← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11421

اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية

عبد العزيز بن مبروك الأحمدي

Полный текст (803 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٢- ولأن من لا يسهم في الغنيمة كالعبد لا أمان له.١ ٣- أن الأمان من شرطه الكمال، والعبد ناقص بالعبودية أي أنه ناقص العقل، والرأي عادة، والأمان يحتاج إلى كمال رأي وبعد نظر فوجب أن يكون للعبودية تأثير في إسقاطه قياساً على تأثيرها في إسقاط كثير من الأحكام الشرعية، ويخصص عموم حديث: "ذمة المسلمين واحدة ويسعى بها أدناهم" بهذا القياس.٢ ب- أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بما يلي: ١- بعموم حديث: "ذمة المسلمين واحدة ويسعى بها أدناهم" والعبد المسلم أدنى المسلمين فيتناوله الحديث.٣ ٢- بقول عمر بن الخطاب ﵁: "العبد المسلم من المسلمين ذمته ذمتهم وأمانه أمانهم".٤ ٣- وبما روى أن عبداً آمن قوما فأجاز عمر ﵁ أمانه.٥ ٤- ولأن العبد مسلم مكلف فصح أمانه كالحر.٦

стр. 177

٥- ولأن حجر المولى يعمل في التصرفات الضارة دون النافعة، بل هو في التصرفات النافعة غير محجور كقبول الهبة والصدقة، ولا مضرة للمولى في أمان العبد بتعطيل منافعه عليه، لأَنه يتأدى في زمان قليل بل له ولسائر المسلمين فيه منفعة، فلا يظهر انحجاره فأشبه المأذون بالقتال.١ الرأي المختار: الرأي الذي أميل وأختاره هو رأى الجمهور بصحة أمان العبد قاتل أو لم يقاتل. وذلك لقوة أدلتهم، ولأن العبد المسلم مكلف لا فرق بينه وبين الحر في عقد الأمان. ويمكن الجمع بين القولين: بأن العبد إما أن يكون صاحب خبرة ومعرفة ولدية قوة بصيرة في تدبير كثير من الأمور، فهذا يجوز أمانه مطلقا. وإما أن يكون ليس لديه خبرة في تدبير الأمور، وحديث عهد بالإسلام أو كان بعيداً عن الواقع والحياة ولا يعلم ما يدور بين المسلمين وغيرهم، فهذا لا يجوز أمانه مطلقا. الشرط الرابع: الاختيار فلا ينعقد الأمان بالإكراه، وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء.٢

стр. 178

الشرط الخامس: الذكورية عند بعض الفقهاء، فلا يصح أمان المرأة، وقال به ابن الماجشون وسحنون من المالكية.١ لكن الجمهور من الفقهاء قالوا بصحة أمان المرأة للأحاديث الصريحة الصحيحة الواردة في ذلك، كقوله ﷺ لأم هانئ: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".٢ وبقوله ﷺ : "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم".٣ فالحديث عام في الرجال والنساء ولم يرد ما يخصصه.٤ ولما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز"٥ وكذلك روى عن عمر ﵁ مثل ذلك وقد سبق. ولأن الذكورة ليست بشرط ليصح أمان المرأة لأنها بما معها من العقل لا تعجز عن الوقوف على حال القوة والضعف وقد روى أن زينب

стр. 179

بنت الرسول ﷺ آمنت زوجها أبا العاص ﵁ وأجاز الرسول أمانها.١ أما أصحاب الإمام مالك فقد حملوا قوله ﷺ لأم هانئ "قد أجرنا من أجرت" على أنه إجازة فيه قالوا فلو لم يجز لم يصح أمانها.٢ وحمله الجمهور على أنه ﷺ أمضى ما وقع منها وأنه قد انعقد أمانها، لأنه ﷺ سماها مجيرة ولأنها داخلة في عموم المسلمين في الحديث السابق.٣ الراجح في هذا هو قول الجمهور بصحة أمان المرأة ولا عبرة بخلاف من سواهم وقد ذكر ابن المنذر الإجماع في ذلك فقال: "أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئاً ذكره عبد الملك - يعني ابن الماجشون - لا أحفظ ذلك عن غيره" وقوله ﷺ "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل.٤ وبعد أن اخترنا أنه يحوز لكل فرد من أفراد الرعية أن يعقد الأمان الخاص مع المشركين حراً كان أو عبداً ذكراً أو أنثي للأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الشأن والآثار المروية عن بعض الصحابة التي تدل على ذلك. نقول بأنه لا ينبغي أن يعطي الفرد من الرعية الحق في عقد الأمان

стр. 180

مع غير المسلمين في هذا الزمان إلا بعد الإذن من الإمام أو من يقوم مقامه، وذلك للأسباب الآتية: ١- أن الكفار لا يقصدون بالأمان مع المسلمين ودخول ديارهم التجارة وغيرها من المصالح التي تعود على المسلمين بالنفع كما كان في عهد النبي ﷺ وأصحابه أو من بعدهم، وإنما في غالب الأمر يقصدون الإضرار بالمسلمين، كالتجسس عليهم والتعرف على مواطن القوة والضعف في قواعدهم العسكرية أو غيرها. ٢- ولأن غالب أفراد الرعية من المسلمين في هذا الزمان أصبحوا ضعاف الإيمان، يمكن إغراؤهم وانخداعهم بشيء من المال أو غيره، ليدخل الكفار الأراضي الإسلامية فيفسدوا فيها ويتجسسوا عليها، وأيضاً الغالب منهم يقدم مصلحته الخاصة، على المصلحة العامة، فسدَّا للذريعة، وتفادياً لهذه المفاسد والعواقب السيئة التي تعود على المسلمين وعلى أراضيهم، أقول: بأنه لا يعطي الفرد من الرعية الحق في عقد الأمان مع غير المسلمين في هذا الزمان إلا بإذن من إمام المسلمين أو من يقوم مقامه. فيكون كالحربي الذي دخل دار الإسلام بدون أمان.

стр. 181

الفرع الرابع: في لفظ الأمان ينعقد الأمان بكل لفظ يفيد مقصوده سواء كان صريحاً أو كناية أو إشارة، أو رسالة أو غيرها. أولاً: مثال اللفظ الصريح: كقوله: أمنتك، أو أجرتك، أولا خوف عليك، أو لا بأس عليك، أو لا تفزع، أو لا توجل، أو لا تذهل، أو ألق سلاحك، أو أنت آمن، أو بلفظ صريح غير عربي ككلمة مترس١ بالفارسية، أي لا تخف وغيرها من الألفاظ الصريحة.٢ والدليل على انعقاد الأمان بهذه الألفاظ: أولاً: قوله سبحانه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ ٣.

стр. 182

ثانياً: قوله ﷺ لأم هانئ: "أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت".١ ثالثاً: وقوله ﷺ "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن".٢ رابعاً: وروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إن الله يعلم كل لسان فمن أتى منكم أعجمياً فقال له مترس فقد أمنه.٣ ثانياً: مثال اللفظ الكنائي: أنت على ما تحب، أو كن كيف شئت، أو طب نفساً، أو تعال فاسمع الكلام، ولفظ الكناية لا بد فيه من النية بخلاف اللفظ الصريح.٤ ثالثاً: لفظ الإشارة: كالإشارة بالإصبع إلى السماء سواء كانت الإشارة من ناطق أو اخرس ومثل الإشارة الأمارة، كترك القتال.٥ لما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "أيما رجل من المسلمين

стр. 183

أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك فنزل إليه فقد أمنه الله فإنما نزول بعهد الله وميثاقه".١ وقال الإمام أحمد بن حنبل: "إذا أشير إليه بشيء غير الأمان فظنه أماناً فهو أمان، وكل شيء يرى العلج٢ أنه أمان فهو أمان".٣ رابعاً: وينعقد الأمان بالكتابة: وبالرسالة سواء كان الرسول مسلماً أو كافراً٤، وسواء كانت الرسالة بلغة عربية أو بأية لغة أخرى. مدة الأمان المستأمن إذا أراد الدخول إلى دار الإسلام وطلب الأمان، يعقد معه الأمان مدة مؤقتة، وقد اختلف الفقهاء في تحديد هذه المدة إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أن مدة الأمان يجب ألا تبلغ السنة، فإن أقام سنة فرضت عليه

стр. 184

الجزية، وصار ذمياً بعد تنبيه الإمام عليه في أنه إن قام سنة وضعت عليه الجزية. فالحربي إذا دخل دار الإسلام يطلب الأمان عقد معه الأمان لمدة مؤقتة أقل من سنة قلا يمكن من الإقامة الدائمة أو الطويلة، وإنما يسمح له بالإقامة اليسيرة. وهو قول فقهاء الحنفية ووجه للشافعية.١ القول الثاني: أن مدة الأمان يجب ألا تزيد على أربعة أشهر، ويبلغ بعدها المأمن، وهذا في حق الرجال المستأمنين. أما النساء: فلا يحتاج في أمانهم إلى التقييد بمدة معينة وقد نص الإمام الشافعي في الأم على أن المرأة المستأمنة إذا كانت ببلاد الإسلام لم تمنع ولا تتقيد بمدة لأن الأربعة إنما هي للرجال من المشركين. وهو قول المالكية والمشهور عند الشافعية.٢

стр. 185

القول الثالث: يجوز عقد الأمان مطلقاً أو مقيداً بمدة سواء كانت المدة طويلة أو قصيرة/ بخلاف عقد الهدنة فإنها لا تجوز إلا قصيرة. ولكنهم وضعوا حداً للمدة المقيدة فقالوا يجب ألا تزيد على عشر سنين، أي أن المستأمن تجوز له الإقامة في دار الإسلام أكثر من سنة إذا لم تحدد مدة أمانة بأقل منها. وهو قول فقهاء الحنابلة.١ قيل للإمام أحمد قال: الأوزاعي: "لا يترك المشرك في دار الإسلام إلا أن يسلم أو يؤدى فقال الإمام أحمد إذا أمنته فهو على ما أمنته".٢ الأدلة: أ- أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بما يلي: ١- قالوا: إن الأصل أنه لا يقيم الحربي الإقامة الدائمة في دار الإسلام إلا بدفع الجزية، ومدة السنة وما فوقها هي المدة التي تجب بها الجزية، فمن أجل ذلك لا يجوز عقد الأمان إلا فيما دون السنة.

стр. 186

٢- وأيضاً إذا طالت مدة إقامته يخاف منه الضرر على المسلمين، لأنه قد يكون جاسوساً.١ ب- أدلة أصحاب القول الثاني: الذين حددوا مدة الأمان بأربعة أشهر بالنسبة للرجال، أما النساء فلا تحديد لمدة إقامتهن: أولاً: بالقياس على مدة الهدنة، ومدة الهدنة التي أعطاها الشارع للمشركين حددها بأربعة أشهر بقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ٢ وهادن الرسول ﷺ صفوان بن أمية تلك المدة فقط.٣ ثانياً: بالنسبة للتفريق بين الرجال والنساء أن التقييد بمدة معينة بالنسبة للرجال لئلا يتركوا في دار الإسلام بلا جزية، أما المرأة فليست من أهل الجزية.٤ ج - أدلة أصحاب القول الثالث: الذين قالوا بأن مدة الأمان تجوز لأكثر من سنة: أن المستأمن أبيح له الإقامة في دار الإسلام من غير التزام جزية فلم تلزمه جزية كالنساء والصبيان، ولأن المستأمن لو كان ممن لا يجوز أخذ

стр. 187

الجزية منه يستوي في حقه السنة فما دونها في أن الجزية لا تؤخذ منه في المدتين، فإذا جازت له الإقامة في أحدهما جازت في الأخرى قياساً لها عليها، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَة﴾ أي يلتزمونها ولم يرد حقيقة الإعطاء وهذا مخصوص منها بالاتفاق، فإنه يجوز الإقامة من غير التزام لها ولأن الآية تخصصت بما دون الحول فنقيس على المحل المخصوص.١ الرأي المختار: إن مدة الأمان من الأمور التي لم يرد فيها نص صريح يدل على تحديدها، فلهذا تكون من الأمور الاجتهادية التي يقدرها الإمام باجتهاده بحسب الحاجة والمصلحة فلا تتقيد مدة الأمان بمدة معينة. لأن قول الحنفية بأن الأصل عدم جواز إقامة الحربي في دار الإسلام أكثر من سنة إلا بالجزية خلاف الواقع، لأنه يجوز أن يقيم غير المسلم بالأمان أكثر من سنة وتندفع مضرته بمراقبته، أو عدم عقد الأمان معه منذ البداية إذا خيف منه الضرر كالتجسس والخيانة لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ .٢ أما قياس الشافعية عقد الأمان على عقد الهدنة في تحديد المدة فهو

стр. 188

قياس مع الفارق وغير صحيح، لأن عقد الهدنة مغاير لعقد الأمان، فالهدنة هي مهادنة الكفار لوقف القتال، والأمان هو الإذن لهم بدخول دار الإسلام لمدة مؤقتة. وقال الإمام الرازي عند تفسيره لآية ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ ١: "ليس في هذه الآية ما يدل على أن مقدار هذه المهلة المعطاة للمستأمن كم يكون ولعله لا يعرف مقداره إلا بالعرف".٢ وقال الشوكاني: "لا دليل على هذا التوقيت بل المتعين الرجوع إلى ما في الأدلة من الإطلاق وقد جاءت بتصحيح الأمان ولم تقيد بوقت، لكن يجوز للمسلمين إذا كان الأمان الواقع من أحدهم مطلقاً أو أن يؤقتوه، وإن كان لمدة طويلة أن يجعلوه للمدة التي تقتضيها المصلحة، فإن رضي من وقع له الأمان بذلك وإلا رد إلى مأمنه".٣

стр. 189

الفرع الخامس: ما ينتقض به أمان المستأمن مع بيان تأمين الرسل والتجار ما ينتقض به أمان المستأمن: ينتقض أمان المستأمن بواحد من أمور منها: ١- النقض من أحد الجانبين من المؤمن أو المستأمن: فالمؤمن له أن ينقض عقد الأمان إذا خاف خيانة المستأمن وضرره على الإسلام والمسلمين، ورأى أن المصلحة في نقضه، ولكنه يجب عليه أن يعلمه بالنقض نفياً للغدر والخيانة١ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ ٢ أي أعلمهم بنقض أمانهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم بالنقض. والمستأمن ينتقض أمانه أيضاً إذا رجع إلى بلاده، ومحل إقامته الدائمة وهي دار الكفر، ولا يعود إلى دار الإسلام إلا بأمان جديد وهذا قول الجمهور.٣

стр. 190

وقال الحنابلة: "لا ينتقض أمان المستأمن برجوعه إلى دار الكفر لتجارة أو حاجة يقضيها على عزم عودته إلى دار الإسلام، لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة بدار الإسلام فأشبه الذمي إذا دخل لذلك. أما إذا دخل دار الكفر مستوطناً أو محارباً انتقض أمانه في نفسه وبقي في ماله، لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان ثبت له الأمان الذي معه فإذا بطل في نفسه بدخوله دار الكفر بقي في ماله لاختصاص المبطل بنفسه".١ ٢- انتهاء المدة المحددة لعقد الأمان: فإذا انتهت المدة فإن العقد ينتقض تلقائياً من غير حاجة إلى نقضه. ولكن إذا انتهت مدة المستأمن ولا يزال في دار الإسلام فهو آمن حتى رجوعه إلى داره.٢ ٣- ينتقض عقد الأمان بارتكاب المستأمن بعض الجرائم في دار الإسلام، كالقتل، والسرقة، والزنا، وقطع الطريق، وإفساد المسلمين وتضليلهم عن دينهم، لأن المستأمن عند دخوله إلى دار الإسلام مشروط عليه في عقد الأمان، الالتزام بالأحكام الإسلامية العامة، فلا يقتل ولا

стр. 191

يسرق، ولا يزني، ولا يتعامل بالربا أو غيره من العقود الفاسدة ولا يقطع الطريق، ولا يتجسس ولا يفعل شيئاً فيه مضرة على الإسلام والمسلمين. وهذا عند جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة.١ أما فقهاء الحنفية فقد خالفوا الجمهور وقالوا إن المستأمن إذا ارتكب شيئاً من هذه الجرائم لا ينتقض عهده.٢ فقال محمد بن الحسن: "إذا دخل الحربي دارنا بأمان، فقتل مسلماً عمداً أو خطأً، أو قطع الطريق، أو تجسس أخبار المسلمين فبعث بها إلى المشركين، أو زنى بمسلمة أو ذمية كرهاً، أو سرق، فليس يكون شيء منها ناقضاً للعهد".٣ ولكن المختار ما ذهب إليه الجمهور فالمستأمن بمجرد ارتكابه لجريمة من هذه الجرائم ينتقض عهده، لأنه مشروط عليه في عقد الأمان عدم الأضرار بالمسلمين، وارتكاب مثل هذه الجرائم في دارهم من أعظم الضرر بهم.

стр. 192

تأمين الرسل، والسفراء، والتجار اتفق الفقهاء على أنه إذا أرسل الكفار رسولاً منهم إلى دار الإسلام ودخلها بدون تقدم أمان فهو آمن، إذا أخرج ما يدل على أنه رسول كرسالة أو غيرها من رئيسه.١ لأن المهمة التي أرسل من أجلها تكون بمثابة الأمان له، فإذا أرسل الكفار رسولاً أو سفيراً إلى الدولة الإسلامية فهو آمن بما أرسل من شأنه. وقد أمن الرسول ﷺ رسل الكفار الذين يأتون إليه ليطلعوا على ما جد من أخبار الحرب، من الانسحاب أو المصالحة أو استمرار القتال، أو نحو ذلك. وقد ضرب رسول الله ﷺ أروع الأمثلة في معاملة رسل الأعداء، وعدم التعرض لأنفسهم وأموالهم بأذى. فقد أمن رسول الله ﷺ رسولي مسيلمة الذي هو من ألد أعداء الإسلام. ففي حدي نعيم بن مسعود٢رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله ﷺ حين جاءه رسولاً مسيلمة الكذاب بكتابه ورسول الله ﷺ يقول لهما وأنتما

стр. 193

تقولان مثلما يقول، فقالا نعم، فقال أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما".١ وعن عبد الله ﵁ قال: "مضت السنة أن لا تقتل الرسل".٢ أما في هذا الزمان فإرسال الرسل لتلقي الأخبار ونقلها والأشياء المهمة التي تخص الدولة الإسلامية أو غيرها من الدول الأخرى، فهو قليل لتطور الوسائل الحديثة التي تنقل الأخبار في أسرع وقت، ولا يوجد الآن إلا السفراء فهم بمثابة الرسل، فعملهم كسفراء لدى الدول الإسلامية أو غيرها يعتبر تأميناً لهم. أما التجار فقد نص الفقهاء على جواز تأمينهم بناء على العرف والعادة فإذا دخل الحربي دار الإسلام من غير تقدم أمان، وقال جئت تاجراً وكان معه ما يدل على ذلك فهو آمن٣، لأن العادة كما يقول ابن قدامة جرت بدخول تجارهم إلينا وتجارنا إليهم) .٤ وهذا القول يشير إلى أن هذا الحكم مبني على العرف والعادة فإذا

стр. 194

تبدلت العادة تبدل الحكم المبني عليها وفي هذا المعنى يقول الفقهاء لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.١ أما في الوقت الحاضر فلم تجر العادة بدخول التجار إلى غير دولهم بغير أمان، فلا بد لهم من ترخيص سابق بالدخول إلى إقليم الدولة شأنهم في هذا شأن غيرهم من المستأمنين، وعلى هذا تجري الدول الإسلامية في الوقت الحاضر فلا تسمح للتجار من الكفار بدخول أراضيها إلا بإذن سابق منها، وليس في هذا المسلك مخالفة للشريعة لأن ما نص عليه الفقهاء في هذه المسألة مبناه العرف، والعادة كما سبق، وقد تغيرت العادة في وقتنا الحاضر فتغير الحكم المبني عليها.٢

стр. 195

الفرع السادس: في حقوق المستأمن وواجباته حقوق المستأمن: إن الكافر الذي يدخل دار الإسلام بأمان، له حقوق يجب على الدولة الإسلامية الالتزام بها: وهي على النحو التالي: أولاً: له حق العصمة في نفسه، وماله، وعرضه، وسائر شؤونه ومصالحه مادام متمسكاً بعقد الأمان, لأنه بمجرد عقد الأمان معه فقد عصم نفسه من أن تزهق، ورقبته من أن تسترق، وعرضه من أن يهان، وماله من أن يعتدى عليه. لأن التعرض له والاعتداء عليه بعد عقد الأمان معه، يعتبر غدراً ونقضاً للعهد الذي أمر الله ورسوله ﷺ بالوفاء به مادام المستأمن مستمسكاً به ولم ينقضه. فقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ ١، وقال جل وعلا: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ

стр. 196

كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ ١ وقال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِم﴾ .٢ فجميع هذه الآيات الكريمات تدل على وجوب الوفاء بالعهد وعدم الغدر، ومن ذلك العهد الذي يعقد مع المستأمن لدخوله دار الإسلام. وكما دل الكتاب على وجوب الوفاء بالعهد وتحريم الغدر والخيانة فكذلك السنة دلت على وجوب الوفاء بالعهود جميعاً وعدم نفضها غدراً وخيانةً والتي من بينها العهود التي تعقد مع المستأمنين لدخولهم الديار الإسلامية. فقال ﷺ في حديث عبد الله بن عمر ﵄ "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به".٣ فبين الرسول ﷺ في هذا الحديث أن الغادر للعهود ينصب له يوم القيامة لواء يعرف به يوم القيامة، ويفتضح على رؤوس الأشهاد لأن فعله هذا يسيء إلى الإسلام وإلى الأخلاق الإسلامية العالية من الوفاء بالعهد وعدم الغدر والخيانة.

стр. 197

وقال ﷺ : "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً".١ والمستأمن من المعاهدين الذين يحرم قتلهم أو التعرض لهم بشيء ما أوفوا بالعهد والتزموا به. وقد صرح الفقهاء بوجوب المحافظة على المستأمن وعدم التعرض له أو الاعتداء على شيء من مصالحه. فقال السرخسي: "أموالهم صارت مضمونة بحكم الأمان فلا يمكن أخذها بحكم الإباحة وأن ماله الذي اكتسبه في دار الإسلام يبقى على ملكه، ولا تزول عنه ملكيته ولو عاد إلى دار الحرب. وقال أيضاً: يجب على إمام المسلمين أن ينصر المستأمنين ما داموا في دارنا، وأن ينصفهم ممن يظلمهم، كما يجب عليه ذلك في حق أهل الذمة، لأنهم تحت ولايتنا".٢ وقال الموصلي: "لا يجوز لأحد التعرض له - أي للمستأمن- بقتل، ولا أخذ مال كما لو أمنه الإمام".٣ وقال العدوي المالكي: "واعلم أن ثمرة الأمان العائدة على المؤمن حرمة قتله واسترقاقه وعدم ضرب الجزية عليه".٤

стр. 198

وقال الشيرازي: "إذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان في تجارة أو رسالة ثبت له الأمان في نفسه وماله ويكون حكمه في ضمان النفس والمال حكم الذمي".١ وقال النووي: "إذا نعقد الأمان صار المؤمن معصوماً عن القتل والسبي".٢ وقال ابن القيم: "المستأمن يحرم قتله وتضمن نفسه".٣ وهذه النقولات من الفقهاء تدل دلالة واضحة على مدى حرصهم على رعاية الأمان، والحفاظ على حقوق المستأمن والابتعاد عن كل عمل قد يدخل في نطاق الخيانة وعدم الوفاء بمقتضيات الأمان.٤ ثانياً: للمستأمن حق الحرية في الذهاب والمجيء، والتنقل من مكان إلى آخر داخل في دار الإسلام. إلا الأماكن التي ورد النهي في منع المشركين من دخولها أو الإقامة فيها وستأتي بالتفصيل. ثالثاً: يتمتع المستأمن بحق الحرية الدينية فليس لأحد من المسلمين

стр. 199

التعرض له ولما يدين به، لأن الأصل المقرر في الإسلام ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ١ ولكن ينبغي أن يبين له أن الإسلام هو الدين الحق، والذي يجب على جميع البشرية اعتناقه، لأن من الحِكَم التي من أجلها أبيح عقد الأمان له هو الإطلاع على محاسن الإسلام وعدالته ومن ثم دخوله فيه. والدولة الإسلامية لا تكره الذمي وهو من رعاياها على تغيير دينه، فمن باب أولى أن لا تكره المستأمن وهو أجنبي عنها. رابعاً: له حق الخروج من دار الإسلام والرجوع إلى بلده دار الكفر كما له حق التمتع بكامل المرافق العامة للدولة الإسلامية كوسائل المواصلات. فله أن يتمتع بالخدمات التي توفرها الدولة الإسلامية لسكانها من السكن والماء والكهرباء وغير ذلك. كما له حق التمتع بجميع الحقوق العائلية من الزواج وغيره، بشرط عدم مخالفته النظام العام للدولة الإسلامية فليس له أن يتزوج بمسلمة.٢ خامساً: له حق التمتع في مزاولة التجارة والصناعة والبيع والشراء

стр. 200

وسائر المعاملات المالية، مع أهل دار الإسلام، فلا يمنع من التعامل معهم في البيع والشراء، بل هو أمر مباح ما دام هذا التعامل مطابقاً لأحكام الشريعة الإسلامية وغير مخالف لها.١ وفي هذا يقول ابن رشد: "وأما مبايعة أهل الحرب ومتاجرتهم إذا قدموا بأمان فذلك جائز".٢ إلا أنهم لا يمكنون من شراء ما فيه تقوية لأهل دار الحرب من سلاح أو نحوه، ولا يجوز لسكان دار الإسلام أن يبيعوهم شيئاً من ذلك. قال ابن رشد: "لا يجوز أن يباعوا مما يستعينون به في حروبهم من كراع أو سلاح أو حديد ولا شيئاً مما يرهبون به المسلمين قي قتالهم".٣ وقال في شرح الأزهار: "لا يجوز أن يمكن المستأمن من شراء آلات الحرب سيف أو قوس، أو درع أو نحو ذلك".٤ والسبب من عدم بيعهم آلات الحرب لما يترتب عليه من إلحاق الضرر بالمسلمين بتقوية أعدائهم الكافرين. وإذا اشترى المستأمنون شيئاً من هذه الآلات الحربية يمنعون من

стр. 201

الرجوع به إلى دارهم، ولهم أن يبيعوه قبل الخروج من دار الإسلام ويتسلموا ثمنه، فإن أبوا إلا الخروج به أجبروا على بيعه.١ واجبات المستأمن: إن المستأمن الذي يدخل دار الإسلام بأمان، يجب عليه الالتزام بجميع الواجبات المشروطة عليه في عقد الأمان والتي منها: أولاًً: احترام أحكام الشريعة الإسلامية، والامتناع عن كل ما يشعر بأن فيه إهانة للمسلمين، وانتقاصاً لدينهم، كسب الله أو كتابه أو رسوله أو دينه أو ذكرهم بسوء أو غير ذلك، كارتكاب الجرائم المحرمة في دارهم كالقتل والسرقة والزنا، والتجسس على المسلمين، لأن مثل هذه الأفعال فيها ابتذال واستهزاء بالمسلمين وبعقيدتهم التي هي أساس قيام دولتهم الإسلامية. وفي هذا يقول الكاساني: "المستأمن يلتزم بأحكام الإسلام مادام في دارنا كما يلتزم بها الذمي".٢ ثانياً: يجب عليهم المحافظة على الأمن والنظام العام في دار الإسلام وعدم الخروج عليهما. ثالثاً: يجب على المستأمنين الامتناع من إظهار المحرمات في دار

стр. 202

الإسلام كخمورهم وخنازيرهم ومعتقداتهم الفاسدة، لأن في الإشهار بهذه الأشياء ضرراً على المسلمين، والأمان عقد معهم بشرط عدم الضرر بالإسلام والمسلمين.١ رابعاً: يجب على المستأمن ألا يتعامل بالمعاملات المحرمة في الشريعة الإسلامية. فلا يسمح له بالتبايع بالربا وغيره من العقود الفاسدة، لأنه ما دام في دار الإسلام فهو كالمسلمين، والمسلم يحرم عليه التعامل بالربا وغيره من العقود الفاسدة. فالمستأمن ما دام في دار الإسلام يجب عليه الخضوع لأحكام الإسلام فيما يتعلق بالمعاملات من التجارة والصناعة، والبيع والشراء، مع المسلمين أو غيرهم من سكان دار الإسلام كالذميين. فحتى لو كان التعامل بالربا بينه وبين ذمي أو مستأمن آخر فإنه يمنع من ذلك لأنه في دار الإسلام ويلتزم بأحكامه ونظامه.٢ هذه هي أهم الواجبات التي يجب على المستأمن أن يلتزم بها ما دام في دار الإسلام، أما إذا فرط في شيء من ذلك، فإنه يعتبر ناقضاً للعهد،

стр. 203

ويكون لا عصمة له فدمه هدر، وماله مباح للمسلمين فيكون كالحربي الذي دخل دار الإسلام بدون أمان

стр. 204

المبحث الثالث: في تحديد معنى دار الكفر وأقسامها المطلب الأول: في تحديد معنى دار الكفر عرف العلماء دار الكفر بتعاريف كثيرة مختلفة في الشكل واللفظ، ومتفقة في المضمون والمعنى، وكلها تدور حول أن دار الكفر هي الدار التي تظهر فيها أحكام الكفر وتكون السلطة فيها لغير المسلمين. وسأذكر بالتفصيل تعريفها عند الفقهاء والعلماء المعاصرين ليتضح معناها والمراد بها. أولا: تعريف الفقهاء لدار الكفر: أ- عرف فقهاء الحنفية دار الكفر بأنها: الدار التي يجري فيها أمر رئيس الكافرين ويخاف فيها المسلمون من الكفار، فعلى هذا تكون دار الكفر هي الدار التي لا يكون فيها السلطان والمنعة للحاكم المسلم والغلبة فيها لأحكام الكفر.١ يقول الكاساني: "تصير الدار دار كفر بظهور أحكام لكفر فيها".٢ قلت: ولا يمكن ظهور أحكام الكفر في الدار الظهور الحقيقي إذا لم تكن السلطة والسيادة فيها للكفار. وعن أبي يوسف ومحمد بن الحسن أنهما قالا: "إذا أظهروا أحكام

стр. 205

الشرك فيها فقد صارت دارهم دار كفر، لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة، فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار كفر".١ ويفهم من هذا أن الدار التي تظهر فيها أحكام الشرك وتكون الغلبة والسلطة فيها للمشركين، والقوة لهم فيها على المسلمين هي دار الكفر. وهذا ما قال به الإمام أبو حنيفة: فقال السرخسي: "ولكن أبا حنيفة يعتبر تمام القهر والقوة"٢-أي لأحكام الكفر -. فمتى قهروا المسلمين، وتقووا عليهم، وغلبوهم صارت دارهم دار كفر. ب - أما فقهاء المالكية فقالوا عن تعريف دار الكفر بأنها: "الدار التي تظهر وتجري فيها أحكام الكفار". ٣ قال الإمام مالك: "كانت مكة دار كفر لأن أحكام الجاهلية ظاهرة يومئذ" ٤ قلت: ولا يمكن أن تجري أحكام الكفار إذا لم تكن السلطة والسيادة في الدار لهم.

стр. 206

وعرفها الشافعية بأنها: "الدار التي لا يثبت للمسلمين عليها يد".١ وعرفها الحنابلة بأنها: "الدار التي تغلب فيها أحكام الكفر".٢ فالدار التي تكون فيها الغلبة لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام هي دار الكفر عندهم. قال القاضي أبو يعلي: "وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار الكفر".٣ وقال ابن القيم: "وما لم تجري عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها فهذه الطائف قريبة إلى مكة جداً ولم تصر دار إسلام بفتح مكة".٤ وقال ابن سعدي: "إن دار الكفر هي التي يحكمها الكفار وتجري فيها أحاكم الكفر، ويكون النفوذ فيها للكفار، وهي على نوعين بلاد كفار حربيين، وبلاد كفار مهادنين بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة، فتصير إذ كانت الأحكام للكفار دار كفر ولو كان بها كثير من المسلمين".٥

стр. 207

وعرفها الظاهرية: "بأنها الدار التي يملكها ويحكمها الكفار وتغلب فيها أحكامهم لأن الدار إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها سواء كان مسلما أو كافرا".١ وعرفها الشوكاني بأنها: "الدار التي تظهر فيها أحكام الكفر" فقال: "إن الاعتبار بظهور الكلمة فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الكفر، بحيث لا يستطيع من فيها من المسلمين أن يظهر دينه إلا لكونه مأذونا له بذلك من أهل الكفر، فهذه دار كفر ولا يؤثر ظهور بعض الخصال الإسلامية، لأنها لم نظهر بقوة المسلمين، ولا بصولتهم، وإنما ظهرت بعد الإذن فيها من الكفار". ٢ ثانيا: تعريف العلماء المعاصرين لدار الكفر: قال سيد قطب: "دار الكفر هي الدار التي تسيطر عليها عقيدة الكفر وتحكم فيها شرائعه، فتشمل كل بلد تطبق فيها أحكام الكفر وتحكمه شريعة الكفر".٣ وقال عبد القادر عودة: "دار الكفر تشمل كل البلاد غير الإسلامية التي لا تدخل تحت سلطان المسلمين، أولا تظهر فيها أحكام الإسلام، سواء أكانت هذه البلاد تحكمها دولة واحدة، أو تحكمها دول متعددة، ويستوي أن يكون بين سكانها المقيمين إقامة دائمة مسلمون أولا

стр. 208

يكون، مادام المسلمون عاجزين عن إظهار أحكام الإسلام".١ وجاء في معجم لغة الفقهاء: "دار الكفر البلاد التي يكون فيها المسلمون قلة والحكم فيها بغير أنظمة الإسلام". ٢ وقال عبد الوهاب خلاف: "دار الكفر هي الدار التي لا تجرى عليها أحكام الإسلام، ولا يأمن من فيها بأمان المسلمين سواء أكانوا مسلمين أم ذميين".٣ وقال صاحب القاموس الإسلامي: "دار الكفر هي الدار التي تخضع لحكم الكفار، والأحكام النافذة فيها أحكامهم، ويسكنها الكفار وغيرهم"٤ وبعد استعراض هذه التعاريف عند الفقهاء، والعلماء المعاصرين، لدار الكفر نجدها متفقة في المدلول والمعنى، وهو أن دار الكفر ما يحكمها ويسيطر عليها الكفار، وتغلب فيها أحكامهم على الأحكام الإسلامية، وإن كانوا قلة والمسلمون كثرة، وإن كان البعض لم يذكر في تعريفها إلا غلبة الأحكام الكفرية، ولم يذكر السلطة لأنها تأتي تبعاً لغلبة الأحكام وظهورها فلا يمكن أن تغلب الأحكام الكفرية وتظهر الظهور الحقيقي. إلا إذا كانت السلطة والسيادة في الدار لهم وليس للمسلمين.

стр. 209

وهذا هو التعريف الحقيقي لدار الكفر عند علماء الإسلام كافة وينبغي لمن جله أو تجاهله، أن يطلع عليه، ليعرف من خلاله أن الأرض داران، دار إسلام وهي ما تغلب فيها أحكام الإسلام وسلطانه، ودار كفر وهي ما تغلب فيها أحكام الكفر وسلطانه. والذي يظهر من تعريف العلماء لكلا الدارين أن المعول في تمييز الدار من دار إسلام، أو دار كفر، هو وجود السلطة وسريان الأحكام، فإن كانت الأحكام والسلطة إسلامية كانت الدار دار إسلام، وإن كانت الأحكام والسلطة غير إسلامية كانت الدار دار كفر. وفي هذا يقول محمد بن الحسن: "المعتبر في حكم الدار هو السلطان والمنعة في ظهور الحكم". ١ وقال بعض العلماء: "ويظهر في تقسيم الدارين، أن المعول في تمييز الدار هو وجود السلطة وسريان الأحكام، فإن كانت إسلامية كانت دار إسلام، وإذا كانت غير إسلامية كانت الدار دار كفر، وهذا واضح من تعريف الفقهاء لكل من الدارين".٢ وبهذا يتضح أن دار الكفر هي الدار التي تكون السلطة والسيادة وغلبة الأحكام فيها لغير المسلمين. والمقصود بالسلطة والسيادة أن يكون رؤساء وحكام هذه الدار غير

стр. 210

مسلمين - أي كافرين - لا يلتزمون بشريعة الله، ويجحدونها ولا يطبقونها في أرضه، وإنما يطبقون الأنظمة والقوانين الوضعية التي وضعها البشر. والمقصود أيضاً بغلبة الأحكام - هو عكس غلبة أحكام الإسلام. أي أن أحكام الكفر عي الغالبة من عبادة غير الله والشرك به. وكلمة الكفار هي النافذة، يستعبد الناس بعضهم بعضاً، ويظهر الظلم وأعظمه الشرك بالله، وإعطاء غيره حق التشريع، والتحليل والتحريم، فيما لم يأذن به الله، ويسيطر ويتسلط القوي على الضعيف ليأخذ حقه بقوته، وترتفع راية الكفر، وتختفي راية التوحيد ويكون النظام العام المحترم هو نظام الكفر، لا شريعة الله وأحكامه التي شرعها لعباده.١

стр. 211

المطلب الثاني: في أقسام دار الكفر وفيه فرعان: تنقسم دار الكفر إلى قسمين: ١- دار كفر حربية - دار حرب. ٢- دار كفر غير حربية - دار عهد. وفي هذا يقول ابن القيم: "والكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد".١ فأهل الحرب هم الكفار الحربيون أهل دار الحرب، وأهل العهد هم الكفار المعاهدون أهل دار العهد. وقال ابن سعدي: "دار الكفر على نوعين: بلاد كفار حربيين- أي دار الحرب- وبلاد كفار مهادنين- بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة٢ - أي دار العهد-. وذكر صاحب معالم في الطريق: بعد أن ذكر معنى دار الإسلام وما عداها دار كفر، علاقة المسلم بها إما القتال وهذه هي دار الحرب وإما المهادنة على عهد أمان وهذه هي دار العهد. ولكنها ليست دار إسلام، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين.٣ قلت: ومما يدل على هذا التقسيم أي تقسيم دار الكفر إلى دار حرب ودار عهد:

стр. 212

ما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه"١. فهذا الحديث نص صريح، في تقسيم دار الكفر إلى دار حرب يجب نصب العداء التام لها، لأنه لا يوجد بينها وبين المسلمين علاقة سلم ومهادنة بل العلاقة بينهما القتال والمحاربة. ودار عهد لا تجوز محاربتها للعهد والمهادنة التي توجد بينها وبين المسلمين فالعلاقة بينهما علاقة سلم وهدنة ومصالحة.

стр. 213

الفرع الأول في القسم الأول: وهي دار الكفر الحربية - دار الحرب - دار الحرب هي الدار التي تنصب العداء التام للإسلام والمسلمين وتحاول جادة في القضاء عليه وعليهم، ولا فرق بين أن تعلن ذلك أو لا تعلنه ولم يكن بينهما وبين المسلمين معاهدات، فالعلاقة بينها وبين المسلمين علاقة عداء وحرب. وهذا ما صرح به الفقهاء فقالوا: إن دار الحرب هي الدار التي يتسلط عليها الكفار، وتغلب فيها أحكامهم، ويخاف فيها المسلمون من الكفار.١ وقد اختار بعض العلماء المعاصرين تعريفاً لدار الحرب غير هذا التعريف ومضمونه: "أن دار الحرب هي الدار التي تعلن الحرب على المسلمين فقط، أما إذا لم تعلن فليست بدار الحرب"٢. وقال به الكثير من العلماء المعاصرين.٣ فعلى رأي هؤلاء ومن سار على نهجهم، تكون الدول الكافرة التي لا تعلن الحرب على المسلمين، وليس بينها وبين المسلمين عقود معاهدات

стр. 214

أو علاقات دولية ليست بدار الحرب يفترض على المسلمين أن يعدوا العدة لجهادهم. ويمكن أن نقول لهؤلاء بأن دار الحرب التي جانبهم الصواب في معناها وحقيقتها التي يجب على المسلمين أن ينصبوا لها العداء التام ما دامت السماوات والأرض - هي الدار التي تنصب العداء التام للإسلام والمسلمين ولا فرق بين أن تعلن ذلك أو لا تعلنه، ولم يكن بينها وبين المسلمين عهد أو علاقات دولية، والعلاقة بينهما علاقة عداء وحرب. وينبغي أن يعلم أيضاً أن دار الحرب في عداء دائم ومستمر مع دار الإسلام، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن كلمة حربي ترادف كلمة عدو دائماً وأبداً، وأن الدولة الكافرة التي لا تعلن الحرب على المسلمين، ولم يكن بينهم وبينها معاهدات، أو علاقات، أخطر على الإسلام والمسلمين من تلك التي تعلن الحرب عليهم، لأن الدول الكافرة التي تعلن الحرب على المسلمين ربما كان هذا في صالحهم ليأخذوا حذرهم ويعدوا العدة لمواجهتهم، ومحاربتهم، وإخضاعهم لسلطان الإسلام وأحكامه. أما التي لا تعلن الحرب عليهم فإنها تحاربهم وتقضي عليهم سراً من حيث لا يعلمون، وهم نائمون، ينتظرون الإعلان. وأيضاً قولهم هذا خلاف ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، الذين كانوا يعتبرون جميع دار الكفر التي لم تعقد معهم المعاهدات، والموادعات، والمهادنات، دور حرب، تجب محاربتها، وإخضاعها لحكم الإسلام وسلطانه وإن لم تعلن الحرب على المسلمين.

стр. 215

الفرع الثاني في القسم الثاني: دار الكفر غير الحربية - دار العهد - العهد لغة: يطلق على الأمان، قال تعالى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ١ أي أماني، وعلى الذمة تقول هذا في عهدي أي في ذمتي، والمعاهد الذمي، وعاهده أي أعطاه عهداً فهو معاهد ومعاهد. ويطلق العهد على الموثق واليمين يحلف بها الرجل، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ ٢، وتقول على عهد الله وميثاقه، وتقول علي عهد الله لأفعلن كذا، ومنه ولي العهد لأنه ولي الميثاق. ويطلق على الوفاء: قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ ٣ أي من وفاء. وعلى الوصية، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ .٤ ويقال عهد إلي في كذا أي أوصاني. والعهد يطلق على كل ما عوهد الله عليه وكل ما كان بين العباد
следующие страницы →