفخاذ، والفَخِذُ تجمع الفصائل، فخُزَيمةُ شعب، وكِنَانة قبيلة، وقُريش عِمَارة، وقُصَيُّ بطنٌ، وهاشم فَخِذٌ، والعباس فصيلة. وقال صدر الإسلام في «مبسوطه»: والموالِي وهم العجم ليسوا بأكفاء للعرب، وسُمُّوا موالِيَ لأنهم نَصَرُوا العرب على قتال الكفار من أهل الحرب (١) ، والناصر يُسمى مَوْلى، قال الله تعالى: ﴿وَأنَّ الكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (٢) ، وإنما كانوا أفضلَ من العجم لمكان رسول الله ﷺ والحاصلُ: أنه ليس عربيٌّ كُفُؤاً لقُرَشِيّة، ولا عجمي كُفُؤاً لعربية، لما رواه الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «العرب أكفاءٌ، بعضُهم لبعض، قبيلةٌ بقبيلة ورَجُلٌ برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، قبيلةٌ بقبيلة، ورَجُلٌ بِرَجُلٍ إلا حائك أو حَجَّام»، لكن في سنده مجهول، ورواه أبو يَعْلَى، وابن حِبَّان، وابن عَدِيّ في «الكامل» بسند فيه عمران بن أبي الفضل، وقد ضعّفه ابن مَعِين والنَّسَائي، وقال ابن حِبَّان: إنه يروي الموضوعات عن الثقات. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عمر مرفوعاً: «الناسُ أكفاءٌ، قبيلةٌ لقبيلة، وعربيٌّ لعربي، ومولى لمولى، إلا حائكاً أو حَجَّاماً»، لكن في سنده محمد بن الفضل، وهو مطعون فيه، وبَقِيَّة بن الوليد يُرمَى بالتدليس إذا عنعن الحديث. وروى البَزَّار في «مُسنده» من طريق خالد بن مَعْدَان، عن مُعاذ بن جَبَل، قال:

стр. 781

وَفي العَجَمِ إسْلَاماً، فَذُو أبَوَيْنِ في الإِسْلَامِ كُفُؤٌ لِذِي آباءٍ فِيهِ، === قال رسول الله ﷺ «العَرَبُ بعضُهم أكفاءٌ لبعضٍ، والموالي بعضُهم أكفاءٌ لبعض»، وسكت عنه، وقال عبد الحق: إن ابن مَعْدان لا يسمع عن معاذ. وقال بعض المحققين: وبالجملة فللحديث أصلٌ، فإذا ثبت اعتبارُ الكفاءة بما قدمناه، يمكن ثبوتُ تفصيلها أيضاً بالنظر إلى عرف الناس فيما يَحْقِرُونه ويُعَيَّرون به، فَيُستأنس بالحديث الضعيف في ذلك، خصوصاً وبعض طرقه ـ كحديث بقية ـ ليس من الضعيف بذلك، فقد كان شُعْبَةُ معظِّماً لبَقِيَّة، وناهيك باحتياط شُعبة، وأيضاً تعدُّدُ طرق الحديث يرفعه إلى الحسن. (وَفي العَجَمِ) عطف على مقدَّر فيما سبق، أي: وتُعتبر الكفاءة في نكاح العرب نسباً وفي نكاح العجم (إسْلَاماً) لأنّ به تفاخُرَهم لا بالنَّسَب، وظاهر المتن يدل على أن الكفاءة من حيث الإسلامُ تُعتبر في العجم، ولا تُعتبر في العرب، وعبارة بعض الكتب تَدُلّ على أنها معتبرة في العرب أيضاً، فلعل مرادَه أنّ في العجم لا يُعتبر النَّسَب لأنهم ضَيَّعوا أنسابهم، وكذا الكلام في باقي الصفات الآتية. ذكره البِرْجَنْدِي. والعبارة الأخيرة هي الصحيحة لقوله تعالى: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حتى يُؤْمِنُوا﴾ (١) . ولعله لم يذكر الإسلام في العرب، لأن الكلام في شروط نِكاح المسلمين، وإنما التفاوتُ بين العرب والعجم: أنّ العرب يَعتبرون النَّسب على ما سَبَقَ مِنْ وَفْقِ الحَسَبِ، والعجم يُعتبر فيهم مراتب الإسلام في تحقيق المَرَام. والحاصل: أن العرب يُكتفَى فيهم وجود أصل الإسلام من غير مراتبه المذكورة، بخلاف الأعجام، فإنها معتبرة في (إحكام) (٢) الأحكام، ويَدُلّ عليه تَزَوُّجُهُ ﵊ بنتَ أبي بكر، وتزويجُ بِنْتَيْه عثمانَ، وفاطمةَ علياً، وتَزَوَّج عمرُ أُمَّ كُلْثُوم بنتَ عليَ (من فاطمة ﵃ (٣) . (فَذُو أبَوَيْنِ) أي من العجم (في الإِسْلَامِ كُفُؤٌ لِذِي آباءٍ فِيهِ) لِوُجُودِ المساواة بينهما، لأن أصل النَّسَب بالأب، وتَمَامَهُ بالجَدِّ، فلا تُعتبر الزيادة، كما لا تُعتبر في

стр. 782

لا ذُو أبٍ كُفُؤاً لَهُمَا، وَلَا مُسْلِمَ بِنَفْسِهِ لَهُ. وَحُرِّيَّةً وهي كَالإِسْلَامِ. ودِيَانَةً فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفُؤاً لِبِنْتِ صَالِحٍ === تعريف الشهود (١) . (لا ذُو أبٍ) أي ليس من له أبٌ في الإسلام (كُفُؤاً لَهُمَا) أي لِمَنْ له أبوان فيه، ذكره الشارح. والصواب: لِذِي أبوين ولِذِي آباء في الإسلام، لعدم المساواة. وقال أبو يوسف: هو كُفُوءٌ، وهذا كما قال في تعريف الشهود: إنه يَتِمُّ بذكر الأب. قيل: كان أبو يوسف إنما قال ذلك في موضع لا يُعَدُّ كُفْرُ الجَدِّ عيباً بعد أن كان الأبُ مسلماً، وهما قالاه في موضع يُعَدُّ عيباً، والدليل على ذلك أنهم قالوا جميعاً: إن كفر الأب والجَدّ ليس عيباً في حق العرب، لأنهم لا يُعَيَّرُونَ بذلك. ذكره ابن الهُمَام، وهو مُؤَيِّد لما قدمناه من الكلام. (وَلَا مُسْلِمَ بِنَفْسِهِ لَهُ) أي وليس مسلمٌ بنفسه كُفُؤاً لذي أبٍ في الإسلام، لعدم المساواة بينهما. (وَحُرِّيَّةً (٢) ، وهي كَالإِسْلَامِ) فيما ذكرناه من أن ذا أبوين في الحرية كُفُؤٌ لِذِي آباء فيها، وليس ذو أب فيها كُفُؤاً لذي أبوين، خلافاً لأبي يوسف، ولا حُرَّ بنفسه كُفُؤاً لِحُرَ بأبيه. (ودِيَانَةً) أي تَقْوَى، لأنها من أعلى المفاخر، لأن المرأة تُعَيَّر بفسق زوجها ما لا تُعَيَّر بِضَعَةِ نَسَبِه. (فَلَيْسَ فَاسِقٌ) وإن لم يَكُنْ مُعْلِناً (كُفُؤاً لِبِنْتِ صَالِحٍ) هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذا أحد أعوان الظَّلَمة لا يكون كُفُؤاً لامرأة من أهل البيوتات، إلا أن يكون مَهِيباً في الناس. وعن أبي يوسف: إذا لم يُعْلِن الفاسقُ بفسقه يكون كُفُؤاً لبنت الصالح، وهو قريبٌ من قول محمد: أنّ الفاسق كُفُؤٌ لبنت الصالح، إلا إذا كان مُسْتَخَفًّا به، كأن يَخرُج سكرانَ، ويَلعبَ به الصبيانُ. وفي «المحيط»: الفتوى على قول محمد، لأنّ التقوى من أمور الآخرة، ولا يَفُوتُ النِّكاح بفواتها.

стр. 783

ومَالاً، فَالعَاجِزُ عَنِ المَهْرِ المُعَجَّلِ والنَّفَقَةِ غَيْرُ كُفُؤ لِلْفَقِيرَةِ، وَالقَادِرُ عَلَيْهِمَا كُفُؤٌ لِلْغَنِيَّةِ. وَحِرْفَةً، فَحَائِكٌ أو حَجَّامٌ، أو كَنَّاسٌ أو دَبَّاغٌ، ليس كُفُؤاً لِعَطَّارٍ وَنَحْوِهِ. وإِنْ نَكَحَتِ المَرْأَةُ بِأَقَلَّ مِن مَهْرِهَا === هذا، وقال بعض المشايخ: العجميُّ العالم كُفُؤٌ لبنت العربي الجاهل. (ومَالاً) بأن يَمْلِك من المهر ما تعارفوا تعجيلَه، لأنه بَدَلُ البُضْع، وبأنْ يَكْسِبَ نفقةَ كلّ يوم وما يحتاج إليه من الكِسوة، لأن بذلك يتمّ الازدواج، وهو صحيح على ما في «المُجْتَبَى». وقيل: يُعتبر أن يكون عند العقد مالكاً لنفقة شهر، وقيل: لنفقة ستة أشهر. (فَالعَاجِزُ عَنِ المَهْرِ المُعَجَّلِ والنَّفَقَةِ غَيْرُ كُفُؤ لِلْفَقِيرَةِ) قال المُصَنِّف: وإنما قال: للفقيرة، لدفعِ مَنْ تَوَهَّم أنه يكون كُفُؤاً لها، ويلزم من كونه غيرَ كُفُؤٍ للفقيرة أن يكون غيرَ كُفُؤ للغنية بالطريق الأولى، وأما الصغيرة التي لا تُطِيقُ الوَطْاءَ، فالعاجز عن النفقه كُفُؤٌ لها، لأنها لا نفقة لها، وكذا لو كان يَجِدُ نَفَقَتَها ولا يجد نفقةَ نفسه يكون كُفُؤاً لها. (وَالقَادِرُ عَلَيْهِمَا كُفُؤٌ لِلْغَنِيَّةِ) ولو كانت ذاتَ أموالٍ عظيمة، لأن مصالح النكاح تَنتظم بهما. (وَحِرْفَةً) (١) أي صناعة (فَحَائِكٌ، أو حَجَّامٌ، أو كَنَّاسٌ أو دَبَّاغُم، ليس كُفُؤاً لِعَطَّارٍ وَنَحْوِهِ) من بَزَّازَ (٢) ، أو صَرَّافٍ. وهذا قول محمد وروايةٌ عن أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن الناس يفتخرون بشرف الصناعة، ويُعَيَّرون بخسيسها. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف عدمُ اعتبار الحِرْفَة، لأنها ليست بلازمةٍ، لأن التَّحَوُّل من خسيسها إلى شريفها ممكنٌ. وفيه: أنّ التعيير باقٍ ولو بَعْدَ التغيير. وفي «المُحِيط»: أَخَسُّ الناس في الأكفاء أربعة: الحائِكُ، والحَجَّامُ، والدَّبَّاغُ، والكَنَّاسُ، فالحائك كُفُؤٌ للحجَّام، وبعكسه، والدبَّاغُ والكَنَّاس متكافئان، والخامس أخسُّ منهم وهو الذي يَخْدُم الظَلَمة، وإن كان من أعلم الناس وأشرفهم، لأنهم يأكلون أموال الناس وهو يُعينهم. (وإنْ نَكَحَتِ المَرْأَةُ) كُفُؤاً (بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِهَا) أي من مهر مِثْلِها، بمقدارٍ لا

стр. 784

فَلِلْوَليِّ الاعْتِرَاضُ حَتّى يُتِمَّ مَهْرَ مِثْلِهَا، أو يُفَرَّقَ. [نِكَاحُ الفُضُوليّ] وَوُقِفَ نِكَاحُ الفُضُولِيّ عَلَى الإِجَازَةِ === يُتَغَابَنُ فيه (فَلِلْوَليِّ) أي للعَصَبَة لا لغيره (الاعْتِرَاضُ) وإن لم يكن مَحْرَماً كابن العم عند أبي حنيفة (حَتَّى يُتِمَّ) الزوجُ (مَهْرَ مِثْلِهَا، أو يُفَرَّقَ) بين نفسه وبينها، بأن يُطلِّقها عند القاضي، لأنه مُجتَهدٌ فيه، وكلٌّ من الخصمين يتشبث بدليل، فلا تُقطع الخصومةُ إلا بفصلِ مَنْ له ولايةٌ عليهما. وتوضيحه: أن هذا النكاح ينعقد صحيحاً في ظاهر الرواية، وتبقى أحكامه من إرثٍ وطلاق إلا أن يُفَرِّقَ القاضي بينهما، والفُرْقَةُ به لا تكون طلاقاً، بل فسخاً، فإن كانت قبل الدخول، فلا مَهْرَ لها، وإن كانت بعده أو مات أحدهما، فلها المُسَمَّى. وقالا: ليس للوليِّ الاعتراضُ، لأنها تصرَّفَتْ في حقها، لا في حق الوليِّ، فصارت كما لو نُكِحَتْ بمهرِ المِثل ثم وَهَبَتْ للزوج شيئاً منه، وقول محمد هنا يُتَصَوَّر على قوله الذي رجع إليه وهو: أن المرأة تُنْكِح نفسَها بغير وليَ، وعلى قوله الآخَر بأنْ تُصَوَّر المسألة في امرأة أُكْرِهَتْ هي وَوَليُّها على النكاح بأقلَّ من مهر المِثل، ثم زال الإكراه، وهي راضيةٌ ولم يَرضَ الوليُّ، وفي امرأة أذِنَ لها الوليُّ بالنكاح ولم يُقَدَّر لها مَهرُ المثل، فتزوجت بأقلَّ منه. ثم قيل: له الاعتراض عند أبي حنيفة ما لم تَلِد، وقيل: مطلقاً ولو وَلَدَتْ، إلى أن ترضى به ولو دَلالة كقبض المَهْرِ أو النفقة. ورِضَى بعضُ الأولياء كرِضَى الكلِّ عندنا، ولا يُجِيزه أبو يوسف بمَن لم يرض منهم (١) كمالكٍ والشافعي، وهو قول زُفَر. (نِكَاحُ الفُضُولي) (وَوُقِفَ نِكَاحُ الفُضُولِيّ) وهو هنا مَنْ أوجبَ النكاحَ أو قَبِل عن غيره بغير إذنه، لأنه عقدٌ صدر من أهله، وهو عاقلٌ بالغٌ مضافاً إلى محله، وهي أنثى من بنات آدمَ، ليست بمَحْرَمٍ، ولا مُعْتَدَّةٍ، ولا مُشْرِكَةٍ، ولا زائدةٍ على العدد المنصوص، فيَصِحُّ ويُوقَف (عَلَى الإِجَازَةِ) ممن عقد عنه، لئلا يَلحقَه الضرر، فإذا أجازه استند إلى أولِّ العقد وصار كأنه أذِنَ في العقد. روى أبو داود عن عُرْوَةَ، عن أمِّ حَبِيبةَ أنها كانت تحت عُبَيد الله بن جَحْشٍ،

стр. 785

وَيَتَوَلَّى طَرَفَي النِّكَاحِ وَاحِدٌ غَيرُ فُضُوليٍّ. === فمات بأرضِ الحَبَشَةِ، فزوَّجها النَّجَاشِيُّ النبيَّ ﷺ وأمهرها عنه أربعةَ آلافِ درهم، وبعثها مع شُرَحْبِيل، فَقَبِل ﷺ (وَيَتَوَلَّى) عندنا ومالك (طَرَفَي النِّكَاحِ) وهما الإيجاب والقَبول (وَاحِدٌ غَيْرُ فُضُولِيَ) سواء كان ذلك الواحد: وَليًّا من الجانبين، كمن زوَّج ابنَ ابنِه بنتَ ابنه الآخَر بقوله: زوجتُ فلاناً من فلانة. أو وكيلاً من الجانبين، كمَن وكَّله رجلٌ بالتزويج ووكلته امرأةٌ به أيضاً، فزوَّج أحدَهما بالآخر. أو وكيلاً من جانب ووليًّا من جانب، كمن وكَّله رجلٌ بأن يُزَوِّجه ابنتَه فزوَّجه بها. أو أصيلاً من جانب ووكيلاً من جانب، كمن وكَّلته امرأةٌ بأن يزوِّجها من نَفسِه فزوجها (١) . أو أصيلاً من جانب وولياً من جانب، كمن زوَّج بنتَ عمه الصغيرة من نفسه. وإذا تَوَلّى طَرَفَيْه، فقوله: زَوَّجْتُ، يتضمنُ الشطرَين، فلا يحتاج إلى القَبول. وقال زُفَرُ والشافعي: لا يتولَّى واحدٌ طرفي عقدِ النكاح، كما لا يتولَّى طرفي عقد البيع. ولنا أن العاقد في النكاح سفيرٌ ومُعَبِّرٌ، ولهذا لا ترجع حقوق النكاح إليه، والواحدُ يَصْلح معبِّراً عن الجانبين، ولذا لا يَستغني عن إضافة العقد إليه، والعاقد في البيع أصيلٌ، ولذا تَرجِع حقوقُ البيع إليه حتى استغنى عن إضافة العقد إليه، والواحدُ لا يَصلح أن يكون أصيلاً من الجانبين، لِتَبَايُنِ الحُقُوقِ المُفْضِية إلى أحكام متضادَّةٍ، بأن يكون مُطالِباً ومُطَالَباً، ومُسَلِّماً ومُسَلَّماً، ومُخَاصِماً ومُخَاصَماً. ومن أدلَّتنا قوله تعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُم ألاّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ (٢) أي في نكاح اليَتَامى، فهو دليل على أنّ للوليِّ أنْ يُزَوِّج وَلِيَّتَهُ من نفسه، وكذا قوله تعالى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٣) دليلٌ لذلك، وفي الحديث: أنَّ شُرَطَ عليَ ﵁ أَتَوْهُ بشيخٍ مع جاريةٍ، فسأله عن قِصَّتِها؟ فقال: إنها ابنةُ عَمِّي، وإني خَشِيتُ أنها إذا بَلَغَتْ تَرْغَبُ

стр. 786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عنِّي فتزوجتُها. فقال: خُذْ بِيَدِ امرأتك. وقد روى البخاريّ أن عبد الرحمن بنَ عَوْفٍ قال لأُمِّ حَكيم ابنة قَارِظ (١) أَتَجْعَلِينَ أَمركِ إِليَّ؟ قالت: نعم، قال: تَزَوَّجْتُكِ. فعقده بلفظ واحد. وروى أبو داود عن عُقْبَة بن عامر أنه ﷺ قال لرجل: «أَتَرْضَى أنْ أُزَوِّجَكَ فلانة»؟ قال: نعم، وقال للمرأة: «أَتَرْضَيْنَ أن أزوِّجَكِ فلاناً»؟ قالت: نعم، فزوَّج أحدَهما صاحِبَه، وكان ممن شَهِد الحُدَيْبِيَة. قَيَّدَ بغير الفُضُولي لأن الفُضُوليَّ لا يتولَّى طَرَفَي النكاح عند أبي حنيفة ومحمد، سواءٌ كان فضولياً من الجانبين، أو فضولياً من جانبٍ، وأصيلاً، أو ولياً، أو وكيلاً من جانب، وأما إذا كان العقد بفُضُولِيَّيْنِ، فجائز عندنا، ويكون موقوفاً كما مَرّ، بخلاف عقد الفُضُوليِّ الواحد ولو بلفظَين، على ما ذكره بعض المحققين. وكذا التزوج بغائبة لم يَقْبَل عنها أحدٌ، غير صحيح لأن النكاح عقدُ معاوضة محتمِلٌ للفسخ، فكلام الواحد فيه يكون شطرَ العقد، وشطرُه لا يتوقَّف على ما وراء المجلس كما في البيع، بخلاف الطلاق والإعتاق بكذا، فإنه لا يَحتمل الفسخَ بعد وقوعه أصلاً. وقال أبو يوسف في قوله الأخير: يتولّى الفُضُوليُّ طَرَفَي النكاح ويكون موقوفاً. ولو قالت امرأة لرجل: زَوِّجني، أو قالت: زَوِّجني من رجل، فزوَّجها من نفسه، فالنكاح باطلٌ عند أبي حنيفة ومحمد، لأنه فُضُوليٌّ من جانبها، لأنه صار بالخطاب معرفة (٢) ، فلا يدخل تحت النكرة. والحاصل: أنه يجوز النكاح عندنا وعند مالك بفُضُوليَ وأصيلٍ موقوفاً على إجازة من له تنفيذُه، وأبطله الشافعي بناءً على أصله: أن العقود لا تتوقف على الإجازة. وعندنا تتوقف، وهي مسألةٌ معروفة وقد ذُكِرت في أول البيوع. والله تعالى أعلم.

стр. 787

فَضلٌ في المَهْرِ وَأَحْكَامِهِ أَقَلُّ المَهْرِ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ === فصل في المَهْرَ وَأَحْكَامِهِ (أَقَلُّ المَهْرِ) عندنا (عَشْرَةُ دَرَاهِمَ) أي وزنها من فِضة مضروبة، أو تِبْرِها، أو ما يُساوي وزن عشرة دراهم من نَقْدٍ أو متاع. قال محمد في «الأصل»: بَلَغَنَا أن أقلَّ المَهْرِ عشرةُ دراهم، عن عليَ وعبد الله بن عمر، وعامر وإبراهيم. وقال مالكٌ في «الموطأ»: لا أرى أنْ تُنْكَحَ المرأةُ بأقلَّ من رُبُعِ دينارٍ، وهو نصاب السَّرِقة عنده. وقال الشافعي وأحمد: كُلُّ ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون مهراً. لنا ما روى الدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي في «السنن الكبرى» من طُرُقٍ ـ إلا أنها ضعيفة ـ عن جابر: أن النبي ﷺ قال: «لا مَهْرَ أقلّ من عشرة دراهم». وما روى الدَّارَقُطْنِيّ ثم البيهقي في «سُنَنِهما» عن داود الأَوْدِيّ، عن الشَّعْبِيّ، عن عليَ قال: لا تُقطَعُ اليدُ في أقلَّ من عشرة دراهم، ولا يكون المهرُ أقلَّ من عشرة دراهم. إلا أن ابن حِبَّان ضَعَّف الأوْدِيَّ، وأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عن جُوَيبر (١) ، عن الضحَّاك، عن النَّزَّال بن سَبْرَة، عن علي. فذكره. وجُوَيبر ضعيف. ورواه أيضاً من طريق آخر عن الضحاك ولكن في سنده محمد ابن مروان أبو جعفر، قال الذَّهَبِيُّ: لا يكاد يُعْرَف. انتهى. ولا يخفى أن تعدد الطرق يَرْقَى إلى مرتبة الحَسَن، وهو كافٍ في الحُجِّيَّة. وأما ما في الصحيحين من قوله ﵊: «الْتَمِسْ ولو خاتَماً من حديد». وما في التِّرْمِذِي وابن مَاجَه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه: أن النبي ﷺ أجاز نِكَاح امرأةٍ على نَعْلَيْنِ. وما في «سنن أبي داود» عن جابر أنه ﵊ قال: «من أعطَى في صَدَاقِ امرأةٍ مِلأَ كَفَّيْهِ سَوِيقاً أو تمراً، فقد استَحَلَّ» أي البُضْعِ، لكن في سنده إسحاق بن جابر بن جبريل، قال عبد الحق: لا يُعَوَّلُ على ما أسنده، وقال الذهبي: إنه لا يُعْرَف، وضَعَّفه الأزدي.

стр. 788

فَتَجِبُ العَشَرَةُ إنْ سَمَّى دُونَهَا، وإن سَمَّى غَيْرَهُ === فالكلُّ محمولٌ على المُعَجَّل، لأن العادة عندهم كانت تعجيلَ بعضِ المَهْرِ قبل الدُّخول، حتى نُقِلَ عن ابن عباس، وابن عمر، والزُّهْرِيّ، وقَتَادَة: أنه لا يَدْخُلُ بها حتى يُقَدِّمَ لها شيئاً، تمسُّكاً بمنع النبيِّ ﷺ عَلِيًّا عن الدخول على فاطمة حتى يُعْطِيَهَا شيئاً، فقال: يا رسول الله، ليس لي شيءٌ فقال: «أعْطِها دِرْعَكَ»، فأعطاها درعه، ثم دخل بها (١) . ومعلوم أنّ الصَّدَاقَ كان أرْبَعَ مِئةِ درهم فِضةً. لكنَّ المختارَ الجوازُ قبله، لِمَا في «سنن أبي داود» عن عائشة قالت: أَمَرَني رسولُ الله ﷺ أن أُدْخِلَ امرأةً على زوجها قبل أن يُعْطِيَها شيئاً. فَيُحمل المنعُ المذكور على النَّدْبِ، أي يُنْدَبُ تقديم شيء إدخالاً للمَسَرَّةِ عليها، تَأَلُّفاً لقلبها. وإذا كان ذلك معهوداً، وَجَبَ حَمْلُ ما خالف ما روينا عليه، جمعاً بين الأحاديث وكذا يُحْمَلُ أمْرُهُ بالتماس خَاتَمٍ من حديد، على أنه تقديمُ شيء تَأَلُّفاً، ألا ترى أنه أَمَرَ ذلك الرجلَ بالتماس ما في اليد والصَّدَاقُ يمكن إثباته في الذِّمَّة، فعرفنا أنّ المراد ما يُعَجَّلُ لها باليد، ولَمَّا عَجِزَ قال: «قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشرين آيةً. وهي امْرَأَتُكَ». رواه أبو داود. وهو محمل رواية: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ القرآن» (٢) . فإنه لا يُنَافيه، وبه تجتمعُ الرواية. (هكذا أجاب بعض المحققين) (٣) . والله تعالى أعلم بحقيقة الحالات. (فَتَجِبُ العَشَرَةُ) استحساناً (إنْ سَمَّى دُونَهَا) أي أقلَّ منها عيناً أو قيمةً، كثوب يساوي خمسةً، إن دخل بها أو مات عنها، وأمّا إن طلَّقها قبل الدخول، فلها خمسةٌ. وقال زُفَر: يجب مهرُ المِثل إن دخل بها، والمُتْعَةُ (٤) إن طَلَّقَهَا قبله، وهو القياس، لأن المسمَّى لَمَّا لم يَصِحّ صَدَاقاً شرعاً صار النكاح كالخالي عن التسمية، وفي الخالي عنها يجب مهر المثل، أو بمنزلة ما لو سمى خَمْراً أو خنزيراً. وأُجيب بأن وجوب العشرة في تسميةِ دُونِها لِحَقِّ الشَّرْعِ، وقد وُجِدَ ما يَدُلُّ على رضا المرأة بها، وهو رضاها بدونها، بخلاف الخالي عن التسمية. (وإن سَمَّى غَيْرَهُ) أي غير دون عشرة دراهم، وهو عشرة دراهم أو أكثر منها.

стр. 789

فَالمُسَمَّى عِنْدَ مَوْتِ أحَدِهِمَا، أوْ عِنْدَ خَلْوَةٍ صَحَّتْ، وهي: أَنْ لا يوجَدَ مَانِعُ وَطئٍ حِسًا أو شَرْعاً أوْ طَبْعاً، كَمَرَضٍ يَمْنَعُهُ، وصَوْمِ رَمَضَانَ، وصَلَاةِ فَرْضٍ وإحْرَامٍ، === (فَالمُسَمَّى) واجب، أي فيجب المسمى (عِنْدَ مَوْتِ أحَدِهِمَا) لأن النكاح يُعْقَد للأبد، وبموت أحدهما تقرَّر ذلك. (أوْ عِنْدَ خَلْوَةٍ صَحَّتْ) قال ابن المُنْذِر: هو قول عمر، وعليَ، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وجابر، ومعاذ، وقول الشافعي في القديم، وقال في الجديد ـ وهو قول مالك ـ: يجب على الزوج إذا طَلَّق بعد الخَلْوَة من غير وَطاءٍ نصفُ المُسَمَّى، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. (١) … الآيةَ. ولنا قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُم إلى بَعْضٍ﴾ (٢) ، وحقيقةُ الإفْضَاءِ الدخولُ في الفضاء، وهو المكان الخَالِي، والمَسُّ ليس بوَطاءٍ حقيقةً، وإنما حَمَلاه على الوَطْاء لأنه سببه، فأطلق اسم السبب على المُسَبَّب، وحملناه على الخلوة، لأنه لا يمس امرأةً عادة إلا في الخَلوة الصحيحة، فكان إطلاق اسم المَلْزُوم على اللازم، والمُسَبَّب على السبب، إذِ الخلوةُ الصحيحةُ سببُ المَسِّ ظاهراً. وما ذكرنا أولى لتَأَيُّدِهِ بالنص، وبما روى مالك في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسَيَّب: أن عمر بن الخطاب قَضَى في المرأة إذا تَزَوَّجها الرجلُ، أنه إذا أُرْخِيَتِ السُّتُورُ، فقد وَجَبَ الصَّدَاقُ. وبقوله ﵊: «مَنْ كَشَفَ خِمَار امرأته، أو نظر إليها، وَجَبَ الصَّداقُ، دَخَل بها أو لم يدخل». رواه الدَّارَقُطْنِيّ والشيخ أبو بكر الرَّازِي في «أحكامه»، وبالإجماع فقد حكى الطَّحَاويّ إجماعَ الصحابة في هذه المسألة. (وهي) أي الخلوة الصحيحة (أَنْ لا يُوجَدَ مَانِعُ وَطاءٍ حِساً أو شَرْعاً أوْ طَبْعاً) لأنَّها قائمة مقام الوَطْاء، فلا بُدّ من عدم المانع منه. (كَمَرَضٍ يَمْنَعُهُ) أي الوطاء بأنْ يكون الرجل مريضاً، أو تكون المرأة مريضةً مرضاً يضر بالزوج إذا وَطئَهَا. وهذا نظير المانع الحسيّ (وصَوْمِ رَمَضَانَ) لأنّ الوطاء فيه موجب للقضاء والكفارة. وقَيَّد به، لأن صوم التطوع، والنَّذْر، والقضاء، والكفارة لا يمنع صحة الخَلْوَة على الصحيح. (وصَلَاةِ فَرْضٍ) لأنَّ إفسادها موجب للقضاء في الدنيا، والعقاب في العُقْبَى. وقيَّد بالفرض، لأن النافلة والواجبة لا تمنع صحة الخَلْوَة. (وإحْرَامٍ) بحج فرضٍ، أو

стр. 790

وحَيْضٍ ونِفَاسٍ، بِخِلَافِ الجَبِّ والعُنَّةِ والخِصَاءِ === نفلٍ، أو بعُمْرَةٍ، لأن إفساد الإحرام موجب للمضيّ فيه، وللقضاء، والدَّم. وهذه الثلاثة نظير المانع الشَّرْعيّ. (وحَيْضٍ ونِفَاسٍ) نظيران للمانع الطَبْعِيّ، وفيهما أيضاً المانع الشرعيّ. ولو خلا بها، ومعهما أعمى، أو نائم، أو صبيّ يعقل، لا تكون خَلْوَة. لأنَّ الأعمى يَحُسُّ، والنائم يستيقظ ويتناوم. ولو كان معهما صغير لا يعقل، أو مجنون، أو مُغْمَى عليه، فهي خَلْوَةٌ. وقيل: الجنون والإغماء يمنعان. أي لحصول الحياء، أو لاحتمال إفاقتهما في الأثناء. وفي «جوامع الفقه»: جاريتها تمنع صحة الخَلْوَة، وجاريته ليست بمانعة، أي لعدم حيائه منها، وكذا حكم الكلب. وروى هِشَام عن محمَّد: إنْ خلا بها في بُسْتَانٍ ليس عليه باب، لم تصحَّ الخَلْوَة. ولو خلا بها في السطْحِ، إن كان عليه حِجَابٌ فهو خَلْوَةٌ. ولو خلا بها في قُبَّةٍ، وأرخى السِّتْرَ بينه وبين من في البيت، فهو خَلْوَةٌ. ولو رَدَّتْ أمُّها الباب، ولم تغلقه، وهما في خانٍ (١) ، والناس قعود في ساحته، إن كانوا متَرَصِّدين لهما في النظر، لا تصحّ الخَلْوَة وإلاَّ تصحُّ. وفي «الذَّخِيرَة»: أَنَّ أصحابنا أقاموا الخَلْوَة الصحيحة مقام الوطاء في تأكيد جميع المُسَمَّى، ومهر المِثْل إنْ لم يكن مُسَمَّى، وفي ثبوت النَّسَب، وفي وجوب العِدَّةِ والنَّفَقَةِ والسُكْنَى فيها، وفي حُرْمة نكاح أختها، ونكاح رابعة ما دامت العِدَّة، وفي حُرْمة نكاح الأمةِ على الحُّرَة، وفي العِدَّة عن طلاقٍ بائنٍ، وفي مراعاة وقت الطلاق في حقها. ولم يقيموها مقام الوطاء في الإِحْصَان، وفي حُرْمة البنات، حتى لا تَحْرُمُ البنت على رجل عقد على أمها وخلا بها، وفي الإحلال للزوج الأوَّل، وفي الرَّجْعَة، حتى لا يصير مُرَاجِعاً بالخَلْوَة، وفي الميراث، حتى لو مات في عِدَّة الخَلْوَة لا ترث منه. ولو أوقع الطلاق في عِدّة الخَلْوَة، فقيل: لا يقع. وقيل: يقع، وهو الصواب. لأنَّ الأحكام لَمَّا اختلفت في هذا الباب، وجب القول بالوقوع احتياطاً. (بِخِلَافِ الجَبِّ) وهو قطع الذَّكر والأُنْثَيَيْنِ، فإنَّه ليس بمانع من صحة الخَلْوة عند أبي حنيفة (وَ) بخلاف (العُنَّةِ) وهو كون الرجل لا يقدر على الجِمَاع، أو على جِمَاع البِكْرِ، أو على جِمَاع امرأةٍ معينةٍ. (و) بخلاف (الخِصَاء) وهو قطع الأُنْثَيَيْنِ. وقال أبو يوسف ومحمد: الجَبُّ مانع كالمرض. ولأبي حنيفة إن تزوَّج المَجْبُوبُ

стр. 791

ونِصْفُهُ بِطَلَاقٍ قَبْلَهَا، وإنْ لَمْ يُسَمِّ فالمُتْعَةُ قَبْلَهَا === للاستمتاع لا للإيلاج، وقد سَلَّمَتْ نفسها لذلك، فيستحق كل البَدَل هنالك. وإليه أشار عمر ﵁ بقوله: ما دونهن إذا جاء العَجْزُ من قِبَلِكُمْ. (ونِصْفُهُ) أي ويجب نصف المُسَمَّى (بِطَلَاقٍ قَبْلَهَا) أي قبل الخَلْوَة الصحيحة، لأنها بمنزلة الوطاء، وقد قال الله تعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ (١) أي المطلقات، بأن لا يأخذن شيئًا ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ أي الزوج، بأن يعطي الجميع. ولم يُجَوِّزْ علماؤنا والشافعيّ عفو ولي الصغيرة أو المجنونة إسقاطاً، وأجازه مالك. وهذا راجع إلى الاختلاف في تفسير: ﴿الذي بيده عقدة النكاح﴾: فعنده هو الأب، وجمهور المفسِّرين قالوا: ـ الذي بيده عقدة النكاح ـ هو الزوج، لأنه إن شاء أمسكها، وإنْ شاء فارقها. ومعنى العَفْو تكملة الصَّداق بها، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢) . ثم لا مُتْعَة للمطلَّقة قبل الدخول وجوباً ولا استحباباً، على ما ذكره القُدُوريّ في «مختصره» من أنّ المتْعَةَ مستحبةٌ لكلِّ مطلَّقة إلاَّ لمطلَّقة واحدة، وهي التي طلَّقها قبل الدخول وقد سَمَّى لها مهراً. وفي بعض النُّسَخ: ولم يُسمِّ لها مهراً. ومن حكم باستحبابها كصاحب «المَبْسُوطِ»، و «المُحِيطِ»، و «المختلف» أرادوا أنه الإِحسان إلى من عجزت عن التَّكسب، وذا مندوب. (وإنْ لَمْ يُسَمِّ) المهر حال العقد، أو نفاه (فالمُتْعَةُ) واجبة. أو فيجب المُتْعَة إذا حصلت الفُرْقة من قِبَل الزوج (قَبْلَهَا) أي قبل الخَلْوَة الصحيحة، وبه قال الشافعي، لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (٣) فقد أوجب الله المُتْعَة في نكاح ليس فيه فَرْضٌ، وقد وقع الطَّلاق قبل المَسِّ. وقال مالك: هي مستحبةٌ لقوله تعالى عَقِيبَ الأمر: ﴿حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ﴾ (٤) وهم المتطوِّعون. فيكون صارفاً للأمر المذكور إلى النَّدْب. قلنا: لا نِسَلِّمُ قصر

стр. 792

ومَهْرُ المِثْلِ بَعْدَهَا. === المحسن على المتطوِّع، بل هو أعمُّ منه، ومن القائم بالواجبات أيضاً، فلا ينافي الوجوب، فلا يكون صارفاً للأمر عنه مع ما انضم إليه من لفظ «على» و «حقاً». والمُتْعَةُ: دِرْعٌ (١) وخِمَارٌ ومِلْحَفَةٌ. وهذا التقدير مرويّ عن عائشة، ورواه البيهقي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن المُسَيَّبِ، والحسن، وعطاء، والشَّعْبِي. وقال مالك في «الموطأ»: ليس للمُتْعَة حدٌ معروفٌ. وقال أحمد: أعلى المُتْعَة خادمٌ ـ أي مملوك ـ وأدناها كِسْوَةٌ يجوز لها أن تصلي فيها. قال الكَرْخَيّ: ويعتبر في المُتْعَة المستحبّة حال الرجل، وفي الواجبات حال الزوجة. لأنها قائمة مقام مهر المِثْل، وفيه يعتبر حاله، فكذا في خَلَفِه. وفي «الهداية»: الصحيح أنه يعتبر حال الزوج عملاً بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٢) وهو اختيار أبي بكر الرَّازي. وفي «البَدَائِع» قيل: يعتبر حالهما كالنفقة. قيَّدنا وجوب المُتْعَةِ بحصول الفُرْقَةِ من جهة الزوج، لأن الفُرْقة إذا حصلت من جهة المرأة كرِدَّتها، وتقبيلها ابن الزوج بشهوة، ورضاعها زوجته الصَّغيرة، وخيارها الفسخ بالبلوغ والإِعتاق، لا يُوجِب المتْعَة. (و) يجب (مَهْرُ المِثْلِ بَعْدَهَا) أي بعد الخَلْوَة الصحيحة، لأنه يجب هنا بعد الوطاء وهي بمنزلته. والأصح من قولي الشافعي (ومالك:) (٣) إِنه يجب مهر المِثْلِ بالوطاء إن لم يسمِّ في العقد مهراً، وكذا بعد موت أحدهما. ونفاه مالك والشافعي، لأن المهر خالص حقها فيتمكن من نفيه ابتداءً، كما يتمكن من نفيه انتهاءً. ولأن عمر وعلياً وزيداً قالوا في المُفَوضَة (٤) : حسبها. ولنا ما روى أصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن صحيح، من حديث عَلْقَمَة قال: سُئِلَ ابن مسعود عن رجلٍ تزوَّج امرأة ولم يفرض لها صَدَاقاً، ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود: لها مثل صَداق نسائها، لا وَكْسَ ولا شَطَط. أي لا

стр. 793

وصَحَّ النِّكاحُ بِلَا ذِكْرِ مَهْرٍ، ومَعْ نَفْيِهِ وبِشَيْءٍ غَيْر مَالٍ مَتَقَوَّمٍ، وبِمَجْهُولِ جِنْسِهِ === نقص ولا زيادة. وفي رواية لها الصَّداق كاملاً، وعليها العدَّة، ولها الميراث. فقام مَعْقِل بن سِنان الأشْجَعِيّ فقال: قضى رسول الله ﷺ في بَرْوَعَ بنت وَاشِقٍ ـ امرأةٍ منا ـ مثل ما قضيت، ففرح بها ابن مسعود. وفي رواية: فاختلفوا إليه شهراً، أو قال مرات، فقال: أقول فيها: إنّ لها صَدَاقاً كصداق نسائها لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وإنّ لها الميراث، وعليها العِدَّة، فإن يك صواباً فمن الله، وإن يك خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. فقام ناس من أشْجَع فيهم الجَرَّاح وابن سِنَان فقالوا: يا ابن مسعود نشهد أنَّ نبي الله قضى فينا في بَرْوَعَ بنت وَاشِقٍ، وزوجها هلال بن مُرَّة الأشْجَعِيّ كما قضيت. قال: ففرح بها عبد الله فرحاً شديداً حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله ﷺ (وصَحَّ النِّكاحُ بِلَا ذِكْرِ مَهْرٍ) بأن عقدا النكاح ساكتين عن المهر لقوله تعالى: ﴿فانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (١) ، وهو لغة لا يُنْبِاء إلاّ عن الانضمام والازدواج، فيتم بالمتناكحيْن، فلو شرطنا التسمية فيه لزدنا على النَّص. (ومَعْ نَفْيِهِ) بأنْ عقداه على أنَّ لا مهر لقوله تعالى: ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٢) حيث حكم بصحة الطلاق مع عدم التسمية، وصحة الطلاق يستدعي صحة النّكاح. وهو لا يُنَافي كون المهر يجب شرعاً لقوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا﴾ (٣) . ووافقنا الشافعيّ في المسألتين (٤) ، وخالفنا مالك في الثَّانية (٥) . (وبِشَيْءٍ غَيْر مَالٍ مَتَقَوَّمٍ) كأنْ تزوَّج مسلم مسلمة على ميتةٍ، أو دَمٍ، أو على خمرٍ، أو على خنزيرٍ، لأنهما سمَّيا ما لم يصح تسميته، فكان كما لو لم يسمِّيا شيئاً. (وبِمَجْهُولِ جِنْسِهِ) كأنْ تزوَّج على دابةٍ، أو على ثوب، أو على دارٍ، لأنه لَمَّا سمَّى مجهولاً لا يصح عِوَضاً، كان حكمه كما لو لم يسمِّ شيئاً، وذلك لأنَّ الثياب أجناسٌ مختلفةٌ لاختلاف أصولها من القطن والكَتَّان والإِبْرَيْسَم (٦) ، وكذا الدَّابة لأنها

стр. 794

ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ كَمَا مَرَّ، أوْ صِفَتِهِ، فالوَسَطُ أوْ قِيمَتُهُ. وَلَوْ كَانَ بِخِدْمَةِ الزَّوْجِ العَبْدِ، تَجِبُ هِيَ، === تقع على الخيل، والبغال، والحمير، ونحوها. (ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ) في هذه الصُّور كلها (كَمَا مَرَّ) في قوله: وإن لم يُسَمِّ بعد الخَلْوَة (أوْ صِفَتِهِ) عطف على جنسه أي بمجهول صفته دون جنسه. كأنْ تزوَّجها على عبدٍ، أو فرسٍ، أو ثوبٍ هرويٍّ (١) ، أو مكيلٍ، أو موزونٍ، غير الدراهم والدنانير مما عُلم جنسه دون صفته. (فالوَسَطُ) واجب، أو فيجب الوَسَط من ذلك المسمَّى، لأنَّ فيه عدلاً للرجل والمرأة، (أوْ قِيمَتُهُ) أي قيمة الوَسَط وتُجْبَرُ المرأة على قَبُول أيهما دفع الزَّوج، لأنَّ الوسط أصل تسميته، وهو لا يُعْرَف إلاَّ بالقيمة، فصارت أصلاً إيفاءً. ولو بالغ في وصف الثوب، يجب الوَسَط أو قيمته في ظاهر الرواية، لأنَّ الثياب ليست من ذوات الأمثال. (وَلَوْ كَانَ) النِّكاح (بِخِدْمَةِ الزَّوْجِ العَبْدِ) بأن تزوَّج عبدٌ امرأةً بإذن مولاه على خدمته (٢) مدةً معينةً (تَجِبُ هِيَ) أي الخدمة، لأنه لَمَّا خدمها بإذن مولاه، صار كأنَّه خدم مولاه. قيَّد بالخدمة، لأنه لو تزوَّج على تعليم القرآن، يجب مهر المثْل، لأنه سمى ما لا يصلح صَداقاً لكونه عبادة، فصار كما لو سمَّى تعليم الإيمان، أو الصلاة، أو الصوم. وقَيَّدَ بالعبد، لأن الحُرَّ إذا تزوَّج على خدمته مدةً معينةً، يجب مهر المِثْل عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقيمة الخدمة عند محمد. وعند مالك، والشافعي: يجب ما سمَّى لها من التعليم والخدمة، واحْتَجَّا بقوله ﵊: «زَوَّجْتُكَهَا بما معك من القرآن» (٣) . وأُجِيبَ بأنّ الباء للسببية لا للبدلية. وفي شرط رَعْي غنمها روايتان عندنا: فعلى رواية «الأصل»، و «الجامع» لا يجوز، وعلى رواية ابن سَمَاعَة: يجوز. ويجعل أبو يوسف ﵀ إعتاقها على أن يتزوَّج بها صَدَاقها، كأن يقول: أعْتَقْتُكِ على أن تُزَوِّجِينِي نفسكِ فقبلت، صحَّ العِتْقُ، وهي بالخيار في تزوّجه، ولا تجبر عليه وإن التزمته، لعدم وجوبه بالالتزام. فإن تزوَّجته ولم يسم لها مهراً، قال أبو

стр. 795

وَلَوْ كَانَ بِهَذَا العَبْدِ أوْ هَذَا العَبْدِ فَمَهْرُ المِثْلِ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا. ويَجِبُ الأَخَسُّ لَوْ دُونَهُ، والأعزُّ لَوْ كَانَ فَوْقَهُ. === يوسف: عتقها صَدَاقها. لِمَا صح أنَّ النبيّ ﷺ أعتق صَفِيَّة وجعل عِتْقَها صَدَاقَها. ولأنَّها لو أبت نكَاحه، يجب عليها قيمة نفسها، فإذا تزوَّجته سلَّم لها قيمتها، فكان بدلاً عن بُضْعِها. وأبو حنيفة ومحمد أوجبا لها مهر مِثْلها، لعدم إمكان جعل رقبتها مهراً، لأنها إن جُعِلَتْ قبل العِتْقِ فهي أَمَتُه، وليس له تزوُّجها، فيستحيل كون رقبتها مهراً لها، وإن جُعِلَتْ مهراً بعد العِتْق فهي حُرَّة، ورقبة الحُرَّة لا تصلح مهراً. والنص قد أَلصق ابتغاء النكاح بالمال بقوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بأَمْوَالِكُمْ﴾ (١) . وأما قضية صَفِّية فلا تُلْزِمُ، لأنه ﵊ كان مخصوصاً بالنكاح بلا مهر لقوله تعالى: ﴿وامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنَّبِيِّ إنْ أرَادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ في أزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ (٢) وألزمناها قيمتها إن امتنعت من تزوُّجه، فتسعى له فيها، وهي حرة في حالة السِّعاية بالإجماع. ولم يلزمها زُفَرُ بها. (وَلَوْ كَانَ) النِّكَاحُ (بِهَذَا العَبْدِ) الأبيض (أوْ هَذَا العَبْدِ) الحبشيّ، بأن تزوَّجها على أحدهما، وأحدهما أوْكَسُ (٣) من الآخر، أو تزوجها على ألفٍ، أو على ألفين. (فَمَهْرُ المِثْلِ) يجب (إنْ كَانَ) مهر المثل (بَيْنَهُمَا) بأن كان أقل من الأعزّ وأكثر من الأخسّ. (ويَجِبُ الأَخَسُّ لَوْ) كان مهر المثل (دُونَهُ) أي الأخسّ. (و) يجب (الأعزُّ لَوْ كَانَ) مهر المثل (فَوْقَهُ) وهذا كله عند أبي حنيفة. وقالا: يجب الأقل في الأحوال الثلاث، لأنَّ الأقلَّ متيقنٌ والفضل مشكوكٌ فيه، فيجب الأخذ بالمتقين، كما في الخُلْعِ، والإعتاق، والطَّلاق على ألفٍ أو ألفين. ولأبي حنيفة: أن الواجب بالأصالة في باب النِّكاح مهر المثل لأنه الأعدل إذ المُسَمَّى قد يكون أكثر من قيمة البُضْعِ وقد يكون أقل منها، وإنما يُعْدَلُ عنه (٤) إذا صحَّت التسمية، وهنا لم تصح لجهالة المسمَّى. والخُلْع، والإعتاق، والطلاق على مالٍ ليس لواحد منها مُوجِبٌ أصليّ يُصَار إليه، فيتعين الأخذ بالمتيقَّن.

стр. 796

وإِنْ طَلَّقَ قَبْل الوَطْئِ، فَنِصْفُ الأَخَسِّ. وإنْ نَكَحَ بِأَلْفٍ عَلَى أنْ لَا يُخْرِجَهَا، أو بِأَلْفٍ إنْ أَقَامَ بِهَا، وبِألْفَيْنِ إنْ أَخْرَجَ، فإنْ وَفَّى وأقام فألفٌ، وإِلَّا فَمَهْرُ المِثْلِ، لا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ ولا يُنْقَصُ عَنْ ألفٍ. === (وإنْ طَلَّقَ قَبْل الوَطْاءِ (١) ، فَنِصْفُ الأَخَسِّ) باتفاقهم سواء كان مهر المِثْل دون الأخسّ، أو فوق الأعزّ، أو بينهما، لأَن المُتْعَة قبل الدخول كَمهِر المِثْل بعده، ونصف الأخسّ يزيد على المُتْعَة عادةً، فيجب نصفه. (وإنْ نَكَحَ بِأَلْفٍ) وشرط لها مع المسمَّى شيئاً ينفعها كان تزوّجها بألفٍ (عَلَى أنْ لَا يُخْرِجَهَا) من البلد، أو على أنْ لا يتزوَّج عليها، أو على أن يُهْدِي لها هدية. (أو) نكح بأقلّ، على تقديرٍ، كالإقامة مثلاً، وبأكثرَ على مُقَابِلِهِ من الإخراج، كان تزوُّجها (بِأَلْفٍ إنْ أَقَامَ بِهَا وبِألْفَيْنِ إنْ أَخْرَجَ) أو بألف إن لم يكن له امرأة، وبألفين إن كانت حرّة، أو بألف إن كانت مَولاة (٢) الأصل، وبألفين إن كانت حرّة، صَحَّ النِّكاح، وإن كان شرطُ عدم التَّزَوُّجِ، وعدم المسافرة فاسداً، لكونه منعاً من الأمر المشروع، لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. (فإنْ وَفَّى) بالشرط في المسألة الأولى (وأقام) في المسألة الثَّانية (فألفٌ) لرضاها بذلك (وإلاَّ) أي وإنْ لم يفِ بالشرط في المسألة الأولى، ولم يقم بها في المسألة الثَّانية (فَمَهْرُ المِثْلِ) أمَّا في المسألة الأولى فباتفاقٍ، لأنه سمّى ما لها نفع فيه وقد نفاه، فيجب مهر المثل لعدم رضاها إلاّ به. وأمَّا في المسألة الثانية فعند أبي حنيفة يجب مهر المِثْلِ (لا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ) لأنها رضيت بهما (ولا يُنْقَصُ عَنْ ألفٍ) لأنه رَضِيَ به. وعندهما الشَّرطان معاً جائزان. فلها الأقل إن أقام بها، والأكثر إن أخرجها، لأنّ كلاً من الإقامة والإخراج مقصودٌ عُرْفاً، واختلافهما كاختلاف النوع. فصار كما لو تزوَّجها على ألفٍ إنْ كانت قبيحة، وعلى ألفين إن كانت جميلة، وكما إذا اشترى أحد الشيئين على أنْ يأخذ أيهما شاء، وعيَّن ثمن كل واحد منهما على التفاوت. ولأبي حنيفة أنَّ الشرط الأول صحيح باتفاق، فتعلَّق العقد به، وصحت التسمية التي معه، والشرط الثاني غير صحيح، لأن الجهالة نشأت منه، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، ومهر المثل هو الأصل فوجب الرجوع إليه.

стр. 797

وإنْ نَكَحَ بِهَذَيْنِ العَبْدَيْنِ وأَحَدُهُمَا حُرٌّ، فَلَهَا العَبْدُ فَقَطْ إنْ سَاوَى عَشْرَةً. وإنْ شَرَطَ البَكَارَة ووُجِدَتْ ثَيِّبًا لَزِمَ الكُلُّ. وفي النكَاحِ الفَاسِدِ إنْ لَم يَطَأْ لا يَجِبُ شَيْءٌ، وإنْ وَطِيء يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ وَقْتِ الوَطْئِ. وَمَهْرُ المِثْلِ لا === (وإنْ نَكَحَ بِهَذَيْنِ العَبْدَيْنِ وأَحَدُهُمَا حُرٌّ) جملة حالية (فَلَهَا العَبْدُ فَقَطْ إنْ سَاوَى عَشْرَةً) وإنْ لم يساوِ عشرةً فلها كمال العشرة، وهذا عند أبي حنيفة، لأن الإشارة مُعْتَبَرَةٌ عنده، فصار كأنه قال: تزوجتك على هذا الحُرّ، وعلى هذا العبد. وقال أبو يوسف: لها العبد وقيمة الحر لو كان عبداً، لأنهما لو ظهرا حُرَّيْنِ وجبت قيمتهما عنده، فكذا إذا ظهر أحدهما حرًّا. وقال محمد: لها العبد، وتمام مهر المثل إن نقصت عنه قيمة العبد. لأنهما لو كانا حُرَّيْنِ يجب مهر المثل عنده، فكذا إذا كان أحدهما حرًّا. ولأبي حنيفة لأَنَّ العبد يَصْلُح مهراً لكونه مالاً، فيجب، ووجوب المسمَّى المساوي عشرة يمنع وجوب شيء آخر. (وإنْ شَرَطَ البَكَارَة ووُجِدَتْ ثَيِّباً لَزِمَ الكُلُّ) لأن البَكَارة لا تصير مستحقة بالنكاح. (وفي النّكَاحِ الفَاسِدِ) كتزوّج الأختين معاً، والتزوّج بغير شهود، وتزوّج الأخت في عِدّة الأخت، وتزوّج المعتدة من الغير، وتزوُّج الخامسة في عدة الرابعة، وتزوُّج الأمة على الحُرَّة (إنْ لَمْ يَطَأْ لا يَجِبُ شَيْءٌ) سواء خلا بها، أو لم يخل، حتى إذا فرَّق القاضي بينهما قبل الدخول، فلا مهر لها، وكذا بعد الخَلْوَة، لأنَّ وجوب المال في النكاح الفاسد ليس للعقد، لعدم صحته. ولهذا كان لكل من الزوجين فسخه قبل الدّخول بغير محضر من الآخر، كما في البيع الفاسد قبل القبض ولا حدَّ للخَلْوَةِ، لوجود الحرمة المانعة من صحتها، وإنما هو (١) لاستيفاء منافع البُضْع. (وإنْ وَطِاء يَثْبُتُ النَّسَبُ) أي نسب الولد، لأنه يُحتاط في ثبوته إحياءً للولد من الضياع. فعند محمَّد (مِنْ وَقْتِ الوَطْاءِ) بشرط أنْ يكون بينه وبين وقت الوضع ستَّة أشهر. قال أبو اللَّيْثِ: وعليه الفتوى. وعندهما: من وقت النكاح كما في النكاح الصحيح، وتثبت العِدَّة تحرُّزاً عن اشتباه النَّسَبِ من وقت التفريق، لأنها وجبت لشبهة النّكاح، ورَفْعُها بالتفريق. وقال زُفُرُ: من آخر وطاء وَطئها، (وَ) يثبت (مَهْرُ المِثْلِ لا

стр. 798

يُزَادُ عَلَى المُسَمَّى. ويُعْتَبَرُ مَهْرُ مِثْلِهَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا سِنًّا، وجَمَالاً، ومَالاً، وعَقْلاً، ودِيناً، وبَلَداً، وعَصْراً، وبَكَارَةً، وثِيَابَةً، فَإنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ فَمِنَ الأَجَانِبِ، لا الأمِّ وقَوْمِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ قَوْمِ أبِيهَا. === يُزَادُ عَلَى المُسَمَّى) لأنها أسقطت حقها في الزيادة لرضاها بدونها. وقال زُفَرُ: يثبت مهر المثل، وإن زاد على المسمَّى، كالبيع الفاسد يجب فيه القيمة (وإن زادت على الثمن) (١) ، ولو لم يكن المهر المسمى، أو كان مجهولاً، يجب مهر المثل بالغاً ما بلغ باتفاقٍ، إلحاقاً لشبهة النكاح بحقيقته. (ويُعْتَبَرُ مَهْرُ مِثْلِهَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا) كأخواتها لأبيها، وعمّاتها وبناتهنّ لقول ابن مسعود: لها مهر مثل نسائها. ولأن مهر المثل قيمة البُضْع، وقيمة الشيء يُعْرَفُ بجنسه، وجنس الإنسان قوم أبيها، وفي بعض النُّسخ: ومهر مثلها مهر مثلها من قوم أبيها،، أي مهر مثلها في الشرع هو مهر مماثِلَتِها من قوم أبيها. (سِنًّا) أي عمراً وقت التَّزوُّج (وجَمَالاً) أي حُسْناً (ومَالاً وعَقْلاً) أي كثرة وقلة (ودِيناً) أي ديانة (وبَلَداً وعَصْراً) أي مكاناً وزماناً (وبَكَارَةً وثِيَابَةً) وأدباً وخُلُقاً، لأن المهر باعتبار هذه الأوصاف يزيد وينقص. (فَإنْ لَمْ يُوجَدْ) مثلها في تلك الأوصاف (مِنْهُمْ) أي من قوم أبيها (فَمِنَ الأَجَانِبِ) يعتبر مهر مثلها في تلك الأوصاف (لا الأمِّ) أي لا يعتبر في مهر مِثْلِها مِثْلُها من جهة أمِّها (وقَوْمِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ) أمها (مِنْ قَوْمِ أبِيهَا) بأن تكون بنت عمّ أبيها، لأن أولاد الخلفاء من الإماء يَشْرُفُون بشرف آبائهم دون أمَّهاتهم. وفي «المُنْتَقَى»: يُشْتَرَطُ أن يكون المُخْبِرُ بمهر المثل رجلين، أو رجلاً وامرأتين، ويُشْتَرَطُ لفظ الشهادة، فإن لم يوجد على ذلك شهود عدول، فالقول قول الزَّوج مع يمينه، وهو قول ابن أبي لَيْلَى. ويستثني أبو يوسف ما يُسْتَنْكَرُ جداً في العُرْفِ والعادة، وإن اختلفا في التسمية، بأن قال أحدهما: سَمَّينا في هذا العقد مهراً وأنكر الآخر، كان القول للمنكر بالإجماع. وإِن اختلف ورثتهما في قدر المهر، فالقول لورثة الزَّوج عند أبي حنيفة، ولا يُحْكَمُ بمهر المِثْلِ لسقوط اعتباره بعد موتهما عنده. ويستثني أبو يوسف ما يُسْتَنْكَرُ، كما في حال حياتهما. وجعل محمد اختلاف ورثتهما فيه كاختلافهما في حال الحياة، فقال: القول

стр. 799

وصَحَّ ضَمَانُ وَليِّهَا مَهْرَهَا ولَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً، === لورثة المرأة إلى مهر مثلها، والقول لورثة الزَّوج في الفضل، كما في حال الحياة. وإن اختلف ورثتهما في أصل تسميته، فادَّعَى ورثة الزَّوج أن الزَّوج سمَّى لها، وأنكرها ورثة الزَّوجة، فالقضاء بشيءٍ مُنْتَفٍ عند أبي حنيفة. وأوجبا مهر مثلها في تَرِكَتِه، وهو القياس، لأن مهر المثل وجب بنفس العقد، فكما لا يسقط المُسَمَّى بعد موتهما، فكذلك مهر المثل. ألَا تَرى أن بعد موت أحدهما لا يسقط مهر المثل، وورثة الميِّت يقومون مقامه في ذلك، فكذلك بعد موتهما. واستحسن أبو حنيفة فقال: لا يُقْضَى بشيءٍ واستدل في «الكتاب» ـ يعني «الأصل» ـ فقال: أرأيت لو ادَّعى ورثة علي ﵁ على ورثة عمر ﵁ مهر أم كلثوم، أكنت أقضي فيه بشيء؟ وهذا إشارة إلى أنه إنما يقول بهذا (١) بعد تقادم العهد، لأنه يختلف باختلاف الأوقات، فإذا تقادم العهد، وانقرض أهل ذلك العصر، يتعذر وقوف القاضي على مقدار مهر المثل. وعلى هذا الطريق، إذا لم يكن العهد متقادماً يَقْضي بمهر مثلها. والطريق الآخر، أنّ المستحق بالنِّكاح ثلاثة أشياء: المُسَمَّى وهو الأقوى. والنفقة وهي الأضعف. ومهر المثل وهو المتوسط. فالمسمَّى لقوته لا يسقط بموتهما، وموت أحدهما. والنفقة لضعفها تسقط بموت أحدهما. ومهر المثل يتردَّد (بين ذلك، فَيَسْقُطُ بموتهما، ولا يسقط بموت أحدهما، لأن ما تردَّد) (٢) بين أصلين، يوفر (٣) حظّه عليهما، ألا ترى أن الصحابة ﵃ اختلفوا أنّ مهر المثل هل يسقط بموت أحدهما؟ فيكون ذلك اتفاقاً منهم أنه يسقط بموتهما، والله تعالى أعلم. (وصَحَّ ضَمَانُ وَليِّهَا مَهْرَهَا ولَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً) وكذا ضمان وليِّه مهرها، لأنّ الوليّ أهل للالتزام، وقد أضاف الضَّمان إلى ما يقبله ـ وهو المهر ـ فيصح. ثم للمرأة أنْ تطالب الوليّ، أو الزوج إلاَّ إذا كان صغيراً، فليس لها أنْ تطالب إلاَّ بعد بلوغه. وفي «شرح الوِقَايَة»: وإنما قال: ولو صغيرة، لأنها إذا كانت صغيرة فمُطَالِبُ المهر ليس إلاَّ وليّها، فيتوهم أنه لا يجوز الضَّمان. لأنه باعتبار الضَّمان يكون مُطَالَباً، فيكون الشخص الواحد مُطَالِباً ومُطَالَباً، لكن لا اعتبار لهذا التَّوهُّم، لأن حقوق العقد في النِّكاح راجعة إلى الأصل، والوليُّ سفير ومعبر.

стр. 800

والمُعَجَّلُ والمُؤَجَّلُ إن بُيِّنَا فَذَاكَ، وإِلَّا فالمُتَعَارَفُ. وقَبْلَ أَخْذِ المُعَجَّلِ لَهَا مَنْعُهُ مِنَ الوَطْئِ وَالسَّفَرِ بِهَا، وَلَوْ بَعْدَ وَطْئٍ بِرِضَاهَا بِلَا سقُوطِ النَّفَقَةِ. والسَّفَرُ === هذا، ولو زوَّج طفله الفقير، أو عبده، أو مُكَاتَبَهُ لا يلزمه المهر عندنا، وألزم مالك، والشافعي به. (والمُعَجَّلُ والمُؤَجَّلُ) أي المقدَّم والمؤخَّر من المهر (إن بُيِّنَا) أي عُيِّنَا (فَذَاكَ) أي فما بيّناه هو المعجَّل والمؤجَّل، سواء بينا تعجيل الجميع أو تأجيله مسقطاً أو غيره، أو تعجيل البعض، وتأجيل البعض. (وإلاَّ) وإن لم يبيِّنا (فالمُتَعَارَفُ) فإن كانا في موضع يُعَجَّلُ فيه البعض، ويُؤَجَّلُ الباقي إلى الطَّلاق، أو الموت، يُنْظَرُ كم يكون المعجَّل لمثل هذه المرأة من مثل هذا المهر في متعارف ذلك القوم، فَيُجْعَلُ ذلك مُعَجَّلاً، والباقي مُؤَجَّلاً. (وقَبْلَ أَخْذِ المُعَجَّلِ) الذي بيَّناه أو تبيَّن بالعُرْف (لَهَا مَنْعُهُ مِنَ الوَطْاءِ وَ) من (السَّفَرِ بِهَا) حتَّى تقبضه ليتعين حقها في البَدَلِ (١) ، كما تعين حقُّه في المُبْدَل (٢) . قيَّد بالمعجَّل، لأنها لا تمنع نفسها قبل أخذ المؤجَّل، سواء كان جميع المهر ـ وفيه خلاف أبي يوسف ـ أو بعضه، وسواء كانت المدة قصيرةً أو طويلةً، وسواء كان التَّأجيل في العقد أو بعده. وفي «الخَانِيَّة»: ليس لها الامتناع بعد حلول الأجل أيضاً، لأن العقد لم يوجب لها حقَّ الامتناع في المؤجَّل، فلا يثبت لها بعده. (وَلَوْ) كان المنع (بَعْدَ وَطْاءٍ) أو خَلْوَة صحيحة (بِرِضَاهَا) وهو قول أبي حنيفة، أو بغير رضاها: بأن تكون مكرهة، أو صبيةً، أو مجنونة، وهو قولهم جميعاً. وقالا: ليس لها منعه بعد الوَطْاء، أو الخَلْوَة برضاها. وفي «الإيضاح»: إنه قول أبي حنيفة أولاً، (بِلَا سُقُوطِ النَّفَقَةِ) أي مع عدم سقوط نفقتها. والمعنى لا يسقط بذلك المنع عن الزَّوج نفقتها، وهذا عند أبي حنيفة، لأن المنع بحقّ، حيث ليس عن نشوز (٣) . وعندهما: لا نفقة لها. قال فخر الإسلام في «شرح الجامع الصغير»: كان أبو القاسم الصَّفَّار يفتي في المنع من الوطاء بقول أبي يوسف ومحمد بسقوط النفقة، وفي المنع من السَّفر بقول أبي حنيفة بعدم سقوطها. قال: وهو حَسنٌ في الفُتْيَا. (والسَّفَرُ) هو بالرفع معطوف

стр. 801

والخُرُوجُ لِلْحَاجَةِ بِلَا إذْنِهِ وبَعْدَ أَخْذِهِ يَنْقُلُهَا، وقِيلَ: لا يُسَافِرُ بِهَا، وبِهِ يُفْتَى. === على منعه، أي وقبل أخذ المعجَّل لها السفر (والخُرُوجُ) من منزل الزَّوج (لِلْحَاجَةِ) وزيارة أهلها (بِلَا إذْنِهِ) لأن حَقَّ الحَبْس لحق الاستيفاء منها، وليس له حق الاستيفاء منها قبل الإيفاء لها. (وبَعْدَ أَخْذِهِ) أي المعجَّل (يَنْقُلُهَا) ويسافر بها حيث شاء، وكذلك إذا كان جميع المهر مؤجَّلاً لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (١) أي أسكنوهن مكان بعض سُكْنَاكُم بقدر سعتكم (٢) . فـ: مِنْ للتبعيض، والوُجْدُ: القدرة والغنى. (وقِيلَ: لا يُسَافِرُ بِهَا) إلى غير بلدها الذي نكحها فيه (وبِهِ يُفْتَى). قال الفقيه أبو اللَّيْثِ في «النَّوَازِل»: سُئل أبو القاسم ـ يعني الصَّفَّار ـ عن امرأة يريد زوجها إخراجها من البلد ولم يُوَفِّ لها جميع مهرها قال أبو القاسم: لها أن لا تخرج من بلدها إلى بلد آخر، سواء أَوْفَاهَا المهر، أو لم يُوَفِّها لفساد الزَّمان. قال أبو اللَّيْث: وبه نأخذ، فكيف لو أدرك أبو القاسم زماننا هذا؟ ثم قال: وقيل لأبي القاسم: أليس يجوز أن يُخْرِجَهَا من المدينة إلى القرية، ومن القرية إلى المدينة؟ قال: ذلك تَبوِئَةٌ وليس بسفر. وإخراجها من بلد إلى بلد سفر، وليس بتَبْوِئَةٍ. أي بمنزلة تحويل من بيت إلى بيت. وفي «فصول الأُسْرُوشَني» (٣) : قال ظَهِير الدِّين المَرْغِينَانيّ: الأخذ بقول الله تعالى أولى، قال الله تعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم﴾. انتهى. وأُجيبَ بأن قول الفقيه ليس منافياً لقوله تعالى، لأنه تعالى قال: ﴿ولا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (٤) وفي السفر بها بغير رضاها إضرارٌ بها. وأفتى كثير من المشايخ بقول أبي اللَّيْثِ. وقيل: يجوز مطلقاً إنْ أوْفَاها المعجَّل والمؤجَّل أيضاً، وكان مأموناً عليها، وبه أفتى البعض، وهو أقرب إلى التحقيق، والله وليُّ التوفيق.

стр. 802

إنْ بَعَثَ إلَيْهَا فَقَالَتْ: هُوَ هَدِيَةٌ، وَقَالَ: مَهْرٌ، فَالقَوْلُ لَهُ، إِلَّا فِيمَا هُيِّيءَ لِلْأَكْلِ. فَصْلٌ في نكاحِ الرَّقِيقِ والكَافِرِ نِكَاحُ القِنِّ والمُكَاتَبِ === (حكم هديَّة الخِطْبَة) (إنْ بَعَثَ إلَيْهَا) أي امرأته شيئًا (فَقَالَتْ هُوَ هَدِيَةٌ، وَقَالَ: مَهْرٌ) أو هو من المهر (فَالقَوْلُ لَهُ) مع يمينه، لأن التمليك أُسْتُفِيدَ منه، فكان أعرف بجهته، كما لو أنكر التَّمليك أصلاً، وكان الظاهر أنه يسعى في إسقاط ما في ذمته (إِلاَّ فِيمَا هُيِّاءَ لِلأَكْلِ) كالخبز، والشِوى، واللَّحْم المطبوخ، والفواكه التي لا تبقى بخلاف الحِنْطَة، والعسَل، والسَّمن، والجوز، واللَّوز، لأن الظاهر يكذِّبه، والقول قول من يشهد له الظاهر. وقال بعض المحقِّقين: والذي يجب اعتباره في ديارنا، أن جميع ما ذكر من الحِنْطَة، والدقيق، والسُّكر، وباقيها يكون القول فيه قول المرأة، لأن المتعارف في ذلك كله إرساله هدية، فالظاهر مع المرأة لا معه، ولا يكون القول له إلاّ في نحو الثِّيَاب، والجارية. وقال الفقيه أبو اللَّيْثِ: المختار أنَّ ذلك الشيء إن كان مما لا يجب على الزَّوج، فالقول قوله، وإن كان مما يجب عليه بعد العقد كالخِمَار والدِّرع (١) فالقول قولها، لأن الظاهر يكذِّبه. وفي «الذَّخِيرَة»: جَهَّزَ بنته وزوَّجها، ثم زَعَمَ أنّ الذي دفعه إليها ماله وكان على وجه العَارِيَّة عِنْدَها، وقالت: هو ملكي جهَّزني به، أو قال الزَّوج ذلك بعد موتها، فالقول قولهما دون الأب، لأن الظاهر شاهد بملك البنت، إذ العادة دفع ذلك إليها بطريق الملك. وحُكِي عن عليّ السُفدِيّ: أنّ القول قول الأب، لأن ذلك يُسْتَفَادُ من جهته. وذكر شمس الأئمة السَّرْخَسِيّ في «السِّيَر الكبير» نحو ذلك. وقال قاضيخان: إن كان الأب من الأشراف والكرام، لا يُقْبَلُ قوله أنَّه عَارِيَّة، وإن كان ممن لا يجهز البنات بمثل ذلك، قُبِلَ قوله. وقال الصدر الشهيد: المختار للفتوى إن كان الأب يدفع جِهَازاً لا عَارِيَّة كما في ديارنا، فالقول قول الزَّوج، وإن كان العُرْف مشتركاً، فالقول قول الأب. فصلٌ في نِكَاحِ الرَّقِيقِ والكَافِرِ (نِكَاحُ القِنِّ) وهو العبد الذي ليس فيه حرِّية بوجه، (و) نكاح (المُكَاتَبِ

стр. 803

والمُدَبَّرِ والأَمةِ وأُمِّ الوَلَدِ بِلَا إذْنِ السَّيِّدِ مَوْقُوفٌ، إنْ أجَازَ نَفَذَ وإنْ رَدَّ بَطَلَ. وإذَا أَذِنَ بِيعَ القِنُّ لِلمَهْرِ، ويَسْعَى الآخَرَانِ. والإِذْنُ بالنِّكَاحِ يَعُمُّ جَائِزَهُ وفَاسِدَهُ === والمُدَبَّرِ والأمةِ وأُمِّ الوَلَدِ بِلَا إذْنِ السَّيِّدِ مَوْقُوفٌ، إنْ أجَازَ) السيد (نَفَذَ وإنْ رَدَّ بَطَلَ)، وأجازه مالك بدون إذنه. ولنا قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ امَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (١) والنِّكاح شيء، فلا يملكه العبد بنفسه. وما روى أبو داود والترمذي ـ وقال: حديث حسن ـ من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ «أيُّما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر». أي زانٍ (دلّ بإشارته أنَّ العقد غير جائز، إذ لو جاز لم يكن بالوطاء زانياً شرعاً) (٢) . ورواه الحاكم في «المُسْتَدْرَك» وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. (وإذَا أَذِنَ) المولى بالتَّزويج لعبده فتزوَّج (بِيعَ القِنُّ لِلمَهْرِ) وكذا المُكَاتَبُ إن عجز عن الكتابة، لأنّ المهر بسبب إذنه ظهر في حقه، وتَعَلَّقَ برقبة عبده، وصار كدين اسْتَدَانه العبد المأذون له في التجارة. ولو بِيعَ القِنُّ مرَّة حيث لم يَفتده سيده، ولم يَفِ ثمنُه بالمهر، لم يُبَعْ ثانياً، بل يُطَالَب بما بَقِيَ بعد العِتْقِ. ولو بيع في النفقة مرةً بِيعَ فيها أخرى، لأن النفقة تجب ساعة فساعة، فلم يقع البيع في جميعها بخلاف المهر. ولو مات العبد سقط المهر والنفقة، لفوات محل الاستيفاء. (ويَسْعَى الآخَرَانِ) أي المُكَاتَبُ والمُدَبَّرُ، ولا يباعان فيه، لعدم احتمالهما النقل من ملك إلى ملك حال قيام الكتابة والتدبير. فَيُسْتَوْفَى من كسبهما لا من أنفسهما. قَيَّدَ بإذن المَوْلى، لأن العبد، أو المُدَبَّر، أو المُكَاتَب إن تزوَّج بغير إذن المَوْلى، ودخل ثم فرَّق المَوْلى بينهما، لا يُطَالَبُ واحد منهم بالمهر إلاَّ بعد العِتْقِ. (والإِذْنُ) أي إذن المولى لعبده (بالنِّكَاحِ) سواء عيَّن المرأة، أو لم يعينها (يَعُمُّ جَائِزَهُ وفَاسِدَهُ) عند أبي حنيفة، حتى يباع العبد في مهر النِّكاح الفاسد، فيتوقف تزوّجها ثانياً صحيحاً على الإجازة. وقالا: يَخصُّ جائزه، وبه قال مالكٌ والشافعي، فلا يباع في مهر الفاسد، بل يُطالب به بعد العتق، ولا يتوقف تزوّجها ثانياً صحيحاً على الإِجازة، لأن المقصود من نكاح العبد عِفَّته، وذلك بالجائز دون الفاسد، لأنه لا يفيد الحِلَّ، وصار كالتوكيل بالنِّكاح حيث يتناول الجائز دون الفاسد. ولأبي حنيفة أن الإذْنَ مطلقٌ فيجري على

стр. 804

ومَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّبْوِئَةُ, ولا نَفَقَة إلَّا بِهَا, ويَطَأُ الزَّوْجُ إنْ ظَفِرَ, ولَهُ إنْكَاحُ عَبْدِهِ وَأمَتِهِ كَرْهاً. === إطلاقه، ولا يقيَّد بالصحيح، كالأذن بالبيع. والتوكيل بالنِّكاح إنَّما يقيَّد بالجائز، بدلالة أن مطلوب المُوَكِّل ثبوت الحل. (ومَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ) إذا كانت قِنًّا، أو مُدَبَّرَة، أو أمَّ وَلَدٍ (لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّبْوِئَةُ) مصدر بوَّأته منزلاً أي أسكنته إياه: وهي أن يُخَلِّي الموْلى بين الأمةِ وبين زوجها، بأن يدفعها إليه ولا يستخدمها. حتى لو كانت الأمَةُ تذهب وتجيء وتخدم مولاها، لا يكون ذلك تَبْوِئَة. وإنَّما لا يجب على المولى إذا زوَّج أمته تَبْوِئَتُها، لأن حقَّه أقوى من حقِّ الزَّوج، وإن حقه في رقبة الأمة واستخدامها، وحق الزَّوج في التمتع بها. وتَبْوِئَتُها يبطل استخدامها، واستخدامها لا يُبْطِلُ التمتع بها. (ولا نَفَقَة) على زوج الأمة المذكورة (إلاَّ بِهَا) أي بالتَّبْوِئَة، لأن نفقته عليها جزاء احتباسها، ولا يوجد احتباسها إلاّ بِتَبْوِئتها. (ويَطَأُ الزَّوْجُ إنْ ظَفِرَ) بها خالية من خدمة موْلاها. وأمَّا المُكَاتَبة فلها النَّفقة والسُكْنَى، وإن لم يوجد التَّبْوِئة. والفرق بينها وبين الأمَة والمُدَبَّرة وأمّ الولد أن المولى لا يملك استخدام المُكَاتَبَة، فلا تحتاج إلى تَبْوِئَةِ المَوْلى، ويملك استخدامهن فيَحْتَجْنَ إليها. ولو خَدَمَتْه بلا استخدامه مع التَّبْوِئَة لا تسقط نفقتها، وكذا لو استخدمها الموْلى نهاراً، وأعادها إلى بيت الزَّوج ليلاً. (ولَهُ) أي لِلموْلى (إنْكَاحُ عَبْدِهِ) الذي ليس بمُكَاتَب صغيراً كان أو كبيراً (وَ) إنكاح (أمَتِهِ) كذلك (كَرْهاً) أي بلا رضاهما. وليس معناه أن يحملهما على النِّكاح بضرب أو نحوه، بل أن ينفذ تزويجه عليهما بدون رِضاهما، وهذا ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا ينفذ تزويج الموْلى عبده إلاَّ برضاه دون أمَتِهِ، وهو قول الشافعيّ، لأنَّ ما يرد عليه التزويج ـ وهو الاستمتاع ـ مملوك للمولى من الأمة دون العبد، فكان المولى في تزويج العبد كالأجنبيّ من الأمَةِ. وتوضيحه: أن تزويجه بغير رضاه لا يفيد مقصود النّكاح، لأن الطلاق بيد من له الساق، فيطلِّقُها من ساعته طلباً للفِراق. ولنا أنّ تزويج الموْلى أمته ليس لملكه بُضْعهَا، بل لملكه رقبتها، وذلك ثابت في العبد. ولا يجوز للمولى تزويج المُكَاتَبِ والمُكَاتَبَةِ بغير رضاهما، لأنهما التحقا بالأحرار في حق التَّصرفات.

стр. 805

وخُيِّرَتْ أمَةٌ ومُكَاتَبَةٌ عُتِقَتْ، === (وخُيِّرَتْ أمَةٌ) سواء كانت مُدَبَّرَةً أو أمَّ وَلَددٍ زوَّجها الموْلى برضاها أو بدونه. (ومُكَاتَبَةٌ عُتِقَتْ) واحدة منهما سواء كانت تحت حر أو عبد. وقال الشافعيّ: لا خيار للأمة إذا عُتِقَتْ وزوجها حر، وبه قال مالك وأحمد. ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات في حرية زوج بَرِيرَة وعدمها، فما يدل على أنه حرٌ: ما روى الجماعة إلاّ مسلماً من حديث إبراهيم، عن الأسْوَدِ، عن عائشة ـ واللفظ للبُخَاريّ ـ أنها قالت: يا رسول الله إني اشتريت بَرِيرَة لأعتقها ـ أي قصدت شراءها لذلك ـ وإنَّ أهلها يشترطون ولاءها ـ أي لهم ـ فقال: «أعتِقيها، فإنَّما الولاء لمن أعتق». قال: فاشترتها، فأعتقتها. قال: وخُيِّرَت، فاختارت نفسها، وقالت: لو أُعْطِيتُ كذا وكذا ما كنت معه، أي مع زوجها. قال الأسود: وكان زوجها حراً (ورواه البخاري أيضاً من حديث الحَكَم، عن إبراهيم. وفي آخره قال الحَكَم: وكان زوجها حراً) (١) . وأخرج النَّسائيّ عن علقمة، والأَسود أنهما سألا عائشة عن زوج بَرِيرَة، فقالت: كان حراً يوم أُعْتِقَتْ. وممَّا يدلّ على أنه كان عبداً: ما روى الجماعة إلاَّ مسلماً عن عِكْرَمَة، عن ابن عباس: أن زوج بَرِيرَة كان عبداً أسود يُقَال له مُغِيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبيّ ﷺ للعباس: «ألا تعجب من شدَّة حبّ مُغِيث بَرِيرَة، ومن شدَّة بغض بَرِيرَة مُغِثياً»، فقال لها عليه الصلاة السلام: «لو راجعتيه». قالت: يا رسول الله أتأمرني به؟ فقال عليه الصلاة السلام: «إنما أنا شافع». قالت: لا حاجة لي فيه. وأمَّا ما رواه مسلم وأبو داود والنَّسائيّ عن عائشة أن بَرِيرَة خيَّرها النبيّ ﷺ وكان زوجها عبداً. فليس فيه سوى أنه كان عبداً ـ وهو محتمل ـ لأنه كان عبداً قبل العتق فلا يُعَارِض صريح قولها: كان حراً يوم أعتقت. ورواية أبي داود: حين أُعْتِقَتْ. قال الطَّحَاوي: وإذا اختلفت الآثار وجب التوفيق، فنقول: إنا وجدنا الحرِّية تعقب الرِّق، ولا ينعكس، فيُحْمَلُ على أنه كان حراً عندما خُيِّرَت، عبداً قبله. ولو ثبت أنه عبد، لا ينفي الخيار لها تحت الحرّ، إذ لم يجيء عن النبيّ ﷺ أنه إنما خيَّرها لكونه عبداً ـ أي بل إنما خيَّرها لصيرورتها معتوقة ـ لقوله عليه الصلاة السلام لبريرة: «اذهبي فقد عُتِقَ معك بُضْعُكِ» رواه الدَّارَقُطْنيّ.

стр. 806

وإنْ نُكِحَتْ بِلَا إذْنٍ فَعُتِقَتْ نَفَذَ بِلَا خِيَارٍ لَهَا. ومَا سَمَّى فَلِلسَّيِّدِ لَوْ وُطِئَتْ فَعُتِقَتْ، وَإنْ عُتِقَتْ أوَّلاً فَلَهَا. وَزَوْجُ الأمَةِ يَعْزِلُ بِإِذنِ سَيِّدِها، والحُرَّهِ بِإِذْنِها. وإنْ وَطِئ أَمَةَ ابْنِهِ فَوَلَدَتْ، فَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ، وهي أُمُّ وَلدِهِ === روى ابن سعد في «الطَّبَقات» عن عامر الشَّعْبيّ: أن النبيّ ﷺ قال لبريرة لَمَّا عُتِقَتْ: «قد عُتِقَ بُضْعُك معك، فاختاري». فهذا حكمٌ مطلقٌ فلا يقيد بما إذا كان زوجها عبداً. ثم أسند الطَّحَاويّ عن ابن سيرِينَ، والشَّعْبِيّ: تُخَيَّر، حرًّا كان زوجها أو عبداً. وعن طاوس أنه قال: للأَمَةِ الخيار إذا عُتِقَتْ، وإن كانت تحت قُرَشِيّ. وعن مجاهد: تُخَيَّر، وإن كانت تحت أمير المؤمنين. انتهى. ورواه ابن أبي شَيْبَة أيضاً عنهم. (وإنْ نُكِحَتْ) أمة (بِلَا إذْنٍ) من مولاها (فَعُتِقَتْ نَفَذَ) النِّكاح (بِلَا خِيَارٍ لَهَا) لصدوره من أهله مضافاً إلى محله، وتوقّفه على إذن الموْلى قد زال بالعِتْقِ. وفي «المحيط»: هذا إذا كانت أمة أو مُدَبَّرَة. وإن كانت أم ولد، لا ينفذ النِّكاح، لأنّ العِدَّة وجبت عليها من الموْلى كما أُعتِقَت، والعدة تمنع نفاذ النِّكاح. (ومَا سَمَّى) من المهر (فَلِلسَّيِّدِ لَوْ وُطِئَتْ فَعُتِقَتْ) بعد الوطاء، لأنّ الزَّوج استوفى منافع مملوكة للمولى، فيجب البَدَل. (وَإنْ عُتِقَتْ أوَّلاً) أي قبل الوَطْاء (فَلَهَا) أي فما سمَّى للمرأة، لأن الزَّوج استوفى منافعَ مملوكةً للأمة، فيجب البَدَل لها. (وَزَوْجُ الأمَةِ يَعْزِلُ) أي يجوز أن يعزل عنها عند الوَطاء (بإذن سَيْدها، و) زوجُ (الحُرْةِ) يَعْزِلُ عنها (بِإِذْنِها) وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعزل الزَّوج عن الأمة إلاّ بإذنها، لأن لها حقاً في قضاء الشَّهوة، والعَزْل يُخِلُّ به. ولأبي حنيفة: أنَّ العزل لخوف الولد وهو حق الموْلى، والحرَّة دون الأمة. ولو عزل فظهر حَبَلٌ قالوا: إن لم يعد إلى وطئها، أو عاد بعد البول جاز له نفيه، وإلاَّ فلا. ولو عالجت نفسها لإسقاط الحَبَل، جاز ما لم يَسْتَبِنْ شيء من خلقه، وذلك ما لم يَتِمَّ له مئة وعشرون يوماً. (وإنْ وَطِاء) الأب الحرُّ المسلم (أَمَةَ ابْنِهِ فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ) الأب، وكانت في ملك الابن من وقت الوطاء إلى حين الدعوة (ثَبَتَ نَسَبُهُ، وهي أُمُّ وَلدِهِ) لِمَا روى أبو داود، والترمذي ـ وقال: حديث حسن ـ عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ «إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه». وروى أبو داود، وابن ماجه من حديث عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده: أنَّ رجلاً أتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي مالاً ووالداً، وإن والدي يحتاج إلى مالي، فقال: «أنت ومالُك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم». انتهى. وإذا كان للأب أن

стр. 807

وَوَجَبَ قِيمَتُهَا لَا مَهْرُهَا، ولَا يَجِبُ قِيمَةُ وَلَدِهَا. والجَدُّ كَالْأَبِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وإِنْ نَكَحَها صَحَّ وَلَمْ تَصِرْ أمَّ وَلَدِه. ويَجِبُ مَهْرُهَا لَا قِيمَتُهَا، === يأخذ من مال ابنه نفقته بلا رضاه لصيانة نفسه، كان له أن ينقل ملك جارية ابنه إلى ملك نفسه لصيانة نسله. (وَوَجَبَ قِيمَتُهَا) والفرق بين هذا، وبين الطعام والكِسْوَة حيث لا يجب قيمتهما إذا استعملهما الأب للحاجة، أن الحاجة إلى الاستيلاد دون الحاجة إلى الطعام والكِسْوَة، فيملك الأب الطعام والكِسْوَة من مال ابنه من غير قيمة، ولا يملك الأمة إلاَّ بقيمتها. ولا فرق بين كون الأب مُعْسِراً أو مُوسِراً، لأن هذا ضمانٌ نُقِلَ، فلا يختلف بالإعْسَار والإيسَار كالبيع، (لَا مَهْرُهَا) أي لا يجب مهرها خلافاً لزُفُر، لأن ملك الأب يثبت في الجارية قبل الوطاء حتى لا يكون الأب زانياً، وحينئذ لم يقع وطاء الأب إلاَّ في ملك نفسه. (ولَا يَجِبُ قِيمَةُ وَلَدِهَا) لأنَّ الأب لَمّا ملك الجارية بالاستيلاد، كان الولد حادثاً على ملكه، فكان حر الأصل. أمَّا إذا كان الأب عبداً أو كافراً لا تصح دعوته، لأنه لا ولاية لكافر على مسلم ولا لعبد على حر. وكذا إذا أخرجها الولد بعد الوطاء من ملكه، ثم استردّها لا تصح دعوة الأب، لأن ثبوت الملك للأب بطريق الاستناد إلى وقت العُلُوق، فيستدعي ولاية التملك من وقت العُلُوق إلى حين التَّملُّك. (والجَدُّ) أب الأب (كَالأَبِ بَعْدَ مَوْتِهِ) لقيامه حينئذٍ مقام الأب، وهذا إذا كان العُلُوق بعد موت الأب، حتى لو أتت بولد لأقل من ستة أشهر من موت الأب، فادَّعاه الجدّ لم تصحّ دعوته. (وإنْ نَكَحَها) أي إِنْ تزوج الأب أمَة ابنه (صَحَّ) وقال مالك والشافعيّ: لا يصحّ، لأن للأب شُبْهَة في ملك ابنه بدليل سقوط الحدّ إذا زنى بأمته، ولو ظَنَّ حرمتها، فيكون في معنى من تزوَّج أمة نفسه. ولنا أن جارية الابن لا ملك للأب فيها ولا حق ملك، لأن ملك الابن فيها من كل وجه بدليل حل وطئه، ونفاذ عتقه، فلا يملكها الأب من وجه، وإلاّ اجتمع ملك شخصين في محل واحد في زمان واحد. وإذا لم يكن للأب فيها حق ملك، جاز له تزوّجها كجارية الأجنبيّ. (وَلَمْ تَصِرْ أمَّ وَلَدِه) إذا أتت منه بولد خلافاً لزُفَر، وكذا إذا استولدها بنكاح فاسد. لأن انتقالها إلى ملك الأب لصيانة مائه، وقد صار مصوناً بدونه. (ويَجِبُ مَهْرُهَا) لالتزامه بالنِّكاح (لَا قِيمَتُهَا) لعدم ملك الرَّقبة.

стр. 808

والوَلَدُ حُرٌّ بِقَرَابَتِهِ. والطِّفْلُ يَتْبَعُ خَيْرَ الأَبَوَيْنِ دِيناً، وعِنْدَ عَدَمِهِمَا يَتْبَعُ الدَّارَ، والمَجُوسِيُّ شَرٌّ مِنَ الكِتَابِيِّ. === (والوَلَدُ حُرٌّ بِقَرَابَتِهِ) لأن الأمة ملك الابن، وولدها من أبيه أخوه، فيتبعها في الملك ويَعْتِقُ عليه. وجعل محمَّد ولد العبد المغرور حرًّا بالقيمة كولد الحرّ المغرور، وهما حكما بِرِقِّهِ. وجه محمد: أن السبب الموجب للحرية الغرور، واشتراط الحرية فيها عند النِّكاح، وهذا يتحقق في الرقيق كما يتحقق في الحرّ، وكما يحتاج الحرُّ إلى حرية الولد، فالمملوك يحتاج إلى ذلك، بل حاجته أظهر لأنه رُبَّما يتطرق به إلى حريّة نفسه. وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا: هذا الولد مخلوق من ماء رقيقين فيكون رقيقًا، وهذا لأن الولد متفرع من الأصل، وإنَّما يتفرع لصفة الأصل. وإذا كان الأصلان رقيقين، لا تثبت الحرية للولد من غير عِتْقٍ. وأمَّا إذا كان الزوج حراً، فقد ثبت حرية الولد هناك باتفاق الصحابة بخلاف القياس. (والطِّفْلُ يَتْبَعُ خَيْرَ الأَبَوَيْنِ دِيناً) لأنّ ذلك أنظر له، فيتبع الأبَ إذا أسلم والأم إذا أسلمت. (وعِنْدَ عَدَمِهِمَا) أي عدم الأبوين بأن وُجِدَ لقيطاً (يَتْبَعُ الدَّارَ) لأن الظاهر أنه من أطفال أهلها. (والمَجُوسِيُّ شَرٌّ مِنَ الكِتَابِيِّ) فالطفل منهما يتبع الكتابيّ، لأن حلَّ الذبيحة وجواز المناكحة من أحكام الإسلام، فيُرَجَّح بهما كما يرجَّح بالإسلام. وإنما لم يقل والكتابيّ خير من المجوسيّ، لأنه لا خير في الكتابي لكن شره أقلُّ من شر المجوسيّ. (نِكَاحِ الكُفَّارِ) واعلم أن نكاح الكفَّار أبقاه علماؤنا والشافعي، وأبطله مالك في المشهور عنه، لأن جوازه يفتقر إلى شروط هي معدومةٌ في أنكحتهم، فيجب فسادها، وعنه أنه إنَّما يجوز منه ما لو ابتدؤه بعد الإسلام صحَّ، وإلاَّ فلا. ولنا قوله تعالى: ﴿وامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ﴾ (١) ولولا انعقادُه لَمَا أخبر بأنها امرأته، وقوله ﷺ «وُلِدتُ مِنْ نكاحٍ لا من سفاحٍ» (٢) . ولولا صحته لَمَا افتخر به، فنكاحهم جائز عند أبي حنيفة مطلقاً، وإن تزوَّجوا بمحارمهم، حتى يحكم لها بالنفقة إذا طلبت، لأنا أُمِرْنا أن نتركهم وما يدينون. واستثنى صاحباه من الجواز المَحْرَم

стр. 809

وإِنْ أسْلَمَ المُتَزَوِّجَانِ بِلَا شُهُودٍ أوْ في عِدَّةِ كَافِرٍ مُعْتَقِدَيْنِ ذَلِكَ أُقِرَّا عَلَيهِ، === والمُعْتَدَّة، لأنهم تبع لنا في الأحكام، ولكن لا نتعرّض لهم إلاَّ أنْ يُسْلِمُوا أَوْ يَتَرافعوا إلينا لالتزامهم حكمنا حينئذٍ، إلاَّ في قول أبي يوسف الآخر، ذكره في كتاب الطلاق، أنه يفرَّق بينهما إذا عُلِمَ به لِمَا رُوِيَ أنَّ عمر كتب إلى عُمَّاله: أن فرِّقوا بين المجوس وبين محارمهم، وامنعوهم من الزِمْزَمَة إن أكلوا. والزِمْزِمةُ بالكسر: الجماعة من الناس على ما في «الصحاح». لكنَّا نقول هذا غير مشهور عنه، وإنما المشهور ما كتب به عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البَصْرِيّ: ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذِّمَّة وما هم عليه من نكاح المحارم واقتناء الخمور والخنازير؟ فكتب إليه: أنهم إنما بذلوا الجزية ليُتْرَكُوا وما يعتقدون، فإنَّما أنت متَّبِعٌ ولست بمبتدع، والسلام. (وإنْ أسْلَمَ المُتَزَوِّجَانِ بِلَا شُهُودٍ أوْ في عِدَّةِ كَافِرٍ مُعْتَقِدَيْنِ ذَلِكَ أُقِرَّا عَلَيهِ) أي بقي صحيحاً بعد إسلامهما، أو إسلامه لو كانت كِتَابِيَّة. وقال زُفَرُ: نكاح أهل الذمّة بلا شهود، أو في عدّة كافر فاسد. وقال أبو يُوسُف ومحمد: بلا شهود صحيح، وفي عدّة كافر فاسد. لزفر: أنّ أهل الذمّة تبعٌ لأهل الإسلام، وهم لا يجوِّزون نكاحهم بغير شهودٍ، وفي عدّة غير، فكذا أهل الذمّة، إلا أنه لا يتعرض لهم فيه إلاَّ أن يُسْلِمُوا أو يترافَعُوا، فحينئذٍ يفرِّق القاضي بينهم لقوله تعالى: ﴿وأن احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ اوَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١) ، ولأنهم بعقد الذمَّة صاروا أُمنَاءَ داراً، والتزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات، فثبت في حقّهم ما هو ثابت في حقّنا. ألا ترى أن حرمة الرِّبا (٢) ثابت في حقّهم بهذا الطريق؟ فكذا حرمة النكاح بغير شهود. ولكنَّا نُعْرِض عنهم لمكان عقد الذمّة، لا أَنَّا نُقِرُّهُمْ على ذلك، كما نتركهم وعبادة الأوثان والاشتغال بالنيران على سبيل الإعراض، لا على سبيل التقرير والحكم بصحة ما يفعلون. ولا نَعْرِضُ عنهم في عقد الرِّبا، لأنه مستثنى من عقد الذمَّة. قال ﷺ «إلاّ من أرْبَى فليس بيننا وبينه عهد» (٣) . ويُرْوَى: «عقد». ولعله مقتبس من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ

стр. 810

وفُرِّقَ مُتَزَوِّجَانِ مَحْرَمَانِ ثُمَّ أَسْلَمَا. وفي إسْلَام زَوْج المَجُوسِيَّةِ أوْ امْرَأَة الكَافِرِ عُرِضَ الإِسْلَامُ عَلَى الآخَرِ، فإنْ أسْلَمَ فَهِي لَهُ وإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، === تَفْعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اوَرَسُولِهِ﴾ (١) . ولهما: أَنْ النِّكاح في العدّة حرامٌ بالإجماع، بخلاف النكاح بغير شهود حيث يجوز عند مالك بشرط الإعلان. مع أنهم لم يلتزموا أحكامنا بجميع اختلافاتها. ولأبي حنيفة: أنّ عدّة الكوافر لا يمكن إثباتها حقًّا للشرع، لأنهم غير مخاطبين بالفروع، ولا حقًّا للزَّوج وهو كافر، لأنه لا يَعتقد العدّة. وفي «النهاية» عن «المبسوط»: إن الاختلاف بينهم إذا وقعت المرافعةُ أو الإسلامُ، والعدَّةُ غير منقضية، وأمَّا بعد انقضاء العدّة فلا يفرَّق باتفاق، أي لعدم تعلُّق حكم شرعيّ. (وفُرِّقَ مُتَزَوِّجَانِ مَحْرَمَانِ) ـ بفتح الميم والراء ـ كما تزوج مجوسيّ أمه أو ابنته (ثُمَّ أَسْلَمَا) أو أسلم أحدهما، لأن نكاح المحارم بين الكفَّار باطل عند أبي يوسف ومحمد، وكذا عند أبي حنيفة على ما ذكره القُدُورِيّ. ولو لم يُسْلم المَحْرَمان المتزوجان، لا يُفَرَّق بينهما عند أبي حنيفة ما لم يترافعا جميعاً. لأنه لَمَّا جاز في اعتقادهم، لا نتعرض لهم ما داموا عليه، وبمرافعة أحدهما لا يحصل رضى الآخر، فلم يتحقق شرط الالتزام في حقّه، فلا يُحْكَمُ عليه ولا على الرافع لاستلزامه الحكم على غير من التزمه. وعند أبي يوسف: يُفَرَّق بينهما وُجِدَ الترافع أو لا. وعند محمد: يُفَرَّقُ إن وُجِدَ الترافع، ولو من أحدهما، فإنه إذا رفع أحدهما أمره فقد التزم حكم الإسلام، فيتعدى الآخر ضرورة الحكم على الرافع، فيُفَرَّقُ بينهما كما لو أسلم أحدهما. (وفي إسْلَامِ زَوْج المَجُوسِيَّةِ) أو الوثنيَّة (أو امرأة الكَافِرِ) في ديارنا، مجوسيًّا كان أو وثنياً أو كتابياً (عُرِضَ الإِسْلَامُ عَلَى الآخَرِ، فإنْ أسْلَمَ فَهِي لَهُ) ولا يُتَعَرَّضُ لهما، لأن ابتداء النِّكاح صحيح، فلأن يبقى أوْلى (وإلاَّ) أي وإنْ لم يسلم سواء كان بالغاً أو صبيًّا مميَّزاً (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا)، وقال الشافعي: لا يُعْرَض الإسلام وتَبِينُ المرأة في الحال إن كان الإسلام قبل الدخول، ويُفَرَّق بينهما بعد ثلاث حِيَضٍ إن كان بعده لتأكد الملك في الثّاني دون الأوَّل.
следующие страницы →