على أنها من دار الإسلام، بل دار كفر، لأنهم وإن أذنوا لأولئك المسلمين بتطبيق بعض الأحكام الإسلامية، فإنما يخدعونهم بذلك، لأنهم لا يرون من تطبيقها ضرراً على حكمهم الكافر، وإذا رأوا ما لا يرضيهم من المسلمين، بذلوا الوسع والطاقة، في القضاء عليهم وعلى أحكامهم.
ولكن لا يلزم من إطلاق اسم دار الكفر على ألبانيا ومن سلك مسلكها، كفر سكانها من المسلمين.
كما أن بعض الديار معظم سكانها من غير المسلمين فيستولي عليها المسلمون، ويطبقون فيها أحكام الإسلام فتنقلب دار إسلام، وهكذا لا اعتبار بالقلة والكثرة. فالبلاد التي يحكمها ويتسلط عليها الطواغيت من الكفرة الفجرة، والغلبة فيها لأحكامهم مع قلتهم، وليست للمسلمين مع كثرتهم، والاستضعاف فيها من القلة الكافرة الغالبة، للكثرة المسلمة المغلوبة، فكيف يمكننا أن نطلق على تلك البلاد دار إسلام، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ .١
ولا بأس أن نسمي تلك الدول التي يكثر فيها المسلمون ولكن السلطة وغلبة الأحكام للكفار، بلاداً إسلامية، تجاوزاً، وحثاً للمسلمين
стр. 107
على السعي الجاد، لإظهار أحكام الإسلام فيها، وجهاد حكامها الكفرة، وإزالة عروشهم التي تسلطوا بها على المسلمين، أما أن نسمي تلك البلدان التي يتسلط عليها الحكام الكفرة، والغلبة فيها لأحكامهم الشركية مع قلتهم، وليست للمسلمين مع كثرتهم، دوراً إسلامية، بمعنى أنه لا فرق بينها وبين دار الإسلام التي يحكمها المسلمون، وتغلب فيها الأحكام الإسلامية، فهذا هو التحريف بعينه، والسبب الذي جعل سكان تلك البلدان من المسلمين، يسترخون، ويتكاسلون، وينامون عن إعداد العدة، والقيام بجهاد طغاة الكفر في بلدانهم، لينالوا السلطة، ويطبقوا أحكام الشريعة الإسلامية فيها.١
ومما ينبغي العلم به أن أحكام الإسلام لا يمكن ظهورها ووجودها في بلد يحكمه الكفار، إلا إذا عني بالظهور هو ظهور بعض الشعائر بعد الإذن من حكام الكفر تفضلاً منهم، وبهذا لا يجوز لنا أن نطلق على تلك البلاد التي لا تزهر فيها أحكام الإسلام، إلا بعد الإذن، والتفضل من طغاة الكفر، دار إسلام.
لأن إظهار أحكام الإسلام وتطبيقها في تلك البلدان لا بد لها من سلطان إسلامي يحميها من الاعتداء عليها بإلغائها، وعلى أهلها بقتلهم، وتشريدهم، وما دام أنه لا يوجد في تلك البلدان سلطان للمسلمين يستطيعون به إظهار أحكام دينهم، في كل شؤونهم وحماية أحكامه،
стр. 108
وأنفسهم، من الاعتداء عليها، فإنهم معرضون في أي وقت للاعتداء عليهم، والحول بينهم وبين إظهار أحكامهم الإسلامية.
فالسلطة، والهيمنة الإسلامية، شرط أساسي أولي، لأن تكون الدار دار إسلام، والشرط الثاني هو تطبيق الأحكام الإسلامية ويأتي تبعاً للشرط الأول، فما دام أن الحاكم مسلم، والسلطة والهيمنة بيده، فبلا شك أن راية الإسلام سترتفع وأحكامه ستطبق بدون إعاقة.
وعلى العكس من ذلك إذا كان الحاكم كافراً، والسلطة والهيمنة بيده، فلا ترتفع راية الإسلام ولن تطبق أحكامه.
فالبلد الذي غالب سكانه من المسلمين، ويجرون فيه بعض الأحكام الإسلامية، ولا يكفي ذلك لأن تكون تلك البلد دار إسلام، ما دام أن السلطة فيها للكفار وغلبة الأحكام لهم.
أما ما نقل عن بعض الحنفية أن الدار تعتبر دار إسلام إذا كان المسلمون فيما آمنين، والكفار خائفين، فالحكم عندهم مبني على الأمان والخوف لا على الإسلام والكفر.
وفي هذا يقول الكاساني: "إن المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام، أو الكفر، ليس هو عن الإسلام، أو الكفر، وإنما المقصود هو الأمن، أو الخوف. ومعناه أن الأمان إن كان للمسلمين على الإطلاق، والخوف للكفرة على الإطلاق، فهي دار إسلام، والعكس بالعكس، والأحكام مبنية على الأمان والخوف لا على الإسلام والكفر، فكان
стр. 109
اعتبار الأمان والخوف أولى".١ فالظاهر أنه موافق لما قاله الجمهور.
وقد اعتبر هذا بعض العلماء أنه مخالف لما قاله الجمهور، من أن الدار تعتبر دار إسلام إذا ظهرت فيها الأحكام الشرعية الإسلامية، وكانت السلطة فيها إسلامية، ولو كان معظم سكانها من غير المسلمين، ولكني أقول أنه لا أمان للمسلمين في أي بلد إذا لم تكن السلطة والسيطرة لهم، ولن يتمكنوا من تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، والتطبيق الحقيقي إذا لم تكن السيادة والهيمنة، في تلك البلد لهم.
وبهذا يكون ما نقل عن بعض الحنفية موافق لما قاله الجمهور، وما ذكره الكاساني من أنه لاعتبار بالإسلام أو الكفر، هو عين ما ذكره الجمهور، بأنه لا اعتبار بكثرة المسلمين وقلتهم، فالشرط الأساسي لاعتبار الدار دار إسلام هو غلبة الأحكام الإسلامية فيها، وسيطرة وتسلط المسلمين عليها، ولو كان المسلمون قلة والكافرون كثرة.
стр. 110
الفرع الثاني: الدور التي تشملها دار الإسلام والتي لا تشملها
أولا: دار العدل تعتبر هذه الدار من دار الإسلام، لأن العدل قائم فيها بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بين جميع أهلها بالمساواة بينهم.١
ثانيا: دار أهل الذمة إذا انفردوا بدار لوحدهم تعتبر من دار الإسلام وقد صرح الفقهاء أن الذميين من أهل دار الإسلام.
فقال الكاساني: "الذمي من أهل دار الإسلام"٢ ومعنى هذا أن الذميين يعتبرون من أفراد شعب دار الإسلام، حتى ولو انفردوا بدار لوحدهم، فهم من تبعة هذه الدار ويتمتعون بكامل الحرية في دار الإسلام كالمسلمين، بعد تنفيذ الشروط التي تشترط عليهم عند عقد الذمة.
وقال السرخسي: "لأن المسلمين حين أعطوهم الذمة، فقد التزموا دفع الظلم عنهم وهم صاروا من أهل دار الإسلام".٣
وقال ابن الهمام: "ولأنه بعقد الذمة صار من أهل الدار".٤
وقال ابن قدامة:"الذمي من أهل الدار التي تجري عليه أحكامها"٥
стр. 111
وقال ابن حزم: "ودارهم أي دار أهل الذمة دار الإسلام لا دار شرك".١
وبهذا يتضح أن الفقهاء متفقون على أن أهل الذمة يعتبرون من أهل دار الإسلام، وإذا انفردوا بدار لوحدهم كانت دارهم هذه من دار الإسلام لأنها تجرى عليها الأحكام الإسلامية وتحت سلطان المسلمين.
ومما ينبغي الإشارة إليه أن العلماء يعتبرون كل دور الإسلام دار واحدة ولو اختلف حكامها، أو شعبها، أو لهجاتها، وصارت دولا شتى، فلا تأثير لذلك كله ما دامت تخضع لأحكامها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وبناء على هذا تكون الدور الإسلامية، وطن لكل مسلم مهما كانت جنسيته، وحيثما كان ميلاده، يتمتع فيها بكامل الحرية الإسلامية، وفي هذا يقول الماوردي: "ودار الإسلام تعتبر وطن المسلمين جميعا وكذلك الذميين، باعتبارها إقليم الدولة ذات السلطة المركزية الموحدة".٢
أما الدور التي لا تشملها دار الإسلام: فهي:
أولا: دار الردة:
المرتد هو: الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر سواء ولد على فطرة الإسلام أو أسلم بعد أن كان كافرا.٣
стр. 112
فإن كانت الردة من جماعة وانحازوا إلى دار ينفردون بها عن المسلمين، حتى يصيروا فيها ممتنعين، فتصبح دارهم دار ردة، ويجب قتالهم على ردتهم بعد الإنذار، وإيضاح دلائل الإسلام، كما فعل أبو بكر ﵁ عندما قاتل المرتدين بعد وفاة النبي ﷺ حتى أرجعهم إلى الإسلام. فدارهم لا تعتبر دار إسلام.
ثانيا: دار البغي:
هي الدار التي تفرد بها جماعة من البغاة الخارجين عن طاعة الإمام بحجة تأولوها، ويرون أن الإمام على باطل، يوجب قتاله في نظرهم ثم أنهم تحصنوا في تلك الدار، وأقاموا عليهم حاكما منهم وصار لهم بها جيش وقوة.١
فهؤلاء البغاة إن أمكن مصالحتهم، ودفع شرهم، بالعدالة وتبيين الطريق الحق لهم الذي يجب أن يتبعوه، فلا يجب على الإمام مقاتلتهم وإن لم يمكن ذلك وجب على الإمام مقاتلتهم حتى ترجع هذه الفئة الباغية إلى دين الله. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ .٢ فدارهم إذا انفردوا بها لا تكون دار إسلام.
стр. 113
المبحث الثاني: في سكان دار الإسلام من غير المسلمين
المبحث الثاني: في سكان دار الإسلام
يسكن دار الإسلام نوعان من الناس:
النوع الأول: المسلمون وبيانهم لا يحتاج إلى تعريف.
النوع الثاني: غير المسلمين - المعاهدون وهم على صنفين:
المطلب الأول: الصنف الأول الذميون وفيه ثمانية فروع:
الذميون وهم غير المسلمين الذين يلتزمون أحكام الإسلام العامة، ويدفعون الجزية، ويقيمون إقامة مؤبدة في دار الإسلام.
ولسكان دار الإسلام سواء كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين كالذميين والمستأمنين العصمة في أنفسهم وأموالهم، لأن العصمة في السريعة الإسلامية تكون بأحد أمرين بالإيمان أو الأمان، ومعنى الإيمان الإسلام فمن أسلم فقد عصم دمه وماله بالإسلام.
لحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وما جئت به، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".١
فالرسول ﷺ يبين لنا في هذا الحديث أن من نطق بالشهادتين فهو معصوم الدم والمال.
стр. 114
ومعنى الأمان العهد، ويكون بعقد الذمة، وبالموادعة، والهدنة، ومن دخل في أمان المسلمين بعقد من عقود الأمان، فقد عصم دمه، وماله، بالأمان ولو بقي على غير دين الإسلام.
فسكان دار الإسلام من المسلمين تحصل عصمة دمائهم وأموالهم، بالإسلام.
وسكان دار الإسلام من غير المسلمين من الذميين والمستأمنين تحصل عصمة دمائهم وأموالهم بالأمان.١
стр. 115
الفرع الأول: تعريف الذمة والمراد بأهلها
تعريف الذمة في اللغة:
الذمة في اللغة هي: العهد والأمان، والضمان والكفالة.
من أذمه يذمه إذا جعل له عهداً، وقولهم هذا في ذمة فلان أي في عقده وعهده، وقولهم في ذمتي كذا أي في ضماني، والجمع ذمم.
وسمي الذمي ذمياً، لأنه يدخل في أمان المسلمين وعهدهم.١
قال ابن الأثير: الذمة العهد والأمان والضمان.
وسمي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم.٢
وقال أبو عبيد: "الذمة الأمان٣ لقوله ﷺ "يسعى بذمتهم أدناهم".٤
стр. 116
وقال الجرجاني: "الذمة لغة العهد لأن نقضه يوجب الذم".١
أما تعريف عقد الذمة شرعاً:
فهو إقرار الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام الأحكام الإسلامية.٢
وأهل الذمة هم الذين يسكنون دار الإسلام من غير المسلمين بعقد مؤبد، يعقده الإمام أو نائبه، ويخضعون به للأحكام الإسلامية، ويؤدون الجزية، مقابل الحفاظ على أرواحهم، وأعراضهم، وأموالهم، من قبل المسلمين.
وقد أطلق عليهم لفظ أهل الذمة إشارة إلى أنهم في ذمة المسلمين وعهدهم.
ولأنهم عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله ما داموا مقيمين في دار الإسلام.
وأهل الذمة كما يرى الكثير من الفقهاء من أهل دار الإسلام، ومن ثم يعدون من الرعايا الذين يقيمون في دار الإسلام.
وإذا انفردوا بدارهم فيطلق على دارهم هذه أنها دار إسلام لأنها محكومة باسمه، وحاكمها مسلم، ينفذ الأحكام الإسلامية العامة على أهل الذمة.
стр. 117
الفرع الثاني: في مشروعية عقد الذمة مع بيان الحكمة من مشروعية عقدها
لقد ثبت مشروعية عقد الذمة بالكتاب والسنة والإجماع:
أولاً: دليل المشروعية من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .١
وجه الدلالة من الآية:
أن الله في هذه الآية الكريمة، يأمرنا بقتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى - الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يتبعون شرعه فيما حرم من المحرمات، ولا يدينون دين الإسلام - حتى ينطقوا بالشهادتين ويدخلوا في الإسلام عقيدة وعبادة، أخلاقاً ومعاملة، فإن أجابوا الدخول في الإسلام كانوا من المسلمين، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين من الحقوق والواجبات.
أما إن رفضوا الدخول في الإسلام طولبوا بإعطاء الجزية عن ذل وهوان، والخضوع للأحكام الإسلامية العامة، ويتركون على دينهم دون التعرض لهم بشيء.
стр. 118
ثانياً: دليل المشروعية من السنة:
١- ما روى عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: لجند كسرى يوم نهاوند١ "أمرنا نبينا ورسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية".٢
وجه الدلالة من الحديث:
في هذا الحديث يخبرنا المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ يأمر بقتال الكفار حتى يسلموا أو يعطوا الجزية.
وقال الشوكاني: "فيه إخبار من المغيرة بأن النبي ﷺ أمر بقتال المجوس حتى يعطوا الجزية".٣
٢- عن بريدة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين خيراً وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم".٤
стр. 119
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث ظاهر الدلالة فالرسول ﷺ يبين لنا في الحديث أن المسلم إذا لقي عدوه من المشركين خيره بين خصال ثلاث: إما الدخول في الإسلام، فإذ أجابوا كف عن قتالهم، وإن لم يجيبوا طلب منهم إعطاء الجزية، فإن أجابوا كف عن قتالهم، فإن بم يجيبوا الدخول في الإسلام أو إعطاء الجزية استعان بالله وقاتلهم.
٣- عن ابن عباس ﵄ قال: "مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبي ﷺ وشكوه إلى أبي طالب فقال: "يا ابن أخي ما تريد من قومك قال: "أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، قال كلمة واحدة؟ قال: كلمة واحدة قولوا لا إله إلا الله، قالوا: إلهاً واحداً ما سمعنا بهذا قي الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. قال: فنزل فيهم القرآن ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قوله ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ ".١
وجه الدلالة:
أن الرسول ﷺ ذكر لقريش أنهم إن أسلموا وقالوا لا إله إلا الله تدين لهم العرب بالإسلام، وتؤدي إليهم الجزية من غير العرب وهم العجم إذا لم يسلموا.
стр. 120
ثالثاً: الإجماع:
أجمع العلماء على مشروعية عقد الذمة وأخذ الجزية من غير المسلمين من أهل الكتاب اليهود والنصارى ومن المجوس.١
قال ابن مفلح: "الإجماع قائم على قبول الجزية لمن بذلها من أهل الكتاب ومن يلحق بهم وإقرارهم بذلك في دار الإسلام".٢
ج- الحكمة من مشروعية عقد الذمة:
إن الحكمة التي من أجلها شرع عقد الذمة مع غير المسلمين، هو أن هذا العقد قد يحملهم على الدخول في الإسلام لمخالطتهم للمسلمين والتعرف على آداب الإسلام، ومحاسنه، وليس المقصود من عقدها تحصيل المال فحسب.٣
قال صاحب مغني المحتاج: "وليست الجزية مأخوذة في مقابلة الكفر ولا التقرير عليه، بل هي نوع إذلال لهم، ومعونة لنا، وربما ذلك يحملهم على الدخول في الإسلام مع مخالطة المسلمين الداعية إلى معرفة محاسن الإسلام.٤
стр. 121
الفرع الثالث: في بيان معنى الجزية وكيفية أخذها
أما الجزية فهي مشتقة من الجزاء إما جزاءاً على كفرهم لأخذها منهم صغاراً وهذا هو المعنى الصحيح.
أو جزاءً على أماننا لهم، وهي على وزن فعلة من جزى يجزي إذا قضى قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ ١ وتقول العرب جزيت ديني إذا قضيته.٢
أما الجزية في الشرع: فهي المال المأخوذ من الذميين على وجه الصغار كل عام، بدلاً عن حمايتهم وإقامتهم بدار الإسلام.٣
وبعد أن عرفنا معنى الجزية التي هي شرط من شروط عقد الذمة نتعرف إلى كيفية إعطائها، وقد بين الله هذه الكيفية عندما قال: ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٤ أي أذلاء مقهورين مهانين.
فالآية توضح أن الجزية وضعت صغاراً وإذلالاً للكفار، وعقوبة لهم
стр. 122
على كفرهم، فالكافر عندما يرفض عزة الإسلام ورفعته، ويرضى بمذلة الكفر وإهانته، تعينت بحقه العقوبة ليحصل بها زجره عن كفره، وهذه العقوبة على نوعين:
وهو لا يخرج عن أحدهما عقوبة خفيفة وهي إعطاء الجزية عن صغار وإذلال، وعقوبة أشد وهي عقوبة القتل، حتى أن بعض العلماء كالقاضي أبي يعلى قد صرح بأنه إذا لم يتحقق بحق الكافر الذل والهوان لا تعقد معه الجزية.
أما ما قاله علماء الإسلام عن معنى الصغار المذكور في آية الجزية فهو على النحو التالي:
فقال المفسرون عن معنى الصغار بأنه الذل والهوان.
فقال الرازي: " ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فالمعنى أن الجزية تؤخذ منهم على الصغار وهو الذل والهوان".١
وقال ابن الجوزي: "الصاغر الذليل الحقير".٢
وقال ابن كثير: " ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي ذليلون حقيرون مهانون فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تلك الشروط
стр. 123
المعروفة في إذلالهم، وتصغيرهم، وتحقيرهم.١
وقال الطبري: " ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أذلاء مقهورين يقال للذليل الحقير صاغر".٢
وقال الكيا الهراس٣:"الصغار هو النكال وصف بذلك لأنه يصغر صاحبه بأن يدفعوها عن قيام والآخذ لها قاعد ويعطيها بيده ماشياً، غير راكب، إلى الوالي الطالب.
وفائدة هذين الشرطين الفرق بين ما يوجد منهم مع كفرهم وبين ما يوجد من المسلمين من الزكاة فكما يقترن بالزكاة المدح والإعظام والدعاء له.
فيقترن بالجزية الذل والذم، ومتى أخذت على هذا الوجه كان أقرب إلى الإقلاع عن الكفر، فهو أصلح في الحكمة، وأولى بوضع الشرع".٤
وقال الشوكاني: "الصغار الذل، والمعنى أن الذمي يعطي الجزية
стр. 124
حال كونه ضاغراً، قيل وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب، ويسلمها وهو قائم، والمستلم قاعد، وبالجملة ينبغي للقابض للجزية أن يجعل المسَلَّم لها حال قبضها صاغراً ذليلاً".١
وقال النيسابوري: "صاغرون معناه أنه لا بد مع أخذ الجزية من إلحاق الذل، والصغار بهم، والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الأذى، فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عز الإسلام، وذل الكفر، ويسمع الدلائل، فالظاهر أن مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام".٢
ووافقهم المحدثون وشراح الحديث على هذا المعنى: فقال الإمام البخاري في صحيحه بعد أن ذكر آية الجزية: "صاغرون يعني أذلاء".٣
وقال ابن حجر: "الصاغر الذليل الحقير".٤
وقال صاحب تحفة الأحوذي: "صاغرون ذليلون حقيرون".٥
وهذا المعنى هو الذي فهمه علماء الفقه، إلا أن البعض قال: بأن الصغار هو جريان أحكام الإسلام عليهم.
стр. 125
وفي هذا يقول ابن الهمام: "الجزية وجبت عقوبة على الكفر، ولهذا سميت جزية، وهي والجزاء واحد، وهو يقال على الثواب بسبب الطاعة، وعلى العقوبة بسبب المعصية، ولا شك في انتفاء الأول ولهذا أخذت بطريق الإذلال، بل هذا ضروري من الذين فتعين أنها عقوبة على معصية الكفر١، ووافقه غيره من فقهاء الحنفية.٢
وقال فقهاء المالكية: "بأن الصغار هو الإذلال".٣
أما فقهاء الشافعية: فقال البعض تؤخذ الجزية على سبيل الصغار لهم، وهو الإذلال، والإهانة، بأن يكون الذمي قائماً، والمتسلم الذي يأخذها جالساً، لأنها في مقابلة تقريرهم على الكفر.٤
وقال البعض الآخر بأن الصغار هو جريان أحكام الإسلام عليهم لامتناعهم عن الإسلام، فإذا جرى عليهم حكمه، فقد أصغروا، أي أذلوا وأهينوا.٥
وقال الماوردي: "صاغرون لها تأويلان: أحدهما أذلاء مستكنين، والثاني: أن تجري عليهم أحكام الإسلام".٦
стр. 126
وأيضاً فقهاء الحنابلة فهموا من الصغار بأنه الذل والهوان وأن الجزية عقوبة واجبة بسبب الكفر.١
فقال البهوتي: "الصغار الذلة والامتهان".٢
وقال ابن القيم: "عن يد في موضع نصب على الحال أي يعطوها أذلاء مقهورين، وهذا هو الصحيح في الآية، وعليه جميع الناس، وأبعد كل البعد، ولم يصب مراد الله من قال المعنى عن يد منهم أي عن قدرة على أدائها، فلا تؤخذ من عاجز عنها، وهذا المعنى غير صحيح وحمل الآية عليه باطل، ولم يفسر به أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا سلف الأمة، وإنما هو من حذاقة بعض المتأخرين.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ حال أخرى، فالأول حال المسلمين في أخذ الجزية منهم، أن يأخذوها بقهر وعن يد، والثاني حال الدافع لها أن يدفعها وهو صاغر ذليل".٣
وروي عن الإمام أحمد أنه قال: كانوا يجرون في أيديهم ويختمون في أعناقهم إذا لم يؤدوا الصغار الذي قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .
وقال في رواية أخرى: يستحب أن يتعبوا في الجزية، قال القاضي ولم يرد تعذيبهم، ولا تكليفهم فوق طاقتهم، وإنما أراد الاستخفاف بهم وإذلالهم.٤
стр. 127
وقال الظاهرية: "الصغار هو أن يجري حكم الإسلام عليهم وأن لا يظهروا شيئاً من كفرهم، ولا مما يحرم في دين الإسلام".١
وقد اتفقت أيضاً أقوال أهل اللغة على أن الصغار هو الذل والهوان، والحقارة، والصاغر الراضي بالذل.٢
وفي هذا يقول الراغب: "الصغار الذل والصاغر الراضي بالمنزلة الدنية".٣
وقال ابن الأثير: "الصغار الذل والهوان".٤
стр. 128
الفرع الرابع: حالة الكافر عند إعطاء الجزية والرد على من قال إن الصغار ليس هو الذل والهوان
وخلاصة الكلام أن الكفار عند إعطاء الجزية لهم حالتان:
الحالة الأولى: حالة المسلمين في أخذ الجزية منهم وهي أن يأخذوها على سبيل الله القهر والعزة.
الحالة الثانية: حالة الدافع لها وهو أن يدفعها وهو صاغر ذليل وحقير.
وأيضاً فإن العلماء جميعاً قد اتفقوا على أن الصغار الذي ذكره الله في كتابه هو الذل والهوان.
والسبب في احتقار وإذلال الدافع للجزية هو كفره بالله، لأن الكفر يذل صاحبه ويحقره.
فالكافر عندما يدعى إلى الإسلام الذي فيه العزة والرفعة، والذي فيه السعادة الدنيوية والأخروية لجميع البشر، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ .١، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .٢، ويرفض عزة الإسلام ورفعته، ويرضى بمذلة الكفر وحقارته،
стр. 129
فمن أجل ذلك يكون ذليلاً ومهاناً عند إعطاء الجزية، التي هي عقوبة على الكفر، فإذا كان الكفر ذلاً وحقارةً فكيف بصاحبه الذي يرتضيه دينا ويأبى سواه وهو الإسلام ذو الرفعة والعزة والكرامة.
وما قيل من أن الصغار ليس هو الذل والهوان كما قال النووي: "تؤخذ الجزية برفق كأخذ الديون، فالصواب الجزم بأن هذه الهيئة باطلة ومردودة على من اخترعها وهي بأن الصغار الذل والهوان" ١. وقد وافقه الكثير من العلماء المعاصرين على أن الجزية ليست عقوبة ولوناً من ألوان العقاب على الكفر أو عدم الإيمان بالله، وليست إذلالاً لغير المسلمين وإنما هي كرامة لأهل الكتاب.٢
ولكن يمكن أن يقال لمن قال: بأن الصغار ليس المراد به في الآية الذل والهوان بأن الذل والهوان هو المعنى الدائم الصغار لا ينفك عنه، وهذا هو ما اتفقت عليه أقوال جماهير أهل العلم.
حتى أن البعض قال: إن الله مد القتال إلى غاية وهي إعطاء الجزية مع الصغار وهو الذل والهوان.
فإذا كانت حالة النصراني وغيره من أهل الجزية، منافية للذل والهوان، بأن كانت حالته يتكبر، ويتبختر عند إعطاء الجزية، فلا عصمة لدمه، ولا ماله، وليست له ذمة، ومن هذا شرط عليهم الفاروق عمر بن
стр. 130
الخطاب ﵁ تلك الشروط المعروفة التي فيها صغارهم وإذلالهم.١
وبهذا يتضح لنا ضعف قول من قال بأن الصغار ليس المراد به في الآية الذل والهوان، لأن قولهم هذا مخالف لما دلت عليه النصوص والفهم الصحيح، ومخالف لأقوال عامة أهل العلم بأن الجزية عقوبة بسبب الكفر، وأن الدافع لها يجب أن يكون صاغراً ذليلاً مهاناً، لأنه لا عزة ولا سعادة ولا كرامة إلا بالإسلام، والقول بأن الجزية كرامة لأهل الكتاب قول باطل.
وقد ذكر الله الصغار وهو بمعنى الذل والهوان في غير آية الجزية حيث قال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ٢ صغار: أي ذل وهوان.
وقال تعالى: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِين﴾ ٣ أي الذليلين الحقيرين.
وقال تعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ ٤ أذلاء مقهورين.
وقال تعالى: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٥.
стр. 131
فكل هذه الآيات توضح آية الجزية، وتشهد لها بأن الصغار هو الذل والهوان، ومما يدل على هذا المعنى أن الجزية تسقط بالإسلام، فإذا أسلم الذمي زال عنه الذل، والهوان، لأن الإسلام دين العزة والكرامة فيزيل هذا المعنى.
стр. 132
الفرع الخامس: في الذي يتولى إبرام عقد الذمة من المسلمين
اتفق الفقهاء على أن الذي يتولى إبرام عقد الذمة هو الإمام أو نائبه، لأنه عقد مؤبد، وللتأبيد خطورته وآثاره على الأمة الإسلامية لذا فإنه يحتاج أن يكون العاقد حسن التصرف ذا تقدير للمصلحة العامة للمسلمين، وهذا لا يمكن حصوله إلا من الإمام أو من يقوم مقامه.١
قال ابن قدامة: "ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه، ولا نعلم فيه خلافاً، لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة، ولأن عقد الذمة عقد مؤبد، فلم يجز أن يفتات به على الإمام فإن فعله غير الإمام أو نائبه لم يصح".٢
وقال الشيرازي: "لا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو ممن فوض إليه الإمام، لأنه من المصالح العظام، التي تحتاج إلى نظر واجتهاد".٣
وقد ذهب بعض المالكية إلى أنه إن تولى عقد الذمة غير الإمام تحقق مقتضاه فيأمنون ويسقط عنهم القتل والأسر، لكن استمرار هذا العقد منوط بتقدير الإمام لأنه صاحب الحق في إمضائه أو إبطاله".٤
стр. 133
والراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء أنه لا يبرم عقد الذمة مع غير المسلمين إلا الإمام أو نائبه، لأن عقد الذمة عقد مؤبد، يصير به غير المسلمين من أهل دار الإسلام، وتلتزم دولة الإسلام بالحفاظ عليهم، وحمايتهم من التعرض لأرواحهم أو أعراضهم أو أموالهم، وأيضاً هم يلزمون بإعطاء الجزية، والخضوع لأحكام الإسلام العامة، فجميع هذه الأمور تحتاج إلى رجل حسن التصرف، ذي هيبة، وهذا لا يتوافر إلا في الإمام أو نائبه لأنهما يمثلان دولة الإسلام.
صورة هذا العقد أن ينعقد بإيجاب وقبول كسائر العقود الأخرى، فينعقد باللفظ وما يقوم مقامه.
وهذا ما صرح به الفقهاء:
فقال الشيرازي: "صورة عقدها - أقركم بدار الإسلام، أو أذنت في إقامتكم بها على أن تبذلوا الجزية".١
وقال ابن مفلح الحنبلي: "وصفة عقدها أقررتكم بجزية، أو يبذلونها، فيقول أقررتكم على ذلك".٢
وقال النووي: "وكيفيته أن يقول الإمام أو نائبه أقررتكم، أو أذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام، على أن تبذلوا كذا، وتنقادوا لأحكام الإسلام".٣
стр. 134
الفرع السادس: في شروط عقد الذمة
اشترط الفقهاء لعقد الذمة شروطاً: منها:
١- أن يكون العقد مؤبداً فلا يصح أن يكون مؤقتاً أي محدداً بمدة معينة، وهذا ما صرح به فقهاء الحنفية والشافعية.
لأن عقد الذمة في إفادة العصمة والالتزام بأحكام الإسلام، كالخلف عن عقد الإسلام، والإسلام لا يصح إلا مؤبداً فكذا عقد الذمة.١
أما غيرهم من الفقهاء فلم يصرحوا بهذا الشرط فكأنهم تركوا التصريح باعتبار أن التأبيد من مقتضى عقد الذمة وطبيعته.
فقد نصوا على أن عقد الذمة مؤبد، وإن لم يصرحوا بالاشتراط.
فمثلا فقهاء الحنابلة وإن لم يصرحوا بهذا الشرط إلا أنهم وصفوا عقد الذمة بالتأبيد، أثناء الكلام عن من يتولى إبرام هذا العقد من المسلمين.
فهذا البهوتي يقول: "لا يصح عقدها إلا من إمام، أو نائبه، لأنه عقد مؤبد".٢
стр. 135
وقال ابن قدامة: "ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين".١
وهناك وجه ضعيف للشافعية أنه يصح عقد الذمة مؤقتاً.٢
٢- أن يلتزم أهل الذمة بإعطاء الجزية كل سنة لقوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .
٣- أن يلتزم أهل الذمة بالخضوع لأحكام الإسلام العامة) .٣
ومعنى التزام أحكام الإسلام هو قبول ما يحكم به عليهم، من أداء حق، أو ترك محرم، فيما عدا ما يرونه مباحاً عندهم، وهذان الشرطان قد صرح بهما فقهاء الشافعية والحنابلة.
٤- ألا يكون المعقود معه عقد الذمة من مشركي العرب فإنهم لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف٤ عند جمهور الفقهاء لقوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُون﴾ ٥
وهذا الشرط لم يخالف فيه إلا المالكية وبعض العلماء من المذاهب الأخرى.٦
стр. 136
٥- ألا يكون المعقود له مرتداً عن الإسلام، لأن حكم المرتد عن الإسلام هو القتل، إذا لم يتب، لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ١. وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء.٢
стр. 137
الفرع السابع: في من تعقد لهم الذمة
اتفق الفقهاء على أن الذمة تعقد مع أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وكذلك المجوس وهم عبدة الكواكب والنار.١
وإذا عقدت الذمة لهم أخذت منهم الجزية، والدليل على جواز عقد الذمة وأخذ الجزية من أهل الكتاب قوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٢
فهذه الآية الكريمة نص صريح في جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى.
أما المجوس فقد ثبت جواز عقد الذمة لهم وأخذ الجزية منهم بفعله ﷺ وقوله.
أما فعله فقد ثبت أنه ﷺ أخذها من مجوس هجر.
ونص الحديث "لم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر".٣
стр. 138
وبحديث السائب بن يزيد قال أخذ رسول الله ﷺ "الجزية من مجوس البحرين وأخذها عمر من فارس وأخذها عثمان من الفرس".١
وأما قوله فهو: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".٢
قال ابن قدامة: إن أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس ثابت بالإجماع، لا نعلم في هذا خلافاً، فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على ذلك، وعمل به الخلفاء الراشدون ومن بعدهم، إلى زمننا هذا من غير نكير، ولا مخالف.
وبه يقول أهل العلم من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وغيرهم، مع دلالة الكتاب على أخذ الجزية من أهل الكتاب، ودلالة السنة على أخذ الجزية من المجوس.٣
كما اتفق الفقهاء أيضا على عدم عقد الذمة وأخذ الجزية من المرتدين عن الإسلام.٤
стр. 139
لأن أخذها منهم بمثابة إقرارهم على ردتهم عن الإسلام، فقد عرفنا أن عقد الذمة هو إقرار الكفار على كفرهم مع بذل الجزية والتزام الأحكام الإسلامية، فالمرتد لا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل.
قال ابن عبد البر: "المرتدون لا تقبل منهم جزية لأنهم لا يقرون على ردتهم".١
وقال ابن رشد: "المرتدون لا تؤخذ منهم الجزية باتفاق لأنهم ليسوا هم على دين يقرون عليه٢، لقول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ٣ وقال الزيلعي: "لا توضع الجزية على المرتدين، لأن المرتد كفر بربه بعدما رأى محاسن الإسلام، وبعدما هدى إليه، فلا يقبل منه إلا الإسلام، أو السيف". ٤
واختلفوا فيما عدا اليهود والنصارى والمجوس هل تعقد لهم الذمة وتؤخذ منهم الجزية، إلى أقوال عديدة يمكن أن نلخصها في ثلاثة أقوال:
القول الأول: تؤخذ الجزية من كل كافر، ما عدا عبدة الأوثان من العرب فلا يصح عقد الذمة معهم، ولا أخذ الجزية منهم.
стр. 140
وهذا قول الحنفية والإمام مالك في رواية والإمام أحمد في رواية.١
القول الثاني: تعقد الذمة وتؤخذ الجزية من كل كافر عربياً أو عجمياً من أهل الكتاب، أو من عبدة الأوثان.
وبه قال الأوزاعي والثوري، وهو القول المشهور عند المالكية.٢
القول الثالث: تؤخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس فقط، أما عبدة الأوثان سواء أكانوا عرباً أو عجماً فلا تعقد لهم الذمة ولا تؤخذ منهم الجزية، وهذا قول الشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب والظاهرية.٣
стр. 141
الأدلة:
أ - أدلة القائلين بجواز عقد الذمة من جميع الكفار ما عدا مشركي العرب:
استدلوا بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ .١
قالوا في وجه الدلالة:
نزلت هذه الآية في عبدة الأوثان من العرب. فأمر الله بقتالهم، ولم يأمر بتخلية سبيلهم إلا عند توبتهم وهي الإسلام.٢
٢- حديث سليمان بن بريدة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين خيراً وقال له: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك، فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم".٣
стр. 142
قالوا في وجه الدلالة من هذا الحديث:
إن نص الحديث عام يشمل جميع المشركين، وخص منه عبدة الأوثان من العرب، لأن الرسول ﷺ لم يقبل منهم الجزية لما يدينون به من عبادة الأوثان وما ينشأ عنها من الفساد، ولأن الرسول ﷺ نشأ بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم والمعجزة في حقهم أظهر، لأنهم كانوا أظهر بمعانيه، وبوجوه الفصاحة، فغلظ الله عليهم ١ فقال: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ .٢
٣- ما روي أن النبي ﷺ "صالح عبدة الأوثان على الجزية، إلا من كان منهم من العرب".
فاستثنى العرب وإن كانوا عبدة أوثان من بين سائر عبدة الأوثان.٣
٤- أن النبي ﷺ قال لعمه: "يا عم، أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، وقال: ما هي؟ قال شهادة أن لا إله إلا الله".٤
فهذا الحديث يدل على عدم جواز أخذ الجزية من العرب، وعلى مشروعية إقرار العجم على الجزية.٥
стр. 143
٥- ما قاله أبو عبيد: تتابعت الآثار عن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده في العرب من أهل الشرك أن من كان منهم ليس من أهل الكتاب، فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل، كما قال الحسن: أمر رسول ﷺ أن يقاتل العرب على الإسلام ولا يقبل منهم غيره) .
ثم قال - أي أبو عبيد - وأما العجم فتقبل منهم الجزية وإن لم يكونوا أهل كتاب، للسنة التي جاءت عن رسول الله ﷺ في المجوس وليسوا بأهل كتاب، وقبلت بعده من الصابئين فأمر المسلمين على هذين الحكمين من العرب والعجم.١
ب- أدلة أصحاب القول الثاني: الذين قالوا تؤخذ الجزية من جميع المشركين:
استدلوا بما يلي:
١- حديث سليمان بن بريدة ﵁ المتقدم، وفيه "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، ادعهم إلى الإسلام فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم".٢
فقوله ﷺ "عدوك" عام يشمل جميع أعداء الإسلام من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان من العرب والعجم وبهذا يدل الحديث على قبول الجزية من جميع الكفار.
стр. 144
قال الشوكاني: "ظاهره عدم الفرق بين الكافر العجمي، والعربي، والكتابي وغير الكتابي".١
وقال الصنعاني: "الحق أخذ الجزية من كل مشرك كما دل عليه حديث بريدة".٢
٢- ما روي أن النبي ﷺ صالح أكيدر دومة الجندل٣ "على أخذ الجزية منه وهو ملك عربي".٤
قال الخطابي: "وفي هذا دلالة على جواز أخذ الجزية من العرب كجوازه من العجم".٥
٣- القياس على المجوس، وقد اتفق الفقهاء على جواز أخذها من المجوس كما سبق.
فيقاس عليهم غيرهم من الكفار، لأنه لم يثب للمجوس كتاب ولا شبهة كتاب في الصحيح.
стр. 145
قال الإمام مالك بعد أن ذكر حديث أخذ الجزية من المجوس: "فالأمم كلها في هذا بمنزلة المجوس عندي".١
٤- أن النبي ﷺ لما أرسل معاذاً إلى اليمن أمره أن يأخذ الجزية منهم إذا هم رضوا بها ولم يفرق بين عربي وغير عربي ولا بين يهودي وغيره.٢
ج- أدلة القول الثالث: الذين قالوا لا تؤخذ الجزية من عبدة الأوثان، لا من العرب، ولا من العجم، ولا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس فقط:
استدلوا بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ .٣
٢- قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا فقالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".٤
فظاهر الآية والحديث العموم بقتال جميع المشركين، وخص منهم أهل الكتاب بآية الجزية، والمجوس بالسنة، فبقي من عداهم من غير المسلمين على العموم فلا يجوز عقد الذمة لهم.٥