وسَقَطَ الحَلِفُ المُؤَقَّتُ لا المُؤَبَّدُ، فَتَبِينُ بأُخْرَى إنْ مَضَتْ مُدَّةٌ أخْرَى بَعْدَ نِكَاحٍ ثَانٍ بِلا فَيء، ثُمَّ أُخْرَى كَذَلِكَ بَعْدَ ثَالِثٍ، وبَقِي الحَلِفُ بَعْدَ ثَلاثٍ، لا الإيلاءُ، فإنْ قَرِبَهَا كَفَّرَ، وَلا تَبِينُ بالإيلاءِ.
وَلَوْ عَجزَ عَنْ الفَيءِ بِالْوَطْئِ لِمَرَض أحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِ،
===
(وسَقَطَ الحَلِفُ المُؤَقَّتُ) بأربعة أشهرٍ في الحرّة، وبشهرين في الأمة، لأن اليمين لا تبقى بعد مُضِيّ وقتها. (لا المُؤَبَّدُ) أي فلا يسقط الحَلِفُ المؤبّد نحو: والله لا أقربك، وإن لم يقل أبداً عند أبي حنيفة، خلافاً لهما حيث قالا: لا بد من ذكر الأبد، أو ما يقوم مقامه. وإنّما لم يسقط لعدم ما يبطله من حِنْث أو مُضِيّ وقت.
(فَتَبِينُ بأُخْرَى إنْ مَضَتْ مُدَّةٌ أخْرَى) وهي أربعة أشهرٍ في الحرة، وشهران في الأمة (بَعْدَ نِكَاحٍ ثَانٍ) من الحالف (بِلَا فَيِءٍ) أي بلا قربان (ثُمَّ أُخْرَى) أي ثم تَبين بأُخرى (كَذَلِكَ) أي إنْ مضت المدتان (بَعْدَ) نِكاحٍ (ثَالِثٍ) من الحالف بلا فَيءٍ (وبَقِي الحَلِفُ بَعْدَ) وقوع طلقاتٍ (ثَلَاثٍ) لبقاء اليمين.
وفي «شرح الوقاية»: هذا إن كان الحَلِف بغير طلاقها، وإن كان بطلاقها لا يبقى الحَلِفُ لأنّ التنجيز يُبْطِلُ التّعليق، (لَا الإيلَاءُ) أي ولا يبقى الإيلاء، لأنّه بمنزلة تعليق الطَّلاق بمضيّ الزّمان، فلا يبقى بعد استيفاء الملك كما لو قال: كلما مضى أربعة أشهر فأنتِ طالقٌ.
(فإنْ قَرِبَهَا) بعد زوج (كَفَّرَ) لبقاء اليمين (وَلَا تَبِينُ بالإيلَاءِ) لزواله، فصار كما لو قال لأجنبية: والله لا أَقْرَبُكِ، ثم تزوّجها فإنه لا يكون مُولِياً، وتجب الكفَّارة إذا قَرِبَها. احترز بقوله «بعد نكاحٍ ثانٍ» عن قول أبي سهل البردعي (١) قال: إنّ اليمين تنعقد بعد انقضاء أربعة أشهرٍ قبل انقضاء عدّتها، لأن معنى الإيلاء على الأبد هو كلَّمَا مضى أربعة أشهرٍ ما أقربك فيها فأنتِ طالقٌ، ولو قال ذلك لكان الحكم فيه ما بيّنا. والأصحُّ ما ذكره المصنف، وهو قول الكَرْخِيّ لأنّ انعقاد اليمين ابتداءً لاعتبار معنى الإضرار، وهو ليس بموجودٍ في المبانة ما لم يتزوّجها.
(وَلَوْ عَجزَ عَنْ الفَيءِ بِالْوَطْاءِ) من وقت الإيلاء إلى مُضِيّ أربعة أشهرٍ في الحرّة وشهرين في الأمة (لِمَرَض أحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِ) أي لغير المرض: بأنْ كانت
стр. 877
فَفَيْؤهُ أنْ يَقُولَ: فِئْتُ إلَيهَا، فإنْ قَدِرَ قَبْلَ المُدَّةِ، فَفَيؤهُ بِالْوَطْئِ.
وفي: وأنْتِ عَلَيّ حَرَامٌ، إنْ نَوَى الظِّهَارَ أوْ الثَّلاثَ أوْ الكَذِبَ، فَمَا نَوَى. وإنْ نَوَى التَّحْرِيمَ فإيلاءٌ، وَإنْ نَوَى الطَّلاقَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيئًا فِيهِ، وَكَدا في: كُلُّ حِلٍّ عَلَيَّ حَرَامٌ، وفي: حلالُ الله عليَّ حرامٌ، وفي: حلالُ المسلمين عليّ حرامٌ: فَبَائِنَةٌ.
===
رَتْقَاءَ، أو صغيرةً، أو في مكان لا يعرفه، أو كان مجبوباً، أو عِنّيناً، أو أسيراً في دار الحرب، أو بينه وبينها مسيرة أربعة أشهرٍ (فَفَيْؤهُ أنّ يَقُولَ: فِئْتُ إلَيْهَا) أو: رجعت إليها، أو: راجعتها، أو: أبطلت إيلاءها. وسقط الإيلاء على المذهب عندنا، ولكن لا يَحْنَث إلاّ بالوطاء.
وقال سعيد بن جُبَيْر: لا يكون الفيء إلاّ بالجماع، وهو مَرْويّ عن أبي ثَوْر، ومختار الطَّحَاوي، وبه قال مالك والشّافعيّ. قيّدنا العجز بكونه من وقت الإيلاء إلى آخر المدّة، لأنه لو آلى وهو قادرٌ على الوطاء ثم عجِزَ عنه، أو آلى وهو عاجزٌ عنه ثم زال عجزه في المدّة، لم يصحّ فيئه باللسان، لأنّ الفيء حَلِفٌ عن الجماع فيشترط فيه العجز المستوعِب للمدّة.
(فإنْ قَدِرَ) على الجماع (قَبْلَ المُدَّةِ) بعد فيئه باللسان (فَفَيْؤهُ بِالْوَطْاءِ) لأنّه قَدِر على الأصل قبل حصول المقصود بحَلِفه، فصار كالمتيمم إذا رأى الماء وهو في الصّلاة. (وفي: وأنْتِ عَلَيّ حَرَامٌ) يرجع إلى نيّته (إنْ نَوَى الظِّهَارَ أوْ الثَّلَاثَ أوْ الكَذِبَ فَمَا نَوَى)، وقال محمّد: إنْ نوى الظِّهار لا يكون مُظَاهِراً لعدم ركن الظِّهار، وهو تشبيه بالمُحَرَّمَة على التأبيد.
ولنا: أنّ هذا اللفظ يحتمل الظِّهار لِمَا فيه من معنى الحرمة فإذا نواه صحّت نيّته. (وإنْ نَوَى التَّحْرِيمَ فإيلَاءٌ) لأنّ تحريم الحلال يمينٌ عندنا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أزْوَاجِكَ والّلهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ الَكُمْ تَحِلَّةَ أيْمَانِكُمْ﴾ (١) .
(وَإنْ نَوَى الطَّلَاقَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئاً فِيهِ) أي في: أنتِ عليَّ حرامٌ، (وَكَذَا في: كُلُّ حِلَ عَلَيَّ حَرَامٌ (وفي حلال الله عليَّ حرام، وفي: حلال المسلمين عليَّ حرام) (٢) فَبَائِنَةٌ) أمّا إن نوى «بأَنتِ عليّ حرامٌ» الطّلاقَ، فإنّ التَّحريم من ألفاظ
стр. 878
فَصْلٌ في الخُلْعِ
لا بَأسَ بِالخُلعِ عِنْدَ الحَاجَةِ
===
الكنايات، والواقع بها بائنٌ. وأمَّا إذا لم ينوِ شيئاً فجَعَلَه المتقدّمون إيلاءً، وهو مختار صاحب «مواهب الرحمان»، وصرفه المتأخِّرون إلى الطّلاق البائن، وهو مختار الفضل، والإسكاف، وأبي بكر بن أبي سعيد، والفقيه أبي جعفر الهِنْدُوَانِيّ. قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ، لأن العادة جرت أنهم يريدون بهذا اللفظ الطّلاق. والله أعلم.
فصلٌ في الخُلْعِ
وهو بالضمّ لغةٌ في الخَلْع بمعنى النّزع، يقال: خَلَعَ نعله وثوبه.
وشرعاً: أخذ المال بإزاء ملك النّكاح بلفظ الخُلْع. فإنّ الطَّلاق على مالٍ ليس خُلْعاً بل في حكمه من وقوع البينونة لا مطلقاً، وإلاّ يجري فيه الخلاف في أنه فسخٌ. وقيل: إزالة الزّوجيّة ببذل بدَلٍ. (لَا بَأسَ بِالخُلعِ عِنْدَ الحَاجَةِ) لقوله تعالى: ﴿فإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيمَا حُدُودَ افَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) ، والمراد بالخوف هنا العلم، لأن الخوف من لوازمه. وقيل: الظن، وهو الأظهر. والخطاب للحكام أو لأهل الإسلام، وهذا الشرط خرج مخرج العادة لجواز الخُلْع بدونه.
والمراد بالحدود: ما يلزم الزوجين من مواجب الزّوجيّة، وسمّى ما أعطت فداءً لأنها كالأسير في يده تخلّص نفسها منه. والمعنى: لا جناح على الزّوج فيما أخذ، ولا على المرأة فيما أعطت، ولِمَا في «صحيح البخاريّ» عن ابن عباس: أنّ امرأة ثابت بن قيس أتت النَّبيّ ﷺ فقالت: ثابت بن قيس ما أَعِيب عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال ﷺ «أَتَرُدِّينَ عليه حديقته»؟ قالت: نعم. قال ﷺ «اقْبَل الحديقةَ وطلِّقْهَا تطليقةً». (وفي «مصنف ابن أبي شَيْبَة» مكان: «اقبل الحديقة وطلّقهاَ»: فأمره أن يأخذ منها حديقته) (٢) ولا يزداد.
وقال بكر بن عبد الله المُزَنِيّ: الخُلْع غيرُ جائزٍ، لأنّ الآية السابقة منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ (٣) . وأجِيبَ: بأنّ شرط النَّسخ العلم بتأخر الناسخ، وتعذّر الجمع بينهما. ولم
стр. 879
بِمَا يَصِحَّ مَهْرًا، وَهُوَ طَلاقٌ بَائنٌ
===
يوجدا، إذ يمكن الجمع بحمل عدم الأخذ على سوى الخُلْع وفَقْد رضاها. وقد يقال: إنّ النهيّ متعلق بما إذا أراد الزّوج استبدال غيرها مكانها، والآية الأخرى مُطْلقة، فكيف تكون ناسخةً؟ وقيَّدته الظّاهريّة بما إذا كرهته وخافت أنْ لا يوفيها حقّها وأن لا تُوفِّيه. ومنعته إذا أكرهها هو. وقال قوم: لا يجوز إلا بإذن السّلطان، رُوِيَ ذلك عن ابن سيرين، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن. ولَعلّ متمسَّكَهم ظاهرُ قوله تعالى: ﴿فإنْ خِفْتُمْ﴾ على أنّ الضمير للحُكَّام.
(بِمَا يَصِحَّ مَهْراً) أي بجنس ما صَلُح لا بمقداره (وَهُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ) عند جماهير الأئمة من السلف والخلف. وقال أحمد وإسحاق بن رَاهُويَه والشّافعي في القديم: فُرْقَةٌ بغير طلاقٍ. لما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عبّاس: الخلع فُرْقَةٌ وليس بطلاقٍ، ولما روى عبد الرّزّاق في مصنفه من رواية طاوُس، عن ابن عبّاس أنه قال: لو طلّق رجل امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، حلّ له أنْ ينكحها. ذكر الله الطَّلاق في أول الآية وفي آخِرها، والخُلْع بينهما بقوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) إلى أن قال: ﴿فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإنْ طَلَّقَهَا﴾ (٢) يعني الثالثة المفاد شرعيتها بقوله تعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسَانٍ﴾ فيكون الافتداء غيرَ طلاقٍ، وإلاّ كان أربعاً، والثّاني منتفٍ. ولأن النِّكاح يحتمل الفسخ لأنه يفسخ بخِيار العتق فكذا بالتَّراضي بالخلع، كالبيع في الإقالة.
وعن الحنابلة: لا يقع بالخلع طلاقٌ، بل هو فسخ بشرط عدم نيّة الطّلاق لا يُنْقص عدد الطّلاق. وقال آخرون: يقع ويكون رجعيًّا، فإن راجعها ردّ البدل الذي أخذه. (رواه عبد الرّزاق عن مَعْمَر، عن قَتَادة، عن سعيد بن المُسَيَّب قال: وكان الزّهْرِي يقول ذلك.) (٣) .
ولنا: ما روى عبد الرّزّاق، وابن أبي شَيْبَة في «مُصنَّفَيهما»، عن ابن جُرَيْج عن داود بن أبي عاصم، عن سعيد بن المُسَيَّب: أنّ النْبيّ ﷺ جعل الخُلْع تطليقة. وما روى الدَّارَقُطْنِيّ والبَيْهَقِيّ في سننيهما، وابن عَدِيّ في «الكامل» من حديث عَبَّاد بن كَثِير، عن أيوب، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنّ النّبيّ ﷺ جعل الخُلع تطليقةً بائنةً. لكن عبَّاد بن كثير فيه كلام، إلاّ أنه يَنْجَبِرُ بحديث ابن المُسَيَّب وإن كان مرسلاً، فإن مرسَلَه حُجَّةٌ إجماعاً. ورَوَى مالك، عن هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن جُهْمان مولى
стр. 880
وَيَجبُ عَلَيهَا بَدَلُهُ. وكُرِهَ أخْذُهُ إن نَشَزَ، والفَضْلُ إنْ نَشَزَتْ.
===
الأسلميين، عن أم بَكْرَة الأسْلَميّة: أنها اختلعت من زوجها عبدِ الله بن خالد بن أَسد، فأتيا عثمان في ذلك فقال: هي تطليقةٌ.
وروى ابن أبي شَيْبَة بسنده إلى ابن مسعودٍ أنّه قال: لا يكون طلقةً بائنةً إلا في فديةٍ أو إيلاءٍ. وروى نحوه عن عليّ أيضاً: فإذا قالت: اخلعني، أو قالت: طلّقني على ألفٍ مثلاً، فَفَعَلَ ما قالت في المجلس، بانت منه. (وَيَجبُ عَلَيْهَا بَدَلُهُ) ـ بفتح الدّال المهملة لا بسكون المعجمة ـ أي ويجب على المختلعة عوض الخُلْع لأنه واجبٌ بالتزامها.
(وكُرِهَ) للزوج (أخْذُهُ) أي البدل منها (إن نَشَزَ) (١) هُوَ وكَرِهها.
وقال مالك: لا يجوز لقوله تعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ (٢) والقنطار: المال العظيم. ولنا: أنّ النهيّ في الآية لمعنى في غيره، وهو زيادة الإيحاش (٣) ، والنهي لمعنى في غيره لا يعدم المشروعية، كالبيع وقت النّداء يوم الجمعة، يجوز مع الكراهة.
(والفَضْلُ) أي وكُرِهَ للزوج أخذ الزائد على ما أعطاها (إنْ نَشَزَتْ) هكذا قال القُدُورِيّ، وهو رواية «الأصل». وفي «الجامع الصغير»: أَنّ الفضل يطيب له لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤) ، ودليل «الأصل» وهو الصحيح ما قدّمنا. وما روى ابن أبي شَيْبَة، وعبد الرّزّاق في مصنفيهما، عن حفص، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء قال: جاءت امرأةٌ إلى النّبيّ ﷺ تشكو زوجها، فقال: «أَتَرُدِّينَ عليه حديقته التي أَصْدَقَكِ»؟ قالت: نعم وزيادة. قال: «أمّا الزيادة فلا». وما أخرج الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن حَجَّاج، عن ابن جُرَيْج قال: أخبرني أبو الزُبَيْر: أنّ ثابت بن قيس بن شَمَّاس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول، وكان أصدقها حديقة وكرهته، فقال النّبيّ ﷺ «أتردين عليه حديقته التي أعطاكِ»؟ قالت: نعم وزيادة. فقال النّبيّ ﷺ «أمّا الزِّيادة فلا».
стр. 881
وإنْ طَلّقَ بِمَالٍ أوْ عَلَى مَالٍ وَقَعَ بَائِنٌ إنْ قَبلَتْ، وَبِخَمْرٍ أوْ خِنْزِيرٍ لا يَجِبُ شَيءٌ لِلزَّوْجِ وَوَقَعَ بَائِنٌ في الخُلْعِ وَرَجْعِيٌّ فِي الطَّلاقِ.
وَإنْ طَلَبَتْ ثَلاثًا بِألْفٍ وَطلّقَهَا وَاحِدَةً، فَبَائِنَةٌ بِثُلُثِ الألْفِ، وفي عَلَى ألْفٍ رَجْعِيّةٌ بِلا شَيء عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ.
===
وأخرج أيضاً عن عطاء أنّ النَّبيّ ﷺ قال: «لا يأخذ الرّجل من المُخْتَلَعَة أكثر ممّا أعطاها». وروى وَكِيع عن أبي حنيفة، عن عَمّار بن عِمْرَان الهَمْدَانِيّ، عن أبيه، عن عليّ أنه كَرِه أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها. وذكر عبد الرّزّاق عن عليّ: لا يأخذ منها فوق ما أعطاها. وذكر أيضاً: أنّ الرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْرَاء: حدّثته أنها اختلعت من زوجها بكل شيءٍ تملكه، فخوصم في ذلك عثمان ﵁ فأجازه، وأمره أنّ يأخذ عِقَاص (١) رأسها فما دونه. ورُويَ أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ رُفِعَتْ إليه امرأةٌ نشزت على زوجها، فقال: اخلعها ولو من قُرْطِها (٢) . فكانت المسألة خلافية بين الصحابة ﵃.
(وإنْ طَلّقَ بِمَالٍ) بأنْ قال: طلْقتكِ بألفٍ (أوْ عَلَى مَالٍ) بأنّ قال: أنتِ طالقٌ على ألفٍ (وَقَعَ بَائِنٌ إنْ قَبِلَتْ) ولزمها المال. (وَ) إنْ طلّق المسلم أو خالع (بِخَمْرٍ أوْ خِنْزِيرٍ) أو ميتةٍ أو حرَ (لَا يَجِبُ شَيءٌ لِلزَّوْجِ) لأنّ المُسمّى لا يجب للإسلام، وغيره لا يجب لعدم الالتزام (وَوَقَعَ بَائِنٌ في الخُلْعِ وَرَجْعِيٌّ فِي الطَّلَاقِ) لأنّ الإيقاع معلّق بالقبول، وقد وُجِدَ. ولَمَّا بطل العوض كان العامل في الأوَّل لفظ الخلع وهو كناية، والواقع بها بائنٌ. وفي الثّاني لفظ الطّلاق، وهو يُعْقِب الرَّجعة. وقال مالك وأحمد: رجعيّ. وقال زُفَر: تردّ مهرها. وقال الشّافعي: يجب مهر المثل اعتباراً بالنِّكاح، ويقع طلاقٌ بائنٌ.
(وَإنْ طَلَبَتْ ثَلَاثاً) بأن قالت: طلّقني ثلاثاً (بِألْفٍ وَطلّقَهَا وَاحِدَةً) في المجلس (فَبَائِنَةٌ) فيقع بائنة (بِثُلُثِ الألْفِ) وقال مالك: بالألف. وقال أحمد: بغير شيءٍ. ولنا: أنّ الباء تصحب العِوَض، وهو ينقسم على المعوض، (وفي:) إنْ طلبت ثلاثاً (عَلَى ألْفٍ) فطلّقها واحدةً يقع (رَجْعِيّةٌ بِلَا شَيْءٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ) وبالألف عند
стр. 882
والخُلْعُ مُعَاوَضَةٌ في حَقِّهَا يَصِحّ رُجُوعُهُا وشَرْطُ الخِيَارِ لَهَا، ويَقْتَصِرُ عَلَى المَجْلِسِ، ويَمِين في حَقِّهِ، حتّى انْعَكسَ الأحْكَامُ، وَالعَبْدُ بِمَنْزِلَتِهَا وَيُسْقِطُ الخُلْع والمُبَارَأَةُ حَقُوقَ النِّكاحِ عَنْهُمَا.
===
مالك، ويقع بائنةٌ بثلث الألف عند أبي يوسف ومحمد والشّافعيّ، (والخُلْعُ مُعَاوَضَةٌ في حَقِّهَا) لدفعها البدل فصار كالبيع (يَصِحّ رُجُوعُهُا) إذا كان الإيجاب منها قبل قبول الزّوج، (و) يصح (شَرْطُ الخِيَارِ لَهَا) عند أبي حنيفة في المسألتين.
(ويَقْتَصِرُ) الخُلْع من جانبها (عَلَى المَجْلِسِ) أي مجلس المرأة عند أبي حنيفة وأصحابه، فلا يتوقّف إيجابها على ما وراءه لو كان غائباً. (ويَمِين في حَقِّهِ) لأنّه يوقع الطّلاق بشرط قبولها. (حتّى انْعَكَسَ الأحْكَامُ) فَلا يصحّ رجوعه، ولا شرط الخيار له، ولا يقتصر على المجلس من جانبه، فيتوقف إيجابه على ما وراء المجلس لو كانت غائبةً.
وقال أبو يوسف ومحمد والشّافعيّ وأحمد: شرط الخِيار لها باطلٌ كشرطه له، لأنّ الخلع من جانبها شرط اليمين وهو الطلاق، وكما لا يصحّ الخيار في اليمين لا يصح في شرطه. ولهذا لو قال: أنتِ طالقٌ إنْ دخلتِ الدّار على أَنك بالخِيار ثلاثة أيام، كان الخيار باطلاً.
ولأبي حنيفة: أنّ الخلع من جانبها بمنزلة البيع، لأنه تمليك مالٍ بعوضٍ، ولهذا لو قالت: اختلعت نفسي منك بكذا ثم رجعت أو قامت من المجلس قبل قَبوله بطل. ولو كان غائباً فبلغه فقبل كان باطلاً.
(وَالعَبْدُ بِمَنْزِلَتِهَا) أي بمنزلة المختلعة، فيصحّ شرط الخيار له عند أبي حنيفة فيما إذا أعتقه مولاه على مالٍ، ويَبْطُل عند أبي يوسف ومحمد لأنّ العتق يمينٌ، وقَبولَ العبد المال شرطٌ له، والخيار لا يصحّ في اليمين، فكذا في شرطها. ولأبي حنيفة: أَنّ ذلك من جانب العبد في معنى البيع، فيصحّ شرط الخيار له كالبيع.
(وَيُسْقِطُ الخُلْعُ) على مالٍ معلومٍ (والمُبَارَأَةُ) وهو أنْ يُبْرِاء كلّ منهما صاحبه. وترك الهمزة منه خطأ كذا في «المغرب» (حَقُوقَ النِّكَاحِ) الواجبة من الجانبين (عَنْهُمَا) فلا يسقط ما لم يتعلّق بالنِّكاح، كثمن ما اشترت من الزّوج، ويسقط ما يتعلّق به، كالمهر والنَّفقة الماضية. قيّدنا به لأنَّه للمختلعة. والمبارأة: النَّفقة والسُكْنَى ما دامت في العدّة، ولا يسقطان إلاّ بالذِّكْر. وقال محمد: لا يُسقِط الخُلع والمُبارأة إلاّ ما سمّيا فقط كمالك والشافعيّ.
стр. 883
وإنْ خَلَعَ الأبُ صَبِيَّتَهُ بِمَالِهَا لَغَا، إلّا في وُقُوعِ الطَّلاقِ، وَكَذَا إنْ قَبِلَتْ، وَعَلى أنَّهُ ضَامِنٌ فَعَلَيه المال.
فَصْلٌ [في الظِّهَارِ]
الظِّهَار تَشْبِيهُ مَا يُضَافُ إلَيهِ الطَّلاقُ مِنْ الزَّوْجَةِ بِمَا يَحْرُمُ إلَيهِ النَّظَرُ مِنْ عُضْوِ
===
وأمّا نفقة العدّة فإنْ شُرِطت فيهما تَسقط إجماعاً، وإلاّ لا تسقط إجماعاً. ولو شرطا البراءة من نفقة الولد الصغير ـ أعني مُؤنة الرّضاع ـ فإنْ وقّتا وقتاً كالسَّنة جاز وإلاّ فلا. ولو أبرأته عن النّفقة والسُّكْنَى صحّت البراءة عن النّفقة، ولم تصح عن السُّكنَى لأنّ النَّفقة حقُّها، والسُّكْنَى حقّ الشَّرع، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلاّ أنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبيِّنَةٍ﴾ (١) فلو أبرأته عن مؤنة السُّكْنَى صحّ: بأن التزمت أُجرة مكانها أو سكنت مِلْكَهَا.
ثم الإبراء عن النَّفقة إِنَّما يصحُّ في ضمن عقد الخُلْع تبعاً للخُلْع إجماعاً، حتى لو أسقطت نفقتها بعد الخلع بإبراء الزّوج عنها لا يصح لعدم استحقاقها إلاّ يوماً فيوماً. (وإنْ خَلَعَ الأبُ صَبِيَّتَهُ بِمَالِهَا لَغَا) ذلك الخلع (إلاّ في) حَقِّ (وُقُوعِ الطَّلاقِ) يعني أنه يلغو في حقِّ المال دون الطَّلاق، وهذا في أصحّ الروايتين، وهو قول الشّافعيّ وأحمد. وفي الرواية الأخرى يلغو في حقّ الطّلاق أيضاً، (وَكَذَا) يَلْغُو الخُلْع في حقّ المال دون الطَّلاق (إنْ قَبِلَتْ) شَرْطَ الزّوج البَدَلَ عليها وهي مُميِّزة تعرف أنّ الخلع سالبٌ والنِّكاح جالبٌ.
(وَعَلى أنَّهُ ضَامِنٌ) ـ عطفٌ على بمالها ـ أي وإِنْ خلع صغيرته على أنّه ضامنٌ لبدل الخُلع (فَعَلَيْهِ المال) أي بذَلُهُ (لا من مالها، والله أعلم (بالصواب) (٢) .
فصل (في الظِّهَارُ)
(الظهار) في اللغة: مصدرُ ظاهر امرأته إذا قال لها: أنتِ عَلَيَ كَظَهْرِ أُمّي.
وفي الشرع: (تَشْبِيهُ) المسلم (مَا يُضَافُ إلَيْهِ الطَّلَاقُ مِنْ الزَّوْجَةِ) بأنْ يشبِّهَهَا، أو عضواً يُعَبَّرُ به عنها، أو جزءاً شائعاً منها (بِمَا يَحْرُمُ إلَيْهِ النَّظَرُ مِنْ عُضْوِ
стр. 884
مَحْرَمِهِ، وَهُوَ يُحَرِّمُ وَطْأَهَا وَدَواعِيهِ، حَتّى يُكَفِّرَ
===
مَحْرَمِهِ) وهي المحرّمة عليه مؤبداً بِنَسَبٍ، أو مصاهرةٍ، أو رضاعٍ. قيّدنا بالمسلم لأنه لا ظهار للذّميّ عندنا لظاهر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ (١) ، ولأن الذِّميّ ليس أهلاً للكفارة. وقال الشافعيّ وأحمد: يصحّ ظهار الذّميّ، وأمّا ظهار الصّبيّ فلا يصحّ إجماعاً. وقيّد بما يضاف إليه الطّلاق لأنه لو قال لامرأته: يدك أو رجلك عليّ كظهر أمّي لا يكون مظاهراً. وقيّد بالزَّوجة لأنه لو قال لأمَتِه لا يكون مظاهراً، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
وقال مالك والثَّوْرِيّ: يصحّ ظهار الرجل من أَمته، ومُدَبَّرته، وأمَّ ولده، وهو قول جَمْع كثيرٍ من الصَّحابة والتابعين. واعتبره سعيد بن المُسَيَّب، وعِكْرِمة، وطاوُس، وقَتَادة والزُّهْرِيّ في الموطوءة. وقيّدنا بكون التّحريم على التأبيد لأنه لو قال لامرأته: أنتِ علَيّ كظهر أختكِ لا يكون مظاهراً، لأن حرمة أخت امرأته ما دامت امرأته في عصمته.
(وَهُوَ) أي الظِّهار (يُحَرِّمُ وَطْأَهَا وَدَواعِيهِ) بشهوة كمَسَ وقُبلةٍ بشهوةٍ (حَتّى يُكَفِّرَ) لِمَا روى أبو داود من حديث خَوْلَة بنت ثعلبة (٢) قالت: ظاهر مني أوْس بن الصّامت، فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه وهو يجادلني فيه ويقول: «اتقي الله فإنّما هو ابنُ عمِّك». فما بَرِحْتُ حتّى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اقَوْلَ الَّتي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا﴾ (٣) الآية، فقال ﵊: «يعتق رقبة». قالت: لا يجد. قال: «فيصوم شهرين متتابعين». قالت: إنّه شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع أنْ يصوم. قال: يُطْعِمُ ستين مسكيناً. قالت: ليس عنده شيءٌ يتصدّق به. قال: «فإني أعينه بِعَرَقٍ (٤) من تمرٍ». قالت: يا رسول الله وأنا أُعِينه بعَرَقٍ آخر. قال: «أحسنتِ، اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكيناً، وارجعي إلى ابن عمك».
стр. 885
وَفِي: أَنْتِ عَلَيّ كأُمِّي، صَحَّ نِيّةُ الكَرَامَةِ وَالظِّهَارِ وَالطَّلاقِ، فإنْ لَمْ يَنْوِ لَغَا.
وَفِي: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأمّي مَا نَوَى مِنْ ظِهَارٍ أو طَلاقٍ،
===
قال أبو داود: والعَرَقُ: ستون صاعاً. ثم روى عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن أنه قال: العَرَقُ: زِنْبِيلٌ (١) يأخذ خمسة عشر صاعاً. وقال أبو داود وغيره: العَرَقُ: مِكْتل (٢) يسع ثلاثين صاعاً.
وعن الشَّافعيّ وأحمد: أنّ الدَّوَاعي لا تُحْرُمُ لأنّ التّحريم عُرِفَ بالآية، والتَّماسّ فيها كناية عن الجماع. ولنا: أنّ التّماسّ حقيقة في المسّ باليد. والحقيقة أحق بأن تراد، والله تعالى أعلم بالمراد. فإن وقع منه وطاء أو دواعيه استغفر ربه ولا يعود إليه حتى يُكَفِّرَ لِمَا في السنن الأربعة عن ابن عبّاس أنّ رجلاً ظاهر امرأته، فوقع عليها قبل أنْ يُكَفِّرَ، فقال ﷺ «ما حملك على ذلك»؟ قال: رأيت خَلْخَالَها في ضوء القمر ـ وفي لفظ: بياض ساقيها ـ. قال: «فاعتزلها حتى تكفّر». وفي لفظ ابن ماجه: فضحك رسول الله ﷺ وأمره أنْ لا يقربها حتى يكفّر. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريب صحيحٌ. ورَوَى (٣) عن سَلَمَة بن صَخْر البَيَاضِيّ، عن النبيّ ﷺ في المُظَاهِر يُوَاقِع قبل أنْ يُكَفِّر، قال: «كفارةٌ واحدةٌ». وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
(وَفِي: أَنْتِ عَلَيّ كأُمِّي) أو مثل أمي (صَحَّ نِيّةُ الكَرَامَةِ) لأنّ إرادتها بمثل هذا الكلام شائعٌ (وَ) صَحّ نية (الظِّهَارِ) لأنّ التشبيه بجميع الأم تشبيهٌ بظهرها لكنّه ليس بصريحٍ فيفتقر إلى النِّيَّة. (وَ) صحَّ نية (الطَّلَاقِ) لأنّه كناية، كما لو قال: أنتِ عليّ حرامٌ، ونوى به الطَّلاق يكون طلاقاً بائناً.
(فإنْ لَمْ يَنْوِ) شيئاً (لَغَا) في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ووجهٌ في مذهب الشافعيّ. وكان ظهاراً في قول محمد، ورواية عن أبي يوسف، ووجهٌ في مذهب الشافعيّ، وإيلاءً في قول مالك، وأحمد، ورواية عن أبي يوسف.
(وَفِي: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمّي) لزِمه (مَا نَوَى مِنْ ظِهَارٍ) لِمَا فيه من التشبيه بالحرمة (أو طَلَاقٍ) لأنّ أنتِ عليّ حرامٌ من كناياته، فإذا نواه طَلُقَتْ بائناً، ويكون التشبيه بالحرمة للتأكيد دون الإكرام تصريحٌ بالحرمة، كذا قالوا. وفيه بحثٌ إذ لا يَبْعُد
стр. 886
فَإنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ فإيلاء عِنْدَ أبِي يُوسُفَ، وَظِهَارٌ عِنْدَ محَمَّدَ.
وَفِي: أَنْتُنَّ عَلَيّ كَظَهْرٍ أمّي، لِنِسَائِهِ، تجِبُ لِكل كفَّارَةٌ. وَهِيَ تَجِبُ بِالْعَوْدِ أي بِالعَزْمِ عَلَى وَطْئِهَا، وَهِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ
===
أن يُراد بالحرام المحترم، فهو من محتملات كلامه، فيصدّق ديانةً إذا ادّعى نيتة.
(فَإنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ) شيئاً (فإيلاءٌ عِنْدَ أبِي يُوسُفَ وَظِهَارٌ عِنْدَ مُحَمَّدَ) وفي «جامع قاضيخان»: والأصحّ أنه ظهارٌ عند الكلِّ، لأن التّحريم المؤكد بالتشبيه ظهارٌ. وكذا ذكره التُّمُرْتَاشِيّ أنه ظهار من غير خلاف. (وَفِي) قوله: (أَنْتُنَّ عَلَيّ كَظَهْرِ أمّي لِنِسَائِهِ يَجِبُ لِكُلَ كفَّارَةٌ) وهو قول الشّافعيّ الجديد كما لو ظاهر مراراً، ولو في مجلسٍ واحدٍ.
وقال مالك، وأحمد، وأبو ثور: يجب كفارةٌ واحدةٌ، ولا يَبْطُل الظِّهار بطلاقها ثلاثاً، حتى لو عادت إليه بعد زوج آخر كان الظِّهار على حاله لا يقرَبها حتى يكفِّر، وكذا بشرائها ـ لو كانت أمةً ـ (١) بعد ما ظاهر منها.
(وَهِيَ) أي الكفّارة (تَجِبُ بِالْعَوْدِ أي بِالعَزْمِ عَلَى وَطْئِهَا) وهو ظاهر مذهب مالك، وجعله في «الموطّأ» العزم على الوطاء والإمساك. (ومذهب الشّافعيّ أنَ يمسك عن طلاقها عقِيبَ الظِّهار في زمانٍ يمكنه طلاقها فيه، وفي «الينابيع»:) (٢) إذا رَضي أنْ تكون مُحرَّمة ولا يعزم على وطئها، لا تجب الكفّارة. ولو عزم ثم ترك العزم، لا يجب أيضاً. فعُلِمَ أنّ الكفّارة لا تجب بمجرد الظِّهار، وهو قول أحمد والصحيح من مذهب مالك.
(وَهِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ) صغيرةٍ أو كبيرةٍ، مسلمةٍ أو كافرةٍ لا مرتدة.
وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد: لا تجزاء الكافرة لأنه تحرير في تكفير، فكان الإيمانُ من شرطه كَكفَّارة القتل.
ولنا: أنّ المنصوص عليه الرقبة، وهي اسم لذاتٍ مملوكةٍ من كل وجهٍ وقد وُجِدَت، وليس في النّص ما يبيّن عن صفة الإيمان والكفر، والتقييد بصفة الإيمان يكون زيادة، والزيادة على النّص نسخٌ، فلا يثبت بخبر الواحد ولا بالقياس. ثم قياس المنصوص (على المنصوص) (٣) باطلٌ عندنا لاستلزامه إعتقاد النقص فيما تولّى
стр. 887
لا فَائِتَ جِنْسِ المَنْفَعَةِ، كَالْأَعْمَى والمقْطُوعِ يَدَاهُ، أو رِجْلاهُ، أو إبهَامَاهُ، أو يَدٍ وَرِجْلٍ مَنْ جَانِب.
والمَجْنُونِ والمَدَبَّرِ والمُكَاتَبِ أدَّى بَعْضَ بَدَلِهِ ونِصْفِ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ، ثُمّ بَاقِيهِ بَعْدَ ضَمَانِهِ
===
الله بيانه، وذلك لا يجوز. ولا يجوز دعوى التخصيص ههنا لأن التخصيص لما له عموم، والمطلق غير العام.
(لَا فَائِتَ) أي لا عِتقَ فائتِ (جِنْسِ المَنْفَعَةِ) لأنه هالك معنىً (كَالأَعْمَى والمقْطُوعِ يَدَاهُ أوْ رِجْلَاهُ أوْ إبْهَامَاهُ)، لفوات منفعة البطش لأن قوته بإبهاميه (أوْ يَدٍ وَرِجْلٍ مَنْ جَانِبٍ) (لفوات منفعة المشيّ منه لأنه متعذّر عليه. قيّد بالجانب لأنه لو كان من جانبين لا يمنع لاختلال جنس المنفعة دون فواتها) (١) .
(و) لَا (المَجْنُونِ) المُطْبَق (٢) (والمَدَبَّرِ) أي ولا عتق المُدَبَّر لأنه استحقّ الحرّية بوجه وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣) يقتضي الكمال، وإنشاء الحرية من كل وجه. وكذا حكم أمّ الولد.
(و) لا عتق (المُكَاتَبِ) حال كونه (أدَّى بَعْضَ بَدَلِهِ) لأن إعتاقه حينئذٍ ببدلٍ، وبه لا تتأدى الكفّارة لأنها عبادة، فلا بدّ أن تكون خالصةً، ومتى كان بعضه بعوضٍ لم يكن خالصاً لأنه يكون تجارة، ولأنّ الصّحابة اختلفوا في رقّه بعد أدائه بعض البدل، فكان عليّ ﵁ يقول: يَعْتِق بقدر ما أدّى، وابن مسعود يقول: إذا أدّى قيمة نفسه (٤) يَعْتِقُ. واختلافهم في رِقِهِ شبهةٌ مانعةٌ من جواز التكفير به.
وقيّد المُكَاتَب بكونه أدّى بعض بدله لأنه لو لم يؤدّ شيئاً جاز عتقه عن الكفّارة عندنا خلافاً لزُفَر، ومالك، والشّافعيّ، وأحمد في رواية. لأنّ الرقبة اسم لذاتٍ مرقوقةٍ عرفاً، والمُكَاتَب كذلك. قال ﷺ «المُكاتَبُ عبدٌ ما بَقِيَ عليه من كتابته شيءٌ». رواه أبو داود.
(و) لا عتق (نِصْفِ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ) عن كَفّارته (ثُمّ) عِتق (بَاقِيهِ بَعْدَ ضَمَانِهِ) وقال
стр. 888
وَنِصْفِ عَبدِهِ ثُمّ بَاقِيهِ بَعْدَ وَطْئِهَا. وإنْ عَجَزَ عَنِ العِتْقِ، صامَ شَهْرَيْنِ وِلاءً، لَيسَ فِيهِمَا رَمَضَانُ وَلا الأيّامُ المَنْهِيَّةُ،
===
أبو يوسف ومحمد: تجزئه إن كان مُوسِراً (وَ) لا عتق (نِصْفِ عَبْدِهِ) عن كفّارته (ثُمّ) عتق (بَاقِيهِ بَعْدَ وَطْئِهَا) لأنّ عتق باقي العبد وقع بعد المسيس، والمأمور به هو العتق قبل المسيس، وهذا عند أبي حنيفة، لأن العتق يتجزأ.
وأمّا عند أبي يوسف ومحمد فيجوز لأنّ العتق لا يتجزأ عندهما، فإعتاق بعض العبد إعتاق الكل.
(وإنْ عَجَزَ) المُظَاهِر (عَنِ العِتْقِ) بأنْ لم يملك رقبة ولا ثمنها وقت التكفير وهو قول مالك. وقال أحمد: وقت الوجوب. وللشّافعيّ ثلاثة أقوال: وقت التّكفير، ووقت الوجوب، وأغلظ الحالين
(صَامَ شَهْرَيْنِ وِلَاءً) أي متتابعين لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (١) (لَيْسَ فِيهِمَا) ولا بينهما (رَمَضَانُ وَلَا الأيّامُ المَنْهِيَّةُ) وهي: يوما العيد وأيام التشريق، لأنّ رمضان لا يجوز فيه للصحيح المقيم صيام غيره بالإجماع، وصيام يوم العيد وأيّام التّشريق مَنْهِيٌّ عنه. ولو صام شهرين بالأهَلّة جاز، وإنْ كان كلّ شهرٍ تسعة وعشرين يوماً. وإنْ صام بغير الأهلّة وأفطر لتمام تسعة وخمسين يوماً فعليه الاستقبال (٢) .
وينقطع التتابع بالمرض عندنا، وعند الشّافعيّ في الجديد. وقال مالك، وأحمد: لا ينقطع كما لا ينقطع بالحيض في كفارة القتل والفطر. وأجيب بأنّ التتابع شرط بالنّص، والغالب أنها تحيض في كل شهرٍ، فكان كالمستثنى. ولو صام شهرين متتابعين ثم قدر على الإعتاق قبل غروب الشَّمس من آخر يوم يجب عليه العتق، وهو قول المُزَنِيّ لقدرته على المُبْدَل قبل فراغه من البدل، وصار صومه تطوعاً. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: لا يلزمه العتق، ولكن يستحب. وفي «خزانة الأكمل»: لا يصوم من له خادم بخلاف المسكن. وقال مالك والشّافعيّ: يصوم من له خادم، واعتبره بالماء المعدّ للعطش. وفرّق الرّازي بينهما في «أحكام القرآن» بأنّ المأمور بإمساكه لعطشه، واستعمالُه محظورٌ عليه بخلاف الخادم. ولو أعتق أجنبيّ عن مُظَاهِرٍ لا يُجْزِئُهُ وإن كان
стр. 889
وَإنْ أَفْطَرَ اسْتَأْنَفَ.
وَكَذَا إنْ وَطِئَهَا لَيْلًا عَمْدًا، أوْ يَوْمًا مُطْلَقًا. وَإنْ عَجَزَ أطْعَمَ ستينَ مِسْكِينًا، كُلًّا قَدْرَ الفِطْرَةِ أو قِيمَتَهُ. وَإنْ غَدّاهُمْ وَعَشَاهُمْ وَأَشْبَعَهُمْ، أوْ أعْطَى مَنَّ بُرٍّ ومَنَوَيْ تَمْرٍ أوْ شَعِيرٍ، أوْ وَاحِدًا شَهْرَيْنِ، جَازَ.
===
بأمره لما فيه من إلزام الولاية. وقال أبو يوسف، ومالك، والشّافعيّ تجزئه إِنْ كان بأمره.
(وَإنْ أَفْطَرَ) في الشَّهرين بأَكْلٍ أو شُربٍ أو جِماعٍ غَيرِها (اسْتَأْنَفَ) لفوات التتابع المنصوص عليه (وَكَذَا) استأنف (إنْ وَطِئَهَا) أي الّتي ظاهر منها في الشهرين (لَيْلاً عَمْداً) عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يستأنف (أوْ يَوْماً) وفي بعض النُّسخ أو نهاراً (مُطْلَقاٌ) أي عمداً أو سهواً. واعلم أنّ قيد العمد في وطاء التي ظاهر منها ليلاً وقع في هذا المختصر تبعاً «للهداية»، وهو فيها قيدٌ اتفافيّ لا يُحْترز به عن شيء، لأنّ العمد والنسيان في الوطاء بالليل سواءً.
(وَإنْ عَجَزَ) المظاهر عن الصوم لِكبَرٍ أو مرضٍ لا يُرْجَى زواله (أطْعَمَ) هو أو نائبه (ستِّينَ مِسْكِيناً) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكيناً﴾ (١) (كُلاًّ) أي يُطْعِمُ كل مسكين (قَدْرَ الفِطْرَةِ) نصف صاعٍ من بُرَ وهو مُدّان، أو صاعاً من تمرٍ أو شعيرٍ (أو قِيمَتَهُ) لأنّ المعتبر دفع حاجة اليوم عن المساكين (٢) ، فكان كصدقة الفِطْر. وقال الشّافعيّ: يُطْعِم مُدًّا (٣) من غالب قوت البلد من الحبوب. وقال مالك: يطعم مُدًّا بمُدِّ هشام، وهو مُدّان بمُدِّ النّبيّ ﷺ وقال أحمد: يجب من البُرّ مُدٌّ، ومن التّمر والشعير مُدّان.
(وَإنْ غَدّاهُمْ) أي ستِّين مسكيناً (وَعَشَّاهُمْ) أي بأعيانهم (وَأَشْبَعَهُمْ) قليلاً ما أكلوا أو كثيراً. ولا بد من الإِدَام (٤) إنْ أطعمهم خبز الذُّرَة أو الشعير بخلاف خبز البُرّ. (أوْ أعْطَى) كلّ واحدٍ (مَنَّ بُرَ) وهو: رطْلان: ربع الصّاع (٥) ، على قول أبي حنيفة (ومَنَوَيْ (٦) تَمْرٍ أوْ شَعِير، أوْ) أعطى (وَاحِداً شَهْرَيْنِ جَازَ) وبه قال مالك. وقال
стр. 890
وَفِي يَوْمٍ قَدْرَ الشَّهْرَيْنِ لا.
فَصْل في اللعَانِ
===
الشّافعيّ: لا بد من التمليك في الكفارات. ولنا: أنّ المنصوص عليه الإطعام، وحقيقة ذلك في التمكين، والمقصود به سَدّ الخَلَّة (١)، وفي التّمليك تمام ذلك، فيتأدّى الواجب بكل واحدٍ منهما. أمّا بالتّمليك فظاهرٌ، وأمّا بالتّمكين فلمراعاة عبارة النص، والدليل عليه أنه شبّهه بطعام الأهل، فقال الله تعالى: ﴿مِنْ أوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ (٢) وذلك يتأدّى بالتّمليك تارة، وبالتّمكين أخرى.
هذا، ويجب تقديم الإطعام على المس لاحتمال أنْ يَقْدَر قبله على ما هو واجبٌ قبله، ولا يستأنف الإطعام بالوطاء في خلاله لأنّ النّص فيه مطلقٌ غير مقيّدٌ بما قبل التّماسّ.
(وَفِي يَوْمٍ) أي ولو أعطى واحداً في يومٍ (قَدْرَ الشَّهْرَيْنِ لَا) يجوز إلاّ عن يوم، سواء أعطاه ذلك في يومٍ دفعةً أو على دَفَعَاتٍ، لأنّ الواجب عليه التّفريق الخاص، ولم يوجد، كالحاجّ إذَا رمى الجمرة بسبع حصياتٍ دفعةً واحدةً مجتمعةً لا متفرقةً لا يُجْزِئُهُ إلاّ عن واحدةٍ. لأنّ المعتبر سَدّ الخَلّةَ، وقد اندفعت في ذلك اليوم بما دفعه أولاً، فالصرف إليه بعد ذلك يكون إطعام الطَّاعم فلا يُجْزِئُهُ. وقيل: إذا أعطاه على دفعاتٍ يُجْزِئُهُ، لأنّ التَّمليك أقيم مقام الإطعام، والحاجة بطريق التَّمليك ليس لها نهاية. فإذا فرّق الدّفعات في يومٍ جاز كما في الأيام.
وفي «شرح الوَافِي»: ما ورد في النّص بلفظ الإطعام، فالإباحةُ فيه كافيةٌ، ككفارة الظِّهار والإفطار في رمضان، واليمين، وجزاء الصيد، والفداء. وما ورد فيه بلفظ الإيتاء والفِداء فيُشترط فيه التَّمليك، كالزكاة والصَّدقة، والفِطر، والعُشْر، والحلق عن الأذى في الإحرام، والله سبحانه أعلم بحقائق المرام.
فصلٌ في اللِّعانِ
وهو لغةً: مَصْدرُ لاعَن يلاعِن ملاعنةً ولِعَاناً. وأصل اللَّعْن الطَّرْد والإبعاد. وشريعةً: هو عندنا شهاداتٌ مؤكَّداتٌ بالأيْمان، مقْرونةٌ باللّعن في جانب الرجل، ومقرونةٌ بذكر
стр. 891
مَنْ قَذَفَ بِالزِّنَا زَوْجَتَهُ العَفِيفَةَ،
===
الغضب في جانب المرأة، قائمةٌ مقامَ حدّ القذف في حقه، ومقامَ حدّ الزنا في حقّها.
وقال مالك والشُّافعيّ: إنّه أيْمان مؤكدةٌ بالشهادة، واحتجا بقوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِالله﴾ (١) ، فقوله: ﴿با﴾ مُحْكَمٌ في اليمين، والشهادة تحتمل اليمين، فإنه لو قال: أشهد، كان يميناً، فَحَمَلا المُحْتَمِلَ على المُحْكَم.
ولَنَا قوله ﷺ «أربعةٌ من النِّساء لا ملاعنة بينهم: النّصرانيةُ تحت المسلم، واليهودية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحُرّ، والحُرَّة تحت المملوك». رواه ابن ماجه والدَّارَقُطْنِيّ من حديث عمرو بن شُعَيْب. ووقفه الأوْزَاعِيّ وابن جُرَيْج على جدّ عمرو بن شُعَيْب.
وقال محمد بن الحسن: بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا لعان بين أهل الكفر وأهل الإسلام، ولا بين العبد وامرأته». فهذا نصٌ على اشتراط أهليّة الشَّهادة فيهما. وفي الآية إشارة إلى هذا فإنّه تعالى قال: ﴿وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلاّ أنْفُسُهُمْ﴾ (٢) استثنى أنفسهم عن الشهداء فثبت أن الزّوج شاهدٌ لأنّ المستثنى يكون من جنس المستثنى منه، ثم نصّ على شهادته فقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهَادَاتٍ با﴾ فنصّ على الشّهادة واليمين.
فقلنا: الرّكن هو الشّهادة المؤكدة باليمين. ولأنّ الحاجة هنا إلى إيجاب الحكم في الطرفين، والذي يصلح لإيجاب الحكم فيهما هو الشهادة دون اليمين، إلاّ أنها مؤكدةٌ باليمين لأنه يشهد لنفسه، والتأكيد باليمين لا تخرجه عن أنْ يكون شهادةً. فقرّر الشّارع الرُّكن في جانبه باللّعن لو كان كاذباً، وبالغضب في جانبها لو كانت كاذبةً. لأنّ الصّادق أحدهما، والقاضي لا يعلم ذلك، فكان اللّعن في جانبه قائماً مقام حدّ القذف، وفي جانبها صار الغضب قائماً مقام حدّ الزنا. وسُمِّيَ الكل لعاناً لِشَرْع اللعن فيها، كالصلاة تُسَمَّى ركوعاً وسجوداً لشرعيتهما فيها أو للتغليب كالعُمَرين، والقمَرين، واللعن من جانب الرّجل وهو مقدّمٌ فيه.
(مَنْ قَذَفَ) أي رمى (بِالزِّنَا) صريحاً (زَوْجَتَهُ) بأنْ قال لها: رأيتك تزنين، أو أنت زانيةٌ، أو يا زانية (العَفِيفَةَ) عن الزِّنا وهي التي لا تكون زانيةً ولا متهمةً بزنىً كمن
стр. 892
وَكُلٌّ صَلُحَ شَاهِدًا، أوْ نَفَى وَلَدَهَا وطَالَبَتْ بِهِ: لاعَنَ.
===
يكون لها ولدٌ لا يكون له أبٌ معروفٌ. والحاصل: أنها تكون ممّن يُحَدُّ قاذِفُها، فلو لم تكن ممّن يُحَدّ قاذفها: بأنْ تزوّجت بنكاحٍ فاسدٍ ودخل بها فيه، أو زنت في عمرها، أو وُطِئَت حراماً بشبهة ولو مرّة، ولا يجري اللّعان بينهما، لأنها في حقّها مقام حدّ القذف، فلا بدّ أنْ تكون مُحْصنةً.
(وَكُلٌّ) من الزّوجين (صَلُحَ شَاهِداً) أي مؤديًّا للشهادة على المسلم، فلا لعان من مجنونٍ ولا محدودٍ في قذفٍ لأنّهما لا يصلحان لأداء الشهادة ولا لتحمّلها، ولا من مملوكٍ وصبيَ لأنهما لا يصلُحان لأداء الشهادة وإنْ صَلُحا لحمّلها، ولا من كافرٍ لأنه لا يصلُح لأداء الشهادة على المسلم وإن صَلُحَ لأدائها على مثله عندنا، لكن مع ذلك يوجب حدّ القذف، لأنّ القذف بالزِّنا لا ينفك عن موجِبه، فإذا خرج من أن يكون موجباً للعان لمعنىً في القاذف كان موجباً للحدّ.
(أوْ نَفَى) الزَّوج (وَلَدَهَا) الذي وُلِدَ في فراشه، أو الذي من غيره عن أبيه المعروف، لأنه يصير بذلك قاذفاً. ولهذا يحدّ من قال لأجنبيّ: لست لأبيك. ولا إعتبار لاحتمال كونه من غيره لشبهةٍ، كما لا يعتبر ذلك فيما لو نفاه أجنبيّ، لأنّ الأصل في النَّسب النِّكاح الصحيح، والفاسد ملحقٌ به. ونفيه عن الفراش الصحيح قذفٌ حتى يظهر المُلْحَق به. وقال الشِّافعيّ لا يصير قاذفاً بالنفي ما لم يقل إِنه من الزِّنا.
(وطَالَبَتْ بِهِ) أي بموجِب القذف لأنّه حقّها لدفع عار الزِّنا عنها كما في حدّ القذف، إلاّ أنّ للولد أنْ يُطَالب في القذف لأنه حقّه أيضاً لاحتياجه إلى نَفْي نَسَبه عمّن ليس هو منه.
(لَاعَنَ) خبر المبتدأ وهو مَنْ قذف، وإنّما يُلاعن لِمَا روى البُخاريّ، ومسلم، ومالك في «الموطّأ»، وأبو داود، وابن ماجه من حديث ابن شِهَاب عن سَهْل بن سَعْد السَّاعِدِيّ، أن عُوَيْمِر العَجْلَانِيّ جاء إلى عاصم بن عَدِيّ، فقال له: يا عاصم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ سل لي يا عاصم رسول الله ﷺ فسأل عاصم رسول الله ﷺ فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها فلمّا رجع عاصم إلى أهله، جاء عُوَيْمِر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله؟ فقال عاصم: كَرِه رسول الله المسائل التي سألته عنها ـ وفي نسخة سألتها ـ وعابها. فقال له عُوَيْمِر: والله لا أنتهي حتّى أسأله عنها، فأقبل عُوَيْمِر حتّى أتى رسول الله ﷺ وهو وسط النّاس، فقال يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف
стр. 893
يَبْدَأُ الزَّوْجُ فَيَقُولُ أرْبَعًا أشْهَدُ بالله أَنّي صَادِقٌ فِيمَا رَمَيتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا، أو نَفْي الوَلَدِ، وَفِي الخَامِسَةِ: لَعْنَةُ الله عَلَيْهِ إنْ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا. ثُمَّ تَقُولُ أرْبَعًا: أشْهَدُ بالله إِنّه كَاذِبٌ فِيمَا رَمَانِي بِهِ، وَفِي الخَامِسَةِ: غَضَبُ الله عَلَيهَا إنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا رَمَانِي بِهِ.
ثُمَّ يُفَرِّقُ القَاضِي بَيْنَهُمَا. فَتَبِينُ بِطَلْقَةٍ ويَنْفِي نَسَبَ الوَلَدِ عَنْهُ
===
يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ «قد أنزل الله عليّ فيكَ وفي صاحبتك قرآناً، فاذهب فأْتِ بها. قال سهل: فتلاعَنَا وأنا مع النّاس عند رسول الله ﷺ فلما فرغا قال عُوَيْمِرُ: كَذَبْتُ عليها يا رسول الله إنْ أمْسَكْتُهَا، فطلّقها عُوَيْمِر ثلاثاً قبل أنْ يأمره رسول الله ﷺ قال ابن شهاب: فكانت تلك سُنَّة المتلاعنين.
وصفة اللعان ثابتةٌ بالكتاب: (يَبْدَأُ الزَّوْجُ) لأنّه المُدَّعِي، والحُجَّة تُطلب منه أولاً (فَيَقُولُ أرْبَعاً): أي أربع مراتٍ (أَشْهَدُ بالله) أي أُقسم به (أَنّي صَادِقٌ) أو لَمِن الصادقين (فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا) إن كان رماها بالزِّنا (أو) فيما رميتها به من (نَفْي الوَلَدِ) إنْ كان رماها بنفي الولد (وَفِي الخَامِسَةِ لَعْنَةُ الله عَلَيْهِ إنْ كَانَ كَاذِباً) أو من الكاذبين (فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا) أو نفي الولد، ويشير إليها في كلّ مرّة.
(ثُمَّ تَقُولُ) المرأة (أرْبَعاً: أشْهَدُ بالله أَنّه كَاذِبٌ) أو من الكاذبين (فِيمَا رَمَانِي بِهِ) أي من الزِّنا إنْ كان رماها بالزِّنا، أو فيما رماني به من نفي الولد إن كان رماها بنفي الولد (وَفِي الخَامِسَةِ غَضَبُ الله عَلَيْهَا إنْ كَانَ صَادِقاً) أو من الصّادقين (فِيمَا رَمَانِي بِهِ) من الزِّنا أوْ نفي الولد، وتشير إليه في كل مرّة. وإنّما خُصَّت المرأة بالغضب، لأنّ النِّساء يستعملن اللّعن كثيراً فلا يبالين به بخلاف الغضب.
(ثُمَّ يُفَرِّقُ القَاضِي بَيْنَهُمَا) ولو سألاه أنْ لا يفرِّق (فَتَبِينُ بِطَلْقَةٍ) وتستحق نفقة العدّة كالمعتدّة من طلاقٍ أو فسخٍ، والتّفريق رواية عن أحمد. (ويَنْفِي) القاضي (نَسَبَ الوَلَدِ عَنْهُ) أي عن الزَّوج بأن يقول: قطعت نسب هذا الولد عنه وألزمتُه بأُمّه، بعدما قال: فرّقت بينكما. كذا رُوِيَ عن أبي يوسف. فلو مات أحدهما قَبل التّفريق وَرِثه الآخر، ولو ظاهر منها أو آلى أوْ طلّقها صحّ لبقاء النِّكاح. وقال زُفَر: تقع الفرقة بنفس تلاعنهِما، وهو المشهور من مذهب مالك. ويُرْوَى عن أحمد، وابن عباس لِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» بإسنادٍ جيدٍ من حديث ابن عمر أنّ النّبيّ ﷺ قال: «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً». ولقول عليّ وعبد الله: مضت السُّنَّة أن لا يجتمع المتلاعنان أبداً. رواه الدَّارَقُطْنِيّ أيضاً.
стр. 894
وإنْ أبَى عَنِ اللّعَانِ حُبِسَ حتّى يُلاعِنَ أوْ يُكَذِّب نَفْسَةُ. وَإنْ أَبَتْ حُبِسَتْ حَتَّى تُلاعِنَ أوْ تُصَدِّقهُ.
===
وقال الشّافعيّ: تقع الفُرْقة بلعانه، لأنه لما شهد عليها بالزِّنا أربع مرّات وأكّده باللّعن، فالظاهر أنهما لا يأتلفان، فلم يكن في إبقاء النِّكاح فائدةٌ، كما إذا ارتدّ أحد الزّوجين. وهو يخالف ظاهر الحديث: «المتلاعنان لا يجتمعان» (١) ، فإنَّ قَبْل لعانها لا يصدق عليهما المتلاعنان. على أنّه يحتمل أنْ لا تلاعن هي فترجم عنده، فلا تفريق ولا اجتماع. وأيضاً في رواية: «المتلاعنان إذا تفرّقا لا يجتمعان».
ولنا حديث سَهْل بن سَعْدِ السَّاعِدِيّ المتقدّم، وقد رواه أبو داود وقال: فطلّقها ثلاث تطليقاتٍ، فأَنفذه رسول الله ﷺ وكان ما صنع عند رسول الله سُنَّة. قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله ﷺ فمضت السُّنّة بعد في المتلاعنين أنْ يفرَّق بينهما ثم لايجتمعان أبداً. ففي هذه الألفاظ كلها دليلٌ على أنّ الفُرْقة لم تقع باللّعان، والله المستعان. وكذا ما في الصحيحين من حديث ابن عمر أنّ رجلاً لاعن امرأته على عهد رسول الله ﷺ ففرّق ﵊ بينهما وألحق الولد بأمّه. وفي رواية: بالمرأة.
(ولم يُرْوَ أنّه عليه الصلاة السّلام فرّق بينهما بعد لعان الرّجل قبل لعان المرأة.) (٢) وأمّا قول البَيْهَقِيّ في «المعرفة»: أن عُوَيْمِر حين طلّقها ثلاثاً كان جاهلاً بأنّ اللّعان فُرْقَة، فصار كمن شَرَطَ الضَّمان في السّلف، وهو يلزمه شرط أو لم يشرط. فجوابه: أنّ هذا خلاف الظّاهر، والله أعلم بالسّرائر.
(وإنْ أبَى) الزّوج (عَنِ اللّعَانِ حُبِسَ) لامتناعه عن حقَ وجب عليه وهو قادرٌ على أدائه، فيُحْبَس لإيفائه (حتّى يُلَاعِنَ) فَيُوَفِّي ما عليه (أوْ يُكَذِّب نَفْسَهُ) فيحدّ لإقراره على نفسه بالتزام الحدّ. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: إن أبىَ الزّوج عن اللّعان يُحدّ بناءً على أنّ موجَب القذف منه عندهم الحدّ، وعندنا اللّعان، وإذا لاعن الزّوج وجب على المرأة أنْ تلاعن بالنَّص (وَإنْ أَبَتْ حُبِسَتْ) لأنّها امتنعت عن إيفاء حقَ هي قادرةٌ عليها، فتحبس لإيفائها كسائر الحقوق (حَتَّى تُلَاعِنَ) فتُوَفِّي ما عليها (أوْ تُصَدِّقهُ) فيرتفع سبب اللّعان، وإذا صَدّقته نفى القاضي نَسَب ولدها، ولم يحدّها
стр. 895
وإنْ كَانَ عَبْدًا أوْ كَافِرًا أوْ كَانَ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ، حُدَّ الزَّوْجُ. وَإنْ صَلُحَ وَهِي أَمَةٌ، أَوْ كَافِرَةٌ، أوْ مَحْدُودَةٌ في قَذْفٍ، أو صَبِيَّةٌ، أَو مَجْنْونَةٌ، أو زَانِيَةٌ فَلا حَدّ عَلَيهِ وَلا لِعَانَ.
وَالمُتَلاعِنَانِ لا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا وَإنْ أَكذَبَ نَفْسَهُ حُدَّ، وَحَلّ للزّوْجِ نِكَاحُهَا.
===
لأنّ تصديقها ليس إقراراً قصداً بصريح الزِّنا، فلا يعتبر في وجوب الحدّ بل في درئه (١) . وما وقع في بعض نسخ القُدُورِيّ: أو تُصدِّقُه فتحدّ، غلطٌ لأنّ الحدّ لا يجب بالإقرار مرّة، فكيف بالتّصديق مرّة وهو لا يجب بالتّصديق أربع مرّات. وقال مالك والشَّافعيّ: لا تحبس المرأة، بل تُرْجم.
(وإنْ كَانَ) الزَّوج لم يَصْلُح شاهداً بأنْ كان (عَبْداً) وهي حرّة (أوْ كَافِراً) وهي مسلمة، وصورته: أنْ يكونا كافرين فَتُسْلم الزّوجة، ويقذِفُها قبل عرض الإسلام (أوْ كَانَ مَحْدُوداً فِي قَذْفٍ) وهي من أهل الشّهادة (حُدَّ الزَّوْجُ) لأنَّه لَمّا تعذّر اللّعان من جهته صير إلى الحدّ لِمَا قدّمنا من أنّه لا ينفك عن موجَبه، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢) (وَإنْ صَلُحَ) الزَّوْجُ شاهداً (وَهِي أَمَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ) بأن تكون ذمِيّةً (أوْ مَحْدُودَةٌ في قَذْفٍ أوْ صَبِيَّةٌ أَوْ مَجْنْونَةٌ أوْ زَانِيَةٌ فَلَا حَدّ عَلَيْهِ) لعدم إحصانها كما لو قذفها أجنبيّ (وَلَا لِعَانَ) لعدم أهليتها للشّهادة.
(وَالمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَداً) روى ذلك الدَّارَقُطْنِيّ عن عليّ وابن مسعود وابن عبّاس موقوفاً، وأخرجه مرفوعاً من حديث ابن عمر. (وَإنْ أَكْذَبَ) الزّوج (نَفْسَهُ) بعد اللّعان قبل التَّفريق أو بعده (حُدَّ) لإقراره بوجوب الحدّ عليه. قيّدنا الإكْذَاب بكونه بعد اللّعان، لأنه لو كان قبله بعدما أبانها لا حدّ عليه ولا لعان، لأنّ قذفه كان موجِباً للّعان، فلا ينقلب موجباً للحدّ، (ولأنّ المقصود من اللّعان التّفريق، وذلك لا يتأتى بعد البينونة.) (٣) (وَحَلّ للزّوْجِ) بعد إكذاب نفسه (نِكَاحُهَا) عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف وزُفَر، وهو قول مالك والشّافعيّ: لا يحل لأنهما متلاعنان، وفي الحديث: «المتلاعنان إذا تفرّقا لا يجتمعان أبداً» (٤) .
стр. 896
وَكَذَا إنْ قَذَفَ غَيرَهَا فَحُدَّ، أوْ زَنَتْ فَحُدَّتْ. وَلا لِعَانَ بِقَذْفِ الأَخْرَسِ، وَنَفَي الحَمْلِ، وَبِـ: زَنَيتِ، و: هَذَا الحَمْلُ مِنْهُ، تَلاعَنَا، وَلَمْ يَنْتَفِ الحَمْلُ.
===
(ولهما: أنّ اللّعان شهادةٌ، وهي تبطل بالرجوع) (١) . (وَكَذَا) حَلّ نكاحها (إنْ قَذَفَ) الزّوج (غَيْرَهَا) بعد التّلاعن (فَحُدَّ أوْ زَنَتْ فَحُدَّتْ) لأنّ بقاء أهلية اللّعان شرط لبقاء حكمه من عدم اجتماعهما. وقوله: فَحُدّت قيدٌ اتفاقي، لأن زناهما من غير حدّ يسقط به إحصانها، بخلاف القذف فإنه لا يسقط به الإحصان حتّى يُحَدَّ القاذف.
(وَلَا لِعَانَ بِقَذْفِ الأَخْرَسِ وَنَفَي الحَمْلِ) أمّا الأخرس فلأنّ اللعن يتعلّق بالصّريح كحدّ القذف، ولا صريح للأخرس، فقذفه لا يَعْرى عن شبهة، والحدود تسقط بها. وقال مالك، والشّافعيّ، وأبو الخَطَّاب من الحنابلة: يصحّ قذف الأخرس ويلاعن بالإشارة كما يصحّ طلاقه وبيعه وسائر تصرفاته بالإِشارة. ولنا: أنّه لا بُدّ أن يأتي بلفظ الشّهادة في اللعن حتى لو قال: أحلف مكان أشهد لا يجوز، وإشارته لا تكون شهادة. ولا لعان أيضاً لو كانت المرأة خرساء لأنّ قذف الأجنبيّ لها لا يوجب الحدّ لاحتمال أنها تصدّقه، ولأنها عاجزةٌ عن الإتيان بلفظ الشهادة، وهو شرط في اللّعان.
وأمّا عدم اللّعان بنفي الحمل ـ وهو قول أبي حنيفة آخراً وأحمد، والثَّوْرِيّ، والحسن البَصْرِيّ، والشَّعْبِيّ، وابن أبي لَيْلَى ـ فلعدم التَّيقن بقيام الحمل، لاحتمال أنّ ما بها نفخٌ، فلم يكن قذفاً. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشّافعيّ وأبو حنيفة أولاً: إِنه يلاعن إذا جاءت به لأقلّ من ست أشهرٍ، لأنا تيقنا بقيام الحمل عند نفيه له، فتحقق القذف. ثم لا يجب اللعان في الحال عندنا، وحكم مالك والشّافعيّ باللّعان قبل الوضع، لأنه قذَفها حقيقة بنفي الولد. قلنا: نفيه (لا يكون بدونه ولا يعلم به، فلعله ريحٌ أوْ ماءٌ أو انتفاخٌ. وقيل: يوجبه أبو يوسف في الولادة، ذكره الطَّحاوي) (٢) ، لقصة عُوَيْمِر.
(وَبِـ: زَنَيْتِ، وَ: هَذَا الحَمْلُ مِنْهُ) أي من الزِّنا (تَلَاعَنَا) في الحال لوجود القذف بذكر صريح الزِّنا (وَلَمْ يَنْتَفِ الحَمْلُ) أي نَسَبه باللّعان قبل الوضع. وقال مالك والشَّافعيّ: ينتفي الحمل لأنه ﵊ نَفَى الولد عن هلال، وكان قَذَفها حاملا .. ولنا: قول ابن الجَوْزِيّ: إنّ أحمد، وابن جَرير أنكرا لِعان هلال بالحمل، وقالا: إنما لاعن رسول الله ﷺ (أي أمرهما باللّعان ـ) (٣) لمّا جاء وشهد بالزّنا، ولو كان
стр. 897
وَمَنْ نَفَى الوَلَدَ زَمَانَ التهنئة، أو زمان شراء آلَةِ الوِلادَةِ صَحَّ، وبَعْدَهُ لا يَصِحُّ، وَلاعَنَ فِيهِمَا.
وَإنْ نَفَى أوّلَ التَّوْأَمَيْنِ وَأَقَرَّ بِالآخَرِ حُدَّ، وَفِي عَكْسِهِ لاعَنَ، وَيَثْبُتُ نَسَبَهُمَا فِيهِمَا.
===
اللّعان بالحمل، لكان الحمل منفيًّا من الزّوج غير لاحقٍ به، أَشْبَهه أو لم يُشْبِهه. وقد قال ﷺ «إن جاءت به أُحَيْمِر» ـ وفي نُسخة أحمرـ حَمْش السّاقين ـ أي دقيقهما ـ فهو لهلال، وإن جاءت به أسود جعْداً فهو لشَرِيكِ» (١) ، فجاءت به على النَّعت المكروه.
(وَمَنْ نَفَى الوَلَدَ زَمَانَ التهنئة، أو زمان شراء آلَةِ الوِلَادَةِ) وهو ما يحتاج إليه لأجلها عادة، فإنهما كزمان الولادة. قيل: إِنه مقصورٌ على ثلاثة أيامٍ، وقيل: على يوم أو يومين، وقيل: على سبعة (صَحَّ) نفيه (وبَعْدَهُ لَا يَصِحُّ) نفيه (وَلَاعَنَ فِيهِمَا) لوجود القذف.
وقال أبو يوسف ومحمد: يصحّ نفيه في مدة النِّفاس، وكان القياس أنْ لا يصحّ نفيه إلاّ على فور الولادة، وبه أخذ الشّافعيّ، ولكنَّهما استحسنا جواز تأخّره مدّةً يقع فيها التأمل، لأنّ النّفي يحتاج إليه، كيلا يقع في نفي ولده، أو استلحاق غير ولده، وكلاهما حرامٌ. فقد قال رسول الله ﷺ حين نزلت آية الملاعنة: «أيّما امرأة، أدخلت على قوم مَنْ ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخِلها الجنة. وأيّما رجلٍ جَحَد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه الله على رؤوس الأوَّلين والآخرين». رواه أبو داود، والنَّسائي.
ثم في كلّ موضعٍ لزمه الولد، لا يكون له نفيه بعد ذلك عند الأئمة الأربعة وأصحابهم، (وَإنْ نَفَى أوّلَ التَّوْأَمَيْنِ) وهما الولدان بين ولادتهما أقل من ستة أشهرٍ (وَأَقَرَّ بِالآخَرِ حُدَّ) لأنّه أكذب نفسه بدعوى الثَّاني، لأنّهما خلقا من ماءٍ واحدٍ (وَفِي عَكْسِهِ) وهو ما إذا أقرّ بالأوّل ونفى الثّاني (لَاعَنَ) لأنّه قذفٌ بنفي الثاني (وَيَثْبُتُ نَسَبَهُمَا) أي التَّوأمين (فِيهِمَا) أي في المسألتين لاعترافه بأحدهما، وهما من ماءٍ واحدٍ، والله تعالى أعلم.
стр. 898
فَصْلٌ في العِنيْن
إنّ أَقَرّ أنّهُ لَمْ يَطَأْ، أَجَّلَهُ الحَاكِمُ سَنَةً قَمَرِيّةً، وَرَمَضَانُ وأيَّامُ حَيضِهَا مِنْهَا، لا مُدَّةَ مَرَضِ أحَدِهِمَا،
===
فصلٌ في العِنِّينِ
وهو لغةً: من لا يريد النِّساء. والأُنثى عِنِّينةٌ، وهي لا تشتهي الرّجل، فَعِيل بمعنى مفعول، كجريح بمعنى مجروح، والاسم منه العُنَّة.
شرعاً: ـ عندنا ـ مَنْ لا يصل إلى النِّساء مع وجود الآلة، أو يصل إلى الثَّيب دون البكر، أو إلى بعض النساء دون بعض، وذلك لمرضٍ به، أو لضعفٍ في خِلْقته، أو لِكبرٍ في سنه، أو لسحرٍ سُحِرَ به، فيكون عِنِّيناً به في حقّ من لا يصل إليها لفوات المقصود في حقّها، كذا ذكره قاضيخان. وسواء يقوم ذَكَرُهُ، أو لم يقم. وعند مالك: العِنِّين من لا يتأتّى بِذَكَرِهِ الجماعُ لصغره. وفي «المحيط»: إذا كانت آلته قصيرةً لا يمكنه إدخالُها داخل الفرج، لا حقّ لها في المطالبة بالتفريق.
(إنّ أَقَرّ) الزّوج (أنّهُ لَمْ يَطَأْ) امرأته بعدما دخل عليها (أَجَّلَهُ الحَاكِمُ) بعد طلبها. حتّى لو وجدته عِنّيناً ولم تطالب مدّةً، لم يبطل حقّها، لأنّ عدم المطالبة ربما يكون للتّجربة والامتحان لا للرّضا. ولأنّها ربّما لا تقدر على الخُصومة في كل زمانٍ. ويعتبر طلبُها إنْ كانت حرّةً، وطلبُ سيّدها إن كانت أمةً. وقال زُفَر: الطلب للأَمة، (سَنَةً قَمَرِيّةً) ابتداؤها من وقت الخُصومة وهو ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة شمسيّة، وهو اختيار السَّرَخْسِيّ وقاضيخان احتياطاً، والأوّل هو الصحيح.
(وَرَمَضَانُ وأيَّامُ حَيْضِهَا مِنْهَا) أي من السنة لأنّ السنة، لا تخلو عنها (لَا مُدَّةَ مَرَضِ أحَدِهِمَا) لأنّ السنة قد تخلو عن المرض، وعلى هذا فتوى المشايخ. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن هُشَيم، عن محمد بن سالم، عن الشَّعْبِيّ أنّ عمر بن الخطَّاب ﵁ كتب إلى شُرَيْح أن يُؤَجِّلَ العِنِّين سنةً من يوم يُرْفَعُ إليه، فإن استطاعها أقامها، وإلاّ فخيّرها: فإن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقت. وروى أيضاً عن عليّ وابن مسعود والمُغِيرَة بن شُعْبَة: أنّ العِنِّين يُؤَجَّلُ سنةً بألفاظٍ مختلفةٍ.
أمّا الرواية عن عمر، فأَسْندها عبد الرَّزَّاق، وابن أبي شَيْبَة عن سعيد بن المُسَيَّب قال: قضى عمر في العِنِّين أنّ يؤجّل سنةً. قال مَعْمَر: وبلغني أنّ التأجيل من يوم تخاصمه. وزاد ابن أبي شيبة وقال: فإن أَصابها، وإلاّ فرّقوا بينهما، ولها الصَّداق كاملاً. وأسندها محمد بن الحسن في «آثاره»: أخبرنا أبو حنيفة: حدّثنا إسماعيل بن مسلم
стр. 899
فَإنْ لَمْ يَصِلْ فِيهَا فَرَّقَ بَينَهُمَا إنْ طَلَبَتْهُ، فَتَبِين بِطَلْقَةٍ،
===
المَكِّيّ، عن الحسن، عن عمر: أنّ امرأة أتت فأخبرته أَنّ زوجها لا يصل إليها، فأجَّله حولاً، فلما انقضى ولم يصل إليها، فخيَّرها فاختارت نفسها، ففرّق بينهما عمر، وجعلها تطليقةً بائنةً.
وأمّا الرِّواية عن عليّ، فأَسندها ابن أبي شَيْبَة عن الضَّحاك، عن عليّ (١) قال: يؤجَّلُ العِنِّين سنةً، فإن وصل إليها وإلاّ فُرِّقَ بينهما. وأسندها عبد الرّزّاق عن يحيى، (عن عليّ) قال: يؤجّل العِنِّين سنةً، فإن أصابها، وإلاّ فهي أحقّ بنفسها. وأمّا الرِّواية عن ابن مسعود، فأسندها ابن أبي شَيْبَة عن حُصَيْن بن قَبِيصَة، عن عبد الله بن مسعود قال: يؤجّل العنّين سنةً فإن جامعها، وإلاّ فُرِّق بينهما. وأُسند عن المُغِيرَة بنحوه.
وإنّما أجّلوه سنةً، لأنّ المرض غالباً يكون لغلبة البرودة، أو الحرارة، أو الرطوبة، أو اليَبُوسة، وفصول السَّنة مشتملة على هذه الأربعة، فعسى أنْ يوافق فصلٌ منها طبعه، فيزول ما به من العارض باعتدال الطبع.
فمتى مضت السَّنة ولم يَزُل، فالظاهر أنّه قد استحكم، وأَنّ حقّها قد فات، فيفرّق بينهما، وهذا معنى قوله: (فَإنْ لَمْ يَصِلْ) الزّوج المرأة (فِيهَا) أي في السَّنة (فَرَّقَ) الحاكم (بَيْنَهُمَا إنْ طَلَبَتْهُ) أي التّفريق لأنه خالص حقّها، فلا بدَّ من طلبها حتى لو لم تطالبه بعد مُضِيّ السّنة التي أجّلها الحاكم لطلبها، لا يَبْطُل حقّها من التّفريق لما قدمنا. ولو تزوّجها بعد تفريق القاضي لم يكن لها خِيار لرضاها بحاله، ولو تزوّج امرأةً أخرى عالمةً بحاله، ففي «الأصل»: لا خيار لها، وعليه الفتوى لِعِلْمها بالعيب، وبه قال أحمد، والشّافعيّ في القديم.
والحاصل: أنّ الزّوج إن وصل إليها ولو مرّةً بقي النّكاح، وإلاّ فالتّفريق بينهما للحاكم. ـي رواية الحسن عن أبي حنيفة بِطَلبها لو كانت حرّة. وظاهر الرِّواية عنه: أنّ التّفريق لها، وبه قالا، لأنّ الشّرع خيرّها عند تمام الحول لدفع الضّرر عنها، فلا يحتاج إلى تفريق القاضي كما إذا خيّرها الزّوج. وأمّا إذا كانت أَمةً فالتّفريق للموْلى عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: للأمة، لأنّ الوطاء حقّها. وعن محمد: قولان.
(فَتَبِين بِطَلْقَةٍ) وهو قول مالك، وقال الشّافعيّ وأحمد: بفسخٍ، لأنّها فُرْقة من جهتها. قلنا: بل هي فُرْقة من جهته، لأنّ فعل القاضي مضافٌ إليه لنيابته منابه لامتناعه
стр. 900
وَلَهَا كُلُّ المَهْرِ إنْ خَلا بِهَا وَتَجِبُ العِدّةُ.
وَإنْ اخْتَلَفَا وَكَانَتْ ثَيِّبًا أو بِكْرًا، فَنَظَرَتْ النِّسَاءُ وَقُلْنَ: ثَيِّبٌ حَلَفَ، فَإنْ حَلَفَ بَطَلَ حَقُّهَا، وَإنْ نَكَلَ أوْ قُلْنَ: بِكْرٌ أُجِّلَ السَّنَةَ. وَلَوْ أُجِّلَ ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَالتَّقْسِيمُ هُنَا كَمَا مَرَّ. وبَطَلَ حَقُّهَا بِحَلِفِهِ، حَيثُ بَطَلَ حَقُّهَا فِيهِ، كَمَا لَوْ اخْتَارَتْهُ وَخُيِّرَتْ هُنَا، حَيثُ أُجِّلَ ثَمَّةَ.
===
عن الإمساك بالمعروف.
(وَلَهَا كُلُّ المَهْرِ إنْ خَلَا بِهَا) ونصفُه إن لم يخل بها. وقال الشّافعيّ: لا يجب شيءٌ من المهر ولا المتعة. لأنه فسخٌ عنده (وَتَجِبُ العِدَّةُ) وبه قال مالك والشّافعيّ وأحمد، واستشكل المُزَنِيّ مذهب الشافعيّ فقال: كيف يجب عليها العِدّة ولم يصبها، والخلوة ليست كالدّخول عنده. ولأصحابه أجوبةٌ عن ذلك تطلب ممّا هنالك.
(وَإنْ اخْتَلَفَا) في الوصول إليها قبل التأجيل (وَكَانَتْ ثَيِّباً) حين تزوّجها (أو بِكْراً فَنَظَرَتْ النِّسَاءُ) إليها بعد الاختلاف (وَقُلْنَ: ثَيِّبٌ) ويكفي قول الواحدة، والاثنتان أحوط (حَلَفَ) أمّا في المسألة الأولى: فلأنّ المرأة تدّعي استحقاق الفُرْقة عليه، وهو أَنكرها ولأنه متمسكٌ بالأصل ـ وهو السلامة ـ فيكون القول قوله مع يمينه. وأمّا في الثانية: فلأن الثِّيَابة وإنْ ثبتت بقول النِّساء، ليس من ضرورةِ ثبوتِها وصولُ الرّجل إلى المرأة لاحتمال زوال بكارتها بشيءٍ آخر، فيحلف
(فَإنْ حَلَفَ) في المسألتين (بَطَلَ حَقُّهَا وَإنْ نَكَلَ) في المسألتين (أوْ قُلْنَ: بِكْرٌ) فيما إذا كانت بكرًا (أُجِّلَ السَّنَةَ) وقالوا: ويُعرف أنها بكرٌ بأن يدفع في فرجها أصغرُ بيضةٍ، فإن دخلت بلا عنفٍ فهي ثيّبٌ وإلاّ فبكرٌ. وقيل: إن أمكنها أن تبول على الجدار، فَبِكْرٌ وإلاّ فثيّبٌ. وقيل: تكسر البيضة وتصبّ في فرجها، فإن دخل ما فيها فثّيبٌ وإلاّ فبكرٌ.
(وَلَوْ أُجِّلَ ثُمَّ اخْتَلَفَا) في الوصول إليها (فَالتَّقْسِيمُ هُنَا كَمَا مَرَّ) فإن كانت ثيّباً أو بكراً وقالت النِّساء: ثيّب، حلف (وبَطَلَ حَقُّهَا) وهو التَّفريق هنا (بِحَلِفِهِ حَيْثُ) أي في موضع (بَطَلَ حَقُّهَا) وهو التَّأجيل، (فِيهِ) وفي نسخة: ثم، أي فيما إذا كان الاختلاف قبل التَّأجيل، (كَمَا لَوْ اخْتَارَتْهُ) أي كما يَبْطُل حقّ الزّوجة لو اختارت زوجها (وَخُيِّرَتْ) الزّوجة (هُنَا) أي فيما إذا كان الاختلاف بعد التّأجيل، (حَيْثُ أُجِّلَ) الزّوج (ثَمَّةَ) أي فيما إذا كان الاختلاف قبل التّأجيل.
стр. 901
والخَصِيُّ كَالْعِنِّينِ فيِهِ، وَفِي المَجْبُوبِ فَرَّقَ حَالًا بِطَلَبِهَا. ولا يتخيّر أحدهما بِعَيْبِ الآخَرِ.
===
والحاصل: أنّها إذا كانت ثيّباً، فالقول قوله ابتداءً وانتهاءً مع يمينه، فإنْ نَكَلَ في الابتداء لا يُؤَجَّلُ السّنة، وإن نَكَلَ في الانتهاء تخيّر المرأة. وإن كانت بِكْراً بقول النساء يؤجل في الابتداء، وتخيّر في الانتهاء. (والخَصِيُّ) سواء كان مسلولاً: وهو الذي سُلَّت خُصْيتاه، أو موجوءاً: وهو الذي قطعت خُصْيَتاه، كذا قال الشارح. وفي «القاموس»: وَجَأَ: دقّ عُروق خُصْيَيْهِ بين حجرين من غير إخراجهما، أو هو: رضّهما حتى تَنْفَضِخَا، أي تنكسرا.
(كَالْعِنِّينِ فيِهِ) أي التّأجيل لأن الوطاء منه متوقعٌ (وَفِي المَجْبُوبِ) أي مقطوع الذَّكَر (فَرَّقَ حَالاً بِطَلَبِهَا) إذ لا فائدة في التَّأجيل، لأنَّ الوطاء منه غير متوقع.
(ولا يتخيّر أحدهما) أي أحد الزّوجين (بِعَيْبِ الآخَرِ) سوى ما تقدّم. فلا يُفْسَخُ النِّكاح عندنا بجنونٍ وجُذَام (١) وبرصٍ به أو بها، وقَرْن ورَتَقٍ بها. والقرْن ـ بسكون الراء ـ: غُدّةٌ غليظةٌ، أو لحمةٌ مرتفعةٌ، أو عظمٌ يمنع سلوك الذَّكَر. والرَّتَقُ ـ بفتحتين ـ: مصدر قولك: امرأة رَتْقَاء: لا يمكن جماعها لارتياق ذلك الموضع ـ أي لانسداده ـ ليس لها خَرقٌ إلا المَبَال.
وأجَازه الزُّهْريّ، وشُرَيْح، وأبو ثور بجميع العيوب كالبيع. وأجازه مالك والشافعي وأحمد لكلّ من الزّوجين بكل من العيوب الخمسة، ولا شيء لها قبل الدّخول، ولها مهر المثل بعده، لأنّ النّبيّ ﷺ تزوّج امرأة من بني بياضة فوجد بكَشْحِها (٢) بياضاً فقال: «الحقي بأهلك» (٣) . وعن عمر أنه أثبت الخيار للزَّوج بهذه العيوب.
ولأنّ المقصود من النِّكاح قضاءُ الشهوة طبعاً، وثبوت النَّسب شرعاً، وهذه العيوب تُخِلّ به حساً أو طبعاً بخلاف العمى، والشلل، والبَخَر (٤) ، والذَّفَر (٥) . وأجازه محمد للمرأة بالجنون، والجُذَام، والبرص لدفع الضَّرر عنها كما في الجَبِّ والعُنِّة،
стр. 902
فَصْلٌ في العِدَّةِ
===
بخلاف جانبه لقدرته على دفع الضّرر عنه بالطّلاق. ولقول عليّ: إذا تزوّج امرأة فوجد بها قَرْناً، أو بَرَصاً، أو جُذَاماً أو جنوناً، فالنِّكاح جائزٌ لازمٌ له، إن شاء طلّق، وإن شاء أمسك. وقول ابنِ مسعود: لا تردّ المرأة من عيوبٍ (١) . ونفاه أبو حنيفة وأبو يوسف، وهو قول عطاء، والنَّخَعِيّ وعمر بن عبد العزيز، والأوْزَاعِيّ، والثَّوْرِي، وابن أبي ليلى.
فإنّ تأثير وجود العيب في تفويت تمام الرضا إنما يوجب الرد في عقد يشترط فيه الرضا، ولزوم النكاح لا يتوقّف على تمام الرضا. ألا ترى أنه لو تزوج امرأة بشرط أنها بكرٌ شابَّةٌ جميلة فوجدها ثيباً عجوزاً شوهاء صماء عمياء بَكْماء، لها شِقٌّ مائل، وأنف هائل، ولعاب سائل، وعقل زائل، أو مريضة بالدق والسِّلّ مما لا بُرْءَ منه عند الأطباء، فإنه يجوز بلا شك لأحد من العلماء، وأنه لا يثبت له الخيار وإن فقد رضاه، وعليه الإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والله المستعان.
والحديث لم يصحَّ لأنه من رواية جميل بن زيد ـ وهو متروك ـ عن زيد بن كعب بن عُجْرة، وهو مجهول لا يُعلم لكعب بن عجرة ولد اسمه زيد، ولو سُلِّم جاز أن يكون ذلك طلاقاً، فإن لفظ: الحقي بأهلك من كنايات الطلاق. وقوله ﵊: «فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد» (٢) ، ظاهره غيرُ مراد بالاتفاق على إباحة القرب منه، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ أكل مع مجذوم ثقةً بالله وتوكلاً عليه.
فصلٌ في العِدَّة
وهي في اللغة: الإحصاء، ويطلق أيضاً على المعدود.
وفي الشرع: تربصٌ يلزمُ المرأة عندَ زوالِ النكاح أو شُبْهَته.
(وسبب وجوبها عندنا نكاح) (٣) متأَكّد بالتسليم، أو ما يقوم مَقَامه من خَلوة أو موت.
стр. 903
العِدَّةُ للحُرَّة تَحيْضُ للطلاق، والفسْخِ ثَلاثُ حِيَض كَوَامِل،
===
(العِدَّة) مبتدأ، ولام (للحُرَّة) متعلقٌ به (تَحيْضُ) نعت لها أو حال عنها (للطلاق) أي لأجل الطلاق عن دخول أو خَلوة، (و) لأجل (الفسْخِ) لخيار بلوغ (١) ، أو عِتْق، ولمِلْك أحد الزوجين، ولتقبيل ابن الزوج بشهوة، ولارتداد أحدهما، ولعدم الكفاءة، لأنه في معنى الفرقة بالطلاق في وجوب تَعَرُّفِ بَرَاءة الرحم (ثَلاثُ حِيَض) خبر المبتدأ (كَوَامِل) قيّد به لأنه لو طلقها وهي حائض لا يُحتسب بذلك الحيضِ، ولو بقي من الحيضة الثالثة شيء لم تَنْقضِ عِدَّتُها، وذلك لأن الحيضة الواحدة لا تتجزّى. وما وُجِد قبل الطلاق لا يحتسب منها فلا يحتسب ما بقي ضرورة. وبه قال ابن عباس، وشُرَيح، وإبراهيم النَّخَعِي.
وقال مالك والشافعي: ثلاثة أطهار، وهو مروي عن عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهنَّ لِعِدَّتِهنَّ﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَربَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُرُوء﴾ (٣) . وقد عُلِم أنَّ تأنيث العدد يقتضي تذكير المعدود، والطُّهْر هو المذكر لا الحيض، فلو أراد به الحيض لقال: ثلاث قروء.
ولنا أن الاستبراء بحيضة، كما رواه أحمد وأبو داود في سبايا أوطاس، وأصل العِدَّة للاستبراء، فيكون بالحيض. وروى ابن ماجه عن عائشة قالت: أُمِرَت بَرِيْرَةُ (٤) أنْ تعتدَّ بثلاث حِيَض. ومذهبنا قول الخلفاء الأربعة، والعبادلة، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبي الدَرْداء، وعُبَادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، ومعْبَدٍ الجُهَنِي،
وعبد الله بن قيس، وطائفة من التابعين: كسعيد بن المُسيَّب، وابن جُبَيْر، وعطاء، وطاوس، وعِكْرِمة، ومُجاهد، وقَتَادة، والضَّحَاك، والحسن، ومُقَاتِل، وشَرِيك، والثَّوْري، والأوزاعي، وابن شُبْرُمة، والسُّدِّي، وكذا: الأَصْمعي، والكِسَائي، والفرَّاء، والأخْفَشُ. ورواه الطحاوي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، فتعارضت الرواية عنهما.
قال أحمد بن حنبل: كنت أقول الأطهار، ثم وقفت لقول الأكابر، وفي نسخة: وقفتُ والله ولي التوفيق بقول أهل التحقيق.
стр. 904
كأمِّ وَلَدٍ ماتَ مولاها أو أعتَقَها. ومَوْطُوءَةٍ بشُبهةٍ أو نكاح فاسدٍ في الموت والفُرْقَةِ،
===
وعن أبي عبيدة وابن السِّكِّيت: أن القُرءَ يصح للحيض والطهر ولا ينتظمهما جملة، لأن المشترك لا عموم له، والحمل على الحيض أولى عندنا لما رويناه في عِدَّة الأَمَة من قول رسول الله ﷺ «وقُرؤها حيضتان»، ولم يقل: طهران، ولا خلاف أن عدة الأمة نِصف عدة الحرة، لأن أثر الرِّقِ في التنصيف لا في تغيير أصل العدة، ولقوله تعالى: ﴿واللائي يَئسنَ من المَحِيْضِ من نِسَائكم إنْ ارْتبْتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ﴾ (١) ، فأقام الأشهر مُقَام الحِيض دون الأطهار، والنقل إلى البدل إنما يكون عند عدم الأصل، كقوله تعالى: ﴿فلمْ تَجِدُوا ماءً فَتيَمَّمُوا صعيداً طيباً﴾ (٢) ، فهو تنصيص على أن المرادَ بالقُرءِ الحيضُ، ولأن الغَرَضَ في العدَّةِ استبراءُ الرَّحِم، والحيض هو الذي يُستبرأ به الأرحام دون الطهر، ولذا كان استبراء الأَمة بالحيض إجماعاً.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣) فلا يصح، لأنه بناء على أن اللام بمعنى «في»، وهو غير معهود في الاستعمال، ويستلزم تقدُّمَ العدة على الطلاق، أو مقارنته له لاقتضائه وقوعَه في وقت العدة. وقراءة: «لِقَبْلِ عدَّتِهنَّ» في «صحيح مسلم» تنفيه إذ أفادت أن اللام فيه مفيدة معنى استقبال عدتهن، وهذا استعمال محقق من العربية، يقال في التاريخ بإجماع أهل العربية: خرج لثلاث بَقِيَن ونحوه.
وأما التمسك بتأنيث العدد في الآية الأخرى فليس بشيء، لأن الشيء إذا كان له اسمان مُذكَّر كالبُرِّ، ومؤنَّث كالحِنْطة، ولا تأنيث حقيقي، يؤنث عدده إذا أضيف إلى اللفظ المذكر، ويُذكَّر إذا أضيف إلى اللفظ المؤنث.
(كأمِّ وَلَدٍ) أي كما تعتد بثلاث حيض كوامل أم ولد (ماتَ مولاها أو أعتَقَها) وهي ممن تحيض وليست حاملاً، ولا تحت زوج، ولا في عدة زوج، لأنها لو كانت تحت زوج أو في عدة زوج، لم يلزمها من المولى عدة.
(ومَوْطُوءةٍ) أي وكموطوءةٍ (بشُبهةٍ) كما لو زُفَّتْ إليه امرأة فوطئها وهو لا يَعْرِفها (أو نكاحٍ فاسدٍ) كالمؤقت، والنكاح بغير شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة (في الموت والفُرْقَةِ) أي لأن الوطاء بشبهة كالنكاح الفاسد، والنكاح الفاسد كالصحيح ولا نَفَقَة لها، لأن العدة هنا لِتُعرَف براءةُ
стр. 905
ولِمَنْ لا تحيضُ لِصِغَرٍ أو كِبَرٍ، أو بلغت بالسن ولم تَحِض ثلاثةُ أشهر
===
الرَّحِم لا لقضاء حق النكاح، والحيض هو المعرِّف ولو في الموت.
وقال الشافعي: عِدَّة أُمِّ الولد من مولاها حيضةٌ واحدةٌ وإن كانت لا تحيض (فشهر. وقال مالك: عدتها حيضة واحدة، وإن كانت لا تحيض) (١) فثلاثة أشهر، وهو قولُ أحمدَ بن حنبل، لما روى مالك في «الموطأ»: عن نافع، عن ابن عمر: أنه قال: عِدَّة أم الولد إذا هلك عنها سيدها حَيْضة. ولأنها وجبت لتُعْرَف بَرَاءةُ الرحم، فصارت كالاستبراء.
ولنا ما روى محمد بن الحسن في «الأصل»: عن علي، وابن مسعود، وإبراهيم النَّخَعي أنهم قالوا: عدَّة أم الولد ثلاث حِيض. وكذلك روى الحاكم عن علي، وابن مسعود (٢) ، وعطاء. وروى أيضاً أن عمرو بن العاص أمر أم ولدٍ أُعتِقت أن تعتد بثلاث حِيض، وكتب إلى عمر بذلك، فكتب عمر إليه بحُسن رأيه.
(ولِمَنْ لا تحيضُ) أي، والعدة من طلاق أو فسْخ لحرة لا تحيض (لِصِغَرٍ أو كِبَرٍ أو بلغت بالسن ولم تَحِض: ثلاثةُ أشهر) أما التي لا تحيض لكبر فلقوله تعالى: ﴿واللائي يَئِسْنَ من المحيضِ من نِسَائكم إنْ ارْتَبْتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهر﴾ (٣) ، ومعنى ﴿إن ارتبتم﴾: إن أَشكل عليكم حُكْمُهنَّ وجهِلْتُم أمرهن. وأما التي لا تحيض لصغر والتي بلغت بالسن ولم تحض، فلقوله تعالى: ﴿واللائي لم يَحِضْن﴾ (٤) أي فعدتهن ثلاثة أشهر، فَحُذِفَ لدلالة ما تقدم عليه، والنص يتناول الصغيرة. وعلماؤنا والشافعي أمروا ممتدة (٥) الطهر بالأَقرَاءِ لا بالتربص لسَنة. وقال مالك: تَرَبَّصُ بعد الطلاق تسعة أشهر ثم تعتد بعدها بثلاثة أشهر، لأن تسعة أشهر هو المدة المعتادة لظهور الحَبَل، فإذا مضت تحقَّقَت براءة الرحم، فتعتد بثلاثة أشهر لصيرورتها في معنى مَنْ لا تحيض.
ولنا أن الاعتداد بالأشهر مختصٌ بالصغيرة والآيسة، وهذه لم يُحكم بإياسها فتكون حائضاً باستصحاب الحال (٦) ، فلا تعتد (٧) بالأشهر. وعلماؤنا والشافعي أمروا الأَمة الآيسة بشهر ونصف، لإمكان تنصيف (٨) عدتها بالنسبة إلى الأشهر، فجرينا فيها
стр. 906
وللموت أَربعة أشهر وعشر، ولأَمةٍ تَحِيضُ: حَيضَتَان.
===
على الأَصل لا بثلاثة أشهر كما قال مالك، واحتج بإطلاق ما تلونا من قوله تعالى: ﴿فعدتهن ثلاثة أشهر﴾
(وللموت) أي وعدة الحرة لأجل موت زوجها وهي ليست بحامل (١) (أَربعة أشهر وعشر) من حين الوفاة لا العلم بها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو كتابية، تحت مسلم قبل الدخول أو بعده، حراً كان الزوج أو عبداً، حاضت أو لم تحض، لقوله تعالى: ﴿والذين يُتَوفَّونَ منكم ويَذَرُوْنَ أزْوَاجاً يَتَرَبصنَّ بأنْفُسِهِنَّ أربعةَ أشهر وعَشْراً﴾ (٢) ، ولقوله ﷺ «لا يحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحِدَّ على مَيِّتٍ فوق ثلاث، إلا على أزواجها أربعة أشهر وعشراً». والمعتبر عشرة أيام وعشرة ليال من الشهر الخامس عندنا.
وفي «المبسوط»: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: عدة الحرة لموت زوجها أربعة أشهر وعشر ليال وتسعة أيام، حتى يجوز لها أن تتزوج في اليوم العاشر، لأن العشر في الآية مؤنث لحذف التاء، فيتناول الليالي، ويدخل ما في خلالها من الأيام ضرورة وهي تسعة. وأُجيب بأن ذِكْرَ أحد العددين من الأيام والليالي بعبارة الجمع يقتضي دخول مِثْله مما بإزائه من العدد الآخر، وقد سبق نظير هذا في الاعتكاف.
(و) العدة (لأَمةٍ تحيض) للطلاق والفسخ، سواء كانت قِنًّا، أو مُدَبَّرَة، أو أم ولد، أو مكاتبة، أو معتقة البعض على قول أبي حنيفة (حيضتان) لما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث عائشة: أن النبي ﷺ قال: «طلاقُ الأَمةِ تطليقتان، وعدَّتها حيضتان». ولأن الرِّقَ مُنَصفٌ لقوله تعالى: ﴿فعليهن نِصفُ ما على المُحْصَناتِ مِنْ العذاب﴾ (٣) .
لكن الحيضةَ لمَّا لم يُدْر نصفُها لاختلافها بالكثرة والقلة والوقت، جَعَل عدة الأَمة حيضتين، ولأن الحيضةَ لا تتجزاء كالطلقة، فكُمِّلَت، فصارت حيضتين. وقد روى البيهقي، عن الشافعي، عن رجل من ثَقِيف أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: لو استطعت لجعلتها حيضة ونصفاً، فقال رجل: فاجعلها شهراً ونصفاً، فسكت عمر.
стр. 907
ولمن لَمْ تَحِضْ، أو مات عنها زوجها، نِصفُ ما للحُرَّةِ. ولِلْحَامِلِ الحُرَّةِ والأَمَة، وإن مات عنها زوجُها وَضْعُ حَمْلِها
===
قلت: وهذا من كمال حِلْمه مع جمال علمه.
(ولمن) أي ولأمة (لم تحِض، أو مات عنها زوجها نِصفُ ما للحرة) فالتي لم تحض لصغر أو كبر أو بلوغ بالسن شهر ونصف، وللتي مات عنها زوجها شهرانِ وخمسة أيام، لأن كلاً من الثلاثة الأشهر والأربعة الأَشهر وعشرة أيام قابل للتنصيف.
(و) العدة (للحاملِ الحرةِ والأمة وإن مات عنها زوجها) وفي بعض النسخ: وإن مات عنها صبي، يعني بأن ولدت بعد موته لأقل من ستة أشهر (وَضْعُ حَمْلِها) وإن لم يلحق به لعدم مائه، لأن قوله تعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمَالِ أجلُهُنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلَهنَّ﴾ (١) . لا فصل فيه بين الحرة والأمة، ولا بين المطلقة والمفسوخة، والمتوفى عنها زوجها والموطوءة بشُبهة، ولا بين الحمل الثابت النَّسَب وغيره. وقال أبو يوسف وزفر: الحامل التي مات عنها الصبي المذكور أربعة أشهر وعشر. وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأنه ليس بثابت النَّسَب منه، لكونه صبياً لم يوجد منه المني، الحال أنها ولدت لأقل من ستة أشهر.
وعن علي وابن عباس: تعتد المتوفَّى عنها بأبعد الأَجَلين، فتعتد بأَربعة أشهر وعشر، فيها ثلاث حِيض، لأن قوله تعالى: ﴿وأُولاتُ الأحمَالِ أجلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهنَّ﴾ يوجب العدة بوَضْع الحمل، وقوله تعالى: ﴿والذين يُتَوَفَّونَ منكم ويَذَرُونَ أزواجاً يَتَرَبَّصْنَ بأنْفُسِهِنَّ أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً﴾ (٢) يوجب الأشهرَ فيجمعُ بينهما احتياطاً.
ودليل عامة العلماء ما روى مالك في «الموطأ»: أن عبد الله بن عباس وأبا سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف اختلفا في المرأة تُنْفَسُ بعد وفاة زوجها بليال، فقال أبو سَلَمة: إذا وضعت ما في بطنها فقد حَلَّت. وقال ابن عباس: آخِر الأَجَلين. فقال أبو هريرة: أَنا مع ابن أخي ـ يعني أبا سلمة ـ فأرسلوا كُرَيْباً مولى ابن عباس إلى أُم سَلَمة زَوْج النبيَّ ﷺ يسألها عن ذلك، فجاءهم فأخبرهم أنها قالت: ولدت سُبَيْعة الأسْلميَّة بعد وفاة زوجها بليالٍ، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «قد حَلَلْتِ فانكِحِي مَنْ شئت». وفي رواية للبخاري: فمَكُثَت قريباً من عشر لياللٍ
وروى الشيخان: أن عمر بن عبد الله بن أرقم دخل على سُبَيْعة بنت الحارث
стр. 908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأسلمية فسألها حديثه، فأخبرته أنها كانت تحت سعيد بن خَوْلة ـ وهو من بني عامر ابن لؤي، وكان ممن شهِد بدراً ـ فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حاملٌ، فلم تلبث أن وضعت حَمْلَها بعد وفاته، فلما فرغت من نِفَاسها تجملَّت للخُطَّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكَك ـ رجل من بني عبد الدار ـ فقال لها: مالي أراكِ متجملة، لعلك ترجين النكاح، والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سُبَيْعة: فلما قال لي ذلك، جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيتُ رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي. قال ابن شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها، غير أنه لا يَقْربُها زوجها حتى تَطْهُر، وهو قول عمر وابنه.
وفي البخاري أيضاً في تفسير سورة الطلاق، وأواخر البقرة: أن ابن مسعود قال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة؟ لَنَزَلَتْ سورة النساء القُصْرَى بعد الطُّولى: ﴿وأَوْلاتُ الأحْمَالِ أجَلُهنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلَهنَّ﴾ (١) ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. بلفظ: من شاء لَاعَنْتُه، لأُنزلت سورة النساء القُصْرَى بعد الأربعة أشهر وعشراً. وأخرجه البزَّار عنه بلفظ: من شاء حالفتُه إنَّ: ﴿وأُوْلاتُ الأحْمَالِ أجَلُهنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلَهنَّ﴾. نزلت بعد آية المُتوفَّى، فإذا وضعت المتوفى عنها حملَها فقد حلّت.
وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه من حديث المُثَنَّى بن الصَّبَّاح (٢) ، والطبري، وابن أبي حاتم عن ابن لَهِيْعَة، والطبري (٣) وحده عن عبد الكريم ابن أبي المُخَارِق (كلهم) (٤) عن أُبيّ بن كعب قال: قلت للنبي ﷺ ﴿وأُولاتُ الأحمالِ أجلُهنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلهنَّ﴾ للمطلّقة ثلاثاً أو المتوفى عنها؟ قال: «هي للمطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها». إلا أن المُثَنَّى متروك، والآخران ضعيفان، لكن يقويه ما أسنده عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «مصنفيهما» عن الزبير بن العَوَّام: أنه كانت تحته أم كلثوم، وكان فيه شدةُ على النساء فكرهته، فسألته أن يطلقها وهي حامل، فأبى،
стр. 909
ولمن حَبِلَتْ بعد موت الصبيِّ عدَّةُ الموت، ولا نَسَب في وَجْهَيه. ولامرأةِ الفارِّ للبائن أبعد الأجلين، وللرجعيِّ ما للموت.
ولمن أُعتِقتْ في عدةِ رجعيٍّ، كعِدَّة حُرَّة، وفي عدةِ بائنٍ أو موت كأَمَةٍ
===
فلما ضربها الطَّلْق ألحَّتْ عليه في تطليقة، فطلقها واحدة، وهو يتوضأ، ثم خرج، فأدركه إنسان فأخبره أنها وضعت، فقال: خدعتني خدعها الله، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: «سبقك كتاب الله فيها، خطُبْها». فقال: لا ترجع إليَّ أبداً.
(و) العدة (لمن حَبِلت بعد موت) زوجها (الصبيِّ) بأن ولدت لستة أشهر فصاعداً من موته، وهذا عند الجمهور، وقيل: أن تلد لأكثر من سنتين (عدَّةُ الموت) أربعة أشهر وعشر للحرة، وشهران وخمسة أيام للأمة، لأنها ليست حاملاً وقت موته، فلا تدخل في قوله: ﴿وأُولاتُ الأحمَالِ أجلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلهنَّ﴾ (١) ، (ولا نَسَب) ثابت (في وَجْهَيه) أي وَجْهَيْ حَبَلِ امرأة الصبي، وهما: حَبَلها قبل موته، وحَبَلها بعده، لأن النَّسَب يعتمد الماء، ولا ماء للصبي.
(و) العدة (لامرأة الفارّ) وهو الذي طلَّق في مرض موته ونحوه (للبائن) بثلاث حيض أو بواحدة (أبعد الأجلين) من عدَّة الوفاة وعدة الطلاق، بأن تتربص أربعة أشهر وعشراً من وقت الموت، فيها ثلاث حِيض من وقت الطلاق. وقال أبو يوسف: تعتد بثلاثة أقراء، لا أبعد الأجلين، وهو قول مالك والشافعي، لأن العدة وجبت في حياته، فتكون بالأَقراء.
ولنا أن فيما قلناه احتياطاً، فكان أولى: (وللرجعيِّ) عطف على البائن (ما للموت)، لأن النكاح قائم من كل وجه، وقد انقطع بالموت، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿والذين يُتَوفَّونَ منكم ويَذَرُونَ أزواجاً يَتَرَبَّصْنَ بأنْفُسِهِنَّ أربعةَ أشْهر وعَشْراً﴾ (٢) .
(ولمن) أي والعدة لأمة (أُعتقتْ في عِدَّةِ رجعيَ، كعدة حرة) فتعتد بثلاث حِيض، أو بثلاثة أشهر من وقت الطلاق، لأن النكاح لم يَزُل عنها بالرجعة، وقد كَمُل مِلك الزوج عليها بالعتق، والطلاق في مِلْكٍ كامل يوجب عدة الحرائر (وفي عدة بائن أو موت كأَمَة) لأن النكاح زال بالبينونة أو الموت، فلم يَكْمُل ملكُ الزوج بالعتق، فلم يقع الطلاق في ملك كامل، فلا تنتقل عدتها إلى عدة الحرائر.
стр. 910
وآيِسةٌ رَأَتِ الدَّمَ بعد عدة الأشهر، تستأنف بالحِيَض كما تستأنفُ بالشهور. مَنْ حاضت حيضةً ثم أيست، وعلى مُعْتَدَّة وُطِئت بشبهة عِدَّةٌ أخرى، وتداخلتا، فإذا تمَّ الأولى انقضى بعض الثانية.
===
وقال مالك: لا ينتقل ما يختلف بالرِّق والحرية، ويكون المعتبر فيه حال تقرر الوجوب، كالحدود وهو أحد قولي الشافعي.
(وآيِسةٌ) مبتدأ، أي منقطعةُ دمِ الحيض في سن الإياس وهو: خمسة وخمسون سنة، وعليه الفتوى (رَأَتِ الدَّمَ) على عادتها أو حَبِلت من زوج آخر (بعد عدة الأشهر) أي بعد فراغها (تستأنفُ) خبر المبتدأ، أي تبتداء عدة أخرى (بالحِيَض) بكسر ففتح، ويفسد نكاحها إن كانت تزوجت، لأنه تَبيَّن أنها من ذوات الأَقراء، وهذا هو الصحيح. وفي «النوازل»: إذا تزوجت الآيسة بعد تمام اعتدادها بالأشهر ثم رأت الدم، فالأصح أن نكاحها جائز، قضى القاضي بجوازه أو لم يقض، وتكون عدتها في المستقبل بالحِيض، (كما تستأنف بالشهور) أي اتفاقاً (مَنْ حاضت) من عدتها (حيضة) أو حيضتين (ثم أَيِسَتْ) أي بالسن، تحرزاً عن الجمع بين الأصل والبدل.
(وعلى معتدة) من طلاق أو غيره (وُطِئت بشبهة) كما لو تزوجها وهو لا يعلم أنها معتدة الغير، أو وجدها على فراشها وقال النساء: إنها زوجتك (عدة أخرى) وأما إذا علم أنها امرأة الغير، أو معتدته، فلا تجب العدة، حتى لا يحرم على الزوج وطئها وبه يُفْتى كما في «الذخيرة» (وتداخلتا) أي العدَّتان، فتُحْتَسب بالدم الذي تراه في العِدّة الأخرى من العدتين.
(فإذا تَمَّت الأولى انقضى بعض الثانية) حتى لو كان الوطاء بشبهة بعد حيضة من العدة، لزمها ثلاث حِيض أُخر، لتكون الحيضة الثالثة تكملةً للعدة الثانية، ولو كانت العدة من وفاةٍ فوطئت بشبهة تعتد بالأشهر، وتَحْتَسب بما تراه من الحيض فيها من العدة الثانية تحقيقاً للتداخل بقَدْر الإمكان، وهو قول معاذ بن جبل.
وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كانت العدتان من شخص واحد تداخلتا إذا اتفقتا بأن لم يكن إحبالٌ، وكانت من ذوات الأشهر أو الأَقراء، وإن اختلفتا بأن كانت إِحداهما بالحمل، ففي تداخلهما وجهان، وإن كانت العدتان من شخصين لم تتداخلا، لأن العدتين حَقَّان مقصودان لآدميين، فلا تتداخلان، كالدِّيتين، والحدَّين، والمهرين.
ولنا أن المقصود التعرفُ عن فراغ الرحم، وقد حصل بالواحدة فتتداخلان، وإن العدة مجرد أجل، والآجال إذا اجتمعت تنقضي بمدة واحدة، كرجل عليه ديون إلى
стр. 911
وعِدَّة النكاح الفاسِدِ عقيب تفريقِهِ، أو عزمه تَركَ الوطئ. وتنقضي العدة وإنْ جَهِلَتِ. وإن نَكَحَ مُعتدَّتَه من بائنِ وطلَّق قبل الوطء، وجب مهرٌ تامٌ وعِدَّةٌ مستقبَلَة، ولا عِدَّة على ذميَّة طلقها ذِميّ،
===
أجل، فإذا مضى حلّت كلها، وإنما قلنا إنها أجل لقوله تعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمَالِ أجلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَملهنَّ﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿فإذا بَلغْنَ أجَلهنَّ فأمسِكُوهنَّ﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجله﴾ (٣) وسمّاه تربصاً وهو الانتظار، وهو يكون بسبب الأجل كالانتظار في المطالبة بالدين إلى انقضاء الأجل.
(وعِدَّة النكاح الفاسِدِ عقيب تفريقِهِ، أو عَزْمه تَركَ الوطاء) بأن يقول: تركتك، أو خلَّيت سبيلك، أو ما يقوم مَقَام ذلك، لا بمجرد العزم أو بعدم المجيء إليها. وقال زفر: من آخر الوطآت، وبه أخذ أبو القاسم الصَّفَّار (وتنقضي العدة وإنْ جَهِلَتِ) المرأة ذلك، بأن لم تعلم وقوع الطلاق أو الموت حتى مضت المدة، لأن العِدَّة أجل وهو لا يشترط العلم بانقضائه.
(وإن نَكَحَ مُعتدَّتَه من بائنٍ) بما دون الثلاث (وطلَّق قبل الوطء، وجب مهرٌ تامٌّ وعدةٌ مستقبَلَة) (٤) عند أبي حنيفة وأبي يوسف وهو رواية عن أحمد. وقال زفر: يجب نِصف المهر أو المُتْعَة ولا عدة عليها. وقال محمد: نِصف المهر أو المُتْعَة وعليها تمام العدة الأولى، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد.
(ولا عِدَّة) عند أبي حنيفة (على ذميَّة طلقها ذِميّ) لا يعتقد العدة، أو مات عنها. وعنه: أنها لا توطأ إلا بعد حيضة. وعنه: أنها لا تُزَوَّج إلا بعد حيضة.
وقال أبو يوسف ومحمد: تعتد لأن في العدة حقَّ الزوج وإن كان فيها حق الشرع، ولهذا يجب على الصغيرة والكتابية مخاطبة بحقوق العباد (٥) .
ولأبي حنيفة: أَنْ الذمية غير مخاطبة بالفروع، فلا يجب العدة عليها لحق الشرع وزوجُها غيرُ مُعتقِد للعدة، فلا يجب عليها لحق الزوج. وأما لو اعتقدها وجب عليها العدة اتفاقاً.
стр. 912
ولا حربية خرجت إلينا مُسْلِمةً إلا الحامل.
وتَحِدُّ معتدةُ البائن والموت: كبيرة، عاقلةً، مسلمةً،
===
(ولا) على (حربية) منكوحة (خرجت إلينا مُسْلِمة) أو ذمية ثم أسلمت، أو خرجت مستأمِنة ثم أسلمت، أو صارت ذمية (إلا الحامل) لأن في بطنها ولداً ثابت النسب.
وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة لأنها فُرْقة بعد الدخول في دار الإسلام بسبب التباين، فيجب العدة كما لو وقعت بسبب آخر نحو: الموت ومطاوعة ابن الزوج.
ولأبي حنيفة أن قوله تعالى: ﴿ولا جُنَاح عليكم أنْ تنكحوهن﴾ (١) مطلقٌ، وأَنَّ العدة فيها حق العبد، والحربي مُلحَق بالجمَاد، حتى صار محلاً للتملك، فلا حُرْمة لفراشه.
(تَحِدُّ) بكسر الحاء وضمها، ومصدره الحِدَاد، والأفصح أنه من الإِحداد، أي وتُظْهِر الحُزْن (معتدةُ البائن) بثلاث أو خُلْع، إن كانت حرة، وباثنين أو خلع إن كانت أَمة.
وقال مالك والشافعي: لا تَحِد معتدة البائن، لأن الحِدَاد وجب إظهاراً للتأسف على فوت زوجٍ وفيَ بعهدها إلى مماته، والمبانة قد أوحشها بالإبانة فلا تأسف لموته.
ولنا أنه وجب إظهاراً للتأسف على فَوْت نعمة النكاح الذي هو سبب لصونها وكفاية لمُؤنها، والإبانة فيها ذلك الفوت، ولأنه من أسباب رغبةِ الرجال فيها وهي ممنوعة منهم ما دامت معتدة. ولما أسنده الطحاوي في «آثاره»: عن إبراهيم النَّخَعي أنه قال: المطلقة، والمُخْتَلعة، والمتوفى عنها زوجها، والمُلَاعنة: لا تختضب، ولا تتطيَّب، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً، ولا يخرجن من بيوتهن. وهو ممن أدرك عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى، فيجوز تقليده.
(و) تَحِدُّ معتدة (الموت: كبيرة، عاقلة، مسلمة) فلا حِداد على صغيرة، ولا كافرة، ولا مجنونة.
وقال مالك والشافعي: عليهن الحِدَاد، لأنه لموت الزوج، فيعم النساء كالعِدَّة.
стр. 913
بترك الزينة، ولُبْس المُزَعْفَر، والمُعَصْفرِ، والدُّهنِ، والحِنَّاء، والطِيبِ، والكُحْلِ، إلا بعذر،
===
ولنا أنه عبادة، فلا يجب إلا على المخاطَبين بهذا، ولذا قال ﷺ «لا يحِلُّ لامرأة تؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ … » الحديث (١) ، حيث شرط الإيمان بخلاف العدة، فإن فيها حقَّ الزوجية.
(بترك الزينة) أي الحُلِيّ والحرير، (و) بترك (لُبْس المُزَعْفَر والمُعَصْفر) إلا أن يكون خَلَقاً (٢)
لا يحصل به الزينة. وإن لم يكن لها إلا ثوب مصبوغٌ فلا بأس بأن تَلْبَسَه من غير أن تقصِدَ الزينة بِلُبْسه، لأنها لا تجد بداً من سِتر عورتها. وإذا لم تجد سواه فمقصودها السِّتر لا الزينة، والأعمال بالنية.
(و) بترك (الدُّهن) بالأدهان الطيبة باتفاق، وبالزيت والسيرج الخَالِصين خلافاً لمالك وأحمد، (و) بِترْك (الحِنَّاء والطِيْب والكُحْل إلا بعذر) من حِكَّة، أو مرض، أو قَمْل. ولا تمتشط بمُشْطٍ أسنانه ضيقة، لأنه لتحسين الشعر وتزيينه، بخلاف الواسعة. وقال مالك والشافعي وأحمد: تمتشط به.
ودليل وجوب الحِدَاد على المتوفى عنها زوجها ما رواه الجماعة إلا الترمذي عن حفصة، عن أم عَطِية قالت: قال رسول الله ﷺ «لا يحِل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحِد على مَيّت فوق ثلاثِ ليال، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً، ولاتلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْبٍ ـ وهو ضرب من البُرد ـ ولا تكتحلُ ولا تمسّ طيباً، إلا إذا طَهُرَت نُبْذَة من قُسْط أو أظفار». والقُسْط: ضرب من الطيب، وقيل: العود (٣) . والأظفار: جنس من الطيب لا وَاحِد له من لفظه، كذا في «النهاية» (٤) . وفي لفظٍ للبخاري ومسلم: وقد رُخِّص للمرأة في طهرها إذا اغتسلت من حيضها في نُبْذَةٍ من قُسْط أو أظفارٍ. وزاد مسلم من حديث حَفْصة: «إلا على زوجها، فإنها تَحِد عليه أربعة أشهر وعشراً».
وروى أبو داود من حديث أم حَكيم بنت أَسِيد، عن أمها، عن مولاة لها، عن أم سَلَمة قالت: قال رسول الله ﷺ وأنا في عدتي من وفاة أبي سَلَمة: «لا تمتشطي
стр. 914
لا مُعتدَّةُ عِتقٍ ونِكاح فاسدٍ.
ولا تُخطَب معتدَّةٌ إلا تَعْرِيضًا،
===
بالطيب ولا بالحِنَّاء، فإنه خِضَابٌ».
قلت: فبأي شيء أمتشط يا رسول الله، قال: «بالسِّدر تُغَلّفين به رأسك». وفي الصحيحين من حديث أم سَلَمة قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينَها أفَنَكْحُلها؟ فقال ﷺ «لا» ـ مرتين أو ثلاثاً ـ كل ذلك يقول: «لا» ثم قال ﷺ «إنما هي أربعة أشهر وعشر».
(لا) تَحِد (مُعتدَّة عِتقٍ و) معتدة (نِكاحٍ فاسدٍ) لأن الحِدَاد لإظهار التأسف على فَوَات نعمة النكاح، ولم يَفُتْها ذلك، ولأن زوال الرِّقِ نعمة، فلا يليق به التأسف، بل المناسب له الشكر لما زال (١) عنها من أثر الرِّق (٢) ، والنكاحُ الفاسد معصية، فيلزَمُها الشُّكْرُ على فَوْته لا التأسف.
(ولا تُخطَب معتدَّة) مطلقاً، لقوله تعالى: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَة النكاح حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجلَه﴾ (٣) ، (إلا تَعْرِيضاً) في المتوفى عنها لقوله تعالى: ﴿ولا جُنَاح عليكم فيما عَرَّضتُم بهِ من خِطْبةِ النساء أو أكْننتُم في أنفسكم عَلِمَ اأنَّكُم سَتَذْكُرُونهنَّ ولكنْ لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً إلا أنْ تقولوا قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (٤) ، فقوله: ﴿لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً﴾ معناه: لا يأخذ عليها عهداً أو ميثاقاً أن لا تتزوج غيره. أسنده ابن أبي شيبة عن الشَّعبي، ونقله أبو بكر الرازي عن ابن عباس، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد. وقال عبد الرزاق: حدثنا مجاهد عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ولكنْ لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً﴾ قال: يقول: إِنكِ من حاجتي. وأما ما في «الهداية:» قال ﵊: «السِّرُّ النِّكاح»، فغير معروف رَفْعه.
وأما المطلَّقة فلا يجوز التعريضُ فيها: أما الرجعية فلقيام الزوجية، وأما البائن فلإفضائه إلى العَدَاوة في مُطلِّقها. والأظهر في مذهب الشافعي: أنه يجوز التعريض في البائن إلحاقاً لها بالمُتوفى عنها.
وصفة التعريض ما روى البخاري في كتاب النكاح: عن ابن عباس في قوله
стр. 915
ولا تَخْرُجُ معتدَّةُ الرَّجعِيّ والبائنِ من بيتها أصلًا.
وتَخْرُجُ مُعْتَدَّةُ الموتِ في المَلَوين، وتبيتُ في منزلها. وتَعْتَدُّ في منزلها وقتَ الفُرْقة والموت، إلا أن تُخْرَج، أو خافت تَلَفَ مالها، أو الانهدامَ، أو لم تَجِدْ كِرَاءَ البيت.
===
تعالى: ﴿ولا جُنَاح عليكم فيما عَرّضتُم به من خِطْبةِ النساء﴾ قال: يقول: إني أريد التزويج، ولَوَدِدتُ أنه تيسر لي امرأةٌ صالحة. وعن القاسم أنه يقول: إِنكِ عليَّ كريمة، وإني فيك لراغب، وإنَّ الله تعالى لسائق إليك خيراً، أو نحو هذا. انتهى.
(ولا تخرُج معتدَّة الرَّجعِيّ والبائن من بيتها أصلاً) أي لا ليلاً ولا نهاراً، لقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهنَّ من بُيوتهنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أن يَأتِيْنَ بفاحشةٍ مُبيِّنَة﴾ (١) قال النَّخَعي: هي نفس الخروج، وبه أخذ أبو حنيفة ﵀. وقال ابن مسعود: هي الزنا، فتخرجُ لإقامةِ الحدِّ، وبه أخذ أبو يوسف. وقال ابن عباس: أن تكون بَذِيَّة اللسان على أحماء زوجها، فتخرج من مسكن الزوج. ثم هذا في الحرة، وأما في الأمة فتخرج لرعاية حق المولى في الخِدمة، إلا أن يُبِوِّءها منزلاً ويترك استخدامها تَفضُّلاً.
(وتخرجُ معتدة الموتِ في المَلَوين) أي في الليل والنهار (وتبيت) أكثر الليل (في منزلها) لأن نفقتَها عليها، فتحتاج إلى الخروج للكَسْب بالنهار وبعض الليل، بخلاف المعتدة عن طلاق، فإن نفقتها على زوجها، حتى لو اختلعت نفسها على نفقتِها، كان لها الخروج نهاراً في رواية لضرورة معاشها. وفي رواية: لا تخرج لأنها أسقطت حقها برضاها. وفي «جامع قاضيخان»: أَنّه الصحيح، كما لو اختلعت على أن لا سُكْنى حيث تسقط مُؤنة السُّكنى، ويلزمها أن تكتري بيت الزوج، وبه كان يُفتي الصَّدْرُ الشهيد. وعن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة: تعتد المُتوفَّى عنها حيث شاءت، وهو قول الحسن وعطاء.
(وتعتد) المعتدة (في منزلها) الذي يضاف إليها بالسكنى (وقت الفرْقة والموت) حتى لو طلقها وهي زائرة وجب عليها أن تعود إلى منزلها فتعتد فيه، (إلا أن تخرج) بأن كان نصيبُها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها الوَرَثةُ من نصيبِهم (أو خافت تَلَف مالها، أو الانهدام، أو لم تجد كِرَاء البيت) لأن الواجب يتقيد بالاقتدار مع هذه الأعذار، وقد قال الله تعالى: ﴿فاتَّقوا اما استطعتم﴾ (٢) .