لا لِدَين له عليه سواها، ولا الأمُّ تبيع مالَه لنفَقَتِها. وضَمِنَ مُودَعُ الابنِ لو أَنْفقها على أبويه بلا أَمْرِ قاضٍ، لا الأَبوان لو أنفقا مالَهُ عندهما.
وإذا قُضِي بنفقةِ غير العِرْس ومَضَت
===
الوارثِ الكبيرِ الغائب له ولاية الحِفظ وبيع العُرُوض، فالأب بذلك أحق لأنه أشفق، وبيعُ العُرُوض من الحفظ لأنه يُخشى عليه من التَّوَى (١) ، وحفظ الثمن أيسر وأيمن، وبعد البيع يصيرُ الثمن من جنس حقه، فله أن يأخذ منه قدْر النفقةِ. وإنما لا يبيع العَقَار لأنه مُعدٌّ للانتفاع به مع بقائه، ويحصل مقصود الأب من النفقة باستغلاله، فلا يجوز له بيعه إلا بكمال الوِلاية، وهو عند صِغَرِ الولد أو جُنُونه.
(لا لِدَين) أي لا يبيعُ الأب عَرْض ابنه لأجل دين (له) أي للأب (عليه) أي على الابن (سواها) أي سوى نفقة الأب، إذ لا ضرورة في ذلك (ولا الأم تبيع مالَه) أي مال الابن مطلقاً (لنفقتها) لأن تَمَلُّك مال الابن مخصوص بالأب، لقوله ﷺ «أنْتَ ومالُكَ لأبيك» (٢) . وفي «الذخيرة»: أن في الأقضية جواز بيع الأبوين عَرْض ابنهما. وهكذا ذكر القدوري في شرحه، بل ينبغي أن تكون هي بالجواز أولى لِضَعْفِها وكمال حاجتها، ولقوله ﷺ «أمكَ، ثم أمك، ثُمَّ أباك، ثم الأقرب فالأقرب» (٣) .
(وضَمِنَ) قضاءً لا ديانة (مُودَعُ الابن لو أنفقها) أي الوَدِيْعة (على أبويه بلا أمر قاضٍ) لتصرفه في مال غيره بدون إذنه، بخلافِ ما إذا أمره القاضي لعموم ولايته. وإذا ضَمِنَ لا يرجع على القابض، لأنه مَلَكَ بالضمان، فَظَهَرَ أنه كان متبرعاً. وإنما قلنا: إنه لا يضمن ديانة، حتى كان له أن يَحلِف بعد موت المودِع أنه لا حق لورثته قِبَلَه، لأنه لم يُردْ بذلك غيرالإصلاح. وفي «النوادر»: إذا لم يكن في مكان يمكن استطلاع رأي القاضي لا يضمن استحساناً، وقد قالوا في رجلين كانا في سفرٍ فأُغمي على أحدهما، فأنفقَ رفيقُه عليه من ماله، أو مات فَجَهَّزَه صاحبه من ماله، لم يضمن استحساناً. (لا الأبوان) أي لا يضمن الأبوان (لو أنفقا ماله) وديعة (عندهما) لأن نفقتَهُما واجبةٌ على الابن بدون القضاء، فاستوفيا حقَّهُما.
(وإذا قُضِي بنفقةِ غير العِرْس) وهم: الولد والوالدان، وذوو الأرحام (ومضت
стр. 947
مدةٌ سَقَطَت، إلا أنْ يَأذنَ القاضي بالاستدانة.
ونفقةُ المَمْلوكِ على سيِّدهِ، فإن أبى كَسَبَ وأنفَقَ، وإن عَجَزَ عنه أُمِرَ بِبيعِهِ.
===
مدة سقطت) وبه قال الشافعي وأحمد، لأن نفقة هؤلاء لكفاية الحاجة، فتسقط بحصولها، (إلا أن يأذن القاضي) لِمَنْ له النفقة (بالاستدانة) على الغائب واستدان عليه، لأن للقاضي ولايةً عامة، فصار إذنه كإذن الغائب. ولو ضاعت نفقة مُعجَّلة أو كِسْوة لذوي الأرحام، يفرض لهم مرة بعد أخرى، لتحقق حاجتهم، ولو ضاعت نفقة أو كِسوة للزوجة لا تفرض لها نفقة أخرى، لعدم اعتبار الحاجة في حقها، ولهذا تجب النفقة لها مع غناها، وبعكس هذا لو بقيت النفقةُ المفروضة في مدةٍ بعد المُدة، تُفرض للزوجات ولا تفرض لذوي الأرحام. ولو عجّل نفقةَ مدةٍ ثم مات أحدهما قبل المدةِ، يسترد في الزوجات عند محمد دون الأقارب.
(ونفقةُ المملوك) ذكراً كان أو أنثى، مدبَّراً أو أمّ ولد، لا مكاتَباً لالتحاقه بالأحرار (على سيِّدهِ) للإجماع، ولقوله ﷺ «هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليُطعِمْه مما يأكل، وليُلْبِسه مما يَلْبَس، ولا تُكلِّفُوهم ما يَغْلِبُهم، فإن كلَّفْتُموهُم فأعينُوهم». رواه الشيخان، وزاد أبو داود: «من لم يُلائمكم منهم فَبِيعُوه، ولا تُعذِّبوا خَلْق الله». ولأن نفعَه له، والغُرْمُ بالغُنْم.
(فإن أبى) السيد عن الإنفاق عليه (كَسَبَ) المملوك (وأنفَقَ) على نفسه، نظراً له ببقاءِ نفسِه، ولسيِّده ببقاء مِلكه، (وإن عَجَزَ عنه) أي عن الكسب: بأن كان صغيراً، أو زَمِناً، أو أعمىً، أو جاريةً لا يُؤجر مِثْلُها. (أُمِرَ ببيعه) إن كان قِنًّا، لأن المملوك من أهل الاستحقاق، وفي بيعه إيفاءُ حقِّه بدون إبطال حق المولى، لقيام ثمنه خَلَفاً عنه، بخلاف المدبَّر وأمِّ الولد، حيث يُجبر على الإنفاق عليهما إذا عَجَزا عن الكسب، لأنهما عاجزان ولا يقبلان النقل من ملكه، ومنفعتُهما له فيُجبر على نفقتِهما، وبخلاف سائر الحيوانات حيث لا يُجبر على بيعها، ولا على الإنفاق عليها، لأنها ليست من أهل الاستحقاق. والمَقْضِي له لا بد أن يكون من أهله، ولكنه يُفتى فيما بينه وبين الله تعالى بأن ينفق عليها أو يبيعها، ويكون آثماً معاقباً في جهنم بحبسها عن البيع مع عدم الإنفاق عليها.
ففي الحديث: «امرأة دخلتِ النار في هِرةٍ حبستها حتى ماتت، لا هي أطلقتها فتأكُل من خَشَاش الأرض (١) ، ولا هي أطعمتْها» (٢) . وعن أبي يوسف: أنه يُجبر، وهو
стр. 948
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قول مالك والشافعي. وغاية ما فيه أن يتصور فيه دعوى حُسْبة، فَيُجبِرهُ القاضي لترك الواجد.
ويُقوِّيه ما في حديث يَعْلى بن مُرَّة الثَّقَفي على ما رواه البغوي: بينا نحن نسير مع النبي ﷺ إذ مررنا ببعير يُسْنَى عليه (١) ، فلما رآه البعيرُ جَرْجَرَ ـ أي صَوَّت ـ ووضَع جِرَانه ـ وهو بكسر الجيم: مُقدَّم عُنُقِه ـ فوقف عليه النبي ﷺ فقال: «أين صاحبُ هذا البعير»؟ فجاء فقال: «بِعْنِيه» فقال: لا بل أهَبه لك يا رسول الله، فقال: «لا، بِعْنِيْه» قال: لا بل نهَبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيتٍ ما لهم معيشة غيره، فقال: «أما إذ ذكرت هذا من أمره، فإنه شَكَى كثرة العمل، وقِلَّة العَلَفِ، فأحسنوا إليه».
وأما غير الحيوان، كالعَقَار، والزرع، والشجر، فيُكره له أن لَا ينفق عليها حتى تفسد، للنهي عن تضييع المال. ولو كان عبدٌ بين رجلين يُجبَرَان على نفقته. وفي الدَّابة لا يجبران، فلو طَلَب أحدهما من القاضي أن يأمره بالنفقة عليها حتى لا يكون متطوعاً، فالقاضي يقول للآبي: إما أن تبيع نصيبك من الدابة، أو تنفق عليها رِعاية لجانب الشريك، هكذا ذكره الخَصَّاف. وفي «المحيط»: يُجبر صاحبه، لأنه لو لم يُجبر لتضرر الشريك. ولو امتنع المولى من الإنفاق على عبده، فتناول من مال سيده، فله ذلك إن كان عاجِزاً عن الكسب، أو قادراً عليه ونهاه عنه، وإلا فليس له ذلك. ولو أعتق عبداً زَمِناً أو صغيراً سقطت نفقته، ويجب في بيت المالِ، لأنه ليس بينهما مَحرميَّة، والله تعالى أعلم.
стр. 949
كِتَابُ العَتَاقِ
===
كتاب العَتَاق
هو بفتح العين، العِتق والحرية وكذا العَتَاقة.
وفي الشرع: قوةٌ حُكمية يَصيرُ بها المرءُ أهلاً للشهادة والوِلاية، وإثبات هذه القوة يُسمى إعتاقاً، فلا يَتَجَزَّى كالعِتقِ والرِّقِ، لقوله ﷺ «من أعتَقَ شِقْصاً له في عبدٍ، فَخَلاصُهُ عليه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مالٌ قُوِّم عليه فاستسعى العبد به غير مَشْقُوقٍ عليه». رواه الستة في كتبهم. وهذا عند أبي يوسف ومحمد.
وعند أبي حنيفة: هو إزالة المِلْك عن المملوك، فيَتجزاء عنده، وكذا الكتابةُ والتَّدْبيرُ، فإنهما يتجزيان عنده، لأنهما من فُرُوعه. وذلك لظاهر قوله ﷺ «من أعتَقَ شِركاً له في عبد، وكان له مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العبدِ، قُوِّم العبدُ عليه قِيمَةَ العدل، فأَعْطَى شُركاءَهُ حِصَصَهُم وعَتَقَ عليه العبدُ، وإلا فَقَدْ عَتَق مِنه ما عَتَقَ». رواه الستة من حديث ابن عمر.
وقول البخاري: قال أيوب: لا أدري أشيءٌ قاله نافع أو شيءٌ في الحديث عن النبي ﷺ يعني قوله: «وإلا فَقَد عَتَقَ منه ما عَتَق»، لا يضر إذ الظاهر، بل الواجب أنه منه، إذ لا يجوز إدراجُ مثل هذه عن غير نَصَ قاطع في إفادة أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ فلم يكن في الحديث عِلةٌ قادحةٌ، كما أجاب عنه بعض المحققين.
وهو مندوب إليه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وما أدْرَاكَ ما العَقَبةُ فَكُّ رَقَبةٍ﴾ إلى قوله: ﴿أولئِكَ أصحابُ المَيْمَنَةِ﴾ (١) .
وأما السنة: فما في الكتب الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «أيما امرء مسلم أعتق رقبةً مؤمنةً، أعتق الله بكلِ عُضوٍ منها عضواً من أعضائه من النار، حتى الفَرْج بالفَرْج». وروى الترمذي ـ وقال: صحيح غريب ـ عن أبي أُمَامَة عن النبي ﷺ قال: «أيما امرء مسلم أعتَقَ امرأً مسلماً، استنقذ الله بكل عضوٍ منه عضواً من النار»،
стр. 950
وهو يَصِحُّ مِنْ حَرٍ مُكلَّفٍ بِصَريْح لَفْظِهِ بِلا نِيّة: كـ: أنت حرٌ، أو مُعتقٌ، أو: عَتِيقٌ، أو: أعتقتُك، أو: مُحَرَّرٌ، أو: حَرَّرتُك، أو هذا مَوْلاي،
===
وفي لفظ: «من أعتق رقبةً مؤمنةً أعتقَ الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار، حتى الفَرْج بالفَرْج».
وروى الترمذي ـ وقال: صحيح غريب ـ عن أبي أُمَامَة عن النبي ﷺ قال: «أيُّما امرء مسلمٍ أعتَقَ امرأً مسلماً كان فِكَاكه من النار، يُجزاء كل عضو منها عضواً منه، وأيُّما امرء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يُجزاء كل عضو منهما عضواً منه». وفي لفظ لأبي داود وابن ماجه: عن كعب بن مُرَّة عن النبي ﷺ قال: «أيُّما رجل مسلمٍ أعتَقَ رجلاً مسلماً، كان فِكَاكه من النار، وأيُّما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فكاكها من النار». وفي قوله ﷺ «أعتق الله بكل عضو» إيْمَاءٌ إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن العتق يتجزاء.
وأما الإجماع: فإنه ليس لأحد في استحبابه النزاع.
(وهو) أي الإعتاق (يَصِحُّ مِنْ حَرٍ) لأن المملوك لا مِلْك له، والعتقُ لا يقع إلا في الملك (مُكلَّفٍ) أي عاقلٍ بالغٍ ولو كافراً لأن العتقَ تبرُّع، وليس واحد من الصبي والمجنون بأهل له. ولهذا لو قال البالغ: أعتقت وأنا صبي، أو قال المفيقُ من جنونه: أعتقتُ وأنا مجنون، لم يقع عتق، لإسناده إلى حالة منافية. وكذا لو قال الصبي: إذا بلغت، أو المجنون: إذا أفقت فعبدي حرٌ، لأنه ليس بأهل لقول ملزم، وإنما لم يقل في ملكه كما قال غيره، لأن عِتقَ مِلك الغير موقوف على إجازة المالك. ومراده ما يصح، سواء كان نافذاً أو موقوفاً، ثم مال العبد وقت العتق لمولاه عند الجمهور. وقال الحسن، وعطاء، والنَّخَعي، ومالك، وأهل المدينة: للعبد.
(بِصَريْح لَفْظِهِ) وهو لفظ يدل على العتق بالوَضْع، (بِلا نِيّة، كأنت حرٌ، أو معتَقٌ، أو عَتِيقٌ، أو أعتقتُك، أو مُحَرَّرٌ، أو حَرَّرتُك) لأن هذه الألفاظ موضوعة للإعتاق شرعاً وعرفاً، فلا يفتقر إلى نية. ولو قال: أردت الكذب، أو أنه حر من العمل صُدِّق دِيَانة ـ لأنه مُحْتَمَل كلامه ـ لا قضاءً، لأنه خِلاف الظاهر. (أو هذا مَوْلاي) (أو هذه مولاتي) (١) لأنه وصف لولاية العَتَاقة السفلى، فَيَعْتِقُ من غير نية، لأن المَوْلى لا يكون هنا بمعنى المَوَالي في الدين، لأنه مجازٌ لا دليل عليه، ولا بمعنى الناصر، لأن المالك لا يستنصر بمملوكه، ولا بمعنى ابن العم، لأن الكلام في العبد المعروف
стр. 951
أو: يا مَوْلاي، و: رأسُكَ حُرٌّ ونَحْوُه، مما عُبِّر به عن البَدَنِ وبكنَايِتهِ إنْ نوى، كـ: لا مِلك لي عليك، و: لا سبيل ولارِقّ، و: خرجتَ عن ملكي، وخَلَّيتُ سبيلَك،
===
النَّسَب، ولا بمعنى المُعْتَق، لأن إضافته إليه في العبودية ينافي ذلك، فالتحق بالصريح، فلم يحتج إلى النية. ولو قال: عنيت به المَوَالي في الدين، أو الكذب، يُصدَّق دِيَانة للاحتمال، لا قضاءً لمخالفة الظاهر.
(أو يا مَوْلاي) وإن لم ينو به العتق، لأن نداءه بهذا الوصف يقتضي ثُبُوتَه. وإثباتُه من جهته ممكن، فيثبت تصديقاً له، وكذا لو قال: يا عَتِيق، أو يا حر، إلا إن كان اسمه وناداه به، لأن مراده حينئذٍ الذات دون الوصفِ (١) ، حتى لو ناداه بلفظ آخر بمعناه عَتَق.
مثل أن يكون اسمه حراً فيقول: يا عتيق أو بالعكس، إذ الأَعلام لا تتغيَّر فيعتبر إخباراً عن الوصف. وشرط زفر النية في «يا مولاي» ونحوه. وبه قال مالك والشافعي، لأن هذا اللفظ في موضع النداء يراد به الإكرام لا التحقيق، كقوله: يا سيدي، يا مالكي، وأنا عبدك ونحو ذلك، فإنه لا يعتِق بلا نية، فكذا إذا قال: يا مولاي.
ولنا أن الكلام محمولٌ على حقيقته ما أمكن، وحقيقة قوله: يا مولاي أن يكون له عليه وَلاء، وقد تعيّن المُعتَقُ لذلك، فالتحق بالصريح، بخلاف نحو: يا سيدي، فإنه ليس فيه ذكر ما يختص بإعتاقه إياه، فكان إكراماً محضاً.
(ورأسُكَ حُرٌ ونحوه مما عُبِّر به عن البَدَنِ) كالوجه، والرأس، والرقبة. وأما الفَرْج فيختص بالأمة لقوله ﷺ «لعن الله الفُروجَ على السُّروجِ» (٢) ، لأن التحرير يقعُ في جملة الأعضاء، فلا بد من الإضافة إليها، أو إلى ما يُعبر به عنها، حتى لو أضافه إلى غير ذلك، كاليد والرجل لا يقع عندنا، خلافاً لمالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول زفر. وقد مرت المسألة في الطلاق.
(وبِكنَايتِهِ) عطف على «بصريح لفظه». وكناية العتق لفظ غير موضوع له يحتمله وغيره (إنْ نوى) الإعتاق، قَيَّد به، لأن أحد المُحتَمَلين لا يتعين إلا بالنية إزاحة للاشتباه والاحتمال، (كـ: لا مِلك لي عليك، ولا سبيل) لي عليك أو إليك (ولا رِقّ) لي عليك، (وخرجت عن ملكي، وخَلَّيتُ سبيلَك) لأن كلاً من هذه الأشياء يكون بالبيع، وبالكتابة، وبالعتق، والمُحتمِلُ لا يتعينُ فيه جهة بلا نية، فلا يعتق بدونها.
стр. 952
ولأمتِهِ: قد أطلقتك، وبـ: هذا ابني للأصْغَرِ والأكْبَرِ، لا بـ: يا ابني و: يا أخي،
===
(ولأمتِهِ) وكذا لعبده (قد أطلقتك) لأنه بمنزلة: خلَّيتُ سبيلك (وبـ: هذا ابني) عطف على «بصريح لفظه» أو على قوله: بكنايته، كما صرح به المصنف في «شرح الوقاية». وإنما ذكر حرف الباء لئلا يُتَوَهم أنه عطف على أَمثلة الكناية كما صرح به فيلزم حينئذ أنه كناية وليس كذلك، لأنه لو كان كناية لاحتاج إلى النية، وهو غير محتاج إليها (للأصْغَرِ) سناً من مالكه (والأكْبَرِ) سناً منه.
أما الأصغر إذا كان يولد مِثْلُه لمثله ولم يكن ثابت النسب من غيره، فلأنه ثَبَتَ نسبُه منه، فَيَعْتِقُ عليه وإن لم ينو، وإذا كان لا يولد مثله لمثله، أو كان ثابت النسب من غيره، فلأن الحرية لازمة للبنوة إلا أن تكون الأُم أَمة الغير. والإقرار بالشيء إقرار بلوازمه، فيكون هذا مجازاً عن الحرية فيعتِق وإن لم ينو، لأن المجاز متعين. وأما الأكبر فالمذكور قول أبي حنيفة، وأما عندهما: فلا يعتق لأنه محال، فَيُردّ كما لو قال: أعتقتك قبل أن أخلق، أُو قبل أن تُخْلق.
ولأبي حنيفة: أنه صحيح بمجازه، فيصار إليه وإن كان مستحيلاً بحقيقته، كمن حَلَفَ لا يأكل من هذه النخلة، فإنه ينصرف إلى ما يخرج منها. والإعتاق قبل الخَلْقِ إعتاقٌ قبل المِلْك، فيستحيل بالكلية. وعلى هذا الخلاف لو قال للأصغر: هذا أبي، أو هذه أمي. وفي «الذخيرة»: لو قال لغلامه: هذا عمي، أو هذا خالي يعتِق، ولو قال: هذا أخي لا يعتِق في ظاهر الرواية، لأن اسم الأخ يطلق على الأخ في الدين، قال الله تعالى: ﴿إنَّما المؤمنونَ إخوَة﴾ (١) ، وعلى الأخ في القبيلة قال الله تعالى: ﴿وإلى عادٍ أخَاهُم هوداً﴾ (٢) ، وكذا لا يعتق بـ: هذه بنتي في الأظهر. ولو قال: هذا ابني من الزنا يعتِق، ولا يثبت نَسَبُه لقوله ﵊: «الولدُ للفِرَاش وللعاهِرِ الحَجَر» (٣) .
(لا) يعتق (بـ: يا ابني و: يا أخي) على ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يعتق، والظاهر الأول، لأن المقصود بالنداء استحضار المُنادَى، فإن كان بوصف لا يمكن إثباته من جهة المُنادِي نحو: يا ابني كان لمجرد الإعلام دون تحقيق الوصف لتعذره، لأنه لا يمكن إثبات البنوة بالنداء، سواء خُلق من مائه أو من ماء غيره،
стр. 953
و: لا سُلْطَانَ لي عليك.
ولفظُ الطَّلاق وكِنَايتُه مع نية العتق، و: أنت مثلُ الحُرِّ، بخلاف: ما أنت إلَّا حُرٌّ.
===
للقطع بأنه إذا خُلق من مائه لا تثبت الابنِيَّة إلا بذلك التخلق من ذلك الماء، لا باللفظ وإن كان بوصف يمكن إثباته من جهته نحو: يا حر، كان لإثبات ذلك الوصف.
(ولا سلطان) عطف على يا ابني، أي ولا بلا سلطان (لي عليك) عندنا وإن نوى بها العتق، لأن السلطان عبارة عن اليد، وقد يبقى الملك دون اليد. كما في المكاتَب، بخلاف قوله: لا سبيل لي عليك، لأن نفيَه مطلقاً بانتفاء الملك. وتوضيحه أن السلطان عبارة عن اليد وهو ينتفي بالكتابة، والرهن والإجارة، فلا يفيد نفيه نفي الملك، فلا يعتق، وإن نوى بخلاف: لا سبيل لي عليك، لأن للمولى سبيلاً على مملوكه وإن خرج من يده بالكتابة، لأنه يطالب ببدلها، حتى لو انتفى عنه ذلك بالبراءة عَتَق، فيفيد نفي السبيل ونفي الملك وذلك بالعتق أو بغيره، فإذا نواه صح وعتق.
قال أبو بكر الرَّازي: خَرَجَ الشيخ أبو الحسن الكَرْخي من الدنيا والفرقُ بين السبيلِ والسلطانِ مُشكلٌ عليه، وقد عرفتَه. وقال بعض مشايخنا: يعتِق إن نواه كما قال مالك والشافعي وأحمد، (لأن المِثْلَ يُستعمل للمشاركةِ في بعض المعاني عُرْفاً، فلا يتعين للحرية إلا بالنية) (١) .
(ولفظ الطلاق) أي ولا يعتِق بلفظ الطلاق صريحه (و) لا (كِنَايته) ولو (مع نية العتق) وهو قول مالك ورواية عن أحمد. وقال الشافعي: يعتق بهما، وبه قال أحمد في رواية، لأن النكاح فيه معنى الرِّق. وقد ورد مرفوعاً: «النِّكاحُ رِقٌ» (٢) ، فيستعار أحدهما للآخر. ولأنه يُستباح بكل واحد منهما الوطء في محله.
ولنا: أنه نوى ما لا يحتمله لَفْظُه، فهو كما لو قال لها: كلي واشربي ونوى العتق. (وأنت) أي ولا بـ: أنت (مثلُ الحُرّ) لأن لفظ المِثْل يُستعمل للمُشاركة في بعض المعاني وللمشاركة في كلها، فوقع الشكُ في الحرية، فلا يعتِق. وقيل: إذا نوى العتق يَعتِقُ، كما لو قال لامرأته: أنت مثلُ امرأة فلان، وقد كان فلان آلى منها، فإنه يكون مولياً. (بخلاف ما أنت إلاَّ حُرٌّ) حيث يعتق، لأن الاستثناء من النفي إثبات على وجه التأكيد، فكان في هذا إثبات الحرية بأبلغ وجه.
стр. 954
ومَنْ مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه أو أعتق لوجه الله تعالى، أو للشيطان، أو للصَّنَم، أو مُكْرَهًا، أو سَكْرَان،
===
(ومَنْ مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ) أي ذا قرابة (منه) بسبب الرَّحِم. ومَحْرَمٍ صِفةُ ذا، وجَرَّه للجوار، كذا في «شرح الوقاية». ولا فرق في هذا بين كون المالك صبياً أو مجنوناً، أو كون المملوك صغيراً أو كبيراً، مسلماً أو كافراً في دار الإسلام، لإِطْلاقِ قوله ﵊: «مَنْ مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرمٍ منه عَتَقَ عليه». رواه النسائي عن ضَمْرة بن ربيعة الرَّمليّ، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن عمر مرفوعاً، وضَعَّفه بسبب انفراد ضَمْرة به عن سفيان. وصححه عبد الحق وقال: ضَمْرة ثقة، وإذا أسند الحديث ثقة لا يضر انفرادُه، ولا إرسال من أرسله، ولا وَقْف من وقفه. وصوَّب ابن القطان كلامه.
قيد بالرحم لأن المَحْرَم بلا رَحِمٍ كابنه من الرضاع لا يعتِق عليه اتفاقاً، وكذا المَحْرم بطريق المُصاهرة كأم الزوجة وبنتها الربيبة. وقيد بالمَحْرَمِ لأن الرحم بلا محرم كابن عمه لا يعتِق اتفاقاً. وقال الشافعي: لا يعتِق غير قرابةِ الوِلاد لأن العِتق على المِلك ثبت في قرابة الولاد على خلاف القياس لمكان الجُزئية، فلا يُلحق بها ما هو أنزل منها. وقال مالك: يعتق قرابة الوِلاد والإِخوة والأخوات، لأن العتق على المالك من أقوى صلات المملوك، فيختص هذا بأقرب القرابات وهي الوِلادة والأُخوة. وقال الأوزاعي: يعتِقُ كل ذي رحم ولو لم يكن مَحْرماً.
وبمذهبنا قال أحمد، والحسن البصري، وجابر بن زيد، وعطاء، والشَّعبيّ والزهري وحمَّاد، والحَكَم، والثوري، والنَّخَعي، والليث. وروي عن عمر وابن مسعود ولا يُعرف لهما مخالفٌ في الصحابة. والدليل: قوله ﵊: «من مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه فهو حر». رواه أحمد، وأبو داود، الترمذي، وابن ماجه، والحاكم في «مستدركه» عن سَمُرَة (١) . وفي «النهاية» لابن الأثير: وبه قال أكثر أَهل العِلْم من الصحابة والتابعين، وإليه ذهبَ أبو حنيفة وأصحابُه وأحمد.
(أو أعتق) عطف على مَلَك (لوجه الله تعالى أو للشيطان أو للصَّنَم) لأن العتق صَدَر من أَهْله في محله، فيعتبر وتلغو تسمية جهته، (أو) أعتق حال كونه (مُكْرَهاً أو سَكْرَان) في الأصح لوجود ركن العِتق من الأهل في المحل، كما في
стр. 955
أو أضاف عِتقه إلى مِلك، أو شرط ووُجِدَ، عَتَق، كعبد لِحَرْبي خَرَجَ إلينا مُسْلمًا.
والحمْلُ يَتْبعُ أُمَّه في المِلْكِ والرِّق، وفي العِتقِ، وفُروعِهِ،
===
الطلاق. وخَالَفَنَا في المكرَه مالك والشافعي وأحمد.
(أو أضاف عِتقه إلى مِلك) نحو إن مَلكتُ عبداً فهو حر وبه قال مالك. وخَالَفَنَا فيه الشافعي وقد بينا ذلك في كتاب الطلاق. (أو) إلى (شرط) نحو: إن قَدِمَ فلانٌ فأنت حرٌ (ووُجِدَ) ذلك الشرط (عَتَق) أي عليه، ليكون في الخبرِ ضمير عائدٌ على المبتدأ الذي هو: «مَنْ مَلَك» وإنما عتق في التعليق إذا وُجد الشرط، لأن العِتق إسقاط، فيجري فيه التعليق، وهذا لا خلاف فيه.
(كعبد) أي كعتقِ عبد (لِحَرْبي خَرَجَ إلينا مسلماً) لما روى أبو داود في الجهاد، والترمذي في المناقب وقال: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث رِبعي بن خِراش ـ بكسر المهملة والمعجمة ـ عن علي قال: خرج عُبْدَانٌ إلى النبي ﷺ يوم الحُدَيْبية قبل الصلح، فقال مواليهم: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رَغَبةً في دينِكَ، وإنما خَرَجوا هَرَباً من الرِّقِ، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردَّهم إليهم، فغضِبَ رسول الله ﷺ وقال: «ما أراكم تَنْتَهون يا معشرَ قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رِقَابكم على هذا». وأبى أن يردهم وقال: «هم عُتَقاءُ الله ».
وروى عبد الرزاق في «مصنفه» في الجهاد عن مَعْمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النَّهْدِي، عن أبي بَكْرة: أنه خَرَجَ إلى رسول الله ﷺ وهو محاصِر أهل الطائف بثلاثة وعشرين عبداً، فأعتقهم رسول الله ﷺ فهم الذين يقال لهم: العُتَقاء. وأبو بَكْرَة اسمه: نُفَيْع، كُنِّي بأبي بَكْرة لأنه نَزَل بُكْرَة النهار، وقيل: لأنه نَزَلَ بِبَكَرة.
(والحمْلُ يتبع أمه) ولا ينعكس حُكْمُه (في المِلْكِ) وهو تَمكُّن الشخص من التصرف فيه، (و) في (الرِّق) وهو الذي جعله الله تعالى جزاء الاستنكاف عن طاعة الحق، (وفي العِتقِ و) في (فروعه) أي فروع العتق وهي: الكتابة، وأمومية الولد، والتَّدبير، لأن الحَمْل وإن كان مخلوقاً من ماء أمه وأبيه، لقوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يخرُجُ مِنْ بينِ الصُّلْبِ والتَّرَائبِ﴾ (١) إلا أنَّ كون هذه أُمَّهُ يقيني في الجملة، دون كون هذا أباه. ومن هنا لمَّا سمع عبد الله بن سلام قوله تعالى: ﴿الذين آتَيْنَاهُمْ الكِتَابَ يعرفونَه كما يعرِفُونَ أبناءَهُم﴾ (٢) قال: «لَمَعرِفتي بمحمد ﷺ أشد من معرفتي بابني.
стр. 956
إلا أن وَلَدَ الأمة من مَوْلاهَا حرٌ.
فَصْلٌ في عِتْقِ البَعْضِ وغَيْرِهِ
إن أعتَقَ بَعْضَ عبدِه صَحَّ، وسَعَى فيما بقي، وهو كالمكاتَب بِلا ردٍّ إلى الرِّق لو عَجَزَ.
وقالا: عَتَقَ كُلهُ
===
قال عمر: كيف ذلك، فقال: أشهد أنه رسول الله ﷺ حق من الله تعالى، وقد نَعَتَه في كتابنا، ولا أدري ما تصنع النساء، فقال عمر: وفقك الله فقد صدقت».
ولهذا المعنى يثبت نسب ولد الزنا والملاعنة من أمُه دون أبيه، فكان ماء الأم أولى بالاعتبار. ومذهب الشافعي أن المُدَبَّرة إذا ولدت من نكاح أو زنا لا يصير ولدها مدبّراً، وإن الحامِلَ إذا دُبِّرت صار ولدها مدبَّراً. وعن أحمد وجابر بن زيد، وعطاء: لا يتبعها ولدها في التدبير، حتى لا يُعتَق بموت سيدها. واعتبروه بالتعليق بدخول الدار، وللجمهور القياس على تبعيته لأم الولد.
(إلا أنَّ وَلَدَ الأمة من مَوْلاهَا حرٌ) لأنه مخلوق من مِائِهِ فيعتِقُ عليه، ولا يعارضها ماء الأمة، لأن ماءَها مملوك له، بخلاف أمَة الغير، لأن ماءَها مملوك لسيدها، فتحققت المعارضة فرجحنا جانبها بما تقدم. والزوج قد رضي بِرِقِّ ولدها حيث أقدم على نكاح الأمة بعلمه به، بخلاف ولد المَغْرور (١) ، لأن الوالد لم يرض به. ولو تزوج هاشمي أَمة فأتت بولد فهو رقيق تبعاً لأُمه، هاشمي تبعاً لأبيه، لأن النسب للتعريف، وحال الرجال مكشوفة دون النساء.
فصلٌ في عِتقِ البعضِ وغَيْرِه
(إن أعتَقَ) مولى (بعض عبده) سواء عيّن ذلك البعض بأن قال: رُبُعُك حر، أو أبهمه بأن قال: بعضُك حر (صَحَّ) عند أبي حنيفة، ولَزِم المولى تفسير المبهم بأنه: نِصفه، أو ثُلثه، أو نحوه (وسَعَى) العبدُ لمولاه (فيما بقي) لأن ماليةَ بعضه احتُبِست عنده، فيسعى لفكِ رقبتِهِ. والاستسعاء: أن يؤاجره ويأخذ قيمة ما بقي من أُجرتِه، (وهو كالمكاتب) في أنه لا يجوز بيعه ولا هبته. ويخرج إلى العِتق بسعايته، إلا أنه (بِلا ردّ إلى الرِّق لو عَجَزَ).
(وقالا:) إن أعتق بعضَ عبده (عَتَقَ كُلهُ) ولا يستسعيه، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وقَتادة، والثوري، والشَّعبي. وعلى هذا الخلاف تدبيرُ البعض، لأنه
стр. 957
ولو أعتَقَ شريكٌ حَظَّهُ أعتق الآخر، أو اسْتَسْعاه، أو ضَمِنَ المُعتِق قِيْمة حَظِّه لا مُعْسِرًا. والوَلاءُ لهما إن أعتَقَ أو استسعى، وللمعتِق إن ضَمِنَهُ ورَجَعَ به على الَعْبدِ.
قالا: له ضمانُه غنيًا، والسِّعايةُ فقيرًا فقط، والوَلاءُ للمعتِقِ في الوجهين.
===
نوع من الإعتاق.
لهم أن مُوجبَ الإعتاق إزالة الرِّق، وهو لا يتجزأُ باتفاق، وكذا إزالته فصار كالطلاق، والاستيلاد، والعفو عن القصاص.
ولأبي حنيفة وهو قول الحسن البصري، والمَرْوي عن علي: أن موجب الإعتاق إزالة المِلك، والمِلك يتجزأ ثبوتاً كشراء نصف عبد، وزوالاً كبيعه. وأما نفس الإعتاق فلا يتجزأ بالاتفاق.
(ولو أعتَقَ شريكٌ حَظَّهُ) أي نصيبَه (أعتق الآخر) حظه إن شاء لقيام مِلْكه (أو اسْتَسْعاه) أي العبد، لاحتباس ماليته عنده أو دَبَّره، لأن التدبير نوعُ عتِقٍ، أو كاتبه، لأن الكتابة استسعاء. (أو ضَمِنَ المُعتِق) حال كونه موسراً (قِيْمة حَظِّه) أي حظ الآخر يوم العتق، لأنه جنى على نصيبه بما مَنَعَه من التصرف فيه، بما عدا الإعتاقَ وتوابعه (لا معسِراً) أي لا يضمن المعتِق حال كونه معسراً، بل إن شاء الآخر أعتق لبقاء ملكه، وإن شاء استسعى لاحتباس ماليته عند العبد، وله ولاء نصيبه لوجود عتقِهِ من جهته. ويعتبر اليَسَار يوم الإعتاق، وهو: أن يملِكَ قيمة نصيب الآخر خارجاً عن المشغول بحاجته الأصلية.
(والوَلاءُ لهما) أي للمعتِقِ وللآخر (إن أعتَقَ) الآخر (أو استسعى) لصدور العتق من جهتهما (وللمعتِق) وحده (إن ضَمِنَهُ) الآخر لصدور العتق كله من جهته، لأنه ملك نصيب الآخر بأداء ضَمَانِه (ورَجَعَ) المعتِقُ (به) أي بما ضمنه (على العبد) لقيامه بأداء الضمان مَقَام الآخر، وقد كان للآخر الاستسعاء (وقالا: له) أي للآخر (ضمانه) أي تضمين المعتِق حال كونه (غنياً) (من غير رجوع على العبد) (والسَّعاية) حال كونه (فقيراً فقط) (أي وليس له السعاية حال كونه غنياً) (١) (والوَلاءُ للمعتِقِ في الوجهين) لحصول عتق العبد كله من جهته.
ومبنى هذا الخلاف على أصلين:
стр. 958
ومن مَلَك ابنَهُ مع آخَرَ عَتَقَ حِصَّتُه ولم يضمن. وقالا: ضمن غنيًا إلا في الإرث: وإن قال لعبدَيْه: أحَدُكُما حُرٌ، فخرج واحدٌ ودخل ثالثٌ، فأعاد ومات بلا بيان، عَتَقَ ممَّن ثَبَتَ ثَلاثةُ أربَاعِه، ومن كلٍّ من غيرِه نِصفُه
===
أحدهما: أن الحرية تثبت في الكل بعتق بعضه عندهما، ولا تثبت عنده وقد بيناه فيما قدمنا.
وثانيهما: أن يَسَار المعتِقِ لا يمنعُ السِّعاية عند أبي حنيفة، ويمنعها عندهما، لما روى أصحاب الكتب الستة من حديث سعيد بن أبي عَرُوْبة، عن قَتَادة، عن النَّضْر بن أنس، عن بشِير بن نَهِيكٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من أعتق شِقْصاً له في عبدٍ، فَخَلاصُهُ في ماله إنْ كَانَ لَهُ مالٌ، فإن لم يَكُنْ لَهُ مالٌ اسْتُسعِيَ العبدُ غيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». ووجه الدلالة أنه قِسْم، والقِسْمَةُ تنافي الشركة في الإعتاق.
ولأبي حنيفة: أن ماليةَ نصيبِهِ احتُبِست عند العبد، فله أن يُضَمِّنَه، غير أنَّ العبد فقير فيسعى.
(ومن مَلَك ابنه مع) مالك (آخر) بشراءٍ، أو هِبة، أو صدقة، أو وصية، أو إرث. وصورته: أن تموت امرأة ولها عبد، وهو ابن زوجها ويرثها أخوها وزوجها (عَتَقَ حصته) أي زال مِلْكه عنها (ولم يضمن) لشريكه سواءٌ علم الشريك أنه ابنه أو لم يعلم، لأن هذا ضمان إفساد في ظاهر الرواية، فيدار الحكم على سببه.
(وقالا: ضمن) الأب حال كونه (غنياً) وسعى الابن حال كونه فقيراً (إلا في الإرث) (١) فإن الأب لا يضمن باتفاقهم (وإن قال لعبدَيْه) في صحته: (أحدكما حُر، فخرج واحدٌ) منهما (ودخل ثالث فأعاد) أي كرره وقال: أحدكما حُر (ومات) المَوْلى (بلا بيان) لمراده (عَتَقَ ممن ثَبَتَ) وأُعيد عليه القول (ثَلاثةُ أربَاعِه، ومن كل من غيره) وهو الذي خرج والذي دخل (نِصفُه) لأن الإيجاب الأول دائرٌ بين الخارج والثابت، فيتنصَّفُ بينهما، والإيجاب الثاني دائرٌ بين الثابت والداخل، فيتنصَّف بينهما، لكنَّ النصفَ الذي أصاب الثابت شائع فيه، فما أصاب النصف الذي عَتَق بالإيجاب الأول لغا، وما أصاب النصف الفارغ وهو الربع بقي، فيعتِق ثلاثة أرباعه ونصف كل من الداخل والخارج.
стр. 959
وعند محمد: عَتَقَ رُبْعُ مَنْ دَخَلَ.
وإن قال في - مرضِهِ ولم يُجز وارث -: جعل كل عبد سبعة وعتق ممن ثبتَ ثلاثة، ومن كلٍ مِنْ غيره سهمان. وعند محمد: جُعل كل ستة وعتق ممن خرج سهمان، وممن ثبت ثلاثة، وممن دخل سَهمٌ، وسعى كل في الباقي.
===
(وعند محمد عَتَق رُبْع مَنْ دخل) لأن الإيجاب الثاني لما أَوْجب عِتْقَ الرُبْع من الثابت أوجبه من الداخل، لأنه متنصّف بينهما.
وأجيب بأن في الثابت مانعاً من عتق النصف بالإيجاب الثاني، ولا مانع في الداخل.
والحاصل: أنَّ الثابت يَعْتِق منه ثلاثة أرباعه باتفاق، والخارج يعتق منه نصفه باتفاق، والداخل يعتق منه نصفه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ورُبْعه عند محمد.
(وإن قال) ذلك (في مرضِهِ) ومات بلا بيان (ولم يُجِزْ وارثٌ) ولا مال سوى العبيد الثلاثة وقيمتهم متساوية (جعل كل عبد سبعة) من الأسهم متساوية عند أبي حنيفة وأبي يوسف، كسهام العتق عندهما ليصيرَ المجموع أحداً وعشرين، فيستقيم الثُّلث والثُّلثانْ لأن العِتقَ في المرض وصية وهي من الثلث (وعَتَق ممن ثبت ثلاثة) أسهم (ومن كلٍ مِنْ غيره سَهمان، وعند محمد جُعل كل) من العبد (ستة) كسهام العتق عنده، ليصير المجموع ثمانية عشر فيستقيم الثلث والثلثان (وعَتَق ممن خرج سهمان، وممن ثبت ثلاثة، وممن دخل سَهمٌ وسعى كل) من الثابت وغيره في كل من مسألتي الصحة والمرض (في الباقي) منه باتفاق.
ولو أعتق عبيده الثلاثة في مرض موته وليس له مال غيرهم عتق من كل منهم ثلثه، وسعى في ثلثيه من قيمته للورثة إذا لم يجيزوه، لأنهم لما اشتركوا في سببه بإيقاعه عليهم، لم يَجُز حِرْمَان بعضهم، بل يُوزَّع بينهم بالسوية ولا يُقرع بينهم عندنا كما قال مالك والشافعي. واحتجا بحديث عِمران بن حُصَيْن: «أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعاهم رسول الله ﷺ فجزَّأهم أثلاثاً، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة». رواه الجماعة إلا البخاري. وهذا الحديث صحيح لكن علماءنا لم يقبلوه لانقطاعه باطناً. وقد عُلم أنَّ ما صح سنده جاز أن يضعَّف بعلة قادحة. ومن العِلَلِ: مخالفة الكتاب والسنة المشهورة، وكذا مخالفة العادة القاضية بخلافه.
стр. 960
والوطءُ والموتُ بيانٌ في طلاقٍ مُبهَمٍ، كبيعٍ وموتٍ، وتَدْبيرٍ، واستِيلادٍ وهِبَةٍ، وصدقةٍ مُسَلَّمَتَين في عتقٍ مُبهمٍ
===
قالوا: فهذا الحديث يخالف نص القرآن بتحريم الميسر، فإنه من جنسه، لأن حاصله تعليق المِلك أو الاستحقاق بالحظر، والقُرْعة من هذا القبيل، لأنها توجب استحقاق العِتق إن ظهر كذا، وعدمه إن ظهر كذا. وأما قضاء العادة بخلافه، فإنها قاضية بنفي أن واحداً يملِكُ ستة أعبدٍ ولا يملك غيرهم من درهم، ولا ثوب، ولا فَلْس، ولا دابة، ولا دار يسكنها، ولا شيء قليل ولا كثير.
فوجب رَدُّ هذه الرواية لهذه العلة الباطنة، ولذا أجمع على عدم الإقراع عند تعارض البينتين ليعمل بأحدهما، وعلى عدمِهِ أيضاً عند الخبرين. ونحن لا ننفي شرعية القُرعة في الجملة، بل نثبتها شرعاً لتطييب الفؤاد، ودفع الضغائن والأحقاد، ودفع التنازع المنجر إلى الفساد فيما بين العباد.
كما أقرع ﷺ بين نسائه ليسافر بمن خرجت قُرعتها نفياً لاتهام تخصيص (١) بَعْضِهنَّ على بعض.
والحاصل: أنها إنما تستعمل في المواضع التي يجوز تركها فيها، فإما أن يتعرف بها الاستحقاق بعد اشتراكهم في سببه (فأولى منه ظاهر التوزيع، لأن القرعة قد تؤدي إلى حِرْمان المستَحِقّ بالكلية) (٢) فإن العتق إذا كان شائعاً فيهم، يقع في كل منهم منه شيء، فإذا جمع الكل في واحد فقد حُرِم الآخر بَعْضَ حقّه. هذا زبدة كلام بعض المحققين، والله تعالى أعلم بحقائق اليقين.
(والوطءُ والموتُ بيانٌ في طلاقٍ مُبهَمٍ) كما إذا قال الرجل لامرأتيه: إذا جاء غد فإحداكما طالق، فوطء إحداهما أو ماتت، ثم جاء الغد، فإن غير الموطؤة وغير الميتة تتعين للطلاق. أما كون الوطء بياناً في الطلاق المبهم، فلما سيأتي. وأما كون الموت بياناً فيه، فلأن الميتة لم تبق بالموت محلاً للطلاق، فتتعين الأخرى له.
(كبيع) أي كما يكون البيان ببيع صحيح، أو فاسد مع القبض، أو بشرط الخيار (وموت، وتدبير، واستيلاد، وهِبَة، وصدقة مُسَلَّمَتَين) أي مقبوضتين (في عتقٍ مُبهمٍ) حتى لو قال لأَمتيه: إِحداكما حرة، أو قال: إذا جاء غد فإحداكما حرة، ثم حَصَلَ في إحداهما واحد من هذه الأشياء، فإن التي لم يحصل فيها ذلك تتعين للعتق. أما الموت فلأنه أخرج محله عن أن يكون محلاً للعِتق، فتتَعين الأخرى له. وأما البيع
стр. 961
دون وطءٍ فيه.
والشهادةُ بالعتق المُبْهم باطلةٌ، لا الطلاقِ المُبْهَم.
فَصْلٌ في الحَلِفِ بالعِتْقِ وبه على مَال
ويَعتقُ بـ: إنْ دَخَلْتُ الدارَ فكُلُّ عَبدٍ لي يومئذٍ حرٌّ، مَنْ له حين دَخَل، مَلَكه وقت الحَلِفِ أوْ لا، وبلا "يومئذ"،
===
وباقي التصرفات فلأن نفاذها يستلزم قيام مِلك اليمين، فصار كما لو صرح بأنها المملوكة (دون وطء فيه) أي ليس الوطء في العتق المبهم بياناً، وهذا عند أبي حنيفة، وبه قال أحمد.
وقال أبو يوسف ومحمد: يكون بياناً في العتق المبهم، كالطلاق، وبه قال الشافعي ومالك في رواية.
(والشهادة) على أحد (بالعتق المبهم) أي بأنه أَعتق أَحدَ عبديه أو أَمتيه في صحته (باطلة) أي مردودة وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: مقبولة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. قيّد بالعِتق المبهم، لأن الشهادة بالعتق المعين مقبولة باتفاق. وقيدنا المبهم بكونه في الصحة، لأنه لو شهد أنه أعتق أحد عبديه في مرض موته يقبل استحساناً، لأن العِتق في مرض الموت وصية، ولأن عتق المبهم في المرض يشيع فيهما بالموت حتى يعتق من كل واحد منهما نصفه، فيكون كل واحد خصماً (لا الطلاق المبهم) أي لا يبطل الشهادة على رجل بأنه طلق إحدى نسائه، بل يُجبر على تعيين إحداهن باتفاق. والله أعلم.
فصلٌ في الحَلِفِ بالعِتْقِ وبِهِ على مَالٍ
(ويَعتِقُ بـ: إنْ دَخَلْتُ الدارَ) ونحوه (فكُلُ عَبدٍ لي يومئذٍ حرٌ، مَنْ) تعين هو (له حين دَخَل) الدار ولو ليلاً سواء (ملكه وقت الحَلِفِ أوْ لا) كما تَطلُق: بِـ: إنْ دخلتُ الدار، فكل امرأة لي حينئذٍ طالق، مَنْ هي امرأته حين دخل الدار، سواء كانت امرأته وقت الحَلِفِ أوْ لا. وهو قول مالك ورواية عن أحمد في العتق دون الطلاق، لأن الشرع مُتشوِّفٌ للعتق، ولذا حرَّض عليه دون الطلاق، فإِنَّه مبغوض له.
ولنا أن المعتبر قيامُ المِلك وقت الدخول، لأن معنى «يومئذ» يوم إذ دخلت الدار، فحذف منه (الفعل وعوض منه) (١) التنوين. (وبلا يومئذ) بِأن قال: إن دخلتُ
стр. 962
مَنْ له وقتَ حَلِفِهِ فقط، لا الحملُ كل مملوك لي ذكرٌ حرٌ.
ومَنْ أُعتِقَ على مال أو به، فَقَبِلَ، عَتَقَ، والمالُ دَيْنٌ عليه.
والمُعَلَّقُ عِتقُه بالأداءِ مأذونٌ، إن أدَّى عَتَقَ، لا مكاتَبٌ
===
الدار فكل عبد لي أو أملِكه حر، يعتق (مَنْ) هو (له وقتَ حَلِفِهِ فقط) أي، ولا يعتق من هو له بعد الحَلِفِ، لأن قوله: أملِكه للحال، وكذا كل مملوك لي، لأن اللام للاختصاص، وهو مملوك له في الحال. وإلا لكان هو وغيره سواء، فيكون الجَزَاء عِتق مَنْ هو في مِلكِه في الحال، إلا أنه لما دخل الشَّرطُ عليه تأَخَّر إلى وجود الشرط.
(لا الحمل) أي لا يعتق حمل الأمة الذَّكر (بكل مملوك لي ذكرٌ حرٌ) سَواء ولد لستة أشهر من وقت القول أو لأقل منها. قيد بالذَّكر لأن المالك لو لم يَذْكُره تعتِق الأم، فيعتِقُ الولد تبعاً لها (ومَنْ أُعتِقَ) بصيغة المفعول (على مال) مثل أن يقولَ سيدٌ لعبده: أنت حر على ألف (أو) أُعتَقَ (به) أي بمال، مثل أن يقولَ: أنت حرٌ بأَلف (فَقَبِلَ) العبد (عَتَقَ) ولزمه المال، لأن هذا معاوضة، فيثبت حكمها بالقَبُول للحال (١) ، كما في البيع والنِّكاح (والمال دَيْن عليه) يصح به الكفالة، لأنه يسعى فيه وهو حر، بخلاف بدل الكِتَابة، حيث لا تصح به الكفالة، لأنه يسعى فيه وهو عبدٌ والمَوْلى لا يستوجب على عبده دَيناً.
(والمُعلَّقُ عِتقُه بالأداء) بأن قال له سيده: إن أدَّيت إليّ كذا، فأنت حرٌ (مأذون) له في التجارة، لأنه لا يتمكن من الأداء إلا بالاكتساب، وهو: إما بالشَّحذ (٢) أو بالتجارة، ويمتنع أن يراد الشِّحَاذَة والتكَدِّي للخَسَاسة (٣) ، فيتعين التجارة للنفاسة (إن أدى عَتَقَ) لوجود الشرط.
(لا مكاتَبٌ) أي ليس المعلق عِتقُه بالأداءِ مكاتباً، ولهذا لو مات وترك وفاءً، كان المالُ لمولاه ولا يؤدَّى عنه. ولو مات المولى فالعبدُ رقيقٌ يُورَث عنه مع ما في يده من أكسابه. ولو كانت أمةً فولدت ثم أدت لم يَعتِق ولدها. ولو حطّ المال أو أبرأ المَولى لم يعتق. ولو كان مكاتباً لكان الحكم على العكس. واعلم أنه لا يقتصر في قوله «إذا أديت» على المجلس، لأن «إذا» تستعمل للوقت بمنزلة «متى» ويقتصر عليه في قوله: إن أديت، في ظاهر الرواية.
стр. 963
وفي أَنْت حرٌ بعد موتي بألفٍ، إن قَبِلَ بعد موتهِ وأعتقه الوارث، عَتَقَ، وإلا لا.
وإن حرَّرَه على خدمَتِهِ سنةً، عَتَقَ. ويخدُمُه سنةً، فإنْ مات قَبْلها يجبُ قيمتُه.
وعند محمد: قِيمة خدمتِهِ.
فَصْلٌ في التَّدبيِر والاسْتِيلادِ
مَنْ أُعتِقَ بعد موتهِ مطلقًا، أو إلى مُدةٍ غَلَبَ موتُه قَبْلها:
مُدَبَّرٌ لا يُباعُ ولا يُوهبُ،
===
(وفي أنت حرٌ بعد موتي بألفٍ) أو على ألف (إن قَبِلَ) العبدُ (بعد موتِهِ) أي موت مولاه (وأعتقه الوارث) أو الوصي، أو القاضي (عَتَقَ وإلا لا) أي وإن لم يقبل العبدُ بعد موت مولاه، بل قَبِل قَبْله، أو قَبِلَ بعده ولم يُعتِقه الوارث، ولا الوصي، ولا القاضي: لم يعتق.
(وإن حرره) مولاه (على خدمَتِهِ) أي على أن يخدُمَه (سنةً) مثل أن يقول: أنتَ حرٌ على أن تخدُمني سنة، فقبل (عَتَقَ) لأن هذا عِتقٌ على عِوضٍ، والعِتقُ على عوض يقع بالقَبُول قبل الأداء (ويخدُمُه سنةً) قيده بعلى، لأنه لو قال: إن خدمُتني سنةً، لا يعتِق إلا بعد خِدمة سنة، حتى لو خَدَمه أقل منها أو أعطاه مالاً عن خِدْمته لا يعتق. وكذا لو قال: إن خدمتني وأولادي سنة، فمات بعضُ أولاده لا يعتِقُ. والفرقُ أنّ كلمة «إن» للتعليق، و «على» للمعاوضة.
(فإنْ مات) مَوْلاه، أو مات هو (قَبْلها) أي قبل الخِدْمة (يجب قيمته) عند أبي حنيفة وأبي يوسف (وعند محمد:) يجبُ (قِيمة خدمتِهِ) (١) .
فصل في التَّدْبيرِ والاستيلاد
(مَنْ أُعتِقَ) بصيغة المجهول، و «مَنْ» نَكِرَة مَوْصُوفة مبتدأ (بعد موتِهِ) أي موت سيده (مطلقاً) كإنْ قال له: أنت حرٌ بعد موتي (أو) مقيداً (إلى مُدةٍ غَلَبَ موتُه) أي موتُ سيده (قَبْلها) كإن مِتُّ إلى مِئَةِ سنة، فأنت حر، ومثل المَوْلى لا يعيش إليها غالباً (مُدَبَّر) خبر المبتدأ (لا يباعُ ولا يُوهبُ) ولا يخرج عن ملِك مولاه إلا إلى الحُرِّية. وبه
стр. 964
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال مالك.
وقال الشافعي وأحمد وداود: يُباع عند الحاجة، وكذا يُوهب ويُتَصدَّق به. لما رواه الشيخان من حديث عمرو بن دينار عن جابر: أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دُبُر ـ لم يكن له مالٌ غيره ـ فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: «مَنْ يشتريه مني؟»، فاشتراه نُعيم بن عبد الله بِثَمان مِئة درهم، فدفعها إليه. وأخرجه النسائي وقال فيه: وكان محتاجاً، كان عليه دين، فباعه النبي ﷺ وقال: «اقض بها ديْنَك». ولحديث جابر هذا ألفاظٌ كثيرةٌ. وروى أبو حنيفة بسنده: أن النبي ﷺ باع المُدبَّر.
ولنا أن قوله تعالى: ﴿أوْفُوا بالعُقُودِ﴾ (١) ، وما روى الدارقطني من حديث عَبيدة ابن حسان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «المدبَّر لا يُباع ولا يُوهب، وهو حر من ثُلُثِ المال». وقد رواه حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر من قوله، وهو الصحيح لثقة حمَّاد وضَعْفِ عَبيدة.
والحاصل: أنه ضُعِّف رَفْعُه وصُحِّح وقفه، فعلى تقدير الرفع لا إشكال، وعلى تقدير الوقف فقول الصحابي حينئذٍ لا يعارضه النص البتة (٢) ، لأنه واقعةُ حالٍ لا عموم لها، وإنما يعارضه أن لو قال رسول الله ﷺ يباع المدبَّر. فإن قلنا بوجوبِ تقليدِهِ فظاهرٌ، وأما عند عدم تقليده يجب أن يحمل على السماع، لأن منْعَ بيعه مع بقاء الرِّق على خلاف القياس، فيحمل على السماع، فبطل ما قيل: حديث ابن عمر لا يصلح لمعارضة حديث جابر. وأما قول صاحب «الهداية» أن الحديث عن رسول الله ﷺ «المدبَّر: لا يُباع، ولا يُوهب، ولا يُورث وهو حر من الثُلُثِ»، فقوله: «ولا يورث» غير معروف.
وأجيْبَ عن حديث جابر بجوابين:
أحدهما: أنه حكايةُ فِعْلٍ، فلا عموم له، فيكون مَحْمولاً على المُدبَّر المقيد، وهو يجوز بيعُه عندنا، إلا إنْ بيَّنُوا أنه كان مدبراً مطلقاً، وهم لا يقدرون على ذلك. وكونُه لم يكن له مال غيره ليس بعلة لجواز بيعه، لأن المذهب عندنا: أنه يسعى في قيمته، لما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن زياد الأعرج عن النبي ﷺ في رجل أعتق عبده عند الموتِ وترك ديناً، وليس له مالٌ قال: «يُسْتَسْعى في قيمته». ثم روى
стр. 965
ويُستخدَمُ ويُستأجَرُ، والمُدبَّرة تُوطأ وتُنْكَحُ. وإن مات سيدُهُ من ثُلثِ مالهِ، وسعى فيما زاد. وإن استغرقَ المدبَّرُ دْينَه، ففي كُلِّه.
===
عن علي نحوه سَواء. والمُرْسل يشده هذا الموقوف ويعضُدُه.
وثانيهما: أنه محمولٌ على بيع الخِدْمة والمنفعة دون الرقبة. لما روى الدارقطني عن عبد الغفار بن القاسم عن أبي جعفر قال: ذُكِرَ عنده أن عطاءً وطاوساً يقولان عن جابر في الذي أعتقه مولاه في عهد رسول الله ﷺ كان أعتَقَه عن دُبُر، فأمره أن يبيع ويقضي دينه، فباعه بثمانِ مِئَةِ درهم. قال أبو جعفر: سمعت الحديث من جابر إنما أذِن في بيع خِدْمته. انتهى. قال الدارقطني: وأبو جعفر هذا وإن كان من الثقات إلا أنَّ حديثَه مرسل. والجواب عليه (١) : أن المُرسل حجةٌ عند الجمهور، وهو كفاية في بيان المعنى اتفاقاً كما لا يخفى.
فإن قيل: عبد الغفار يُرْمى بالكذب وكان من غُلاةِ الشيعة. أُجيب بأن ابن القطان قال في كتابه: إنه مرسل صحيح، لأنه من رواية عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي (٢) عن أبي جعفر وهو ثقة.
(و) المدبَّر (يُستخدَمُ ويُستأجَرُ والمُدبَّرة) زيادة على ذلك (تُوطأ) وقال الزهري ومالك في رواية: لا توطأ. وقال الأوزاعي: إن كان لا يطأها قبل التدبير لا يَطَأُها بعده (وتنكح) لأن مِلك المولى ثابت له، وبه تستفاد هذه التصرفات من غير إبطال حق العبد. وولد المُدبَّرة مدبَّر، على ذلك نُقِلَ إجماع الصحابة كذا في «الهداية».
(وإن مات سيدُهُ) عَتَقَ (من ثُلثِ مالهِ) أي مالِ سيده من التَّرِكة يوم موته فإن كان الثُلُثُ مساوياً لقيمته أو أزيدَ منها، عَتَق المدبّرُ كله. وإن كان أنقصَ منها عتَقَ منه بَحسابِه، أي بقدر ثُلُث التَّرِكة مَجَّاناً (وسعى فيما زاد) أي على ما انعتق منه، وهو ما بقي من قيمتِهِ مدبراً. أما عتِقُ المدبَّرِ من الثُلُثِ فلحديث ابن عمر السابق. وأما سعيه فيما زاد على ما عتق منه، فلأن المدبر كالمُوصَى إليه، وهو لا يَسْلَم له شيء إلا إذا سَلِمَ للورثة ضِعْفُه.
(وإن استغرق المدبَّرُ دَينَه) أي دينَ مولاه (ففي كله) أي في جميع قيمته
стр. 966
وإن قال: إن مِتُّ في مرضي هذا، صح بيعُه، وإن وُجد الشرط عَتَقَ، كالمدبَّرِ. وأمةٌ ولدتْ من سيِّدِها فادَّعى، أو مِنْ زوجٍ فَمَلَكَها أُمُّ ولده، وحكمُها كالمُدبَّرَة،
===
يسعى، لأن الدَّين مقدمٌ على التبرع، ولا يمكن نقضُ العِتق حقيقةً، فيجب نقضه معنىً بردِّ قيمته فيسعى في قيمته (وإن قال: إن مِتُّ في مرضي هذا) أو في سفري هذا، أو في هذا الشهر، أو في هذه السنة، أو إلى عشر سنين (صح بيعُه) وما يوجب انتقالَه عن ملك مولاه قبل وجود الشرط، لأن الموتَ على تلك الحالةِ لمّا لم يكن كائناً لا محالَةَ، لم ينعقد السبب للحال، فبقي كسائر التعليقات، (وإن وُجد الشرط) وهو موت المَوْلى على الوصف الذي ذكره لانعقاد السبب مآلاً (عَتَقَ) من الثُلُثِ (كالمدبَّرِ) اتفاقاً.
(وأَمةٌ ولدتْ من سيدها) مبتدأ موصوف (فادَّعى) سيدُها ولدَها (أو من زوجٍ فَمَلَكَها) زوجها (أُمُّ ولده) خبر المبتدأ، وأم الولد يَصدُقُ لغةً على الزوجة وغيرها ممن لها ولد. وعرفاً يختص بالأَمة التي يثبتُ نسبُ ولدها من مولاها. وقال مالك والشافعي: لا تصير الأمة أم ولدٍ إذا مَلَكَها زوجُها بعد ما ولدت منه بِرِقَ (وحكمُها) عند الجمهور (كالمُدبَّرَة) فيما سبق.
وقال بِشر المَرِيسي وداود الأصفهاني: يجوز بيعُها ولا تعتِق بموت مولاها، لما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث جابر: «بِعْنَا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمرُ نَهَانَا عن ذلك فانتهينا». وقال ربيعة بتعجيل عتقِها، لما روى ابن ماجه والحاكم في «مستدركه» ـ وسكت عنه ـ من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ﷺ فقال: «أعتَقَها ولَدُها». وقال ابن القطَّان في كتابه: وقد روي بإسناد جيد عن ابن عباس قال: لما ولدتْ ماريةُ إبراهيمَ، قال رسول الله ﷺ «أعتَقَهَا وَلَدُها».
واستدل الجمهور بما روى أبو داود من حديث سَلَامة بنت مَعْقِل امرأة من خارجة قيس غَيْلان قالت: قدم بي عمي في الجاهلية فباعني من الحُبَاب بن عمرو، فولدتُ له عبد الرحمن، ثم هلك فقالت امرأته: والله الآن تباعين في دَينهِ، فأتيت
رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال رسول الله ﷺ «مَنْ وَلِيُّ الحُبَاب؟» فقيل: أخوه أبو اليَسَر كعب بن عمرو، فبعث إليه فقال: «أعتقوها فإذا سَمِعْتم برقيقٍ قَدِمَ عليَّ، فأتوني أُعَوِّضكم». قالت: فأعتقوني، فقدم على رسول الله ﷺ رقيق، فعوضهم غلاماً.
стр. 967
إلا أنها تَعتِقُ عند موته من كلِّ مالِهِ ولم تَسْع لِدَيْنِهِ.
===
وبما روى مالك في «الموطأ» عن عمر أنه قال: «أيُّما وَلِيْدةٍ وَلَدَتْ من سيدها فإنه لا يبيعها، ولا يهبُها، ويستمتع بها ما عاش، فإذا مات فهي حرة».
وبما رواه ابن ماجه عن ابن عباسٍ قال: قال رسول الله ﷺ «أيُّما أمةٍ وَلَدَتْ من سيِّدها فهي حرةٌ بعد موته». ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يُخرِّجاه. وفي رواية أبي يَعلى المَوْصِلي: «أيُّما أمةٍ وَلَدَتْ من سيدها، فإنها حرة إذا مات، إلا أن يَعْتِقَها قبل موته». وروى الدارقطني عن ابن عمر عن النبي ﷺ أن النبي ﷺ نهى عن بيع أمهاتِ الأولاد وقال: «لا يُبعْنَ، ولا يُوهبنَ، ولا يُورثْنَ، يستمتع بها سيدُها ما دام حياً، فإذا مات فهي حرة».
وأجابوا عن حديث أم إبراهيم بأنَّ ظاهِرَه تَنُجِيْزُ الحرية، وهو خلاف الإجماع، فيثبت به حق الحُرية إعمالاً للحديث بقدر الإمكان. قال الخطابي: وقد ثبت أن
رسول الله ﷺ قال: «إنَّا مَعَاشِرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما تركْنَاه صدقة» (١) .
ولو جَاز بيعُ أم الولد لَبِيْعت مارية وصار ثمنُها صدقةً. انتهى. وعن حديث جابر بأنه يحتمل أن رسول الله ﷺ لم يَشْعُرْ ببيعهم إيَّاها، ولا يكون حجةً إلا إذا عَلِمَ به وأقرهم عليه، ويُحتمل أن يكون ذلك أول الأمر، ثم نهى عنه رسول الله ﷺ ولم يعلم به أبو بكر لقصرِ مُدة خلافتِهِ، واشتغاله بأُمور المسلمين من حرب مُسَيْلِمة وأهل الرِّدَّة، ثم نهى عنه عمر لمَّا بلغه نهيُ النبي ﷺ عنه. كما قيل في حديث جابر في المتعة الذي رواه «مسلم»: كنا نستمتع بالقبضة من التمرة والدقيق الأيامَ على عهدِ رسول الله ﷺ وأبي بكر حتى نهانا عنه عمر.
ومما يدل على انعقاد الإجماع على عدم بيعهن في أيام عمر ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»: أخبرنا مَعْمَرُ، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عَبيدة السَّلْماني قال: سمعت علياً يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أنْ لا يُبَعْن، ثم رأيت بعد أن يُبَعْنَ. قال: فقلت له: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إليَّ من رأيك وحدَك في الفرْقة، قال: فضحك عليٌ كرم الله وجهه.
(إلا أنها) أي أم الولد (تعتِق عند موته) أي موت سيدها (من كل مالِهِ ولم تَسع لديْنِهِ) لما قدمنا من إطلاق رسول الله ﷺ قوله: «أعتَقَهَا ولدُها»، وقوله: «فإنها
стр. 968
ولا يثبتُ نَسَبُ الولد إلا بِدِعْوة، ثم بلا دِعوةٍ، لكن ينتفي الولدُ بالنَّفْي.
===
حرة بعد موته» (ولا يثبت نَسَبَ الولد) (١) من سيِّدها المعتَرِفِ بوطئها (إلا بِدِعوة) بكسر الدال على ما هو المشهور، أي بدعوى أن ولدها منه. وبه قال الثوري، والشَّعْبي، والحسن البصري. وقال مالك والشافعي وأحمد: يثبت نَسَبه إذا أقر بوطئها وإن عَزَلَ عنها، إلا أن يدَّعِي أنه استبْرَأَهَا بعد الوطء بحيضة، لأنه لما ثَبَتَ النسب بعقد (٢) النكاح فَلأَن يثبت بالوطء وهو أكثر إفضاءً أولى.
ولنا ما روى الطحاوي عن ابن عباس: أنه كان يأتي جارية، فحملت فقال: ليس مني، إني أتيتها إتياناً لا أريد به الولد ـ يعني كان يعزِل عنها ـ وعن زيد بن ثابت: أنه كان يطأ جاريةً فارسيةً ويعزل عنها، فجاءت بولد، فأعتق الولد وجلدها. وعنه: أنه قال لها: مِمَّنْ حملتِ؟ قالت: منك، قال: كذبتِ ما وصل إليك ما يكون منه الحمل، ولم يلتزمه زيد مع اعترافه بوطئها.
(ثم) إن جاءت بولدٍ بعد الاعتراف بالأوّل يثبتُ نَسَبهُ (بلا دِعوة) لأنه لما ادَّعى الأولَ تعين الولد مقصوداً فيها، فصارت فِراشاً له، كالمقصود عليها بالنكاح، ولهذا لو أعتقها، أو مات عنها، يلزمها العِدَّة (لكن ينتفي الولدُ بالنفي) أي بمجرد نفيه بلا لِعَان، لأن فراشها ليس بقوي، ولهذا يَملِكُ المَوْلى نقله بالتزويج، بخلاف المنكوحة حيث لا ينتفي ولدها إلا باللعان لتأكد فراشها، ولذا لا يملك الزوج نقلها بالتزويج. وفي «المبسوط»: إنما يملكُ السيد نفيَه إذا لم يقض القاضي، أو لم يتطاول الزمان، لأن قضاء القاضي مُلزم، وتطاول الزمان دليل الاعتراف.
واعلم أن هذا كلَّه في القضاء، وأما في الدِّيَانة فإن كان وطِئَها وحصَّنَها، أي حِفظَها عما يوجب رِيْبة الزنا ولم يعزِل عنها لَزِمَه أن يعترِفَ به ويدَّعيه، لأن الظاهرَ أنَّ الولدَ منه. وإن عَزَلَ عنها أو لم يحصنها جاز له أن ينفيه، لأن هذا الظاهر عارَضَهُ ظاهرٌ آخر.
وعن أبي يوسف: لو وطِئها ولم يستبرئها بعد ذلك، فجاءت بولد، فعليه أن يدَّعيَه، سواءٌ عَزَلَ عنها أو لم يعزل، حصنها أو لم يحصن، تحسيناً للظن بها، وحملاً لأمْرِها على الصلاح ما لم يتبين خلافه.
стр. 969
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعن محمد: لا ينبغي أن يدَّعي ولدها إذا لم يعلم أنه منه، ولكنه ينبغى أن يعتِق الولد ويستمتع بها، ويعتِقها بعد موته، لأن استلحاقَ ما ليس منه حرامٌ شرعاً، فَيحْتاط من الجانبين. وقد ذكر صاحب «الإيضاح» هاتين الروايتين بلفظ الاستحباب، فقال: قال أبو يوسف: أحبُّ إليَّ أن يدَّعيَه. وقال زفر: أحبُّ إليَّ أن يعتق الولدَ. قلت: وهذا هو الأحوط (١) في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
ولو ادّعى ولدَ أمةٍ مُشْتَرَكةٍ، ثبت نَسَبُه منه، وصارت كلُّها أُمَّ ولد له، ولزمه نصف قيمته لشريكه يوم العُلُوق، موسِراً كان أو معسراً، ويضمن نِصف عُقْرها (٢) ، لوقوع الوطء في نصيبِ شريكِهِ في غير المِلْك، إذ الملك يثبت حكماً للاستيلاد في نصيبه فيعقّب، ولا يضمن قيمة الولد، لأنه عَلِقَ (حُرَّ الأصل) (٣) ، إذ النَّسَب يثبت مستنداً إلى وقت العُلُوق، والضمان وجب حين العُلوق، فيحدث الولد حرّ الأصل (٤) على ملكه ولم يَعْلَق شيء منه على ملك شريكه.
وإن ادَّعيا معاً ثبت نسبه منهما، وصارت أمَّ ولدهما، وتقاصَّا (٥) في عُقْرها لعدم الفائدة في أخذ كل منهما ثم ردّه إلى الآخر، إلا أن يكونَ نصيبُ أحدهما أكثر، فيأخذ الزائد. وورث الولدُ من كل منهما إرث ابن مُؤاخذة لهما بزعمهما، وورثا منه إرث أب واحد، لأن أباه إنما هو أحدهما، لكنه غير معلوم، فوزِّع ميراثُ الأب عليهما.
ولو مات أحدهما كان ميراثُه للباقي منهما، ولا يعتبرُ عندنا قول القائفِ (٦) في إلحاقِهِ بأحدهما.
واعتبره مالك والشافعي ومَنَعَا ثبوت النسب من اثنين، لأن ثبوتَ نسب مولود من الولد بكونه مخلوقاً من مائه، ونحن نتيقن أنه غير مخلوق من ماء رجلين، لأن كلَّ واحدٍ منهما أصل للولد، كالأم بمنزلة البيضِ للفَرْخ، والحبِّ للحنطة، فكما لا يُتصور فرخٌ واحد من بيضتين، وسنبلةٌ واحدةٌ من حبتين، فكذلك لا يُتصور ولد واحد ماءين، وهذا لأن وصول الماءين إلى الرحم في وقت واحد لا يُتصور، وإذا وصل ماءُ
стр. 970
فصلٌ في الوَلاءِ
===
أحدهما إليه ينسدُ فمه، فلا يخلط إليه الثاني.
فإذا تعذر القضاء بالنَّسب منهما جميعاً، يُرجع إلى قول القائف. لما روت عائشة دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم مسروراً فقال: «يا عائشة ألم تَرَي أن مُجَزِّراً المُدْلِجِيَّ دخل وعندي أسامة بن زيد، فرأى أسامةَ وزيداً وعليهما قَطِيفةٌ (١) وقد غطَّيا رؤوسهما، وبَدَتْ أقدَامُهُما، فقال: هذه أقدامٌ بعضُها من بعض». أخرجه الستة في كتبهم. قال أبو داود: وكان أُسامة أسود، وكان زيدٌ أبيض. وروى عبد الرزاق بسنده: أنَّ رجلين اختصما في ولد، فدعا عمر القافة، وافتدى في ذلك ببصيرة القافة وألحقه بأَحَد الرجلين.
ولنا ما رواه البيهقي عن مبارك بن فَضَالة، عن الحسن، عن عمر: في رجلين وطِئا جارية في طهر واحد، فجاءت بغلام فُرُفِعَا إلى عمر، فدعا له بثلاثة من القافة، فاجتمعوا على أنه أخذ الشَّبَه منهما جميعاً، وكان عمر قائفاً، فقال: قد كانت الكلبة يتردّد عليها الأَسود، والأَصفر، والأَغرّ (٢) ، فتؤدي إلى كل كلب شَبَهه، ولم أكن أرى هذا في الناس، حتى رأيت هذا، فجعله عمر لهما يرثهما ويرثانِه، وهو للباقي منهما. وروى الطحاوي في «آثاره» عن سِمَاك ـ مولىً لآل مخزوم ـ قال: وقع رجلان على جارية في طُهر واحد، فَعَلِقت الجارية، فلم يُدر من أيهما هو، فأتيا علياً ﵁، فقال: هو بينكما يرثكما وترثانِه، وهو للباقي منكما. ورواه عبد الرزاق: أخبرنا سفيان الثوري، عن قابوس بن أبي ظَبْيان عن علي نحوه.
فصل في الوَلاءِ
وهو بفتح الواو والمد مشتقٌ من الوِلَايَةِ وهو المقاربة.
وفي الشرع: عبارة عن عَصَبةٍ مُتَرَاخية عن عُصوبةِ النَّسبِ، يرث بها المُعتِق، ويلي أمر النكاح، والصلاة عليه، وهو نوعان: وَلاءُ عَتَاقةٍ، ويُسمّى ولاءَ
стр. 971
من عَتَقَ بإعتاقٍ، أو بفَرْعٍ له، أو بمِلْك قَرِيبِه إِيَّاه، فَوَلاؤُه لسيِّدِه، وإن شَرَطَ عدمه.
ومن أعتَقَ أَمَةً زوجُها قِنٌّ، فله ولاءُ الوَلَدِ،
===
نِعمة، قال الله تعالى: ﴿وإذ تقولُ للذِي أنْعَمَ الله عليه﴾ (أي بالإسلام ﴿وأنعمت عليه﴾ (١) أي بالعتق وهو زيد بن حَارِثة. وولاء الموالاة، قال الله تعالى: ﴿والذين عَقَدَتْ أيمانُكُم فآتُوهُم نَصِيْبَهُم﴾ (٢) ، سنذكر بيان مَوْلى المُوالاة. وإنما ذَكَرَ المصنفُ ولاء العَتَاقة فقط، لأنه أكثر وأقوى فقال:
(من عَتَقَ) أي حصل له عِتقٌ وخلاصٌ من رِقَ (بإعتاق، أو بفَرْعٍ له) أي الإعتاق، كالكتابة والتَّدْبير والاستيلاد (أو بمِلْك قريبه إياه، فَوَلاؤُه لسيده) ذكراً كان أو أنثى، مفرداً أو غيره.
(وإن شَرَطَ عدمه) أي نفى ولاية لسيده. لما روى أصحاب الكتب الستة من حديث عائشة: أنها لما اشترت بَرِيْرَة اشترط أهلها أن يكون ولاؤها لهم، فسألت عائشة النبي ﷺ فقال: «أعتقيها، فإنما الوَلاءُ لمن أعتَقَ» وهو بعمومه يتناول جميع أفراده.
وما رواه الشافعي في «مسنده» عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف القاضي ـ يعقوب بن إبراهيم ـ عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «الوَلاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمة النَّسَب، لا يُباع ولا يُوهب». وله طرق أُخر، منها: ما رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي أَوْفَى. ومنها: ما رواه الحاكم في «مستدركه»، والبيهقي عن ابن عمر. وفي رواية أحمد والطبراني عن ابن عباس: «الولاء لمن أعتَقَ»، وفي رواية الشيخين، والثلاثة عن عائشة: «الولاء لمن أعطى الوَرِقَ، ووَلِيَ النِّعمة».
(ومن أعتَقَ أَمَةً زوجها قِنٌّ) (٣) فولدت لأقل من نِصف حَوْل من وقت الإعتاق، أو لأكثر منه (فله) أي للمعتِقِ (ولاءُ الولد) لأن أباه قِنٌّ لا ولاء له، وقد دخل هو مع الأم في عتقها لاتصاله بها حين العتق أو بعده، فيتبعها في الوَلاءِ إلا أنَّ ولاءها لا ينتقل في الأقل من نِصف الحَوْل أبداً، لأنا تيقنا بوجود الولد وقت العتق، فلا ينتقل ولاؤه عن مولى الأم.
стр. 972
فإن أُعتِقَ جَرّ وَلاءَ ابنه إلى قَوْمِه، إن كان بين إعتاقِ الأم وولادَتِهَا أكثرُ من نِصْفِ حَوْل. والمُعتِقُ عَصَبَةٌ، قدَّمَ النَّسَبيةَ عليه، وهو على ذي الرَّحِم،
===
(فإن أُعتِقَ) القِنُّ بعد الأُمِّ (جَرّ) القِنُّ (ولاء ابنه إلى قومه) أي مواليه (إن كان بين إعتاق الأم وولادتها أكثرُ من نِصف حَوْل) لأنه وقت الإعتاق لم يتيقن به، فلم يعتق قصداً بل تبعاً، بخلاف الأول. وهذا إذا لم تكن معتدة، لأنها لو كانت معتدةً وولدتْ لأكثر من ستة أشهر من وقت العتق، ولأقل من سنتين من وقت الفِرَاق، لا ينتقل ولاؤه، لأنه كان موجوداً عند عتق الأم، ولهذا ثبت نَسَبُه.
فقد روى مالك في «الموطأ» عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن الزبير بن العَوَّام اشترى عبداً فأعتقه وللعبد بَنُوَن من امرأة حُرَّة، فقال الزبير: هم مَوَاليَّ، وقال موالي أُمِّهم: هم موالينا، فاختصموا إلى عثمان بن عفان، فقضى للزبير بولائهم. وهذا لأن الولاء لُحْمَةٌ كلُحمةِ النسب، وهو إلى الآباء. وكما أن النسب يكون للأُمِّ (١) عند الضرورة ثم ينتقل عنها إلى الأب كولد الملاعنة يُنسب إلى أُمه، ثم إذا أكذب الأب نفسه انتقل عنها إلى أبيه، فكذلك الوَلاء يكون لموالي الأم عند الضرورة، ثم ينتقل عنهم عند زوالها إلى موالي الأب.
(والمُعتِقُ عَصَبَةٌ) بنفسه يأخذ ما بقي من أصحاب الفروض إن وُجِدوا، وجميعَ المال إذا فقدوا، لأنه أحيا العبد بالإعتَاقِ، فأشبه إحياءَ الأب بالوِلادة. (قدَّمَ) العصبة (النَّسَبية عليه) وهم: مَنْ لا فرض له، ولا يدخل في نسبته إلى الميت أُنثى (وهو) أي المعتِق قُدِّم (على ذي الرَّحِم) وفي بعض النُسخ: ذي الرَّحِمِ المَحْرَم، وهو من خطأ الناسخ. وإنما قدَّمَ المعتِقَ على ذي الرحم لما روى النسائي وابن ماجه من حديث
عبد الله بن شداد، عن ابنه حمزة بن عبد المطلب قال: مات مولىً لي وترك ابنة له، فقسم رسول الله ﷺ ماله بيني وبين ابنته، فجعل لي النصف ولها النصف.
وفي «مسند الدارمي» عن الحسن: أن رجلاً أتى النبي ﷺ برجل، فقال: إني اشتريت هذا فأَعْتِقه، فما ترى فيه؟ قال: «هو أخوك ومولاك (قال: ما ترى في صحبته؟ قال:) إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو شر له وخير لك»، قال: فما ترى في ماله؟ قال: «إن مات ولم يَدَع وارثاً فتملك ماله» (٢) . وفي رواية عبد الرزاق قال:
стр. 973
فإن مات السيدُ ثم المعتَقُ، فولاؤُه لأَقْرَبِ عصبةِ سَيِّده على الترتيب. ولا وَلاءَ للنِّساء إلا ما أَعْتقْن.
===
قال رسول الله ﷺ «إن لم يكن له عَصَبةٌ فهو لك». وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن قَتادة: أن زيد بن ثابت كان يُورِّث الموالي دون ذوي الأرحام. وعمر وابن مسعود كانا يورثان ذوي الأرحام دون الموالي.
(فإن مات السيدُ ثم المعتَقُ، فولاؤُه) أي إرثه (لأقرب عصبة سيده على الترتيب) الذي يُذكر في الفرائض، لقول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي مسعود الأنصاري، وأسامة بن زيد: الوَلاء للكُبْر. وبه أخذ علماؤنا. وكان شُريح يقول: الوَلاءُ بمنزلة الملك. وفي نُسخة بزيادة: المال. وفائدة هذا الاختلاف أن ميراث المعتَق (بالولاء بعد المعتِقِ) (١) يكون لابن المعتِق دون بنته عندنا. وعند شريح بين الابن والبنت، للذكر مثل حظ الأُنثيين.
وهذا معنى قول الصحابة: الوَلاءُ للكُبْر، أي للقرب. وتفسيره: أن رجلاً لو أعتق عبداً ثم مات وترك ابنين، ثم مات أحدهما وترك ابناً، ثم مات، فميراثه لابن المعتِقِ لِصُلْبه دون ابن ابنه، لأن ابن المعتِقِ لِصُلبه أقرب إليه من ابن ابنه، ولهذا كان أحق بميراثه، فكذلك بالإرث لولائه.
(ولا ولاء للنساء إلا ما أعتقن) كما في الحديث في «شرح الوقاية» عبارة هذا الحديث: «ليس للنساء من الولاءِ إلا ما أعتقْنَ، أو أعتَقَ من أعتقن، أو كاتبن أو كاتب من كاتبن، أو دبَّرْن أو دبَّر من دبَّرن، أو جرَّ ولاء مُعتقِهنَّ». أو معتَقِ مُعتِقِهنَّ. انتهى. وهذا ليس بموجود في كتب الحديث، وإنما فيها ما روى البيهقي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت: أنهم كانوا يجعلون الوَلاء للكُبْر من العصبة ولا يورِّثون النساء من الولاء إلا ما أعتَقْن أو أعتَقَ مَنْ أعتقن. وما روى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه قال: «لا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقْنَ أو أعتَقَ من أعتقن. وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: «لا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقْنَ أو كاتبْنَ». ورُوي نحوه عن ابن سيرين، وابن المسيَّب، وعطاء، والنَّخَعي.
والحاصل: أن هذا الحديث لا يثبت رفعه إلى النبي ﷺ لكن قال في «المبسوط»: والحديث وإن كان شاذاً، فقد تأكد بما اشتهر من أقاويل الكبار من الصحابة والتابعين ﵃. وزبدة كلامه أنه في حكم المرفوع ومقامِهِ، إذ لا
стр. 974
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يُتَصوَّر مثله من الرأي وأحكامه.
ولو مات المعتَقُ ولم يترك إلا ابنةً المعتِقُ، فلا شيء لها في ظاهر الرواية وتُوضع تركته في بيت المال. وأفتى بعض المشايخ بدفع المال إليها لا بطريق الإرث، بل لأنها أقرب الناس إلى الميت، فكانت أولى من بيت المال، وليس في زماننا بيت المال منتظماً بحسن الحال.
ولو أسلم رجلٌ على يد رجل ووالاه (١) أو والى غيره على: أنه يرثه إذا مات ويَعقِلُ عنه إذا جنى، صح هذا الولاء عندنا، ويعقل عنه إذا جنى جنايةً موجبها المال، ويرثه إن لم يكن له وارث.
ونفاه مالك والشافعي لأن الإرث متعلق بالقرابة، أو الزوجية بالنص، أو بالعتق بالحديث ولم يوجد واحد منها.
ولنا قوله تعالى: ﴿والذين عَقَدَتْ أيمانُكم فآتُوهُم نَصيبَهم﴾ (٢) أي نصيبهم من الميراث. والمراد به الموالاة. وما في «السنن الأربعة» عن تميم الدَّاري قال: يا رسول الله ﷺ ما السُّنَّةُ في الرجل يُسلم على يد رجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحْيَاه ومماتِهِ». ورواه الحاكم في «المستدرك» وقال: على شرط مسلم. وما روى ابن أبي شيبة في الدِّيات: أن رجلاً أتى عمر فقال: إن رجلاً أسلم على يدي، فمات وترك ألف درهم، فخرجت منها فقال: أرأيت لو جنى جنايةً على مَنْ يكون؟ قال: عليَّ، قال: فميرَاثُه لك. يعني الغُنْمَ بالغُرْم. وما في «المبسوط» من حديث زياد عن علي: أن رجلاً من ـ أهل الأرض ـ أي ـ البادية ـ أتاه يواليه فأبى عليٌّ ذلك، فأتى ابن عباس فوالاه. ومن حديث مسروق أن رجلاً من أهل الأرض والى ابن عم له وأسلم على يديه فمات وترك مالاً، فسأل ابن مسعود عن ميراثِهِ، فقال: هو لمولاه، ويؤخر مولى الموالاة في الميراث عن ذوي الرَّحِمِ، يعني لو كان له عمة أو خالة أو غيرهما من ذوي الأرحام، يكون أولى منه، لأن الموالاة عقدهما (ولا يلزم غيرهما) (٣) ، وذووا الأرحام وَرَثَتُهُ بنصِّ الكتاب (٤) .
стр. 975
كِتابُ المُكاتَب
الكِتابةُ: إعتاقُ المَملُوكِ يدًا حالًّا، ورقبةً مآلًا
===
كتاب المُكَاتَب
(الكِتابة) وكذا المُكَاتبة والكِتَاب مصدر كاتَبه.
وشرعاً: (إعتاق المَملُوكِ يداً حالاً) أي تصرفاً في الحال (ورقبة مآلاً) أي باعتبار المآل. ولذا قيل: المُكاتب طار من ذُل العبودية ولم ينزل بساحة الحرية. ومنه قوله تعالى: ﴿والذين يَبتَغُون الكِتَاب مِمَّا مَلَكتْ أيمَانُكم فكاتِبُوهم إن عَلِمْتُم فيهم خَيْراً﴾ (١) ، والأمر للندب عند عامة العلماء. وعن الحسن: ليس ذاك بعزم، إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب. وعن عمر: هي عَزْمة من عَزَمات الله. وقوله: ﴿خيراً﴾ أي قدرةً على إيفاء ما تعاقدا عليه. وقيل: تكسُّباً وأمانة. وقيل: صلاحاً ودِيانة. وبُني على صيغة المفاعلة، لأن الرجلَ يقول لمملوكِهِ: كاتبتُك على ألف درهم. ومعناه: كتبتُ لك على نفسي أن تَعْتِقَ مني إذا وفَّيتَ بالمال، وكتبتَ لي على نفسك أن تَفِي بذلك. أو كتبتُ عليك الوفاءَ بالمال، وكتبتَ عليَّ العِتْقَ في المآل.
واختلف الصحابة ﵃ في وقت عِتقِ المكاتَب، فكان ابن عباس يقول: كما أخذ الصحيفة من مولاه يَعتِق. يعني بنفس العقد، لأن الصحيفةَ عند ذلك تكتب، فكأنه جعل الكِتَابة واردةً على الرقبة، كالعتق بِجُعْل يعتق بالقبول وهو غريم للمولى (فيما عليه من بدَل الكتابة. وكان ابن مسعود يقول: إذا أدى قيمة نفسِهِ عَتق وهو غريم للمولى) (٢) في الفضل فكأنه اعتبر وصول قدر مالية الرقبة إلى المولى، ليندفع به الضرر عنه. وكان علي يقول: يعتِق بقدر ما أدى، فكأنه اعتبر البعض بالكل، وهو بناء على قوله: يُعتِق الرجل من عبده ما شاء. وكان عثمان، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة يقولون: هو عبد ما بقي عليه درهم.
وبه أخذ جمهور الفقهاء وقالوا: لا يعتق ما لم يؤد جميع البدل. والأصل فيه ما رواه عَمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «من كاتب عبده على مئة أُوقِيَّة فأداها إلا عشر أواق فهو رقيق». رواه أصحاب «السنن الأربعة» بألفاظ
стр. 976
فإن كاتب قِنَّهُ ولو صغيرًا يَعْقِل بمال حالٍّ، أو مُنَجَّمٍ، أو مُؤجِّل، أو قال: جعلتُ عليك ألفًا تؤديها نُجُومًا، أوّلُها كذا، وآخِرُها كذا، فإن أديتَه فأنت حرُّ، وإن عَجزْتَ فقِنٌّ، وقَبِلَ العبدُ، صَحّ، وخَرَج من يدِه
===
متقاربة. والأُوقِيّة: أربعون درهماً (١) .
(فإن كاتب) السيد (قِنَّه ولو) كان القِنُّ (صغيراً يَعْقِل) أي العقد، لأن الكتابة لا بد فيها من القَبُول، ومن لا يعقلُ العقدَ ليس بأهل له (بمال حالّ) أي معجل، مثل: كاتبتُكَ بمِئةٍ حالة، (أو) بمالٍ (مُنجَّمٍ) أي مقسط، مثل: كاتبتك بمئة تؤدي بها كل شهر كذا، (أو) بمال (مؤجل) مثل، كاتبتك بمئة تؤديها بعد شهر (٢) (أو قال: جعلتُ عليك ألفاً تؤديها نُجُوماً) متفرِّقة: (أَوّلُها كذا، وآخرها كذا، فإن أديتَه فأنت حر، وإن عَجزْتَ فقِنٌّ، وقَبِلَ العبدُ، صَحّ) العقد. هذا جوابُ الشرطِ الأول. وقيد بالقبول، لأن هذا إلزام، فلا بد من التزامه وهو بالقبول. والقياس عدم الصحة، لأن للسيد أن يضرب على عبده ما شاء من المال فيما شاء من المدة. وقوله بعد ذلك: «إن أديته فأنت حر» تعليق للعِتقِ بأداء المال، وهو لا يُوجَب الكتابة. ووجه الاستحسان: أن العبرة للمعاني دون الألفاظ والمباني، وقد أتى بمعنى الكتابة وتفسيرها هنا فتنعقد.
وقال مالك والشافعي: لا يجوز كتابة الصغير ولا الكتابة الحالّة. أما الأول: فلأن الصغير ليس بأهل للتصرف، وهذا بناءً على ما ذهب إليه من أن الإذن للصبي في التجارة لا يجوز. وأما الثاني: فلأنه عاجز عن تسليم معقود عليه، لأنه مملوك لا يقدر على شيء، وفي زمانٍ قليلٍ (٣) لا يمكنه التحصيل.
ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿والذيْنَ يَبتَغُونَ الكِتَابَ مما مَلَكتْ أيْمَانُكم﴾ (٤) فإِنه يتناول المعجَّل والمؤجَّل، والكبير والصغير الذي يتأتى منه طلبُ الكتابة. ولأن البدل في الكتابة معقود به، كالثمن في البيع. والقدرة على تسليم الثمن ليس بشرط لصحة العقد ولإمكان فرضه المال والتصدق عليه في الحال.
(وخرج) القِنُّ إذا صحت كتابته (من يده) أي يد سيده. ليتفرغ لتحصيل البدل، ولهذا ليس له منعه من الخروج والسفر وإن شرط ذلك في كتابته
стр. 977
دون مِلْكِه، وعتق مَجَّانًا إن أعتِقَ وغَرِمَ السيدُ العُقْرَ إن وَطِىَء مكاتبَتَه والأَرْشَ إن جنى عليها، أو على وَلَدِها، أو مالِهَا.
وصحَّت على حيوانٍ ذَكَرَ جِنْسَه فقط،
===
(دون مِلْكِه) أي لم يخرج من ملك سيده لما روينا. ولأنها عقدُ المعاوضة، والمبادلة ومبناها على المعادلة، ولهذا إذا عَجَزَ عن أداء بدل الكتابة يصير قِنًّا.
ولا يجب على السيد حطُّ شيء من البدل عنه، وهو قول مالك. وأوجبه الشافعي، والأصح عنه: أنه يكفي ما يقع عليه الاسم، لظاهر قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِنْ مالِ االذي آتَاكُم﴾ (١) إذ مطلق الأمر للوجوب، وهو قول عثمان رضي الله تعالى عنه.
ولنا: أنه عقد معاوضة فيعتبر بسائر المعاوضات، حيث يكون العقدُ موجِباً للبدل لا لإسقاطه، إذ الشيء لا يتضمن ضدهُ والأمر في الآية للندب دون الحتم، فإنه معطوف على الأمر المذكور في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهم﴾ (١) وذا ندبٌ، فكذا هذا، لأن حُكمَ المعطوف حكمُ المعطوف عليه. وذكر الكَلْبي أن المراد دَفْع الصدقة إلى المكاتبين، فيكون خطاباً للناس بصرف الصدقة إليهم، ليستعينوا بذلك على أداء بدل المكاتبة، كما قال الله تعالى في بيان صَرْف الصدقات: ﴿وفي الرِّقَابِ﴾ (٢) أي في فَكِّها. والمراد: المكاتبون، والدليل عليه أنه قال: ﴿من مال الله﴾ والمضافُ إلى الله مطلقُ الصدقة.
(وعَتَق) المكاتب (مجّاناً) أي بلا عِوَض (إن أُعتِقَ) لأنه ما التزم البدلَ إلا ليحْصُلَ له العتق، وقد حصل. (وغَرِمَ السيد العُقْر) بالضم: دِيَةُ الفرجِ المغصوب، وصداق المرأة كذا في «القاموس». وقال بعض الشراح: أي قدر ما تُستأجر به المرأة على الزنا لو كان الاستئجار حلالاً (إن وطاء مكاتبَتَه) لاختصاص المكاتب بمنافعه وأكسابِهِ (والأَرْشَ) أي وغَرِمَ المولى أيضاً أرْشَه، أي دِيَتَه (إن جنى) السيد (عليها، أو على ولدها، أو مالها) أي إن تعدّى على مالها ضمِنه، لأنه بعقد الكتابة صار كالأجنبي منها، ومنفعة بُضعِها ملحقة بجُزئها، فيجب عليه العُقر بوطئها، وينتفي الحَدُّ للشُّبهة.
(وصحت) الكتابة (على حيوانٍ ذَكَرَ جنسه فقط) أي ولم يذكر نوعه، ولا
стр. 978
ويؤدي الوَسَطَ أو قيمتَه، وفَسدَتِ على قيمتِهِ وعلى خَمْرٍ، أو خِنزير من المُسلمِ. وصحَّ للمُكاتبِ البيعُ والشراءُ والسَّفرُ وإنكاحُ أَمَتِه، وكِتَابةُ قِنِّه.
وله ولاؤُه إنْ أدَّى بعد عتِقِه، ولسيدِهِ إن أدى قَبْلَه، لا
===
وصفه، كعبد أو جارية، لأن الكتابة مبنية على المساهلة، فلا تفسد بيسير من الجهالة، كالنكاح، وصارت كجهالة الأجل في الكتابة (ويؤدي الوَسَطَ) من ذلك الحيوان (أو قيمتَه) والخيار للعبد.
(وفَسدَتِ) الكتابة (على قيمتِهِ) أي قيمة القِنِّ، لأنها مجهولةُ القدر لاختلافها باختلاف (١) المقوِّمِينَ، ومجهولة الجنس لأنها تعتبر بجنس الثمن، وهو النقدان، ولم يتعين واحد منهما، فكانت جهالة فاحشة، فصارت كما إذا كاتبه على ثوب أو دابة (وعلى خَمْرٍ، أو) على (خِنزير من المسلم) لأن واحداً منهما ليس بمتقوَّم في حق المسلم، فلا يصير مستحقًّا له بالتسمية. وتسميةُ ما ليس بمتقوَّم فيما يحتاج إلى تسمية البدل، تُوجب فساد العقد كالبيع، بخلاف النكاح حيث لا يفسُدُ بتسمية أحدهما، لأنه لا يحتاج لصحته إلى تسمية البدل، حتى يجوز بلا تسميته.
(وصح للمُكاتب البيعُ والشراءُ) لأن تحصيل المال بهما غالباً (والسَّفرُ) لأنهما قد لا ينفعان في الحضر وإن شرط عليه المولى عدَمَه استحساناً، لأنه شرط مخالف لما اقتضاه العقد من مالكيّته يداً (وإنكاح أمته) لاكتسابه مهرَهَا وسقوط نفقتِها عنه، بخلاف تزويج المكاتبة نفسَها، لأن ملك المولى قائمٌ فيها يمنعها من الاستيلاد (٢) والاستقلال، ولأن فيه تَعييبَها، وقد تَعجِزُ فيكون في ذلك ضررٌ على المولى (وكِتَابةُ قِنِّه) استحساناً لأنها من الاكتساب، فيملكها كالبيع، بخلاف الإعتاق على المال، فإنه إثبات الحرية للحال، وهو لا يقدر على ذلك. وبه قال مالك خلافاً لزفر والشافعي، وهو القياس، لأنها تَؤُول إلى العتق، وهو ليس من أهله، كالإعتاق على مال.
(وله) أي للمكاتب (ولاؤُه) أي ولاء قِنِّه الذي كاتبه (إن أدى) ذلك القنُّ كتابته (بعد عتِقِه) لأن الوَلاء لمن أعتَقَ، وهو أهلٌ للولاءِ عند عِتقِ قِنِّه بالأداء، ومِلْكُه فيه تام، فيثبت له (ولسيدِهِ) أي لسيد المكاتب ولاؤه (إن أدى قَبْلَه) أي قبل عتق المكاتَبِ، لأنه لما تعذر جعل المكاتب مُعتَقاً لعدم أهليته للإعتاق، خَلَفَه فيه أقرب الناس إليه وهو مولاه، كالعبد المأذون إذا اشترى شيئاً لا يَمْلك، لعدم أهليته، ويخلفه فيه مولاه (لا
стр. 979
تَزَوُّجُه ولا هبتُه ولو بِعِوضٍ ولا تَصَدُّقه، إلا بيَسير، وتكفُّلُهُ، وإقراضُه، وإعتاقُ عَبْدِه، وبَيْعُ نَفْسِ عَبْدٍ منه، وإنكاحُه، والأبُ، والوصِيُّ في رقيقِ الصَّغير كالمكاتَب.
وإذا عَجَزَ عن أداءِ نَجْم، إن كان له وجهٌ سيصلُ إليه لا يُعَجِّزه الحاكم، ويُمْهِله إلى ثلاثة أيام، وإلّا عَجَّزَه، وفَسَخَها بِطَلبِ سَيِّدِه أو سيدُه برضاه،
===
تَزَوُّجُه) لا يصح للمكاتب أن يتزوج بغير إذن مولاه، لأنه ليس من الاكتساب، لما فيه من شَغْلِ ذمتِهِ بالمهر والنفقة، ولأنه مملوكه رقبةً (ولا هبتُه ولو بِعِوضٍ) لأنها تبرُّع ابتداءً، وهو لا يملكه.
(ولا تَصَدُّقه) لأنه تبرع مَحْض (إلا بيَسير) لأن ذلك من ضرورات التجارة، إذ لا يجد بُداً من ضيافة وإعارة ليجتمع عليه التجارة. ومن ملك شيئاً، مَلَكَ ما هو من توابِعِه وضرورته، (و) لا (تكفُّلُهُ) بمال أو نفس، (و) لا (إقراضُه) لأنهما تبرعٌ محض، وليسا من ضرورات التجارة ولا من الاكتساب، (و) لا (إعتاقُ عبده) ولو بمال، لأنه إسقاط المِلْك عن العبد بدين في ذمته وهو مفلس، فليس من باب الاكتساب، ولأنه فوق الكتابة. والشيء يتضمن ما دونه لا ما فوقه ولا مِثْله (و) لا (بَيْعُ نفس عبد منه) لأنه عِتقٌ بمال (و) لا (إنكاحُه) أي تزويج عبده، لأنه تعييب له ونقص لماله بلزوم المهر والنفقة.
(والأب والوصي في رقيق الصغير كالمكاتب) في هذه التصرفات، فيملِكان تزويجَ أمتِه وكتابَة عبده، لأن في ذلك نَظَراً له، ولا نَظَرَ في سواهما والولاية نظرية. ولأنهما يملِكان الاكتساب للصغير كما يملِكه المكاتب، وهذا من الاكتساب (وإذا عَجَزَ) المكاتب (عن أداء نَجْم إن كان له وجهٌ سيصلُ إليه) منه شيء، بأن كان له دين يَقبِضُه، أو مال يَقْدُم عليه (لا يُعَجِّزه الحاكم) بطلب مولاه (ويُمْهِله إلى ثلاثة أيام) لأن السُّنَّة في الكتابة التأجيل والتيسير، والثلاث هي ضُرِبَتْ لإيلاء الأعذار، كإِمهال الخصم للدفع، والمديون للقضاء، ولا يُزاد عليها.
(وإلا) أي وإن لم يكن له وجه سيصل (عَجَّزَه) الحاكم في الحال (وفَسَخَها بطلب سيده أو) فسخها (سيدُه برضاه) أي رضا المكاتب، لأن الكتابة تقبل الفسخَ بلا عذر بالتراضي، فمع العذرِ أولى. وقيل: يُعَجِّزُه مولاه بدون رضاه، لتحقق العَجْزِ وتوهم التحصيل. وقال أبو يوسف: لا يُعَجِّزُه حتى يتوالى عليه نجمان، لأنه عقد إرفاقٍ، حتى كان أحسنه مؤجله. وحالةُ الوجوبِ بعد حُلول نجم، فلا بد من إمهال مدة استيساراً، وأولى المدة ما اتفق عليه العاقدان. ولقول علي ﵁: إذا تتابع
стр. 980
وعاد رِقُّه.
وما في يدِهِ لِسيِّدِه، فإن مات وقضى البَدَلَ من مالِهِ، وحُكِم بموتِهِ حُرًا والإرثُ منه، وعَتَقَ بَنِيْه وُلِدُوا في كتابَتِهِ أو شَرَاهم، أو كُوتِبَ هو وابنُه، صغيرًا أو كبيرًا بِمرَّةٍ، وطَابَ لسيِّدِه إن أَدَّى إليه
===
على المكاتب نجمان، فلم يؤد نجومه عاد (١) في الرِّق. رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» والبيهقي في «سننه» (وعاد رِقُّه) أي أحكامه كما كانت، لأن الكتابة قد انفسخت (وما في يده لسيده) لأنه ظهر أنه كَسْبُ عبده.
(فإن مات) المكاتب عن وَفَاءٍ لم تُفسَخ كتابتُه، لأنها عقدُ معاوضةٍ لا يُفسخ بموت أحد المتعاقدين، وهو المولى، فلا تُفسخ بموت الآخرِ (وقضى البَدَلَ) أي بدل الكتابة (من مالِهِ، وحُكم بموتِهِ حُراً) لأن البَدَلَ بموته انتقل إلى تَرِكَتِه كسائر الديون، فإذا أدى منها صار كأدائه بنفسه قبل الموت (والإرث منه) أي وحُكم بإرث ورثتِهِ منه ما بقي من ماله (وعَتَقَ بَنِيْه) أي وحُكم بِعِتقِ أَولاده حال كونهم (وُلِدُوا في كتابته أو) حال كونهم (شَرَاهم أو) حال كونه (كُوتِبَ هو وابنه، صغيراً) لأن هؤلاء يتبعونهم في الكتابة، فيتبعونه في عتقها، (أو) حال كونه كوتب هو وابنه (كبيراً بمرة) أي بكتابة واحدة، لأنهما صارا باتحاد الكتابة كشخص واحد، فإذا حكم بعتق أحدهما في وقت، حكم بعِتْقِ الآخر فيه.
والحاصل: لا تبطلُ الكتابةُ عندنا بموت المكاتَب قبل أداء البدل. وهو قول علي وابن مسعود، خلافاً لمالك والشافعي. وهو قول زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمر. أخرج البيهقي عن الشَّعْبي قال: كان زيد بن ثابت يقول: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، لا يرثُ ولا يُورث. وكان علي يقول: إذا مات المُكاتبَ وترك مالاً، قُسِم ما ترك على ما أدى وعلى ما بقي، فما أصاب ما أدى فلورثته، وما أصاب ما بقي فلمواليه. وكان عبد الله يقول: يؤدي إلى مواليه ما بقي من مكاتَبتِهِ، ولورثته ما بقي. ورَوى ابن يونس في «تاريخ مصر» بسنده إلى قَابُوس بن أبي المُخَارِق (٢) قال: كنت عند محمد بن أبي بكر وهو على مصر والٍ لعلي بن أبي طالب، فكتب إلى علي في مكاتب مات وترك مالاً، فكتب إليه علي: خذ منه بقية مُكاتبتِهِ فادفعها إلى مواليه، وما بقي فَلِعصبتِهِ.
(وطَابَ) ما أدى المكاتب (لسيِّدِه) الذي ليس بمَصْرِف للصدقة (إن أدى إليه
стр. 981
من صَدَقةٍ، فعَجَزَ.
ولا تنفَسِخُ بموت السَّيِّدِ وأدَّى البدلَ إلى ورَثته على نُجومِهِ، وإن أعتَقَه بعضُهم لا يصح، وإن أعتقوه عَتَقَ مجّانًا.
===
منْ صَدَقةٍ) تصدَّق بها عليه (فعَجَزَ) لأن المِلْك قد تبدُّل، وتَبَدُّلُ الملكِ كتبدلِ العين. أشار إلى ذلك النبي ﷺ في حديث بَرِيْرَة حيث قال في اللحم الذي تُصدِّق به عليها: «هو لها صَدَقَةٌ ولنا هدية» (١) ، وصار كالفقير يموت عن صدقة أخذها، حيث تطيب لوارثه الغني، وكالفقير إذا استغنى حيث يَطيْبُ له ما أَخذه من الزكاة حالة الفقر، وكابن السبيل إذا أخذ الصدقَةَ ثم وصل إلى ماله ومعه شيء منها، حيث يَطيبُ له، لأن المُحَرَّمَ على الغني هو الأخذ، وهو ليس بموجود ممن أخذ حالة الحاجة ثم استغنى. ولو أباح الفقير للغني أو الهاشمي عينَ ما أخذه من الزكاة لا يَطيبُ له، لأن المِلْك لم يتبدَّل.
(ولا تنفَسِخُ) الكتابة (بموت السيد) لأنها حقُ العبد، فلا تبطلُ بموت سيده كالتدبير، وأُمُوميَّة الولد، وأجل الدَّين إذا مات الطالب (وأدى) المكاتب (البدل إلى ورثته على نجومه) لأن النجوم أجل الكتابة، وهو حق المطلوب، فلا يبطل بموت الطالب، كأجل الدَّين بخلاف موت المطلوب، لأن ذمته خَرِبت وانتقل الدين إلى تركته وهو عين. وهذا إذا كاتبه وهو صحيح، وأما إذا كاتبه وهو مريض فلا يَصِحُ تأجيله إلا من الثلث.
(وإن أعتَقَه) أي المكاتب (بعضُهم) أي بعض الورثة (لا يصح) لأنه لم يَملِكْه، إذ لم يقبل النقلَ من مِلك إلى ملك، ولا عِتقَ بدون المِلْك (وإن أعتقوه عَتَقَ مجّاناً) والقياس: أن لا يعتِق، لأنهم لم يملكوه، ولهذا لا يكون للإناث منهم الولاء فيه، ولو ملكوه لكان الولاء لهنَّ. ووجه الاستحسان: أنّ هذا إبراءٌ عن بدل الكِتَابة، لأنه حقُهم، وقد جرى فيه الإِرث، أو إقرار بالاستيفاء منه، فتبرأ ذمته فيعتق، كما لو أبرأه المولى عن بدل الكِتَابة كله. ويشترط أن يُعتِقُوه في مجلسٍ واحدٍ، حتى لو أعتَقَه بعضهم في مجلس وبعضهم في مجلسٍ آخر لم يَعتِقْ على الصحيح.
стр. 982
كِتَابُ الأَيْمَانِ
===
كتاب الأيْمَان
اليمين في اللغة: القوةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿لأخَذْنَا منه باليمينِ﴾ (١) ، والجَارِحةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وأصحاب اليمين﴾ (٢) ، والحَلِفُ، ومنه قوله تعالى: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لهم﴾ (٣) .
وفي الشريعة: تقوية الخبَرِ بذكر الله، أو بالتعليق. وسببها: قصدُ الحالف إظهارَ صِدْقه في قلب السامع، أو حمل نفسه على الفعل أو الترك. وشرطها: كونُ الحالف مكلفاً. ورُكنها: اللفظ الذي ينعقد به اليمين. وحكمها: البَرُّ حال بقاءِ اليمينِ، والكفَّارة عند فوات البَرِّ. وهي نوعان: يمين بالله، ويمين بغيره.
فالأُولى مشروعة بالكتاب، وهو قوله تعالى حكاية: ﴿وتَااِ لأكِيْدَنَّ أصنامَكُم﴾ (٤) و ﴿تَااِ لقدْ آثَرَكَ اعلينا﴾ (٥) . وبالسنة وهو قوله ﵊: «والله لأغزون قريشاً» (٦) ، وبالإجماع.
وكذا بغير «الله» مشروعة: وهي تعليق الجزاء بالشرط، نحو: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ أو فأنتَ حرٌ وما أشبه ذلك، لأنه التزمَ حُكماً بالشرط وله ولاية إلزامه (٧) . وهو ليس بيمين وصفاً وإنَّما سُمِّيَ يميناً في عرف الفقهاء لحصول ما هو المقصود باليمين بالله، من الحمل على الشرط أو المنع عنه، فكان يميناً. حتى لو حلف أن لا يحلِفَ فعلَّق بالطلاق ونحوه يحنَث. والحَلِفُ بغير الله مكروه لقوله ﵊: «من حَلَفَ بغير الله فقد أَشْرك». رواه أحمد والترمذي والحاكم في «مستدركه» عن ابن عمر.
стр. 983
هي ثلاثٌ: فحَلِفُه على فِعْلٍ أو تَرْكٍ ماضٍ، كاذبًا عمدًا، غَمُوسٌ، يأثمُ به. وظانًّا أنه حقٌّ، وهو ضِدُّه لغوٌ، يُرجى عَفْوُه
===
(هي) أي اليمين التي اعتبرها الشارع ورتب عليها الأحكام (ثلاثَ:) وإلا فمطلق اليمين أكثر من الثلاث، كاليمين على الفعل الماضي صادقاً. والمراد بترتب الأحكام عليها ترتُّبَ المُؤاخذة على الغَمُوس، وعدَمَها على اللغو، والكفارة على المُنعقدة.
(فَحَلِفُه) مبتدأ (على فِعْلٍ) أراد به المصدر أعم من أن يكون قائماً بالعقلاء أو بغيرهم، نحو: واللَّهِ لقد هَبَّتِ الريح (أو تَرْكٍ) أي عدمِ فعلٍ (ماضٍ). وفي «الإيضاح» و «التحفة»: أن اليمين الغَمُوس يكون على الحال أيضاً، نحو: والله ما لهذا عليَّ دينٌ، وهو يعلمُ خلافَه. والتحقيق أنه داخلٌ في ماضٍ حكماً.
(كاذباً عمداً) حالان من الضمير في حَلِفِه (غَمُوسٌ) خبر المبتدأ. وسميت هذه اليمين غموساً لانغِماس صاحبها في الإثم، ثم في النار (يأثم به) أي بهذا الحلف، لما روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ «الكَبَائرُ: الإشراك بالله، وعقوقُ الوالدينِ، وقتلُ النَّفْس، واليمينُ الغَمُوس». وروى ابن حِبَّان في «صحيحه» من حديث أبي أُمَامَة قال: قال رسول الله ﷺ «من حَلَفَ على يمينٍ هو فيها فَاجرٌ ليقتَطِعَ بها مال امرءٍ مسلمٍ حَرَّم الله عليه الجنة، وأدخله الله النار».
ورواه الشيخان من حديث ابن مسعود بلفظ: «لقي اللَّهَ وهو عليه غضبان». وروى أبو داود من حديث عِمران بن حُصَيْن قال: قال رسول الله ﷺ «من حَلَف على يمينٍ مَصْبُورةٍ كاذباً فليتبوأ بوجهه مقعده من النار». والمَصْبُورة: اللازم من جهة الحكم، ذكره الخطَّابي. وفي «الصحاح»: تبوأت منزلاً، أي نَزَلْت. وأما ما في «الهداية» من قوله ﵊: «من حَلَفَ كاذباً أدخَلَه الله النارِ» فغيرٌ معروفٍ.
(وظانّاً) عطفٌ على كاذباً، أي حَلِفُه على فِعْلٍ أو تَرْكِ ماضٍ حالَ كونِه ظاناً (أنه حقٌ، وهو ضِدُّه) أي غير حقٍ (لغوٌ) رُوِي هذا عن ابن عباس وعن زُرَارة بن أبي أوْفَى. وفي «المعرفة» للبيهقي: نحوه عن عائشة قالت: هو حَلِفُ الرجل على علمه، ثم لا يجده على ذلك. وفي «مصنف عبد الرزاق» نحوه عن مجاهد قال: هو أنَّ الرجل يَحلِفُ على الشيء يرى أنه كذلك، وليس كذلك. وهو أيضاً قول مالك. (يُرجى عفوه) كذا قال محمد، وعبارته: فهذه يمينٌ نَرجُو أن لا يُؤاخِذَ الله بها صاحبها.
стр. 984
وعلى آتٍ مُنعَقِدَةٌ.
وكفَّر فيه فقط إن حَنِثَ
===
فإن قيل: ما معنى تعليق نفي المؤاخذةِ بالرجاء. وعدم المؤاخذة باللغو منصوصٌ عليه لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ باللغوِ في أيْمَانِكم﴾ (١) ؟.
أجيب بأن المنصوصَ عليه عدم المؤاخذة بما هو لغو في نفس الأمر، والمعلقُ بالرجاء عدم المؤاخذة بما هو لغو على هذا التفسير، لأنه قيل في تفسير اللغو أقوال أُخر. فروى البخاري في «صحيحه» عن هشام بن عروة عن عائشة في قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اباللغوِ في أيْمَانِكُم﴾ قالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. وهو رواية عن أبي حنيفة وقول محمد والشافعي. ورُوِي عن الشافعي أنه فسّر اللغو بالخالي عن القصد، سواء كان في الماضي أو الآتي، بأن قصد التسبيح، فجرى على لسانه اليمين.
وحكى محمد عن أبي حنيفة أن اللغو ما يجري بين الناس من قولهم: لا والله، وبلى والله. لما روى أبو داود عن عطاءٍ قال: قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ قال: «هو كلام الرجل في بيته: كـ: لا والله: وبلى والله». وتأويله عندنا فيما يكون خبراً عن الماضي، فإن اللغو ما يكون خالياً عن الفائدة. والخبرُ الماضي خالٍ عن فائدة اليمين التي هي الحظر أو الإيجاب، فكان لغواً. فأما الخبرُ في المستقبل فإن عَدِمَ القصد لا يَعْدَم فائدة اليمين. وقد ورد الشرع بأن الهزل والجِدّ في اليمين سواء. وقال الشَّعبي ومَسْرُوق: اليمين اللغو أن يحلِفَ على (معصية فيتركها لاغياً بيمينه. وعن سعيد بن جُبَيْر: هو الرجل يحلف على) (٢) الحَرَام بأن يُحَرِّمَ على نفسه ما أحلَّ الله له من قولٍ أو عملٍ، فلا يُؤَاخِذُ اللهاُ بتركه. وعن النّخَعي والحسن: أن الرجل يحلِف على الشيء ثم ينسى.
(وعلى) فعل أو ترك (آتٍ) أي مستقبل (مُنعَقِدَةٌ) وإعادةُ «على» لطول الفصل. وهذا أولى مما قال في «شرح الوقاية». ولو قال: وآت بلا لفظ «على» ليكون عطفاً على ماضٍ، لكان أولى كما لا يخفى.
(وكفَّر فيه) أي في الحَلِفِ على آت (فقط) أي ولم يُكفِّر في الغَمُوس (إن حَنِثَ) لأن الكفارة لرفع الذنب الحاصل بالحِنْث، وذنبُه حصل بأصل يمينه، فيجب
стр. 985
ولو سَهْوًا أو كَرْهًا، حَلَفَ أو حَنِثَ.
===
عليه التوبة والاستغفار. وقال الشافعي: يُكفِّر في الغموس أيضاً وهو قول الزهري، لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اباللغو في أيْمانِكُم ولكنْ يُؤَاخِذُكُمْ بما كُسَبتْ قُلوُبكم﴾ والغَمُوسُ مكسوبةٌ بالقلب.
ولنا قوله تعالى: ﴿ولكنْ يُؤَاخِذُكُمْ بما عقَّدتُم الأَيمانَ فكفَّارَتُه إطعامُ عَشَرَةِ مساكين﴾ (١) حيث رُتِّبَت الكفارة على المعقودةِ والغموس غير معقودة. ومذهبنا قول ابن مسعود، وابن عباس، وابن المُسيَّب، والحسن البصري، والأوزَاعِي، والثوري، والليث، وأبي عُبيد، ومالك، وأحمد. وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» بإسناد جيد عن رسول الله ﷺ في حديث طويل قال فيه: «خمسٌ ليس لهنَّ كفارة: الشرك بالله، وقتلُ النفس بغير حق، ونَهْبُ مؤمن، والفِرارُ من الزَّحف، ويمينٌ صابرةٌ يقتطع بها مالاً بغير حق». ويؤكده قول ابن مسعود: كُنّا نَعُدُّ اليمين الغموس من الأيْمَان التي لا كفارة فيها.
(ولو سَهْواً) وفي معناه النسيان، بل أولى (أو كَرْهاً) بخلاف النائم، فإنه لا يصح يمينه كما في «المجمع» (حَلَفَ أو حَنِثَ) خلافاً لمالك والشافعي وأحمد في الحَلِفِ بطريق السهو أو الإكراه. وخلافاً للشافعي في أصح القولين، ولأحمد في رواية في الحنث بطريق السهو أو الإكراه، لقوله ﵊: «رُفِعَ عن أمتي الخطأُ والنِّسيانُ وما استُكْرهوا عليه» (٢) .
ولنا أن الشرط هو الفعلُ وقد وجد. والفعل الحقيقي لا يصير معدوماً بالنسيان والإكْرَاه، ولقوله ﵊ حين حَلّف المشركون صفوان وابنه: «نَفِي لهم بعهدهم، ونستعينُ الله عليهم»، فبين أن اليمينَ طوعاً وكَرهاً سواء.
وقوله: «رُفِعَ» محمول على رفع الإثم، وهو لا يقتضي عدم الكفَّارة كما حُقق في فعل الخطأ والنسيان في الصلاة، ومحظورات الإحرام. ويُتَصور النسيان في الحلف بأن حلف أن لا يحلف، فنسي فحلف. وأما السهو فمعناه الخطأ، كأن يريد أن يقول: اسقني الماء، فيقول: والله لا أشرب الماء. وأما ما في «الهداية» من قوله ﵊: «ثلاث جِدُّهن جِدّ وهَزلُهن جِدّ: النكاح، والطلاق، واليمين» فغير معروف. وإنما المعروف ما رواه أصحاب «السنن الأربعة» من حديث أبي هريرة، وحسنه الترمذي