الأدلة:
أ - أدلة القائلين بجواز عقد الذمة من جميع الكفار ما عدا مشركي العرب:
استدلوا بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ .١
قالوا في وجه الدلالة:
نزلت هذه الآية في عبدة الأوثان من العرب. فأمر الله بقتالهم، ولم يأمر بتخلية سبيلهم إلا عند توبتهم وهي الإسلام.٢
٢- حديث سليمان بن بريدة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين خيراً وقال له: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك، فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم".٣
стр. 142
قالوا في وجه الدلالة من هذا الحديث:
إن نص الحديث عام يشمل جميع المشركين، وخص منه عبدة الأوثان من العرب، لأن الرسول ﷺ لم يقبل منهم الجزية لما يدينون به من عبادة الأوثان وما ينشأ عنها من الفساد، ولأن الرسول ﷺ نشأ بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم والمعجزة في حقهم أظهر، لأنهم كانوا أظهر بمعانيه، وبوجوه الفصاحة، فغلظ الله عليهم ١ فقال: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ .٢
٣- ما روي أن النبي ﷺ "صالح عبدة الأوثان على الجزية، إلا من كان منهم من العرب".
فاستثنى العرب وإن كانوا عبدة أوثان من بين سائر عبدة الأوثان.٣
٤- أن النبي ﷺ قال لعمه: "يا عم، أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، وقال: ما هي؟ قال شهادة أن لا إله إلا الله".٤
فهذا الحديث يدل على عدم جواز أخذ الجزية من العرب، وعلى مشروعية إقرار العجم على الجزية.٥
стр. 143
٥- ما قاله أبو عبيد: تتابعت الآثار عن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده في العرب من أهل الشرك أن من كان منهم ليس من أهل الكتاب، فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل، كما قال الحسن: أمر رسول ﷺ أن يقاتل العرب على الإسلام ولا يقبل منهم غيره) .
ثم قال - أي أبو عبيد - وأما العجم فتقبل منهم الجزية وإن لم يكونوا أهل كتاب، للسنة التي جاءت عن رسول الله ﷺ في المجوس وليسوا بأهل كتاب، وقبلت بعده من الصابئين فأمر المسلمين على هذين الحكمين من العرب والعجم.١
ب- أدلة أصحاب القول الثاني: الذين قالوا تؤخذ الجزية من جميع المشركين:
استدلوا بما يلي:
١- حديث سليمان بن بريدة ﵁ المتقدم، وفيه "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، ادعهم إلى الإسلام فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم".٢
فقوله ﷺ "عدوك" عام يشمل جميع أعداء الإسلام من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان من العرب والعجم وبهذا يدل الحديث على قبول الجزية من جميع الكفار.
стр. 144
قال الشوكاني: "ظاهره عدم الفرق بين الكافر العجمي، والعربي، والكتابي وغير الكتابي".١
وقال الصنعاني: "الحق أخذ الجزية من كل مشرك كما دل عليه حديث بريدة".٢
٢- ما روي أن النبي ﷺ صالح أكيدر دومة الجندل٣ "على أخذ الجزية منه وهو ملك عربي".٤
قال الخطابي: "وفي هذا دلالة على جواز أخذ الجزية من العرب كجوازه من العجم".٥
٣- القياس على المجوس، وقد اتفق الفقهاء على جواز أخذها من المجوس كما سبق.
فيقاس عليهم غيرهم من الكفار، لأنه لم يثب للمجوس كتاب ولا شبهة كتاب في الصحيح.
стр. 145
قال الإمام مالك بعد أن ذكر حديث أخذ الجزية من المجوس: "فالأمم كلها في هذا بمنزلة المجوس عندي".١
٤- أن النبي ﷺ لما أرسل معاذاً إلى اليمن أمره أن يأخذ الجزية منهم إذا هم رضوا بها ولم يفرق بين عربي وغير عربي ولا بين يهودي وغيره.٢
ج- أدلة القول الثالث: الذين قالوا لا تؤخذ الجزية من عبدة الأوثان، لا من العرب، ولا من العجم، ولا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس فقط:
استدلوا بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ .٣
٢- قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا فقالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".٤
فظاهر الآية والحديث العموم بقتال جميع المشركين، وخص منهم أهل الكتاب بآية الجزية، والمجوس بالسنة، فبقي من عداهم من غير المسلمين على العموم فلا يجوز عقد الذمة لهم.٥
стр. 146
٣- حديث سليمان بن بريدة ﵁ المتقدم.
فقد ورد في أهل الكتاب خاصة دون أهل الأوثان، وعلى فرض أنه عام، فقد تأولوه بأن المراد بأخذ الجزية من أهل الكتاب دون أهل الأوثان، لأن اسم الشرك يطلق على أهل الكتاب.١
أما الأدلة على أخذها من أهل الكتاب والمجوس، فقد تقدمت.
المناقشة:
مناقشة أدلة أصحاب القول الأول:
ما ذهب إليه الحنفية في أنه لم يرد نص صريح في أخذ الجزية من مشركي العرب، يجاب عنه بأنه ورد نص صريح كما في قصة أكيدر المتقدم. وبالنسبة للآية التي فيها الأمر بقتال جميع المشركين، إنما نزلت قبل آية الجزية.
وذلك لأن العرب أسلموا جميعاً قبل نزول آية الجزية، ولم يبق منهم محارب تؤخذ منه الجزية، وأن الرسول ﷺ قد أخذها ممن لم يدخل في الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس.٢
قال ابن القيم: "ولم يأخذها النبي ﷺ من أحد من عباد الأوثان مع كثرة قتاله لهم، لأن آية الجزية إنما نزلت عام تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، بعد أن أسلمت جزيرة العرب، ولم يبق بها أحد من عباد الأوثان،
стр. 147
فلما نزلت آية الجزية أخذها النبي ﷺ ممن بقي على كفره من النصارى والمجوس".١
أما بالنسبة لحديث سليمان بن بريدة ﵁ فهو عام في جميع أصناف غير المسلمين لأنه قوله ﷺ "عدوك" لفظ عام يشمل جميع أعداء الإسلام من مشركي العرب وغيرهم، وحمله على أهل الكتاب أو عبدة الأوثان من العجم في غاية البعد.٢
وقال ابن القيم: "ظاهر هذا الحديث أن الجزية تؤخذ من المجوس ولم يستثن منه كافراً، ولا يقال هذا مخصوص بأهل الكتاب خاصة فإن اللفظ يأبى اختصاصهم بأهل الكتاب".٣
فأين الدليل على التخصيص بإخراج مشركي العرب من عموم اللفظ، فإن قالوا بأن اللفظ عام ويستثنى منه مشركي العرب لتغلظ كفرهم.
يقال لهم بأن الكفر واحد ولا فرق بين عباد النار وهم المجوس، وعباد الأصنام، بل أهل الأوثان أقرب حالاً من عباد النار، وكان منهم من تمسك بدين إبراهيم ﵇ ما لم يكن من عباد النار، بل عباد النار أعداء إبراهيم الخليل، فإذا أخذت منهم الجزية فأخذها من عباد
стр. 148
الأصنام أولى، وعلى ذلك تدل سنة الرسول ﷺ كما في حديث بريدة وحديث المغيرة بن شعبة ﵄.١
ولأن الحنفية قالوا تؤخذ الجزية من عبدة الأوثان من العجم لجواز استرقاقهم.٢
يقال لهم أيضاً بجواز استرقاق مشركي العرب عند جمهور الفقهاء لأن الرسول ﷺ قد استرق بني المصطلق وهوازن وفزارة، وإذا جاز إقرارهم بالرق على كفرهم جاز إقرارهم عليه بالجزية بالأولى، لأن عقوبة الجزية أعظم من عقوبة الرق.٣
ب - مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني:
أولاً: بالنسبة لحديث بريدة ﵁ لا ننكر بأن الحديث عام في جميع المشركين لكن خص منه عبدة الأوثان من العرب لتغلظ كفرهم.
لكن يرد على هذا بأن الكفر ملة واحدة، وليس فيه غليظ وبسيط، فعبدة الأوثان من العجم وعبدة النار، كعبدة الأصنام من العرب، لا فرق فالكل أعداء الله، وأعداء عباده المؤمنين.
فالحديث باق على عمومه في أن الجزية تؤخذ من كل كافر كتابي،
стр. 149
أو غير كتابي، عربي، أو غير عربي، ولم يوجد ما يخصصه.١
ثانياً: القياس على المجوس قياس باطل، لأن أخذ الجزية من المجوس ثبت بقول الرسول ﷺ وفعله، فلا يقاس عليهم غيرهم من عباد الأوثان، وكذلك هناك فرق بين المجوس وعباد الأوثان فكفرهم أغلظ وأشد.
يمكن الرد على هذه المناقشة:
ويجاب عن ذلك بأن: القياس صحيح، وغير باطل، لأن حديث بريدة ﵁ عام في أخذ الجزية من جميع الكفار مجوس وغيرهم، فهذا يدل على أنه لا فرق، وأيضاً ثبت أخذ الجزية من أهل الكتاب بالقرآن، ومن عموم الكفار بالسنة، وقد أخذها الرسول ﷺ من المجوس وهم عباد النار، لا فرق بينهم وبين عباد الأوثان ولا يصح أنهم من أهل الكتاب، ولا كان لهم كتاب فإذا أخذت الجزية من عباد النيران وهم ليسوا أهل كتاب فأي فرق بينهم وبين عباد الأوثان٢، وإن لم يكونوا أشد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "المجوس في التوحيد أعظم شركاً من مشركي العرب".٣
ج - مناقشة أدلة أصحاب القول الثالث:
أولاً: بالنسبة للآيات التي تأمر بقتال جميع المشركين، فقد كان نزولها قبل آية الجزية.
стр. 150
وعلى فرض أنها عامة، فخص أهل الكتاب بآية الجزية، وبقي العموم في غيرهم، فقد جاءت السنة بأخذ الجزية فيما تبقى من الكفار كما في حديث بريدة وحديث المغيرة رضي الله عتهما.
وكذلك الحديث الذي أمر فيه الرسول ﷺ بقتال الناس جميعا ما لم ينطقوا بالشهادتين، كان قبل نزول آية الجزية.
أما بالنسبة لآية الجزية فإنها نزلت في شأن أهل الكتاب فقط، ولم تنص على عدم أخذ الجزية من غيرهم.
وأيضاً ذكر أهل الكتاب في آية الجزية له فائدة وهي بيان الواقع وهو مقابلة هؤلاء مع أهل الأوثان فإن الرسول ﷺ بعدما قضى على أهل الأوثان من العرب لم يبق أمامه إلا أهل الكتاب المجاورين لبلاد العرب فنزلت آية الجزية في السنة التاسعة من الهجرة لبيان حكمهم، فالآية تنص على أخذ الجزية من أهل الكتاب فقط، ولم تتعرض لأخذ الجزية من غير أهل الكتاب ولا لعدم أخذها منهم.
وقال الصنعاني: "أما الآية فأفادت أخذ الجزية من أهل الكتاب، ولم تتعرض لأخذها من غيرهم ولا لعدم أخذها، والحديث - أي حديث سليمان بن بريدة ﵁ بين أخذها من غيرهم".١
وقال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: "إن الله تعالى أمر بمقاتلة جميع غير المسلمين وخص أهل الكتاب بالذكر إكراماً لكتابهم ولكونهم
стр. 151
عالمين بالتوحيد، والرسل، والشرائع، والملك.١، وعلى هذا لا يكون ذكر أهل الكتاب في الآية دليلاً على حصر جواز عقد الذمة لهم دون غيرهم".٢
أما قولهم بأن حديث بريدة خاص بأهل الكتاب فهذا في غاية البعد لأن الحديث عام في جميع الكفار ولم يرد ما يخصصه بأهل الكتاب.
الرأي المختار:
وبعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ومناقشتهم، يتضح لي أن الرأي القائل: إن الذمة تعقد لجميع أصناف غير المسلمين هو الرأي المختار للأسباب الآتية:
١- لأن آية الجزية نصت على أخذ الجزية من أهل الكتاب ولم تنص على عدم أخذها من غيرهم، وإذا كانت الجزية المقصود منها إذلال الكفر وأهله وقهرهم، فهذا أمر لا يختص بأهل الكتاب بل يعم كل كافر فقال تعالى: ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فالجزية صغار وإذلال.٣
٢- لثبوت الأحاديث الصحيحة التي تدل على جواز أخذها من جميع الكفار، كحديث المغيرة، وحديث بريدة ﵄ السابقين، فإنه عام في جميع الكفار لقوله: "إذا لقيت عدوك" والعدو عام يشمل جميع أعداء الإسلام ولم يرد ما يخصص هذا العموم.
стр. 152
٣- ثبوت الأحاديث الصريحة الصحيحة في أخذ الجزية من المجوس وهم عباد النار، وأخذها منهم يدل على أخذها من غيرهم من الكفار، لأنه لا فرق بينهم وبين عباد الأوثان من العرب أو العجم، إن لم يكن المجوس أشد كما قال شيخ الإسلام، وقاله تلميذه ابن القيم بأنه لا فرق بين عباد النار وعباد الأوثان، بل أهل الأوثان أقرب حالاً من عباد النار، لأن عباد النار أعداء إبراهيم ﵇، وعباد الأوثان منهم من تمسك بدين إبراهيم الخليل.١
٤- أن النبي ﷺ لم يأخذ الجزية من مشركي العرب لأن آية الجزية لم تكن قد نزلت بعد، وبعد النزول أسلموا جميعاً وهذا ما قاله العلماء. وفي هذا يقول ابن القيم: "ومن تأمل السير وأيام الإسلام علم أن الأمر كذلك، فلم تؤخذ منهم الجزية لعدم من يؤخذ منه، لا لأنهم ليسوا من أهلها".٢
٥- أن الحديث الذي أمر فيه الرسول ﷺ بقتال جميع المشركين إنما كان هذا في أول الأمر بالقتال، وقبل نزول آية الجزية، أما بعد نزولها فقد تغير الحكم من الإسلام، أو القتل، إلى الإسلام أو الجزية أو القتل، كما ذلت عليه الأحاديث الصحيحة السابقة.
٦- أنه لا يوجد هناك دليل صريح يفرق بين العربي، وغير العربي في أخذ الجزية، فقد ثبت أن النبي ﷺ صالح أكيدر - دومة الجندل - على
стр. 153
الجزية أيام غزوة تبوك وهو ملك عربي، وأخذ الجزية من نصارى نجران وهم عرب.
ولما أرسل معاذاً إلى اليمن أمره بأخذ الجزية من غير فرق بين عربي وغيره، فالحق أن الجزية تؤخذ من كل كافر كما دل له حديث بريدة الذي كان بعد نزول فرض الجزية.١
وما اخترته ذهب إليه بعض الأئمة كالإمام ابن القيم حيث قال: "إن المجوس أهل شرك لا كتاب لهم فأخذ الجزية منهم دليل على أخذها من جميع المشركين، وإنما لم يأخذها ﷺ من عبدة الأوثان من العرب لأنهم أسلموا كلهم قبل نزول آية الجزية فإنها نزلت بعد غزوة تبوك، وكان رسول الله ﷺ قد فرغ من قتال العرب واستوثقت كلها بالإسلام.
ولهذا لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه لأنها لم تكن نزلت بعد فلما نزلت أخذها من نصارى العرب ومن المجوس، ولو بقي حينئذ أحد من عبدة الأوثان بذلها لقبلها منه، كما قبلها من عبدة الصلبان والنيران.٢
والإمام الشوكاني: حيث قال: "الظاهر عدم الفرق بين الكافر العجمي، والعربي، والكتابي، وغير الكتابي".٣
والإمام الصنعاني حيث قال: "الحق أخذ الجزية من كل مشرك كما دل عليه حديث بريدة".٤
стр. 154
الفرع الثامن: في الحقوق الواجبات لهم وعليهم
أولاً: حقوقهم من قبل المسلمين:
١- الوفاء لهم بالعهد، إن من واجبات المسلمين تجاه أهل الذمة الذي أعطوهم ذمة الله ورسوله ﷺ الوفاء لهم بعقد الذمة وعدم نقضه إلا إذا وجد منهم ما يوجب نقضه.
لأن الله قد أمر بالوفاء بالعهود عامة وعهد الذمة من ضمنها حيث قال : ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ .١
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ .٢
وقل جل وعلا: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ .٣
وقد أوفى الرسول ﷺ بجميع المعاهدات التي عقدها لأهل الذمة فقال ﷺ : "نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم".٤
стр. 155
فأول الحقوق لأهل الذمة من قبل المسلمين الوفاء لهم بعهدهم.
٢- الحفاظ على أرواحهم، وأموالهم، وأعراضهم، وحمايتهم من أي اعتداء عليهم من قبل المسلمين أو من غيرهم.
فقد قال الرسول ﷺ : "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً" ١
وقال ﷺ : "من قتل معاهداً في غير كنهه حرم الله عليه الجنة".٢
قال عمر بن الخطاب ﵁: "أوصيكم بذمة الله وذمة رسوله ﷺ أن يوفى لهم عهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا إلا طاقتهم.٣
وقال علي ﵁: "إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا".٤
٣- منحهم الحرية في إقامة شعائر دينهم وعدم التعرض لكنائسهم وخمورهم إذا لم يظهروها فإذا أظهروها أريقت ولا ضمان فيها.
قال الماوردي: "لأهل الذمة حقان ببذل الجزية:
أحدهما: الكف عنهم.
стр. 156
والثاني: الحماية لهم ليكونوا بالكف آمنين وبالحماية محروسين".١
أما الواجبات التي عليهم وتلزمهم بعقد الذمة: فهي على النحو التالي:
واجبة، ومستحبة:
فالشروط الواجبة ثمانية:
١- أداء الجزية عن يد وهم صاغرون.
٢- الخضوع لأحكام الإسلام العامة.
٣- أن لا يذكروا كتاب الله بطعن فيه ولا تحريف له.
٤- أن لا يذكروا رسول الله ﷺ بتكذيب له ولا ازدراء.
٥- أن لا يذكروا دين الإسلام بذم له ولا قدح فيه.
٦- أن لا يصيبوا مسلمة بزنا ولا باسم نكاح.
٧- أن لا يفتنوا مسلما عن دينه ولا يتعرضوا لماله ولا نفسه.
٨- أن لا يعينوا أهل الحرب، أو يأووا جاسوسهم.٢
стр. 157
فهذه شروط حقوق ملتزمة، فتلزمهم بغير شرط، وإنما تشترط أشعارا لهم وتأكيدا لتغليظ العهد عليهم، ويكون ارتكابهما بعد الشرط نقضا لعهدهم.
أما الشروط المستحبة والتي لا تنقض العهد عند عدم تنفيذها والعمل بها:
١- تغير هيئاتهم من الملبس وغيره بحيث تكون لهم علامة يعرفون بها كالزنار.١
٢- أن لا يعلو على المسلمين في الأبنية.
٣- ضيافة المسلمين ثلاثة أيام إذا مروا عليهم.
٤- أن يمنعوا من بناء الكنائس والبيع.
٥- أن يمنعوا من جادة الطريق ويضطروا إلى أضيقه.
٦- أن يخفوا نواقيسهم ولا يظهروا شيئا من شعائر دينهم.
٧- أن لا يسبوا الأنبياء ﵈.
٨- أن لا يجاهروا بشرب الخمر ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم.
٩- أن يخفوا دفن موتاهم ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة.
١٠- أن يمنعوا ركوب الخيل عناقا وهجانا ولا يمنعوا من ركوب البغال والحمير.
وهذه الشروط لا تلزم بأهل الذمة حتى تشترط فتصير بالشرط ملتزمة ولا يكون ارتكابها بعد الشرط نقضا لعهدهم، ولكن يأخذون بها
стр. 158
إجبارا ويؤدبون عليها زجرا ولا يؤدبون إن لم يشترط ذلك عليهم.١
لكن الحنفية خالفوا الجمهور وقالوا إن هذه الشروط الواجبة والمستحبة لا تنقض العهد ولا ينقض العهد عندهم إلا بالشروط الآتية:
الأول: إسلام الذمي، فإذا أسلم الذمي سقطت عنه الجزية وانتقض عهده، وقال بهذا الشرط المالكية والحنابلة ولم يخالف فيه إلا الشافعية.
الشرط الثاني: إذا لحق الذمي بدار الحرب إذ بهذا اللحاق تنقطع صلته بدار الإسلام، ويصير من أهل دار الحرب.
وينتقض كذلك بغلبة الذميين على موضع لمحاربة المسلمين إذ بهذه المحاربة يصير الذميون حربا على الدولة الإسلامية فيعري عقد الذمة عن الفائدة وهي دفع شر حرابتهم فلا يبقى العقد.٢
أما غير الحنفية وهم الجمهور المالكية، والشافعية، والحنابلة فقد توسعوا في واجبات أهل الذمة اللازمة بحقهم وجعلوها ناقضة للعهد، وذكروا أشياء لم يرها الأحناف ناقضة للعهد من ذلك امتناع الذمي عن أداء الجزية، وطعنه في الإسلام والقرآن، وغيرها من الشروط التي تقدمت.٣
لكن بعض الحنفية رأى انتقاض العهد بشتم الرسول ﷺ .٤
стр. 159
المطلب الثاني: في الصنف الثاني: المستأمنون
وفيه ستة فروع:
الفرع الأول: في تعريف الأمان مع بيان أدلة جوازه وأقسامه
تعرف الأمان لغة: الأمان من الأمن، والأمن ضد الخوف، وهو الاطمئنان.
يقال أمنه وآمنه، وآمن فلان العدو أي أعطاه الأمان.
والعدو مُؤَمَّن.
يقال لك الأمان أي قد أمنتك، وأمن البلد اطمأن فيه أهله وأمن فلان على كذا وثق به، واطمأن إليه، أو جعله أميناً عليه.
قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ الآية١
ويقال: استأمنه: طلب منه الأمان.
واستأمن إليه استجاره وطلب حمايته، واستأمن الحربي استجار ودخل دار الإسلام مستأمناً.
والمأمن موضع الأمن، والأمين المستجير ليأمن على نفسه.٢
وخلاصة ما سبق أن المستأمن لغة: المستجير الطالب للأمان.
стр. 160
أما تعريف المستأمن شرعاً: فهو من يدخل دار غيره بأمان مسلماً كان أو حربياً١ والغالب في إطلاق المستأمن على من يدخل دار الإسلام من الكفار بأمان، وفي هذا يقول ابن القيم:
"المستأمن هو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهو على أقسام: رسل، وتجار، ومستجيرون حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن، فإن شاءوا دخلوا وإن شاءوا رجعوا إلى بلادهم".٢
أدلة مشروعيه الأمان:
دل الكتاب، والسنة، والمأثور، والإجماع، على جواز عقد الأمام مع غير المسلمين.
أولاً: دليل جوازه من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ .٣
فالآية نص صريح في جواز عقد الأمام لمن طلبه من المشركين، لأن
стр. 161
معنى قوله تعالى: ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي استأمنك، وقوله ﴿فَأَجِرْهُ﴾ أي: فأمنه حتى يسمع كلام الله وهو القرآن.١
قال ابن كثير: "والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة، أو تجارة، أو طلب صلح، أو مهادنة، أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أماناً أعطي أماناً ما دام متردداً في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه".٢
ثانياً: أدلة جوازه من السنة:
١- ما روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً٣ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف".٤
وفي رواية للبيهقي: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من
стр. 162
سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم"، وفي أخرى: "يجير على أمتي أدناهم".١
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث نص صريح في جواز عقد الأمان مع غير المسلمين لأن الذمة المراد بها في الحديث الأمان، فمعناه أن أمان المسلمين للمشركين جائز، وبالأمان يحرم التعرض لهم ما داموا في أمان المسلمين، قوله: "أدناهم" أي يعقد الأمام ويتولى شأنه من هو أدنى المسلمين مرتبة كالعبد وغيره.
قال ابن حجر: "أدناهم أي أقلهم، كل وضيع بالنص، وكل شريف بالفحوى، فدخل في أدناهم المرأة والعبد".٢
وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم".٣
قال الخطابي: "قوله يسعى بذمتهم أدناهم، يريد أن العبد ومن كان في معناه من الطبقة الدنيا كالنساء والضعفاء الذي لا جهاد عليهم إذا أجاروا كافراً أمضى جوارهم ولم تخفر ذمتهم".٤
стр. 163
٢- وما روى عن أم هانئ١رضي الله عنها أنها قالت: "ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره، فسلمت عليه فقال من هذه، فقلت أنا أم هانئ بنت أبي طالب فقال مرحباً بأم هانئ فلما فرغ من غسله قام فصلى ثمان ركعات ملتحفاً في ثوب واحد، فقلت: يا رسول الله: زعم ابن أمي علي٢ أنه قاتل رجلاً قد أجرته فلان ابن هبيرة٣ فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".٤
وفي رواية لأبي داود: "وأمنا من أمنت".٥
стр. 164
الحديث دل على جواز أمان المرأة المسلمة لغيرها من الكفار، فأمان الرجال المسلمون من باب أولى.
قال الصنعاني: "والأحاديث دالة على صحة أمان الكافر من كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أم عبد، لقوله "أدناهم" فإنه شامل لكل وضيع، وتعلم صحة أمان الشريف بالأولى".١
ثالثاً: دليل جوازه من المأثور:
١- ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز أمانها".٢
٢- وما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين فيجوز".٣
رابعاً: دليل جوازه من الإجماع:
انعقد إجماع الأمة من عهد رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا على جواز عقد الأمان مع غير المسلمين٤
стр. 165
أقسام الأمان: ينقسم الأمان إلى قسمين:
الأول: أمان عام: وهو ما يعطي لناحية أو بلدة أوقلعة، وهذا باتفاق الفقهاء لا يصح إلا من الإمام أو نائبه، لأنه من المصالح العامة التي تحتاج إلى نظر وتمحيص وهذا لا يتأتى إلا من الإمام أو نائبه. ١
الثاني: أمان خاص: وهو ما يعطي لقافلة، أو لحصن صغير أو لفرد من الأفراد، فهذا أيضاً اتفق الفقهاء على جوازه من الإمام أو نائبه ومن آحاد المسلمين٢ سيأتي ذلك بالتفصيل في شروط المؤمن.
стр. 166
الفرع الثاني: في أركان الأمان وشروطه
أركان الأمان: الأمان يعتمد على ركنين أساسين:
الركن الأول: المؤمن: وهو الذي يتولى عقد الأمان، وهو الإمام أو نائبه في الأمن العام، لأن عقد الأمان من العقود التي تحتاج نظر واجتهاد، ويترتب عليه وجود مصالح مفاسد وهذا كله لا يمكن أن يتوافر إلا في الإمام أو نائبه.
ولا خلاف بين الفقهاء في أنه يجوز لكل فرد من أفراد الرعية عقد الأمان الخاص ولو لم يأذن له الإمام، إذا توافرت فيه الشروط التي سيأتي١ تفصيلها.
الركن الثاني: المُؤَمَّن وهو المستأمن: وهو في الغالب الإنسان الكافر الذي يدخل الديار الإسلامية على غير نية الإقامة المستمرة بها بل إقامته فيها محددة بمدة معلومة يدخل فيها بعقد يسمى (عقد الأمان) وغالباً ما
стр. 167
يكون قصده التجارة، أو العمل في الديار الإسلامية، ولا بد أن إقامته مؤقتة، لأنها إذا كانت مؤبدة وأخذت صفة الدوام، يتحول إلى ذمي ويصير من رعايا الدولة الإسلامية١.
أما الشروط التي يجب توافرها في المستأمنين فهي على النحو التالي:
١- أن يكون عددهم معلوماً سواء أكانوا جماعة أو فرادى، فجميع من دخل دار الإسلام زيادة على العدد المأذون له بدخول الديار الإسلامية بأمان فإنه يخرج منها ولا عصمة له.
٢- أن يكون المستأمنون عالمين بهذا الأمان، فإن لم يكونوا عالمين به فلا أمان لهم.
٣- أن يكون القصد من عقد الأمان التجارة وغيرها من الأعمال المباحة في الشريعة الإسلامية.
٤- ألا يقصدوا من دخولهم الديار الإسلامية الضرر بالمسلمين، والتجسس عليهم، والإطلاع على مواقعهم العسكرية، فإن علم هذا القصد أو خيف منه فلا يجوز أن يعقد معهم الأمان.٢
فإذا توافرت فيهم هذه الشروط فللإمام أو نائبه، أو غيرهما من أفراد
стр. 168
المسلمين أن يعقد الأمان مع جميع المشركين، من غير فرق بين كتابي أو غيره، لأن الله قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ١، فلفظ المشركين عام شامل لجميع الكفار، وله أن يعقده مع الفرد والجماعة وأهل الحصن. قال صاحب الفتاوى الهندية: "يجوز الأمان للواحد والجماعة وأهل الحصن والمدينة".٢
وقال ابن قدامة: "ويصح أمان الإمام لجميع الكفار وآحادهم، ويصح أمان آحاد المسلمين للواحد، والعشرة، والقافلة الصغيرة، والحصن الصغير".٣
стр. 169
الفرع الثالث: في شروط المؤَمِّن
اشترط الفقهاء لمن يعقد الأمان مع غير المسلمين شروطاً يجب توافرها فيه - وهي على النحو التالي:
١- أن يكون العاقد مسلماً، فلا يعقد الأمان غير المسلم ولو كان ذمياً يقيم في دار الإسلام ويقاتل مع المسلمين، وهذا باتفاق العلماء.١
ولم يخالف فيه إلا الأوزاعي حيث قال: "إن غزا الذمي مع المسلمين فأمن أحداً فإن شاء الإمام أمضاه، وإلا فليرد إلى مأمنه"٢، وليس له دليل على ذلك.
قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن أمان الذمي لا يجوز".٣
أما الدليل على عدم صحة أمان الكافر ذمي أو غيره.
فقوله ﷺ : "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" ٤، فشرط
стр. 170
الأمان للأمان أن يكون عاقدة مسلماً فلا يصح أمان الكافر.
وأيضاً ليس للكافرين ولاية على المسلمين، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ .١
والأمان من باب الولاية إذ به ينفذ كلام المؤمنين على غيرهم شاءوا أم أبوا.٢
ولأن الكافر الذمي متهم في حق المسلمين نظراً لعدائه الديني لهم، وموافقته الكفار في الاعتقاد، فلا تؤمن خيانته، بل ولا يكون أهلاً للنظر في مصالح المسلمين.
٢- أن يكون العاقد مكلفاً أي بالغاً عاقلاً لأنهما مناط التكليف، فقد أجمع الفقهاء على أن المجنون لا يصح أمانه وكذلك الصبي غير المميز.٣
ولعل هذا هو الإجماع الذي ذكره ابن المنذر عندما قال: "أجمع أهل العلم على أن أمان الصبي غير جائز".٤
стр. 171
واختلفوا في صحة أمان الصبي المميز إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يصح أمانه، وهو قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة.١
القول الثاني: يصح أمانه، وهو قول المالكية والحنابلة في رواية ومحمد بن الحسن من الحنفية.٢
القول الثالث: يصح أمانه بشرط إذن الإمام له بإعطاء الأمان.
وهو رأي سحنون من المالكية. ٣
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بما يلي:
١- أن الصبي غير مكلف ومرفوع عنه القلم حتى البلوغ.٤
стр. 172
٢- ولأن الأمان أمره خطير، لأنه ينبني عليه مصالح ومفاسد، ومنافع، ومضار، فيحتاج إلى غزارة عقل ورجاحة نظر في العواقب، وليس الصبي من أهل هذا المقام.
أي أن الأمان لصيق الصلة بسلامة الدولة الإسلامية، وحفظ كيانها والصبي لا يستطيع تقدير ذلك، لاسيما إذا سلك العدو معه مسلك الخداع والتغرير للحصول على الأمان. ١
٣- ولأن الصبي لا يعرف مصلحة المسلمين، وقد يعطي الأمان في غيرها، وفي هذه الحالة لا يزال قاصراً والقاصر في الشريعة الإسلامية لا تسلم له أمواله حتى يبلغ الرشد، فما دام لا يجوز ولا يحق له حوزة أمواله ولا يؤمن عليها فمن باب أولى لا يصح أمانه.٢
٤- ولأن الخطاب في قوله ﷺ : "ويسعى بذمتهم أدناهم" للبالغين دون غيرهم.٣
أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بما يلي:
١- بعموم قوله ﷺ : "ويسعى بذمتهم أدناهم" فإنه يشعل الصبي وغيره.٤
стр. 173
٢- ولأنه مسلم مميز يعقل الإسلام فصح أمانه كالبالغ، وفارق المجنون بأنه لا قول له أصلاً. ١
٣- ولأن أهلية الأمان مبنية على أهلية الإيمان والصبي الذي يعقل الإسلام من أهل الإيمان فيكون من أهل الأمان كالبالغ.٢
٤- ولأن الصبي المميز قد أشرف على البلوغ وسن الرشد، وما قارب الشيء أعطى حكمه في كثير من الأحكام وأمان الكفار من هذه الأحكام، فكان أمان الصبي المذكور بمثابة الإذن في دخول بلاد الإسلام لا في الإقامة بها حتى لا يفسدوا فيها.٣
وأما رأي سحنون فكأنه راعى أن الأمان من العقود المهمة والتي تحتاج إلى سعة نظر وقوة بصيرة، والصبي المميز ناقص لعدم اكتمال مداركه فلا يؤمن انخداعه.
الرأي المختار:
والرأي الذي أختاره هو الرأي القائل بعدم صحة أمان لصبي المميز، سداً للذريعة، ومنعاً لما قد يحصل من المساوئ والمشاكل.
ولأن الصبي لا يحسن التصرف فيما ينفعه فكيف فيما ينفع غيره، ولأن خطاب الشارع للمكلفين دائماً والعموم في الحديث مخصص
стр. 174
بالأحاديث التي تدل على أن الصبي غير مكلف ومرفوع عنه القلم حتى يبلغ، ولأن عقد الأمان فيه من المصالح والمفاسد التي تعود على الدولة الإسلامية ما تحتاج إلى دقة نظر، ورجاحة عقل، وهذه حالة خفية لا توجد في الصبي لاشتغاله باللهو واللعب كما قال الكاساني. ١
الشرط الثالث: الحرية
اتفق الفقهاء على صحة أمان الحر لغير المسلمين.٢
ولم يخالف في هذا إلا ابن حبيب المالكي حيث قال: "لا يجوز أمان الحر حتى ينظر فيه الإمام، فله الخيار في الإمضاء أو الرد بحسب ما يراه صواباً أو خطأ".٣
قال ابن العربي:"وهذا ليس بصحيح لأن النبي ﷺ أجاز جواره في الحديث وكذلك أمضاه عمر على الناس".٤
أما العبد فقد اختلفوا في صحة أمانه إلى قولين:
стр. 175
القول الأول: لا يصح أمانه إلا إذا أذن له سيده بالقتال، أما إذا كان ممنوعاً من القتال فلا يصح أمانه.
وهو قول الحنفية والمالكية في قول.١
القول الثاني: يصح أمان العبد، أذن له في القتال أو لم يؤذن. قال به الثوري والأوزاعي وإسحاق بن راهويه.
وهو قول المالكية في المشهور وبه قال الشافعية والحنابلة، ومحمد بن الحسن من الحنفية.٢
الأدلة
١- أدلة أصحاب القول الأول المانعين من أمان العبد. استدلوا بما يلي:
١- أن الأمان يحتاج إلى نظر واجتهاد وتأمل والعبد الممنوع من القتال ليس من أهل هذه الأشياء لاشتغاله بخدمة سيده.٣
стр. 176
٢- ولأن من لا يسهم في الغنيمة كالعبد لا أمان له.١
٣- أن الأمان من شرطه الكمال، والعبد ناقص بالعبودية أي أنه ناقص العقل، والرأي عادة، والأمان يحتاج إلى كمال رأي وبعد نظر فوجب أن يكون للعبودية تأثير في إسقاطه قياساً على تأثيرها في إسقاط كثير من الأحكام الشرعية، ويخصص عموم حديث: "ذمة المسلمين واحدة ويسعى بها أدناهم" بهذا القياس.٢
ب- أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بما يلي:
١- بعموم حديث: "ذمة المسلمين واحدة ويسعى بها أدناهم" والعبد المسلم أدنى المسلمين فيتناوله الحديث.٣
٢- بقول عمر بن الخطاب ﵁: "العبد المسلم من المسلمين ذمته ذمتهم وأمانه أمانهم".٤
٣- وبما روى أن عبداً آمن قوما فأجاز عمر ﵁ أمانه.٥
٤- ولأن العبد مسلم مكلف فصح أمانه كالحر.٦
стр. 177
٥- ولأن حجر المولى يعمل في التصرفات الضارة دون النافعة، بل هو في التصرفات النافعة غير محجور كقبول الهبة والصدقة، ولا مضرة للمولى في أمان العبد بتعطيل منافعه عليه، لأَنه يتأدى في زمان قليل بل له ولسائر المسلمين فيه منفعة، فلا يظهر انحجاره فأشبه المأذون بالقتال.١
الرأي المختار:
الرأي الذي أميل وأختاره هو رأى الجمهور بصحة أمان العبد قاتل أو لم يقاتل.
وذلك لقوة أدلتهم، ولأن العبد المسلم مكلف لا فرق بينه وبين الحر في عقد الأمان.
ويمكن الجمع بين القولين: بأن العبد إما أن يكون صاحب خبرة ومعرفة ولدية قوة بصيرة في تدبير كثير من الأمور، فهذا يجوز أمانه مطلقا.
وإما أن يكون ليس لديه خبرة في تدبير الأمور، وحديث عهد بالإسلام أو كان بعيداً عن الواقع والحياة ولا يعلم ما يدور بين المسلمين وغيرهم، فهذا لا يجوز أمانه مطلقا.
الشرط الرابع: الاختيار
فلا ينعقد الأمان بالإكراه، وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء.٢
стр. 178
الشرط الخامس: الذكورية عند بعض الفقهاء، فلا يصح أمان المرأة، وقال به ابن الماجشون وسحنون من المالكية.١
لكن الجمهور من الفقهاء قالوا بصحة أمان المرأة للأحاديث الصريحة الصحيحة الواردة في ذلك، كقوله ﷺ لأم هانئ: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".٢
وبقوله ﷺ : "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم".٣
فالحديث عام في الرجال والنساء ولم يرد ما يخصصه.٤
ولما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز"٥ وكذلك روى عن عمر ﵁ مثل ذلك وقد سبق.
ولأن الذكورة ليست بشرط ليصح أمان المرأة لأنها بما معها من العقل لا تعجز عن الوقوف على حال القوة والضعف وقد روى أن زينب
стр. 179
بنت الرسول ﷺ آمنت زوجها أبا العاص ﵁ وأجاز الرسول أمانها.١
أما أصحاب الإمام مالك فقد حملوا قوله ﷺ لأم هانئ "قد أجرنا من أجرت" على أنه إجازة فيه قالوا فلو لم يجز لم يصح أمانها.٢
وحمله الجمهور على أنه ﷺ أمضى ما وقع منها وأنه قد انعقد أمانها، لأنه ﷺ سماها مجيرة ولأنها داخلة في عموم المسلمين في الحديث السابق.٣
الراجح في هذا هو قول الجمهور بصحة أمان المرأة ولا عبرة بخلاف من سواهم وقد ذكر ابن المنذر الإجماع في ذلك فقال: "أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئاً ذكره عبد الملك - يعني ابن الماجشون - لا أحفظ ذلك عن غيره" وقوله ﷺ "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل.٤
وبعد أن اخترنا أنه يحوز لكل فرد من أفراد الرعية أن يعقد الأمان الخاص مع المشركين حراً كان أو عبداً ذكراً أو أنثي للأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الشأن والآثار المروية عن بعض الصحابة التي تدل على ذلك.
نقول بأنه لا ينبغي أن يعطي الفرد من الرعية الحق في عقد الأمان
стр. 180
مع غير المسلمين في هذا الزمان إلا بعد الإذن من الإمام أو من يقوم مقامه، وذلك للأسباب الآتية:
١- أن الكفار لا يقصدون بالأمان مع المسلمين ودخول ديارهم التجارة وغيرها من المصالح التي تعود على المسلمين بالنفع كما كان في عهد النبي ﷺ وأصحابه أو من بعدهم، وإنما في غالب الأمر يقصدون الإضرار بالمسلمين، كالتجسس عليهم والتعرف على مواطن القوة والضعف في قواعدهم العسكرية أو غيرها.
٢- ولأن غالب أفراد الرعية من المسلمين في هذا الزمان أصبحوا ضعاف الإيمان، يمكن إغراؤهم وانخداعهم بشيء من المال أو غيره، ليدخل الكفار الأراضي الإسلامية فيفسدوا فيها ويتجسسوا عليها، وأيضاً الغالب منهم يقدم مصلحته الخاصة، على المصلحة العامة، فسدَّا للذريعة، وتفادياً لهذه المفاسد والعواقب السيئة التي تعود على المسلمين وعلى أراضيهم، أقول: بأنه لا يعطي الفرد من الرعية الحق في عقد الأمان مع غير المسلمين في هذا الزمان إلا بإذن من إمام المسلمين أو من يقوم مقامه.
فيكون كالحربي الذي دخل دار الإسلام بدون أمان.