← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وعِدَّة النكاح الفاسِدِ عقيب تفريقِهِ، أو عزمه تَركَ الوطئ. وتنقضي العدة وإنْ جَهِلَتِ. وإن نَكَحَ مُعتدَّتَه من بائنِ وطلَّق قبل الوطء، وجب مهرٌ تامٌ وعِدَّةٌ مستقبَلَة، ولا عِدَّة على ذميَّة طلقها ذِميّ، === أجل، فإذا مضى حلّت كلها، وإنما قلنا إنها أجل لقوله تعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمَالِ أجلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَملهنَّ﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿فإذا بَلغْنَ أجَلهنَّ فأمسِكُوهنَّ﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجله﴾ (٣) وسمّاه تربصاً وهو الانتظار، وهو يكون بسبب الأجل كالانتظار في المطالبة بالدين إلى انقضاء الأجل. (وعِدَّة النكاح الفاسِدِ عقيب تفريقِهِ، أو عَزْمه تَركَ الوطاء) بأن يقول: تركتك، أو خلَّيت سبيلك، أو ما يقوم مَقَام ذلك، لا بمجرد العزم أو بعدم المجيء إليها. وقال زفر: من آخر الوطآت، وبه أخذ أبو القاسم الصَّفَّار (وتنقضي العدة وإنْ جَهِلَتِ) المرأة ذلك، بأن لم تعلم وقوع الطلاق أو الموت حتى مضت المدة، لأن العِدَّة أجل وهو لا يشترط العلم بانقضائه. (وإن نَكَحَ مُعتدَّتَه من بائنٍ) بما دون الثلاث (وطلَّق قبل الوطء، وجب مهرٌ تامٌّ وعدةٌ مستقبَلَة) (٤) عند أبي حنيفة وأبي يوسف وهو رواية عن أحمد. وقال زفر: يجب نِصف المهر أو المُتْعَة ولا عدة عليها. وقال محمد: نِصف المهر أو المُتْعَة وعليها تمام العدة الأولى، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد. (ولا عِدَّة) عند أبي حنيفة (على ذميَّة طلقها ذِميّ) لا يعتقد العدة، أو مات عنها. وعنه: أنها لا توطأ إلا بعد حيضة. وعنه: أنها لا تُزَوَّج إلا بعد حيضة. وقال أبو يوسف ومحمد: تعتد لأن في العدة حقَّ الزوج وإن كان فيها حق الشرع، ولهذا يجب على الصغيرة والكتابية مخاطبة بحقوق العباد (٥) . ولأبي حنيفة: أَنْ الذمية غير مخاطبة بالفروع، فلا يجب العدة عليها لحق الشرع وزوجُها غيرُ مُعتقِد للعدة، فلا يجب عليها لحق الزوج. وأما لو اعتقدها وجب عليها العدة اتفاقاً.

стр. 912

ولا حربية خرجت إلينا مُسْلِمةً إلا الحامل. وتَحِدُّ معتدةُ البائن والموت: كبيرة، عاقلةً، مسلمةً، === (ولا) على (حربية) منكوحة (خرجت إلينا مُسْلِمة) أو ذمية ثم أسلمت، أو خرجت مستأمِنة ثم أسلمت، أو صارت ذمية (إلا الحامل) لأن في بطنها ولداً ثابت النسب. وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة لأنها فُرْقة بعد الدخول في دار الإسلام بسبب التباين، فيجب العدة كما لو وقعت بسبب آخر نحو: الموت ومطاوعة ابن الزوج. ولأبي حنيفة أن قوله تعالى: ﴿ولا جُنَاح عليكم أنْ تنكحوهن﴾ (١) مطلقٌ، وأَنَّ العدة فيها حق العبد، والحربي مُلحَق بالجمَاد، حتى صار محلاً للتملك، فلا حُرْمة لفراشه. (تَحِدُّ) بكسر الحاء وضمها، ومصدره الحِدَاد، والأفصح أنه من الإِحداد، أي وتُظْهِر الحُزْن (معتدةُ البائن) بثلاث أو خُلْع، إن كانت حرة، وباثنين أو خلع إن كانت أَمة. وقال مالك والشافعي: لا تَحِد معتدة البائن، لأن الحِدَاد وجب إظهاراً للتأسف على فوت زوجٍ وفيَ بعهدها إلى مماته، والمبانة قد أوحشها بالإبانة فلا تأسف لموته. ولنا أنه وجب إظهاراً للتأسف على فَوْت نعمة النكاح الذي هو سبب لصونها وكفاية لمُؤنها، والإبانة فيها ذلك الفوت، ولأنه من أسباب رغبةِ الرجال فيها وهي ممنوعة منهم ما دامت معتدة. ولما أسنده الطحاوي في «آثاره»: عن إبراهيم النَّخَعي أنه قال: المطلقة، والمُخْتَلعة، والمتوفى عنها زوجها، والمُلَاعنة: لا تختضب، ولا تتطيَّب، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً، ولا يخرجن من بيوتهن. وهو ممن أدرك عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى، فيجوز تقليده. (و) تَحِدُّ معتدة (الموت: كبيرة، عاقلة، مسلمة) فلا حِداد على صغيرة، ولا كافرة، ولا مجنونة. وقال مالك والشافعي: عليهن الحِدَاد، لأنه لموت الزوج، فيعم النساء كالعِدَّة.

стр. 913

بترك الزينة، ولُبْس المُزَعْفَر، والمُعَصْفرِ، والدُّهنِ، والحِنَّاء، والطِيبِ، والكُحْلِ، إلا بعذر، === ولنا أنه عبادة، فلا يجب إلا على المخاطَبين بهذا، ولذا قال ﷺ «لا يحِلُّ لامرأة تؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ … » الحديث (١) ، حيث شرط الإيمان بخلاف العدة، فإن فيها حقَّ الزوجية. (بترك الزينة) أي الحُلِيّ والحرير، (و) بترك (لُبْس المُزَعْفَر والمُعَصْفر) إلا أن يكون خَلَقاً (٢) لا يحصل به الزينة. وإن لم يكن لها إلا ثوب مصبوغٌ فلا بأس بأن تَلْبَسَه من غير أن تقصِدَ الزينة بِلُبْسه، لأنها لا تجد بداً من سِتر عورتها. وإذا لم تجد سواه فمقصودها السِّتر لا الزينة، والأعمال بالنية. (و) بترك (الدُّهن) بالأدهان الطيبة باتفاق، وبالزيت والسيرج الخَالِصين خلافاً لمالك وأحمد، (و) بِترْك (الحِنَّاء والطِيْب والكُحْل إلا بعذر) من حِكَّة، أو مرض، أو قَمْل. ولا تمتشط بمُشْطٍ أسنانه ضيقة، لأنه لتحسين الشعر وتزيينه، بخلاف الواسعة. وقال مالك والشافعي وأحمد: تمتشط به. ودليل وجوب الحِدَاد على المتوفى عنها زوجها ما رواه الجماعة إلا الترمذي عن حفصة، عن أم عَطِية قالت: قال رسول الله ﷺ «لا يحِل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحِد على مَيّت فوق ثلاثِ ليال، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً، ولاتلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْبٍ ـ وهو ضرب من البُرد ـ ولا تكتحلُ ولا تمسّ طيباً، إلا إذا طَهُرَت نُبْذَة من قُسْط أو أظفار». والقُسْط: ضرب من الطيب، وقيل: العود (٣) . والأظفار: جنس من الطيب لا وَاحِد له من لفظه، كذا في «النهاية» (٤) . وفي لفظٍ للبخاري ومسلم: وقد رُخِّص للمرأة في طهرها إذا اغتسلت من حيضها في نُبْذَةٍ من قُسْط أو أظفارٍ. وزاد مسلم من حديث حَفْصة: «إلا على زوجها، فإنها تَحِد عليه أربعة أشهر وعشراً». وروى أبو داود من حديث أم حَكيم بنت أَسِيد، عن أمها، عن مولاة لها، عن أم سَلَمة قالت: قال رسول الله ﷺ وأنا في عدتي من وفاة أبي سَلَمة: «لا تمتشطي

стр. 914

لا مُعتدَّةُ عِتقٍ ونِكاح فاسدٍ. ولا تُخطَب معتدَّةٌ إلا تَعْرِيضًا، === بالطيب ولا بالحِنَّاء، فإنه خِضَابٌ». قلت: فبأي شيء أمتشط يا رسول الله، قال: «بالسِّدر تُغَلّفين به رأسك». وفي الصحيحين من حديث أم سَلَمة قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينَها أفَنَكْحُلها؟ فقال ﷺ «لا» ـ مرتين أو ثلاثاً ـ كل ذلك يقول: «لا» ثم قال ﷺ «إنما هي أربعة أشهر وعشر». (لا) تَحِد (مُعتدَّة عِتقٍ و) معتدة (نِكاحٍ فاسدٍ) لأن الحِدَاد لإظهار التأسف على فَوَات نعمة النكاح، ولم يَفُتْها ذلك، ولأن زوال الرِّقِ نعمة، فلا يليق به التأسف، بل المناسب له الشكر لما زال (١) عنها من أثر الرِّق (٢) ، والنكاحُ الفاسد معصية، فيلزَمُها الشُّكْرُ على فَوْته لا التأسف. (ولا تُخطَب معتدَّة) مطلقاً، لقوله تعالى: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَة النكاح حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجلَه﴾ (٣) ، (إلا تَعْرِيضاً) في المتوفى عنها لقوله تعالى: ﴿ولا جُنَاح عليكم فيما عَرَّضتُم بهِ من خِطْبةِ النساء أو أكْننتُم في أنفسكم عَلِمَ اأنَّكُم سَتَذْكُرُونهنَّ ولكنْ لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً إلا أنْ تقولوا قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (٤) ، فقوله: ﴿لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً﴾ معناه: لا يأخذ عليها عهداً أو ميثاقاً أن لا تتزوج غيره. أسنده ابن أبي شيبة عن الشَّعبي، ونقله أبو بكر الرازي عن ابن عباس، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد. وقال عبد الرزاق: حدثنا مجاهد عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ولكنْ لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً﴾ قال: يقول: إِنكِ من حاجتي. وأما ما في «الهداية:» قال ﵊: «السِّرُّ النِّكاح»، فغير معروف رَفْعه. وأما المطلَّقة فلا يجوز التعريضُ فيها: أما الرجعية فلقيام الزوجية، وأما البائن فلإفضائه إلى العَدَاوة في مُطلِّقها. والأظهر في مذهب الشافعي: أنه يجوز التعريض في البائن إلحاقاً لها بالمُتوفى عنها. وصفة التعريض ما روى البخاري في كتاب النكاح: عن ابن عباس في قوله

стр. 915

ولا تَخْرُجُ معتدَّةُ الرَّجعِيّ والبائنِ من بيتها أصلًا. وتَخْرُجُ مُعْتَدَّةُ الموتِ في المَلَوين، وتبيتُ في منزلها. وتَعْتَدُّ في منزلها وقتَ الفُرْقة والموت، إلا أن تُخْرَج، أو خافت تَلَفَ مالها، أو الانهدامَ، أو لم تَجِدْ كِرَاءَ البيت. === تعالى: ﴿ولا جُنَاح عليكم فيما عَرّضتُم به من خِطْبةِ النساء﴾ قال: يقول: إني أريد التزويج، ولَوَدِدتُ أنه تيسر لي امرأةٌ صالحة. وعن القاسم أنه يقول: إِنكِ عليَّ كريمة، وإني فيك لراغب، وإنَّ الله تعالى لسائق إليك خيراً، أو نحو هذا. انتهى. (ولا تخرُج معتدَّة الرَّجعِيّ والبائن من بيتها أصلاً) أي لا ليلاً ولا نهاراً، لقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهنَّ من بُيوتهنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أن يَأتِيْنَ بفاحشةٍ مُبيِّنَة﴾ (١) قال النَّخَعي: هي نفس الخروج، وبه أخذ أبو حنيفة ﵀. وقال ابن مسعود: هي الزنا، فتخرجُ لإقامةِ الحدِّ، وبه أخذ أبو يوسف. وقال ابن عباس: أن تكون بَذِيَّة اللسان على أحماء زوجها، فتخرج من مسكن الزوج. ثم هذا في الحرة، وأما في الأمة فتخرج لرعاية حق المولى في الخِدمة، إلا أن يُبِوِّءها منزلاً ويترك استخدامها تَفضُّلاً. (وتخرجُ معتدة الموتِ في المَلَوين) أي في الليل والنهار (وتبيت) أكثر الليل (في منزلها) لأن نفقتَها عليها، فتحتاج إلى الخروج للكَسْب بالنهار وبعض الليل، بخلاف المعتدة عن طلاق، فإن نفقتها على زوجها، حتى لو اختلعت نفسها على نفقتِها، كان لها الخروج نهاراً في رواية لضرورة معاشها. وفي رواية: لا تخرج لأنها أسقطت حقها برضاها. وفي «جامع قاضيخان»: أَنّه الصحيح، كما لو اختلعت على أن لا سُكْنى حيث تسقط مُؤنة السُّكنى، ويلزمها أن تكتري بيت الزوج، وبه كان يُفتي الصَّدْرُ الشهيد. وعن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة: تعتد المُتوفَّى عنها حيث شاءت، وهو قول الحسن وعطاء. (وتعتد) المعتدة (في منزلها) الذي يضاف إليها بالسكنى (وقت الفرْقة والموت) حتى لو طلقها وهي زائرة وجب عليها أن تعود إلى منزلها فتعتد فيه، (إلا أن تخرج) بأن كان نصيبُها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها الوَرَثةُ من نصيبِهم (أو خافت تَلَف مالها، أو الانهدام، أو لم تجد كِرَاء البيت) لأن الواجب يتقيد بالاقتدار مع هذه الأعذار، وقد قال الله تعالى: ﴿فاتَّقوا اما استطعتم﴾ (٢) .

стр. 916

ولا بد من سُترَةٍ بينهما في البائن، وإن ضاق المنزلُ عليهما، فالأولى خُروجُه. وحَسُنَ أن يُجْعَلَ بينهما امرأةٌ قادرةٌ على الحَيلولة. ولو أَبانَها، أو مات عنها في سفر، وليس بينها وبين مِصْرِها. مسيرةُ سفرٍ، رجعتْ إلى مِصرها، === وإنما تعتد في منزلها لما روى مالك في «الموطأ»، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والطحاوي، والترمذي ـ وقال: حسن صحيح ـ: أَنَّ فُرَيْعة بنتَ مالك أخت أبي سعيد الخُدَري لما قُتل زوجها جاءت إلى النبي ﷺ قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أَرجِع إلى أهلي، فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملِكه، ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله ﷺ «نعم»، قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنت بالحجرة أو بالمسجد ناداني رسول الله ﷺ أو أَمرني فنوديت له، فقال: «كيف قلت؟» قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرتُ له من شأن زوجي. قال: «امكُثي في بيتك حتى يبلغَ الكتابُ أجله». قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً. قالت: فلما كان عثمانُ أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته فاتَّبَعَه. ثم تعيين المنزل الذي تنتقل إليه عند الضرورة إلى الزوج في الطلاق وأجرته عليه، وإلى المرأة في الوفاة وأجرته عليها. وإذا سكنت منزلاً آخر لا تخرج منه إلا لعذر، لأن الانتقال عن الأول لا يكون إلا عن عذر، فكذا عن الثاني. ولا تخرج إلى صحن دار فيها منازل، لأنه بمنزلة السِّكَّة (١) ، ولهذا لو أخرج السارق المتاع إليه يُقطع. (ولا بد من سترة بينهما) إن كان سُكْناها في منزل الزوج (في البائن) بثلاث أو بخلع حَذَراً من الخَلوة بالأجنبية (وإن ضاق المنزل عليهما) أي على المعتدة ومطلِّقِها (فالأولى خروجُه) لا خروجُها، لقوله تعالى: ﴿ولا يَخْرُجْنَ﴾ (٢) وكذا الحُكْم مع فِسْقه، لأن مُكثَها في منزل الزوج واجب، ومُكثه فيه غير واجبٍ، ولو خرجت هي بعد إبائه جاز، لأن ذلك عذرٌ لها. (وحَسُنَ أن يجعل بينهما امرأة قادرة على الحَيْلولة) بأن تكون ثقة تحول بينهما، لحصول المُكْثِ في منزل الزوج حينئذ من غير ضرر يلحقها منه، فلا يُحتاج إلى خروج أحدهما. (ولو أبانها، أو مات عنها في سفر) سواء كان في مَفَازةٍ أو مِصرٍ (وليس بينها وبين مِصرها) أي محلها الذي خرجت منه (مسيرة سفرٍ، رجعتْ إلى مِصرها) سواء

стр. 917

وإن كانت تلك من كلِّ جانبٍ، فإن كانت في مفازةٍ خُيِّرت، والعَوْدُ أحمَدُ. وإن كانت في مِصر تعتد ثَمَّةَ، ثم تخرجُ بمَحْرَمٍ. فَصْلٌ [في الحَضَانةِ] الحَضَانَةُ للأُمِّ === كان بينها وبين مَقصِدها مسيرة سفر أو لم يكن، كان معها محرم أو لا، وكانت في مصر أو في مفازة. أما رجوع التي لم يكن بينها وبين مقصِدها مسيرة سفر، فعلى سبيل الأولوية، لتكون عِدَّتها في منزلها، وأما رجوع التي بينها وبين مقصدها مسيرة سفر فعلى سبيل الوجوب، لأن رجوعَها ليس فيه إنشاء سفر، ولأنها تصير بالرجوع مقيمةً، وبالمُضِي مسافرة. قيد بالإبانة أو الموت، لأنه لو طلقها رجعياً لم تفارِقْه، لأن الزوجية قائمة بينهما (وإن كانت تلك) أي مسيرة السفر (من كل جانب) من جانبي مصرها ومقصِدها (فإن كانت في مفازة خُيِّرت) بين الرجوع والمُضي للضرورة، سواء كان معها وليٌّ أو لا، لأن ما يُخاف عليها في ذلك المكان أعظم مما يُخاف عليها في الخروج منه. وقال السَّرَخْسي: تختار أقربَهما. (والعود أحمَدُ) لتعتد في منزلها. (وإن كانت في مِصر تعتد ثَمَّة) أي في المِصر عند أبي حنيفة، سواء كان معها محرم أو لا (ثم تخرجُ بمحرم) وقال أبو يوسف ومحمد: وهو قول أبي حنيفة ﵀ أولاً: إن كان معها مَحْرَم، فلها أن لا تعتد ثَمَّة، وتخرج مع مَحْرَمها. ولو طلق ذو الخيمة من أهل البادية امرأته وأراد الانتقال بها إلى مكان آخر للماء والكلاء لمواشيه، لا ينقلها لوجوب القرار عليها في موضعٍ طُلِّقت فيه، إلا أن يلحَقها بعدمه ضررٌ بيِّنٌ بتركه، فينقلها حينئذٍ دفعاً له، قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدِّيْن من حَرَجٍ﴾ (١) ، وقال رسول الله ﷺ «لا ضَرَرَ ولا ضرار» (٢) . فصل (في الحَضَانَة) (الحَضَانَةُ) وهي تربيةُ الولد الصغير (للأم) بإجماع أهل العلم. وبما روى أبو داود من حديث عَمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو: أن امرأة قالت: يا

стр. 918

بلا جَبْرِها. طُلِّقت أو لا ثم أُمِّها وإن عَلَت، ثم أُم أبيه، ثم أُخته لأب وأُم، ثم لأُم، ثم لأب === رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحِجْري له حِواء، وإنَّ أباه طلقني وأراد أن ينزِعَه مني. فقال لها رسول الله ﷺ «أنتِ أحقُ بهِ ما لم تنكِحي». وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن سعيد بن المسيَّب: أن عمرَ طلق أم عاصم، ثم أتى عليها وفي حِجْرها عاصم، وأراد أن يأخذه منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلامُ، فانطلقا إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: مَسْحُها وحِجْرها وريحها خير له منكَ، حتى يَشِبّ الصبي فيختار لنفسه. وفيه: عن القاسم بن محمد: أن عمر بن الخطاب طلق جميلة بنت عاصم بن ثابت، فتزوجت فجاء عمر فأخذ ابنه، فأدركته الشَّمُوس امرأة (١) عاصم الأنصارية ـ وهي أم جميلة ـ فأخذته فترافعا إلى أبي بكر، فقال لعمر: خَلِّ بينها وبين ابنها، فأخذته. (بلا جَبْرِها) إذا أبت سواء (طُلِّقت أو لا) إلا أن لا يكون له إلا هي، أو لا يقبل غيرها، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية. وقال مالك في رواية، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح: تُجْبر. واختاره أبو الليث، والهِنْدُوَاني من أصحابنا، لأن ذلك حق الولد، لقوله تعالى: ﴿والوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أولادَهنَّ﴾ (٢) والمراد به الأمر، وهو للوجوب. ولنا قوله تعالى: ﴿وإنْ تعاسَرْتُم فستُرْضِعُ له أخرَى﴾ (٣) وإذا اختلفا فقد تعاسرا (ثم أُمّها) أي ثم لأُم الأم، بأن ماتت الأم، أو تزوجت بغير ذي رَحِم مَحْرم، أو لم تكن أهلاً للحضانة (وإِن علت). وعن أَحمد: أَنَّ أُم الأَب أَحقُّ من أمُ الأُم. وإنما كانت أمُ الأُم أَحق من أُم الأَب لما قدمنا من قضية عمر مع جدة ولده. (ثم أُم أَبيه) أي ثم لأُم الأَب وإن علت. وقال زفر: الأُخت لأَب وأُم أولى (٤) ، والخالة (للأُم) (٥) أحق من أمُ الأَب (ثم أُخته) أي أُخت الولد (لأَب وأُم، ثم لأُم، ثم لأب) وبه قال المُزَنِيّ وابن شُرَيح من الشافعية. وقال زفر: يشترك الأخت لأم مع الأخت لأبوين لاستوائهما فيما هو الأصل في الباب، وهو الأُم. والأصح من مذهب

стр. 919

ثم خالته كذلك، ثم عَمَّتُه كذلك، بشرطِ حُرِّيتّهن، فلا حقَّ لأَمَة ولا أُمِّ وَلدٍ === الشافعي أن الأُخت لأَب أَحق من الأُخت لأُم، وبه قال أحمد اعتباراً بقوَّة الميراث. ولنا أن الاعتبار بالأحق بالحضانة وهي الأُم أولى، وجِهَة الأبوة تصلح للترجيح، فكانت مرجِّحة، (ثم خالته) أي خالة الولد (كذلك) أي تقدم التي للأب والأم على التي للأم، والتي للأُم على التي للأب، هكذا ذكر في كتاب النكاح في الأصل. وفي كتاب الطلاق: تُقَدَّم الخالة على الأُخت للأَب، لأن الخالة بمنزلة الأم، لما روى البخاري في حديث عمرة القضاء: أن النبي ﷺ قال: «الخالةُ بمنزلةِ الأم» ووجه الرواية الأخرى أن الاعتبار بقرب القرابة، والأخت أقرب من الخالة بمنزلة، لأنها ولد الأب، والخالة ولد الجد. ولقوله ﵊: «الخالة والدةٌ». رواه الطبراني في «معجمه»، وأبو داود في «سننه» عن علي بلفظ: «الخالةُ أُمّ». وفي «مسند إسحاق بن رَاهُويَه» عن علي قال: لما خرجنا من مكة أتتنا بنتُ حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولتها بيدها، فدفعتها إلى فاطمة، فقلتُ: دونك بنت عَمِّك، فلما قدمنا المدينة اختصمنا فيها أنا وجعفر وزيد بن حارثة، فقال جعفر: بنت عمي وخالتُها عندي ـ يعني أسماء بنتَ عُمَيْسَ. وقال زيد: بنت أخي ـ أي في المؤاخاة. وقلت: أنا أخذتها وهي بنت عمي. فقال رسول الله ﷺ «أما أنت يا جعفر: أشبهت خَلْقي وخُلُقي، وأما أنت يا علي فمني وأنا منك، وأما أنت يا زيد فأخونا ومولانا، والجارية عند خالتها، فإنَّ الخالة والدة». قلت يا رسول الله: ألا تتزوجها قال: «ابنة أخي من الرَّضاعة». انتهى. وكان ذلك في عُمرةِ القضاء. وروى ابن المبارك في كتاب «البر والصلة» بسنده عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «العم أب إذا لم يكن دونه أب، والخالة والدةٌ إذا لم تكن دونها أم». والحديث يدل على أن لها في الجملة حقاً هنالك، ولا نزاع في ذلك. وقال مالك والشافعي: تُقدَّم الخالةُ من الأَب على الخالة من الأُم كما قالا في الأُخت. (ثم عَمته كذلك) لأب وأم، ثم لأم، ثم لأب. وفي «المحيط»: وأما بناتُ الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، فبِمَعْزِل عن حق الحضانة، لأن قرابتهن لم تتأكد بالمحرمية. وفي «البدائع»: لا حق للرجال من قِبَلِ الأم (بشرط حريتهن) لأن غير الحرة مشغولة بخدمة المولى، فلا تتفرغ للولد، فإن كان الصغير في الرِّق، فحضانته لمولاه، ولا يفرق بينه وبين أُمه، وإن كان حراً فحضانته لأقربائه الأحرار. (فلا حق لأَمَةٍ ولا أُمِّ ولد) ولا لمدَبَّرة ولا لمكاتَبة في ولدها قبل الكتابة. وأما

стр. 920

والذِّمِّيةُ كالمُسْلمةِ حتى يعقِلَ دِيْنًا. وبنكاحِ غيرِ محْرَمٍ سَقَط حقُّها، وبمحْرَم لا، كأُمٍّ نكحت عمَّه، وجدة جدَّه. ويعودُ الحق بزوالِ نكاح سقط به، ثم للعصبَاتِ على ترتيبهم، لكن لا تُدْفع صبيةٌ إلى عَصَبةٍ غير مَحْرمٍ، كمولى العَتَاقة، وابن العمِّ === ولدها زمن الكتابة فداخل في كتابتها تبعاً لها. (والذمية) كتابية كانت أو مجوسية في ولد المُسلم (كالمسلمة) لأن الشفقة لا تختلف باختلاف الدِّين (حتى يعقِلَ) الصغير (ديْناً) أو يُخاف عليه أن يألف الكفر، فإنه ينْزع منها. وقال الشافعي وأحمد: لا حضانة للذمية، وهو رواية عن مالك. (وبنكاحِ غيرِ محْرَمٍ) من الصغير من لها الحضانة (سقط حقُّها) من الحضانة لحصول الضرر للصغير، فإن زوج الأم ينظر إليه شَزْراً، وينفق عليه نَزْراً، ويتبَرَّم بمكانه ضرراً، فلا نَظَر في الدفع إليها خطراً. قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم إلا الحسن. وهو رواية عن محمد، واحتجا بأنه ﷺ دفع بنتَ حمزة إلى خالتها وكانت متزوجةً بجعفر، وهو غير محرم منها، وإذا لم يمنع ذلك الاستحقاق ابتداءً فالأولى أن لا يمنعه بقاءً. وللجمهور قوله ﷺ في الحديث المتقدم: «أنت أحقُّ به ما لم تنكحي» (١) . (وبمحْرَم لا) أي بنكاح مَحْرمٍ لا يسقط حقُها من الحضانة (كأُم نكحت عمَّه) أي عَمَّ الصغير (وجَدَّةٍ) نكحت (جدَّه) وخالة نكحت عمَّه أو أخاه من أبيه، وعمة نكحت خاله أو أخاه من أمه، لانتفاء الضرر حينئذ عن الصغير (ويعودُ الحق) من الحضانة (بزوالِ نكاح سقط به) حقُ الحضانةِ لزوال المانع مع قيام السبب، كالنَّاشِزة تسقط نفقتُها بالنشوز، وإذا زال بعَوْدِها إلى منزل الزوج عادت، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية. (ثم) الحضانة (للعصَبَاتِ) بعد النساء (على ترتيبهم) في الإرث، يقدّم الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الأخ لأَب وأُم، ثم لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم لأب وإن سَفَل، ثم العم لأب وأم، ثم لأب وإن علا، ثم ابن العم لأب وأم، ثم لأب وإن سَفَل، ثم مولى العَتَاقة، (لكن لا تُدْفع صبيةٌ إلى عَصَبةِ غير مَحْرمٍ، كمولى العَتَاقة (٢) ، وابن العمِّ) تحرُّزاً عن الفتنة.

стр. 921

ولا فاسقٍ مَاجِنٍ ولا يُخيَّر طِفْلٌ. === وإذا لم يكن له عصبة يُدفع إلى الأخ لأم، ثم إلى ولده، ثم العمّ لأُم، ثم إلى الخال لأبوين، ثم لأب، ثم لأم، لأن لهؤلاء ولاية عند أبي حنيفة ﵀. ثم التَّدْبير (١) في ذلك إلى القاضي يدفعه إلى ثقةٍ تَحْضُنُه حتى يستغني. (ولا) إلى (فاسقٍ مَاجِنٍ) وهو مَنْ لا يبالي قولاً ولا فعلاً، لأنه غير مأمون عليها، ولا إلى غير مأمونة أيضاً من النساء. وفي «المبسوط»: لو اجتمعت إخوة أو أعمام في درجة، فأولاهم أكثرهم صلاحاً وورعاً، فإن استَوَوا فأكبرهم سِناً (ولا يُخيَّر طِفْلٌ) غلاماً كان أو جارية. وقال الشافعي: يُخير في سبعٍ أو ثمانٍ. وقال أحمد: في سبع، لما روى أصحاب «السنن الأربعة»: من حديث هلال بن أُسامة، عن أبي مَيْمُونة سُليم ويقال: سلمان مولى من أهل المدينة، رجل صدق، قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية معها ابن لها، وقد طلقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة ورطنت بالفارسية ـ أي: تكلَّمَتْ بلسان أهل الفرس من العجم ـ زوجي يريد أن يذهب بابني فقال أبو هريرة: استهما عليه ـ أي اقترعا ـ ورطن لها بذلك. فجاء زوجها، فقال: مَنْ يُحاقُّني ـ بتشديد القاف، أي ينازعني في ولدي ـ فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ وأنا قاعد عنده، فقالت يا رسول الله: إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عِنَبَة وقد نفعني. فقال ﷺ «استهما عليه»، فقال زوجها: مَنْ يُحَاقُّني في ولدي، فقال ﷺ «هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيِّهما شئت». فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. وعِنَبة مفردة الأعناب. وروى أبو داود في الطلاق، والنسائي في الفرائض من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جده رافع بن سِنان: أنه أسلم وأبتِ امرأتُه أن تُسْلم، فجاء بابن لهما صغير لم يبلغ، فأجلس النبي ﷺ الأب ههنا، والأم ههنا ثم خَيَّره، وقال: «اللهم اهده»، فذهب إلى أبيه. ولنا ما روى مالك في «الموطأ» من حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: كانت عند عمر امرأة من الأنصار فولدت له عاصماً، ثم فارقها عمر، فركب عمرُ يوماً إلى قُباء، فوجد ابنه يلعب بفِناء المسجد، فأخذه بعضُدِه فوضعه بين

стр. 922

والأمُّ والجَدَّةُ أحقُّ به حتى يأكلَ ويشرَبَ، ويَلْبَسَ، ويستنجِيَ وَحْدَهُ، وبالبنتِ حتى تَحيضَ. وعن محمد حتى تُشتَهى، === يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه، فأقبلا حتى أتيا أبا بكر، فقال عمر: ابني، وقالت المرأة: ابني. فقال أبو بكر: خلِّ بينه وبينها، فما راجعه عمر الكلام. ورواه البيهقي وزاد: ثم قال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تُوَلَّه والدة عن ولدها»، وفي نسخة: «على ولدها». وقوله: «لا تولَّه» بضم ففتح فتشديد لام مفتوحة: أي لا تُخير. ولأنه طفل غير رشيد ولا عارف بمصلحته، فلا يعتمد اختياره كسائر تصرفاته. وأجيب عن حديث حُميد بأنه وفق ببركة دعائه ﷺ لاختيار الأنظر له، فلا يقاس عليه غيره. وعن حديث أبي هريرة بأنه ﷺ أمرهما بالاستهام: وهو متروك بالإجماع، فكذا التخيير، بدليل قول الصِّدِّيق لعمر فتدبر. وبأن قولها: «إن زوجي»، يدل على أنها كانت غير مُطلَّقة، وبأن قولها: قد سقاني من بئر أبي عِنبَة يدل على أنه كان بالغاً، لأنها بئرٌ بالقُرْب من المدينة لا يتأتى الاستقاء منها إلا للبالغ، وهو ينفرد بالسُّكنى، فيكون عند أيهما أَراد. والحاصل: أنه حكاية حالٍ فلا يُحتج بها. (والأم والجدة أحق به) أي بالصبي (حتى يأكل ويشرَب، ويلبَسَ، ويستنجِيَ وحدَهُ) وقدّر الخصّافُ ذلك بسبع سنين، اعتباراً للغالب وعليه الفتوى. وعند مالك الأم أحق بالغلام حتى يحتلم. وعند الشافعي يُخيّر الولد في سبع أو ثمان، فإذا اختار الغلام أُمَّه كان عندها بالليل، وعند الأب بالنهار. وأما البنت فتكون عند مَنْ اختارته ليلاً ونهاراً. وقال أحمد وإسحاق: يُخير الولد في سبع، فإذا اختار أحدهما وسُلِّم إليه، ثم اختار الآخر فله ذلك وردَّ إليه، فإن عاد فاختار الأول أُعيد إليه هكذا. وأما المعتوه فلا يُخيَّر ويكون عند الأم، لأنها أشفقُ عليه، وإنما كان للأب أن يأخذ عاقلاً متميزاً لأنه يحتاج إلى التخلّق بأخلاق الرجال وآدابهم في الأحوال، والأب أقدر على ذلك من الأم والجدة، ولو امتنع الأب عن أخذه أُجبر، لأن نفقته عليه. (وبالبنت) عطف على «به» أي والأم والجدة أحق بالبنت (حتى تحيض) لأنها قبل الحيض تحتاج إلى معرفة آداب النساء من الغَزْل، والطبخ، والغسل. والأم والجدة أقدر على ذلك، وبعد الحيض تحتاج إلى الصيانة، والأب أقدر عليها، وإلى التزويج وهو إِلى الأَب دونهما. (وعن محمد) في «نوادر هشام»: (حتى تُشتَهى) وبنت إحدى عشر سنة تُشتهى في قولهم جميعاً. وقال أبو الليث: بنتُ تسع سنين، وعليه الفتوى. وقال مالك:

стр. 923

وهو المعتبرُ لفسادِ الزَّمان، وغيرهما حتى تُشتهى. ولا تسافرُ مُطَلَّقةٌ بوَلدها إلَّا إلى وطَنِها الذي نَكَحها فيهُ وهذا للأُم فقط. فَصْلٌ في ثُبُوتِ النَّسَبِ أقلُّ مُدَّة الحملِ ستة أشهر === الأم أحق بالبنت حتى تُنْكَح ويَدخل بها الزوج وإن حاضت. (وهو) أي قول محمد (المعتبر لفساد الزمان) على ما في «غياث المفتي» (وغيرهما) أي غير الأم والجدة من الأخوات، والخالات، والعَمَّات أحقُّ بالبنت (حتى تُشتهى) وفي «الجامع الصغير»: حتى تستغني كما في الصبي، والأول هو الصحيح. (ولا تسافر مُطَلَّقةٌ) انقضت عدَّتها (بوَلدها) لما في ذلك من الإضرار بالأب (إلا إلى وطنها الذي نكحها فيه) لأنه التزم المقام فيه عرفاً وشرعاً. لما روى ابن أبي شيبة وأبو يَعْلى المَوْصِلي في «مسنده»: أن عثمان صلى بمنى أربعاً ثم قال: قال رسول الله ﷺ «من تأهّل في بلدة فهو من أهلها، يصلي صلاة المقيم، وإني تأهلتُ منذ قدمت مكة» (وهذا) السفر بالولد (للأم فقط) فليس لغيرها أن تسافر به إلا بإذن أبيه، ولا له أن يسافر به في مدة الحضانة لغيره، لأن في ذلك ضرراً بالحاضنة وإبطالاً لحقها. وقال مالك والشافعي وأحمد: للأب ذلك. فصلٌ في ثُبُوتِ النَّسَبِ (أقلُ مُدَّة الحملِ ستةُ أشهر) باتفاق العلماء، ولأن الولد يُنْفخ فيه الروح عند مضي أربعة أشهر، ويتم خَلْقُه بعد ذلك في شهرين، لحديث ابن مسعود في الأربعين (١) . وقد رُوي أنَّ عبدَ الملك بن مروان وُلد لستة أشهر. ولما قدمنا أن رجلاً تزوج امرأةً فولدت لستة أشهر، فهمَّ عثمان أن يرجمَها، فقال ابن عباس: أما إِنها لو خاصمَتكم بكتاب الله لَخَصَمَتْكُم، قال الله تعالى: ﴿وحَمْلُه وفِصَالُه ثلاثون شَهْراً﴾ في الأحقاف (٢) ، وقال الله تعالى: ﴿وفِصَالُه في عامين﴾ (٣) فإذا ذهب للفصال عامان لم يبق للحمل إلا ستُةُ أشهر، فَدَرأ عثمانُ الحد، وأثبَتَ النَّسب من الزوج. وهكذا رُوي عن علي. فإقدَامُ عثمان على إقامة الحد يدل على أنه لا يكون أقلَّ من ستةِ أشهر.

стр. 924

وأَكْثرُها سنتان، === (وأَكْثَرُها) أي أكثر مدة الحمل (سنتان) وهو قول الثَّوري، والضحَّاك بن مُزاحِم، وأحمد في رواية، لما رَوى الدارقطني والبيهقي في سُنَنَيهما من حديث عائشة: أنها قالت: ما تزيدُ المرأة في الحمل على سنتين، قدر ما يتحول ظل عمود المِغْزل، وهو محمول على السماع، لأن مثلَه لا يُدرك بالرأي. وهذه العبارة مَثَلٌ في القِلَّة، لأن ظِل عمود المِغْزل حال الدوران أسرعُ زوالاً من سائر الأظلال. وقال عبَّاد بن العَوَّام: أكثرُ مدة الحمل خمس سنين. وقال الزهري: ستُ سنين. وقال ربيعة: سبع سنين. وقال أبو عُبيد: ليس لأقصاه حد. وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنهما: أَربع سنين، لأن الضحَّاك ولدته أمه لأربع سنين بعدما نبتت ثَنْيتاه وهو يضحك، فسمِّي ضَحَّاكاً. ولما روى الدَّارقطني والبيهقي عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: أي حديث عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل، فقال: سبحان الله مَنْ يقول هذا، هذه جارتنا امرأة محمد بن عَجْلان امرأة صدق، (وزَوْجُها رَجُلُ صِدْق) (١) حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة: كل بطن في أربع سنين. وأخرج الدارقطني عن هاشم بن يحيى المُجَاشِعي قال: بينما مالك يوماً جالس إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا يحيى ادع الله لامرأة حُبلى منذ أربع سنين، قد أصبحت في كرب شديد. فغضب مالك وأطبق المصحف، ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أنَّا أنبياء، ثم قرأ، ثم دعا وقال: اللهم إن كان في بطن هذه المرأة ريح فأخرجه عنها الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بغلامٍ، فإنك تمحو ما تشاء وتُثْبِت وعندك أمّ الكتاب، ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم، وجاء رجل إلى الرجل فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل، فما حطّ مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جَعْد قَطَط ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه ما قطعت سِرَاره. وجَعْد قَطَط: أي شديدُ الجُعُودة. وأجيب بأن الأحكام تُبنى على العادة الظاهرة، وبقاء الولد في البطن أكثر من سنتين إن ثبت في غاية النُّدرة، فلا يُبنى عليه حكم، مع أنه حكاية حال فيها احتمال أن يكون الولد منها، أو من غيرها، أو كان في بطنها ريح قبل حَمْلها ونحو ذلك، فإن

стр. 925

فيثبتُ نسبُ ولدِ معتدَّةِ الرَّجْعي، وإن جاءت به لأكثرَ مِن سَنتين ما لم تُقِرَّ بمضي العدَّةِ فَتَثْبُت الرَّجعةُ، ولأقلَّ منهما لا. ومبتُوتَةٍ ولدَتْه لأقل منهما === الضحَّاك ونحوه ما كانوا يعرفون ذلك من أنفسهم، وكذلك غيرهم، لأن ما في الرَّحم لا يعلمه إلا الله. وأما دعاء مالك فيما هو مفروغ عنه منهيٌ عنه، وكان ظهور الغلَام من الأمور الاتفاقية في المقام أو أنه من الكرامات وخوارق العادات، والله تعالى أعلم بحقائق الأمور والحالات. (فيثبت نسبُ ولد معتدة الرجعي، وإن جاءت به لأكثرَ من سنتين) من وقت الطلاق، أما إن جاءت به لأقل من ستة أشهر، فلأنه كان موجوداً وقت الطلاق، فكان من عُلوقٍ قبله، وتَبِين بالوضع لانقضاء عدَّتها به بوضع الحمل. وأما إن جاءت به لأكثر من ستة أشهر وأقل من سنتين، فلوجود العُلوق في النكاح أو في العِدَّة، وتَبين من زوجها، لانقضاء عدتها بوضع الحمل. وأما إن جاءت به لأكثر من سنتين، فلأن العُلوق بعد الطلاق، فيحمل على أنه راجعها، إذ الظاهر من حال المسلم أنه لا يزني. فإن قيل: لانتفاء الزنا وَجْهٌ غير هذا، وهو أن تكون تزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها، فيكون الولد منه. أجيب بأن البقاء أسهل من الابتداء، فكان الحمل على أن زوجها راجعها أولى من الحمل على أنها تزوجت بآخر. انتهى. وفيه أنه مع احتمال كون الولد من غيره، فكيف يُحكمُ بثبوت نسبه، ولعل هذا احتمال في ثبوت النسب خوفاً من تضييع الولد. (ما لم تُقِر بِمُضِيّ العِدة) في مدة تحتمل. وأما لو أقرت بِمُضِيِّها ثم جاءت لستة أشهر أو أكثر من وقت الإقرار لم يثبت نَسَبه، لاحتمال حدوث الحبل بنكاح جديد، بخلاف ما لو جاءت به لأقل من ستة أشهر، حيث ثبت نَسَبُه لظهور كَذِبِها (فتثبت الرجعة) إن جاءت به لأكثر من سنتين، لأن العُلوقَ بعد الطلاق، والظاهر أنه منه لانتفاء الزنا عن المسلم، فيصير بالوطء مراجِعاً. (ولأقل منهما) أي من السنتين (لا) أي لا تثبت الرجعة لاحتمال العُلوق قبل الطلاق واحتماله بعده، فلا يصير مراجِعاً بالشك. (ومبتُوتَةٍ) بالجر عطف على المعتدة، أي ويثبت نَسَب ولدِ مبتوتة (ولدَتْه لأقل منهما) أي من سنتين من وقت الطلاق، لأنه يحتمل الوجود عند الطلاق، فيحمل عليه

стр. 926

لا لتَمَامِهما إلا بِدعْوة، ويُحمَلُ على وَطئِها بشبْهةٍ في العدَّةِ إذا جَحَدَ ولادَة زوجتِه، تثبتُ بشهادةِ امرأةٍ. === احتيالاً في ثبوت النسب (لالاِلتَمَامِهما) لثبوت الحمل بعد الطلاق، ووطءِ المبْتُوتة حرامٌ (إلا بِدِعْوة) لأنه التزمه. ثم في رواية: يشترط تصديق المرأة. وفي رواية: لا يشترط (ويُحمَلُ على وَطئِها بشبْهةٍ في العدَّةِ) واعتُرِض بأن الزوج إذا وطِء بشبهةٍ معتدَّتَه من طلاق ثلاث، أو على مالٍ، فأتت بولد لا يثبت نسبه وإن ادَّعاه. نص على ذلك في كتاب الحدود. (إذا جَحَدَ) الرجلُ (ولادَة زوجته تثبتُ) الوِلادة (بشهادة امرأة) وأما النَّسَب فيثبت بالفِرَاش، حتى لو نفاه يُلاعن. وإذا جَحَدَ ولادة معتدَّة، فثبوتُها بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو بوجود حَبَل ظاهر، أو اعترافه بالحَبَل، أو تصديق الوَرَثة عند أبي حنيفة. وقالا: لا يُكتفى بشهادة حرة مسلمة ثقة، كتعيين الولد بالحرة الثقة اتفاقاً. وأما الطلاق المُعلَّق بالولادة فلا يقع بشهادة امرأة واحدة على الولادة عند أبي حنيفة إِذا لم يكن حَبَلٌ ظاهر. وعندهما: يقع بشهادتهما (١) ، لأن الطلاقَ حكمٌ متعلِّقٌ بالولادة، وشهادة المرأة حجة في إثبات الولادة، لقول حذيفة: إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة القابلة. رواه الدارقطني. ولقول الزُّهري: مضت السُّنة أنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرُهن من ولادة النساء وعيوبهن. وتجوز شهادة القَابلة وحدها في الاستهلال، وامرأتان فيما سوى ذلك. رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة. فكذا فيما يتعلق بالوِلادة. ولعل هذا الحكم مقتَبَسٌ من عموم قوله تعالى: ﴿ولا يَحِلُ لهنَّ أنْ يَكْتُمنَ ما خَلَقَ افي أرحامِهنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ با واليومِ الآخرِ﴾ (٢) فإنه إن لم تُقبل شهادتهُن، يكون إظهارهن عبثاً في حَقّهِنَّ. ولأبي حنيفة: أنها ادعت الحِنْث، فلا يثبت إلا بحجة، وشهادة النساء ضرورية في حق الولادة، فلا يظهر في حق الطلاق، لأنه ليس من ضروريات الولادة، إذ الطلاق ينفك عنها في الجملة وإن صار من لوازمها هنا. ثم إقرار الزوج بالحَبَل كافٍ لوقوع الطلاق المُعلَّق على الولادة من غير الشهادة إذا قالت: ولدت وصَدَّقها (٣) الزوج، وعندهما يشترط شهادة القابلة.، لأنه حكم متعلق

стр. 927

فَصْلٌ في النَّفَقَةِ والكِسْوةِ والسُّكنَى تجبُ النفقةُ والكِسوةُ والسُّكْنَى على الزَّوْج. ولو كان صغيرًا لا يقدِرُ على الوطء للعِرْس مسلمةً أَو كافرةً، كبيرةً أو صغيرةً، تُوطأ === بالولادة، فلا يثبت عند المنازعة بلا حجة، وشهادتها حجةٌ فيها. لما روينا. وله أن الإقرارَ بالحبل إقرارٌ بما يفضي إليه وهو الولادة. فصلٌ في النَّفَقَةِ والكِسْوة والسُّكْنى وأسباب النفقة ثلاثة: الزَّوْجية، والقَرَابة، والمِلْك. (تجبُ النفقةُ والكِسوةُ والسُّكْنى على الزوج) بالإجماع، وبالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ من سَعَتِه﴾ (١) ، وقوله : ﴿وعلى المَوْلُودِ له رِزْقُهنَّ وكِسْوَتُهنَّ بالمعْرُوف﴾ (٢) أي على مَنْ يُولد له وهو الوالد، وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهنَّ مِنْ حيث سَكَنْتُمْ من وُجْدِكُم﴾ (٣) . وبالسُّنَّة وهو قول رسول الله ﷺ في حجة الوداع في حديث جابر الطويل على ما رواه مسلم وأبو داود: «استوصوا بالنساء خيراً فإنهنَّ عَوَانٌ ـ أي أُسرَاء لكم ـ اتخذْتُموهنَّ بأمانة الله، واستَحْللتُم فُرُوجهنَّ بكلمة الله، وإنَّ عليهنَّ أنْ لا يُوطِئنَ فُرُشَكُم أحداً، وأن لا يأذنَّ في بُيوتكم أحداً تكرهونه، فإذا فَعلْن ذلك فاضرِبُوهنَّ ضرباً غير مُبَرِّحٍ، وإنَّ لَهنَّ عليكم نفقتَهنَّ وكِسْوتَهنَّ بالمعروف». (ولو كان) الزوج (صغيراً لا يقدِرُ على الوطء) خلافاً لمالك. ولنا أنَّ العجز من قِبَله، فكان كالمجبوب، (للعِرْس) متعلقٌ بتجب، وهو متناولٌ لمَن مَنَعت نَفْسَها قبل الدخول حتى تقبِضَ المعجّل وهو قولهم، أو بعده وهو قول أبي حنيفة (مسلمة) كانت (أو كافرة) أي ذمية، لإطلاق النصوص، غنية أو فقيرة (كبيرة أو صغيرة توطأ) أي قابلة لأن توطأ وإن لم تزف إليه في ظاهر الرواية، وعليه الفتوى. وأما غيرهما ممن لا قدرة له على وطئها، فلا نفقة لها سواء كانت في منزل الزوج أو لم تكن. وقال الشافعي ـ وهو الأصح في مذهبه: لها النفقة وإن كانت في المهد لإطلاق النصوص.

стр. 928

بِقَدْرِ حالِهِما، فتجبُ في المُوسِرِيْن نفقَةُ اليَسَار، والمُعْسِرِين نفقةُ الإِعسَار. وفي المُوسِرِ والمُعسِرَة وعَكْسه بين الحَالين === ولنا: أن النفقة لاحتباس مستحق بعقد النكاح ينتفع به الزوج في الجماع ودواعيه، والصغيرة لا تصلُح لذلك، حتى لو كانت مُشتهاة يمكن جماعها فيما دون الفرج، وجبت نفقتُها. (بِقَدْرِ حالهما) أي حال الزوج والمرأة. وهذا اختيار الخصَّاف، وعليه الفتوى، وهو قول أحمد (فتجبُ في المُوسِرِيْن نفقة اليَسَار) أي الغنى والسَّعَة، (و) في (المُعْسِرِين نفقة الإِعسَار) (١) أي الفقر والقناعة (وفي المُوسِرِ والمُعسِرَة وعكسه) وهو المُعسِرُ والمُوسِرَة (بين الحالين) أي دون نفقة اليَسار وفوق نفقة الإعسار بلا إسراف ولا تقتير، إذ خير الأمور أَوسطها. قال الله تعالى: ﴿والذين إذا أنفَقُوا لم يُسْرِفُوا ولم يَقْتُروا وكان بين ذلك قَوَاماً﴾ (٢) . ثم كما تفرض لها قدر الكفاية من الطعام، فكذلك من الإدام، لأن الخبز لا يُتُناول عادة إلا مأدُوماً. وجاء في تأويل قوله تعالى: ﴿من أوسَطِ ما تُطْعِمونَ أهْلِيْكم﴾ (٣) أن أعلى ما يُطعم الرجل أهله الخبزُ واللحم، وأوسطَهُ الخبزُ والزيت، وأدناه الخبز واللبن. وأما الدُّهن فلا يُستغنى عنه خصوصاً في ديار الحَرِّ، فهو من أصل الحوائج كالخبز. وقال الشافعي: بقدْر حال الزوج، وهو اختيار الكَرْخي. وفي «الذخيرة» و «المبسوط»: أَنه ظاهر الرواية، لقوله تعالى: ﴿وعلى المُوْسِعِ قَدَرُه وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه﴾ (٤) ، وقوله سبحانه: ﴿ليُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِه ومَنْ قُدِرَ عليه رِزْقُه فَلْينفِقْ مما آتاه الله لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلا ما آتاها سيَجْعلُ الله بعد عسرٍ يسراً﴾ (٥) ، ولأنها لمّا زوجت نفسها من معسرٍ فقد رضيت بنفقة المُعْسِرِين. وقال مالك: بقدر حال المرأة، لما روى الجماعة إلا الترمذي من حديث عائشة: أن هنداً بنت عُتْبة قالت: يا رسول الله ﷺ إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال رسول الله ﷺ

стр. 929

ولو في بيتِ أَبِيها، أو مَرِضت في بيتِ الزَّوْج، لا لناشِزَةٍ خَرَجَت من بيتِه، === «خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف». ولنا أن الكتاب يقتضي أنها بِقَدْر حال الزوج. وحديث هند يقتضي أنها بقدر حال المرأة، فقلنا: إنها بقدر حالهما عملاً بالدليلين. لكن قد يقال: إن الحديث ليس فيه دلالة على إِعسار الزوج وإيسار المرأة، بل على إيساره و (بخله) (١) عليها بحسب اقتداره. هذا، وتجب النفقة أيضاً (ولو) كانت هي (في بيت أبيها) ولم يطلب الزوج انتقالها إلى منزله، لإطلاق النصوص. وعن أبي يوسف ـ: وهو اختيار القُدُورِيّ وبعض المتأخرين من علماء بلخ ـ: أنها لا تستحق النفقة حتى تُزَفَّ إلى منزل الزوج، وكأنهم بَنَوا أمرها على العرف. (أو مَرِضت في بيت الزوج) بأن زُفَّت إليه صحيحة فمرضت في بيته. والقياس: أن لا نفقة لها إذا كان ذلك المرضُ مانعاً من الجماع. ووجه الاستحسان: أنه يَستأنِسُ بها ويتمتع بمسها، ومانع المرض عارض، فأشبه الحيض. وفي قوله: في «بيت الزوج» إيماءٌ إلى أنها لو مرِضت ثم سلَّمت نفسها، لا تجبُ النفقة، لأن التسليمَ لم يصح، وهو مروي عن أبي يوسف، قالوا: وهو حسن. (لا) تجب النفقة (لناشِزَةٍ خرجت من بيته) الذي تسكن معه فيه، أو مُنِعت من الدخول إلى منزلها الذي يسكن معها فيه بغير حق. أما إن خرجت لأنه لم يعْطِها المهر المعجَّل أو لأنه ساكنٌ في مغصوبٍ، أو منعتهُ من الدخول إلى منزلها الذي يسكنُ معها فيه لاحتياجها إليه، وكانت سأَلته أن يحوِّلها إلى منزله، أو يكتري لها منزلاً آخر ولم يفعل: لم تكن ناشزة. وإنما اعتبر في الناشزة عدم الإقامة في المنزل، لأن الظاهرَ أنه يقدر على وطء المقيمة، لأن البكرَ لا تُوطأ إلا كَرْها. والدليلُ على وجوب النفقة وإن كان مُطْلقاً، لكن خرجت الناشزة بِدَلالة النص. وهو قوله تعالى: ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ﴾ (٢) حيث أُمِر بمنع حقها من الصحبة التي هي مشتركة بينهما، فأولى بمنع النفقة التي هي مختصة لها. ومن اللطائف أنه قيل لشُرَيْح: هل للناشزة نفقة؟ فقال: نعم، فقيل: كم؟، فقال: جِرَابٌ من تراب.

стр. 930

ومحبُوسةٍ بِدَيْن، ولا مَرِيضةٍ لم تُزفّ ومغصوبةٍ كَرْهًا وحاجَّة لا معه. ولو كانت معه فَلها نفقةُ الحَضَرِ لا السَّفَر ولا الكِرَاء. وعليه موسِرًا نَفَقةُ خادمٍ واحدٍ لها فقط، لا مُعْسِرًا === (و) لا (محبُوسةٍ بِدَيْن) عليها، سواء كانت تقدِر على قضائه أو لا (ولا مريضة لم تُزفّ) إلى الزوج لعدم الاحتباس والاستمتاع. وفي «الذخيرة»: ولو مرِضت في منزلها فلها النفقة، لأنها غير مانعةٍ نفسها من الزوج بغير حق، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن تُحمل الثانيةُ على مرضٍ غير مانعٍ من الجماع. (و) لا (مغصوبةٍ كَرْهاً) وعليه الفتوى. وكذا لا نفقة لامرأة معتدة لوطءٍ وقع بشبهة، لاحتباسها عنه لمانع من جهتها. (و) لا (حاجَّةٍ) أي لا تجب على الزوج نفقةُ امرأتِه الحاجّة مَعَ غيره إن كان محَرماً لها (لا معه) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف: حيث لها عنده نفقة الحَضَرِ (ولو كانت) حاجَّة (معه فَلها نفقةُ الحَضَرِ) اتفاقاً، بأن يعتبر قِيمة الطعام فيه، (لا) نفقة (السفر) لأن زيادةَ القيمة في السفر يسقط بما حَصَلَ لها من المنفعة به (ولا الكِرَاء) لأن المُستَحقَّ هو النفقة وليس الكراء منها. وقال الشافعي: إن حجت بغير إذن زوجها فرضاً أو نفلاً فلا نفقة لها، وبإذنه إن ذهب معها فلها النفقة، وكذا إن لم يذهب في أظهر القولين. وقال أحمد: إن أحرمت من المِيْقَاتِ فلها النفقة، وقيل: لا. (وعليه موسِراً) إذا كانت امرأته حرة (نفقةُ خادمٍ واحدٍ لها فقط) عند أبي حنيفة، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد. وقال أبو يوسف: نفقة خادمين: أحدهما لداخل البيت، والآخر لخارجه. ثم الخادم إن كان مملوكاً لها استحقَّ النفقةَ عندهم، وإن كانت حرة ومملوكة لغيرها اختُلف فيه. ولا يبلغ نفقة خادمها نفقتها. حتى قالوا: يُفرض لخادمِها أدنى ما يُفْرض لها على الزوج المُعْسِر. وفي «الذخيرة»: إن لم يكن لها خادم فليس عليه نفقتُه، وهو ظاهر الرواية، وقول أحمد، وأكثر أصحاب الشافعي. وفي «نوازل أَبي الليث»: أنّ المرأة إذا كانت تقدِر على خدمة نفسها تُجبر عليها. وفي «فتاوى أهل سمرقند»: أنها إذا كانت من ذوي الأقدار، ولها خدم كثير، تجب عليه نفقةُ خادمين. (لا معسراً) أي ليس عليه نفقة خادمها إذا كان معسراً، وهو رواية الحسن عن

стр. 931

في الأَصَحِّ. ولا يفرَّقُ بينهما لعجْزِهِ عنها، وتُؤمَرُ بالاستِدَانةِ عليه، === أبي حنيفة. وقوله: (في الأصح): احترز به عن قول محمد: إنه تجب عليه نفقة خادمها إذا لم تكتف بخدمة نفسها، كما لو كان موسراً. ووجه الأول: أن استعمال الخادم لزيادة التنعم (١) ، فيعتبر في حال اليسار دون الإعسار، ولأن المُعسر يلزمه أدنى الكفاية، والمرأة قد تكتفي بخدمة نفسها كذا قرر الشُّرَّاح. وفيه: أن رواية محمدٍ محمولةٌ على ما إذا لم تكتف بخدمة نفسها، ورواية غيره محمولة على ما إذا كانت تكتفي بخدمة نفسها، فلا تعارض. (ولا يفرَّقُ بينهما لعجْزِهِ عنها) أي عن النفقة الراتبة والكِسوة (وتُؤمر) المرأة (بالاستدانة عليه) أي على الزوج، بأن تأخذ الطعام على أن تقضي ثمنَه من مال الزوج. وفائدة هذا الأمر ـ مع فَرْض القاضي لها النفقة ـ أن يمكِّنَها أنْ تُحيل ربَ الدين على الزوج، وأنّ ترجع بالدَّيْن على تركته إن مات، وهذا عندنا، وهو قول عطاء بن يَسَار، والحسن البصري، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، وحمَّاد بن سليمان، والظاهرية. وأجاز التفريق مالك والشافعي وأحمد إذا طَلبَتْه، لقوله تعالى: ﴿فإمسَاكٌ بمعروفٍ أو تَسْرِيحٌ بإحسَانٍ﴾ (٢) والإمساك بالمعروف أن يوفيها حقها من المهر والنفقة، فإذا عَجَزَ عن ذلك تعين التَّسْريح، إذ المستحِقُّ عليه أحد الأمرين، فإذا تعذر أحدهما تعيَّن الآخر. ألا ترى أنه إذا عَجَزَ عن الوصول إليها بسبب الجَبِّ (٣) أو العُنَّةِ (٤) ، يفرّقُ بينهما لفوات الإمساك بالمعروف بل أولى، لأن حاجتها إلى النفقة أظهرُ من حاجتها إلى قضاء الشهوة، وهذا كنفقة العبد والأمة فإنها مُستحقَّة عليه بالملك، فإذا تعذرت أجبره القاضي على إزالة المِلك بالبيع. وقيل لسعيد بن المسيَّب: أتفرق بين العاجز عن النفقة وبين امرأته، فقال: نعم، فقيل له: إنه سنةٌ، فقال: نعم. والسُّنَّة إذا أُطلقت يُفهم منها سنة رسول الله ﷺ ثم مذهب مالك: يُفرَّق بينهما بالطلاق. ومذهب الشافعي وأحمد: يفرق بفسخ. ولنا قوله تعالى: ﴿وإنْ كان ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرةٍ﴾ (٥) . وهو مُطْلق في كل

стр. 932

ومَنْ فُرِضَت لعَسَاره فأيَسَر تمّم نَفَقةَ يَسَارِه إنْ طَلبَت. وتسقطُ في === مُعْسِر بحق، وقوله تعالى: ﴿وأنكِحُوا الأيَامَى منكم والصَّالِحين من عِبَادِكُم وإمائِكم إنْ يكونوا فُقَراءَ يُغْنِهم امِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) حيث جعل الفقر غير مانع من النكاح ابتداءً، فَلأَن يكون غير مانع منه بقاءً أولى، وقوله سبحانه: ﴿لا يُكلِّفُ انَفْساً إلا ما آتاها سَيَجْعلُ ابعد عُسْرٍ يُسْراً﴾ (٢) حيث دل على أن مَنْ لم يقدر على النفقة لم يُكلَّفْها، فلا يفرَّق لعجزه عنها، ولأن في التفريق إبطال مِلك الزوج، وفي الأمر بالاستدانة تأخير حقها وهو أهون له، فكان أولى وأحسن. وفي «شرح المختار»: المعسِرة إذا كان زوجها مُعسِراً ولها ابن مِنْ غيرِ موسِر، أو أخ موسر، فنفقتها على زوجها، ويؤمر الابن أو الأَخ بالإنفاق عليها، ويرجع به على الزوج إذا أيسر، ويُحْبَس الابن أو الأخ إذا امتنع، لأن هذا من المعروف. وفي «شرح الوقاية»: وأصحابنا لما شاهدوا ضرورة الناس إلى التفريق، لأن دَفْع الحاجة الدائمة لا يتيسر بالاستدانة ـ والظاهر أنها لا تجد من يقرضها وغِنى الزوج في المال أمر مُتَوهم ـ استحسنوا أن ينصب القاضي نائباً شافعي المذهب يفرق بينهما. انتهى. ثم العجز عن النفقة إنما يظهر في حق الزوج الحاضر، وأما الغائبُ غَيْبةً منقطعةً إذا لم يُخلِّف نفقة ورفعت أمرها إلى حاكم شرعي وفرق بينهما، فقال مشايخ سمرقند: جاز تفريقه، لأنه قضى في فصلين مُجْتهدٍ فيهما: أحدهما: التفريق بالعجز عن النفقة، والآخر: القضاء على الغائب. وقال صاحب «الذخيرة»: الصحيح أنه لا يصح قضاؤه، لأن العجزَ لا يُعرف في حال الغَيْبةِ، لجواز أن يكون قادراً، فإذا رُفع هذا القضاء إلى قاضٍ آخر فأمضاه، فالصحيح أنه لا ينفذ، لأن هذا القضاء ليس في فصلٍ مجتهد فيه إِذْ العجز لم يثبت. انتهى. والمشهور في مذهب الشافعي: أنه لا يفرّق بين المرأة وبين زوجها الغائب، ولو غاب عنها مدة طويلة ولم يترك لها نفقة، وإنما يُنسَب هذا إلى الحنابلة. والله سبحانه أعلم. (ومَنْ فُرِضَت) النفقة (لعَسَاره فأيسر تمّم) وفي بعض النسخ: أتم (نفقة يَسَاره إنْ طلبت) المرأة، ومن فرضت ليساره فأعسر، فعليه نفقة عَسَاره، لأن القضاء بالنفقة كان باعتبار حالهما، وقد تبدلت حاله، فتبدلت بتبدلها. (وتسقط) نفقة الزوجة (في

стр. 933

مدة مَضَت، إلا إذا سَبَق فَرْضُ قاضٍ، أو رضيا بشيءٍ، فتجبُ لما مضى ما داما حَيَّينِ، فإن مات أحَدُهما، أو طَلَّقَها قبلَ قَبْض سَقَط المفروض، إلا إذا استدانَت بأَمْر القاضي. ولا تُستردُ معجلة مُدَّةً. مات أحدهما قَبْلَها ونفقةُ عِرسِ القِنّ عليه، يُباع فيها مرة بعد أخرى، === مدة مضت) لم ينفق عليها الزوج فيها، سواء كان غائباً أو حاضراً وامتنع من الإنفاق (إلا إذا سبق فَرْضُ قاضٍ، أو رضيا بشيء) بأن اتفقت مع الزوج على مقدارٍ، (فتجب لما مضى) من هاتين المسألتين (ما داما حيَّينِ، فإن مات أحدهما، أو طلقها) الزوج (قبل قبض) النفقة، وبعد فرض القاضي، أو التراضي على شيء (سَقَط المفروض) وكذا ما تراضيا عليه، لأن الصِّلة لا تتم إلا بالقبض. وعندهما: لا يسقط، لأن الأعواضَ لا تسقط قبل القبض. (إلا إذا استدانت بأمر القاضي) فإنه لا يسقط. ذكر ذلك الحاكم الشهيد في «مختصره»، وذكر الخصَّافُ: أنه يسقط. والصحيح الأول، لأن استدانتها بأمر القاضي بمنزلة استدانة الزوج بنفسه، وهو لا يسقط بموت أحدهما فكذا هذه. وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: تصيرُ النفقة الماضية ديناً بلا قضاءٍ وتراض كالمهر. ولنا أنها صِلة بقدر الكفاية جزاء على الاحتباس، كرزق القاضي في بيت المال، فلا بد من التسليم كالهبة، أو التأكيد بقضاء أو تراضٍ، بخلاف المهر فإنه مطلق. (ولا تُسترد) نفقةٌ أو كسوةٌ (معجلة مُدَّةً، مات أحدهما) أو كلاهما (قبلها) أي قبل مضي المدة، سواء كانت تلك النفقة قائمة، أو هالكة، أو مستهلكة. وقال محمد والشافعي وأحمد: يحتسب لها بنفقة ما مضى، وترد ما بقي من النفقة إن كانت قائمة وقيمتَها إن كانت مستهلكة (١) ، ولا ترد إن كانت هالكة بالاتفاق، لأنها أخذت مالاً لمقصود الزوج، ولم يحصل له، فكان له أن يسترده، كما لو عجَّل لها نفقة ليتزوجها، فماتت قبل ذلك. كذا في «الذخيرة». (ونفقةُ (٢) عِرُسِ القِنّ) (٣) أي العبد الذي لا حرية فيه بوجه (عليه) أي على القِنِّ إذا تزوج بإذن مولاه (يباع فيها مرة بعد أخرى) حتى لو اجتمع عليه نفقة بعدما بِيْع مرة، بِيْع ثانياً وكذا ثالثاً، إِلى ما لا يتناهى، إلا أن يفديه مولاه لأنها دين في ذمته،

стр. 934

وفي دَيْن غيرها يُبَاع مرة واحدةً. وتَجِبُ سُكناها في بيتٍ ليس فيه أحدٌ من أَهْلِهِ، ولو ولدَه من غيرها إلَّا برضَاها. وبيتٌ مفردٌ مِن دَار له غَلَقٌ كَفَاها. === وقد ظَهَر وجوبُه في حق المولى فيتعلق برقبته، كدين التجارة في العبد المأذون. ولما كان حَقُّها في النفقة لا في عين الرَّقبةِ كان للسيد أن يفديه، ولو مات العبد سقطت النفقة، وكذا المهر، لفوات محل الاستيفاء، كالعبد الجاني، وكذا لو قتل في الصحيح. قيد بالقن، لأن المدبَّر (١) ، وولد أم الولد (٢) لا يباع، بل يسعى (٣) وكذا المكاتَب (٤) ما لم يعجِز. وقيدنا بإذن المولى، لأنه إذا تزوج بغير إذنه لا يباع فيها. وقال الشافعي: لا يباع القِنُّ في نفقة عِرسِه، ويثبت لها الخِيار في الفُرقة. وقال أحمد: لا يباع، ونفقتُها على سيده، وفي رواية: في كسبه. (وفي دَيْن غيرها) أي غير النفقة كالمهر (يُبَاع) القِنُّ (مرة واحدةً) إذا عجِز عن أدائه ولم يَفْدِه مولاه. والفرق أن دين النفقة يتجدد في كل زمان، فيكون ديناً آخر حادثاً بعد البيع، ولا كذلك سائر الديون. وقد تقدم: أن الأمة والمُدبَّرة وأم الولد لا تجب لها النفقة على زوجها إلا بالتبْوِئة (٥) . وأما المكاتَبة فهي في يد نفسها، وليس لمولاها أن يستخدمها، فكانت كالحرة في استحقاق النفقة على الزوج إذا لم تحبس نفسها منه ظالمة. (وتجب سُكناها) أي سكنى المرأة على الزوج (في بيتٍ) بالمِلْك، أو الإجارة، أو الإعارة، أو بالوقف عليه، (ليس فيه أحدٌ من أهله) ساكن معها (ولو) كان (ولدَه من غيرها) لأن السكنى حقها، فلا يشترك معها غيرها، كالنفقة (إلا برضاها) لأن لها إسقاطَ حقها. (وبيتٌ مفردٌ من دار له) أي لذلك البيت (غَلَقٌ) ومرافق (كَفَاها) لحصول

стр. 935

وله منعُ والدَيها وولَدِها مِن غيرِه من الدُّخولِ عليها، لا من النَّظر إليها وكلامِها متى شاؤا. وقيل: لا يَمنعُ من الخروجِ إلى الوَالِدَين، ولا مِن دُخُولِهما عليها، كُلَّ جُمُعة، وفي مَحْرَمٍ غيرهما كل سنة، وهو الصحيح. وتُفرَض نفقةُ عِرْسِ الغائبِ وطِفله وأبويه في مالٍ له، من جِنْس حقِّهم فقط عند مُوْدَعٍ أو مُضارِبٍ، أو مديونٍ إن أقرَّ بِهِ وبالنكاح، === مقصودها (وله منعُ والدَيها وولَدِها من غيره من الدخول عليها) لأن البيت له، فله المنع من الدخول فيه (لا من النظر) أي ليس له منعهم من النظر (إليها و) لا من (كلامها متى شاؤا) حذراً من قطيعة الرحم بما لا ضرر عليه فيه. (وقيل: لا يمنعُ) الرجلَ امرأَتَه (من الخروج إلى الوالدين ولا) يمنعُ والديها (من دخولهما عليها، كل جُمُعة، وفي مَحْرَمٍ غيرهما) أي غير الوالدين لا يمنع من دخوله عليها (كل سنة وهو الصحيح) احترز به عن قول محمد بن مُقَاتل الَّرازي: لا يمنعُ المَحْرَم كل شهرٍ. وعلى هذا خُرُوجِها لزيارة عمتها أو خالتها. وعن الحسن: لا يَمنعها عن زيارة الأقارب في كل شهرين أو ثلاثة، ولا يمنعْ محارِمَها من الدخول عليها كلَ جُمُعة. (وتُفرَض نفقةُ عِرْسِ الغائب و) نفقة (طِفله و) نفقة (أبويه في مالٍ له) أي للغائب (من جِنْس حقِّهم) بأن يكون ذلك المال طعاماً أو دراهم، أو دنانير، أو ثياباً من جنس ما يكسى به، لأن نفقتَهم واجبة بدون القضاء، فكان القضاء إعانة لهم، لا إيجاباً مبتدأً، إذ القضاء على الغائب مُمتنعٌ (فقط) أي ولا يُفرض نفقة غير من ذُكِر من المحارم، لأن نفقتَهم لا تجب إلا بالقضاء للاختلاف فيها، إذ عند الشافعي: لا تجب النفقة لغيرهم، ولا تُفرضُ نفقة من ذُكِر أيضاً إذا كان المال من غير جنس حَقِّهم، بأن كان عُرُوضاً (١) ، لأنه يحتاج إلى القضاء بالقيمة، أو إلى البيع، وذلك لا يجوز على الغائب. (عند مُوْدَعٍ) هذه صفة ثالثةٌ لمالٍ، أو حال ثانية. والظرف الأول وهو «له» صفة لمال. (أو مُضاربٍ، أو مديونٍ إن أقرَّ بِهِ) أي بالمال (وبالنكاح) وبطِفْلِه وأبويه. قيَّد به لأن أحداً منهم لو أنكر المال أو النكاح، فأقامت المرأةُ البينةَ على ذلك، لا يَفْرض لها

стр. 936

أو عَلِمَ القاضي ذلك، ويُحلِّفُها أنه لم يُعطِها النفقةَ، ويُكْفِلُها، لا بإقامةِ بينةٍ ليفرِض عليه، ويَأمُرها بالاستدانة. ولا يقضي بالنكاح. وقال زفر: يقضي بالنفقة لا بالنِّكَاح. وعَملُ القضاةِ اليومَ على هذا للحاجةِ ولمُطَلَّقةِ الرَّجْعيِّ، والبائن، والمفرَّقة بلا معصيةٍ، كخيار العِتْقِ والبُلوغ والتفريقِ، لعدم الكفاءة النفقةُ والسُّكْنَى، === القاضي، لأن بيِّنَتَها لا تُقبل، لأن أحداً منهم ليس خصماً عن الغائب في إثبات الزوجية، ولا المرأةُ خصماً في إثبات حقوق الغائب في ماله. وإذا ثبت في حقه تعدّى إلى الغائب (أو عَلِمَ) عطف على أَقر، أي أو إن علم (القاضي ذلك) أي المال، والنكاح، والنَّسَب، لأن علمَه حُجةٌ يجوز القضاء به في محل ولايته. (ويُحلِّفُها) أي القاضي المرأة (أنه) أي الزوج (لم يُعطِها النفقةَ ويُكْفِلُها) أي ويأخذ منها كفيلاً أيضاً، لاحتمال أنها استوفتِ النفقة، أو طلقها الزوج وانقضت عدتها. (لا بإقامة بينةٍ) على النكاح، ولا إن لم يُخلِّف مالاً، فأقامت بينة، أي لا يَفْرض القاضي للمرأة النفقة إذا أنكر المُودَعُ، أو المُضَارِبُ، أو المديون النكاح، فأقامت البينة عليه، أو أنكر المال، فأقامت البينَةَ عليه (ليفرض عليه) أي على الغائب (ويأمرَها بالاستدانة) عليه. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، الآخر وقول محمد. والأصح قَبُوله البينَةَ، وهو قولهما الأول، وبه قال زفر. (ولا يقضي بالنكاح) لأن في ذلك قضاءً على الغائب (وقال زفر: يقضي بالنفقة لا بالنكاح، وعمل القضاة اليوم على هذا) الذي قال زفر: (للحاجة) والرِّفقِ بالناس. ولا تحتاج المرأة على قول زفر إلى إقامة البينة أنه لم يترك لها نفقة (ولمطلقة الرجعي، والبائن، والمفرَّقة بلا معصية، كخيار العِتْقِ والبُلوغ والتفريق لعدم الكفاءة) أو بإسلام المرأة وإباء الزوج، أو باللعان، أو بالإِيلاء، أو بالعُنَّة، أو بالجَبِّ (النفقةُ والسُّكْنَى)، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور: لا نفقة للمطلقة ثلاثاً أو على عِوَضٍ إلا إذا كانت حاملاً فبالإجماع لقوله تعالى: ﴿وإنْ كُنَّ أولاتِ حَمْلٍ فَأنفِقُوا عليهنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) . ثم دليلهم ما روى الجماعة إلا البخاري من حديث الشَّعبي عن فاطمة بنتِ قَيْس قالت: طلقني زوجي ثلاثاً، فخاصمتُه إلى رسول الله ﷺ فلم يجعل لي سُكنى

стр. 937

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ولا نفقة، وأمرني أن أعتدَّ في بيت ابن أم مَكْتُوم. وعند النَّسَائي فيه من حديث سعيد ابن يزيد الأحْمَسي: حدثنا الشَّعبي به: إنما النَّفقة والسُكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة. وفي مسلم: أن أبا عمرو بن حَفْص بن المُغِيْرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام، وعَيَّاش بن أبي ربيعة بنفقة فسَخِطَتْهَا، فقالا: لا والله ليس لك نفقة إلا أن تَكُوني حاملاً، فأتت النبي ﷺ فذكرتْ له قولَهُما، فقال: «لا نفقة لك». وزاد أبو داود: «إلا أن تَكُوني حاملاً». ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿أسْكِنُوهنَّ مِنْ حيثُ سَكَنْتُم من وُجْدِكُم﴾ (١) ، وما روى مسلم من حديث أبي إسحاق قال: حدَّث الشَّعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ قال: «لا سُكنى لها ولا نفقة». فأخذ الأسود كفاً من حصى ـ وفي نُسخة: حَصْبَاء ـ فَحَصَبَه به وقال: ويْلَك تُحدِّث بمثلِ هذا. قال عمر: لا نتركُ كتابَ الله ولا سنةَ نبينَا بقولِ امرأة، لا ندري أحفظتْ أم نسيت، لها السُّكْنى والنفقة، قال الله تعالى: ﴿ولا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهنَّ﴾ (٢) الآية. فقد أخبر أن سنة رسول الله ﷺ أن لها النفقة والسكنى، ولا ريب في أن قول الصحابي: «من السنة كذا» رَفْعٌ، فكيف إذا كان قائله عمر. وقد صرح (٣) البيهقي والدارقطني بزيادة قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «للمطلقة ثلاثاً النفقة والسكنى». وقال إبراهيم كان عمرُ إذا ذكر عنده حديث فاطمة قال: ما كُنَّا نغيِّر في دِيننا بشهادة امرأة. فهذا شاهدٌ على أنه كان الدِّينُ المعروف المشهورُ عندهم وجوب النفقة والسكنى. فَنُزِّل حديثُها من ذلك بمنزلةِ الشَّاذ. والثِّقة إذا شذ لا يُقبل ما شذ فيه. ويُصرح بهذا ما في مسلم من قول مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعِصمة التي وجدنا الناس عليها، والناس إذ ذاك هم الصحابة. وروى مسلم أيضاً من حديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت في فاطمة: لا خير أن لها في ذِكْر هذا، تعني قوله: لا سُكنى لك ولا نفقة. وفي لفظ للبخاري: قالت: ما لفاطمة أَلا تتقي الله، تعني في قولها: لا سُكْنى لك ولا نفقة. وعنها: أنها قالت لفاطمة: إنما أخرجك هذا للسان، يعني أنها إنما

стр. 938

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === استطالت على أحْمَائها، وكَثُر الشر بينهم، فأخرجها ﵊ لذلك. ويقوي ثبوته عن عائشة احتجاج ابن المسيَّب به، وهو معاصر لها، وأعظم متتبِعٍ لأقوال من عاصره من الصحابة حفظاً ودراية على ما في أبي داود من حديث ميمون بن مِهْران قال: قدِمتُ المدينة فَدُفِعت إلى سعيد بن المسيَّب، فقلت: فاطمة بنت قيس طُلِّقت، فخرجت من بيتها؟ فقال: تلك امرأة فَتَنَتِ الناس، كانت لَسِنَةً، فَوُضِعَتْ على يد ابن أم مكتوم. وهذا هو المناسب لمنصبه، فإنه لم يكن لينسُبَ إلى صحابية ذلك من عند نفسه. وفي الحديث: أن سليمان بن يَسَار قال: خروج فاطمة إنما كان من سُوء الخُلُق. وممن ردّه زوجها أسامة بن زيد حِبّ رسول الله ﷺ فإنه كان إذا ذكرت فاطمة شيئاً من ذلك، يعني من انتقالها في عدّتها، رماها بما في يده. رواه عبد الله بن صالح من حديث الليْث بن سعد بسنده. فهذا لم يكن إِلاَّ لعلمه بأنه غلط منها، أو لِعِلْمه بخصوص سببه (١) من اللَّسَنِ أو ضيقِ المكانْ. وممن رده: زيد بن ثابت، ومروان بن الحكم. ومن التابعين: ابن المسيَّب، وشُرَيْح، والشَّعْبي، والحسن، والأسود بن يزيد، وممن بعدهم: الثوريُّ وأحمد بن حنبل وخلقٌ كثير من بعدهم. وقال الطحاوي: إن الله تعالى لما بيَّن بقوله: ﴿يَأيها النَّبيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ الآية (٢) ، أن للمطلقة السُّكنى، ونهاها عن الخروج، ونهى الزوج عن إخراجها، من غير تفرقة بين المطلقة للسُنَّة التي لا رَجْعَة عليها، وبين التي عليها الرجعة. وجاءت فاطمة وروت التفرقة بينهما على خلاف ما رُوي عن عمر، وما جاء به الكتاب صحّ احتجاج عمر وبطل حديثها. فإن قيل: المراد بالآية المطلقة رجعياً لقوله تعالى في آخرها: ﴿فإذا بَلَغْنَ أجَلَهنَّ فأمسِكُوهُنَّ بمعروفٍ أو فارِقُوهنَّ بمعروف﴾ (٣) وهو حكم الرجعة دون البائن. أُجيب بأن صدرَ الآية عام وآخرَها خاص ببعض ما تناوله الصدر، وذلك لا يُبْطِل عمومَه. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿والمُطلَّقاتُ يَتَرَبَصنَّ بأنْفُسِهنَّ ثلاثةَ قُروء﴾ (٤) فإِنه عام في البائن

стр. 939

لا لمُعتدَّة الموتِ والمفرَّقة بمعصية كالرِّدة. وتقبيلِ ابن الزَّوْج ورِدَّةِ مُعتدَّة الثلاثِ تُسقِطُ النَّفَقةَ، لا مَكيِنهَا ابنَهُ. ونفقةُ الطِّفل فقيرًا على أبيه، === والرجعي ولم يبطل عمومه بآخر الآية الخاص بالرجعي، وهو قوله تعالى: ﴿وبُعُولَتُهنَّ أحقُّ بِرَدِّهنَّ في ذلك﴾ (١) ، (لا لمُعتدَّة الموتِ) أي لا نفقة لها، لأن احتباسها لحق الشرع لا لحق الزوج، فإن التربُّصَ منها عبادة، ولهذا لا يراعى فيها التعرُّف عن براءة الرَّحِم بالحيض مع إمكانه. وعن الشافعي في وجوب السكنى قولان: أحدهما: عدم الوجوب، وهو اختيار المُزَنِيّ. وثانيهما: الوجوب، وهو قول مالك. (والمفرَّقة) أي ولا نفقة للمفرَّقة بينها وبين زوجها (بمعصية) منها (كالرِّدة، وتقبيلِ ابن الزوج) بأَنْ قَبَّلَتْه بالشهوة في عصمة أبيه، أو عدته من الرجعي، لأنها حبست نفسها بغير حق، فصارت كالنَّاشِزة، بل أشدَّ منها لإزالتها النكاح بالكلية، بخلاف المفرَّقة بغير معصية، كخيار العتق والبلوغ، وعدم الكفاءة، لأنها حبست نفسها بالحق، وذلك لا يُسقِط النفقة، كما إذا مَنَعت نفسها لاستيفاء مهرها. (ورِدَّة مُعتدَّة الثلاثِ تُسقِطُ النفقة لا تَمِكينُها) أي لا يُسْقط النفقة تمكين معتدة الثلاث (ابنه) أَي ابن الزوج، لأنه لا أثر حينئذٍ للرِّدة. إلا أنَّ المرتدة تُحْبَس لتتوب، ولا نفقة للمحبوسة، بخلاف الممكِّنَةِ ابن زوجها. (ونفقةُ الطِفل) حال كونه (فقيراً على أبيه) لأنه تعالى أوجب نفقة النساء على الرجال لأجل أولادهن، لقوله تعالى: ﴿وعلى المَوْلُودِ له رِزْقُهنَّ وكِسْوتُهنَّ بالمعروف﴾ (٢) لأن ترتب الحكم على الوصف يُشعر بالعِلِّيَةِ، فَلأَن تجب نفقة الأولاد أولى. والمولود له هو الأب، ولأنه تعالى أوجب على الأب نفقة طِفله من اللبن وغيره وقت الرضاع بقوله: ﴿فإن إرْضَعْنَ لكم فآتوهنَّ أجُورَهُنَّ﴾ (٣) ، فيجب بعده بجامِع الفقر والعَجْز. ونفقة الإرضاع على الأب لا يشاركه فيها أحد، فكذا نفقة الأولاد الصغار،

стр. 940

لا يشارِكُه أحدٌ كنفقةِ أبوية وعِرْسِه. وليس على أُمِّه إرضاعُهُ إلا إذا تعينَتْ، ويستأجِرُ الأب مَنْ يُرْضِعُهُ عندها. ولو استأجَرَها مَنْكُوحَةً له أو معتدةً من رَجعي لتُرْضِعَه، لم يَجُزْ وفي المَبْتُوتةِ روايتان. === وكذا يجب عليه نفقة طِفلٍ ابنهِ فقيرين (لا يشاركه) (١) أي الأب في نفقة طِفْله (أحد) من الأم ونحوها (كنفقة) أي كما لا يشاركه أحد في نفقة (أبويه وعِرْسه) وعن أبي حنيفة أن نفقة الطفل على الأب والأم أثلاثاً بحسب ميراثهما. قيد بالأب لأن الجد والأم يشاركهما غيرهما، لأن نفقة الطفل عليهما على قَدْر ميراثهما في ظاهر الرواية. وبه قال أحمد. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها على الجد وحدَه، وهو قول الشافعي. (وليس على أُمه إرضاعُهُ) قضاءً، لأنه من النَّفقة وهي على الأب. قيدنا بالقضاء لأن عليها إرضاعه ديانةً، كخدمة البيت من الكَنْسِ، والطبخ، والخَبز (إلا إذا تعينَتْ) بأن لم يوجد غيرها، أو وجد ولم يقبله الطفل، أو كان الأب مُعسِراً، فإنها تُجبرُ على إرضاعه صِيَانة للولد عن الضياع. وأوجب مالك على الأم إرضاع ولدها بلا أُجرة إذا كانت تحته، أو طُلِّقت رجعية ولا مانع، كأن تكون عالية القدر. ولنا أن الإرضاع كالنفقة، ونفقة الصغير على الأب دون الأم، فكذا الإرضاع، وربما لا تقدر عليه لعذر بها، فلو أُجبِرَت تضررت، وقد قال الله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ والدةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (٢) أي بإلزامها الإرضاع مع كراهتها. كذا قرّروه، والظاهر أن الأعذار تمنع الإجبار من غير خلاف للإضرار. (ويستأجِرُ الأب مَنْ يُرْضِعُهُ عندها) إن أرادت ذلك، لأن لها الحضانة (ولو استأجَرَها) أي الأب الأمَّ حال كونها (مَنْكُوحَةً له أو معتدةً من رَجعي لتُرْضِعَه لم يَجُزْ) لأن الإرضاع مُستَحَقَ عليها ديانة بقوله تعالى: ﴿والوَالِدَاتُ يُرضِعنَ أولادَهنَّ حَوْلَيْنِ﴾ (٣) واستئجار الشخص لأمر مُستَحقَ عليه لا يجوز. وأجازه الشافعي، لأنها كالأجنبية بالنسبة إلى هذه الأعمال، ولذا لو امتنعت عنه لم تُجبر عليه، فيصح إجارتها نفسَها، كما يصح لإرضاع ولد له من غيرها. (وفي) استئجار الأم (المبتوتة) المعتدة (روايتان) الجواز، لأن النكاح قد زال فالتحقت بالأجانب، وعدمه وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة، لأن العِدَّةَ من أحكام

стр. 941

وَلإِرضاعِهِ بعد العِدّة صحّ، وهي أَحقُّ من الأَجنبية إِلا أَن تَطلُبَ زيادةَ أَجرٍ. ونفقةُ البنتِ بالغةً والابنِ زَمِنًا على الأبِ خاصَّةً، وبه يُفتى. وعلى المُوسِر يَسَارَ الفِطْرَةِ === النكاح، ولهذا يجب لها النفقة والسُّكنى، ولا يجوز للزوج أن يدفع الزكاة إليها، ولا أن يشهد لها. (وَلإِرضَاعِهِ) عطف على لِتُرضعه، أي ولو استأجرها (بعد العِدّة) لإرضاع ابنه منها، أو لابنه من غيرها وهي في نكاحه (صَحَّ)، لأن الإرضاع ليس بمُستَحقَ عليها (وهي) أي الأم بعد العدة (أَحق من الأَجنبية) لأنها عليه أشفق، ولبنها له أوفق (١) ، وهي به أرفق، فكانت أحق (إلا أن تطلبَ) الأم (زيادة أجر) على الأجنبية دفعاً للضرر عن الأب، أو تكون الأجنبية ترضعه بغير أجر والأم بأجر، لقوله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالدةٌ بِوَلَدِهَا ولا مُوْلُودٌ له بِوَلَدَهِ﴾ (٢) . قالوا: مُضارَّة الأب إلزامه الزيادة على أجرة الأجنبية، وقد قال الله تعالى: ﴿وإن تَعَاسَرْتُم فَستُرضعُ له أخرى﴾ (٣) . (ونفقةُ البنت بالغةً) ليس لها زوج (والابن) بالغاً (زَمِنَاً) إذا كانا فقيرين، وكذا إذا كان أعمى، أو ذاهِبَ العقل فقيراً، أو طالبَ علم لا يهتدي إلى الكَسْب، أو من ذوي البيوت وأبناء الكِرَام، أو لا يجد من يستأجر، فهو عاجزٌ. قال الحَلْواني: ورأيت في موضع أن هذا إن كان بهم رشد (على الأب خاصة) لأنه لا يشاركه أحد في مؤنة رضاعهما صغيرين، فكذا في نفقتهما كبيرين (وبه يُفتى)، ومختار الخَصَّاف وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنها تجب أثلاثاً: ثلثان على الأب وثلث على الأم. (وعلى المُوسِر يَسَارَ الفِطْرَة) وهو أن يَملِكُ نِصَاباً من أي مال كان، فاضلاً عن حاجته الأصلية، لأنه المعتبر لوجوب المواساة في الشرع ولو كان كسوباً، وهذا عند أبي يوسف. وعند محمد: تقدير اليَسَار هنا بأن يَفضُلَ عن نفقته ونفقة عياله شهراً إن لم يكن من أهل الحِرَف، وعن نفقتِهِ ونفقة عِيَاله كل يوم إن كان من أهلها، حتى لو اكتسب درهماً كل يوم وكفاه بعضه يجب صرف باقيه إلى قريبه. قال صاحب «التحفة»: قول محمد أرفق. وجعل في «الهداية» الفتوى على قول أبي يوسف. وعند الشافعي بأن يَفضُلَ عن قُوتِهِ وقوت عياله ما يُصرف إلى قريبه.

стр. 942

نفقةُ أصولِهِ الفقراء بالسَّويَّة بين الابنِ والبنتِ، ويُعتبر فيها القُربُ والجُزئيةُ، ففي مَنْ له بنتٌ وابنُ ابنٍ على البنتِ، وفي ولدِ بنتٍ وأخٍ على ولدِهَا. ونفقةُ كلِ ذي رحمٍ مَحْرَمٍ صغيرٍ، أو بالغةٍ فقيرةٍ، === (نفقةُ أصولِهِ الفقراء) من أبويه، وأجداده، وجدّاته من الطرفين وإن عَلَوا، (بالسَّويَّة بين الابن والبنت) في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنها بالتفاوت على الذكر مِثْل حظِ الأنثيين على قياس الميراث، ونفقة ذوي الأرحام، وبه قال الشافعي وأحمد. والأول أصح لأن استحقاق الأبوين النفقةَ باعتبار حق المِلك لهما في مال الولد، لقوله ﵊: «أنت ومالُك لأبِيْك» (١) . وهو في الذَّكَر والأنثى سَواء، ولهذا ثبت لهما هذا الاستحقاق مع اختلاف المِلَّة وإن انعدم التوارث بسبب اختلاف المِلَّة. (ويُعتبر فيها) أي في نفقةِ الأصول. وفي بعض النُسخ: «فيه»، أي في هذا النوع من النفقة (القُرب والجُزئية) لا الإرث، ولهذا يجب مع اختلاف الدين. (ففي مَنْ له بنتٌ وابنُ ابنٍ) كلها (على البنت) للعلتين، (وفي ولد بنت وأخ على ولدها) قال الحَلْواني: لو كان الأب قادراً على الكسب لا يُجبر الابن على نفقته، لأنه غني باعتبار كسبه. وقال السَّرَخْسِيُ: قيل: وهو ظاهر الرواية إذا كان الابن قادراً على الكسب، لا تجب نفقتُه على الأب. وإذا كان الأب قادراً على الكسب تجب نفقته على الابن، لأن معنى الأذى في الكدِّ والتعب أكثر منه في التأفيف المنهيّ عنه في حق الأبوين حيث قال الله تعالى: ﴿فلا تَقلْ لهما أُفَ﴾ (٢) . وأما الأجداد والجدات فإنهم كالآباء والأمهات، ولأنهم تسببوا لإحيائه، فاستوجَبُوا عليه الإحياء، كالأبوين. وإنما شُرِطَ الفقر لأنهم لو كانوا موسرِينَ لا يجبُ نفقتُهم عليه، إذ الأصل أن نفقة الإنسان في ماله. (و) على الموسِرِ (نفقةُ كلِ ذي رحمٍ مَحْرَمٍ صغيرٍ) فقير أو كبير عاجز عن الكسب (أو بالغة فقيرة) حتى يكون نفقة الصغيرة على الأم والجد أثلاثاً، ونفقة الأخ المعسر على أخواته المتفرِّقات المُوسِرَات أخماساً، لأن في قوله تعالى: ﴿وعلى الوَارِثِ مثلُ ذلك﴾ (٣) إشعاراً باعتبار المِقدَار، ولأن الغُرْم بالغُنْمِ. وشُرِطَت المحرمية

стр. 943

أو ذَكَرٍ زَمِنٍ، أو أعمى، على قدْرِ الإِرْثِ، === لقراءة ابن مسعود: «وعلى الوارِثِ ذي الرَّحِمِ المَحْرَم مثلُ ذلك» فقيِّدَ المطلق به، إذ قراءته لا تنزل عن رواية، ومن يكون محتاجاً من الوارثين يُجعل في حكم المعدوم (أو ذَكَرٍ زَمِنٍ، أو أعمى: على قدْرِ الإرث). وعند الشافعي لا يجب غير نفقة الوِلاد، فلا تجب النفقة لغير الوالدين والمولودين، لأن استحقاق الصِّلة عنده باعتبار الولاد دون القرابة، حتى لا يَعْتِقُ أحدٌ على أحد إلا الوالدان والمولودون عنده. وجعل قَرَابة الإخوة كقرابة بني الأعمام، وحمل قوله تعالى: ﴿وعلى الوارِثِ مِثْلُ ذلك﴾ (١) على نفي المُضارَّة دون النفقة. وهو مروي عن ابن عباس. وقيل: المراد بالوارث وارث الأب، وهو الصبي نفسُه. والمعنى: أنه مات أبوه وورثه، وجبت أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال أجبرتِ الأم على إرضاعه. وقيل: المراد به الباقي من الأبوين من قوله ﷺ «واجْعَلْه الوَارِثَ مِنَّا» (٢) . وأجيب بأن الإشارة بذلك للبعيد، وهو هنا وُجوبُ الرزق والكسوة على الأب. ونفي المُضارَّة لا يختص بالوارث، بل يجب على غيره أيضاً، فلا تحمل الآية عليه، بدليل قول عمر وزيد، فإنهما قالا: ﴿وعلى الوَارِثِ مِثْلُ ذلك﴾ من النفقة. ثم اعلم أن مالكاً قصر النفَقَة على الصُلْبيّ، أي قريب الوِلاد بلا واسطة، حتى لا يجب عنده نفقةُ جِدَ ولا جدّةٍ، ولا ولد ولد، بل يجبُ على الأب نفقة ولده المحصور (الفقير) (٢) على قدر حاله حتى يحتلم، عاقلاً غير زَمِنٍ بما يمنع التكسّب. وعلى الولد كبيراً كان أو صغيراً، ذكراً كان أو أنثى: نفقة أبويه الفقيرين، صحيحين كانا أو زَمِنَيْن، مسلمين أو كافرين، لأن إنفاقَه على من يثبت بينه وبين جزئية بلا واسطة، كأنه إِنفاقٌ (٣) على نفسه، فيجب بخلاف غيره. وقال ابن أبي ليلى: تجب النفقة على كل وارث مَحْرماً كان أو غير محرم. واستدل بظاهر قوله تعالى: ﴿وعلى الوَارِثِ مِثْلُ ذلك﴾. ولنا ما قدّمنا من قراءة ابن مسعود: «وعلى الوَارِثِ ذي الرَّحِمِ المَحْرَمِ مِثْلُ ذلك» فقيَّدَ المطلق به، ولأنه الذي يَحرُم قطعُه. ومنعُ النفقةِ مع يَسَار المنفقِ يؤدي إلى قطيعة

стр. 944

ويُعْتبرُ أهليةُ الإرْث لا حقيقَتُه، فنفقةُ مَنْ له خالٌ وابنُ عمِّ على الخالِ، ولا نفقَةَ مع الاختلافِ دِيْنًا إلا للزوجةِ والأصولِ والفُروعِ، === الرَّحِمِ، وهي من الملاعِنِ، قال الله تعالى: ﴿أولَئكَ الذيْنَ لَعَنَهم الله﴾ (١) وقد ورد: «الرَّحِمُ معلقةٌ بالعرش تقول: مَنْ وصلني وَصَلَه الله، ومَنْ قَطَعَني قَطَعَه الله». رواه مسلم عن عائشة. وشَرطَ الصِّغر أو الفقر أو (٢) الزَّمَانَة لتحقق العجز، فإِن هذه الأمور أمَارَةُ الحاجة. وروى الطبراني بإسناد حسن من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «اليد العُليا أفضل من اليد السُّفلى، وابدَأْ بِمَنْ تَعُول: أُمَّكَ، وأَباكَ، وأختكَ وأخاك، وأدنَاك فأدناك». وهو في «الصحيحين» وغيرهما بنحوه من حديث حكيم بن حِزَام. وروى الطبراني في «الأوسط» من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ «ما أنفق المرءُ على نفسِهِ، وأهله، وولده، وذي رَحِمِهِ وقَرَابَتِهِ، فهو له صدقة». (ويعتبر) في نفقة ذي الرحم المحرم (أهلية الإرث لا حقيقته) لأن حقيقة الإرث لا تُعلم إلا بعد الموت، وحينئذٍ تسقط النفقة، (فنفقة مَنْ له خالٌ وابن عم على الخال) لأنه ذو رحم محرم، يمكن أن يرث ممن له النفقة بناءً على توريث ذوي الأرحام، بأن يموت ابن العم قبله. وإِن استويا في المَحْرَميَّةِ والأهليةِ للإرث تَرَجَّحَ مَنْ كان وارثاً في الحال، فلو كان له عم وخال، أو عم وعمة، تجب النفقة على العم، لاستوائهما في المحرمية، وتَرَجَّحَ العمُّ بكونه وارثاً في الحال بالنسبة إلى العمة والخال. (ولا نفقَةَ) تجب (مع الاختلافِ دِيْناً إلا للزوجة والأصول) الأبوين، والأجداد، والجدَّات (والفروع) الولد وولد الولد. أما الزوجة فلأن نفقتَهَا لاحتِبَاسها بحقٍ مقصودٍ بعقدِ النِّكَاح، وذلك يَعتَمِدُ صحةَ العقدِ دونَ اتحاد المِلة. وأما الأصول والفروع فلأن نفقتهم باعتبار الجُزئية، وجُزءُ المرء في معنى نفسه، وكما لا يُمنع نفقَةَ نفسِهِ بكفره، لا يُمنع نفقَةَ جزئِه إلا أنهم إذا كانوا حَربِيّين لا تجب نفقتهم على المسلم وإن كانوا مستأمَنين، لأنا نُهينا عن بِرِّهم، لقوله تعالى: ﴿إنَّما يَنْهَاكُم اعن الذين قَاتَلُوكُم في الدِّيْن﴾ (٣) الآية.

стр. 945

ولا مع الفقرِ إلا لها وللفُرُوعِ، ولا للغنِيِّ إلَّا لها. وباع الأبُ عَرْضَ ابنِهِ لا عَقَارَه لنفقتِهِ، === وكان القياسُ في حق الوالدين والولد أنْ لا يثبت استحقاق النفقة مع اختلاف المِلة، لأن استحقاقَها بطريق الصِّلة كنفقة الأقارب، ولكنهم استحسنوا وأوجبوا على الولد المسلم نفقة أبويه الذِّميين، لقوله تعالى: ﴿وصَاحِبْهُما في الدنيا مَعرُوفاً﴾ (١) وليس من المُصاحبةِ بالمعروف أن يتقلب في نِعم الله تعالى ويدعهما يموتان جُوعاً وعُرْياً. والأجداد والجدَّات من قِبَل الأب والأم بمنزلة الأبوين في ذلك، لأن استحقاقَهم باعتبار الوِلاد (٢) ، وبمنزلة استحقاق الأبوين. (ولا) نفقة تجب (مع الفقر) وفي بعض النُسخ: ولا على الفقير (إلا لها) أي الزوجة. (وللفُرُوعِ) الصغار. وقيل: إذا كان فقيراً زَمِناً أو أعمى، تجب نفقة أولاده في بيت المال كنفقته. (ولا) نفقة تجب (للغني إلا لها) أي للزوجة، لأن نفقتَها جزاءُ احتباسِها، وهو موجود في «الغُنْية». (وباع الأب) عند أبي حنيفة لنفقتِهِ بقَدْر حاجته (عَرْض ابنه) (٣) الكبير الغائب، لأنه إذا كان حاضراً لايبيع الأب عَرْضه اتفاقاً، وإذا كان صغيراً يبيعه اتفاقاً. والمراد بالعَرْض هنا ما يُنقل (لا عَقَارَه) أي لا يبيع الأب عَقَار ابنه (لنفقتِهِ) متعلق بـ: باع. والقياس أن لا يبيعَ العَرْض أيضاً إذا كان الابن كبيراً، وهو قول أبي يوسف ومحمد، لأن ولاية الأب زالت ببلوغ الابن رشيداً، إلا فيما يبيعُه تحصيناً له، فللوصي وللأب بيع عُرُوض الابن الغائب تحصيناً لماله، وبيعه هنا ليس للتحصين، بل لنفسه وليس له هذه الوِلاية. ألا تَرى أنَّ النفقَةَ لا تكون أوجب من سائر الديون. وليس لأب بيع شيء من مَتَاع ولده في دين له عليه، ولا يقضي القاضي بذلك أيضاً، لأن فيه قضاءً على الغائب، فكذا في النفقة واستحقاق الأم النفقة، كاستحقاق الأب، وهي لا تبيع عُرُوض الولد في نفقتِها فكذا هو. ولأبي حنيفة ـ وهو وجه الاستحسان ـ أن للوالِدِ أن يتملَّك مال ابنه عند الضرورة، ونفقة نفسه منها. ولأن ولاية التصرُّف وإن زالت بالبلوغ عن عقل، فولاية الحِفْظ ثابتة، لأن ولاية الحفظ تثبت لمن لا يثبت له ولاية التصرف، كالوصي في حقِ

стр. 946

لا لِدَين له عليه سواها، ولا الأمُّ تبيع مالَه لنفَقَتِها. وضَمِنَ مُودَعُ الابنِ لو أَنْفقها على أبويه بلا أَمْرِ قاضٍ، لا الأَبوان لو أنفقا مالَهُ عندهما. وإذا قُضِي بنفقةِ غير العِرْس ومَضَت === الوارثِ الكبيرِ الغائب له ولاية الحِفظ وبيع العُرُوض، فالأب بذلك أحق لأنه أشفق، وبيعُ العُرُوض من الحفظ لأنه يُخشى عليه من التَّوَى (١) ، وحفظ الثمن أيسر وأيمن، وبعد البيع يصيرُ الثمن من جنس حقه، فله أن يأخذ منه قدْر النفقةِ. وإنما لا يبيع العَقَار لأنه مُعدٌّ للانتفاع به مع بقائه، ويحصل مقصود الأب من النفقة باستغلاله، فلا يجوز له بيعه إلا بكمال الوِلاية، وهو عند صِغَرِ الولد أو جُنُونه. (لا لِدَين) أي لا يبيعُ الأب عَرْض ابنه لأجل دين (له) أي للأب (عليه) أي على الابن (سواها) أي سوى نفقة الأب، إذ لا ضرورة في ذلك (ولا الأم تبيع مالَه) أي مال الابن مطلقاً (لنفقتها) لأن تَمَلُّك مال الابن مخصوص بالأب، لقوله ﷺ «أنْتَ ومالُكَ لأبيك» (٢) . وفي «الذخيرة»: أن في الأقضية جواز بيع الأبوين عَرْض ابنهما. وهكذا ذكر القدوري في شرحه، بل ينبغي أن تكون هي بالجواز أولى لِضَعْفِها وكمال حاجتها، ولقوله ﷺ «أمكَ، ثم أمك، ثُمَّ أباك، ثم الأقرب فالأقرب» (٣) . (وضَمِنَ) قضاءً لا ديانة (مُودَعُ الابن لو أنفقها) أي الوَدِيْعة (على أبويه بلا أمر قاضٍ) لتصرفه في مال غيره بدون إذنه، بخلافِ ما إذا أمره القاضي لعموم ولايته. وإذا ضَمِنَ لا يرجع على القابض، لأنه مَلَكَ بالضمان، فَظَهَرَ أنه كان متبرعاً. وإنما قلنا: إنه لا يضمن ديانة، حتى كان له أن يَحلِف بعد موت المودِع أنه لا حق لورثته قِبَلَه، لأنه لم يُردْ بذلك غيرالإصلاح. وفي «النوادر»: إذا لم يكن في مكان يمكن استطلاع رأي القاضي لا يضمن استحساناً، وقد قالوا في رجلين كانا في سفرٍ فأُغمي على أحدهما، فأنفقَ رفيقُه عليه من ماله، أو مات فَجَهَّزَه صاحبه من ماله، لم يضمن استحساناً. (لا الأبوان) أي لا يضمن الأبوان (لو أنفقا ماله) وديعة (عندهما) لأن نفقتَهُما واجبةٌ على الابن بدون القضاء، فاستوفيا حقَّهُما. (وإذا قُضِي بنفقةِ غير العِرْس) وهم: الولد والوالدان، وذوو الأرحام (ومضت

стр. 947

مدةٌ سَقَطَت، إلا أنْ يَأذنَ القاضي بالاستدانة. ونفقةُ المَمْلوكِ على سيِّدهِ، فإن أبى كَسَبَ وأنفَقَ، وإن عَجَزَ عنه أُمِرَ بِبيعِهِ. === مدة سقطت) وبه قال الشافعي وأحمد، لأن نفقة هؤلاء لكفاية الحاجة، فتسقط بحصولها، (إلا أن يأذن القاضي) لِمَنْ له النفقة (بالاستدانة) على الغائب واستدان عليه، لأن للقاضي ولايةً عامة، فصار إذنه كإذن الغائب. ولو ضاعت نفقة مُعجَّلة أو كِسْوة لذوي الأرحام، يفرض لهم مرة بعد أخرى، لتحقق حاجتهم، ولو ضاعت نفقة أو كِسوة للزوجة لا تفرض لها نفقة أخرى، لعدم اعتبار الحاجة في حقها، ولهذا تجب النفقة لها مع غناها، وبعكس هذا لو بقيت النفقةُ المفروضة في مدةٍ بعد المُدة، تُفرض للزوجات ولا تفرض لذوي الأرحام. ولو عجّل نفقةَ مدةٍ ثم مات أحدهما قبل المدةِ، يسترد في الزوجات عند محمد دون الأقارب. (ونفقةُ المملوك) ذكراً كان أو أنثى، مدبَّراً أو أمّ ولد، لا مكاتَباً لالتحاقه بالأحرار (على سيِّدهِ) للإجماع، ولقوله ﷺ «هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليُطعِمْه مما يأكل، وليُلْبِسه مما يَلْبَس، ولا تُكلِّفُوهم ما يَغْلِبُهم، فإن كلَّفْتُموهُم فأعينُوهم». رواه الشيخان، وزاد أبو داود: «من لم يُلائمكم منهم فَبِيعُوه، ولا تُعذِّبوا خَلْق الله». ولأن نفعَه له، والغُرْمُ بالغُنْم. (فإن أبى) السيد عن الإنفاق عليه (كَسَبَ) المملوك (وأنفَقَ) على نفسه، نظراً له ببقاءِ نفسِه، ولسيِّده ببقاء مِلكه، (وإن عَجَزَ عنه) أي عن الكسب: بأن كان صغيراً، أو زَمِناً، أو أعمىً، أو جاريةً لا يُؤجر مِثْلُها. (أُمِرَ ببيعه) إن كان قِنًّا، لأن المملوك من أهل الاستحقاق، وفي بيعه إيفاءُ حقِّه بدون إبطال حق المولى، لقيام ثمنه خَلَفاً عنه، بخلاف المدبَّر وأمِّ الولد، حيث يُجبر على الإنفاق عليهما إذا عَجَزا عن الكسب، لأنهما عاجزان ولا يقبلان النقل من ملكه، ومنفعتُهما له فيُجبر على نفقتِهما، وبخلاف سائر الحيوانات حيث لا يُجبر على بيعها، ولا على الإنفاق عليها، لأنها ليست من أهل الاستحقاق. والمَقْضِي له لا بد أن يكون من أهله، ولكنه يُفتى فيما بينه وبين الله تعالى بأن ينفق عليها أو يبيعها، ويكون آثماً معاقباً في جهنم بحبسها عن البيع مع عدم الإنفاق عليها. ففي الحديث: «امرأة دخلتِ النار في هِرةٍ حبستها حتى ماتت، لا هي أطلقتها فتأكُل من خَشَاش الأرض (١) ، ولا هي أطعمتْها» (٢) . وعن أبي يوسف: أنه يُجبر، وهو

стр. 948

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قول مالك والشافعي. وغاية ما فيه أن يتصور فيه دعوى حُسْبة، فَيُجبِرهُ القاضي لترك الواجد. ويُقوِّيه ما في حديث يَعْلى بن مُرَّة الثَّقَفي على ما رواه البغوي: بينا نحن نسير مع النبي ﷺ إذ مررنا ببعير يُسْنَى عليه (١) ، فلما رآه البعيرُ جَرْجَرَ ـ أي صَوَّت ـ ووضَع جِرَانه ـ وهو بكسر الجيم: مُقدَّم عُنُقِه ـ فوقف عليه النبي ﷺ فقال: «أين صاحبُ هذا البعير»؟ فجاء فقال: «بِعْنِيه» فقال: لا بل أهَبه لك يا رسول الله، فقال: «لا، بِعْنِيْه» قال: لا بل نهَبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيتٍ ما لهم معيشة غيره، فقال: «أما إذ ذكرت هذا من أمره، فإنه شَكَى كثرة العمل، وقِلَّة العَلَفِ، فأحسنوا إليه». وأما غير الحيوان، كالعَقَار، والزرع، والشجر، فيُكره له أن لَا ينفق عليها حتى تفسد، للنهي عن تضييع المال. ولو كان عبدٌ بين رجلين يُجبَرَان على نفقته. وفي الدَّابة لا يجبران، فلو طَلَب أحدهما من القاضي أن يأمره بالنفقة عليها حتى لا يكون متطوعاً، فالقاضي يقول للآبي: إما أن تبيع نصيبك من الدابة، أو تنفق عليها رِعاية لجانب الشريك، هكذا ذكره الخَصَّاف. وفي «المحيط»: يُجبر صاحبه، لأنه لو لم يُجبر لتضرر الشريك. ولو امتنع المولى من الإنفاق على عبده، فتناول من مال سيده، فله ذلك إن كان عاجِزاً عن الكسب، أو قادراً عليه ونهاه عنه، وإلا فليس له ذلك. ولو أعتق عبداً زَمِناً أو صغيراً سقطت نفقته، ويجب في بيت المالِ، لأنه ليس بينهما مَحرميَّة، والله تعالى أعلم.

стр. 949

كِتَابُ العَتَاقِ === كتاب العَتَاق هو بفتح العين، العِتق والحرية وكذا العَتَاقة. وفي الشرع: قوةٌ حُكمية يَصيرُ بها المرءُ أهلاً للشهادة والوِلاية، وإثبات هذه القوة يُسمى إعتاقاً، فلا يَتَجَزَّى كالعِتقِ والرِّقِ، لقوله ﷺ «من أعتَقَ شِقْصاً له في عبدٍ، فَخَلاصُهُ عليه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مالٌ قُوِّم عليه فاستسعى العبد به غير مَشْقُوقٍ عليه». رواه الستة في كتبهم. وهذا عند أبي يوسف ومحمد. وعند أبي حنيفة: هو إزالة المِلْك عن المملوك، فيَتجزاء عنده، وكذا الكتابةُ والتَّدْبيرُ، فإنهما يتجزيان عنده، لأنهما من فُرُوعه. وذلك لظاهر قوله ﷺ «من أعتَقَ شِركاً له في عبد، وكان له مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العبدِ، قُوِّم العبدُ عليه قِيمَةَ العدل، فأَعْطَى شُركاءَهُ حِصَصَهُم وعَتَقَ عليه العبدُ، وإلا فَقَدْ عَتَق مِنه ما عَتَقَ». رواه الستة من حديث ابن عمر. وقول البخاري: قال أيوب: لا أدري أشيءٌ قاله نافع أو شيءٌ في الحديث عن النبي ﷺ يعني قوله: «وإلا فَقَد عَتَقَ منه ما عَتَق»، لا يضر إذ الظاهر، بل الواجب أنه منه، إذ لا يجوز إدراجُ مثل هذه عن غير نَصَ قاطع في إفادة أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ فلم يكن في الحديث عِلةٌ قادحةٌ، كما أجاب عنه بعض المحققين. وهو مندوب إليه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وما أدْرَاكَ ما العَقَبةُ فَكُّ رَقَبةٍ﴾ إلى قوله: ﴿أولئِكَ أصحابُ المَيْمَنَةِ﴾ (١) . وأما السنة: فما في الكتب الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «أيما امرء مسلم أعتق رقبةً مؤمنةً، أعتق الله بكلِ عُضوٍ منها عضواً من أعضائه من النار، حتى الفَرْج بالفَرْج». وروى الترمذي ـ وقال: صحيح غريب ـ عن أبي أُمَامَة عن النبي ﷺ قال: «أيما امرء مسلم أعتَقَ امرأً مسلماً، استنقذ الله بكل عضوٍ منه عضواً من النار»،

стр. 950

وهو يَصِحُّ مِنْ حَرٍ مُكلَّفٍ بِصَريْح لَفْظِهِ بِلا نِيّة: كـ: أنت حرٌ، أو مُعتقٌ، أو: عَتِيقٌ، أو: أعتقتُك، أو: مُحَرَّرٌ، أو: حَرَّرتُك، أو هذا مَوْلاي، === وفي لفظ: «من أعتق رقبةً مؤمنةً أعتقَ الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار، حتى الفَرْج بالفَرْج». وروى الترمذي ـ وقال: صحيح غريب ـ عن أبي أُمَامَة عن النبي ﷺ قال: «أيُّما امرء مسلمٍ أعتَقَ امرأً مسلماً كان فِكَاكه من النار، يُجزاء كل عضو منها عضواً منه، وأيُّما امرء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يُجزاء كل عضو منهما عضواً منه». وفي لفظ لأبي داود وابن ماجه: عن كعب بن مُرَّة عن النبي ﷺ قال: «أيُّما رجل مسلمٍ أعتَقَ رجلاً مسلماً، كان فِكَاكه من النار، وأيُّما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فكاكها من النار». وفي قوله ﷺ «أعتق الله بكل عضو» إيْمَاءٌ إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن العتق يتجزاء. وأما الإجماع: فإنه ليس لأحد في استحبابه النزاع. (وهو) أي الإعتاق (يَصِحُّ مِنْ حَرٍ) لأن المملوك لا مِلْك له، والعتقُ لا يقع إلا في الملك (مُكلَّفٍ) أي عاقلٍ بالغٍ ولو كافراً لأن العتقَ تبرُّع، وليس واحد من الصبي والمجنون بأهل له. ولهذا لو قال البالغ: أعتقت وأنا صبي، أو قال المفيقُ من جنونه: أعتقتُ وأنا مجنون، لم يقع عتق، لإسناده إلى حالة منافية. وكذا لو قال الصبي: إذا بلغت، أو المجنون: إذا أفقت فعبدي حرٌ، لأنه ليس بأهل لقول ملزم، وإنما لم يقل في ملكه كما قال غيره، لأن عِتقَ مِلك الغير موقوف على إجازة المالك. ومراده ما يصح، سواء كان نافذاً أو موقوفاً، ثم مال العبد وقت العتق لمولاه عند الجمهور. وقال الحسن، وعطاء، والنَّخَعي، ومالك، وأهل المدينة: للعبد. (بِصَريْح لَفْظِهِ) وهو لفظ يدل على العتق بالوَضْع، (بِلا نِيّة، كأنت حرٌ، أو معتَقٌ، أو عَتِيقٌ، أو أعتقتُك، أو مُحَرَّرٌ، أو حَرَّرتُك) لأن هذه الألفاظ موضوعة للإعتاق شرعاً وعرفاً، فلا يفتقر إلى نية. ولو قال: أردت الكذب، أو أنه حر من العمل صُدِّق دِيَانة ـ لأنه مُحْتَمَل كلامه ـ لا قضاءً، لأنه خِلاف الظاهر. (أو هذا مَوْلاي) (أو هذه مولاتي) (١) لأنه وصف لولاية العَتَاقة السفلى، فَيَعْتِقُ من غير نية، لأن المَوْلى لا يكون هنا بمعنى المَوَالي في الدين، لأنه مجازٌ لا دليل عليه، ولا بمعنى الناصر، لأن المالك لا يستنصر بمملوكه، ولا بمعنى ابن العم، لأن الكلام في العبد المعروف
следующие страницы →