← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وفي: أنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا لِغَيرِ المَدْخُولَةِ، يَقَعْنَ، وبالْعَطْفِ تَبِينُ بالأوَّلِ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ وَقَدَّمَ الشَّرْطَ. ويَقَعُ الكُلُّ إنْ أُخِّرَ الشَّرْطُ. === وفي «شرح الكَنْزِ»: والأوجه أنْ يعتبره الممتدّ منهما، وعليه مسائلهم. (وفي أنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثاً لِغَيْرِ المَدْخُولَةِ يَقَعْنَ) وهو قول عمر وعليّ وابن عباس وأبي هريرة وجمهور العلماء. وقال الحسن البصريّ وعطاء وجابر بن زيد: تقع واحدةً، لأنها تبين بقوله: أنتِ طالقٌ لا إلى عدّة، فيصادفها قوله ثلاثاً وهي بائنٌ فلا يقع به شيءٌ، وصار كقوله أنت طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ. ولنا أنّ الثلاث صفة للطّلاق الذي أوقعه، والموصوف لا يوجد بدون صفته، فصار الكلام واحداً، وصار كقوله: أوقعت عليكِ ثلاث تطليقات. (وبالْعَطْفِ) نحو: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، أو بالتكرير من غير عطفٍ نحو: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ (تَبِينُ بالأوَّلِ) وكانت الثنتان فيما لا يملك، وهو قول عليّ وابن مسعود وزيد وإبراهيم. وقال ابن (أبي) (١) ليلى: إذا كان في مجلسٍ واحدٍ يقع ثلاث تطليقات، لأن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة ويجعلها واحداً. وقال مالك، والشّافعيّ في القديم، والأوزاعيّ، واللّيث بن سعد: تطلق ثلاثاً. وقال أحمد: إنْ ذكر بالواو تطلق ثلاثاً وإلاّ تبين بالأوَّل، لأن المذكور بحرف الجمع كالمذكور بلفظ الجمع. ولهم: أنّ المجلس واحدٌ وهو يجمع المتفرقات، فيقع الثلاث. ولنا: أنّ الواو لمطلق العطف وليس في آخر الكلام ما يغيّر أوّله من شرط أو استثناء وكان كل واحد إيقاعاً على حدة، فتَبِين بالأوَّل، ولم تبق محلاً للثَّانِي لأنها غير معتدّة. (كَمَا) تَبِين بالأوّل (لَوْ عَلَّقَ وَقَدَّمَ الشَّرْطَ) بأن قال لغير المدخول بها: إن دخلتِ الدّار فأنتِ طالقٌ واحدةً وواحدةً وواحدةً، أو فأنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ، فإنه يقع بدخولها طلقة واحدة، وهذا عند أبي حنيفة وهو وجه في مذهب الشَّافعِيّ. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك وأحمد وربيعة والليث بن سعد وابن أبي ليلى والقاضي أبو الطَّيب ـ من أصحاب الشافعي ـ: يقع الكل. (ويَقَعُ الكُلُّ إنْ أُخِّرَ الشَّرْطُ) لأنّ آخر الكلام إذا كان فيه ما يغيّر أوله كالشرط، توقف أوّل الكلام على آخره، ولم يكن فيه تعاقب في التعليق، فلا يكون فيه تعاقب

стр. 842

وفي: أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، قَبْل واحدةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، يَقَعُ وَاحِدَةٌ في غَيرِ المَوْطُوءَةِ، وفي المَوْطُوءَةِ ثِنْتَانِ، وفي قَبْلِهَا وَبَعْد وَمَعَهَا وَمَعَ اثْنَانِ === في الوقوع، وهذا إذا كان تكرار بدون عاطفٍ أو كان العاطف الواو. وأمّا إذا كان الفاء فقال الكَرْخِيّ والطَّحَاوِيّ: أنّه كالواو. ويقع مع تقديم الشّرط واحدةٌ عند أبي حنيفة والكُلُّ عند أبي يوسف ومحمد. وقال الفقيه أبو اللّيث في «مختلفه»: يقع واحدة بالاتفاق، لأنّ الفاء للتعقيب وموجبه الترتيب، فيصادفها الثَّانية وهي أجنبية، وهو الصحيح. ولو كان العاطف «ثُمّ» فإنْ كان الشّرط مقدماً ففي المدخول بها تعلَّقت الأولى، ووقعت الثّانية والثّالثة، وفي غيرها تعلّقت الأولى ووقعت الثّانية ولَغَا الثّالثة. وإن كان الشرط مؤخّراً وهي مدخول بها وقعت الأولى والثانية في الحال، وتعلّقت الثّالثة. وإن كان غير مدخول بها وقعت الأولى في الحال ولَغَا ما سواها، وهذا كلُّه عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعيّ وأحمد: يتعلق الثَّلاث بالشّرط، سواء تقدّم أو تأخّر، وقد دخل بها أو لم يدخل. وعند وجود الشَّرط إنْ كانت مدخولة يقع ثلاث وإلا واحدة. (وفي أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْل واحدةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، يَقَعُ وَاحِدَةٌ في غَيْرِ المَوْطُوءَةِ، وفي المَوْطُوءَةِ) أي المدخول بها (ثِنْتَانِ) لبقاء المحلّيّة فيها بعد وقوع الأولى، بخلاف غير المدخول بها. (وفي قَبْلِهَا) موطوءة كانت أو غير موطوءة بأن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلها واحدةٌ، (وَ) في (بَعْد) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ، (وَ) في (مَعَهَا وَ) في (مَعَ) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ واحدةً معها واحدةٌ، أو أنتِ طالقٌ واحدةً مع واحدةٍ يقع (اثْنَانِ) أمّا وقوع اثنين في الموطوءة وغيرها بكلمة «مع» فلأنّها موضوعة للقَرْنِ. وأمّا وقوع واحدة في غير الموطوءة وثنتين في الموطوءة بكلمة «قبل» إذا أضيفت إلى ظاهرٍ، وبكلمة «بعد» إذا أضيفت إلى (ضميرٍ، ووقوع ثنتين في الموطوءة وفي غيرها بكلمة «قبل» إذا أضيفت إلى ضميرٍ، وبكلمة «بعد» إذا أضيفت إلى ظاهرٍ،) فلأنّ كلمة «قبل» و «بعد» إذا أُضِيفَتَا إلى ضميرٍ كانتا في المعنى صفةً لِمَا بعدهما، وإذا أُضِيفَتَا إلى ظاهرٍ كانتا في المعنى صفةً لِمَا قبلهما. فإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبل واحدةٍ كانت القبليّة صفةً للواحدة الأولى (فتبين بها) (١) ، وغير الموطوءة لم

стр. 843

وإن أَشارَ بالأصْبَعِ يُعْتَبَرُ عَدُّ المَنْشُورَةِ، وإنْ أَشَارَ بِظُهُورِهَا فَالمَضْمُومَةُ. وإنْ وَصَفَ الطَّلاقَ بالشدّةِ، أو الطُّولِ، أوْ العَرْضِ، أوْ شِبْهِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى هَذا، فَثَلاثٌ إنّ نَوَاهَا، === تبق محلاً للثانية، بخلاف الموطوءة فيقعان فيها. وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بَعدها واحدةٌ كانت البعديّة صفةً للواحدة الثَّانية، فتبين غيرُ الموطوءة بالأولى، ولم تصر محلاً للثانية، بخلاف الموطوءة فيقعان فيها. وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلها واحدةٌ كانت القبلية صفةً للواحدة الثّانية، وليس في وُسْعه تقديمها على الأولى، وفي وسعه إيقاعها في الحال، فيقع ما في وسعه، فيقع ثنتان. وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ كانت البعدية صفة للواحدة الأولى فيقتضي الكلام وقوعها بعد الثّانية، وليس في وسعه ذلك فيقعان جميعًا. ومذهب مالك كمذهبنا، ومذهب الشافعيّ في «قبل» مع الضمير وجهان: أحدهما أنه لا يقع شيءٌ، والثّاني أنه يقع واحدة، وفي الثلاث صور الأُخَر يقع واحدة. (وإنّ أَشارَ بالأصْبَعِ) أي ببطون الأصابع إلى عدد الطَّلاق (يُعْتَبَرُ عَدُّ المَنْشُورَةِ) ولا يصدق قضاءً في نيّة المضمومة (وإنْ أَشَارَ بِظُهُورِهَا) بأنْ جعل ظهر الأصابع إلى المرأة وبطنَها إلى نفسه (فَالمَضْمُومَةُ) معتبرةٌ وإن كان في الأصل أنْ تقع الإشارة بالمنشورة، هكذا ذكر شمس الأئمة في «شرح الكافي» عن بعض المتأخرين. والمذكور في «الظَّهِيرِيّة» وسائر الكتب: أنّ المعتبر المنشورة مطلقاً، حتى لو قال: عَنَيتُ المضمومة لا يُصَدَّقُ قضاءً. ومما يدلّ على اعتبار عدد المنشورة مطلقاً ما رَوَى البُخَارِي ومسلم من حديث جَبَلَة بن سُحَيم أنه قال: سمعت ابن عمر يقول: قال النبيّ ﷺ «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» وخنَس (١) الإبهام في الثالثة. ولولا اعتبارُ عدد المنشورة لكان الشهر إحدى وعشرين يوماً لا تسعة وعشرين يوماً. (وإنْ وَصَفَ الطَّلَاقَ بالشِّدّةِ) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ بائِنٌ أو البَتَّةُ، أو أشدَ الطَّلاق، أو أَكبَره، أو أعظَمه، أو أسوأَه، أو أفحشَه، أو أخبثَه، أو طلاق الشّيطان، أو طلاق البدعة، أو ملءَ البيت (أو الطُّولِ أوْ العَرْضِ) أي بهما: بأن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً طويلةً أو عريضةً، (أوْ شِبْهِهِ) أي الطّلاق (بِمَا يَدُلُّ عَلَى هَذا) أي على ما ذُكِرَ من الشِّدة أو الطُّولِ أو العرضِ، بأن قال: أنتِ طالقٌ كالجبلِ أو كألفٍ (فَثَلَاثٌ إنّ نَوَاهَا) أي الثَّلاث

стр. 844

وإلَّا فَبَائِنَةٌ وكِنَايَتُهُ مَا يَحْتَمِلُهُ وغَيْرَهُ فَنَحْو: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَقُومِي، يَحْتَمِل رَدًّا. ونحو: خَلِيَّة، بَرِيّة، بَائِنٌ، بَتَّةٌ، حَرَامٌ، يَصْلُحُ سبًّا. === (وإلاَّ) أي وإنْ لم ينوِ شَيئاً أو نوى واحدةً أو ثنتين (فَبَائِنَةٌ) واحدة، لأنّ وصف الطّلاق بالشِّدَّة والطول والعرض وتشبيهَه بما يدلّ على ذلك إنّما هو اعتبار أثره، وذلك بكونه بائناً. والبينونة نوعان: خفيفة، وغليظة، فإذا نوى الغليظة صحَّت نيّته، وإذا نوى الثنتين لا تصحّ نِيَّتهما، لأن البينونة جنسٌ يحتمل الأقل والأكثر دون العدد، والثنتان عددٌ. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: إذا قال للمدخول بها: أنتِ طالقٌ بائنٌ يقع رجعياً. لأن قوله: أنتِ طالقٌ صريحٌ وهو رجعي وقوله بائنٌ تغيير (١) له فيردُ عليه. ولنا: أنه وصف الطّلاق بما يحتمله فلا يكون تغييراً له بل تبييناً. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعيّ وأحمد في أنتِ طالقٌ كالجبل: يقع رجعية، لأنه يحتمل التشبيه في الوحدة وفي العِظَم، وهو في الوحدة رجعيّة وفي العظم بائنة، فلا تقع البينونة بالشَّك. ولأبي حنيفة أنّ التشبيه يقتضي زيادة، وذلك بالبينونة. ولو شبَّه الطَّلاق بعدد ما لا عدد له بأن قال: أنتِ طالقٌ كعدد الشمس، وكعدد التراب فهي بائنة في قول أبي حنيفة، لأنّ التشبيه يقتضي ضرباً من الزيادة، ولا يمكن حمله على الزيادة في العدد، فيحمل على الزيادة في الصفة. وقال أبو يوسف: رجعيّة، واختاره إمام الحرمين من الشافعية، لأنّ التشبيه بالعدد فيما لا عدد له لغوٌ فيبقى قوله: أنتِ طالقٌ، وبه يقع رجعيّة. وقال محمد والشافعيّ وأحمد: ثلاثٌ، لأنّ مثل هذا الكلام يراد به الكثرة. (وكِنَايَتُهُ) وهي لغةً: ضدّ التصريح، والمراد بها عند الفقهاء هنا (مَا يَحْتَمِلُهُ) أي لفظ يحتمل الطَّلاق (وغَيْرَهُ) فيفتقر إلى نيّة في حالة الرِّضا وعدم مذاكرة الطّلاق. وكذا الكتابة المستبينة في لوحٍ بمِدَاد أو في رملٍ ونحوه يحتاج إلى نيّة أو دلالة حال. واحترز بالمستبينة عن الكتابة في الماء والهواء والصخرة الصَّمَّاء ونحوها بلا مَدادٍ، فإنّه لا يقع به شيءٌ وإن نوى. فلو كتب رسالة على رسم الكتابة بأن كتب: أمّا بعد، يا فلانة إذا بلغك كتابي هذا، فأنتِ طالقٌ، فإنه يقع به الطَّلاق، ولا يصدق قضاءً في عدم النيّة، لدلالة الحال في الكلّ. (فَنَحْو: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَقُومِي، يَحْتَمِلُ رَدًّا) لسؤال المرأة الطّلاق بأن يريد تبعيدها عن نفسه، وجواباً لسؤالها الطّلاق بأن يريد اخْرُجِي لأني طلَّقتك، وكذا البواقي (ونحو: خَلِيَّة بَرِيّة بَائِنٌ، بَتَّةٌ، حَرَامٌ، يَصْلُحُ سبًّا) للمرأة بأن يُرَاد خَلِيّةٌ من الخير،

стр. 845

ونَحْو: اعْتَدِّي، واسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، أنْتِ وَاحِدَةٌ، أنتِ حُرَّةٌ، اخْتَارِي، أمْرُكِ بِيَدِكِ، وسَرَّحْتُكِ، وفَارَقْتُكِ، لا يحتملهما. فَفِي الرِّضَاء يَتَوَقَّفُ الكُلُّ عَلَى النِيَّةِ، وَفِي الغَضَبِ الأَوَّلانِ، وَفِي مُذَاكَرَةِ الطَّلاقِ الأوَّلُ فَقَطْ، فإنْ نَوَى الثَّلاثَ يَقَعْنَ وإلّا === بَرِيَّةٌ عن الطاعة أو عن المحامد، وبائِنٌ عن الرُّشد والدين، وبَتَّةٌ عن الأخلاق الحسنة، لأن البين والبتّ بمعنى القطع، حرامٌ في الصحبة أو العِشْرة، ويصلح جواباً لسؤالها الطَّلاق: بأن يراد أنت خَلِيَّة لأني طلّقتك وكذا البواقي. (ونَحْو: اعْتَدِّي، واسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، أنْتِ وَاحِدَةٌ، أنتِ حُرَّةٌ، اخْتَارِي، أمْركِ بِيَدِكِ، وسَرَّحْتُكِ، وفَارَقْتُكِ، لا يحتملهما) أي الردّ لسؤال المرأة، والسَّبّ لها، وإنما يصلح جواباً لسؤالها ومعاني أُخَرَ. (فَفِي الرِّضَا) وهو أنْ لا يكون غضبٌ ولا مذاكرة طلاقٍ (يَتَوَقَّفُ الكُلُّ عَلَى النِيَّةِ) للاحتمال وعدم دلالة الحال (وَفِي الغَضَبِ) يتوقّف القسمان (الأَوَّلَانِ) على النيّة لأن الأوَّلَ لَمّا احتمل الرَّدّ والثّاني السّبّ، وقع الشّك في الجواب، فلا تطلَّق إلا بالنيّة. (وَفِي مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ) يتوقَّف (الأوَّلُ فَقَطْ) أي ولا يتوقف الأخيران. أمّا توقف الأول فلأنه لَمّا احتمل الرَّدَّ والجواب، والرد أدْنى من الجواب لأن الرَّدّ دفعٌ والجواب رفعٌ، حُمِلَ عند عدم النِّيَّة على الرَّدِّ. وأمّا عدم توقف الآخرين فلأنّ الظاهر منهما عند مذاكرة الطَّلاق إرادته، فلا يتوقفان عندها على النِّيَّة. والقول قوله في تركها مع يمينه لأنها محتملة، فإن أنكر النِّيَّة في مذاكرة الطَّلاق لم يصدق قضاءً فيما يصلح منها جواباً فقط، ولا يصلح سبًّا ولا ردًّا، أو يصلح جواباً وسبًّا أيضاً، وصُدِّق فيما يصلح جواباً ورداً. وإن أنكرها في حال الغضب لم يصدق فيما يصلح جواباً فقط، ويصدق فيما عداه. ولا يقع الطَّلاق بكنايتيْ التفويض وهما: اختاري نفسكِ، وأمركِ بيدكِ، إلاّ بإيقاعها بعد التفويض كما سيأتي في محله. وإنما ذُكِرَا مع الكِنَايَات ههنا لاحتمالهما تخييرها في نفسها بالإقامة على النِّكاح وعدمه، واحتمالهما تخييرها في غيره من نفقةٍ أو كِسْوةٍ. فإن اختارت نفسها وأنكر الزّوج قصد الطّلاق، كان القول له مع يمينه، إلاّ إذا كان بعد مذاكرة الطّلاق، أو في حال الغضب، فاختارت نفسها فإنه لا يصدق قضاءً. (فإنْ نَوَى الثَّلَاثَ) بهذه الألفاظ من الكنايات كلها سوى ثلاثة ألفاظ تذكر بعد ذلك بمنزلة الاستثناء، وسوى لفظ اختاري كما سيأتي (يَقَعْنَ) الثلاث، (وإلاّ) أي وإن

стр. 846

فَبَائِنَةٌ. وفي اعْتَدِّي، واسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّة ويَقَعُ بإسْنَادِ البَيْنُونَةِ والحُرْمَةِ إلَيهِ، لا الطَّلاقِ. === لم ينوِ الثَّلاث: بأن لم ينوِ شيئاً، أو نوى واحدة أو ثنتين (فَبَائِنَةٌ) أي فيقع واحدةٌ بائنةٌ. وقال مالك والشافعي وأحمد: يقع بها رجعيٌّ إن لم ينو الثَّلاث. والمسألة مختلفٌ فيها بين الصحابة، فقال عمر وابن مسعود: الواقع بها رجعيّ. رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، ومحمد بن الحسن في «آثاره». وقال عليّ وزيد بن ثابت وعامة الصّحابة: الواقع بها بائنٌ. وإنّما لا تصحّ نيته اثنتين عندنا خلافاً لزُفَر، لأن معنى التوحيد مراعىً في ألفاظ الوُحْدَان وذلك بالفردية أو الجنسية، والمثنّى بمعزلٍ منهما. (وفي اعْتَدِّي) وهو قوله ﷺ لسَوْدَة حين أراد أن يطلّقها: اعتدّي (واسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ) لأنه بمنزلة التفسير لِمَا قَبْلَهُ (وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ) يقع (رَجْعِيَّة) ولا فرق بين نصب الواحدة وعدمه، لأن العوام، بل بعض الفقهاء الكرام لا يفرِّقون بين وجوه الإعراب. وقال بعض المشايخ: إنْ نصبَ الواحدة تقع رجعيّة وإن لم ينوِ، لأنه نعتٌ لمصدر محذوف، وإنْ رفعها لا يقع شيءٌ وإن نوى، لأنه نعتٌ للمرأة، وإن سَكَّنَ يحتاج إلى النِّيَّة لاحتمال الأمرين. وقيل: يجوز الرفع لكونه نعتاً لطلقة، أي أنتِ تطليقة واحدة، ويجوز النَّصب لكونه نعتاً لمصدر آخر، أي أنتِ متكلمةٌ كلمةً واحدةً، فعلى هذا لا فرق بين الخواصّ والعوام. (ويَقَعُ) الطَّلاق البائن (بإسْنَادِ البَيْنُونَةِ والحُرْمَةِ إلَيْهِ) بأنْ قال: أنا منك بائنٌ، أو قال: أنا منك حرامٌ ونوى الطّلاق، كما يقع بإسنادهما إلى المرأة (لا الطَّلَاقِ) أي لا يقع بإسناد الطّلاق إليه شيءٌ بأن قال: أنا منكِ طالقٌ وإنْ نوى الطَّلاق، وهو قول أحمد. وقال مالك والشافعيّ: يقع الطَّلاق إذا نَوَاه. وحجَّتنا في ذلك ما رُوِيَ أن امرأةً قالت لزوجها: لو كان إليّ ما إليك لرأيت ماذا أصنع؟ فقال: جعلت إليك ما إليّ، فقالت: طلَّقتك. فَرُفِعَ ذلك إلى ابن عباسٍ فقال: خَطَّأَ الله نَوَّاها (١) ، هلاّ قالت: طلّقت نفسي منك. ثم الطّلاق واقعٌ بِـ: لستِ بامرأتي، أو: لستُ زوجك، إنْ نوى الطَّلاق عند أبي حنيفة خلافاً لهما. ويَلحقُ الطّلاقُ الصريح مثلَه: كـ: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ، ويلحق البائنَ أيضاً: كـ: أنتِ بائنٌ أنت طالقٌ، ويلحق البائنُ الصريحَ: كـ: أنتِ طالقٌ أنتِ بائنٌ، ولا يلحق

стр. 847

فَصَلُ في تَفْوِيضِ الطَّلاقِ تَفْوِيضُ طَلاقِهَا إلَيهَا يَتَقَيَّدُ بِمَجْلِسِ عِلْمِهَا، === بائناً مثله: كـ: أنتِ بائنٌ أنتِ حرامٌ. وقد نظم بقوله: *وكُلُّ طَلَاقٍ بَعْدَ أُخْرَى وَاقِعٌ ** سِوَى بائن مَعْ مِثْلِهِ لا يُعَلَّقُ وهذا عندنا، وعند الشافعيّ لا يلحق البائن الصريح كما لا يلحق البائن حتى لو قال لها بعد الخُلْع: أنتِ بائن لا يقع اتفاقاً. أمّا عندنا فلأنّ البائن لا يلحق البائن، وأمّا عنده فلأن الخُلْعَ فسخٌ في أحد قوليه. ولأنّ الرَّجْعِيّ لا يلحق البائن عنده. ولو قال لها بعد الخُلْع أو الطّلاق على مالٍ: أنتِ طالقٌ يقع عندنا، وعنده لا يقع. له: أنّ هذا تصرفٌ لَم يصادف في محله فيلغو، وهذا لأنّ الطَّلاق شُرِعَ لإزالة ملك النِّكاح، وقد زال بالخُلْع أو الطَّلاق على مالٍ، فلا يقع الطّلاق بعده كما بعد انقضاء العِدّة. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) يعني الخُلْعَ، ثم قال: ﴿فإنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٢) والفاء للوصل والتعقيب، فيكون هذا تنصيصاً على وقوع الطلقة الثَّالثة بعد الخُلْع. وعن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن النبيّ ﷺ «المُخْتَلِعَةُ يلحقها صريح الطَّلاق ما دامت في العدّة». رواه أبو يوسف في «الأمالي» بإسناده عن النبيّ ﷺ وبه قال ابن مسعود، وعِمْران بن الحُصَيْن، وأبو الدَّرْدَاءِ، وسعيد ابن المُسَيَّبِ، وشُرَيْح، وطَاوسُ، والزُّهْرِيّ، والنَّخَعِيّ، والحَكَمُ، وحَمَّاد، ومَكْحُول، وعطاء، والثَّوْرِيّ، والله تعالى أعلم. فصلٌ في تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ (تَفْوِيضُ طَلَاقِهَا إلَيْهَا) بأنْ قَالَ لها: طلِّقي نفسكِ (يَتَقَيَّدُ بِمَجْلِسِ عِلْمِهَا) غائبةً كانت أو حاضرةً، فتطلِّق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك، وإنْ قامت منه أو أخذت في عملٍ آخرٍ، خرج الأمر من يدها. وقال مالك في رواية، والشافعيّ في القديم: لا يتقيّد بالمجلس وقال أحمد: لا يتقيد الأمر باليد بالمجلس. لنا: ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن ابن مسعود أنّه قال: إذا ملَّكها أمرها، فتفرقا قبل أنْ ينقضي شيءٌ فلا أمر لها. وما رَوَى أيضاً عن جابر بن عبد الله أنه قال: إذا خيَّر الرَّجل امرأته، فلم تختر في مجلسها ذلك، فلا خيار لها. وما رَوَى أيضاً هو وابن

стр. 848

إلّا أنْ يَقُولَ: كُلَّمَا شِئْتِ، أَوْ: مَتَى شِئْتِ، أَوْ: إذَا شِئْتِ، بِخِلافِ: إنْ شِئْتِ، وَلا يَرْجِعُ عَنْهُ. === أبي شَيْبَة عن عمر بن الخَطَّاب، وعثمان بن عفَّان أنهما قالا: أيما رجلٍ ملَّك امرأته أمرها وخيّرها ثم افترقا من ذلك المجلس، فليس لها خيار وأمرها إلى زوجها. وأسنده ابن أبي شَيْبَة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد قال به عطاء ومجاهد والشَّعْبِيّ والنَّخَعِيّ والأوْزَاعِيّ وسُفْيَان. وقال محمد: بلغنا عن عمر وعثمان وعليّ وابن مسعود وجابر في الرَّجل يخيّر امرأته: أنّ لها الخِيار ما دامت في مجلسها ذلك، فإذا قامت من مجلسها فلا خِيار لها. وقال الزُّهْرِيّ وقَتادة وأبو عُبَيْد بن نصر: يبقى أمرها بيدها في ذلك المجلس، وفي غيره. وحكى صاحب «المُغْنِي» هذا القول عن عليّ كَرَّم الله وجهه. قلنا: لم تستقر الرواية عن عليّ، إذ قد رُوِيَ عنه كالجماعة، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة. قال البَيْهَقِيّ: وقد تعلَّق بعض مَنْ يجعل لها الخِيار ولو قامت من المجلس بحديث تخيير عائشة، وهو في الصحيحين: «إنّي ذاكرٌ لكِ أمراً، فلا عليكِ أنْ لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويكِ». وهذا الاستدلال غير ظاهر، لأنّه ﷺ لم يخيّرها في إيقاع الطَّلاق بنفسها، وإنما خيّرها على أنها إن اختارت نفسها أحدث عليها الطَّلاق، لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ (١) . انتهى. (إلاّ أنْ يَقُولَ: كُلَّمَا شِئْتِ، أَوْ مَتَى شِئْتِ، أَوْ إذَا شِئْتِ) فإنّه لا يتقيّد بمجلس عِلْمها، لأنّ هذه الألفاظ عامةٌ في الوقت، فصار كأنه قال: طلِّقي نفسك أيّ وقت شِئْتِ، وفي كُلَّما شِئْتِ لها أنْ توقع ثلاث طلقاتٍ متفرقاتٍ، وليس لها أنْ توقعها جملةً، لأن «كُلَّمَا» تعمُّ الأفعال والأزمان عموم الانفراد لا عموم الاجتماع، إلاّ أنّ اليمين تنصرف إلى الملك القائم، فلا تملك الإيقاع بعد وقوع الثَّلاث إذا رجعت إليه بعد زوجٍ آخرٍ. ولو طَلَّقَتْ نفسها ثلاثاً جملةً لا يقع شيءٌ عند أبي حنيفة، ويقع واحدةٌ عندهما، بناءً على أن إيقاع الثلاث إيقاع للواحدة أمْ لا؟ ويؤيد قولهما رميُ الحصيات السبع جملةً حيث يقع عن واحدة اتفاقاً. (بِخِلَافِ إنْ شِئْتِ) فإنَّه يتقيَّد بمجلس علمها لعدم ما يدلُّ على عموم الوقت. (وَلَا يَرْجِعُ) من فوّض الطّلاق إلى امرأته (عَنْهُ) لأنّ التفويض فيه معنى اليمين، فإنه

стр. 849

وإلى غَيرِهَا لا يَتَقَيَّدُ ويَرْجِعُ، والمَجْلِسُ إنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالقِيَامِ، أو الذَّهَابِ، أوِ الشُّرُوعِ في قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ لا يَتَعَلَّقُ بِمَا مَضَى. وفُلْكُهَا كَبَيتِهَا، وسَيرُ دَابَّتِهَا كَسَيرِهَا. وَفِي: اخْتَارِي بِنيَّةِ التَّفْوِيضِ فَقَالَتْ: اخْتَرْتُ، لا يَقَعُ إلّا بَائِنَةً. === تعليق طلاق المرأة بتطليقها، واليمين تصرّفٌ لازمٌ فلا يصح الرُّجوع عنها. (وإلى غَيْرِهَا) عَطْفٌ على «إليها» (١) أي وتفويض طلاقها إلى غيرها، سواء كان ضَرَّتها أو شخصاً آخر (لَا يَتَقَيَّدُ) بالمجلس،، لأن ذلك توكيلٌ بالطَّلاق وأمرٌ بإيقاعه، والتوكيل والأمر لا يقتضيان الفور كأمر الشَّارع، وكباقي الوكالات. (ويَرْجِعُ) الزَّوج عنه متى شاء، لأنّه إنّما استعان بغيره ليكون التَّصرُّف له لا عليه، فلو ألزمناه به لحِقَه الضَّرر. (والمَجْلِسُ إنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالقِيَامِ) دون القعود (أو الذَّهَابِ أوِ الشُّرُوعِ في قَوْلٍ) كثيرٍ (أوْ عَمَلٍ) كَثيرٍ (لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا مَضَى) من التفويض، لأنّ ما ذكره دليل الإعراض. قيّدنا القول والعمل بالكثير، لأنها لو سبَّحت، أو قرأت آيةً، أو أكلت شيئاً يسيراً، أو لَبِسَتْ ثيابها من غير قيام، لم يختلف مجلسها. وقيَّد القول والعمل بعدم التعلّق بالتفويض، لأنها لو دعت أباها للمشورة، أو شهوداً للإشهاد، لم يختلف مجلسها، لأن المشورة لتحرّي الصّواب، والإشهاد للتحرز عن الجحود. (وفُلْكهَا) أي السَّفينة التي هي فيها وقت علمها بالتفويض (كَبَيْتِهَا) لأنّ جريان الفُلْكِ لا يضاف إلى راكبه، فثبت لها الخيار ما دامت في مجلسها كالبيت (وسَيْرُ دَابَّتِهَا كَسَيْرِهَا) لأنّ سير الدَّابَّة يُضَافُ إلى راكبها، لأنها تسير باختياره، فلو وقفت لم يَبْطُل خيارها، ولو نزلت بطل، وكذا لو ركبت وكانت نازلةً. (وَفِي: اخْتَارِي بِنيَّةِ التَّفْوِيضِ) قيّد به لأنها تحتمل الأمر باختيار كِسْوة أو مأكل، فلا بد من نيَّة التفويض (فَقَالَتْ: اخْتَرْتُ) نفسي، أو: أنا اختار نفسي (لَا يَقَعُ إلاّ بَائِنَةً) وكان القياس أنْ لا يقع شيءٌ وإن نوى الطَّلاق، لأنه لا يملك الإيقاع بهذا اللفظ، فلا يملك التفويض به إلى غيره إلاّ أنّ هذا القياس تُرِكَ باتفاق الصحابة على

стр. 850

وشُرِطَ ذِكْرُ النَّفْسِ مِنْ أَحَدِهِمَا أوْ قَوْلُهُ: اخْتَارِي اخْتِيَارَةً، فَتَقولُ: اخْتَرْتُ، === وقوع الطّلاق وإن اختلفوا في صفته. وقال الشافعيّ: يقع رجعيٌّ، وهو قول أحمد، لأنه أدنى ما يكون من الاختيار. وقال مالك: يقع ثلاثاً، لأن الثلاث أتمّ ما يكون من الاختيار. ولنا: أَنّ اختيارها لنفسها إنّما يتحقق بزوال ملك الزَّوج عنها، وزواله إنّما هو بالبينونة، وهي لا تستلزم الثلاث، وليس في اللفظ ما يدلّ عليها، فلا تقع وإن نواها، لأنّ الاختيار لا يتنوع، فَبَقِي مجرد نيّة العدد وهي لا تصح، بخلاف أنتِ بائنٌ، لأنّ البينونة تتنوع. وفي «جامع الترمذي»: اختلف أهل العلم في الخِيار: فَرُوِيَ عن عمر وعبد الله بن مسعود أنَّهما قالا: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ. ورُوِيَ عنهما أيضاً أنّهما قالا: واحدةٌ يملك الرّجعة، وإنْ اختارت زوجها فلا شيء. ورُوِيَ عن عليّ أنّه قال: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارت زوجها فواحدةٌ يملِكُ الرجعة. وقال زيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة، وإن اختارت نفسها فثلاثٌ. انتهى. ولنا على أنها إن اختارت زوجها لم يقع شيءٌ ـ وهو قول أكثر أهل العلم ـ ما روى البُخَارِي ومسلم من حديث عائشة قالت: خيّرنا النبيّ ﷺ فاخترنا الله ورسوله، فلم يعدَّ ذلك شيئاً. كذا ذكروه وفيه: أنْ ذلك كان تخييراً لا تفويضاً كما تقدّم، والله تعالى أعلم. (وشُرِطَ ذِكْرُ النَّفْسِ مِنْ أَحَدِهِمَا) متّصلاً أو منفصلاً في المجلس. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: لا يُشْتَرَطُ (أوْ قَوْلُهُ: اخْتَارِي اخْتِيَارَةً) أو تطليقة، أو ما يكون كناية عن ذلك في أحد كلامهما (فَتَقُولُ: اخْتَرْتُ) أو: أختار نفسي. والقياس في قولها: أنا أختار نفسي عدم الوقوع كما قال الشافعيّ، لأنه وَعْدٌ، كما لو قال: طلّقي نفسك، فقالت: أنا أطلِّق نفسي، حيث لا تَطْلُقُ. ووجه الاستحسان أنّ الكلام جُعِلَ جواباً بالسُّنَّة، وهي ما في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: لَمّا أُمِر رسولُ اللَّهِ ﷺ تخيير أزواجه بدأ بي فقال: «إنّي ذاكرٌ لكِ أمراً إلى أن قالت: فقلت: ففي هذا أستأمر أبويّ، فإنّي أريد اللَّهَ ورسولَه والدّارَ الآخرة». ثم فعل أزواج النبيّ ﷺ مِثْلَ الذي فعلت. وفي لفظ لمسلم: كلا، بل أختار الله ورسوله، واعتبره رسول الله ﷺ جواباً. وفي المعقول فإنّ المضارع قد يُراد به الحال كما في قول الشاهد: أشهد، وقول الكافر: أشهد أن لا إله إلاّ الله، فإنّه يُرَاد به التحقيق حتى صار به مسلماً، لأنه

стр. 851

وَلَوْ كَرَّرَهَا ثَلاثًا فَاخْتَارَتْ إِحَدَاهَا فَثَلاثٌ. وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي، أوْ اخْتَرْتُ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ، فَبَائِنَةٌ. وَلَوْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ بِنِيَّةِ التَّفْوِيضِ، فَطَلَّقَت نَفْسَهَا فَبَائِنَةٌ. وَإنْ نَوَى الثَّلاثَ يَقَعْنَ. وَفِي: أَمْرُكِ بِيَدِكِ فِي تطلقية، أوْ اخْتَارِي تَطْلِيقَةً فاخْتَارَتْ فَرَجْعِيَّةٌ. وَفِي: أمْرُكِ بِيَدِكِ اليَوْمَ وَغَدًا، يَدْخُل اللَّيلُ، === يخبر عن اعتقاده، فكذا هنا، «أنا أختار» حكاية عن اختيارها، بخلاف قولها: أنا أطلّق، لأنه لا يتصوّر أن تكون مطلّقة في حال كونها حاكية. (وَلَوْ كَرَّرَهَا ثَلَاثاً) بأن قال لها: اختاري اختاري اختاري (فَاخْتَارَتْ إِحَدَاهَا) بغير لفظ التطليق بأنْ قالت: اخترت الأولى، أو الوسطى، أو الأخيرة، أو اخترت اختيارةً، أو باختيارةٍ، أو مرةً، أو بمرةٍ، أو دفعةً، أو بواحدةٍ (فَثَلَاثٌ). قيْدنا بغير لفظ التطليق، لأنها لو قالت: اخترت التطليقة الأولى تطلُق واحدةً باتفاقٍ. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قالت: اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة تطلق واحدةً. وهو اختيار الطَّحَاويّ. (وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي، أوْ اخْتَرْتُ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ، فَبَائِنَةٌ) كذا في «المَبْسُوطِ»، و «الجامع الكبير»، و «الزيادات»، و «جوامع الفقه»، وعامة نسخ «الجامع الصغير» سوى «جامع صدر الإسلام»، فإن فيه ما في «الهداية»: أنه يقع طلقةٌ رجعية اعتباراً لما أتت به من صريح الطّلاق. وفي «الفوائد الظهيرية»: هذا سهوٌ وقع من الكاتب، لأن المرأة تتصرف بحكم التفويض وهو عندنا تطليقةٌ بائنةٌ. وفي «شرح الوِقَاية»: ذكر في «الهداية» أنه يقع واحدة يملك الرّجعة، فقيل: هذا غلطٌ وقع من الكاتب، وقيل: فيه روايتان: إِحداهما: أنه يقع واحدة رجعية، لأن لفظها صريحٌ، والأخرى: أنه بائنةٌ، وهذا أصحّ. انتهى. (وَلَوْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ بِنِيَّةِ التَّفْوِيضِ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا) بأن قالت: طلّقت نفسي واحدةً، أو اخترت نفسي بتطليقةٍ (فَبَائِنَةٌ) أي فيقع طلقةٌ بائنة (وَإنْ نَوَى) الزَّوج (الثَّلَاثَ) فقالت: اخترت نفسي بواحدةٍ (يَقَعْنَ) لأنَّ الاختيار يصلح جواباً للأمر باليد لكونه تمليكاً كالتخيير، فصار كأنَّهَا قالت: اخترت نفسي بمرةٍ واحدةٍ وبذلك يقع الثلاث. وقال مالك: يقع بالتفويض ثلاثٌ. وقال الشافعيّ وأحمد: رجعيةٌ. (وَفِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ فِي تَطْلِقَيةٍ، أوْ اخْتَارِي تَطْلِيقَةً فاخْتَارَتْ) نفسها (فَرَجْعِيَّةٌ) لأنها تتصرف بِجَعْل الزّوج، وهو إِنما جعل لها تطليقةً صريحةً، والصّريح يعقب الرّجعة. (وَفِي: أمْرُكِ بِيَدِكِ اليَوْمَ وَغَداً يَدْخُلُ اللَّيْلُ) لأنه لم يتخلل بين الوقتين

стр. 852

وَإنْ رُدَّ في اليَوْمِ لا يَبْقَى بَعْدَهُ. وَإنْ قَالَ: اليَوْمَ وبَعْدَ غَدٍ، يَخْتَلِفُ الحُكْمَانِ. وَفِي: طَلِقي نَفْسَكِ إنْ نَوَى ثَلاثًا يَقَعْنَ، وَإلَّا فَرَجْعِيَّةٌ. وفي: طَلِّقِي ثَلاثًا يَقَعُ، لا فِي عَكْسِهِ. وَلَوْ أَمَرَ بالبَائِنِ أوْ الرَّجْعِيّ فَعَكَسَتْ يَقَعُ ما أَرَادَ بِهِ. وَالشَّرْطُ في: أنْتِ طَالِقٌ إن شِئْتِ، مَشِيئَةُ مَنَجَّزَةُ أوْ مُعَلَّقَة بِمَا قَدْ عُلِمَ وِجُودُهُ، لا مَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ === المذكورين وقتُ من جنسهما لم يتناوله الأمر، فكان أمراً واحداً (وَإنْ رُدَّ) الأمر من المرأة (في اليَوْمِ لَا يَبْقَى بَعْدَهُ) أي في الغد، كما لا يبقى في آخر النَّهار إذا قال لها: أمرُك بيدكِ اليوم وردّت في أوّله. (وَإنْ قَالَ:) أمرك بِيدِك (اليَوْمَ وبَعْدَ غَدٍ يَخْتَلِفُ الحُكْمَانِ) السابقان فلا يدخل الليل هنا، وإن ردّ الأمر في اليوم يبقَى بعد الغد خلافاً لزُفَر (وَفِي: طَلِقي نَفْسَكِ إنْ نَوَى ثَلَاثاً) فطلَّقت ثلاثاً: جملةً أو متفرقاً (يَقَعْنَ وَإِلاَّ) أي وإن لم ينوِ ثلاثاً بأن لم ينوِ شيئاً، أو نوى واحدةً أو ثِنتين والمرأة ليس بأَمَةٍ (فَرَجْعِيَّةٌ) أي فيقع طلقةٌ رجعيةٌ (وفي: طَلِّقِي) نفسك (ثَلَاثاً) فطلّقت واحدةً (يَقَعُ) واحدةٌ، وهو قول الشافعيّ وأحمد. وقال مالك: لا يقع شيءٌ، لأنها أتت بغير ما فوّض إليها. ولنا: أنها ملكت إيقاع الثلاث فتملك إيقاع الواحدة، لأن من مَلَك شيئاً ملك أَيّ جزءٍ من أجزائه (لَا فِي عَكْسِهِ) أي لا يقع شيءٌ في: طلِّقي نفسك واحدةً، فطلّقت ثلاثاً. وهذا عند أبي حنيفة، وهو رواية عن مالك، (وقول زُفَر. وقال أبو يوسف ومحمد: يقع واحدةٌ، وهو قول الشافعيّ وأحمد ورواية عن مالك) (١) ، لأنها أتت بما تملِكه وزيادة، فيقع ما تملكه وتُلْغَى الزّيادة. لأبي حنيفة: أنها مخالِفة، فكانت مبتدئةً لا مجيبة، وذلك أنّه فوّض إليها واحدة، فأتت بغيرها وهو الثلاث. (وَلَوْ أَمَرَ بالبَائِنِ أوْ الرَّجْعِيّ فَعَكَسَتْ) بأن قالت: طلّقت نفسي طلقةً رجعيّةً في جواب: طلّقي نفسك طلقةً بائنةً، أو قالت: طلّقت نفسي طلقةً بائنةً في جواب: طلّقي نفسك طلقةً رجعيّةً (يَقَعُ ما أَرَادَ بِهِ) الزَّوج كذا في «الهداية». والمذكور في «الخِزَانة»: أَنّه إذا عكست لم يقع أصلاً. (وَالشَّرْطُ في: أنْتِ طَالِقٌ إن شِئْتِ مَشِيئَةٌ مَنَجَّزَةٌ) أي غيرَ معلّقةٍ بشيءٍ بأن تقول: شئت، من غير أنْ تعلِّق (أوْ مُعَلَّقَةٌ بِمَا قَدْ عُلِمَ وِجُودُهُ) نحو شئت إن مضى

стр. 853

بَعْدُ، كَما لَوْ قَالَتْ: شِئْتُ إنْ شِئْتَ، فَقَالَ: شِئْتُ. وَفِي: كُلَّمَا شِئْتِ تُطَلِّقُ ثَلاثًا مُتَفَرِّقةً لا بَعْدَ التَّحْلِيلِ. وَفِي: كَيفَ شِئْتِ تَقَعُ بَائِنَةٌ أو ثَلاثٌ إنْ نَوَتْ وَلَمْ تُخَالِفْهَا نِيَّتُهُ، وَإلَّا فَرَجْعِيَّةٌ. وفي: مَا شِئْتِ مِنْ ثَلاثٍ مَا دُونَهَا. === أمس، أو إن كانت السّماء فوقنا، لأنّ التعليق بما عُلِمَ وجوده تنجيز. فقوله: الشّرط مبتدأ، ومَشِيئَةٌ خبره، ومعلقةٌ عطفٌ على مُنَجَّزَة، ومنجزةٌ صفةٌ لمشيئة (لَا مَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ بَعْدُ) ذلك كما لو قالت: شئت إن كان كذا، الأمر لم يجاء بعد، و (كَما لَوْ قَالَتْ: شِئْتُ إنْ شِئْتَ، فَقَالَ: شِئْتُ) لأنه علّق الطّلاق بالمشيئة المرسلة، وهي أتت بالمشيئة المعلّقة فلم يوجد الشّرط، فخرج الأمر من يدها لاشتغالها بما لا يعنيها. (وَفِي) أنتِ طالقٌ (كُلَّمَا شِئْتِ تُطَلِّقُ) المرأة نفسها (ثَلَاثاً مُتَفَرقةً) لا مجتمعة، لأن كلمة كلّمَا تفيد عمومَ الأفعال عمومَ انفرادٍ لا عمومَ اجتماع، ولو طلّقت ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ لا يقع شيءٌ عند أبي حنيفة، ويقع واحدةٌ عند أبي يوسف ومحمد، بناءً على أن إيقاع الثلاث إيقاع للواحدة كما قالا، أو ليس بإيقاع لها كما قال. (لَا بَعْدَ التَّحْلِيلِ) حتّى لو قال: أنتِ طالقٌ كلَّما شئت، فطلّقت نفسها ثلاثاً متفرقةً ثم عادت إليه بعد زوجٍ آخر، ثم طلّقت نفسها لم يقع شيءٌ، لأنّ التعليق ينصرف إلى الملك القائم، وهذا ملك جديد ليس في كلام الزوج ما يدلُّ على الإضافة إليه، وبهذا قال مالك والشافعيّ في قول. ولو طلّقت نفسها طلقةً أو طلقتين ثم عادت إليه بعد زوج آخر فلها أنْ تطلِّق بثلاثٍ خلافاً لمحمد، فإنه يقول: إِنها لا تطلِّق إلا ما بقي، بناءً على أنّ الزَّوج يملك بهذا العقد عليها الثّلاث وهو قولهما، أو ما بقي من النّكاح الأوّل وهو قول محمد. (وَفِي كَيْفَ شِئْتِ تَقَعُ بَائِنَةٌ أو ثَلَاثٌ) وفي نسخةٍ: أو ثلاثاً (إنْ نَوَتْ وَلَمْ تُخَالِفْهَا نِيَّتُهُ) جملة حاليّة، بأن شاءت واحدةً بائنةً ونواها الزّوج (أو لم يكن له نية، أو شاءت ثلاثاً ونواها الزّوج) (١) ، أو لم يكن له نيّة، لوجود المطابقة بين مشيئتها وإرادته إذا نوى. (وَإلاَّ) أي وإن لم يكن لها نيّة، أو كانت وخالفت نيتُه نيتها، بأن نوت واحدةً ونوى ثلاثاً، أو نوت ثلاثاً، ونوى واحدةً (فَرَجْعِيَّةٌ) أي فتطلق رجعيّة (وفي) طلِّقي (مَا شِئْتِ مِنْ ثَلَاثٍ) لها أنْ تطلِّق (مَا دُونَهَا) واحدةً أو ثنتين، وليس لها أنْ

стр. 854

فَصْلٌ في التَّعْليْقِ صِحَّةُ شَرْطِ التَّعْلِيقِ المِلْكُ، أوْ الإضَافَةُ إلَيهِ === تطلّق ثلاثاً وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول الشافعي وأحمد. وقال أبو يوسف ومحمد: لها أن تطلّق ثلاثاً، لأن «ما» مُحْكَمَةٌ في التعميم، و «من» قد تكون للتبيين فتحمل عليه كطلِّق «من» نسائي مَنْ شِئْتَ، وكل من طعامي ما شِئْتَ. ولأبي حنيفة: أنّ من للتبعيض كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (١)، وللتبيين كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ (٢) فتيقَّنا التبعيض، وشككنا في التعميم، فلا يثبت بالشك، والله تعالى أعلم. فصلٌ فِي التَّعْلِيقِ (صِحَّةُ شَرْطِ التَّعْلِيقِ المِلْكُ) بأن يكون المعلِّق مالكاً لِمَا علّقه في وقت التعليق، كأنْ يقول في التعليق لمنكوحته: إنْ دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ. (أوْ الإضَافَةُ إلَيْهِ) أي إلى الملك، بأنْ يعلِّق على نفس الملك نحو: إنْ ملكتُ طلاقك فأنتِ طالقٌ، أو على سببه نحو: إن تزوّجتك فأنتِ طالقٌ. ثم التعليق قد يكون بصريح الشَّرط وهو ظاهر، وقد يكون بمعناه ويشترط حينئذٍ أن تكون المرأة غير معينة نحو: المرأة التي أتزوّجها طالقٌ، بخلاف هذه التي أتزوّجها لأنها لَمّا تَعَرّفَتْ بالإشارة لم يراع فيها صفةُ التزوّج، فَبَقِي قوله: هذه طالقٌ. وقال الشافعي: لا يصح التعليق المضاف إلى الملك. وقال (مالك) (٣) في المشهور عنه: إذا لم يسمّ امرأةً بعينها، أو قبيلةً نحو قَرَشِيَّةٍ، أو أرضاً نحو مكيّة، أو نحو هذا، بأن قال: كل امرأةٍ، من غير زيادة وصف هنالك، فليس يلزمه ذلك لِمَا في «الموّطأ» أنّ عبد الله بن مسعود كان يقول فيمن قال: كل امرأة أنكحها فهي طالقٌ، إذا لم يسم قبيلةً أو امرأةً بعينها فلا شيء عليه. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت. انتهى. وهو قول ابن أبي ليلى، لِمَا فيه من باب سد نعمة النِّكاح على نفسه. وللشافعيّ ما روى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن عامر الأحْوَل، عن عمرو

стр. 855

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ابن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «لا نَذْرَ لابن آدم فيما لا يملك، ولا عِتْقَ له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك». قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء رُوِيَ في هذا الباب. ولقول ابن عباس، فإنه سُئِلَ عمَّن يقول لامرأة: إن تزوّجتُك فأنتِ طالقٌ، فتلا قوله تعالى: ﴿إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (١) وقال: شَرَعَ الله الطَّلاق بعد النِّكاح، فلا طلاق قبله. واستدل بقوله ﷺ «لا طلاق قبل النِّكاح، ولا عِتق قبل ملكٍ». رواه ابن ماجه بسنده. ولنا ما رواه في «الموطّأ»: أن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وابن شِهَاب، وسُلَيْمان بن يَسَار كانوا يقولون: إذا حلف الرّجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها، ثم أثِم ـ أي حنث ـ إنّ ذلك لازمٌ له إذا نكحها، أي قبل الحِنْث. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن سالم، والقاسم بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، والشَّعْبِيّ، والنَّخَعِيّ، والزُّهْرِيّ، والأسود (وأبي بكر بن عبد الرحمن) (٢) ، وأبي بكر بن عَمرو بن حَزْم، وعبد اللهبن عبد الرحمن، ومكحول الشَّاميّ في رجلٍ قال: إنْ تزوّجت فلانةً فهي طالقٌ، أو يوم أتزوّجها فهي طالقٌ، أو كلّ امرأةٍ أتزوّجها فهي طالقٌ. قالوا: هو كما قال. وفي لفظ: يجوز ذلك عليه ـ أي يقع ـ وقد نقل مذهبنا ـ (وهو قول عمر وابنه وابن مسعود) (٣) ـ أيضاً عن سعيد بن المُسَيَّبِ، وعطاء، وحَمَّاد بن أبي سليمان (وشُرَيْح ﵏ (٣). وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ أنه قال: في رجلٍ قال: كل امرأةٍ أتزوّجها فهي طالقٌ، وكل أمَةٍ أشتريها فهي حرةٌ: هو كما قال. فقال له مَعْمَر: أو ليس قد جاء: «لا طلاق قبل النِّكاح، ولا عِتْق إلاّ بعد الملك»؟ قال: إنما ذلك أن يقول الرّجل: امرأةُ فلانٍ طالقٌ، وعبدُ فلانٍ حرٌّ. وأمّا ما في «سنن الدَّارَقُطْنِيّ» عن أبي خالدٍ الوَاسِطِيّ بسنده عن النّبيّ ﷺ أنه سُئِلَ عن رجلٍ قال: يوم أتزوّج فلانةً فهي طالقٌ ثلاثاً، قال: «طلَّق ما لا يملك». فحديثٌ

стр. 856

وألْفَاظُهُ: إنْ، وإذَا، وإذَا مَا، وَمَتى، ومَتَى مَا، وكُلُّ، وكُلَّمَا === باطلٌ. قال صاحب «التّنْقِيح»: وأبو خالدٍ هو عمرو بن خالد وهو وَضَّاع. وقال أحمد ويحيى: كذَّابٌ. وما في «سننه» عن عليّ بن قرين بسنده عن أبي ثَعْلَبَة الخُشَنِيّ قال: قال عَمٌّ لي: اعمل لي عملاً حتّى أزوّجك ابنتي، فقلت: إن تزوّجتها فهي طالقٌ ثلاثاً، ثم بدا لي أنْ أتزوّجها، فأتيت النّبيّ ﷺ فسألته فقال لي: تزوّجها، فإنه لا طلاق إلاّ بعد النِّكاح. قال فتزوّجتها فولدت لي سعداً وسعيداً (١) . قال صاحب «التنقيح»: وهذا أيضاً باطلٌ، وعليّ بن قرين كذَّبه يحيى بن مَعِين وغيره. وقال ابن عَدِيّ: يسرِق الحديث. هذا وما صحّ من الأحاديث محمولٌ على نفي التنجيز لأنه هو الطّلاق، وأمّا المعلّق فليس بطلاقٍ، بل له عرضية أن يصير طلاقاً عند وجود الشّرط. وهذا محملٌ مأثورٌ عن السلف كما قدمناه عن الزُّهْرِيّ. وقد جمع أبو بكر بن العربي الأحاديث وقال: ليس لها أصلٌ في الصِّحَّة، ولهذا ما عمل بها مالك، وربيعة، والأوْزَاعِيّ. فإن قيل: لا معنى لحَمْله على التنجيز لأنه ظاهر يعرفه كل أحدٍ، فوجب حَمْله على التعليق. قلنا: صار ظاهراً بعد اشتهار حكم الشّرع لا قبله، فإنّهم كانوا في الجاهلية يطلّقون قبل التزوّج تنجيزاً ويعدّونه طلاقاً إذا وُجِدَ النِّكاح، فنفاه النّبيّ ﷺ بهذه الأحاديث. والله سبحانه أعلم. (وألْفَاظُهُ) أي ألفاظ التعليق المتداولة عند الفقهاء (إنْ، وإذَا، وإذَا مَا، وَمَتى، ومَتَى مَا، وكُلُّ، وكُلَّمَا) وهنا ألفاظٌ أُخَر للشرط لم يبحثوا عنها كثيرَ بحثٍ وهي: مَنْ، ومَا، وكَيْفَما، وأيْنَ، وغير ذلك. وعدّوا كلَّ واحدٍ من ألفاظ التعليق باعتبار أنّ الحكم يتعلّق بالفعل الذي يلي مدخولها نحو: كلُّ مَنْ دخلَتْ منكنَّ الدَّار فهي طالقٌ، فإنه لا تطلُق غير التي تدخل. ثم متى تقدّم الجزاء على الشرط امتنع أنْ يرتبط بحرف الفاء، ومتى تأخَّر عنه وجب أنْ يرتبط به إذا كان واحداً من سبعٍ وهي: طَلَبِيّةٌ، واسميّةٌ، وبجامدٍ، وبما، ولن، وبقد، وبالتنفيس. فلو قال: إن دخلت الدَّار أنتِ طالقٌ، يَتَنَجَّزُ عند محمدٍ وإن نوى التعليق، وهو قول أكثر أصحاب الشافعيّ لعدم ما به التعليق وهو الفاء. ولا يَتَنَجَّزُ عند أبي يوسف، وهو قول أحمد وبعض أصحاب الشافعيّ، لأن ذِكْرَ هذا الكلام لإرادة التعليق، والعبرة بالمعاني دون الألفاظ والمباني. ولو قال: أنتِ طالقٌ وإن دخلت الدّار يَتَنَجَّزُ اتفاقاً، لأنّ معناه في كل حال،

стр. 857

وَزَوَالُ المِلْكِ لا يُبْطِلُهُ، فَفِي غَيرِ "كُلَّمَا" إنْ وُجِدَ الشَّرْطُ مَرّةً فِي المِلْكِ يَنْحَلُّ إلَى جَزَاءٍ، وَإنْ وُجِدَ فِي غَيرِ المِلْكِ لا إلَى جَزَاءٍ. وَفِي "كُلَّمَا" يَنْحَلُّ بَعْدَ الثَّلاثِ، فَلا يَقَعُ إنْ نَكَحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ، إلّا إذَا دَخَلَتْ في التَّزَوُّجِ. === وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ أنْ دخلت الدَّار ـ بفتح الهمزة ـ، لأنّ أن للتعليل، ولا يشترط وجود العلة. وإن قال لها: إنْ دخلت الدَّار فأنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، فدخلت تلك الدَّار، فالواقع واحدةٌ عندنا، أي عند أبي حنيفة. وقالا: ثلاثٌ، كما قال مالك والشّافعيّ، كما لو أخّر الشّرط فقال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ إن دخلت الدَّار. ولو عطف بحرف الفاء فهو على الخلاف فيما ذكر الكَرْخِيُّ والطَّحَاوِيّ. وذكر الفقيه أبو اللَّيْث أنه يقع واحدةٌ بالاتفاق، لأنّ الفاء للتعقيب وهو الأصحّ. (وَزَوَالُ المِلْكِ لَا يُبْطِلُهُ) أي لا يبطل التعليق إذا لم يوجد الشّرط: بأن طلّق امرأته دون الثَّلاث وراجعها، ثم وُجِدَ الشرط فإنّه ينزل الجزاء، بل ينحلُّ اليمين لوجود الشّرط وإن لم يكن في الملك. فلو قال: إن دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ، ثم طلّقها واحدةً وانقضت عدّتها، ثم تزوّجها فدخلت الدَّار طَلُقَتْ لأنّ التعليق باقٍ لبقاء محله. (فَفِي غَيْرِ «كُلَّمَا») من ألفاظ التعليق (إنْ وُجِدَ الشَّرْطُ مَرّةً فِي المِلْكِ) المعلَّق فيه ولو بعد عقدٍ ثان فيه (يَنْحَلُّ) التعليق (إلَى جَزَاءٍ) لأنّ غير «كُلَّمَا» من ألفاظ التعليق لا يدلّ على التكرار، وقد وُجِدَ الشَّرط في الملك، فيقع الجزاء المعلّق عليه. (وَإنْ وُجِدَ) الشَّرط مرةً (فِي غَيْرِ المِلْكِ) ينحل التعليق لوجود الشرط (لَا إلَى جَزَاءٍ) لعدم المحليّة. قال ابن المنذر: أجمع مَنْ يُحفظ عنه العلمُ على أنّ الرّجل إذا قال لامرأته: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إن دخلتِ الدَّار، ثم طلَّقها ثلاثاً، ثم نكحت غيره، ثم نكحها الحالف، ثم دخلت الدَّار لا يقع عليها طلاقٌ. ولو أبانها بدون الثّلاث، ثم وُجِدَ الشَّرط انحلت اليمين حتى لو تزوّجها بعد لا يقع شيءٌ. وإن لم يوجد الشّرط في حال البينونة، ثم نكحها لم تنحل عند أبي حنيفة ومالك وأحد أقوال الشّافعيّ، وله قول: لا تعود الصفة بحالٍ. واختاره المُزَنِيّ. انتهى. (وَفِي «كُلَّمَا» يَنْحَلُّ بَعْدَ الثَّلاثِ فَلَا يَقَعُ) الطَّلاق (إنْ نَكَحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ) وقال زُفَر: يقع لأنّ «كلما» لعموم الأفعال قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً﴾ (١) . ولنا: أنّ التعليق والعموم باعتبار الملك الموجود، وقد زال ذلك الملك فيبطل (إلاّ إذَا دَخَلَتْ) كُلَّمَا (في التَّزَوُّجِ) نحو: كُلَّمَا أَتزوّجُكِ فأنتِ طالقٌ، فإنّ الجزاء يقع إن نكحها بعد زوج آخر، لأنّ انعقاد هذا التعليق على ما يملك عليها من

стр. 858

وَإنِ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ، فَالقَوْلُ لَهُ، إلّا مَعَ حُجَّتِهَا. وَفِي شَرْط لا يُعْلَمُ إلّا مِنْهَا نَحو: إنْ حِضْتِ فَأْنْتِ طَالِقٌ وفُلانَةٌ صَدَقَتْ في حَقِّهَا فَقَطْ، فَيُحْكَمُ بَعْدَ ثَلَاثةِ أيَّامٍ بِالطلاقِ في أوَّلِهَا. وفي: إنْ حِضْتِ حَيضَةً يَقَعُ إذَا طَهُرَتْ. وفي: إن صُمْتِ يَوْمًا إذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، بِخِلافِ إنْ صُمْتِ === الطّلاق بالتَّزوُّج، وهو غير محصور. (وَإنِ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالقَوْلُ لَهُ) أي للزَّوج لأنه ينكر وقوع الطَّلاق، وهي تدّعيه، والقول قول المُنْكِر. (إلاّ مَعَ حُجَّتِهَا) لأنّها أوضحت دعواها بالبينة. (وَفِي شَرْطٍ لَا يُعْلَمُ إلاّ مِنْهَا نَحو: إنْ حِضْتِ فَأْنْتِ طَالِقٌ وفُلَانَةٌ) فقالت: حضت، وكذّبها الزّوج (صُدِّقَتْ في حَقِّهَا فَقَطْ) أي ولم تُصَدَّق في حقّ فلانة (فَيُحْكَمُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ بِالطَّلَاقِ) أي بوقوعه (في أوَّلِهَا) أي أول الثَّلاثة. ومذهب الشّافعيّ عند انقضاء يومٍ وليلةٍ، وفي وجهٍ في مذهبه وهو قول أحمد: عند أول رؤية الدَّم. والقياس أنْ لا تُصَدَّق لأنها تدَّعي حِنْث الزّوج، وهو يُنْكره. ووجه الاستحسان أنها مأمورةٌ بإظهار ما عندها لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ في أرْحَامِهِنَّ﴾ (١) ولو لم يكن قولها فيه مقبولاً لم يكن لأَمْرها به فائدة. وإنما لا تصدق في حقّ فلانة لأنها متَّهمةٌ فيه، ولو صدَّقها الزَّوج طلقت ضَرّتها أيضاً لثبوت الحيض في حقّها بتصديقه. ولَمّا كان أقل الحيض عندنا ثلاثة أيامٍ، فإذا استمر الدمّ إليها عُرِفَ أنه حيضٌ، فتطلق عندها طلاقاً مستنداً إلى أوله. حتى لو كانت غير مدخولٍ بها وتزوّجت عند رؤية الدَّم، صحّ نكاحُها. (وفي: إنْ حِضْتِ حَيْضَةً) فأنتِ طالقٌ (يَقَعُ) الطَّلاق (إذَا طَهُرَتْ) لأنّ الحيضة اسم للمرّة من الحيض، ولا تحصل إلا بانتهائه وهو الطهر. ولو قال لحائض: إذا حِضْت فأنتِ طالقٌ لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض. ولو قال لطاهرٍ: إذا طَهُرْتِ فأنتِ طالقٌ لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر. لأنّ اليمين يقتضي شرطاً مستقبلاً، وهذا قد مضى بعضُه وبقي بعضه، وما مضى لا يدخل تحت اليمين فكذا ما بَقِيَ. (وفي: إن صُمْتِ يَوْماً) فأنْتِ طالقٌ فصامت يقع الطّلاق (إذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) لأنّ ذكر اليوم يدلّ على كمال الصّوم، وذلك بغروب الشّمس (بِخِلَافِ إنْ صُمْتِ) فأنتِ طالقٌ، فإِنها تطلق بأوّل الشّروع في الصّوم لوجود ركن الصّوم وعدم ما يدلَّ على

стр. 859

وإن عَلَّقَ طَلْقَةً بِوِلادَةِ ذَكَرٍ وَطَلْقَتَيْنِ بِأُنْثَى، فَوَلَدَتْهُمَا وَلَمْ يَدْرِ الأوَّلَ، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً قَضَاءً وَثِنْتَيْنِ تَنَزُّهًا، وَانْقَضَتْ العِدَّةُ بالثَّانِي. وإن عَلَّقَ بِشَيئَيْنِ يَقَعُ الطَّلاقُ إنْ وُجِدَ الثَّانِي في المِلْكِ. === كماله. (وإن عَلَّقَ طَلْقَةً بِوِلَادَةِ ذَكَرٍ وَطَلْقَتَيْنِ بِأُنْثَى) بأن قال: إن ولدتِ ذكراً فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإنْ ولدتِ أُنْثَى فثِنْتَيْنِ (فَوَلَدَتْهُمَا وَلَمْ يَدْرِ الأوَّلَ) كأنْ كانت الولادة ليلاً (طُلِّقَتْ وَاحِدَةً قَضَاءً) لتيقُّنِها (وَثِنْتَيْنِ تَنَزُّهاً) أي تباعداً عن الحرمة واحتياطاً حتى لو كانت عنده بتطليقة لا يتزوّجها (وَانْقَضَتْ العِدَّةُ بالثَّانِي) بيقينٍ لأن الحامل تنقضي عدّتها بوضع حملها، فإن ولدت الذَّكر أولاً انقضت عدّتها (بِوضْع الأُنثى، وإن ولدت الأنثى أولاً انقضت عدّتها بوضع) (١) الذَّكَر. وفي «الجامع»: لو قال: إن ولدت ولداً فأنتِ طالقٌ، وإن كان الذي تلدينه غلاماً فأنتِ طالقٌ ثنتين، فولدت غلاماً (٢) يقع الثلاث لوجود الشرطين، لأنّ المطلق موجود في ضمن المقيد، وهو قول مالك والشافعيّ. (وإنّ عَلَّقَ) الطّلاق (بِشَيْئَيْنِ يَقَعُ الطَّلَاقُ إنْ وُجِدَ الثَّانِي في المِلْكِ) سواء وُجِدَ الأول فيه أو لا، حتّى لو قال: إن كلّمتِ أبا عمرو وأبا زيدٍ فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، ثم طلّقها، ثم انقضت عدّتها، فكلّمت أبا عمرٍو، ثم تزوّجها فكلّمت أبا زيدٍ طلّقت ثلاثاً. قيّد بوجود الثّاني في الملك، لأنه لو وُجِدَ في غيره لا يقع الطّلاق باتفاق. سواء وُجِدَ الأوَّلُ في الملك، أو في غيره. وقال زُفَر: لا بدّ من وجود الأوّل في الملك أيضاً اعتباراً بالثّاني، إذ هما ـ لتوّقف الطّلاق عليهما ـ كشيءٍ واحدٍ. ولو ذُكِرَ الجزاء بين شرطين بغير حرف الواو والفاء، يُجْعَلُ الشّرط الأخير غاية لليمين. ولو ذُكِرَ الجزاء مؤخّراً عن الشّرطين، يُجْعَلُ الشّرط الأوَّل مع الجزاء جزاءً للشّرط الثّاني على التقديم والتأخير إن صلح لذلك بذكر الفاء أو إضماره في الشَّرط الأول في الذّكر، كقوله تعالى: ﴿فإذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ آتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ (٣) فإنّ التَّقدير ـ والله تعالى أعلم ـ إن أتين بفاحشةٍ فإذا أحصنّ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب،

стр. 860

والتَّنْجِيزُ يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ، فَلَوْ عَلَّقَ، ثُمَّ نَجَّزَ الثَلاثَ، ثُمٌ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ التَّحْلِيلِ، ثمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ لا يَقَعُ. وإنْ وَصَلَ: إنْ شَاءَ اللهُ بِكَلامِهِ بَطَلَ. === ومعنى أَحْصَنَّ ـ على قراءة الفتح (١) ـ أَسْلَمْنَ، وعلى قراءة الضم: زُوِّجْنَ. ولو ذُكِرَ الجزاء مقدماً على الشرطين، يُجْعَلُ الشّرط الأخير مقدماً في التقدير، ويكون شرطاً لانعقاد اليمين، والشَّرط السابق شرط الحنْث. فإذا قال: أنت طالقِ إن دخلت الدّار إنْ كلّمتِ زيداً، فإذا كَلَّمَتْ زيداً ينعقد اليمين، ثم إذا دخلت الدّار يقع الطّلاق. ونظيره في التقديم والتأخير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ ايُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (٢) . (والتَّنْجِيزُ) أي تنجيز الثّلاث (يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ) أي تعليق الثّلاث (فَلَوْ عَلَّقَ) بأنْ قال: إنْ دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ ثلاثاً (ثُمَّ نَجَّزَ الثَّلَاثَ) بأن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً قبل دخول الدّار. (ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ التَّحْلِيلِ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ) بأنْ دخلت الدَّار (لَا يَقَعُ) الطّلاق المعلّق، وهو قول الشّافعيّ الجديد ومالك وأحمد. وقال زُفَر ـ وهو قول الشافعيّ القديم ـ: يقع. (وإنْ وَصَلَ: إنْ شَاءَ الله بِكَلَامِهِ بَطَلَ) كلامه عند أبي حنيفة ومحمد، وبه قال ابن أبي ليلى وإسحاق، وأبو عُبَيْدَة، وبعض أصحاب الشافعيّ. وقال مالك: لا يبطل الطَّلاق والعَتَاق والصَّدقة، ويبطل اليمين والنَّذْر. وقال أحمد: لا يبطل الطَّلاق خاصةً. لنا: أنّ موسى ﵇ قال: ﴿سَتَجِدُني إنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً﴾ (٣) ولم يصبر. وما روى أصحاب السنن الأربعة من حديث أيُّوب السَّخْتِيَانِيّ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء اللَّهُ فلا حِنْثَ عليه». ولفظ أبي داود والنَّسائي: «فقد استثنى». قال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ. وقد رُوِيَ عن نافعٍ وسالمٍ عن ابن عمر موقوفاً، ولا نعلم أحداً يرفعه (غير أيّوب السَّخْتِيَانيّ. وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أحياناً يرفعه وأحياناً لا يرفعه) (٤) . انتهى. وهذا كله غير

стр. 861

فَصْلُ في طَلاقِ المَرِيضِ الفَارِّ مَنْ غَالِبُ حَالِهِ الهَلاكُ كَمَرِيضٍ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ مَصَالِحِهِ خَارِجَ الَبْيتِ، وَمَنْ بَارَزَ أوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ لِقِصَاصٍ أوْ رَجْم مَرِيضٌ مَرَض المَوْتِ، فَلَوْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ بِغَيرِ رِضَاهَا وَمَاتَ وَلَوْ بِغَيرِ ذَلِكَ السَّبَبِ، === قادحٍ (١) في الرَّفع لِمَا مرّ من نظائره غير مرّة. وروى ابن عَدِيّ في «الكامل» عن إسحاق بن أبي يحيى الكَعْبِيّ بسنده عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ «من قال لامرأته أنتِ طالقٌ إن شاء الله، أو لغلامه أنت حرٌّ إن شاء الله، أو عليّ المشي إلى بيت الله إن شاء الله، فلا شيء عليه». إلاّ أنّ الدَّارَقُطْنِيّ وابن حِبّان ضعّفا إسحاق. قيّد بالوصل لأنه لو فصل إن شاء الله عن كلامه لا يبطل كلامه. وأراد بالوصل ما يقابل الفصل غير الضّروريّ، فيشمل الفصل الضّروريّ كالفصل لتنفس أو عُطَاس أو جُشَاء أو ثِقَل لسان. والعطف في قوله: أنتِ طالقٌ (ثلاثاً وثلاثاً، أو في أنتِ حرّة وحرة إن شاء الله، فاصلٌ عند أبي حنيفة، خلافاً لهما حيث لم يعدّاه فاصلاً كما في قوله: أنتِ طالقٌ) وعبدي حرٌ إن شاء الله، لكون الكلام موصولاً ظاهراً. فصلٌ في طَلَاقِ المَرِيضِ الفَارّ (مَنْ غَالِبُ حَالِهِ الهَلَاكُ) مبتدأ (كَمَرِيضٍ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ مَصَالِحِهِ خَارِجَ الَبْيتِ) سواء عَجَزَ عن إقامتها داخل البيت أو لم يعجِز (وَمَنْ بَارَزَ) في الحرب، عطفٌ على مريضٍ (أوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ لِقِصَاصٍ أوْ رَجْمٍ) ونحوهما (مَرِيضٌ) خبر المبتدأ (مَرَض المَوْتِ) (احترازٌ عَمَّن أبانها في مرضه ثم صحّ ثم مات) (٢) ولأنّ الغالب في هذه الأشياء الهلاك. (فَلَوْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ) أي الحرّة المسلمة بأنْ طلّقها طلقةً بائنةً أو ثلاثاً (بِغَيْرِ رِضَاهَا) قيّد به لأنه لو أبانها بأمرها، أو بانت منه باختيارها نفسها بسبب تفويضٍ، أو جَبَ؛ أو عُنَّةٍ، أو خِيار بلوغٍ أو عتقٍ لا ترث، لأنها رضيت بإبطال حقّها (وَمَاتَ) في ذلك المرض، أو في تلك المبارزة، أو ذلك التقديم (وَلَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ السَّبَبِ) بأنْ مات

стр. 862

وَهِيَ فِي العِدَّةِ تَرِثُ. === في ذلك المرض بغيره، وفي تلك المبارزة بمرض، وفي ذلك التقديم بغير القتل أو الرّجم، لأن الموت قد اتصل به في مرضه الذي طلّقها فيه فيكون فارّاً. (وإنما قلنا في ذلك المرض احترازاً عمّن أبانها في مرضه، ثم صحّ ثم مات فإنه لا يكون فارَّاً) (١) ، خلافاً لزُفَر. (وَهِيَ فِي العِدَّةِ) قيّد به لأنه لو مات بعد العِدَّة لا ترث. وقال ابن أبي لَيْلَى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن رَاهُويه، وأبو عُبيد: ترث بعد العِدّة ما لم تتزوج بآخر. وعن مالك واللّيث: وإن تزوّجت بأزواجٍ (تَرِثُ) وفي نسخة: ترثه. وهذا جواب لو، وبه قال مالك كما في الطّلاق الرّجعيّ. وقال الشّافعيّ في الجديد، وأبو ثور، وابن المنذر: لا ترث، وهو القياس. لأن سبب الإرث ـ وهو الزوجية ـ قد ارتفع قبل الموت، فصار كما لو طلّقها قبل الدّخول، أو في الصَّحَّة، ولهذا لو حلف أنه لا زوجة له لا يحنَث. ولنا أنّ الزَّوجية سبب إرثها، والزّوج قصد إبطالها فيردّ عليه قصده بتأخير عمله إلى انقضاء العِدّة لبقاء بعض الأحكام، بخلاف ما إذا ماتت هي حيث لا يرثها، لأنه رضي بذلك، وبخلاف ما إذا طلّقها بسؤالها لأنها رضيت ببطلان حقّها، واستحساناً لاتفاق الصَّحابة، فقد رُوِيَ أنّ عبد الرّحمن بن عوف لَمّا بَتّ طلاق امرأته ـ تُمَاضِر بنت الأصبغ بن زياد بن الحُصَيْن الكلبيّة (٢) ـ في مرضه، ومات عبد الرّحمن وهي في العِدّة وَرَّثَها عثمانُ بمحضَرٍ من المهاجرين والأنصار وقال: ما اتَّهَمْتُه، ولكن أَرَدتُ السُّنَّة. ورُوِيَ عن عمر وعائشة وابن مسعود وابن عُمر وأبيّ بن كعب ﵃: أنّ امرأة الفارّ تَرِثُ ما دامت في العِدّة. وعن إبراهيم: جاء عُرْوَة البَارِقِيّ إلى شُرَيْح من عند عمر بخمس خصالٍ منها: ما إذا طلّق المريض امرأته ثلاثاً ورثته إذا مات وهي في العدّة. وعن الشَّعْبِيّ: أنَّ أمّ البنين بنت عُيَيْنَة بن حصن الفَزَارية كانت تحت عثمان بن عفّان ﵁ ففارقها بعدما حُصِرَ، فجاءت إلى عليّ بعدما قُتِلَ وأخبرته بذلك، فقال: تركها حتى إذا أشرف على الموت فارقها، وورّثها منه. ويشكل هذا بقولهم: لو

стр. 863

وَمَنْ هُوَ في صَفِّ القِتَالِ، أوْ حُمَّ، أوْ حُبِسَ لِقَتْلٍ صَحِيحٌ === كان محصوراً في حصن لا يكون فاراً. وعن عائشة: أنّ امرأة الفَارِّ ترث منه ما دامت في العدّة. وعن أبيّ بن كعب: أنها ترث ما لم تتزوّج. وقال ابن سِيرِين: كانوا يقولون ولا يختلفون: من فرّ من كتاب الله رُدّ إليه. يعني هذا الحكم يردّ عليه قصده. ولم يُنْقَلْ عن صحابيّ خلافه، وبه قال النَّخَعِي، والشَّعْبِيّ، وسعيد بن المُسَيَّب، وابن سيرين، وعُرْوَة، وشُرَيْح، وطَاوُس، والثَّوْرِيّ، وابن شُبْرُمة، وحمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، وبمثله يُتْرَك القياس. وابن عوف لم ينكر التوريث حتى رُوِي عن عثمان (أنه) (١) عادَهُ فقال: لو مُتَّ ورّثتها منك، فقال: أنا أعلم ذلك، ما طلّقتها فراراً ولا ضِراراً. وقال ابن أبي ليلى: إنّ عدّتها في حقّ الميراث لا تنقضي حتى إنّ لها الميراث ما لم تتزوّج، فإذا تزوّجت فهي التي رضيت بسقوط حقّها، ولها ذلك كما لو سألته في الابتداء. ولكنّا نقول لَمّا انقضت عدّتها حلّ لها أن تتزوّج، وذلك دليلٌ حكميّ منافٍ للنِّكاح الأوّل، فلا يبقى معه النِّكاح حكماً كما لو تزوّجت. وعلماؤنا شرطوا بقاء عدّتها لإرثها منه، ونفاه مالك وورّثها منه وإن تزوّجت، لإطلاق: مَنْ فرّ مِنْ كتاب الله رُدَّ إليه. قلنا: المرأة الواحدة لا ترث من زوجين بحكم النِّكاح، وما قال (٢) يؤدي إليه. ويجعل أبو يوسف العدّة بالأَقراء، لأنّ النِّكاح قد انقطع بالطّلاق قبل الموت، فلزمها أن تعتدّ بثلاث حِيَضٍ، وإبقاء النّكاح في حق الإرث أمرٌ حكميٌّ، فلا يظهر في حقّ تغيير العدّة. وأبو حنيفة ومحمد قدّراها بأبعد الأجلين، لأن نكاحها لها إذا بَقِيَ في حقّ الإرث، فبقاؤه في حقّ العدّة أوْلى لأنها أسرع ثبوتاً منه، ولهذا وجبت دونه في النِّكاح الفاسد. (وَمَنْ هُوَ في صَفِّ القِتَالِ أوْ حُمَّ) أي حصل له حُمًّى لم يَعْجِز معها مِنْ إقامة مصالحه خارج البيت. فمَنْ مبتدأ، وحُمّ عطفٌ على هو في صفّ القتال، وكذا قوله: (أوْ حُبِسَ لِقَتْلٍ) في حدَ، أو قصاصٍ، أو نزل في مَسْبَعَةٍ ـ وهي أرضٌ كثيرة السَّبُع ـ أو في مخيفٍ من عدوٍ، أو حُصِرَ في حصنٍ أو دارٍ (صَحِيحٌ) خبر المبتدأ، والمراد به

стр. 864

وَلَوْ تَصَادَقَا في مَرَضِهِ عَلَى طَلاقِهَا، ومُضِيّ عِدّتِهَا، أوْ أبَانَهَا بِأمْرِهَا، ثمَّ أَقَرّ لهَا بَدَيْنٍ، أوْ أوْصَى، فَلَهَا الأَقَلُّ مِنْهُ وَمِنَ الإرْثِ. وإنْ عَلّقَ بَيْنُونَتَهَا بِشَرْطٍ ووُجِدَ في مَرَضِهِ، تَرِثُ إنْ عَلَّقَ بِفِعْلِهِ أو بِفِعْلِهَا. وَلا بُدَّ لَهَا مِنْهُ === صحيحٌ في حقّ الطّلاق حتى لو طلّقها في حال من هذه الأحوال، ومات بذلك السبب وهي في العدّة لا ترث، لأنه لا يغلب في مثل هذا الهلاكُ. (وَلَوْ تَصَادَقَا) أي الزّوج والمرأة (فِي مَرَضِهِ عَلَى طَلَاقِهَا ومُضِيّ عِدّتِهَا) بأنْ يقول: كنت طلّقتك ثلاثاً في صِحَّتي، وانقضت عدّتك وصدّقته. (أوْ أبَانَهَا بِأمْرِهَا ثُمَّ أَقَرّ لهَا) بعد التّصادق أو الإبانة (بَدَيْنٍ أوْ أوْصَى) بوصيةٍ (فَلَهَا الأَقَلُّ مِنْهُ) أي من كلّ واحد من الإقرار والوصية (وَمِنَ الإرْثِ) وهذا عند أبي حنيفة في المسألتين أعني التّصديق والإبانة، وعند أبي يوسف ومحمد في البائنة. وقال زُفَر: لها جميع ما أقرّ به أو أوصى في المسألتين، وإن تصادقا على الإبانة ومُضِيّ العدّة في زمان الصِّحَّة فأقرّ، أو أوصى لها بشيءٌ فالحكم كما تقدّم عند أبي حنيفة، وحَكَما بصحَّتها كمالك والشَّافعيّ. (وإنْ عَلَّقَ) الزّوج (بَيْنُونَتَهَا بِشَرْطٍ ووُجِدَ) ذلك الشّرط (في مَرَضِهِ) سواء كان التعليق في الصّحَّة أو في المرض (تَرِثُ إنْ عَلَّقَ بِفِعْلِهِ) سواء كان الفعل ممّا له منه بدّ، أو ممّا لا بدّ منه، لأنه قصد إبطال حقّها بالتعليق وبمباشرة الشّرط في المرض فيردّ عليه. قيّد بالبينونة، لأنه لو علّق الرّجعيّ ورثت في الأحوال الماضية (١) كلها إذا مات في عدّتها (أو بِفِعْلِهَا وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ) كالأكل والشُّرب وكلام الأبوين وقضاء الدّين واستقضائه، سواء كان التعليق في الصّحَّة أو في المرض، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد ـ وهو قول زُفَر ـ: إذا كان التعليق في الصِّحَّة والشّرط في المرض لا ترث، لأنه لم يوجد من الزّوج صنع بعد تعلّق حقّها بماله، وإنّما المرأة أبطلت حقّها بإتيانها بذلك الفعل. ولهما: أنّ الزّوج ألجأها إلى المباشرة، فينتقل إليه الفعل كما في الإكراه. وفي مبسوط فخر الإسلام: الصحيح في هذه المسألة قول محمد. قيّد الفعل

стр. 865

أوْ بِغَيرِهمَا، وَقَدْ عَلَّقَ فِي المَرَضِ. فَصْلُ [في الرَّجْعَةِ] تَصِحُّ الرَّجْعَةُ في العدّةِ. وَإنْ أَبَتْ إذَا لَمْ تَبِنْ خَفِيفَةً أوْ غَلِيظَةً بِنَحْوِ: رَاجَعْتُكِ، وبوطئها ومَسِّهَا بِشَهْوَةٍ، وَنَظَرِهِ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ. === بكونه لا بدّ لها منه، لأنه لو كان لها منه بدّ لا ترث، سواء كان التعليق والشّرط في المرض، أو كان التعليق في الصّحَّةِ والشَّرط في المرض، لأنها رضيت بالشّرط فصار كما لو طلّقها بسؤالها (أوْ) عَلَّقَ (بِغَيْرِهِمَا) أي بغير فعله وفعلها بأن علّق بينونتها بفعلٍ أجنبيّ أو بمجيء وقتٍ (وَقَدْ عَلَّقَ فِي المَرَضِ) قيّد به، لأنه لو علّق في الصّحّة لا ترث. وقال زُفَر وأحمد والأوزاعيّ (والثَّوْرِيّ) (١) : ترث، لأنّ المعلّق بالشّرط كالمُنَجَّزِ عند وجوده، فكان تطليقاً بعد تعلّق حقّها فيردّ عليه لأنه ظلم. ولنا: أنّ المعلّق بالشّرط كالمُنَجَّزِ عنده حكماً لا قصداً، ولا ظلم إلاّ عن قصدٍ، فلا يردّ تصرفه. والله أعلم. فصلٌ (في الرَّجْعَةِ) (تَصِحُّ الرَّجْعَةُ) بفتح الرّاء وبكسرها (في العِّدّةِ) لقوله تعالى: ﴿فإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢) ، ولأنّ الرّجعة استدامة ملك النِّكاح، ولا ملك بعد انقضاء العدّة. والدليلُ على بقاء الملك مطلقاً أنه يملك التّصرفات كالظِّهار والإيلاء، وأنّهما يتوارثان، وأنّه يحِل وطؤها بعد الرّجعة، وهي ليست بسبب لحِل الوطاء مقصوداً، حتى لا يُعْتَبر فيها مهرٌ ولا رضاها، وهذا معنى قوله: (وَإنْ أَبَتْ) أي المرأة لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بَرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ (٣) أي زمان العدّة، وعليه إجماع أهل العلم (إذَا لَمْ تَبِنْ) لم تصر بائنة (خَفِيفَةً) وهي طلقةٌ بائنةٌ (أوْ غَلِيظَةً) وهي الثلاث في الحرّة. والثنتان في الأمة (بِنَحْوِ: رَاجَعْتُكِ) وارْتَجَعْتُكِ، ورَجَّعْتُكِ، ورددتك، وأمْسَكْتُكِ، ومَسَكْتُكِ، أو رَاجَعْتُ امرأتي إن كانت غائبةً، وهذا صريح الرّجعة. وأمّا كِنَايتها فنحو: أَنتِ عندي كما كُنتِ، وأنتِ امرأتي إذا نوى الرّجعة (وبوطئها) في فَرْجها أو دُبُرها، وعليه الفتوى. (ومَسِّهَا بِشَهْوَةٍ وَنَظَرِهِ إِلَى فَرْجِهَا) الدّاخل (بِشَهْوَةٍ) قيّد بالفرج لأن النّظر إلى دُبُرها ليس برجعة. وقال مالك

стр. 866

وَنُدِبَ إشْهَادُهُ عَلَى الرَّجْعَةِ وإعْلامُهَا بِهَا، === وإسحاق: إنْ أراد بالوطاء الرّجعة فهو رجعة. وقال الشافعيّ وأبو ثوّر: لا تكون الرّجعة إلاّ بالقول. ولنا: أنه بوطئها وبكل فعلٍ يختصّ بالنِّكَاح يكون مستديماً لملك النِّكاح، كَوطاء البائع أَمته إذا كان له الخِيار. ولو لَمَست زوجها بشهوةٍ، أو نظرت إلى فَرْجه بشهوةٍ وعلم الزّوج بذلك وتركها، فهو رجعة. وإن كان ذلك اختلاساً منها لا بتمكينه، فقال السَّرَخْسِيّ وشيخ الإسلام: إِنه رجعة عند أبي حنيفة ومحمد اعتباراً بالمصاهرة، وليست برجعة عند أبي يوسف، لأنّ الرّجعة إنما تكون من جانب الزّوج. ولو تزوّجها في العدّة فَرَجْعَةٌ عند محمد، ولغوٌ عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف روايتان. قال أبو جعفر: وبقول محمد نأخذ. وفي «الينابيع»: وعليه الفتوى. (وَنُدِبَ إشْهَادُهُ عَلَى الرَّجْعَةِ) بأن يقول لاثنين من المسلمين: اشهدا أنّي راجعت زوجتي، وبهذا قال مالك، والشافعيّ في الأصحّ، وأحمد في رواية. وقال القاضي أبو بكر بن العلاء، وأهل الظّاهر: يجب الإشهاد لقوله تعالى: ﴿وأشْهِدُوا ذَوي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) حيث أَمر بالإشهاد، والأمر للوجوب. ولنا: أن النصوص الواردة في الرّجعة ليست مقيّدة بإشهادٍ لقوله تعالى: ﴿فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقّ برَدِّهِنَّ﴾ (٣) ، وقوله تعالى: ﴿فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٤) وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (٥) ، وقوله ﷺ «مُرْ ابنك فليراجعها» (٦) . وهو مرويّ عن ابن مسعود وعمّار بن ياسر. (و) نُدِبَ (إعْلَامُهَا) أي إعلام الرجل المرأة (بِهَا) أي بالرّجعة، لأنها إذا لم تعلم ربّما تزوّجت بآخر بعد انقضاء عدّتها. قال الطَّحَاوِيّ في شرحه: والرجعة على ضربين: سُنِّيٌّ وبِدْعِيٌّ، فالسُّنِّيُّ أن يراجعها بالقول، ويُشْهِدُ على رجعتها ويُعْلِمها، حتى لو

стр. 867

وَأنْ لا يَدْخُلَ عَلَيْهَا حَتَّى يُؤْذِنَهَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ رَجْعَتَهَا. ومُعْتَدَّةُ الرَّجْعِيِّ تتَزَيَّنُ، وَلَهُ وَطْؤُها، ولا يُسَافِرُ بِهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا. وصُدِّقَتْ في مُضِيِّ عِدَّتِهَا إنْ أَمْكَنَ، وَفِي بَقَائِهَا === راجعها بالقول ولم يُشهد أو أشهد ولم يعلمها كان مخالِفاً للسُّنَّة. وقال الحاكم الشهيد: وإذا كَتَمها الطّلاق، ثم راجعها وكتمها الرّجعة، فهي امرأته، غير أنه قد أساء فيما صنع. ولو راجعها ولم تعلم حتى انقضت عدّتها وتزوّجت بآخر، فهي امرأته ويُفَرَّقُ بينها وبين الثّاني سواء دخل بها، أو لم يدخل. (وَ) نُدِبَ (أنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا حَتَّى يُؤْذِنَهَا) أي يُعْلِمها بدخوله: بأنْ يخفق نعله أو يتنحنح (إنْ لَمْ يَقْصِدْ رَجْعَتَهَا) لأنّه قد يقع بصره على موضعٍ يصير به مراجِعاً، فيحتاج إلى طلاقها ثانياً فيطوّل عليها العدّة، وتتضرر بامتداد المدّة. (ومُعْتَدَّةُ الرَّجْعِيِّ تَتَزَيَّنُ) لأنّ النِّكاح قائمٌ إلى انقضاء العدّة، ولهذا يجري التوارث بينهما، وتطلق طلقة أخرى إذا قال: كل امرأة لي طالقٌ. ولأنّ التَّزيّن ربّما كان حاملاً له على الرّجعة وهي مستحبة. (وَلَهُ وَطْؤُهَا) ويكون به مراجعاً. وقال الشّافعيّ: ليس له ذلك. ولنا أنّ الزّوجيّة قائمةٌ لأنه تعالى سمّاه بَعْلاً بقوله تعالى: ﴿وبعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بَرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ (١) ولأنه يملك مراجعتها بالقول من غير رضاها، والأجنبيّ لا يقدر على ذلك. (ولَا يُسَافِرُ بِهَا حَتَّى) يراجعها و (يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا) على سبيل الاستحباب، لأنّ بالإشهاد يَتقرَّر ملك الزّوج اتفاقاً. وقال زُفَر: يجوز له أنْ يسافر بها، وإن لم يراجعها لأنّ النِّكاح بينهما قائمٌ، فصار كما لو لم يطلّقها. ولنا: قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٢) الآية في الرّجعي لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣) ، وقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ ايُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْراً﴾ (٤) . (وصُدِّقَتْ في مُضِيِّ عِدَّتِهَا إنْ أَمْكَنَ) مُضِيُّها (وَفِي بَقَائِهَا) واخْتُلِفَ في أقل مدّة تُصَدَّق فيها الحرّة الحائض في انقضاء عدّتها: فقال أبو حنيفة: ستون يوماً، وقال أبو يوسف ومحمد: تسعةٌ وثلاثون يوماً، وقال مالك: أربعون يوماً، وقال الشافعيّ: أكثر

стр. 868

وتَكْذِيبِهَا إخْبَارَهُ بالرَّجْعَةِ في العِدَّةِ. وَلا تَحِلُّ حُرَّةٌ بَعْدَ ثَلاثٍ، وَلا أَمَةٌ بَعْدَ ثِنْتَيْنِ، حتى يَطَأَهَا بَالِغٌ أوْ مُرَاهِقٌ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَتمْضِي عِذَةُ طَلاقِهِ === منِ اثنين وثلاثين يوماً، وقالت الحنابلة: تسعةٌ وعشرون يوماً. وأمّا أقلّ مدّة تُصدّق فيها الأمَة، فعند أبي حنيفة على تخريج محمد: أربعون يوماً، وعلى تخريج الحسن خمسةٌ وثلاثون يوماً، وعند أبي يوسف ومحمد: أحد وعشرون يوماً. (و) في (تَكْذِيبِهَا إخْبَارَهُ) أي وصدقت المرأة في تكذيبها إخبار الزّوج بعد العدّة (بالرَّجْعَةِ في العِدَّةِ) بأنّ قال بعد العدّة: كنت راجعت فيها، وكذَّبته. ويجوز أنْ ينكح الرّجل مبانته في العدّة وبعدها لبقاء المحل، وإنما مُنع الغير من نكاحها في العدّة لاشتباه النَّسَبِ، وهو إنما يكون عند اختلاف المياه، ولا اختلاف ههنا. (وَلَا تَحِلُّ حُرَّةٌ) لمطلِّقها قبل الدّخول بها أو بعده (بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَلَا أَمَةٌ) لمطلّقها كذلك (بَعْدَ ثِنْتَيْنِ حتّى يَطَأَهَا) ولو بغير إنزالٍ، أو في حيضٍ، أو صومٍ، أو إحرامٍ (بَالِغٌ أوْ مُرَاهِقٌ) وهو القريب من البلوغ. وقيل: الذي تتحرك آلته ويشتهي الجِماع. وقال سعيد بن المسَيَّب: لا يشترط الوطاء، لِمَا في «سنن سعيد بن منصور»، عن ابن المُسَيَّب قال: النّاس يقولون حتى يجامعها، أمّا أنا أقول إذا تزوّجها نكاحاً صحيحاً فإنها تحلّ للأول. وقد تبعه طائفة من الخوارج واسْتُغرِبَ هذا منه حتى قيل: لم يبلغه الحديث. كما استُغْرِبَ من الحسن اشتراط الإنزال نظراً إلى معنى العُسَيْلَة، وقولهما غير معتبرٌ حتى لو قضى القاضي به لا ينفذ. (بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ) لا بملك يمين ولا نكاحٍ فاسدٍ، لأن النِّكاح مشروطٌ بالنص، فلا يتناول وطاء المولى وهو مطلق، فلا يتناول الفاسد لأنّ المطلق يحمل على الكامل. وقال الشافعيّ في القديم: الوطاء في النِّكاح الفاسد يحلّ. (وقال مالك وأحمد في رواية: الوطاء في الحيض أو الإحرام لا يحلّ كالنكاح الفاسد) (١) . وحتّى (تَمْضِي عِدَّةُ طَلَاقِهِ) أو عدّة موته لقوله تعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ (٢) المراد الطلقة الثّالثة، والثنتان في الأمة كالثلاث في الحرّة، إذ الرِّق مُنَصِّفٌ لِحِل المحل.

стр. 869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والوطاء شرطٌ عند الجمهور لِمَا روى أصحاب الكتب الستة من حديث عائشة قالت: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن رجلٍ طلّق امرأته، فتزوّجت زوجاً غيره فدخل بها، ثم طلقها قبل أنْ يواقعها أتحلُّ لزوجها الأول؟ قال: «لا حتّى يذوقَ الآخَرُ من عُسَيْلَتِها ما ذاق الأوّل». وفي نسخة: «مثل ما ذاق الأوّل». وروى أحمد في مسنده، عن مروان عن أبي عبد الملك المَكِيّ (١) ، عن عبد الله ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة: أنّ النبيّ ﷺ قال: «العُسَيْلَةُ الجِماع». ورواه الدَّارَقُطْنِيّ في سننه، لكن المَكِّيّ مجهولٌ. وفي السُّنَن إلاّ أبا داود عنها أيضاً قالت: جاءت امرأة رِفَاعَة القُرَظِيّ إلى النّبيّ ﷺ فقالت: كنت عند رِفَاعة فطلّقني وبَتّ طلاقي، فتزوّجتُ بعده عبد الرحمن بن الزُّبير، وإنَّ ما معه مثل هُدْبَةِ الثَّوب (٢) ، فتبسَّم ﷺ وقال: «أتريدين أنْ ترجعي إلى رِفاعة»؟ قالت: نعم. قال: «لا حتّى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ من عُسَيْلَتكِ». وفي لفظ للبخاري قال: كَذَبَتْ والله يا رسول الله، إنّي لأنفُضُها نفضَ الأديم (٣) ، ولكنها ناشزٌ تريد أن ترجع إلى رِفَاعة. فقال رسول الله ﷺ «فإن كان ذلك لا تَحِلِّين له حتّى يذوقَ من عُسَيْلَتِكِ». قال: وكان مع عبد الرحمن ابنان له من غيرها، فقال ﷺ «بَنُوكَ هؤلاء؟». قال: نعم. فقال لها: هذا، وأنتِ تَزْعُمين ما تزعمين، فوالله لَهُمْ أشبهُ به من الغُراب بالغُراب». وقد ثبت شرط الدّخول بإشارة النص، وهو أن يحمل النِّكاح على الوطاء حملاً للكلام على الإفادة دون الإعادة (٤) ، إذ العقد استفيد من إطلاق اسم الزّوج (٥) . وفي «المبسوط»: المقصود منع الزّوج من استكثار الطَّلاق، وذا لا يحصل بمجرد العقد، بل

стр. 870

النِّكَاحُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ يُكْرَهُ ويُحِلُّ === بما فيه من المغايظة للزوّج، ودخول الثَّاني مباحٌ مُبْغَضٌ عند الزّوج الأول، كما أَنّ الاستكثار من الطّلاق مباحٌ مُبْغَضٌ أي عند الله ليكون الجزاء بحسب العمل أي ﴿جزَاءً وِفَاقاً﴾ (١) . وفي «الأصل»: وإذا طلّق الرّجل امرأته ثلاثاً جميعاً، فقد خالف السُّنَّة وهي طالقٌ ثلاثاً، ولا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره، ويدخلَ بها. بلغنا ذلك عن رسول الله ﷺ وعن عليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وغيرهم، إن دخل بها أو لم يدخل بها ـ أي الزّوج الأول ـ فهو سواء. وعن «المُشْكِلَات»: من طلّق امرأته غير المدخول بها ثلاثاً، فله أنْ يتزوّجها بلا تحليل، وأمّا قوله تعالى: ﴿فإنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ منْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ (٢) ففي حقّ المدخول بها. انتهى. وهذه روايةٌ مردودةٌ بالغ ابن الهُمَام في تخطئة قائلها، بل قيل: بتكفيره. وذكر التُّمُرْتَاشِيّ عن «فتاوى الوتري»: أنّ الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الجِماع لو أولج بمساعدة اليد لا تحلّ. وفي «العيون» و «الفتاوى الصغرى»: لو خافت أنّ يَظْهَر أمرها على المُحَلِّل تَهَب لبعض من تثق به مالاً يشتري به مراهقاً فيتزوّجها به بشاهدين ويدخل بها، ثم يهَب المشتري المملوك من المرأة فيبطل النِّكاح، وترسل المملوك إلى بلدٍ آخر وتبيعه، فلا يظهر أمرها بوطاء الزَّوج الثّاني. وذكر التُّمُرْتَاشِيّ أنها إن خافت أن لا يطلّقها المحلِّل فقالت: زوّجتُك نفسي على أنّ أمري بيدي أطلق نفسي كُلَّمَا أردت، فقيل: جاز النِّكاح، وصار أمرها بيدها. ولو كانت المرأة مُفْضَاة (٣) لا تَحِلُّ للأول بعد دخول الثّاني إلاّ إذا حَبِلت، ليعلم أنّ الوطاء كان في قُبُلِها. ووطاء الذميّ الذميّة يُحِلّها، وبه قال الشّافعيّ وأحمد. وقال مالك: لا يُحِلّها بناءً على فساد أنكحتهم عنده. (والنِّكَاحُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ) بأنْ يقول هو تزوّجتك على أنْ أُحَلِّلَكِ، أو تقول هي تزوّجتُك على أنْ تُحَلِّلَنِي (يُكْرَهُ ويُحِلُّ) بضم فكسر أي يثبت الحِلُّ. قيّد بشرط التحليل، لأنه لو لم يكن بشرطٍ بل كان بنيته لا يكره. قال المَرْغِينَانِيّ: ويُثَاب على ذلك إذا كان قصده به الإصلاح.

стр. 871

وإنْ قَالَتْ: حَلَلْتُ، والمُدَّةُ تَحْتَمِلُ، وغَلَبَ عَلَى ظَنّهِ صِدْقُهَا، حَل له نِكَاحُهَا. === وقال مالك والشافعيّ وأحمد وأبو يوسف واللّيث وإسحاق وأبو عُبَيْدَ: اشتراط التحليل يُفْسد العقد، ولا تَحِلّ للأول. وقال محمد رحمه الله تعالى: لا يفسد العقد، ولا تحلّ للأوّل. لهم: ما رواه الحاكم في «المستدرك» وصححه، من حديث عمرو بن نافعٍ، عن أبيه أنه قال: جاء رجلٌ إلى ابن عمر ﵁ فسأله عن رجلٍ طلّق امرأته ثلاثاً، فتزوّجها أخٌ له ليحلّها ـ وفي نسخة: ليحَلِّلَها ـ لأخيه هل تحلّ للأوّل؟ قال: لا إِنَّ النِّكاح رغبةٌ، كنّا نعدّ هذا سِفاحاً (١) على عهد رسول الله ﷺ وما روى النَّسائي، وأحمد، والترمذيّ وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ، أنه قال ﷺ «لعن الله المُحَلِّلَ والمُحَلَّل له». وما روى ابن ماجه من حديث ابن عبّاس وعُقْبَة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أخبركم بالتيس المُسْتَعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: «هو المحِلّ ـ، وفي نسخة: المحلل ـ لعن اللَّهُ المحلِّل والمحلَّل له». قال عبد الحق (في «الأحكام»: إسناده حسن، وروى أبو داود) (٢) والترمذيّ، وابن ماجه، عن الحارث، عن عليّ قال: لعن رسول الله المحلِّل والمحلَّل له. ورواه الترمذي والنَّسائي عن ابن مسعود من غير وجهٍ. ورواه أحمد، والبزَّار وابن أبي شَيْبَة، وغيرهم عن أبي هريرة بنحوه سواء. ولنا: أنّ شرط التَّحليل في النِّكاح شرطٌ فاسدٌ، والنِّكاح لا يفسد بالشُّروط الفاسدة، إلاّ أنّ محمداً لم يثبت الحِلَّ للأوَّل لأنه استعجل ما أخّره الشرع فجُوزِيَ بمنعه. فهذا الحديث يقتضي صحة النِّكاح والحلّ للزّوج الأوّل والكراهة. والجواب عن حديث الحاكم: أنّه ليس بمرفوعٍ فلا يُعَارِضُ المرفوع. (وإنْ قَالَتْ) المُطَلَّقة ثلاثاً (حَلَلْتُ، والمُدَّةُ تَحْتَمِلُ) بأن ذكرت لكل عِدَّةٍ ما يمكن، وهو شهران عند أبي حنيفة ﵀، وتسعة وثلاثون يوماً عندهما (وغَلَبَ عَلَى ظَنّهِ صِدْقُهَا حَلّ له نِكَاحُهَا) لأنّ النِّكاح إما أمرٌ دُنْيَويّ، وقول الواحد فيه مقبولٌ كالوكالة، وإمّا أمرٌ دينيّ وقول الواحد فيه مقبولٌ كالإخبار بطهارة شيءٍ، ونجاسة الماء، ورواية الحديث. وسُئِلَ الصَّفَّار ونجم الدين النَّسَفِيّ عن امرأة سمعت الطَّلاق الثلاث من الزّوج، ولا يمتنع عنها هل يَسَعُها قَتْلُه؟ قالا: يسعها عند إرادة قربانها. وهكذا أفتى السيد أبو الشُّجاع. وقال: الإسبِيجَابِيّ: لا يسعها.

стр. 872

والزَّوْجُ الثَّانِي يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلاثِ، خِلافًا لِمُحَمَّد. === (والزَّوْجُ الثَّانِي يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلاثِ) عند أبي حنيفة (وأبي يوسف) حتى لو طلّقها واحدة، وانقضت عدّتها، وتزوّجت بآخر وطلّقها، وانقضت عدّتها منه، ثم تزوّجها الأوّل يملك عليها ثلاثاً إن كانت حرّة، وثِنتين إن كانت أَمة. (خِلَافاً لِمُحَمَّد) فإنّ عنده لا يهدِم، فيملكها الأوّل إذا عادت إليه بعد زوج بما بَقِيَ من الثلاث. وبه قال مالك والشافعيّ وأحمد وزُفَر لِمَا روى البَيْهَقِيّ في «المعرفة» من طريق الشافعيّ، عن ابن عُيينة (عن الزُّهْرِيّ، عن حُمَيد بن عبد الرحمن بن عَوْف، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة،) (١) وسُلَيْمَان بن يَسَار أنهم سمعوا أبا هريرة يقول: سألت عمر بن الخطّاب عن رجلٍ من أهل البَحْرين طلّق امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم انقضت عدّتها. فتزوّجها غيره، ثم فارقها، ثم تزوّجها الأوّل. قال: هي عنده على ما بَقِي. وروى أيضاً ـ من حديث الحاكم ـ ابن عُيَيْنَة، عن يزيد بن جابر، عن أبيه أنه سمع عليّ بن أبي طالبٍ يقول: هي على ما بَقِي. ونُقِلَ مثله عن أُبيّ بن كعب، وعِمْران بن حُصَيْن. ولأبي حنيفة وأبي يوسف: ما روى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، عن سعيد بن جُبَيْر قال: كنتُ جالساً عند (عبد الله بن) (٢) عُتْبَة بن مسعود إذ جاءه أعرابي، فسأله عن رجلٍ طلّق امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم انقضت عدّتها وتزوّجت زوجاً غيره فدخل بها، ثم مات عنها أو طلّقها، ثم انقضت عدّتها فأراد الأوّل أن يتزوّجها، على كم هي عنده؟ فالتفت إلى ابن عبّاس وقال: ما تقول في هذا؟ فقال: يَهْدِم الزّوجُ الثّاني الواحدةَ والثِّنتين والثلاث، واسأل ابن عمر. قال: فلقيت ابن عمر فسألته، فقال مثل ما قال ابن عبّاس. قال بعض المحققين: الظاهر ما قال محمد وباقي الأئمة. ولقد صدق قول صاحب «الأسرار»: مسألةٌ اختلف فيها كبار الصحابة (يَعُوز فِقْهُها) (٣) ، ويَصْعُب الخروج عنها.

стр. 873

فصْلٌ [في الإِيلاءِ] الإِيْلاءُ: حَلِفٌ يَمنَعُ وَطْئَ الزَّوْجَةِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ حُرَّةً، وشَهْرَيْنِ أَمَةً، === فصلٌ (في الإيلَاءِ) (الإِيْلاءُ) في اللغة: اليمين، يقال: آلَى يُؤلي إيلاءً، كأعطى يُعْطي إعطاءً. وفي الشرع: (حَلِفٌ) بما يوجب الكفارة أو الجزاء (يَمْنَعُ وَطْاءَ الزَّوْجَةِ) مسلمة كانت أو كتابية (أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) أو أكثر حال كونها (حُرَّةً)، وإن كانت تحت عبدٍ (وشَهْرَيْنِ) حال كونها (أَمَةً) كوالله لا أقربك أربعة أشهر، أو والله لا أقربك. قيّد بالزوّجة لأنّ الشخص لا يكون مُولِياً من أَمته، لأن قوله تعالى: ﴿لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ (١) لا يتناول إلاّ الزّوجات. ويصحّ الإيلاء من المطلَّقة الرّجعية لقيام الزَّوجية، ولقوله تعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ﴾، والبعل: الزوج حقيقةً. وقال مالك والشّافعيّ أَزيد من أربعة أشهر. لنا: أنّ النَّصّ على أربعة أشهر يمنع الزيادة عليها، كالنّصِّ على أربعة أشهرٍ وعشر في عدّة الوفاة، وعلى ثلاثة في عدّة الحياة. وروى الواحديّ في «أسباب النُّزول» بسنده عن عطاء، عن ابن عبّاس قال: كان إيلاء أهل الجاهليّة السَّنَة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقّت الله أربعة أشهرٍ، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بمولٍ. ثم قال سعيد بن المُسَيَّب: كان الإيلاء ضِرَارَ أهل الجاهليّة، كان الرّجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوّجها غيره، فيحلف أنْ لا يقربها أبداً، فكان يتركها كذلك، لا أيّماً (٢) ولا ذات بعلٍ، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهرٍ، وأنزل: ﴿لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٣) الآية. وألفاظه صريحٌ نحو: لا أَقْرَبُكِ، لا أجامعك، لا أطؤك، لا أُبَاضِعُك، لا أغتسل منك من جنابة، فلو ادّعى أنه لم يعنِ الجماع لم يُصَدَّقْ قضاءً، وكنايةٌ يحتاج إليها نحو: لا أَمَسُّكِ، لا آتيكِ، لا أغشَاكِ، لا أجمع رأسي ورأسكِ، لا أُضاجعكِ، لا أَقْرَبُ فراشكِ، ويصدّق في عدم النيّة قضاءً.

стр. 874

فَإنْ قَرِبَهَا حَنِثَ. ويَجِبُ الكَفَّارَةُ في الحَلِفِ بالله، وَفِي غَيرِهِ الجَزاءُ، ويَسْقُطُ الإيلاءُ وَإلَّا بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ، === (فَإنْ قَرِبَهَا) أي وطئها الزَّوج في المدّة، أي في أربعة أشهرٍ في الحُرَّة، وفي شهرين في الأمة (حَنِثَ) لفوات البِّر (ويَجِبُ الكَفَّارَةُ في الحَلِفِ بالله) وهو قول مالك، والشّافعيّ في الجديد، وأحمد، لأنّ هذا النوع من الحَلِف مُوجِبٌ للكفارة عند الحنث. (وَ) يجب (فِي غَيْرِهِ) أي في غير الحَلِف بالله وهو التعليق (الجَزَاءُ) لتحقق موجبه (ويَسْقُطُ الإيلَاءُ) بإجماع العلماء لانحلال اليمين بالحِنْث. (وَإلاَّ) أي وإن لم يقربها الزّوج في المدّة (بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ) ولا تتوقّف الفُرْقة بينهما على تطليقه إياها، أو تفريق الحاكم بينهما عندنا. وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد يُوقَفُ حتّى يطلِّق. والمسألة ذات خلافٍ بين الصّحابة والتابعين. قال البخاري في «صحيحه»: قال لي إسماعيل: حدّثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: إذا مضت المدّة يُوقَفُ حتى يطلِّق. ولا يقع عليه الطّلاق حتّى يطلّق. قال ويُذْكَرُ عن عثمان، وعليّ، وأبي الدرداء، وعائشة، واثني عشر رجلاً من الصحابة. وقال أبو عيسى الترمذيَّ في «جامعه»: اختلف أهل العلم، فقيل: إذا مضت أربعة أشهرٍ يوقّف فإمّا أنْ يفيء، وإمّا أنْ يطلّق. وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم: إذا مضت أربعة أشهر، فهي تطليقةٌ بائنةٌ. انتهى. وفي «موطّأ محمد بن الحسن»: بلغنا عن عمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، أنهم قالوا: إذا آلى الرّجل من امرأته، فمضت أربعة أشهرٍ قبل أن يفيء، فقد بانت بتطليقةٍ، وهو خاطبٌ من الخُطَّاب. وكانوا لا يروْن أن توقّف بعدها أربعة أشهر. قال ابن عبّاس في تفسير هذه الآية: ﴿لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فَاؤُا فَإنّ اغَفُورٌ رحيمٌ وإنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فإنَّ اسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) الفيء: الجماع في الأربعة الأشهر، وعزيمة الطّلاق: انقضاء الأربعة الأشهر، فإذا مضت بانت بتطليقةٍ ولا توقّف بعدها. وكان ابن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره. انتهى كلام محمد. ثم عندهم الفيء الذي يُؤْمَرُ به الزّوج بعد مُضِيّ المدّة لقوله تعالى: ﴿فإنْ فَاؤُا﴾

стр. 875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بحرف التعقيب، وعندنا الفيء في المدّة لقراءة ابن مسعود: فإنْ فَاؤُا فِيهِنَّ، وقراءته لا تتخلّف فيها عن سماعه من رسول الله ﷺ والتقسيم في قوله تعالى: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ دليلٌ أيضاً على أن الفيء في المدّة، وعزيمة الطَّلاق بعدها، كما في قوله تعالى: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو سَرِحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١) والإمساك بالمعروف بالمراجعة في العدّة، والتّسريح بالإحسان بتركها حتى يتبين بمُضِيّ العدّة. ثم عندهم لا يقع إلاّ بتفريق القاضي بينهما، أو بإيقاع الزّوج الطّلاق، لأن الله تعالى قال: ﴿فإنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فإنّ اسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وَهو إشارةٌ إلى أنّ عزيمة الطّلاق بما هو مسموعٌ، وذلك بأحدهما. ولنا أنّه تعالى ذكر عزيمة الطّلاق بعد ذكر المدّة، وهو إشارةٌ إلى أنَّ ترك الفيء في المدّة عزيمة الطّلاق عند مُضِيّها. وقد رُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عزيمة الطَّلاق مُضِيّ أربعة أشهر» (٢) . وقد أضافه إلى الزّوج، فدلّ أنّ الطّلاق يتمّ به من غير حاجةٍ إلى قضاء القاضي. ومعنى قوله تعالى: ﴿فإنّ اسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لإيلائه عليمٌ بقصد إضراره. وما رواه عبد الرّزّاق في «مصنفه»: حدثنا مَعْمَرُ عن عطاء الخُرَاسَانِيّ، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرّحمن أنّ عثمان بن عفّان وزيد بن ثابت كانا يقولان في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقةٌ واحدةٌ، وهي أحقُّ بنفسها، وتعتدّ عدّة المطلّقة. قال: وأَخبرنا مَعْمَرُ، عن قَتَادة: أنّ علياً، وابن عبّاس قالوا: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقةٌ، وهي أحقُّ بنفسها، وتعتدّ عدّة المطلّقة. وأخرج نحوه عن عطاء، وجابر بن زيد، وعِكْرِمَة، وابن المُسَيَّب، وأبي بكر بن عبد الرّحمن، ومَكحُول. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن ابن عبّاس وابن عمر قالا: إذا آلى فلم يفء حتّى إذا مضت أربعة أشهرٍ، فهي تطليقةٌ بائنةٌ. وأخرج نحوه ابن الحنفيّة، والشَّعْبِي، والنَّخَعِيّ، ومسروق، والحسن، وابن سِيرين، وقَبِيصَة، وسالم، وأبي سَلَمة. والحاصل: أَنّ ما رويناه فهو عن الأكابر منهم والفقهاء فيهم، فيكون أرجح وأولى ويسمع الكل لقوله ﷺ «أصحابي كالنُّجوم بأَيِّهم اقتديتم اهتديتم» (٣) .

стр. 876

وسَقَطَ الحَلِفُ المُؤَقَّتُ لا المُؤَبَّدُ، فَتَبِينُ بأُخْرَى إنْ مَضَتْ مُدَّةٌ أخْرَى بَعْدَ نِكَاحٍ ثَانٍ بِلا فَيء، ثُمَّ أُخْرَى كَذَلِكَ بَعْدَ ثَالِثٍ، وبَقِي الحَلِفُ بَعْدَ ثَلاثٍ، لا الإيلاءُ، فإنْ قَرِبَهَا كَفَّرَ، وَلا تَبِينُ بالإيلاءِ. وَلَوْ عَجزَ عَنْ الفَيءِ بِالْوَطْئِ لِمَرَض أحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِ، === (وسَقَطَ الحَلِفُ المُؤَقَّتُ) بأربعة أشهرٍ في الحرّة، وبشهرين في الأمة، لأن اليمين لا تبقى بعد مُضِيّ وقتها. (لا المُؤَبَّدُ) أي فلا يسقط الحَلِفُ المؤبّد نحو: والله لا أقربك، وإن لم يقل أبداً عند أبي حنيفة، خلافاً لهما حيث قالا: لا بد من ذكر الأبد، أو ما يقوم مقامه. وإنّما لم يسقط لعدم ما يبطله من حِنْث أو مُضِيّ وقت. (فَتَبِينُ بأُخْرَى إنْ مَضَتْ مُدَّةٌ أخْرَى) وهي أربعة أشهرٍ في الحرة، وشهران في الأمة (بَعْدَ نِكَاحٍ ثَانٍ) من الحالف (بِلَا فَيِءٍ) أي بلا قربان (ثُمَّ أُخْرَى) أي ثم تَبين بأُخرى (كَذَلِكَ) أي إنْ مضت المدتان (بَعْدَ) نِكاحٍ (ثَالِثٍ) من الحالف بلا فَيءٍ (وبَقِي الحَلِفُ بَعْدَ) وقوع طلقاتٍ (ثَلَاثٍ) لبقاء اليمين. وفي «شرح الوقاية»: هذا إن كان الحَلِف بغير طلاقها، وإن كان بطلاقها لا يبقى الحَلِفُ لأنّ التنجيز يُبْطِلُ التّعليق، (لَا الإيلَاءُ) أي ولا يبقى الإيلاء، لأنّه بمنزلة تعليق الطَّلاق بمضيّ الزّمان، فلا يبقى بعد استيفاء الملك كما لو قال: كلما مضى أربعة أشهر فأنتِ طالقٌ. (فإنْ قَرِبَهَا) بعد زوج (كَفَّرَ) لبقاء اليمين (وَلَا تَبِينُ بالإيلَاءِ) لزواله، فصار كما لو قال لأجنبية: والله لا أَقْرَبُكِ، ثم تزوّجها فإنه لا يكون مُولِياً، وتجب الكفَّارة إذا قَرِبَها. احترز بقوله «بعد نكاحٍ ثانٍ» عن قول أبي سهل البردعي (١) قال: إنّ اليمين تنعقد بعد انقضاء أربعة أشهرٍ قبل انقضاء عدّتها، لأن معنى الإيلاء على الأبد هو كلَّمَا مضى أربعة أشهرٍ ما أقربك فيها فأنتِ طالقٌ، ولو قال ذلك لكان الحكم فيه ما بيّنا. والأصحُّ ما ذكره المصنف، وهو قول الكَرْخِيّ لأنّ انعقاد اليمين ابتداءً لاعتبار معنى الإضرار، وهو ليس بموجودٍ في المبانة ما لم يتزوّجها. (وَلَوْ عَجزَ عَنْ الفَيءِ بِالْوَطْاءِ) من وقت الإيلاء إلى مُضِيّ أربعة أشهرٍ في الحرّة وشهرين في الأمة (لِمَرَض أحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِ) أي لغير المرض: بأنْ كانت

стр. 877

فَفَيْؤهُ أنْ يَقُولَ: فِئْتُ إلَيهَا، فإنْ قَدِرَ قَبْلَ المُدَّةِ، فَفَيؤهُ بِالْوَطْئِ. وفي: وأنْتِ عَلَيّ حَرَامٌ، إنْ نَوَى الظِّهَارَ أوْ الثَّلاثَ أوْ الكَذِبَ، فَمَا نَوَى. وإنْ نَوَى التَّحْرِيمَ فإيلاءٌ، وَإنْ نَوَى الطَّلاقَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيئًا فِيهِ، وَكَدا في: كُلُّ حِلٍّ عَلَيَّ حَرَامٌ، وفي: حلالُ الله عليَّ حرامٌ، وفي: حلالُ المسلمين عليّ حرامٌ: فَبَائِنَةٌ. === رَتْقَاءَ، أو صغيرةً، أو في مكان لا يعرفه، أو كان مجبوباً، أو عِنّيناً، أو أسيراً في دار الحرب، أو بينه وبينها مسيرة أربعة أشهرٍ (فَفَيْؤهُ أنّ يَقُولَ: فِئْتُ إلَيْهَا) أو: رجعت إليها، أو: راجعتها، أو: أبطلت إيلاءها. وسقط الإيلاء على المذهب عندنا، ولكن لا يَحْنَث إلاّ بالوطاء. وقال سعيد بن جُبَيْر: لا يكون الفيء إلاّ بالجماع، وهو مَرْويّ عن أبي ثَوْر، ومختار الطَّحَاوي، وبه قال مالك والشّافعيّ. قيّدنا العجز بكونه من وقت الإيلاء إلى آخر المدّة، لأنه لو آلى وهو قادرٌ على الوطاء ثم عجِزَ عنه، أو آلى وهو عاجزٌ عنه ثم زال عجزه في المدّة، لم يصحّ فيئه باللسان، لأنّ الفيء حَلِفٌ عن الجماع فيشترط فيه العجز المستوعِب للمدّة. (فإنْ قَدِرَ) على الجماع (قَبْلَ المُدَّةِ) بعد فيئه باللسان (فَفَيْؤهُ بِالْوَطْاءِ) لأنّه قَدِر على الأصل قبل حصول المقصود بحَلِفه، فصار كالمتيمم إذا رأى الماء وهو في الصّلاة. (وفي: وأنْتِ عَلَيّ حَرَامٌ) يرجع إلى نيّته (إنْ نَوَى الظِّهَارَ أوْ الثَّلَاثَ أوْ الكَذِبَ فَمَا نَوَى)، وقال محمّد: إنْ نوى الظِّهار لا يكون مُظَاهِراً لعدم ركن الظِّهار، وهو تشبيه بالمُحَرَّمَة على التأبيد. ولنا: أنّ هذا اللفظ يحتمل الظِّهار لِمَا فيه من معنى الحرمة فإذا نواه صحّت نيّته. (وإنْ نَوَى التَّحْرِيمَ فإيلَاءٌ) لأنّ تحريم الحلال يمينٌ عندنا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أزْوَاجِكَ والّلهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ الَكُمْ تَحِلَّةَ أيْمَانِكُمْ﴾ (١) . (وَإنْ نَوَى الطَّلَاقَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئاً فِيهِ) أي في: أنتِ عليَّ حرامٌ، (وَكَذَا في: كُلُّ حِلَ عَلَيَّ حَرَامٌ (وفي حلال الله عليَّ حرام، وفي: حلال المسلمين عليَّ حرام) (٢) فَبَائِنَةٌ) أمّا إن نوى «بأَنتِ عليّ حرامٌ» الطّلاقَ، فإنّ التَّحريم من ألفاظ

стр. 878

فَصْلٌ في الخُلْعِ لا بَأسَ بِالخُلعِ عِنْدَ الحَاجَةِ === الكنايات، والواقع بها بائنٌ. وأمَّا إذا لم ينوِ شيئاً فجَعَلَه المتقدّمون إيلاءً، وهو مختار صاحب «مواهب الرحمان»، وصرفه المتأخِّرون إلى الطّلاق البائن، وهو مختار الفضل، والإسكاف، وأبي بكر بن أبي سعيد، والفقيه أبي جعفر الهِنْدُوَانِيّ. قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ، لأن العادة جرت أنهم يريدون بهذا اللفظ الطّلاق. والله أعلم. فصلٌ في الخُلْعِ وهو بالضمّ لغةٌ في الخَلْع بمعنى النّزع، يقال: خَلَعَ نعله وثوبه. وشرعاً: أخذ المال بإزاء ملك النّكاح بلفظ الخُلْع. فإنّ الطَّلاق على مالٍ ليس خُلْعاً بل في حكمه من وقوع البينونة لا مطلقاً، وإلاّ يجري فيه الخلاف في أنه فسخٌ. وقيل: إزالة الزّوجيّة ببذل بدَلٍ. (لَا بَأسَ بِالخُلعِ عِنْدَ الحَاجَةِ) لقوله تعالى: ﴿فإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيمَا حُدُودَ افَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) ، والمراد بالخوف هنا العلم، لأن الخوف من لوازمه. وقيل: الظن، وهو الأظهر. والخطاب للحكام أو لأهل الإسلام، وهذا الشرط خرج مخرج العادة لجواز الخُلْع بدونه. والمراد بالحدود: ما يلزم الزوجين من مواجب الزّوجيّة، وسمّى ما أعطت فداءً لأنها كالأسير في يده تخلّص نفسها منه. والمعنى: لا جناح على الزّوج فيما أخذ، ولا على المرأة فيما أعطت، ولِمَا في «صحيح البخاريّ» عن ابن عباس: أنّ امرأة ثابت بن قيس أتت النَّبيّ ﷺ فقالت: ثابت بن قيس ما أَعِيب عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال ﷺ «أَتَرُدِّينَ عليه حديقته»؟ قالت: نعم. قال ﷺ «اقْبَل الحديقةَ وطلِّقْهَا تطليقةً». (وفي «مصنف ابن أبي شَيْبَة» مكان: «اقبل الحديقة وطلّقهاَ»: فأمره أن يأخذ منها حديقته) (٢) ولا يزداد. وقال بكر بن عبد الله المُزَنِيّ: الخُلْع غيرُ جائزٍ، لأنّ الآية السابقة منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ (٣) . وأجِيبَ: بأنّ شرط النَّسخ العلم بتأخر الناسخ، وتعذّر الجمع بينهما. ولم

стр. 879

بِمَا يَصِحَّ مَهْرًا، وَهُوَ طَلاقٌ بَائنٌ === يوجدا، إذ يمكن الجمع بحمل عدم الأخذ على سوى الخُلْع وفَقْد رضاها. وقد يقال: إنّ النهيّ متعلق بما إذا أراد الزّوج استبدال غيرها مكانها، والآية الأخرى مُطْلقة، فكيف تكون ناسخةً؟ وقيَّدته الظّاهريّة بما إذا كرهته وخافت أنْ لا يوفيها حقّها وأن لا تُوفِّيه. ومنعته إذا أكرهها هو. وقال قوم: لا يجوز إلا بإذن السّلطان، رُوِيَ ذلك عن ابن سيرين، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن. ولَعلّ متمسَّكَهم ظاهرُ قوله تعالى: ﴿فإنْ خِفْتُمْ﴾ على أنّ الضمير للحُكَّام. (بِمَا يَصِحَّ مَهْراً) أي بجنس ما صَلُح لا بمقداره (وَهُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ) عند جماهير الأئمة من السلف والخلف. وقال أحمد وإسحاق بن رَاهُويَه والشّافعي في القديم: فُرْقَةٌ بغير طلاقٍ. لما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عبّاس: الخلع فُرْقَةٌ وليس بطلاقٍ، ولما روى عبد الرّزّاق في مصنفه من رواية طاوُس، عن ابن عبّاس أنه قال: لو طلّق رجل امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، حلّ له أنْ ينكحها. ذكر الله الطَّلاق في أول الآية وفي آخِرها، والخُلْع بينهما بقوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) إلى أن قال: ﴿فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإنْ طَلَّقَهَا﴾ (٢) يعني الثالثة المفاد شرعيتها بقوله تعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسَانٍ﴾ فيكون الافتداء غيرَ طلاقٍ، وإلاّ كان أربعاً، والثّاني منتفٍ. ولأن النِّكاح يحتمل الفسخ لأنه يفسخ بخِيار العتق فكذا بالتَّراضي بالخلع، كالبيع في الإقالة. وعن الحنابلة: لا يقع بالخلع طلاقٌ، بل هو فسخ بشرط عدم نيّة الطّلاق لا يُنْقص عدد الطّلاق. وقال آخرون: يقع ويكون رجعيًّا، فإن راجعها ردّ البدل الذي أخذه. (رواه عبد الرّزاق عن مَعْمَر، عن قَتَادة، عن سعيد بن المُسَيَّب قال: وكان الزّهْرِي يقول ذلك.) (٣) . ولنا: ما روى عبد الرّزّاق، وابن أبي شَيْبَة في «مُصنَّفَيهما»، عن ابن جُرَيْج عن داود بن أبي عاصم، عن سعيد بن المُسَيَّب: أنّ النْبيّ ﷺ جعل الخُلْع تطليقة. وما روى الدَّارَقُطْنِيّ والبَيْهَقِيّ في سننيهما، وابن عَدِيّ في «الكامل» من حديث عَبَّاد بن كَثِير، عن أيوب، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنّ النّبيّ ﷺ جعل الخُلع تطليقةً بائنةً. لكن عبَّاد بن كثير فيه كلام، إلاّ أنه يَنْجَبِرُ بحديث ابن المُسَيَّب وإن كان مرسلاً، فإن مرسَلَه حُجَّةٌ إجماعاً. ورَوَى مالك، عن هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن جُهْمان مولى

стр. 880

وَيَجبُ عَلَيهَا بَدَلُهُ. وكُرِهَ أخْذُهُ إن نَشَزَ، والفَضْلُ إنْ نَشَزَتْ. === الأسلميين، عن أم بَكْرَة الأسْلَميّة: أنها اختلعت من زوجها عبدِ الله بن خالد بن أَسد، فأتيا عثمان في ذلك فقال: هي تطليقةٌ. وروى ابن أبي شَيْبَة بسنده إلى ابن مسعودٍ أنّه قال: لا يكون طلقةً بائنةً إلا في فديةٍ أو إيلاءٍ. وروى نحوه عن عليّ أيضاً: فإذا قالت: اخلعني، أو قالت: طلّقني على ألفٍ مثلاً، فَفَعَلَ ما قالت في المجلس، بانت منه. (وَيَجبُ عَلَيْهَا بَدَلُهُ) ـ بفتح الدّال المهملة لا بسكون المعجمة ـ أي ويجب على المختلعة عوض الخُلْع لأنه واجبٌ بالتزامها. (وكُرِهَ) للزوج (أخْذُهُ) أي البدل منها (إن نَشَزَ) (١) هُوَ وكَرِهها. وقال مالك: لا يجوز لقوله تعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ (٢) والقنطار: المال العظيم. ولنا: أنّ النهيّ في الآية لمعنى في غيره، وهو زيادة الإيحاش (٣) ، والنهي لمعنى في غيره لا يعدم المشروعية، كالبيع وقت النّداء يوم الجمعة، يجوز مع الكراهة. (والفَضْلُ) أي وكُرِهَ للزوج أخذ الزائد على ما أعطاها (إنْ نَشَزَتْ) هكذا قال القُدُورِيّ، وهو رواية «الأصل». وفي «الجامع الصغير»: أَنّ الفضل يطيب له لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤) ، ودليل «الأصل» وهو الصحيح ما قدّمنا. وما روى ابن أبي شَيْبَة، وعبد الرّزّاق في مصنفيهما، عن حفص، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء قال: جاءت امرأةٌ إلى النّبيّ ﷺ تشكو زوجها، فقال: «أَتَرُدِّينَ عليه حديقته التي أَصْدَقَكِ»؟ قالت: نعم وزيادة. قال: «أمّا الزيادة فلا». وما أخرج الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن حَجَّاج، عن ابن جُرَيْج قال: أخبرني أبو الزُبَيْر: أنّ ثابت بن قيس بن شَمَّاس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول، وكان أصدقها حديقة وكرهته، فقال النّبيّ ﷺ «أتردين عليه حديقته التي أعطاكِ»؟ قالت: نعم وزيادة. فقال النّبيّ ﷺ «أمّا الزِّيادة فلا».
следующие страницы →