← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وإنْ نُكِحَتْ بِلَا إذْنٍ فَعُتِقَتْ نَفَذَ بِلَا خِيَارٍ لَهَا. ومَا سَمَّى فَلِلسَّيِّدِ لَوْ وُطِئَتْ فَعُتِقَتْ، وَإنْ عُتِقَتْ أوَّلاً فَلَهَا. وَزَوْجُ الأمَةِ يَعْزِلُ بِإِذنِ سَيِّدِها، والحُرَّهِ بِإِذْنِها. وإنْ وَطِئ أَمَةَ ابْنِهِ فَوَلَدَتْ، فَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ، وهي أُمُّ وَلدِهِ === روى ابن سعد في «الطَّبَقات» عن عامر الشَّعْبيّ: أن النبيّ ﷺ قال لبريرة لَمَّا عُتِقَتْ: «قد عُتِقَ بُضْعُك معك، فاختاري». فهذا حكمٌ مطلقٌ فلا يقيد بما إذا كان زوجها عبداً. ثم أسند الطَّحَاويّ عن ابن سيرِينَ، والشَّعْبِيّ: تُخَيَّر، حرًّا كان زوجها أو عبداً. وعن طاوس أنه قال: للأَمَةِ الخيار إذا عُتِقَتْ، وإن كانت تحت قُرَشِيّ. وعن مجاهد: تُخَيَّر، وإن كانت تحت أمير المؤمنين. انتهى. ورواه ابن أبي شَيْبَة أيضاً عنهم. (وإنْ نُكِحَتْ) أمة (بِلَا إذْنٍ) من مولاها (فَعُتِقَتْ نَفَذَ) النِّكاح (بِلَا خِيَارٍ لَهَا) لصدوره من أهله مضافاً إلى محله، وتوقّفه على إذن الموْلى قد زال بالعِتْقِ. وفي «المحيط»: هذا إذا كانت أمة أو مُدَبَّرَة. وإن كانت أم ولد، لا ينفذ النِّكاح، لأنّ العِدَّة وجبت عليها من الموْلى كما أُعتِقَت، والعدة تمنع نفاذ النِّكاح. (ومَا سَمَّى) من المهر (فَلِلسَّيِّدِ لَوْ وُطِئَتْ فَعُتِقَتْ) بعد الوطاء، لأنّ الزَّوج استوفى منافع مملوكة للمولى، فيجب البَدَل. (وَإنْ عُتِقَتْ أوَّلاً) أي قبل الوَطْاء (فَلَهَا) أي فما سمَّى للمرأة، لأن الزَّوج استوفى منافعَ مملوكةً للأمة، فيجب البَدَل لها. (وَزَوْجُ الأمَةِ يَعْزِلُ) أي يجوز أن يعزل عنها عند الوَطاء (بإذن سَيْدها، و) زوجُ (الحُرْةِ) يَعْزِلُ عنها (بِإِذْنِها) وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعزل الزَّوج عن الأمة إلاّ بإذنها، لأن لها حقاً في قضاء الشَّهوة، والعَزْل يُخِلُّ به. ولأبي حنيفة: أنَّ العزل لخوف الولد وهو حق الموْلى، والحرَّة دون الأمة. ولو عزل فظهر حَبَلٌ قالوا: إن لم يعد إلى وطئها، أو عاد بعد البول جاز له نفيه، وإلاَّ فلا. ولو عالجت نفسها لإسقاط الحَبَل، جاز ما لم يَسْتَبِنْ شيء من خلقه، وذلك ما لم يَتِمَّ له مئة وعشرون يوماً. (وإنْ وَطِاء) الأب الحرُّ المسلم (أَمَةَ ابْنِهِ فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ) الأب، وكانت في ملك الابن من وقت الوطاء إلى حين الدعوة (ثَبَتَ نَسَبُهُ، وهي أُمُّ وَلدِهِ) لِمَا روى أبو داود، والترمذي ـ وقال: حديث حسن ـ عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ «إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه». وروى أبو داود، وابن ماجه من حديث عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده: أنَّ رجلاً أتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي مالاً ووالداً، وإن والدي يحتاج إلى مالي، فقال: «أنت ومالُك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم». انتهى. وإذا كان للأب أن

стр. 807

وَوَجَبَ قِيمَتُهَا لَا مَهْرُهَا، ولَا يَجِبُ قِيمَةُ وَلَدِهَا. والجَدُّ كَالْأَبِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وإِنْ نَكَحَها صَحَّ وَلَمْ تَصِرْ أمَّ وَلَدِه. ويَجِبُ مَهْرُهَا لَا قِيمَتُهَا، === يأخذ من مال ابنه نفقته بلا رضاه لصيانة نفسه، كان له أن ينقل ملك جارية ابنه إلى ملك نفسه لصيانة نسله. (وَوَجَبَ قِيمَتُهَا) والفرق بين هذا، وبين الطعام والكِسْوَة حيث لا يجب قيمتهما إذا استعملهما الأب للحاجة، أن الحاجة إلى الاستيلاد دون الحاجة إلى الطعام والكِسْوَة، فيملك الأب الطعام والكِسْوَة من مال ابنه من غير قيمة، ولا يملك الأمة إلاَّ بقيمتها. ولا فرق بين كون الأب مُعْسِراً أو مُوسِراً، لأن هذا ضمانٌ نُقِلَ، فلا يختلف بالإعْسَار والإيسَار كالبيع، (لَا مَهْرُهَا) أي لا يجب مهرها خلافاً لزُفُر، لأن ملك الأب يثبت في الجارية قبل الوطاء حتى لا يكون الأب زانياً، وحينئذ لم يقع وطاء الأب إلاَّ في ملك نفسه. (ولَا يَجِبُ قِيمَةُ وَلَدِهَا) لأنَّ الأب لَمّا ملك الجارية بالاستيلاد، كان الولد حادثاً على ملكه، فكان حر الأصل. أمَّا إذا كان الأب عبداً أو كافراً لا تصح دعوته، لأنه لا ولاية لكافر على مسلم ولا لعبد على حر. وكذا إذا أخرجها الولد بعد الوطاء من ملكه، ثم استردّها لا تصح دعوة الأب، لأن ثبوت الملك للأب بطريق الاستناد إلى وقت العُلُوق، فيستدعي ولاية التملك من وقت العُلُوق إلى حين التَّملُّك. (والجَدُّ) أب الأب (كَالأَبِ بَعْدَ مَوْتِهِ) لقيامه حينئذٍ مقام الأب، وهذا إذا كان العُلُوق بعد موت الأب، حتى لو أتت بولد لأقل من ستة أشهر من موت الأب، فادَّعاه الجدّ لم تصحّ دعوته. (وإنْ نَكَحَها) أي إِنْ تزوج الأب أمَة ابنه (صَحَّ) وقال مالك والشافعيّ: لا يصحّ، لأن للأب شُبْهَة في ملك ابنه بدليل سقوط الحدّ إذا زنى بأمته، ولو ظَنَّ حرمتها، فيكون في معنى من تزوَّج أمة نفسه. ولنا أن جارية الابن لا ملك للأب فيها ولا حق ملك، لأن ملك الابن فيها من كل وجه بدليل حل وطئه، ونفاذ عتقه، فلا يملكها الأب من وجه، وإلاّ اجتمع ملك شخصين في محل واحد في زمان واحد. وإذا لم يكن للأب فيها حق ملك، جاز له تزوّجها كجارية الأجنبيّ. (وَلَمْ تَصِرْ أمَّ وَلَدِه) إذا أتت منه بولد خلافاً لزُفَر، وكذا إذا استولدها بنكاح فاسد. لأن انتقالها إلى ملك الأب لصيانة مائه، وقد صار مصوناً بدونه. (ويَجِبُ مَهْرُهَا) لالتزامه بالنِّكاح (لَا قِيمَتُهَا) لعدم ملك الرَّقبة.

стр. 808

والوَلَدُ حُرٌّ بِقَرَابَتِهِ. والطِّفْلُ يَتْبَعُ خَيْرَ الأَبَوَيْنِ دِيناً، وعِنْدَ عَدَمِهِمَا يَتْبَعُ الدَّارَ، والمَجُوسِيُّ شَرٌّ مِنَ الكِتَابِيِّ. === (والوَلَدُ حُرٌّ بِقَرَابَتِهِ) لأن الأمة ملك الابن، وولدها من أبيه أخوه، فيتبعها في الملك ويَعْتِقُ عليه. وجعل محمَّد ولد العبد المغرور حرًّا بالقيمة كولد الحرّ المغرور، وهما حكما بِرِقِّهِ. وجه محمد: أن السبب الموجب للحرية الغرور، واشتراط الحرية فيها عند النِّكاح، وهذا يتحقق في الرقيق كما يتحقق في الحرّ، وكما يحتاج الحرُّ إلى حرية الولد، فالمملوك يحتاج إلى ذلك، بل حاجته أظهر لأنه رُبَّما يتطرق به إلى حريّة نفسه. وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا: هذا الولد مخلوق من ماء رقيقين فيكون رقيقًا، وهذا لأن الولد متفرع من الأصل، وإنَّما يتفرع لصفة الأصل. وإذا كان الأصلان رقيقين، لا تثبت الحرية للولد من غير عِتْقٍ. وأمَّا إذا كان الزوج حراً، فقد ثبت حرية الولد هناك باتفاق الصحابة بخلاف القياس. (والطِّفْلُ يَتْبَعُ خَيْرَ الأَبَوَيْنِ دِيناً) لأنّ ذلك أنظر له، فيتبع الأبَ إذا أسلم والأم إذا أسلمت. (وعِنْدَ عَدَمِهِمَا) أي عدم الأبوين بأن وُجِدَ لقيطاً (يَتْبَعُ الدَّارَ) لأن الظاهر أنه من أطفال أهلها. (والمَجُوسِيُّ شَرٌّ مِنَ الكِتَابِيِّ) فالطفل منهما يتبع الكتابيّ، لأن حلَّ الذبيحة وجواز المناكحة من أحكام الإسلام، فيُرَجَّح بهما كما يرجَّح بالإسلام. وإنما لم يقل والكتابيّ خير من المجوسيّ، لأنه لا خير في الكتابي لكن شره أقلُّ من شر المجوسيّ. (نِكَاحِ الكُفَّارِ) واعلم أن نكاح الكفَّار أبقاه علماؤنا والشافعي، وأبطله مالك في المشهور عنه، لأن جوازه يفتقر إلى شروط هي معدومةٌ في أنكحتهم، فيجب فسادها، وعنه أنه إنَّما يجوز منه ما لو ابتدؤه بعد الإسلام صحَّ، وإلاَّ فلا. ولنا قوله تعالى: ﴿وامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ﴾ (١) ولولا انعقادُه لَمَا أخبر بأنها امرأته، وقوله ﷺ «وُلِدتُ مِنْ نكاحٍ لا من سفاحٍ» (٢) . ولولا صحته لَمَا افتخر به، فنكاحهم جائز عند أبي حنيفة مطلقاً، وإن تزوَّجوا بمحارمهم، حتى يحكم لها بالنفقة إذا طلبت، لأنا أُمِرْنا أن نتركهم وما يدينون. واستثنى صاحباه من الجواز المَحْرَم

стр. 809

وإِنْ أسْلَمَ المُتَزَوِّجَانِ بِلَا شُهُودٍ أوْ في عِدَّةِ كَافِرٍ مُعْتَقِدَيْنِ ذَلِكَ أُقِرَّا عَلَيهِ، === والمُعْتَدَّة، لأنهم تبع لنا في الأحكام، ولكن لا نتعرّض لهم إلاَّ أنْ يُسْلِمُوا أَوْ يَتَرافعوا إلينا لالتزامهم حكمنا حينئذٍ، إلاَّ في قول أبي يوسف الآخر، ذكره في كتاب الطلاق، أنه يفرَّق بينهما إذا عُلِمَ به لِمَا رُوِيَ أنَّ عمر كتب إلى عُمَّاله: أن فرِّقوا بين المجوس وبين محارمهم، وامنعوهم من الزِمْزَمَة إن أكلوا. والزِمْزِمةُ بالكسر: الجماعة من الناس على ما في «الصحاح». لكنَّا نقول هذا غير مشهور عنه، وإنما المشهور ما كتب به عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البَصْرِيّ: ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذِّمَّة وما هم عليه من نكاح المحارم واقتناء الخمور والخنازير؟ فكتب إليه: أنهم إنما بذلوا الجزية ليُتْرَكُوا وما يعتقدون، فإنَّما أنت متَّبِعٌ ولست بمبتدع، والسلام. (وإنْ أسْلَمَ المُتَزَوِّجَانِ بِلَا شُهُودٍ أوْ في عِدَّةِ كَافِرٍ مُعْتَقِدَيْنِ ذَلِكَ أُقِرَّا عَلَيهِ) أي بقي صحيحاً بعد إسلامهما، أو إسلامه لو كانت كِتَابِيَّة. وقال زُفَرُ: نكاح أهل الذمّة بلا شهود، أو في عدّة كافر فاسد. وقال أبو يُوسُف ومحمد: بلا شهود صحيح، وفي عدّة كافر فاسد. لزفر: أنّ أهل الذمّة تبعٌ لأهل الإسلام، وهم لا يجوِّزون نكاحهم بغير شهودٍ، وفي عدّة غير، فكذا أهل الذمّة، إلا أنه لا يتعرض لهم فيه إلاَّ أن يُسْلِمُوا أو يترافَعُوا، فحينئذٍ يفرِّق القاضي بينهم لقوله تعالى: ﴿وأن احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ اوَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١) ، ولأنهم بعقد الذمَّة صاروا أُمنَاءَ داراً، والتزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات، فثبت في حقّهم ما هو ثابت في حقّنا. ألا ترى أن حرمة الرِّبا (٢) ثابت في حقّهم بهذا الطريق؟ فكذا حرمة النكاح بغير شهود. ولكنَّا نُعْرِض عنهم لمكان عقد الذمّة، لا أَنَّا نُقِرُّهُمْ على ذلك، كما نتركهم وعبادة الأوثان والاشتغال بالنيران على سبيل الإعراض، لا على سبيل التقرير والحكم بصحة ما يفعلون. ولا نَعْرِضُ عنهم في عقد الرِّبا، لأنه مستثنى من عقد الذمَّة. قال ﷺ «إلاّ من أرْبَى فليس بيننا وبينه عهد» (٣) . ويُرْوَى: «عقد». ولعله مقتبس من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ

стр. 810

وفُرِّقَ مُتَزَوِّجَانِ مَحْرَمَانِ ثُمَّ أَسْلَمَا. وفي إسْلَام زَوْج المَجُوسِيَّةِ أوْ امْرَأَة الكَافِرِ عُرِضَ الإِسْلَامُ عَلَى الآخَرِ، فإنْ أسْلَمَ فَهِي لَهُ وإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، === تَفْعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اوَرَسُولِهِ﴾ (١) . ولهما: أَنْ النِّكاح في العدّة حرامٌ بالإجماع، بخلاف النكاح بغير شهود حيث يجوز عند مالك بشرط الإعلان. مع أنهم لم يلتزموا أحكامنا بجميع اختلافاتها. ولأبي حنيفة: أنّ عدّة الكوافر لا يمكن إثباتها حقًّا للشرع، لأنهم غير مخاطبين بالفروع، ولا حقًّا للزَّوج وهو كافر، لأنه لا يَعتقد العدّة. وفي «النهاية» عن «المبسوط»: إن الاختلاف بينهم إذا وقعت المرافعةُ أو الإسلامُ، والعدَّةُ غير منقضية، وأمَّا بعد انقضاء العدّة فلا يفرَّق باتفاق، أي لعدم تعلُّق حكم شرعيّ. (وفُرِّقَ مُتَزَوِّجَانِ مَحْرَمَانِ) ـ بفتح الميم والراء ـ كما تزوج مجوسيّ أمه أو ابنته (ثُمَّ أَسْلَمَا) أو أسلم أحدهما، لأن نكاح المحارم بين الكفَّار باطل عند أبي يوسف ومحمد، وكذا عند أبي حنيفة على ما ذكره القُدُورِيّ. ولو لم يُسْلم المَحْرَمان المتزوجان، لا يُفَرَّق بينهما عند أبي حنيفة ما لم يترافعا جميعاً. لأنه لَمَّا جاز في اعتقادهم، لا نتعرض لهم ما داموا عليه، وبمرافعة أحدهما لا يحصل رضى الآخر، فلم يتحقق شرط الالتزام في حقّه، فلا يُحْكَمُ عليه ولا على الرافع لاستلزامه الحكم على غير من التزمه. وعند أبي يوسف: يُفَرَّق بينهما وُجِدَ الترافع أو لا. وعند محمد: يُفَرَّقُ إن وُجِدَ الترافع، ولو من أحدهما، فإنه إذا رفع أحدهما أمره فقد التزم حكم الإسلام، فيتعدى الآخر ضرورة الحكم على الرافع، فيُفَرَّقُ بينهما كما لو أسلم أحدهما. (وفي إسْلَامِ زَوْج المَجُوسِيَّةِ) أو الوثنيَّة (أو امرأة الكَافِرِ) في ديارنا، مجوسيًّا كان أو وثنياً أو كتابياً (عُرِضَ الإِسْلَامُ عَلَى الآخَرِ، فإنْ أسْلَمَ فَهِي لَهُ) ولا يُتَعَرَّضُ لهما، لأن ابتداء النِّكاح صحيح، فلأن يبقى أوْلى (وإلاَّ) أي وإنْ لم يسلم سواء كان بالغاً أو صبيًّا مميَّزاً (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا)، وقال الشافعي: لا يُعْرَض الإسلام وتَبِينُ المرأة في الحال إن كان الإسلام قبل الدخول، ويُفَرَّق بينهما بعد ثلاث حِيَضٍ إن كان بعده لتأكد الملك في الثّاني دون الأوَّل.

стр. 811

وهُوَ طَلَاقٌ إن أبى، ولَا مَهْرَ لَهَا إنْ أَبَتْ إلَّا لِلْمَوْطُوءةِ. وفي دَارِهِمْ تَبِينُ بِمُضِيِّ ثَلَاث حِيَضٍ قَبْلَ إِسْلَامِ الآخَرِ، وتَبِينُ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ لا السَّبْيِ. === ولنا ما في «الموطّأ» عن ابن شِهَاب: أنّ ابنة الوليد بن المُغِيرَة كانت تحت صَفْوَان بن أُمَيَّةَ، وأَسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صَفْوَان، بن أُمَيَّة من الإسلام، فلم يُفَرِّقُ ﷺ بينه وبين امرأته حتّى أسلم صفوان واستقرت عنده امرأته بذلك النِّكاح. وذكر الطَّحَاوِي وأبو بكر بن العربي: أنّ عمر بن الخطاب فرّق بين نصرانيَ ونصرانيّةٍ أسلمت بإِبائه عن الإسلام. ومن أدلتنا ما رُوِي أنّ دُهْقَانة (١) نهر الملك (٢) أسلمت، فأمر عمر أنْ يُعْرَض الإسلام على زوجها، فإن أسلم وإلاّ فَرَّقَ بينهما. وأنّ دُهْقَاناً أسلم على عهد عليّ، فعَرَضَ الإسلام على امرأته فأبت، فَفَرَّقَ بينهما. وإنّما يُفَرَّقُ بينهما إذا أبت هي الإسلام لإصرارها على الخبث، والخبيثة لا تصلح للطيّب. (وهُوَ) أي تفريق القاضي بينهما (طَلَاقٌ) بائنٌ (إن أبى) الزوج، وليس بطلاق إن أبت المرأة. وقال أبو يوسف: ليس بطلاق فيهما. وفائدة الخلاف: عدم انتقاص عدد الطَّلاق بالفُرْقَة عنده، وانتقاصه بها عندهما. (ولَا مَهْرَ لَهَا إنْ أَبَتْ) لوجود الفُرْقَة من قبلها، كالمطاوعة لابن زوجها. (إلاَّ لِلْمَوْطُوءة) فإنّ لها المهر كله لتأكده بالدخول. قيَّد بإبائها، لأن تفريق القاضي بإباء الزَّوج قبل الدخول يوجب نصف المهر. (وفي دَارِهِمْ) عطف على مقدر يتعلق بإسلام ـ وهو في دارنا ـ أي: وفي إسلام زوج المجوسية، أو امرأة الكافر في دارهم. سواء بَقِيَ الزَّوْجَان فيها، أو خرج أحدهما إلينا وبَقِيَ الآخر (تَبِينُ) المرأة سواء كانت مدخولاً بها، أو غيرها (بِمُضِيِّ ثَلَاث حِيَضٍ قَبْلَ إِسْلَامِ الآخَرِ) إنْ كانت تحيض، وبمضيّ ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض، لأن الحكم بالفُرْقَة لمَّا كان منقطعاً عمَّن في دار الحرب، أُقِيمَ شرط الفُرْقَة ـ وهو مضيّ العدة ـ مقامها. (وتَبِينُ) الحربيّة من زوجها (بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ) سواء سُبِيَ أحدهما أو لم يُسْبَ، بل خرج إلينا مسلماً، أو ذمياً، أو مُسْتَأْمَناً، ثم أسلم، أو صار ذمياً (لا السَّبْيِ) أي لا تبين بالسَّبي. وقال الشافعي ـ وهو قول مالك ـ: تبين به، ولا تبين بتباين الدَّارين. فلو

стр. 812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === سُبِيَا معاً لم تَبِنْ عندنا، وتبين عنده. لأنّ زينب بنت رسول الله ﷺ هاجرت من مكة إلى المدينة، وخلَّفت زوجها أبا العاص كافراً بمكة، فردها رسول الله ﷺ إليه بالنِّكاح الأوَّل. ولنا: أن مشركي مكة صالحوا رسول الله ﷺ عام الحُدَيْبِيَةِ أنّ من أتاه من أهل مكة ردَّه إليهم، ومن أتى أهل مكة من أصحابه فهو لهم. وكتبوا بذلك الكتاب وختموه. فجاءت سُبَيْعَةُ بنت الحَارِثِ الأَسْلَمِيّة بعد الفراغ من الكتاب، والنبيّ ﷺ بالحُدَيْبِيَة فأقبل زوجها مُسَافِر المَخْزُوميّ، وقيل: صَيْفِي بن الرَّاهِب، وكان كافراً، فقال: يا محمد أُرْدُد عليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن تردّ علينا من أتاك منَّا، وهذه طينة الكتاب لم تجفّ بعد. فأنزل الله تعالى بياناً بأنّ هذا الشرط إنما يكون في الرجال دون النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُم المُؤْمِنَاتُ مهَاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ (١) أي بعقد نكاحهنَّ. فاستحلفها رسول الله ﷺ فحلفت، فأعطَى زوجها ما أنفق عليها من المهر، وتزوجها عمر. وكان رسول الله ﷺ يَمْتَحِنُ المهاجرة بأن يحلّفها: بالله ما خرجت من بغض زوجٍ، بالله ما خرجت رغبةً من أرضٍ إلى أرضٍ، بالله ما خرجت إلاّ حباً لله ولرسوله. فقوله سبحانه: ﴿لَا هُنَّ حِلٌ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ يدلُّ على أن تباين الدَّارين يوجب الفُرْقة، وإن لم يوجد سَبْيٌ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَنُكِحُوهُنَّ﴾ إذ لو لم يوجب التباين انقطاع النِّكاح، لم يجز للمسلمين أن ينكحوهنَّ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ إذ لو لم يكن التباين موجباً للفُرْقَة، لزم التمسّك بعقد نكاحهنّ حال كفرهنّ. ثم المهاجرة تحل بل تُنكح عندنا بلا لزوم عدّة كالمسبيَّة، فإنه يجب استبراؤها ولا يلزمها العدّة اتفاقاً. وقالا ـ وهو قول مالك والشافعي ـ: لا يحل نكاحها قبل انقضاء

стр. 813

وارْتِدَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخٌ عَاجِلٌ، ثُمَّ لِلْمَوْطُوءَةِ كُلُّ مَهْرِهَا ولِغَيْرِهَا نِصْفُهُ لَوْ ارْتَدَّ وَلَا شَيءَ لَوْ ارْتَدَّتْ، وَبقِي النِّكَاحُ إنْ ارْتَدَّا مَعاً، فَأَسْلَمَا مَعاً === عدّتها كالحامل، فإنه لا يصح نكاحها قبل الوضع عند الجمهور، وعلى الأصَحّ عند أبي حنيفة. لهم: أن نُسَيْبَة لمَّا هاجرت، أمرها رسول الله ﷺ أن تعتدّ. وله: قوله تعالى: ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فالله أباح نكاح المهاجرة مطلقاً، فتقييده بما بعد انقضاء العدّة يكون زيادة. وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ وفي إيجاب العدّة تمسّك بِعِصَم الكافر. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يصحّ نكاح الحامل من المهاجرات، ولكن لا يقربها حتى تضع، لأنه لا حرمة لماء الحربيّ، فهو بمنزلة ماء الزاني، والحَبَل من الزِّنا لا يمنع النِّكاح عنده، ولكن الأوَّل أصحّ، لأن الحبل من الزِّنا لا نسب له، وهذا النَّسب ثابتٌ من الحربيّ. (وارْتِدَادُ كُلَ مِنْهُمَا) أي من الزَّوجين (فَسْخٌ عَاجِلٌ) عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال الشافعيّ: إنْ لم يدخل بها ففسخٌ عاجلٌ، وإن دخل بها ففسخٌ آجلٌ، يعني إنْ عاد المرتدّ منهما إلى الإسلام في مدة عدّة تلك المرأة لم ينفسخ، وإلاّ انفسخ. وقال محمد: إن كان الارتداد من المرأة فهو فسخٌ، وإن كان من الرَّجل فهو طلاقٌ. فمحمد مرّ على أصله في الإباء، وكذلك أبو يوسف، لأن الإباء عنده فسخٌ عاجلٌ. ووجه الفرق لأبي حنيفة: أنّ الرِّدَّةَ منافيةٌ للنِّكاح لمنافاتها للعصمة، والطَّلاق يستدعي قيام النِّكاح، فلا تكون الفُرْقَة بالرِّدَّة طلاقاً. والإباء تفويت الإمساك بالمعروف، فيجب التَّسريح بالإحسان، ولهذا تتوقف الفُرْقَة بالإباء على القضاء، ولا تتوقف الفرقة بالرِّدَّة عليه. (ثُمَّ لِلْمَوْطُوءَةِ كُلُّ مَهْرِهَا) سواء ارتدَّ الزَّوج، أو هي، لأنّ الوطاء مؤكِّدٌ للمهر (ولِغَيْرِهَا) أي لغير الموطوءة (نِصْفُهُ لَوْ ارْتَدَّ) الزَّوج، لأنَّ الفُرْقَةَ من قِبَله قبل الدخول (وَلَا شَيءَ لَوْ ارْتَدَّتْ) الزَّوجة، لأَن الفُرْقَة من جهتها قبل الدخول. (وَبقِي النِّكَاحُ إنْ ارْتَدَّا مَعاً فَأَسْلَمَا مَعاً)، وقال زُفَرُ: لا يبقى، وهو القياس. لأن في ردَّتهما ردَّة أحدهما، وهي منافية للنِّكاح. ووجه الاستحسان: أنهما لم يختلفا في دينٍ ولا في دارٍ، فلا تقع الفُرْقَة بينهما، كما إذا أسلم الزَّوجان الكافران معاً. وإنَّما تركنا القياس لاتفاق الصَّحابة. فإن بني حنيفة

стр. 814

وفَسَدَ إنْ أَسْلَمَ أحَدُهُمَا قَبْلَ الآخَرِ. === ارتدّوا بمنع الزكاة، فاستتابهم أبو بكر ولم يأمرهم بتجديد الأنكحة بعد التَّوبة، ولا أحدَ من الصحابة سَوَّاهُ. ولا يُقَال لعلَّ الارتداد من بعضهم كان قبل بعضهم، ولم يُسْتَقلّ بذلك أيضاً، لأن كلّ أمرين لا يُعْرَفُ التاريخ بينهما يجعل كأنّهما وقعا معاً. (وفَسَدَ) النِّكاح (إنْ) ارتدّا معاً ثُمَّ (أَسْلَمَ أحَدُهُمَا قَبْلَ الآخَرِ) لأن البقاء على الرِّدَّة كإنشائها. فإن كان ذلك قبل الدُّخول، فلا شيء للمرأة إن كان المسلم هو، ولها نصف المهر إن كان المسلم هي. وإنْ كان بعد الدخول فلها المهر كاملاً سواء كان المسلم هي، أو هو. ولا يصحّ أنْ ينكح مرتدّ مسلمة، ولا مرتدَّة، ولا كافرة أصليَّة. لأنّ النِّكاح يعتمد الملَّة، ولا ملَّة للمرتدّ. فإنه ترك ما كان عليه وهو غير مُقَرَ على ما اعتقده، وكذا حكم المرتدّة. ولو أسلم حربيّ وتحته خمس نِسْوَة أو أكثر ثُمَّ أسلمن معه، أو أُخْتَان، أو أم وبنت بعقدٍ واحدٍ، بطل النِّكاح عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وإن كان بعقودٍ متفرقةٍ بطل نكاح الخامسة، والثانية من الأختين، وكذا الثانية من الأم والبنت إن لم يكن دخل بها. وخَيَّره محمّد، كمالك، والشافعيّ، وزُفُر في تبقية أيّ أربعٍ شاء منهنَّ، وإحدى الأختين شاء منهما، وإن كان العقد واحداً عيَّن البنت للإِبقاء لصحَّة نكاحها وحرمة أمها بالعقد عليها، إلاَّ أن يكون دخل بالأمّ فحينئذٍ يُفَرَّقُ بينه وبينهما. لأنّ غَيْلَان بن سَلَمَة أسلم وتحته عشرة نِسْوَة وأسلمن معه، فقال النبيّ ﷺ اختر منهنَّ أربعاً، وفارق سائرهنَّ. وقَيْس بن الحَارِثِ أسلم وتحته ثمان نِسْوَةٍ وأسلمن معه، فأمره النبيّ ﷺ أن يختار أربعاً منهنَّ. والضَّحَاك بن فَيْرُوز الدَّيْلَمِيّ أسلم وتحته أختان، فقال ﷺ «اختر أيَّتهما شئت» (١) . واستدل (أبو حنيفة) (٢) وأبو يوسف بقوله تعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ﴾ (٣) والجمع بينهما نكاحٌ حرامٌ بهذا النص، وبنكاح الأولى ما حصل الجمع، (فوقع صحيحاً بحكم الإسلام، وبنكاح الثَّانية حصل الجمع إذ لا) (٤) سبب هنا سوى

стр. 815

وكُلُّ الزَّوْجَاتِ في القَسْمِ سَوَاءٌ إلَّا المَمْلُوكَةَ، ولَهَا نِصْفُ الحُرَّةِ === الجمع، فتعيَّن الفساد في نكاح من حصل الجمع بنكاحها، فإنّ نكاحها فاسدٌ بحكم الإسلام دون من لم يحصل بنكاحها الجمع. وإن تزوّجهما في عقدٍ واحدٍ، فالجمع حصل بهما، وليس إبطال نكاح إِحداهما بأولى من الأخرى، فيبطل نكاحهما. وكذلك في نكاح الخمس، الحرمة بسبب الجمع بين ما زاد على الأربع، وإنَّما حصل ذلك بنكاح الخامسة، فصَرْفُ الفساد إليها أوْلى. وإن وقع تزوُّجهنَّ في عقدٍ واحدٍ، فالجمع حصل بهنّ جميعاً. وأمّا الأحاديث التي رُوِيَتْ فقد قال مَكْحُول: إنّ تلك الأحاديث كانت قبل نزول الفرائض، يعني قبل نزول حرمة الجمع، فوقعت الأنكحة صحيحةً مطلقاً، ولمَّا كانت صحيحةً في الأصل جعل رسول الله ﷺ ذلك مستثنى من تحريم الجمع. (وكُلُّ الزَّوْجَاتِ في القَسْمِ) بفتح القاف، أي المبيت عندهنَّ للصُّحبة والمؤانسة لا في المُجَامعة والمحبَّة (سَوَاءٌ) قيَّد بالزَّوجات، لأن السراري (١) وأمهات الأولاد لا حقّ لهنَّ فيه. والاختيار في مقدار الدور للزوج، لأن المستحق لهنَّ التسوية دون طريقها، ولا فرق بين ذلك بين القديمة والجديدة، والثيِّب والبِكْر، والمسلمة والكتابيّة، والصحيحة والمريضة، والرَّتْقَاء (٢) والمجنونة التي لا يُخاف منها، والصغيرة التي يمكن وطؤها، والمُحْرِمَة، والموْلى والمُظاهر عنها. قال الحاكم: والمَجْبُوب والخَصِيّ والعِّنين في القَسم سواءٌ، وكذلك الغلام الذي يحتلم وقد دخل بامرأته. (إلاَّ المَمْلُوكَةَ) مع الحرَّة بأن تزوَّجها ثمّ تزوَّج الحرّة (ولَهَا نِصْفُ الحُرَّةِ) سواء كانت قِنًّا، أو مُدَبَّرَة، أو مُكَاتَبَة، أو أمّ ولدٍ، لِمَا روى عبد الرَّزَّاقِ، وابن أبي شَيْبَة في «مصنفيهما»، والدَّارَقُطْنِيّ، والبَيْهَقِيّ في «سننيهما»، عن عليّ أنه قال: إذا نُكِحَتْ الحرّة على الأمة فلهذه الثلثان، ولهذه الثلث. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: إذا كانت الزوجة الجديدة ثيِّباً أقام عندها ثلاثاً، وإذا كانت بِكْراً أقام عندها سبعاً، ثم يدور بالسَّوية بعد ذلك، لِمَا في مسلم، عن

стр. 816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === خالد، عن أبي قِلَابَة عن أنس قال: إذا تزوّج البكر على الثيّب أقام عندها سبعاً، وإذا تزوّج الثيّب على المرأة أقام عندها ثلاثاً. قال خالد: ولو قلت رفعه لصدقت، ولكنه قال: السُّنَّة كذلك. ورواه ابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ «للثيّب ثلاثاً، وللبكر سبعاً». وفي «صحيح مسلم»: عن أمِّ سَلَمَةَ: أن رسول الله ﷺ لَمّا تزوَّجها أقام عندها ثلاثاً، وقال لها: «ليس بكِ على أهلك هوان، إن شئتِ سَبَّعْتُ لك، وإن سَبَّعْتُ لكِ سَبَّعْتُ لنسائي». ولأن القديمة قد ألفت صحبته، والجديدة لم تألف فَيُفَضِّلُها بزيادة الصُّحبة، وللبكر زيادة نَفْرَة عن الرِّجال، فَيُفَضِّلُها بسبع ليالٍ. ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فِوَاحِدَةً أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَعُولُوا﴾ (١) أي أنْ لا تجوروا، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلُ﴾ (٢) معناه لن تستطيعوا العدل والتَّسْوية في المحبة، فلا تميلوا في القَسمِ. وما روى أصحاب السُّنن الأربعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشِقِه مائلٌ». أي ساقط أو مفلوج. وما رواه أيضاً عن عائشة أَنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: اللَّهمَّ هذا قَسْمِي فيما أملك، ولا تلمني فيما تملك ولا أملك». يعني القلب. وهذا مطلقٌ كما ترى، ولأن القَسم من حقوق النِّكاح، وقد ثبت الاستواء في ذلك. والقديمة أولى بالتفضيل، لأنّ الوَحْشَة في جانبها أكثر حيث أدخل عليها من يغيظها. وفي «مختصر الطَّحَاوي»: وإن كانت له زوجة واحدة حُرَّة فطالبته بالواجب من القَسْم من نفسه، كان عليه أن يُقْسِمَ لها يوماً وليلةً، ثم يتصرف في أمور نفسه ثلاثةَ أيامٍ وثلاثَ ليالي (لأن له أنْ يتزوّج عليها بثلاث حرائر) (٣) . وإن كانت زوجته هذه أمَةً والمسألة بحالها، كان لها من كل سبعة أيامٍ ليلةٌ، ومن كل سبع ليال يومٌ، (لأن له أن يتزوّج عليها بثلاث حرائر) (٤) فيكون لكل واحدة منهم من القسم يومان وليلتان، ولها يوم وليلة.

стр. 817

وَلَا قَسْمَ في السَّفَرِ === رُوِيَ أنّ امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب وعنده كعب بن سُور (١) فقالت: يا أمير المؤمنين إنَّ زوجي يصوم النَّهار، ويقوم اللَّيل، وأنا أكره أن أشكوَهُ، فقال لها عمر: نِعْمَ الرَّجل زوجك. فردّدت كلامها ـ أي كرَّرّت ـ وعمر لا يزيدها على ذلك، فقال كعب: يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها في هجره فراشها، فقال له عمر: كَما فهمت إشارتها فاحكم بينهما، فأرسل إلى زوجها فجاء، فقال لها كعب: ما تقولين؟ فقالت شعراً: *يا أيَّها القَاضِي الحَكِيمُ أرْشِدُه ** ألْهَى خَلِيلِي عن فِرَاشِي مَسْجِدُه *زهَّدَهُ في مَضْجِعِي تعبُّدُه ** نَهَارَهُ وَليْلَهُ مَا يَرْقُدُه* *ولَسْتُ في أمْرِ النِّسَاءِ أحْمِدُه فقال لزوجها ما تقول؟ فقال شعراً: *زَهَّدَنِي في فَرشها وفي الكِلَلْ (٢) ** أني امرءٌ أَذْهَلَنِي مَا قَدْ نَزَلْ * في سُورَةِ النَّمْلِ وفي السَّبْعِ الطُوَلُ ** (وفي كِتَابِ الله تَخْويفٌ جَلَلْ) (٣) فقال له كعب شعراً: *إنَّ لَهَا عَلَيْكَ حقاً يَا رَجُل ** نَصِيبَها (٤) في أربعٍ لمن عَقَلْ* *فأعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْكَ العِلَلْ فقال له عمر: من أين لك هذه؟ قال: لأن الله تعالى أباح للحرِّ أربع زوجات، فلكل واحدة يوم وليلة. فأعجب ذلك عمر، وجعله قاضي البَصْرَة. والكِلَل بكسر الكاف: جمع كِلَّة ـ بكسر وتشديد ـ: وهي الستر الرقيق يُخَاط، كالبيت يتوقَّى فيه من البَقِّ أي البعوض. (وَلَا قَسْمَ في السَّفَرِ) وهو مذهب مالك، لأنَّ حقهنَّ يسقط بالسفر، ولهذا كان له أنْ لا يستصحب واحدة منهنَّ. قَيَّدَ بالسَّفر، لأن المرض منه أو منهنَّ لا يسقط القسم لِمَا في السُّنن عن عائشة قالت: بعث رسول الله ﷺ إلى النِّساء ـ يعني في مرضه ـ فاجتمعن، فقال: إني لا أستطيع أن أدور بينكنَّ، فإن رأيتنَّ أنّ تأذَنَّ لي فأكون

стр. 818

والقُرْعَةُ أوْلَى: ويَصِحُّ تَرْكُ القَسْمِ ويَصِحُّ الرُّجُوعُ. === عند عائشة فَعَلْتُنَّ» فأذِنَّ له. (والقُرْعَةُ أوْلَى) تَطْيِيباً لقلوبِهِنَّ وقال مالك والشافعيّ: واجبة، لِمَا روى الجماعة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيَّتُهُنَّ خرج سهمها، خرج بها. ولنا: أن القسم في الحَضَرِ لم يكن واجباً عليه ﷺ فضلاً عن السفر، وإنما كان يقسم تَفَضُّلاً عليهنَّ وتطييباً لقلوبهنَّ، لِمَا في الصحيحين عن ابن عباس: أنه ﷺ كان يَقْسِمُ لثمانٍ ولا يَقْسم لواحدةٍ. قال عطاء: هي صفية بنت حُيَيْ بن أَخْطَب، ولقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (١) وكان من يؤوي: عائشةَ، وأمَّ سَلَمَةَ، وزيْنَبَ، وحَفْصَةَ. ومن يُرْجي: سَوْدَةَ، وجُوَيْرِيَةَ، وأمَّ حَبِيبَةَ، وصَفِيَةَ، ومَيْمُونَةَ. ذكره المُنْذِري. (ويَصِحُّ) للمرأة (تَرْكُ القَسْمِ) بأن تهب يومها لصاحبتها، لأن القَسْمَ حقها ولها تركه، ولما في الصحيحين عن عائشة قالت: ما رأيت امرأةً أحبّ إليّ أن أكون في مِسْلاخِها (٢) من سَوْدَةَ بنت زَمْعَة، من امرأة (٣) فيها حِدَّة، فلمَّا كَبِرَت قالت: يا رسول الله قد جعلت يومي منك لعائشة. وكان ﷺ يَقْسِم لعائشة يومين: يومها، ويوم سَوْدَة. وفي «سنن البَيْهَقِيّ» عن هِشَام بن عُرْوَة: أن رسول الله ﷺ طَلَّق سَوْدَة، فَلَمَّا خرج إلى الصلاة أمسكت بثوبه وقالت: والله مالي في الرِّجال من حاجة، ولكن أُرِيدُ أن أُحْشَرَ في أزواجك. قال: فراجَعَها، وجعل يومها لعائشة. (ويَصِحُّ) للمرأة (الرُّجُوعُ) فيم وهبت من قسمها، لأنها أسقطت حقّاً (٤) لم يجب بعد فلا يكون مُلْزِماً، كالعَارِيَّة يرجع فيها المُعِيرُ متى شاء. ولو أقام رجلٌ عند إحدى امرأتيه شهراً ـ ولو في غير سفرٍ ـ ليس للأخرى مطالبته أنْ يُقِيمَ عندها شهراً. لأن القَسْمَ لا يصير ديناً في الذِّمَّة، ولكنه يأثم فيؤمر باستقبال العدل بينهما. ولو عاد إلى الجَوْر بعد نَهْي القاضي عزَّرَهُ. والله أعلم بالصَّواب.

стр. 819

كِتَابُ الرِّضَاعِ يَثْبُتُ بِمَصَّةٍ في حَوْلَيْنِ وَنِصْفٍ فَقَطْ === كتاب الرَّضَاعِ بفتح الرَّاء وبكسرها، وفِعْله كَعَلِمَ، وفي لغة نَجْدٍ كَضَرَبَ. (يَثْبُتُ بِمَصَّةٍ) وهو مذهب جمهور العلماء، حكاه ابن المُنْذِرِ عن عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن، وابن المُسَيَّب، ومَكْحُول، والزُّهْرِيِّ، وقَتَادَة، والحَكم، وحَمَّاد، ومالك، والأوْزَاعِيّ، (في حَوْلَيْنِ وَنِصْفٍ) فيكون المجموع ثلاثين شهراً، وبه قال أبو حنيفة، وهو مختار صاحب «الهداية» لقوله تعالى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾ (١) ، وظاهر هذه الإضافة يقتضي أن يكون جميع المذكور مدّةً لكلِّ واحدةٍ منهما (٢) ، إلا أنّ الدليل قد قام على أنّ مدَّة الحبل لا يكون أكثر من سنتين، فَبَقِي مدَّة الفِصَال (٣) على ظاهره. وقال الله تعالى: ﴿فإنْ أرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وتَشَاوُرٍ﴾ (٤) الآية، فاعتُبِرَ التَّراضي والتَّشاور في الفصال بعد الحولين، وذلك دليل على جواز الإرضاع بعدهما. (فَقَطْ) قيَّد به لأنّ الرِّضاع بعد الحولين ونصف لا يثبت به حرمة سواء فُطِمَ الصبيّ، أو لم يُفْطَم عند أبي حنيفة. وقال زُفَر: في ثلاث سنين. وعند مالك: في سنتين وأيام. وقالت عائشة وداود: يثبت به ولو بعد البلوغ. وقال أبو يوسف ومحمد: وبه يُفْتَى، كما نصَّ عليه في «العيون»، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، ومختار الطَّحَاويّ. ومذهب مالك والشافعي: أَنْ مدّة الرِّضاع سنتان لظاهر قوله تعالى: ﴿والوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٥) ولا زيادة بعد التمام والكمال، وقوله تعالى: ﴿وفِصَالُهُ في عَامَينِ﴾ (٦) ، وقوله ﷺ «لا رِضَاع بعد الفِصَال». رواه عبد الرَّزَّاق

стр. 820

أمُومَةُ المُرْضِعَةِ وأُبُوَّةُ زَوْجِ لَبَنِهَا مِنْهُ للرَّضِيع، === عن عليّ مرفوعاً وموقوفاً. ورواه الطَّبَرانيّ بسنده عن عليّ قال: قال رسول الله ﷺ «لا رضاع بعد فِصَالٍ، ولا يُتْمَ بعد حُلُمٍ»، وقوله ﷺ لا رضاع إلاّ ما كان في الحولين» (رواه الدَّارَقُطْنِيّ، ورواه ابن عدي في «الكامل» ولفظه: «لايَحْرُم من الرِّضاع إلاّ ما كان في الحولين») (١) ، ووافقه ابن أبي شَيْبَة عن عليّ، وابن مسعود، والدَّارَقُطْنِيّ عن عمر قال: «لا رِضَاع إلاّ في حولين في الصِّغَر». وعامة أهل التفسير جعلوا الأجل المضروب للمدتين متوزعاً عليهما. ويؤيده ما رُوِيَ أنَّ رجلاً تزوَّج امرأةً فولدت لستة أشهر، فجيء بها إلى عثمان، فشاور في رجمها، فقال ابن عباس: إنْ خاصمتكم بكتاب الله خَصمتكم، قالوا: كيف؟ قال: إن الله ليقول: ﴿وحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾ وقال: ﴿والوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، وقال: ﴿وفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فحَمْله ستة أشهر وفصاله حولان، فتركها عثمان. (أمُومَةُ المُرْضِعَةِ) هذا فاعل يثبت (وأُبُوَّةُ زَوْجِ لَبَنِهَا مِنْهُ للرِّضِيع) اللام متعلقة بـ: يثبت. وقيَّد الزَّوج بكون لبن المُرْضِعَة منه، لأن المرأة لو بانت من رجلٍ وهي ذات لبنٍ منه، فتزوَّجت بآخر وأرضعت بذلك اللّبن ولداً، لم يكن ولداً للثَّاني من الرِّضاع، بل يكون ربيبة منه. حتى جاز لذلك الولد أن يتزوّج بأولاد الثَّاني من غيرها، كما في النَّسب. ولو فُطِمَ الصَّبيّ عن اللّبن، واستغنى بالطعام عنه، ثم أُرْضِعَ في المدَّة فإنه يثبت به الحرمة في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة لا يثبت، وقيل: لا يُبَاح شربه. وقال الشافعيّ وأحمد وإسحاق: لا يثبت الرِّضاع إلاّ بخمس رضعات، يكتفي الصّبيّ بكل واحدة منها، لِمَا في «صحيح ابن حبَّان» عن عبد الله بن الزُّبَيْر، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «لا تحرّم المصَّة والمصَّتان، والإِمْلَاجة والإملاجتان». والمصَّة فعل الرضيع، والإملاجة فعل المرضِع وهو الإرضاع. ورواه مسلم مفرَّقاً في حديثين. وروى مسلم أيضاً عن عائشةَ ﵂ قالت: أُنْزِلَ في القرآن عشر رضعات معلومات يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخَ من ذلك خمسٌ، وصار إلى خمس رضعات، فتُوُفِّي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك. وروى مسلم أيضاً من حديث أمّ الفضل بنت الحارث قالت: دخل أعرابي على

стр. 821

فَيَحْرُمَانِ مَعْ قَوْمِهِمَا عَلَيْهِ كَالنَّسَبِ وَفُرُوعُهُ والزَّوْجَانِ عَلَيْهِمَا، وَتَحِلُّ أُخْتُ أخِيهِ === رسول الله ﷺ وهو في بيتي فقال: يا رسول الله إني كانت لي امرأة فتزوّجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت الحُدْثَى (١) رضعةً أو رضعتين. فقال رسول الله: «لا تُحَرِّمُ الإملاجة ولا الإملاجتان». ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿وأمَّهَاتُكُمْ اللاَّتي أرْضَعْنَكُمْ وأخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٢) من غير تقييد بعدد، فاشتراطه فيه زيادة على النَّصّ، وهي لا تثبت بخبر الواحد. وما في «الصحيحين» من حديث ابن عباس وعائشة: أن النبيّ ﷺ قال: «يَحْرُم من الرَّضاع ما يَحْرُم من النَّسَبِ». فلفظ البخاري عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أُرِيدَ (٣) على ابنة حمزة فقال: «إنها ابنة حمزة»، فقال: «إنها ابنة لا تحلُّ لي، إنّها ابنة أخي من الرَّضاعة، وإنه يَحْرُمُ من الرَّضاع ما يَحْرُم من النَّسب». وروى الجماعة إلاّ ابن ماجه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها ـ واللفظ لمسلم ـ: «أنَّ عمَّها من الرَّضاعة ـ يُسَمى أَفْلَحَ ـ استأذن عليها فحجبته، فأَخْبَرَتْ رسول الله ﷺ فقال لها: لا تحتجبي منه، فإنَّه يَحْرُمُ من الرِّضاعة ما يَحْرُمُ من النّسب». ولفظ الباقين: «ما يَحْرُمُ من الولادة». وأمَّا ما رواه الشافعيّ، فمدفوعٌ بالكتاب كما تقدَّم، أو منسوخٌ بدليل ما رُوي عن ابن عبّاس أنه سُئِلَ عن الرّضاع، وقيل: إنّ النّاس يقولون: لا تُحَرِّمُ الرَّضعة ولا الرَّضعتان، فقال: كان ذلك، فأمّا اليوم فالرضعة الواحدة تحرِّم. وقال ابن مسعود: آل أمرُ الرّضاع إلى أن قليله وكثيره يُحَرِّمُ. (فَيَحْرُمَانِ) أي المرأة التي أرضعت، والزَّوج الذي لبن الرِّضاع منه (مَعْ قَوْمِهِمَا) وهو أصول المرأة التي أرضعت، وفروعها من ذلك الزَّوج أو غيره، وإِخوتها، وأخواتها، وإِخوة أصولها وأخواتهم، وأصول الزَّوج، وفروعه من تلك المرأة أو غيرها، وإِخوته، وأخواته، وإِخوة أصوله وأخواتهم (عَلَيْهِ) أي على الرّضيع (كَالنَّسَبِ) أي كما يَحْرُم الأم والأب مع قومهما على الولد من النَّسب. (وَ) يَحْرُم (فُرُوعُهُ) أي فروع الرّضيع (والزَّوْجَانِ) أي زوجته إن كان ذكراً، وزوجها إن كانت أنثى (عَلَيْهِمَا) أي على أبيه وأمه من الرّضاع. (وَتَحِلُّ أُخْتُ أخِيهِ) من الرّضاع بأن يكون لرجلٍ أخٌ من الرّضاع له أختٌ من

стр. 822

كَما في النَّسَبِ. والاحْتِقَانُ بِلَبَنِ المَرْأَةِ وَلَبَنِ الرَّجُلِ وَمَا خُلِطَ بِطَعَامٍ لا يُحَرِّمُ، وَبِغَيْرِهِ تُعْتَبَرُ الغَلَبَةُ، ويُحَرِّمُ الاسْتِعَاطُ وَلَبَنُ البِكْرِ والمَيِّتَةِ. وإنْ أرْضَعَتْ ضَرَّتَهَا رَضِيعَةً حَرُمَتَا، === النسب، فيحلّ لذلك الرَّجل أن يتزوّج بتلك الأخت من النّسب (كَما في النَّسَبِ) أي كما تحلّ أخت أخيه من النّسب، بأن يكون لرجلٍ أخٌ من أب له أختٌ من أمَ، فَيَحِلُّ لذلك الرَّجل أن يتزوّج بتلك الأخت من الأمّ. (والاحْتِقَانُ) مبتدأ، أي احتقان الرضيع (بِلَبَنِ المَرْأَةِ وَلَبَنِ الرَّجُلِ) نفسه إذا شربه الرضيع (وَمَا خُلِطَ بِطَعَامٍ) سواء طُبِخَ أو لَا، وسواء كان الطعام غالباً أو مغلوباً (لا يُحَرِّمُ) خبر المبتدأ وما عطف عليه، أي لا تثبت الحُرْمة، أمَّا الاحتقان فلأنه ليس بغذاء، وفيه خلاف محمد لأنه يصل إلى الجوف، ولهذا يفسد به الصوم. وأمَّا لبن الرّجل فلأنّه ليس بلبنٍ حقيقةً. وأمَّا المخلوط بالطعام، فالمذكور هنا قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان الخلط بغير الطبخ، وكان اللبن غالباً على الطعام يُحَرِّمُ، كما إذا كان غالباً على الماء والدواء، لأن المغلوب مع الغالب كالمعدوم. ولأبي حنيفة: أن المائع إذا خُلِطَ بغيره يصير تابعاً له، لأن غير المائع أشدّ استمساكاً من المائع، فيصير المقصود ـ وهو التَّغذِّي ـ (بالطَّعام لا باللبن. وقيل: لا تثبت به الحرمة عنده على كل حال، وإليه مال السَّرَخْسِي، وهو الأصحّ، لأن التَّغذي كان) (١) بالطعام دون اللبن. (وَ) ما خلط (بِغَيْرِهِ) أي بغير الطعام سواء كان ماءً، أو دواءً، أو لبنَ شاةٍ أو امرأةٍ أخرى (تُعْتَبَرُ الغَلَبَةُ) لأنّ المغلوب كالمعدوم مع الغالب. وحرَّم به مالك والشافعيّ لأنه موجودٌ فيه حقيقة، وفيه إشكالٌ على قواعدنا أيضاً من حيث إِنْ مصةً واحدةً تُحَرِّمُ، فأي فائدة في اعتبار الغالبية والمغلوبية. (ويُحَرِّمُ الاسْتِعَاطُ) لأنّ به يصل اللَّبن إلى المعدة على وجه يحصل به الغذاء، وهو مشتقٌّ من السَّعُوط: وهو الدَّوَاء يصبُّ في الأنف. (وَ) يحرم (لَبَنُ البِكْرِ) اتفاقاً (والمَيِّتَةِ) وبه قال مالك، خلافاً للشافعي. ولو ارتضع صبيان لبن بهيمة، لم يكن ذلك رضاعاً، لأن ثبوت الحرمة بطريق الكرامة، وذا مختصٌ بلبن الآدمية. (وإنْ أرْضَعَتْ) امرأة رجلٍ (ضَرَّتَهَا) حال كونها (رَضِيعَةً) بأنْ كان متزوجاً صغيرةً وكبيرةً فأرضعت الكبيرةُ الصّغيرةَ (حَرُمَتَا) على الزَّوج لأنه يصير جامعاً بين أمّ وبنتها رضاعاً، وهو حرامٌ

стр. 823

ولَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ تُوطَأْ, ولِلْرَّضِيعَةِ نِصْفُهُ, وَرَجَعَ الزَّوْجُ بِهِ عَلَى المُرْضِعَةِ. إنْ قَصَدَتْ الفَسَادَ. === كالجمع بينهما نسباً. (ولَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ تُوطَأْ) لأنَّ الفُرْقَةَ من قِبَلها قبل الدّخول، إلاّ إذا كانت الكبيرة مجنونةً أو مكرهةً أو نائمةً فارتضعتها الصغيرة، كان لها نصف المهر (ولِلْرَّضِيعَةِ نِصْفُهُ) لأنَّ الفُرْقَة قبل الدُّخول لا من قِبَلِها. (وَرَجَعَ الزَّوْجُ بِهِ) أي بنصف المهر الذي للصغيرة (عَلَى المُرْضِعَةِ) أي الكبيرة (إنْ قَصَدَتْ الفَسَادَ) بأن أرضعتها بلا حاجةٍ عالمةً بأنها منكوحةٌ لزوجها، وأنَّ إرضاعها مفسدٌ لنكاحها. ولو أخطأت أو أرادت الخير بأنْ خافت على الرضيع الهلاك من الجوع لم يرجع به عليها. والقول في ذلك قولها إن لم يظهر منها تعمُّد الفساد، لأنه لا يُعْرَفُ إلاّ من جهتها. ولو أرضعت امرأة الأب زوجة الابن حَرُمَتْ عليه، لأنها تصير أخته لأبيه. ولو أرضعت امرأةٌ صغيرتين تحت رجلٍ حَرُمَتَا عليه، ويرجع على المرأة إن تعمّدت الفساد. ويثبت الرّضاع عندنا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، وعند الشافعي يثبت بشهادة أربع نِسْوة، وشهادة المُرْضِعَة إن لم تطلب أجرة. وعند مالك: يثبت برجلٍ وامرأةٍ، وبامرأتين إن كان الرّضاع فاشياً من قولهما قبل العقد، وإلاّ لم يثبت على المشهور. وفي الواحدة فاشياً من قولها: له قولان. وفي انقراد أمّ أحد الزَّوجين، أو أبيه له قولان. ولو أقرَّ رجلٌ لامرأته، أو لأجنبيّة برضاع أمّ، بأن قال: هذه أختي، أو ابنتي، أو أمّي رضاعاً، أو بنسب: بأن قال: هذه بنتي، أو أختي، أو أمّي نسباً، ثم رجع عن قوله ولو بعد عشر سنين أو أكثر فقال: أوهمت، أو أخطأت، أو نسيت وصدَّقته المرأة صحَّ رجوعه عندنا، وله أن يتزوَّجها إلاّ إذا ثبت عليه، بأن قال: هو حقٌّ كما قلت، ثم تزوّجها فإنه يفرّق بينهما، وهذا استحسان. وفي القياس الجواب: في الفَصْلَيْنِ سواء، وبه قال مالك والشافعيّ، إذ الرجوع عن الإقرار باطلٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 824

كِتَابُ الطَّلاقِ يَقَعُ مِنْ مُكلَّفٍ فقط، === كتاب الطَّلَاقِ اسم مصدرٍ بمعنى التطليق كالسَّلام والكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) ، ومصدر من طَلُقَت المرأة بالضم كالجَمَال من جَمُلَ، وبالفتح كالفَسَادِ من فَسَدَ. وهو في اللغة: رَفْع القيد مطلقاً. وفي الشرع: رفع القيد الثابت شرعاً بالنِّكاح. قال صاحب «المحيط»: المستعمل في المرأة لفظ التطليق، وفي غيرها لفظ الإطلاق، ولهذا لو قال لامرأته: أنتِ مطلَّقة بتشديد اللام لا يحتاج إلى نيَّة، وبتخفيفها يحتاج إليها. وهو مملوك الزَّوج لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) ولقوله ﷺ «الطَّلاق لمن أخذ بالسَّاق» رواه ابن ماجه. ووصفه أنه محظورٌ نظراً إلى الأصل، ومباحٌ نظراً إلى الحاجة. ولهذا قال رسول الله ﷺ «أبغض الحلال إلى الله الطَّلاق» (٣) . (يَقَعُ) الطَّلاق (مِنْ مُكَلَّفٍ) أي من كلِّ زوجٍ عاقلٍ بالغٍ (فقط)، ولا يقع من المولى (٤) والأب على امرأة عبده، وابنه، ولا من الصَّبيّ والمجنون، والمعتوه: وهو من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير، إلاَّ أنه لا يضرب ولا يشتم كالمجنون، وقيل: العاقل من يستقيم كلامه وأفعاله إلاّ نادراً، والمجنون ضده، والمعتوه من يستوي ذلك منه. روى ابن أبي شَيْبَة، وعبد الرَّزَّاق في «مصنفيهما» عن عليّ أنه قال: كلّ طلاق جائزٌ إلاّ طلاق المعتوه. وروى ابن أبي شَيْبَة عن ابن عباس أنه قال: لا يجوز طلاق الصّبيّ. وروى عبد الرَّزَّاق عن عليّ قال: لا يجوز على الغلام طلاقٌ حتى يحتلم.

стр. 825

وَلَوْ كَانَ سَكْرَانَ === وشَمِل قول المصنف: «من مكلف» الأخرس إذا أشار بالطَّلاق، لأن إشارته قائمةٌ مقام العبارة، ويَعُمُّ المُكْرَهَ أيضاً، وهو قول ابن عمر، والشَّعْبِيّ، والنَّخَعِيّ، والزُّهْرِيّ، وقَتَادَة، وأبي قِلَابَة، وسعيد بن جُبَيْر، وابن المُسَيَّب، وشُرَيْح، لِمَا روى محمد بن الحسن بسنده، والعُقَيْلِيّ في كتابه (١) من حديث الغازي بن جَبَلة، عن صَفْوَان بن عمْرَان الطَّائِيّ: أن رجلاً كان نائماً. فقامت امرأته فأخذت سكيناً فجلست على صدره فوضعت السكين على حلقه وقالت: لَتُطَلِّقَنِّي أو لأذْبَحَنَّكَ. فناشدها الله، فأبت فطلَّقها ثلاثاً. فأتى النبيّ ﷺ فذكر له ذلك، فقال: «لا قَيْلُولَة في الطَّلاقِ» أي لا إقالة. ورواه أيضاً عن صفْوَان الأصَمّ الطَّائيّ، عن رجل من الصحابة: أن رجلاً كان نائماً … الحديث. إلاّ أن أبا حاتم، والثَّوْريّ جعل الغازي منكر الحديث في طلاق المكره. قلنا: يتأيد بحديث حُذَيْفَة وابنه حين حَلَّفَهُمَا المشركون، فقال ﷺ «نَفِي لهم بعهدهم، ونستعينُ اللَّهَ عليهم» (٢) . فبيَّن أن اليمين طوعاً وكَرْهاً سواء. فعُلِمَ أن لا تأثير للإكراه في نفي الحكم المتعلِّق بمجرد اللفظ عن اختيار بخلاف البيع، لأن حكمه يتعلق باللفظ، أو ما يقوم مقامه مع الرِّضى، وهو منتفٍ بالإكراه. ورُوِيَ أيضاً عن عمر: أربعٌ مُبْرَمَاتٌ (٣) مُقْفَلَاتٌ ليس فيهنَّ ردّ يدٍ: أي النِّكاح، والطَّلاق، والعَتَاق، والصَّدقة. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: لا يقع طلاق المُكْرَه، وهو مرويّ عن عمر، وابنه، وعليّ، وابن عباس، والزُّبَيْر، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والضَّحَّاك، وعطاء لِمَا روى ابن حِبّان، وابن ماجه، والحاكم ـ وقال: على شرط الشيخين ـ من حديث ابن عباس: أنّ النبي ﷺ قال: «رُفِعَ عن أمتي الخطأ، والنِّسيان، وما أُسْتُكْرِهُوا عليه». وأُجِيبَ بأنْ المراد به إمَّا حكم الدُّنيا، وإما حكم العُقْبَى، والإجماع على أن المراد حكم الآخرة من المؤاخذة، فلا يراد الآخر معه. (وَلَوْ كَانَ) المُكَلَّفُ (سَكْرَانَ) بخمرٍ أو نبيذٍ بخلاف بَنْجٍ وأفيونٍ ودواءٍ ولبن الرِمَاك وهي بالكسر: أنثى من الخيل، وبه قال مالك، والثَّوْرِيّ، والأوزَاعِيّ، والشافعيّ، وكذا رُوي عن سعيد بن المُسَيَّب، وعطاء، والحسن، والنَّخَعِيّ، وابن سيرين، ومُجَاهِد، والشَّعْبِيّ، والزُّهرِيّ، وعمر بن عبد العزيز، وسُلَيْمَان بن يَسَار. وروى عنهم ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه». وقد أجاز عمر طلاق السَّكْران بشهادة نِسْوة. وأخرج ابن

стр. 826

أوْ عَبْدًا، لا مِنْ سَيِّدِهِ وَنَائِم ٍ === أبي شَيْبَة عن عُثْمَان: أنه كان لا يُجِيزُ طلاق السَّكْرانِ. ورُوِيَ عن ابن عباس، وبه قال القاسم بن محمد، وطاوُس، وربيعة بن عبد الرحمن، واللّيث، وأبو ثَوْر، وإسحاق بن رَاهُويَه، وزُفَر، وهو مختار الكَرْخِيّ، والطَّحَاوِيّ، ومحمد بن سَلَمة، وهو أحد قوليْ الشافعيّ، ومختار المُزَنِيّ، وتوقَّف أحمد بن حنبل، فللمانعين لهم: أنّ السَّكْران ليس له قصدٌ صحيحٌ، فلا يقع طلاقه كالصبيِّ والمجنون. ولنا: ما روى الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «كلُّ طلاق جائز إلاّ طلاق المعتوه المغلوب على عقله» (١) . وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن عَجْلان، وهو ضعيف ذاهب الحديث. ولا يخفى أنّ كونه ضعيفاً عنده لا يستلزم ضعفه عند غيره، بل يَعْتَضِدُ به. ولأنّ السَّكران مكلف لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) ولهذا يجب عليه القِصَاص، وحدّ القذف. وطلاق المُكَلَّف واقعٌ، والرِّدَّة مبنيةٌ على الاعتقاد، فلم تصح من السَّكران لعدم الاعتقاد منه. ولو أُكْرِه على شرب الخمر فقيل: لا يقع طلاقه، لأنه ليس بمعصية، فصار كالإغماء. وقيل: يقع لأنّ السُّكر حصل بفعل محظور في الأصل، وهو الأصحّ. وقال بعض المحققين: الأوَّل حسنٌ، وهو مختار فخر الإسلام وكثير من مشايخنا، وهو قول مالك والشافعيّ. (أوْ) كان (عَبْداً، لَا مِنْ سَيِّدِهِ) أي لا يقع الطَّلاق على العبد من سيده لِمَا روى ابن ماجه في «سننه» من طريق ابنِ لَهِيعَة، والدَّارَقُطْنِيِّ من غيره. عن ابن عباس قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله سيدي زوَّجني بأمته، وهو يريد أنْ يُفَرِّقَ بيني وبينها، فصعد النبيّ ﷺ المِنْبَرَ فقال: «يا أيها النَّاس، ما بال أحدكم يزوِّج عبده من أمته، ثم يريد أن يفرِّق بينهما، إنَّما الطَّلاقُ لمن أخذ بالسَّاق». (وَ) الطَّلاق من (نَائِمٍ) لأنه لا اختيار له أصلاً فصار كالمجنون. وفي «الخُلَاصَة»: عن الإمام خَواهرْ زَادَه: النائم إذا طلَّق امرأته في المنام فلمّا استيقظ قال لامرأته: طلَّقتك في النوم لا يقع. أي لأنه إخبار لم يقصد به الإنشاء. وكذا

стр. 827

وأحْسَنُهُ طَلْقَةٌ فَقَطْ في طُهْرٍ لا وَطْء فيِهِ، وحَسَنُهُ وَهُوَ السُنِّيّ طَلْقَة لَغَيْرِ المَدْخُول بِهَا وَلَوْ في حَيضٍ === لو قال: أجزت ذلك الطَّلاق أي لعدم ثبوته في حقيقة الحال، وإنما هو في عالم الخيال، بخلاف طلاق الفُضُوليّ (١) . ولو قال: أوقعت ذلك الطَّلاق يقع، أي بإيقاعه يقظةً لا بطلاقه مناماً. ولو قال: أوقعت ما تَلَفَّظْتُ به حالة النوم لا يقع، أي لعدم تلفُّظه حقيقةً. (وأحْسَنُهُ) أي أحسن أنواع الطّلاق (طَلْقَةٌ فَقَطْ) أي واحدةٌ (في طُهْرٍ لَا وَطْءَ فيِهِ) أو في حملٍ استبان. قال محمد (في «الأصل»): (٢) بلغنا عن إبرهيم النَّخَعِيّ، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يستحبون أن لا يزيدوا في الطَّلاق على واحدةٍ حتّى تنقضي العدَّة، وإنّ هذا أفضل عندهم من أن يطلِّق الرَّجل ثلاثاً، عند كل طهرٍ واحدةٌ، ولأنه أبعد من النَّدامة حيث أبقى لنفسه مُكْنَةَ (٣) التَّدارك بالمراجعة في العدّة، وبتجديد النّكاح من غير تحلل بزوج آخر. فإن قيل: كيف يكون الطَّلاق حسناً فضلاً عن أن يكون أحسن، وقد روى أبو داود، عن ابن عمر: أن النّبيّ ﷺ قال: «أبغض الحلال إلى الله الطَّلاق»؟ أُجيب: بأن الحُسْنَ في بعض أنواع الطَّلاق إنَّما هو بالنسبة إلى البعض الآخر، وذلك لا ينافي كون الطَّلاق نفسه مبغضاً. فإن قيل: هذا الحديث مُشْكِلٌ لأنّ كون الطّلاق مبغضاً إلى الله منافٍ لكونه حلالاً، إذ كونه مبعضاً يقتضي رجحان تركه على فعله، بل يوجب وجوب تركه، وكونه حلالاً يقتضي مساواة تركه لفعله. أُجِيبَ: بأنّ المراد بالحلال هنا ليس ما استوى فعله وتركه، بل ما ليس تركه بلازمٍ، الشامل للمباح والواجب والمندوب والمكروه. والأظهر أن يُقَال: الطَّلاق حلالٌ في ذاته، وإنّما يبغضه لِمَا يترتب عليه من انجراره إلى المعصية للزَّوجين، أو يقال: أبغض الحلال عند الحاجة الطَّلاق من غيرضرورة. (وحَسَنُهُ وَهُوَ) المعروف بأنه (السُّنِّيّ) فالأحسن أولى بأن يكون سُنِّيًّا (طَلْقَةٌ) حال كون الطلاق (لَغَيْرِ المَدْخُولِ بِهَا (٤) وَلَوْ في حَيْضٍ) وقال زُفَر: يكره طلاقها في

стр. 828

وَلِلْمَوْطوءَةِ تَفْرِيقُ الثَّلاثِ في أطْهَارٍ لا وَطْءَ فِيهَا فِيمَنْ تَحِيضُ، وأشْهُر في الصَّغِيرَةِ وَالآيِسَة وَالحَامِلِ وَلَوْ بَعْدَ الوَطْءِ. وبِدْعِيّة وَاحِدَةٌ في طُهْرٍ وُطِئَتْ فِيهِ، أوْ حيضِ مَوْطُوءةٍ === الحيض كالمدخول بها. وعلماؤنا والشافعيّ لم يحصروا الطَّلاق السُّنِّيّ في الطَّلقة الواحدة، وحصره مالك فيها. ولذا قال: (وَ) حَسَنُهُ حال كونه (لِلْمَوْطُوءَةِ تَفْرِيقُ الثَّلاثِ) طلقاتٍ (في أطْهَارٍ لَا وَطْءَ فِيهَا فِيمَنْ تَحِيضُ)، قيل: يؤخِّر الطَّلقة الأولى إلى آخر الطهر كيلا تتضرر المرأة بتطويل العدّة. وقيل: يطلِّقها عَقِيبَ الطهر كيلا يبتلى بالإيقاع عَقِيبَ الوِّقاع. (وأشْهُرٍ) عطف على أطهار، أي وتفريق الثلاث في أشهر (في الصَّغِيرَةِ)، (وَ) كذا في (الآيِسَة) (١) لإقامة الشَّهر مقام الحيض في حكم عدّتهما، (وَ) في (الحَامِلِ) لأنها لا تحيض فكانت كالصّغيرة والآيِسَة في حقّ إيقاع الطّلاق ابتداءً، وفي حق تفريقه. (وَلَوْ بَعْدَ الوَطْءِ) فيهنّ (٢) ، لأنّ كراهة طلاق ذوات الحيض في الطُّهر بعد الوطء لتوهم الحبل واشتباه العدّة، وهذا غير موجود هنا. وقال محمّد وزُفَر: لا تطلَّق الحامل للسُّنَّة إلاّ واحدةً، لأن الشهر في حقّها ليس من فصول العدّة، فصار كالممتد طهرها. (وبِدْعِيُّه) أي بِدْعِيُّ الطَّلاق (وَاحِدَةٌ في طُهْرٍ وُطِئَتْ فِيهِ أوْ) في (حيْضِ مَوْطُوءةٍ) أي مدخولٍ بها. لأنّ المبيح للطّلاق هو الحاجة إلى التَّخلص عن النِّكاح، فإن وُجِدَ دليل الحاجة لا يكره ويكون سُنِّيًّا، وإن لم يوجد دليلها كره ويكون بِدْعِيًّا. ورغبة الرّجل في المرأة تقلُّ بعد وطئها وفي حيضها، فإذا طلَّقها بعد الوطء، أو في الحيض، لم يوجد دليل الحاجة إلى طلاقها، لاحتمال أن يكون ذلك لنفرته عنها لا للحاجة للتخلص عن نكاحها. قيَّد بالموطوءة لأن غيرها يطلّق للسُّنَّة في حالة الحيض كما تقدم. وحاصله: أنَّا مع مالك نجعل الطَّلاق الثّلاث بلفظٍ واحدٍ أو بألفاظٍ في طُهرٍ واحدٍ، وكذا الثنتين في طهرٍ واحدٍ أو بكلمةٍ بِدْعِيًّا، كطلاق الموطوءة حائضاً، فإنه بِدْعِيٌّ اتفاقاً لِمَا روينا. وقال الشافعيّ: ليس في الجمع بكلمةٍ ولا في التَّفريق سنّةٌ، لأنّ

стр. 829

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الطَّلاق تصرفٌ مشروعٌ بدلالة وقوعه، وقيام دليل المشروعية ـ وهو أمر الله به ـ ومتى كان مشروعاً لا يكون ممنوعاً للتنافي بينهما. وهذا لأنّ أدنى درجات المشروع أن يكون مباحاً في نفسه، وبين كونه مباحاً ومحظوراً منافاةٌ، بخلاف الطَّلاق في حالة الحيض لأنه مباحٌ له في الأصل لكونه مأموراً به مطلقاً، والحرمة لعارض تطويل العدّة عليها، وبخلاف ما لو طلَّقها في طهر جامعها فيه لأنه يؤدي إلى تلبيس أمر العدّة عليها، لأنها لا تدري أنها حاملٌ فتعتدّ بوضع الحمل، أو حائل (١) فتعتدّ بالأقراء، وذلك منعدمٌ إذا طلَّقها في طهرٍ لم يجامعها فيه، سواء أوقع الثلاثَ أو واحدةً. وهذا معنى قولهم: هذا طلاق صادف زمان الاجتناب مع زوال الارتياب. وحجتنا في ذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرتَانِ﴾ (٢) معناه دفعتان، لقولهم: أعطيته مرتين، وضربته مرتين. والألف واللام للجنس، فيقتضي أن يكون كل الطَّلاق المباح في دفعتين، ودفعة ثالثة في قوله تعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ (٣) ، أو في قوله تعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسَانٍ﴾ على حسب ما اختلف فيه أهل التفسير. وحديث محمود بن لَبِيد قال: أُخْبِرَ رسول الله ﷺ عن رجلٍ طلّق امرأته ثلاثاً جميعاً، فقام غضبان فقال: «أَيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟» حتى قام رجلٌ فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟. رواه النَّسَائي والسَّرَخْسِي. واللّعب بكتاب الله: ترك العمل به. فدلّ أن مُوقِعَ الثلاث جملةً مُخَالِفٌ للعمل بما في كتاب الله، وأنّ المراد في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤) تفريق الطَّلاق على عدد أقراء العِدّة، ألَا ترى أنّه خاطب الزَّوج بالأمر بإحصاء العدّة، وفائدة التَّفريق، فإنه تعالى قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْراً﴾ (٥) أي يبدو له (٦) فيراجعها، وذلك عند التّفريق لا عند الجمع. وحديث عُبَادة بن الصَّامِت أن أباه طلّق امرأة له ألف تطليقة، فانطلق عُبَادة فسأل

стр. 830

وَمَا فَوْقَهَا بِلا رَجْعَةٍ بَينَهُ في طُهْرٍ، ويَرْجِعُ إنْ طَلَّقَ في الحَيضِ، فَإِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَ إنْ شَاءَ. === رسول الله ﷺ فقال: «بانت بثلاثٍ في معصية الله، وبقي تسع مئة وسبعة وتسعون عدواناً وظلماً إن شاء الله عذَّبه وإن شاء غفر له». أسنده عبد الرَّزَّاق. وفي «المَبْسُوطِ»: وقد رُوِيَ عن عمر وعليّ وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وعِمْرَان بن حُصَيْن: كراهية إيقاع الثلاث بألفاظٍ مختلفة. وقال الكَرْخِيّ: لا أعرف بين أهل العلم خلافاً أنّ إيقاع الثلاث بألفاظٍ جملةً مكروهٌ، إلاّ قول ابن سيرين، وقوله ليس بحجة. هذا، والطّلاق البائن أيضاً مكروه عندنا في ظاهر الرِّواية، لأنه لا يحتاج إلى صفة البينونة في الخلاص، مع تفويت مُكْنَةِ المراجعة من غير تزوُّج ثانٍ ـ تحصل له أم لا ـ فيوجب النَّدامة (١) . ولا يُكْرَهُ الخُلْع في زمان الحيض، لأنه قد يحتاج فيه إلى المُفَادَاة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢) . (وَمَا فَوْقَهَا) معطوفٌ على قوله: واحدةٌ، أي فوق الواحدة، سواء كانت ثنتين أو ثلاثاً، جملةً أو مفرقاً (بِلَا رَجْعَةٍ) وبلا تجديد تزوّج، (بَيْنَهُ) أي بين ما فوق الواحدة من الثنتين والثلاث (في طُهْرٍ) ظرف لرجعة، لأنه ﷺ أمر ابن عمر بالتفريق، والإيقاع جملة يضاده، فيكون مُفَوِّتاً للمأمور به، فيكون بدعة. قيّد بعدم الرَّجعة لأنها لو تخللت بين التطليقتين في طهر لا يكون الطلاق بِدْعيًّا عند أبي حنيفة، ويكون بِدْعِيًّا عندهما. وقيّدنا بعدم تجديد التزوّج، لأن التزوّج لو تخلّل بين التطليقتين لا يكون بِدْعيًّا باتفاق. (ويَرْجِعُ) استحباباً كما قال القُدُورِيّ، ووجوباً في الأصحّ، عملاً بحقيقة الأمر، ودفعاً للمعصية بالقدر الممكن، ودفعاً للضَّرر عن المرأة بتطويل العِدَّة (إنْ طَلَّقَ في الحَيْضِ فَإِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَ إنْ شَاءَ) هكذا ذكره الطَّحَاوِيّ: أنّه يطلّقها في الطهر الذي يلي الحَيْضَة التي طلقها فيها. وذكر محمد في «الأصل»: أنها إذا طَهُرَت من حيضةً أخرى يطلَّقها قبل الجماع إن شاء. قال الكَرْخيّ: ما ذكره الطَّحاوي قول أبي حنيفة، وما في «الأصل» قولهما. وجه ما ذكره الطَّحَاويّ ما رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه، وأحمد، والطَّحاويّ عن سالم، عن ابن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائضٌ، فذكر ذلك عمر للنبيّ ﷺ فقال: «مُرْه فلْيُرَاجِعْهَا، ثم ليُطَلِّقْهَا إذا طَهُرَت، أو وهي حاملٌ».

стр. 831

وطَلاقُ الحُرَّةِ ثَلاثَةٌ والأمةِ ثِنْتَانِ، وَلَوْ زَوْجُهُمَا خِلافَهُمَا، === قال الطحاوي: أكثر الروايات عن ابن عمر أنه ﷺ أمره أن يراجعها حتى تطهر. ووجه ما في «الأصل» ما في الكتب الستة، عن ابن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﷺ فقال: «مُرْهُ فليُرَاجِعْها ثم ليُمْسِكْهَا حتى تَطْهُر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أنْ يطلقها فليطلِّقها طاهراً قبل أن يَمَسَّها، فتلك العدّة التي أمر الله». أي في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) . وفي لفظ في «الصحيحين» قال: طَلَّقتُ امرأتي وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ فقال: «مُره فَلْيُرَاجِعْها حتى تحيض حيضة مُسْتَقْبَلَةً سوى حيضتها التي طلّقها فيها، فإن بدا له أن يطلَّقَها طاهراً من حيضها قبل أن يَمَسَّها، فذلك الطَّلاق للعدّة كما أمر الله». (وطَلَاقُ الحُرَّةِ ثَلَاثَةٌ والأمةِ ثِنْتَانِ، وَلَوْ) كان (زَوْجُهُمَا خِلَافَهُمَا) بأن كان زوج الحرّة عبدًا، وزوج الأمة حراً، فعندنا يُعْتَبَرُ عدد الطَّلاق بالنِّساء، وهو قول الثَّوْرِيّ وأحمد وإسحاق، وهو مروي عن عليّ ابن مسعود (٢) . وعند مالك والشافعيّ بالرِّجال لِمَا روى مالك في «الموطأ»، والشافعيّ في «مسنده» عنه عن أبي الزِّناد، عن سليمان بن يَسَار، أنَّ نُفَيعاً مُكَاتباً كان لأمِّ سَلَمَة زوج النبيّ ﷺ أو عبداً ـ أي غير مُكَاتَب ـ كانت تحته امرأةٌ حرّةٌ فطلَّقها ثنتين، ثم أراد أن يُرَاجِعَها، فأمره أزواج النبيّ ﷺ أن يأتي عثمان بن عفَّان فيسأله عن ذلك، فلقيه عند الدَّرَج (٣) آخذاً بيد زيد بن ثابت، فسألهما فابتدراه جميعاً فقالا: حَرُمَتْ عليك، حَرُمَتْ عليك. وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن عثمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس أنهم قالوا: الطَّلاق بالرِّجال، والعِدَّة بالنِّساء. وقد يُؤَوَّل على تقدير ثبوته مرفوعاً أن إيقاعه بالرِّجال دون عدده. وأمَّا ما ذكره صاحب «الهداية» من قوله ﷺ «الطلاق بالرِّجال، والعدَّة بالنِّساء». فرفعه غير معروف. ولنا إطلاق ما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ «طلاق الأمة تطليقتان وعدّتها حيضتان». وفي رواية: «قرآن» (٤) . ورواه

стр. 832

صَرِيحُهُ مَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ مِثْلُ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَمُطَلَّقَةٌ، وطَلَّقْتُكِ === ابن ماجه من حديث ابن عمر، والحاكم من حديث ابن عبّاس عن النبيّ ﷺ وكذا الدَّارَقُطْنِيّ، وقال الترمذي: حديث غريب والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم. ووجه غرابته قوله: لا نعرفه مرفوعاً إلاّ من حديث مُظَاهِر بن أَسْلَم، ولا نعرف له في العلم غير هذا الحديث. قلنا: أخرج له ابن عديّ في «الكامل» حديثاً آخر رواه عن المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ عشر آيات في كل ليلة من آخر آل عمران. فإن قيل: قد ضعَّفه ابن مَعين، وأبو حاتم، والبُخَارِيّ. قلنا: قد وثَّقه ابن حِبَّان، وأخرج الحاكم حديثه هذا عن القاسم، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ «طلاق الأمة ثنتان، وقرؤها حيضتان». ثم قال: مُظَاهِر بن أَسْلَم شيخٌ من أهل البَصْرَة لم يذكره أحدٌ من متقدمي مشايخنا بجرحٍ. فإذاً الحديث صحيح، ولم يخرجاه. ومما يصححه أيضاً عمل العلماء على وَفْقِه من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم. وفي «سنن الدَّارَقُطْنِيّ»: قال القاسم: عَمِل بها المسلمون، وهذا إجماعٌ. وقال مالك: شهرة الحديث بالمدينة تُغْنِي صحة سنده، كذا ذكره الزَّيْلَعِيّ في «شرح الكَنْز». فإن قيل: المراد بالحديث الأمة التي تحت العبد. أُجِيبَ عدّة الأمة لا تختلف بالحرّ والعبد؛ فالتقييد في حقّ الطَّلاق يوجب التقييد في حقّ العدّة، ولم يقل به أحدٌ فكان باطلاً. وأمّا ما روى الشافعيّ عن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن محمد بن عبد الرَّحمن ـ مولى أبي طلحة ـ عن سليمان بن يَسَار، عن عبد الله بن عُيَيْنَة، عن عمر قال: ينكح العبد امرأتين ويطلِّق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين. فليس من أدلتنا كما توهّمه الشارح على ما لا يخفى. نعم، في قوله: وتعتدّ الأمة حيضتين استدلالٌ لنا. وبيانه ما أفحم به عيسى بن أبَان بن صَدَقة الشافعيّ فقال: أيها الفقيه إذا ملك الحرّ على الأمة ثلاث تطليقات كيف يطلِّقها للسُّنَّة؟ فقال: يوقع عليها واحدةً، فإذا حاضت وطَهُرَت أوقع أخرى، فلمَّا أراد أن يقول: فإذا حاضت وطَهُرَت، قال: أمسِك حَسْبُك، فإنّ عدّتها قد انقضت بالحيضتين، فلمَّا تحيّر رجع فقال: ليس في الجمع بِدْعَة ولا في التَّفريق سُنَّة. (وصَرِيحُهُ) أي صريح الطَّلاق (مَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ مِثْلُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ) بتشديد اللاّم المفتوحة (وطَلَّقْتُكِ) ولا يحتاج إلى نيّة الطَّلاق عن النِّكاح

стр. 833

وتَقَعُ بِهِ رَجْعِيَّةً أبَدًا. وَإنْ ذَكَرَ المَصْدَرَ فَثَلاثٌ إنْ نَوَاهَا، وإلّا فَرَجْعِيَّة. === بإجماع الفقهاء إلاّ داود. فلو نوى بشيءٍ من ذلك الطَّلاق عن القيد لا يُصَدّقُ قضاءً، لأنه خلاف الظّاهر، ويُصَدّقُ ديانةً لاحتمال كلامه ذلك. (وتَقَعُ بِهِ) أي بالصّريح واحدة (رَجْعِيَّةً أبَدَاً) سواء لم ينوِ شيئاً أو نوى واحدةً بائنةً، أو أكثر. أمّا وقوع الرَّجْعَةِ بالصَّريح فلقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرْتَانِ فإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسَانٍ﴾ (١) فأثبت الرَّجْعَةَ بعد الطَّلاق الصَّريح. وأمّا عدم احتماله نيّة الثِّنْتَيْنِ والثَّلاث، فلأنه ﷺ أمر ابن عمر أنْ يراجع امرأته، ولم يستفسره أنه نوى الثَّلاث أم لا، ولو كان الصّريح يحتمل النِّيَّة لاستفسره. وقال مالك والشافعيّ وزُفَر: يحتمل الصَّريح النِّيَّة لأنه أقوى من الكِتَابَة، وهي تحتملها فكذا هو، ـ وهو قول أبي حنيفة الأوَّل ـ، لأنه إذا صَحَّ نيّة الثَّلاث في قوله: أنتِ بائنٌ، فلأن يصح في قوله: أنتِ طَالِقٌ أوْلَى. ولنا أنّه نوى ما لا يحتمله لفظه، فلا يُعْمَل بنيّته فتُلْغَى، لأنه قصد باللفظ تجيز ما علَّقه الشَّرْع (بانقضاء العدة) (٢) عند وجوده بقوله تعالى: ﴿إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣) ، والإجماع على ذلك، فيردّ عليه قصده لاستعجاله ما أخّره الشَّرْع. (وَإنْ ذَكَرَ المَصْدَرَ) بأن قال: أنتِ الطَّلاق، أو أنتِ طالقٌ الطَّلاق، أو أنتِ طالقٌ طلاقاً أَوْ أَنت طلاقٌ، خلافاً للطَّحاوي في هذه المسألة من حيثُ العددُ (فَثَلَاثٌ) للحرَّة (إنْ نَوَاهَا وإلاّ) أي وإن لم ينوِ الثَّلاث سواء لم ينوِ شيئاً أو نوى ثنتين (فَرَجْعِيَّة) أمّا وقوع الطَّلاق بالمصدر فلأنه يذكر بمعنى طالقٌ أو ذو طلاق، كعدل بمعنى عادل، أو ذو عدل، أو مبالغة كرجل عدل. وأما صحة نية الثّلاث للحرّة دون الثنتين فلأنّ المصدر جنسٌ يقع على الواحد ويحتمل الكل، فإذا لم ينو شيئاً حُمِلَ على المتيقن منه، وهو الواحد الحقيقي، وإنْ نوى الثَّلاث صحَّت النِّية لأنها كل الطَّلاق، وهو واحد اعتباري، وإن نوى الثنتين لا يصح، لأنه عدد ليس بواحدٍ حقيقي ولا اعتباري إلاّ إذا كانت الزَّوجة أَمَةً، لأن الثنتين كل الطَّلاق في حقها كالثَّلاث في الحرّة. ولا يبعد أن يعتبر الثَّلاث، ويكون الثالث في

стр. 834

وَصَحَّ إضَافَةُ الطَّلاقِ إلَى كُلِّهَا وإلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكُلِّ، كَرَأْسُكِ أوْ رَقَبَتُكِ، أوْ رُوحُكِ، أوْ وَجْهُكِ، أوْ فَرْجُكِ، وَإلَى جُزْءٍ شَائِعٍ كَنِصْفُكِ، لا إلَى اليَدِ === حقها لغواً كما إذا قال لحرّة: أنتِ طالقٌ أربعاً. (وَصَحَّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى كُلِّهَا) أي جملتها، كأنتِ طالقٌ (وإِلَى مَا) أي بعض منها (يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكُلِّ كَرَأْسُكِ) هو بالرفع على الحكاية، أي كقوله: رأسك طالقٌ (أوْ رَقَبَتُكِ) وكذا عُنُقُكِ (أوْ رُوحُكِ) وكذا نفسك (أوْ وَجْهُكِ أوْ فَرْجُكِ) وكذا بدنك وجسدك، لأنّ الطَّلاق يقع بإضافته إلى كلها، فكذلك يقع بإضافته إِلى شيءٍ يُعَبَّرُ به عنه. أمَّا الرأس فإنه يقال: أعتق فلان كذا رأساً أي ذاتاً. وما دام رأسك سالماً أي ذاتك. وأمّا الرَّقبة والعُنُق فلقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١) أي فتحريرُ مملوكٍ، وقوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (٢) وأريد به الذَّوات، ولو أريد بها حقيقة العنق لقيل: خاضعة. وأمَّا الرُّوح فلأنه يقال: هلكت روحه، ويراد به نفسه. وأمّا البدن والجسد والنفس فظاهر. وأمَّا الوجه فلقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاّ وَجْهَهُ﴾ (٣) ، وقوله سبحانه: ﴿ويَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٤) أي ذاته الكريمة. وأمّا الفرج، فلما يُرْوَى: لعن الله الفروج على السُّروج، أي ذوات الفروج من النساء، كذا ذكره صاحب «الهداية»، وهو غير معروف بهذا اللفظ. وقد روى أحمد عن ابن عباس: «نهى رسول الله ﷺ ذوات الفروج أنْ يركبن على السُّروج» (٥) . (وَ) صحّ إضافة الطَّلاق (إلَى جُزْءٍ) من المرأة (شَائِعٍ كَنِصْفُكِ) أو ربعك، أو ثلثك، أو جزء من ألف جزءٍ منك، لأن المرأة لا تحتمل التجزاء في حكم الطَّلاق، وذِكْر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله (لَا إلَى اليَدِ) أي لا يصحّ إضافة الطَّلاق إلى جزء غير شائعٍ لا يُعَبَّرُ به عن الكلّ كاليد. فإن قيل: اليد يُعَبَّرُ بها عن الكلّ قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ﴾ (٦) أي نفسه ﴿وذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٧) أي أنفسكم. أُجِيبَ

стр. 835

وَالرَّجْلِ وَالظَّهْرِ، وَالبَطْنِ. وبَعْضُ الطَّلْقَةِ طَلَقَةٌ، وَاثْنَانِ في اثْنَيْنِ اثْنَانِ. وتَصحُّ نِيَّةُ "مَع" وابْتِدَاءُ الغَايَةِ يَدْخُلُ لا انْتِهَاؤُهَا. ومَا بَيْنَ كـ: مِنْ، === بأنَّه غير متعارف حتى لو كان متعارفاً عند قومٍ هو أو أي عضوٍ كان، يقع الطَّلاق. (وَ) لا إلى (الرِّجْلِ) وكذا الدُبُر. (وَ) لا إلى (الظَّهْرِ، وَ) لا إلى (البَطْنِ) في الأظهر فيهما وقال بعض المشايخ: يصحّ إضافة الطّلاق إليهما. وقال زُفَرُ ـ وهو قول مالك والشافعيّ ـ: يصحّ إضافته إلى ذلك كله. وعلى هذا الخلاف العَتَاق والظِّهَار والإيلاء والعفو عن القصاص. لهم: أنّ الجزء المعين مُستمتَع به بعد النِّكاح، فتصحّ إضافة الطَّلاق إليه، كالجزء الشائع، والجزء الذي يُعَبرُ به عن جميع البدن. ولنا: أنّه إضافة الطَّلاق إلى غير محله فلا يقع، كما لو (أضاف إلى البزاق أو الظُّفْر. ولهذا لو أضاف النِّكاح إلى اليد لا ينعقد، ولو أضافه إلى جزء) (١) يُعَبَّرُ به عن الكلّ، ينعقد. (وبَعْضُ الطَّلْقَةِ طَلَقَةٌ) لأنّ ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كلّه، صيانةً لكلام العاقل عن الإلغاء (وَاثْنَانِ في اثْنَيْنِ اثْنَانِ) سواء نوى الظرف أو الضَّرب. وقال زُفَر والحسن بن زياد: إن نوى الضَّرب يقع ثلاثاً لعرف الحساب، وهو قول مالك والشافعيّ. (وتَصحُّ نِيَّةُ «مَع») ونِيّة الواو، ويقع الثَّلاث دخل بها أو لم يدخل، لأن كلمة «في» تأتي بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ (٢) ، قال بعض أهل التأويل: أي مع عبادي، وقوله سبحانه: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الجَنَّةِ﴾ (٣) ولأنّ الظّرف يقارن المظروف ويتصل به، كما أن المعطوف يقارن المعطوف عليه ويتصل به، وفيه تشديد عليه فتصحّ نيّته. (وابْتِدَاءُ الغَايَةِ يَدْخُلُ) في الطَّلاق والإقرار عند أبي حنيفة (لا انْتِهَاؤُهَا)، وقال أبو يوسف ومحمد: يدخل ابتداؤها وانتهاؤها. وقال زُفَر: لا يدخل ابتداؤها ولا انتهاؤها. (ومَا بَيْنَ) إذَا ذُكِرَ بعدها غاية (كَـ: مِنْ) في ابتداء الغاية. قيّدنا بما تقدّم، لأنه لو قال: أنتِ طالقٌ ما بين واحدة وثلاث يقع واحدة، يُرْوَى ذلك عن أبي يوسف. لزُفَر أنه لو قال: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، لا يدخل الحائطان

стр. 836

وأنْتِ طَالِقٌ في مَكّةَ تَنْجِيزٌ، وفي دُخُولِكِ مَكَّةَ تَعْلِيقٌ. === فكذا ههنا. ولهما: أنّ مثل هذا الكلام يراد به الكل، نحو: خذ من مالي من درهم إلى مئةٍ. ولأبي حنيفة: أنه يُرَاد به الأكثر من الأقل، والأقل من الأكثر. يعني أنه متجاوز عن الأقل، ولم يصل إلى الأكثر نحو: سنِّي من ستين إلى سبعين، أو ما بين ستين إلى سبعين. ورُوِيَ أنّ أبا حنيفة رَضِيَ الله تعالى عنه قال لزُفَر: كم سنّك؟ فقال: سنِّي ما بين ستين إلى سبعين. قال: فأنت إذاً ابن تسعٍ فتحَيَّر (١) . فلو قال: أنتِ طالقٌ من واحدة إلى ثنتين، أو ما بين واحدة إلى ثنتين، يقع واحدةٌ عند أبي حنيفة، وثنتان عندهما، ولا يقع شيءٌ عند زُفَر. ولو قال: من واحدةٍ، أو ما بين واحدةٍ إلى ثلاث، يقع ثنتان عند أبي حنيفة ـ وإن نوى واحدة صُدِّق ديانة لا قضاء ـ وثلاثٌ عندهما، وواحدةٌ عند زُفَر. (وأنْتِ طَالِقٌ في مَكَّةَ) أو بمكة، أو في الدَّار، وإن لم يكن في مكة ولا الدَّار، وكذا في الشَّمس والظلّ، وفي ثوب كذا، وكذا إِذا قال: أنتِ طالقٌ مريضة (تَنْجِيزٌ) أي تطليقٌ في الحال، لأنّ الطّلاق لا اختصاص له بمكانٍ أو ظرفٍ أو وصفٍ دون آخر، لأن المطلّقة في مكانٍ أو ظرفٍ أو وصفٍ مطلّقة في غيره. ولو قال: أردت في دخولك مكة مثلاً، صدق ديانةً لا قضاءً. ومعنى قولهم صُدِّق ديانةً: أنه لو استَفتى المفتي يُفْتَى على وَفْق ما نوى. ومعنى قولهم: لا يصدق قضاء: أنه لو رُفِعَ إلى القاضي يَحْكُمُ عليه بظاهر كلامه ولا يعلتفت إلى ما نوى لمكان التّهمة. (وفي دُخُولِكِ مَكَّةَ) كما إذا دخلت مكة، وفي لُبْسِك ثوباً كذا، أو في مرضك أو في صلاتك (تَعْلِيقٌ) فلا تطلق حتى يوجد ذلك الفعل. لأنّ كلمة «في» تدخل على الظَّرف، والفعل هنا ـ وهو الطَّلاق ـ غير صالح للظرفية، فيحمل على المصاحبة كما في قوله تعالى: ﴿فادْخُلِي في عِبَادِي﴾ (٢) ، أو على معنى الشّرط مجازاً لمناسبة بينهما، وهي أنّ الظَّرف سابقٌ على المظروف، كما أنّ الشرط سابقٌ على المشروط. ولو قال: أنتِ طالقٌ إلى الشّتاء، أو إلى رأس الشهر، يقع في الحال عند أبي يوسف، وفي انتهاء الشّتاء أو الشهر عندهما. وإنْ نوى التنجيز يقع في الحال اتفاقاً.

стр. 837

وَيَقَعُ عِنْدَ الفَجْرِ في: أنْتِ طَالِقٌ غَدًا، أوْ في غَدٍ. ولا تَصِحُّ نِيَّةُ العَصرِ في الثَّانِي فَقَطْ، ويَقَعُ الآنَ في: أَنْتِ طَالِقٌ أمْسِ. وإنْ نَكَحَ بَعْدَهُ فَلَغْوٌ، === (وَيَقَعُ) الطّلاق (عِنْدَ الفَجْرِ في: أنْتِ طَالِقٌ غَداً أوْ في غَدٍ) لأنه وصفها بالطّلاق بالغد، فيقع في أول جزءٍ منه، وهو طلوع الفجر من اليوم الثَّاني، وهو قول الشافعيّ. وقال مالك: يقع في الحال اعتباراً له بإضافته إلى المكان. قلنا: اعتباره بالشرط أولى لكونه معدوماً في الحال، ويوجد في المآل. (ولا تَصِحُّ) عند أبي حنيفة (نِيَّةُ العَصْرِ) مثلاً (في الثَّانِي فَقَطْ) وعندهما: لا تصحّ في الثّاني كما لا تصح في الأوَّل، وهذا في القضاء. وأمّا في الديانة فتصحّ نيّة العصر في المسألتين عند الجميع. ولأبي حنيفة أنّ غداً يقتضي الاستيعاب نحو: لأصُومَنّ عمري ودهري، وسرت فَرْسَخاً (١) وانتظرت يوماً، فإذا نوى البعض كان مجازاً، فلا يُصَدَّق قضاءً إذا كان فيه تخفيف له، وفي غدٍ لا يقتضي الاستيعاب نحو: لأصومنّ في عمري وفي دهري، وسرت في فَرْسَخ، وانتظرت في يومٍ. وإنما وقع الطَّلاق في الجزء الأوّل لضرورة عدم المُزَاحِم، فإذا عُيِّنَ آخر النّهار كان التعيين القصديّ أولى من الضروريّ. وفي «الأصل»: ولو قال: أنتِ طالقٌ في رمضان، تطلق حين تغيب الشمس من آخر يوم من شعبان، لأنه حينئذٍ يوجد الجزء الأوَّل من رمضان. ولو نوى آخر رمضان، فهو على الخلاف المتقدِّم. (ويَقَعُ) الطّلاق (الآنَ) أي في الحال (في: أَنْتِ طَالِقٌ أمْسِ) إن نكح فيه أو قبله، لأنه أضاف الطَّلاق في الحال مستنداً إلى أمس، وهو يملك الطّلاق في الحال، ولا يملك الاستناد إلى أمس، فيقع ما يملكه، ويلغو ما لا يملكه. (وإنْ نَكَحَ بَعْدَهُ) أي بعد أمس (فَلَغْوٌ) لأنه أسند الطّلاق إلى زمانٍ لا يملك فيه إيقاعه، فلا يقع. كما لو قال: أنتِ طالقٌ قبل أنْ أتزوّجك، أو قبل أن تولدي، أو وأنا صبيٌّ، أو نائمٌ. وفي «الجامع الكبير»: ولو قال: أنتِ طَالِقٌ قبل أنّ أتزوّجك إذا تزوّجتك، أو أنتِ طالقٌ إذا تزوّجتك قبل أن أتزوّجك، يقع الطّلاق عند وجود التزوّج بالاتفاق. ولو قال: إذا تزوّجتك فأنتِ طالقٌ قبل أنْ أتزوّجك، لا يقع الطّلاق عند أبي حنيفة ومحمد، ويقع عند أبي يوسف، لأن الطّلاق إذا أُضِيفَ إلى وقتين أحدهما يقبله والآخر

стр. 838

ويقع آخر العُمُرِ في: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ، ويَقَعُ حَالًا في: مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ وسَكَتَ. === لا يقبله، (صحّ ما يقبله) (١) وبطل ما لا يقبله. ولهما: أنّ ذكر الفاء رجَّح جهة الشرطية، والمعلّق بالشرط كالمنجز عند وجوده، فصار كأنه قال: عند التزوّج أنتِ طالقٌ قبل أن أتزوّجك، فلا يقع. (ويَقَعُ) الطّلاق (آخِرَ العُمُرِ) أي في آخر عمر الزّوج أو الزّوجة بأن يبقى منه ما لا يسع صيغة التطليق (في: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ) لأنّه جعل الشّرط عدم الطّلاق، وهو لا يتحقق إلا باليأس من الحياة، ثم إن مات الزّوج لها الميراث إن كان مدخولاً بها، رجعياً كان الطّلاق أو بائناً، ولا ميراث لها إن كانت غير مدخول بها. وهي مسألة الفارِّ. وإن ماتت هي لا يرثها الزّوج إن كان قبل الدّخول أَوْ كان ثلاثاً. (ويَقَعُ) الطّلاق (حَالاً في:) أنتِ طالقٌ (مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ) أو متى ما لم أطلِّقك (وسَكَتَ)، لأنّه أضاف الطّلاق إلى زمانٍ خالٍ عن التطليق، وقد وُجْدَ. وكذا يقع حالاً في: أنْتِ طَالِقٌ ما لم أطلّقك، لأن كلمة «ما» تكون للوقت كقوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇ ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٢) والشّرط كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكُ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٣) وهي هنا للوقت، لأن التطليق لا بد له من الوقت. ولو قال: حين لم أطلِّقك أو زمان لم أطلِّقك، أو حيث لم أطلقَك، ولا نيّة له وسكت، يقع حالاً. ولو قال: زمان لا أطلّقك، أو حين لا أطلّقك لم تطلق حتى يمضي ستة أشهر. لأن كلمة «لم» لقلب المضارع إلى الماضي ونفيه، فإذا سكت وُجِدَ زمانٌ لم يطلّقها فيه. وكلمة «حيث» اسم للمكان، وكم من مكانٍ لم يطلقها فيه فوُجِدَ الشرط. وكلمة «لا» للاستقبال، فلا تقع للحال. وإنّما قدّرنا بستة أشهرٍ لأنّه أوسط استعمال الحين، لأنه استعمل في الساعة، كقوله تعالى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ (٤) ، وفي ستةِ أشهرٍ كقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حينٍ﴾ (٥) ، وفي أَربعين سنة، كقوله تعالى: ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (٦) فيما رُويَ عن ابن

стр. 839

وفي "إِذَا" يُنَوَّى فإنْ لَمْ يَنْوِ فَكَـ: "إِنْ" عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ. واليَوْمُ للنَّهَارِ === عباس. والزّمان كالحين لأنهما في الاستعمال سواء. وإنما قال: وسكت، لأنه لو لم يسكت بل قال: أنتِ طالقٌ موصولاً بقوله: أنتِ طالقٌ متى لم أطلّقك، فإنه لا يقع بقوله: أنت طالقٌ متى لم أطلّق شيءٌ، وإنما يقع بالموصول به وهو أنت طالقٌ. وقال زُفَر: يقع في هذه الصورة تطليقتان. وفيما لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً ما لم أطلّقك أنتِ طالقٌ، يقع ثلاثاً، لأنه أضاف الطّلاق إلى زمانٍ خالٍ عنه، وقد وُجِدَ زمانٌ لطيفٌ، وهو وقت قوله: أنتِ طالقٌ قبل أن يفرغ منه. ولنا: وهو وجه الاستحسان أنّ قوله أنتِ طالقٌ هو زمان البِرِّ، وزمان البرِّ لا يدخل في اليمين. ويوضّحه: أن البرَّ مراد الحالف، ولا يتأتى له البرُّ إلا بعد أنْ يجعل هذا القدر مستثنى، وما لا يستطيع الامتناع عنه يجعل عفواً. وأصل المسألة فيما إذا قال: إنْ ركبت هذه الدابة وهو راكبها، فأخذ في النُّزول في الحال، حيث لا يحنَث عندهم، ويحنَث عند زُفَر. (وفي إِذَا) بأنْ قال: أنتِ طالِقٌ إذا لم أطلّقك، أو إذا ما لم أطلّقك (يُنَوَّى) بتشديد الواو المفتوحة، أي يُسْأَلُ عن نيّته ويعمل بما في طويته، فإن قال: نويت الظّرف ـ وهو الوقت ـ يقع الطّلاق في الحال، وإنْ قال: نويت الشَّرط يقع في آخر العُمُر، لأن لفظ «إذا» يحتملهما لاستعماله فيهما. (فإنْ لَمْ يَنْوِ) شيئاً (فَكَـ: «إِنْ» عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ) لا يَقَعُ الطّلاق إلا آخر العُمُر. وبه قال الشافعيّ، وفي قول أحمد. وكـ: متى عند أبي يوسف ومحمد، فيقع الطّلاق حين سكت، وبه قال مالك، والشافعيّ في الأصحّ، وأحمد في رواية. لأن كلمة «إذا» لا تكون شرطاً إلا في الشّعر كما هو مذهب البصريين من النحاة، ومنه قول القائل: *واسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بالغِنَى ** وَإذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ (١) فَتَجمَّلِ ولهذا لو قال: إذا شئتِ فأنتِ طالقٌ، لا يخرج الأمر من يدها بالقيام عن المجلس، كما لو قال: متى شئتِ، بخلاف إن شئتِ. ولأبي حنيفة أَنّ «إذا» قد تكون للشرط كما هو مذهب الكوفيين، فإذا كانت هنا للشرط لا تطلق المرأة في الحال، وإن كانت للوقت تطلق فيه. فوقع الشّك في الطّلاق في الحال، فلا تطلق فيه. وإنما لم يخرج الأمر من يدها بالقيام من المجلس في قوله: إذا شئتِ، لأن الأمر صار في يدها بيقين، فلا يخرج بالشكّ.

стр. 840

مَعَ فِعْلٍ مُمْتَدٍّ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ، ولِلْوَقْتِ المُطْلَقِ مَعَ فِعْل لا يمتدّ، كَأنَتْ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ. === (واليَوْمُ للنَّهَارِ) وهو من طلوع الشَّمس إلى الغروب، وهذا هو المعنى العُرْفِيّ. وأمّا الشَّرعيّ فهو من طلوع الصبح الصادق إلى غروب جِرْم الشّمس، وكل منهما حقيقيّ. ومعناه المجازي هو مطلق الوقت. (مَعَ فِعْلٍ مُمْتَدَ)، وفي نسخة: يمتدّ. وهو ما يقبل التوقيت (كأَمْرُكِ بِيَدِكِ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ) فإن الأمر باليد ممتدٌّ لقَبوله التوقيت. وفي «شرح الوقاية»: أَنّ المراد بالامتداد امتدادٌ يمكن أنْ يستوعب النّهار لا مطلق الامتداد، لأنهم جعلوا التكلّم من قبيل غير الممتدّ، ولا شك أنّ التكلّم قد يمتدّ زماناً طويلاً، لكن لا يمتدّ بحيث يستوعب النّهار. (ولِلْوَقْتِ المُطْلَقِ مَعَ فِعْلٍ لا يمتدّ، كَأَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدُ) لأنّ اليوم يطلق ويُرَاد به النّهار، كما في قوله تعالى: ﴿إذَا نُودِيَ للصَّلَاةِ مَنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ (١) ويطلق ويُرَاد به الوقت كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ (٢) بدليل أنّ من فرّ من الزحف ليلاً أو نهاراً يستحق الوعيد، وكما في قول الشاعر: * *فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا يُرَادُ مُطْلَقُ الوقت، ومنه قوله تعالى: ﴿وتلْكَ الأَيَامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٣) فيحمل مع الفعل الممتدّ كالصّوم والسّير والرّكوب وتخيير المرأة على النّهار، ومع غير الممتدّ كالطَّلاق والعَتاق على مطلق الوقت رعايةً للمناسبة واستعمال العرف. وهذا التفصيل إذا لم يكن له نيّة. أمّا لو قال في غير الممتدّ: شئت (٤) النّهار، فإنه يصدق قضاءً، لأنه نوى حقيقة كلامه فيصدق وإن كان فيه تخفيف على نفسه. قيّد باليوم لأن النّهار لا يكون إلاّ للبياض خاصّةً، والليلَ لا يكون إلاّ للسّواد خاصّةً، سواء كان الفعل ممتدًّا أو غير ممتدّ. واختلفت عباراتهم فيما إذا اعْتُبِرَ الامتداد وعدمه: فمنهم من يعتبره في المضاف إليه اليوم، لأنّ المضاف يحصل له التعريف والاختصاص من المضاف إليه، وهو مختار فخر الإسلام والصّدر الشهيد والعَتَّابيّ حيث اعتبروه في الشرط. ومنهم من يعتبره في الجواب والجزاء، لأنه هو العامل فيه.

стр. 841

وفي: أنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا لِغَيرِ المَدْخُولَةِ، يَقَعْنَ، وبالْعَطْفِ تَبِينُ بالأوَّلِ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ وَقَدَّمَ الشَّرْطَ. ويَقَعُ الكُلُّ إنْ أُخِّرَ الشَّرْطُ. === وفي «شرح الكَنْزِ»: والأوجه أنْ يعتبره الممتدّ منهما، وعليه مسائلهم. (وفي أنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثاً لِغَيْرِ المَدْخُولَةِ يَقَعْنَ) وهو قول عمر وعليّ وابن عباس وأبي هريرة وجمهور العلماء. وقال الحسن البصريّ وعطاء وجابر بن زيد: تقع واحدةً، لأنها تبين بقوله: أنتِ طالقٌ لا إلى عدّة، فيصادفها قوله ثلاثاً وهي بائنٌ فلا يقع به شيءٌ، وصار كقوله أنت طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ. ولنا أنّ الثلاث صفة للطّلاق الذي أوقعه، والموصوف لا يوجد بدون صفته، فصار الكلام واحداً، وصار كقوله: أوقعت عليكِ ثلاث تطليقات. (وبالْعَطْفِ) نحو: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، أو بالتكرير من غير عطفٍ نحو: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ (تَبِينُ بالأوَّلِ) وكانت الثنتان فيما لا يملك، وهو قول عليّ وابن مسعود وزيد وإبراهيم. وقال ابن (أبي) (١) ليلى: إذا كان في مجلسٍ واحدٍ يقع ثلاث تطليقات، لأن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة ويجعلها واحداً. وقال مالك، والشّافعيّ في القديم، والأوزاعيّ، واللّيث بن سعد: تطلق ثلاثاً. وقال أحمد: إنْ ذكر بالواو تطلق ثلاثاً وإلاّ تبين بالأوَّل، لأن المذكور بحرف الجمع كالمذكور بلفظ الجمع. ولهم: أنّ المجلس واحدٌ وهو يجمع المتفرقات، فيقع الثلاث. ولنا: أنّ الواو لمطلق العطف وليس في آخر الكلام ما يغيّر أوّله من شرط أو استثناء وكان كل واحد إيقاعاً على حدة، فتَبِين بالأوَّل، ولم تبق محلاً للثَّانِي لأنها غير معتدّة. (كَمَا) تَبِين بالأوّل (لَوْ عَلَّقَ وَقَدَّمَ الشَّرْطَ) بأن قال لغير المدخول بها: إن دخلتِ الدّار فأنتِ طالقٌ واحدةً وواحدةً وواحدةً، أو فأنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ، فإنه يقع بدخولها طلقة واحدة، وهذا عند أبي حنيفة وهو وجه في مذهب الشَّافعِيّ. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك وأحمد وربيعة والليث بن سعد وابن أبي ليلى والقاضي أبو الطَّيب ـ من أصحاب الشافعي ـ: يقع الكل. (ويَقَعُ الكُلُّ إنْ أُخِّرَ الشَّرْطُ) لأنّ آخر الكلام إذا كان فيه ما يغيّر أوله كالشرط، توقف أوّل الكلام على آخره، ولم يكن فيه تعاقب في التعليق، فلا يكون فيه تعاقب

стр. 842

وفي: أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، قَبْل واحدةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، يَقَعُ وَاحِدَةٌ في غَيرِ المَوْطُوءَةِ، وفي المَوْطُوءَةِ ثِنْتَانِ، وفي قَبْلِهَا وَبَعْد وَمَعَهَا وَمَعَ اثْنَانِ === في الوقوع، وهذا إذا كان تكرار بدون عاطفٍ أو كان العاطف الواو. وأمّا إذا كان الفاء فقال الكَرْخِيّ والطَّحَاوِيّ: أنّه كالواو. ويقع مع تقديم الشّرط واحدةٌ عند أبي حنيفة والكُلُّ عند أبي يوسف ومحمد. وقال الفقيه أبو اللّيث في «مختلفه»: يقع واحدة بالاتفاق، لأنّ الفاء للتعقيب وموجبه الترتيب، فيصادفها الثَّانية وهي أجنبية، وهو الصحيح. ولو كان العاطف «ثُمّ» فإنْ كان الشّرط مقدماً ففي المدخول بها تعلَّقت الأولى، ووقعت الثّانية والثّالثة، وفي غيرها تعلّقت الأولى ووقعت الثّانية ولَغَا الثّالثة. وإن كان الشرط مؤخّراً وهي مدخول بها وقعت الأولى والثانية في الحال، وتعلّقت الثّالثة. وإن كان غير مدخول بها وقعت الأولى في الحال ولَغَا ما سواها، وهذا كلُّه عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعيّ وأحمد: يتعلق الثَّلاث بالشّرط، سواء تقدّم أو تأخّر، وقد دخل بها أو لم يدخل. وعند وجود الشَّرط إنْ كانت مدخولة يقع ثلاث وإلا واحدة. (وفي أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْل واحدةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، يَقَعُ وَاحِدَةٌ في غَيْرِ المَوْطُوءَةِ، وفي المَوْطُوءَةِ) أي المدخول بها (ثِنْتَانِ) لبقاء المحلّيّة فيها بعد وقوع الأولى، بخلاف غير المدخول بها. (وفي قَبْلِهَا) موطوءة كانت أو غير موطوءة بأن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلها واحدةٌ، (وَ) في (بَعْد) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ، (وَ) في (مَعَهَا وَ) في (مَعَ) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ واحدةً معها واحدةٌ، أو أنتِ طالقٌ واحدةً مع واحدةٍ يقع (اثْنَانِ) أمّا وقوع اثنين في الموطوءة وغيرها بكلمة «مع» فلأنّها موضوعة للقَرْنِ. وأمّا وقوع واحدة في غير الموطوءة وثنتين في الموطوءة بكلمة «قبل» إذا أضيفت إلى ظاهرٍ، وبكلمة «بعد» إذا أضيفت إلى (ضميرٍ، ووقوع ثنتين في الموطوءة وفي غيرها بكلمة «قبل» إذا أضيفت إلى ضميرٍ، وبكلمة «بعد» إذا أضيفت إلى ظاهرٍ،) فلأنّ كلمة «قبل» و «بعد» إذا أُضِيفَتَا إلى ضميرٍ كانتا في المعنى صفةً لِمَا بعدهما، وإذا أُضِيفَتَا إلى ظاهرٍ كانتا في المعنى صفةً لِمَا قبلهما. فإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبل واحدةٍ كانت القبليّة صفةً للواحدة الأولى (فتبين بها) (١) ، وغير الموطوءة لم

стр. 843

وإن أَشارَ بالأصْبَعِ يُعْتَبَرُ عَدُّ المَنْشُورَةِ، وإنْ أَشَارَ بِظُهُورِهَا فَالمَضْمُومَةُ. وإنْ وَصَفَ الطَّلاقَ بالشدّةِ، أو الطُّولِ، أوْ العَرْضِ، أوْ شِبْهِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى هَذا، فَثَلاثٌ إنّ نَوَاهَا، === تبق محلاً للثانية، بخلاف الموطوءة فيقعان فيها. وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بَعدها واحدةٌ كانت البعديّة صفةً للواحدة الثَّانية، فتبين غيرُ الموطوءة بالأولى، ولم تصر محلاً للثانية، بخلاف الموطوءة فيقعان فيها. وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلها واحدةٌ كانت القبلية صفةً للواحدة الثّانية، وليس في وُسْعه تقديمها على الأولى، وفي وسعه إيقاعها في الحال، فيقع ما في وسعه، فيقع ثنتان. وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ كانت البعدية صفة للواحدة الأولى فيقتضي الكلام وقوعها بعد الثّانية، وليس في وسعه ذلك فيقعان جميعًا. ومذهب مالك كمذهبنا، ومذهب الشافعيّ في «قبل» مع الضمير وجهان: أحدهما أنه لا يقع شيءٌ، والثّاني أنه يقع واحدة، وفي الثلاث صور الأُخَر يقع واحدة. (وإنّ أَشارَ بالأصْبَعِ) أي ببطون الأصابع إلى عدد الطَّلاق (يُعْتَبَرُ عَدُّ المَنْشُورَةِ) ولا يصدق قضاءً في نيّة المضمومة (وإنْ أَشَارَ بِظُهُورِهَا) بأنْ جعل ظهر الأصابع إلى المرأة وبطنَها إلى نفسه (فَالمَضْمُومَةُ) معتبرةٌ وإن كان في الأصل أنْ تقع الإشارة بالمنشورة، هكذا ذكر شمس الأئمة في «شرح الكافي» عن بعض المتأخرين. والمذكور في «الظَّهِيرِيّة» وسائر الكتب: أنّ المعتبر المنشورة مطلقاً، حتى لو قال: عَنَيتُ المضمومة لا يُصَدَّقُ قضاءً. ومما يدلّ على اعتبار عدد المنشورة مطلقاً ما رَوَى البُخَارِي ومسلم من حديث جَبَلَة بن سُحَيم أنه قال: سمعت ابن عمر يقول: قال النبيّ ﷺ «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» وخنَس (١) الإبهام في الثالثة. ولولا اعتبارُ عدد المنشورة لكان الشهر إحدى وعشرين يوماً لا تسعة وعشرين يوماً. (وإنْ وَصَفَ الطَّلَاقَ بالشِّدّةِ) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ بائِنٌ أو البَتَّةُ، أو أشدَ الطَّلاق، أو أَكبَره، أو أعظَمه، أو أسوأَه، أو أفحشَه، أو أخبثَه، أو طلاق الشّيطان، أو طلاق البدعة، أو ملءَ البيت (أو الطُّولِ أوْ العَرْضِ) أي بهما: بأن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً طويلةً أو عريضةً، (أوْ شِبْهِهِ) أي الطّلاق (بِمَا يَدُلُّ عَلَى هَذا) أي على ما ذُكِرَ من الشِّدة أو الطُّولِ أو العرضِ، بأن قال: أنتِ طالقٌ كالجبلِ أو كألفٍ (فَثَلَاثٌ إنّ نَوَاهَا) أي الثَّلاث

стр. 844

وإلَّا فَبَائِنَةٌ وكِنَايَتُهُ مَا يَحْتَمِلُهُ وغَيْرَهُ فَنَحْو: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَقُومِي، يَحْتَمِل رَدًّا. ونحو: خَلِيَّة، بَرِيّة، بَائِنٌ، بَتَّةٌ، حَرَامٌ، يَصْلُحُ سبًّا. === (وإلاَّ) أي وإنْ لم ينوِ شَيئاً أو نوى واحدةً أو ثنتين (فَبَائِنَةٌ) واحدة، لأنّ وصف الطّلاق بالشِّدَّة والطول والعرض وتشبيهَه بما يدلّ على ذلك إنّما هو اعتبار أثره، وذلك بكونه بائناً. والبينونة نوعان: خفيفة، وغليظة، فإذا نوى الغليظة صحَّت نيّته، وإذا نوى الثنتين لا تصحّ نِيَّتهما، لأن البينونة جنسٌ يحتمل الأقل والأكثر دون العدد، والثنتان عددٌ. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: إذا قال للمدخول بها: أنتِ طالقٌ بائنٌ يقع رجعياً. لأن قوله: أنتِ طالقٌ صريحٌ وهو رجعي وقوله بائنٌ تغيير (١) له فيردُ عليه. ولنا: أنه وصف الطّلاق بما يحتمله فلا يكون تغييراً له بل تبييناً. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعيّ وأحمد في أنتِ طالقٌ كالجبل: يقع رجعية، لأنه يحتمل التشبيه في الوحدة وفي العِظَم، وهو في الوحدة رجعيّة وفي العظم بائنة، فلا تقع البينونة بالشَّك. ولأبي حنيفة أنّ التشبيه يقتضي زيادة، وذلك بالبينونة. ولو شبَّه الطَّلاق بعدد ما لا عدد له بأن قال: أنتِ طالقٌ كعدد الشمس، وكعدد التراب فهي بائنة في قول أبي حنيفة، لأنّ التشبيه يقتضي ضرباً من الزيادة، ولا يمكن حمله على الزيادة في العدد، فيحمل على الزيادة في الصفة. وقال أبو يوسف: رجعيّة، واختاره إمام الحرمين من الشافعية، لأنّ التشبيه بالعدد فيما لا عدد له لغوٌ فيبقى قوله: أنتِ طالقٌ، وبه يقع رجعيّة. وقال محمد والشافعيّ وأحمد: ثلاثٌ، لأنّ مثل هذا الكلام يراد به الكثرة. (وكِنَايَتُهُ) وهي لغةً: ضدّ التصريح، والمراد بها عند الفقهاء هنا (مَا يَحْتَمِلُهُ) أي لفظ يحتمل الطَّلاق (وغَيْرَهُ) فيفتقر إلى نيّة في حالة الرِّضا وعدم مذاكرة الطّلاق. وكذا الكتابة المستبينة في لوحٍ بمِدَاد أو في رملٍ ونحوه يحتاج إلى نيّة أو دلالة حال. واحترز بالمستبينة عن الكتابة في الماء والهواء والصخرة الصَّمَّاء ونحوها بلا مَدادٍ، فإنّه لا يقع به شيءٌ وإن نوى. فلو كتب رسالة على رسم الكتابة بأن كتب: أمّا بعد، يا فلانة إذا بلغك كتابي هذا، فأنتِ طالقٌ، فإنه يقع به الطَّلاق، ولا يصدق قضاءً في عدم النيّة، لدلالة الحال في الكلّ. (فَنَحْو: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَقُومِي، يَحْتَمِلُ رَدًّا) لسؤال المرأة الطّلاق بأن يريد تبعيدها عن نفسه، وجواباً لسؤالها الطّلاق بأن يريد اخْرُجِي لأني طلَّقتك، وكذا البواقي (ونحو: خَلِيَّة بَرِيّة بَائِنٌ، بَتَّةٌ، حَرَامٌ، يَصْلُحُ سبًّا) للمرأة بأن يُرَاد خَلِيّةٌ من الخير،

стр. 845

ونَحْو: اعْتَدِّي، واسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، أنْتِ وَاحِدَةٌ، أنتِ حُرَّةٌ، اخْتَارِي، أمْرُكِ بِيَدِكِ، وسَرَّحْتُكِ، وفَارَقْتُكِ، لا يحتملهما. فَفِي الرِّضَاء يَتَوَقَّفُ الكُلُّ عَلَى النِيَّةِ، وَفِي الغَضَبِ الأَوَّلانِ، وَفِي مُذَاكَرَةِ الطَّلاقِ الأوَّلُ فَقَطْ، فإنْ نَوَى الثَّلاثَ يَقَعْنَ وإلّا === بَرِيَّةٌ عن الطاعة أو عن المحامد، وبائِنٌ عن الرُّشد والدين، وبَتَّةٌ عن الأخلاق الحسنة، لأن البين والبتّ بمعنى القطع، حرامٌ في الصحبة أو العِشْرة، ويصلح جواباً لسؤالها الطَّلاق: بأن يراد أنت خَلِيَّة لأني طلّقتك وكذا البواقي. (ونَحْو: اعْتَدِّي، واسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، أنْتِ وَاحِدَةٌ، أنتِ حُرَّةٌ، اخْتَارِي، أمْركِ بِيَدِكِ، وسَرَّحْتُكِ، وفَارَقْتُكِ، لا يحتملهما) أي الردّ لسؤال المرأة، والسَّبّ لها، وإنما يصلح جواباً لسؤالها ومعاني أُخَرَ. (فَفِي الرِّضَا) وهو أنْ لا يكون غضبٌ ولا مذاكرة طلاقٍ (يَتَوَقَّفُ الكُلُّ عَلَى النِيَّةِ) للاحتمال وعدم دلالة الحال (وَفِي الغَضَبِ) يتوقّف القسمان (الأَوَّلَانِ) على النيّة لأن الأوَّلَ لَمّا احتمل الرَّدّ والثّاني السّبّ، وقع الشّك في الجواب، فلا تطلَّق إلا بالنيّة. (وَفِي مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ) يتوقَّف (الأوَّلُ فَقَطْ) أي ولا يتوقف الأخيران. أمّا توقف الأول فلأنه لَمّا احتمل الرَّدَّ والجواب، والرد أدْنى من الجواب لأن الرَّدّ دفعٌ والجواب رفعٌ، حُمِلَ عند عدم النِّيَّة على الرَّدِّ. وأمّا عدم توقف الآخرين فلأنّ الظاهر منهما عند مذاكرة الطَّلاق إرادته، فلا يتوقفان عندها على النِّيَّة. والقول قوله في تركها مع يمينه لأنها محتملة، فإن أنكر النِّيَّة في مذاكرة الطَّلاق لم يصدق قضاءً فيما يصلح منها جواباً فقط، ولا يصلح سبًّا ولا ردًّا، أو يصلح جواباً وسبًّا أيضاً، وصُدِّق فيما يصلح جواباً ورداً. وإن أنكرها في حال الغضب لم يصدق فيما يصلح جواباً فقط، ويصدق فيما عداه. ولا يقع الطَّلاق بكنايتيْ التفويض وهما: اختاري نفسكِ، وأمركِ بيدكِ، إلاّ بإيقاعها بعد التفويض كما سيأتي في محله. وإنما ذُكِرَا مع الكِنَايَات ههنا لاحتمالهما تخييرها في نفسها بالإقامة على النِّكاح وعدمه، واحتمالهما تخييرها في غيره من نفقةٍ أو كِسْوةٍ. فإن اختارت نفسها وأنكر الزّوج قصد الطّلاق، كان القول له مع يمينه، إلاّ إذا كان بعد مذاكرة الطّلاق، أو في حال الغضب، فاختارت نفسها فإنه لا يصدق قضاءً. (فإنْ نَوَى الثَّلَاثَ) بهذه الألفاظ من الكنايات كلها سوى ثلاثة ألفاظ تذكر بعد ذلك بمنزلة الاستثناء، وسوى لفظ اختاري كما سيأتي (يَقَعْنَ) الثلاث، (وإلاّ) أي وإن
следующие страницы →