← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11421

اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية

عبد العزيز بن مبروك الأحمدي

Полный текст (803 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المطلب الثاني: في أقسام دار الكفر وفيه فرعان: تنقسم دار الكفر إلى قسمين: ١- دار كفر حربية - دار حرب. ٢- دار كفر غير حربية - دار عهد. وفي هذا يقول ابن القيم: "والكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد".١ فأهل الحرب هم الكفار الحربيون أهل دار الحرب، وأهل العهد هم الكفار المعاهدون أهل دار العهد. وقال ابن سعدي: "دار الكفر على نوعين: بلاد كفار حربيين- أي دار الحرب- وبلاد كفار مهادنين- بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة٢ - أي دار العهد-. وذكر صاحب معالم في الطريق: بعد أن ذكر معنى دار الإسلام وما عداها دار كفر، علاقة المسلم بها إما القتال وهذه هي دار الحرب وإما المهادنة على عهد أمان وهذه هي دار العهد. ولكنها ليست دار إسلام، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين.٣ قلت: ومما يدل على هذا التقسيم أي تقسيم دار الكفر إلى دار حرب ودار عهد:

стр. 212

ما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه"١. فهذا الحديث نص صريح، في تقسيم دار الكفر إلى دار حرب يجب نصب العداء التام لها، لأنه لا يوجد بينها وبين المسلمين علاقة سلم ومهادنة بل العلاقة بينهما القتال والمحاربة. ودار عهد لا تجوز محاربتها للعهد والمهادنة التي توجد بينها وبين المسلمين فالعلاقة بينهما علاقة سلم وهدنة ومصالحة.

стр. 213

الفرع الأول في القسم الأول: وهي دار الكفر الحربية - دار الحرب - دار الحرب هي الدار التي تنصب العداء التام للإسلام والمسلمين وتحاول جادة في القضاء عليه وعليهم، ولا فرق بين أن تعلن ذلك أو لا تعلنه ولم يكن بينهما وبين المسلمين معاهدات، فالعلاقة بينها وبين المسلمين علاقة عداء وحرب. وهذا ما صرح به الفقهاء فقالوا: إن دار الحرب هي الدار التي يتسلط عليها الكفار، وتغلب فيها أحكامهم، ويخاف فيها المسلمون من الكفار.١ وقد اختار بعض العلماء المعاصرين تعريفاً لدار الحرب غير هذا التعريف ومضمونه: "أن دار الحرب هي الدار التي تعلن الحرب على المسلمين فقط، أما إذا لم تعلن فليست بدار الحرب"٢. وقال به الكثير من العلماء المعاصرين.٣ فعلى رأي هؤلاء ومن سار على نهجهم، تكون الدول الكافرة التي لا تعلن الحرب على المسلمين، وليس بينها وبين المسلمين عقود معاهدات

стр. 214

أو علاقات دولية ليست بدار الحرب يفترض على المسلمين أن يعدوا العدة لجهادهم. ويمكن أن نقول لهؤلاء بأن دار الحرب التي جانبهم الصواب في معناها وحقيقتها التي يجب على المسلمين أن ينصبوا لها العداء التام ما دامت السماوات والأرض - هي الدار التي تنصب العداء التام للإسلام والمسلمين ولا فرق بين أن تعلن ذلك أو لا تعلنه، ولم يكن بينها وبين المسلمين عهد أو علاقات دولية، والعلاقة بينهما علاقة عداء وحرب. وينبغي أن يعلم أيضاً أن دار الحرب في عداء دائم ومستمر مع دار الإسلام، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن كلمة حربي ترادف كلمة عدو دائماً وأبداً، وأن الدولة الكافرة التي لا تعلن الحرب على المسلمين، ولم يكن بينهم وبينها معاهدات، أو علاقات، أخطر على الإسلام والمسلمين من تلك التي تعلن الحرب عليهم، لأن الدول الكافرة التي تعلن الحرب على المسلمين ربما كان هذا في صالحهم ليأخذوا حذرهم ويعدوا العدة لمواجهتهم، ومحاربتهم، وإخضاعهم لسلطان الإسلام وأحكامه. أما التي لا تعلن الحرب عليهم فإنها تحاربهم وتقضي عليهم سراً من حيث لا يعلمون، وهم نائمون، ينتظرون الإعلان. وأيضاً قولهم هذا خلاف ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، الذين كانوا يعتبرون جميع دار الكفر التي لم تعقد معهم المعاهدات، والموادعات، والمهادنات، دور حرب، تجب محاربتها، وإخضاعها لحكم الإسلام وسلطانه وإن لم تعلن الحرب على المسلمين.

стр. 215

الفرع الثاني في القسم الثاني: دار الكفر غير الحربية - دار العهد - العهد لغة: يطلق على الأمان، قال تعالى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ١ أي أماني، وعلى الذمة تقول هذا في عهدي أي في ذمتي، والمعاهد الذمي، وعاهده أي أعطاه عهداً فهو معاهد ومعاهد. ويطلق العهد على الموثق واليمين يحلف بها الرجل، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ ٢، وتقول على عهد الله وميثاقه، وتقول علي عهد الله لأفعلن كذا، ومنه ولي العهد لأنه ولي الميثاق. ويطلق على الوفاء: قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ ٣ أي من وفاء. وعلى الوصية، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ .٤ ويقال عهد إلي في كذا أي أوصاني. والعهد يطلق على كل ما عوهد الله عليه وكل ما كان بين العباد

стр. 216

من المواثيق، وأكثر ما يطلق العهد في الحديث على أهل الذمة.١ أما دار العهد: فهي دار الكفر التي عقد أهلها العهد بينهم وبين المسلمين، بعوض أو بغير عوض بحسب المصلحة التي تعود على المسلمين أي أن العلاقة بين أهلها وبين المسلمين علاقة سلمية لا حربية.٢ وهذا العهد تكون مصلحة المسلمين فيه هي الراجحة ويكون إلى مدة معينة وبشروط إسلامية. أما دور الكفر المعاهدة في هذا الوقت فلا ينطبق عليها هذا التعريف ونحتار فيما يطلق عليها، لأن المعاهدات والعلاقات الدولية التي تكون بينها وبين المسلمين تكون على غير شروط إسلامية، والمصلحة الراجحة فيها تكون لصالح الكفار، وكذلك مدتها تكون مؤبدة غير مقيدة بزمن، وتساعد أعداء المسلمين بالمال، والرجال، والسلاح، ومتى رأت أن المصلحة في نقض العلاقة بينها وبين الدول الإسلامية، نقضت هذه العلاقة والاتفاقية بدون إنذار أو إشعار. وبناء على هذا يظهر أن الدول الكافرة التي بينها وبين المسلمين عهود واتفاقات وعلاقات في هذا الزمان أقرب إلى دار الحرب وإن لم تعلن ذلك.

стр. 217

وأهل العهد على ثلاثة أصناف كما قال ابن القيم: أهل الذمة، وأهل الهدنة، وأهل الأمان. الصنف الأول: أهل الذمة وهم من سكان دار الإسلام والصنف الثاني المستأمنون وقد سبق بيانهم في المبحث الثاني من الفصل الأول من الباب الأول. أما الصنف الثالث من أهل العهد فهم أهل الهدنة وهم سكان دار العهد. فسأبحث في هذا الصنف الأشياء التي تتعلق بالهدنة، كتعريفها، ومشروعيتها، وشرطها، والآثار المترتبة عليها. أولاً: تعريف الهدنة لغة وشرعاً: فالهدنة في اللغة: المصالحة بعد الحرب، مشتقة من الهدون، وهي السكون والدعة، لأن بها تسكن الحرب والفتنة، هدنت الرجل إذا سكنته، وهادنته صالحته، وهدن عدوه إذا كافه. هدن الصبي سكنه وأرضاه، وهدنت المرأة ولدها أسكنته بكلام وغيره لينام. ويقال للصلح بعد القتال والموادعة بين المسلمين والكفار وبين كل متحاربين هدنة.١

стр. 218

والموادعة بمعنى المهادنة ومعناها المتاركة. قال الشرقاوي: "وتسمى الهدنة موادعة أي متاركة وراحة، من الدعة، وهي حصول الراحة من القتال في تلك المدة التي اتفق عليها، وتسمى مسالمة أي مصالحة، مجمل أسمائها خمسة كلها بمعنى واحد".١ وقال البهوتي: "وهي لغة السكون وتسمى مهادنة وموادعة من الدعة وهي الترك، ومعاهدة من العهد بمعنى الأمان، ومسالمة من السلم بمعنى الصلح".٢ أما الهدنة شرعاً: فهي: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معلومة بعوض منهم أو من المسلمين عند الضرورة، وبغير عوض بحسب المصلحة التي تعود على المسلمين.٣ ثانياً: مشروعية عقد الهدنة: إن جواز مصالحة ومهادنة أهل الحرب على ترك القتال مدة من الزمن ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع.

стр. 219

أ- فدليل مشروعيتها من الكتاب: قوله تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ .١ وقوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ .٢ وجه الدلالة من الآيات: دلت هذه الآيات الكريمات على جواز عقد الهدنة مع المشركين لأن الله قد برئ من المشركين، إلا المعاهدين منهم الذين عقدوا الهدنة مع المسلمين، فثبتوا على عهدهم فيجب إتمام العهد إليهم بشرط الوفاء بشروط العهد من قبلهم، فلا يعاونون أحداً على المسلمين.٣ ٢- وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .٤

стр. 220

فالآية دلت على أن الكفار إذا مالوا إلى الهدنة فينبغي للمسلمين قبولها والميل إليها. قال القرطبي: "إن مالوا يعني الذين نبذ إليه عهدهم إلى المسالمة أي الصلح فمل إليها".١ وقال ابن كثير: "وإن جنحوا أي مالوا للسلم، أي المسالمة والمصالحة، والمهادنة، فمل إليها واقبل منهم ذلك".٢ وقال الرازي: "معنى الآية إذا مالوا إلى الصلح، فالحكم قبول الصلح أي فمل إليه".٣ وقال ابن حجر: "إن هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين".٤ ب - دليل مشروعيتها من السنة: ١- حديث صلح الحديبية، وهو حديث طويل والشاهد منه أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس.٥

стр. 221

٢- وموادعته ومصالحته ﷺ ليهود المدينة. فعندما استقر ﷺ بالمدينة كتب كتاباً بين المسلمين واليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم واشترط لهم.١ وهذه أول معاهدة يعقدها النبي ﷺ بين المسلمين واليهود، وتعتبر من أنفس العقود الدولية، وأمتعها وأحقها، بالنظر والتقدير من الناس كافة، ويا حبذا لو كانت نبراساً للمسلمين في أصول المعاهدات، والعلاقات الدولية بينهم وبين مخالفيهم من أهل الأديان الأخرى.٢ إلى غير ذلك من المعاهدات والمهادنات الكثيرة، التي عقدها الرسول ﷺ بين المسلمين والمشركين. ثالثاً: الإجماع: لقد انعقد إجماع العلماء على جواز الهدنة مع غير المسلمين ولم يعلم لهم في ذلك مخالف.٣

стр. 222

من تعقد له الهدنة: تعقد الهدنة مع جميع الكفار بلا خلاف بين العلماء، بحسب المصلحة والمنفعة التي تعود على المسلمين.١ شروط الهدنة: لا تنعقد الهدنة إلا إذا توفرت فيها شروط أربعة - وهي: ١- أن يعقدها الإمام أو نائبه. ٢- أن تكون فيها مصلحة للمسلمين. ٣- خلو عقدها من الشروط الفاسدة. ٤- أن تكون مدة المهادنة محددة بزمن معين. تفصيل هذه الشروط: الشرط الأول: أن يعقد الهدنة مع المشركين الإمام أو نائبه، لأن عقد الهدنة من العقود المهمة التي تحتاج إلى سعة نظر، وتقدير للمصالح العامة وتدبير تام للقضايا الحربية، وهذا كله لا يمكن توافره إلا في إمام المسلمين أو من يقوم مقامه. وإن عقد الهدنة غير الإمام أو نائبه، لا تصح، ويعتبر هذا إفتياتاً على الإمام وتعديا على سلطانه ولو جاز أن يعقد الهدنة آحاد الرعية لتعطل الجهاد، فلا يؤمن أن يهادن الرجل أهل إقليم والمصلحة في قتالهم، وبهذا

стр. 223

يكون عقد الهدنة غير صحيح إذا عقده غير الإمام أو نائبه، أو من فوض إليه الإمام الأمر، كولاة الأقاليم لأنه يجوز لوالي الإقليم أن يعقد الهدنة، ولا يحتاج في عقدها إلى إذن جديد، لأن الإمام موليه ومفوضه مصلحة الإقليم، ولأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك والمفسدة فيه قليلة لو أخطأ، فإن تولى عقد الهدنة أحد الأفراد بدون تفويض من الإمام أو نائبه، بطل العقد وهذا عند جمهور الفقهاء.١ وذهب الحنفية إلى أنه يصح عقد الهدنة إذا عقده فريق من المسلمين، بغير إذن الإمام أو من يقوم مقامه. قالوا: لأن المعول عليه كون عقد الموادعة مصلحة للمسلمين وقد وجدت، لأن الموادعة أمان، وأمان الواحد كأمان الجماعة.٢ وقال سحنون من المالكية: "كما يجوز عقد الهدنة من الإمام يجوز من غيره من السرايا٣، مع الكراهة وعند الضرورة". لكن المختار هو ما ذهب إليه الجمهور من أن الهدنة لا يعقدها إلاّ

стр. 224

الإمام أو من يقوم مقامه لأنها من العقود التي تحتاج إلى نظر واجتهاد، وهذا كله لا يتأتى إلا من الإمام أو نائبه.١ الشرط الثاني: تحقيق المصلحة في عقد الهدنة: اتفق الفقهاء على أن من شروط عقد الهدنة مع الكفار هو تحقيق المصلحة للمسلمين. لقوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ .٢ فهي مقيدة لآية ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه﴾ .٣ فالله عندما امرنا بالميل إلى المهادنة والمسالمة، أمرنا بها عندما يطلبها الكفار ويكون المسلمون هم الأعلون، ومصلحتهم من عقد الهدنة هي الأرجح، والرسول ﷺ عندما عقد المهادنات والمعاهدات مع يهود المدينة وكفار قريش وغيرهم ليس ذلك كله إلا لحكمة وهي تحقق المصلحة للمسلمين. ومن أمثلة هذه المصلحة: ١- احتمال ضعف المسلمين عن القتال بقلة العدد والعدة وبعقد الهدنة مع عدوهم القوي، يتقوى شأنهم ويتصدون لعدوهم.

стр. 225

٢- الطمع في إسلام من تعقد لهم الهدنة، بعد اطلاعهم على محاسن الإسلام، من مشروعية عقد الهدنة، والوفاء بعقدها وتحريم نقضها بدون سبب، لأن الرسول ﷺ هادن صفوان بن أمية أربعة أشهر عام الفتح، وكان ﷺ مستظهراً عليه ولكنه فعل ذلك رجاء إسلامه فأسلم قبل مضي المدة. ٣- احتمال بذل الجزية والتزام أحكام الملة، ومعاونة المسلمين وغيرها من المصالح.١ وبعد أن اتفق الفقهاء اشتراط توافر المصلحة في عقد الهدنة. اختلفوا في وقت وجود المصلحة فالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أنه يكفي وجودها وقت إبرام العقد ولا يشترط وجودها طيلة بقاء العقد.٢ أما الحنفية: فإنهم اشترطوا استمرار وجود المصلحة طيلة بقاء العقد، فإن صالحهم الإمام مدة، ثم رأى نقض الصلح أنفع نبذ إليهم وقاتلهم، وذلك لأن الموادعة في رأيهم جهاد معنى، فإذا تبدلت المصلحة عاد المنع من عقدها، لأن الهدنة ما شرعت إلا لأجل المصلحة. ٣

стр. 226

فالمختار في ذلك هو رأي الجمهور بأن وقت وجود المصلحة هو عند إبرام العقد وإن استمرت المصلحة طيلة بقاء العقد فذاك، وأما إذا لم تستمر فلا ننقض إليهم عهدهم ويبقى العقد صحيحاً. الشرط الثالث: خلو عقد الهدنة من الشروط الفاسدة: والشروط في عقد الهدنة تنقسم إلى قسمين: ١- شروط صحيحه - كأن يشترط عليهم الإمام مالاً، أو إعانة المسلمين عند الحاجة، وغيرها، فهذه يجب الوفاء بها حسب ما تم الاتفاق عليه. ٢- شروط فاسدة وهي ما كان ممنوعاً في الشرع، ولا يلزم الوفاء بها مطلقاً وتبطل العقد عند جمهور الفقهاء.١ ومن أمثلة الشروط الفاسدة: ١- اشتراط نقض الهدنة حسب الرغبة: فلا يجوز في عقد الهدنة اشتراط نقضها متى شاءوا، أو أن لكل طائفة منهم نقضها متى شاءت.٢ وقد أجاز فقهاء الشافعية جواز اشتراط نقضها للمسلمين٣ لما فعله

стр. 227

الرسول ﷺ مع يهود خيبر قال "نقركم بها على ذلك ما شئنا".١ ٢- التنازل لهم عن بعض الممتلكات الإسلامية كقرية أو قطعة أرض، فهذا الشرط فاسد باتفاق الفقهاء، لعدم توافر المصلحة للمسلمين في ذلك، ولا يجوز التنازل عن جزء من دار الإسلام إلى دار الكفار ولو كان عن طريق دفع المال للمسلمين. ٣- اشتراط عدم فك الأسرى المسلمين الذي أسروهم في الحرب، فهذا لا يلزم الوفاء به ويعتبر من الشروط الفاسدة. ٤- اشتراط دخولهم الأماكن المقدسة عند المسلمين كالحرمين الشريفين. ٥- رد النساء، فلا يجوز عقد الهدنة على رد من جاء من المسلمات لديار الإسلام إلى الكفار مطلقاً.٢ لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا

стр. 228

تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ﴾ الآية١ ولفعله ﷺ عدما عقد صلح الحديبية فقد كان متضمنا رد النساء إلى الكفار. فجاءت أم كلثوم بنت عقبة مسلمة٢ فجاء أخواها فطلباها من الرسول ﷺ فقال: "إن الله منع الصلح في النساء" ٣. ٦- رد السلاح إليهم أو تزويدهم بالسلاح، فقد اتفق الفقهاء على فساد هذا الشرط وهو رد سلاحهم أو إعطائهم شيئاً من سلاح المسلمين. ٧- اشتراط ترك مال مسلم أو ذمي بأيديهم، أو إظهار الخمور والخنازير في دار الإسلام. إلى غير ذلك من الشروط الفاسدة التي نهى عنها الشرع وبين أنها باطلة ومردودة على أصحابها.٤ فقد قال ﷺ : "ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء

стр. 229

الله أحق وشرط الله أوثق".١ فجميع هذه النصوص الصحيحة الصريحة، تدل على بطلان الشروط الفاسدة، المخالفة لما جاء في كتاب الله أو في سنة رسوله ﷺ سواء كان في عقد الهدنة أو في غيرها. الشرط الرابع: تحديد مدة الهدنة: اختلف الفقهاء في تحديد مدة الهدنة: فقال فقهاء الحنفية: أن مدة المهادنة هي عشر سنوات وهي المدة التي وادع فيه الرسول ﷺ قريشاً في صلح الحديبية وقالوا أيضاً إنه يجوز عقدها لأكثر من عشر سنين، وذلك منوط بمصلحة المسلمين وخيرهم، لأن تحقيق الخير والمصلحة لا يتوقف بمدة دون مدة.٢ وقال فقهاء المالكية: إن مدة الهدنة إلى رأى الإمام يعينها باجتهاده وحسب ما يراه تبعاً للمصلحة. ويستحب ألا تزيد على أربعة أشهر إلا مع العجز٣ لقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ .٤

стр. 230

وروى ابن حبيب عن الإمام مالك جواز مهادنة المشركين السنة، والسنتين، والثلاث وإلى غير مدة.١ أما فقهاء الشافعية فقد فرقوا بين حالة القوة، وحالة الضعف، فقالوا: إذا كان بالمسلمين قوة فتجوز الهدنة أربعة أشهر فما فوق إلى أقل من سنة، لأن المدة إذا بلغت سنة تجب فيها الجزية، فلا يجوز تقريرهم فيها بلا جزية.٢ واستدلوا على أن المدة في حالة القوة أربعة أشهر. بقوله : ﴿بَرَاءةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ .٣ أما إذا كان بالمسلمين ضعف في العدد والعدة، فتجوز الهدنة إلى مدة تدعو إليها الحاجة وأقصاها عشر سنين. لأن الرسول ﷺ هادن قريشاً في صلح الحديبية عشر سنين٤ وهذه المدة هي غاية مدة الهدنة، ولا تجوز الزيادة عليها. ولأن الأصل وجوب الجهاد، إلا فيما وردت فيه الرخصة وهي

стр. 231

عشر سنين فالتحديد بعشر سنوات مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ١ فما زاد يبقى على مقتضى العموم، والزيادة على هذه المدة باطلة.٢ أما فقهاء الحنابلة فلهم في مدة الهدنة روايتان: الرواية الأولى: لا يجوز عقدها لأكثر من عشر سنين. قال القاضي: وظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز عقدها لأكثر من عشر سنين، لأن الأمر بالجهاد يشمل الأوقات كلها، خص منه مدة العشر، بصلح النبي ﷺ لأهل الحديبية، أما ما زاد على العشر، فيبقى على العموم، فعلى هذا إن زادت المدة على عشر بطلت الزيادة.٣ الرواية الثانية: يجوز عقد الهدنة لمدة معلومة بحسب رأي الإمام وإن طالت وهذا هو ظاهر المذهب.٤ قال أبو الخطاب: ظاهر كلام الإمام أحمد أنه يجوز عقد الهدنة لأكثر

стр. 232

من عشر سنين، على ما يراه الإمام من المصلحة، لأنه عقد يجوز في العشر فجاز فيما زاد عليها كالإجارة.١ الرأي المختار: والذي يتبين لي أن عقد الهدنة يجوز على أي مدة بدون تحديد لها وإن طالت وهذا بحسب المصلحة والحاجة التي يراها الإمام لأن المصلحة لا تتحقق بمدة دون مدة. ولأن غالب المعقود التي عقدها النبي ﷺ كانت مطلقة، ولم يحددها بوقت معين كمصالحته ﷺ لأهل خيبر وغيرها كثير. وفي هذا يقول ابن القيم: "وعامة عهود النبي ﷺ مع المشركين كانت مطلقة غير مؤقتة جائزة غير لازمة، منها عهده مع أهل خيبر".٢ وقال العيني: "ليس في أمر الهدنة حد معين عند أهل العلم لا يجوز غيره مطلقاً، وإنما ذلك على حسب الحاجة، والاجتهاد في ذلك إلى الإمام وأهل الرأي"٣. الآثار المترتبة على عقد الهدنة: ١- التزام المسلمين بالوفاء بعقد الهدنة ولا يجوز لهم نقضه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ .٤

стр. 233

وقوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ .١ وقوله ﷺ : "من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقده، ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء".٢ أما إذا صرح الكفار بنقض العهد، أو فعلوا ما يوجب نقضه بأن خالفوا شرطاً من الشروط السابقة، وكمقاتلة المسلمين علانية أو دخول ديار المسلمين بغير إذن، أو استولوا على أموال المسلمين أو غير ذلك، انتقض عهدهم وجاز قتالهم، والإغارة عليهم، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ .٣ فدلت هذه الآية على أن شرط الوفاء بالعهد هو أن يستقيموا للشروط المشترطة عليهم في عقد الهدنة، فإن لم يستقيموا لهذه الشرط وحاولوا نقضها، ولم نستقم لهم وننقض إليهم عهدهم.٤

стр. 234

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ .١ ولما نقضت قريش عهد النبي ﷺ باعتدائهم على قبيلة هوازن حلفاء الرسول ﷺ خرج إليهم فقاتلهم وفتح مكة. ٢- حمايتهم من التعدي عليهم من قبل المسلمين أو الذميين فمن أتلف شيئاً من أموالهم فعليه ضمانه، فالإمام إذا عقد الهدنة لقوم من المشركين فعليه أن يمنع كل من يقصدهم من المسلمين وأهل الذمة. وليس على الإمام أن يمنع بعضهم من بعض، ولا يمنع عنهم أهل الحرب، لأن الهدنة لم تعقد على حفظهم. وإنما عقدت على ترك قتالهم بخلاف أهل الذمة فإنهم قد التزموا أحكام المسلمين فلذلك يجب على الإمام منع كل من قصدهم. أما أهل الهدنة فلم يلتزموا بأحكام المسلمين.٢ قال ابن قدامة: "وإذا عقدت الهدنة فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الذمة، لأنه أمنهم ممن هو في قبضته، وتحت يده كما أمن من في قبضته منهم، ومن أتلف من المسلمين أو من أهل الذمة عليهم شيئاً فعليه ضمانه ولا تلزمه حمايتهم من أهل الحرب، ولا حماية بعضهم من بعض لأن الهدنة التزام الكف عنهم".٣

стр. 235

عقد الهدنة على دفع المال: يجوز عقد الهدنة مع الكفار على ألا يدفعوا لنا شيئاً من المال. بدليل فعل النبي ﷺ حيث هادن قريشاً يوم الحديبية على غير مال. وكذلك تجوز مهادنة الكفار على مال يدفعونه للمسلمين، لأنه إذا جاز عقد الهدنة على غير مال، فإنه يجوز مع المال من باب أولى. أما عقد الهدنة على أن يدفع المسلمون المال للكفار، فقال الفقهاء: "هذا لا يجوز إلا عند الضرورة". لأن فيه صغاراً للمسلمين، أما إذا كانت هناك ضرورة لدفعه فإنه يجوز، كما إذا خيف على المسلمين الهلاك أو الأسر. لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال فكذلك الأمر ههنا. وإذا كان في بذل المال للكفار صغار، فإن ذلك يجوز تحمله لكي ندفع به صغاراً أعظم منه، وهو القتل، أو الأسر، أو سبي الذرية أو احتلال أرض المسلمين.١ فقد روى عن الزهري أنه قال: أرسل رسول الله ﷺ إلي عيينة بين حصن، وهو مع أبي سفيان يعني يوم الأحزاب أرأيت إن جعلت لك ثلث

стр. 236

ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان أو تخذل١ بين الأحزاب، فأرسل إليه عيينة إن جعلت الشطر، فعلت.٢ وولولا أن ذلك جائزاً لما بذله النبي ﷺ .٣ وكذلك روى أن الحارث بن عمرو الغطفاني بعث إلى النبي ﷺ فقال: إن جعلت لي شطر ثمار المدينة، وإلا ملأتها عليك خيلاً ورجالاً، فقال له النبي ﷺ حتى أشاور السعود يعني سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن زرارة، فشاورهم النبي صلى الله عليه وسلمفقالوا: إن كان هذا أمر من السماء فتسليم لأمر الله تعالى، وإن كان برأيك وهواك اتبعنا رأيك وهواك. ٤ وقد صالح معاوية الروم على أن يؤدي إليهم مالاً وذلك لضرورة اقتضتها الدولة الإسلامية. ٥ وقد سئل الأوزاعي عن حصن للمسلمين نزل به العدو فخاف المسلمون ألا يكون لهم بهم طاقة. ألهم أن يصالحوهم على أن يدفعوا إليهم سلاحهم وأموالهم على أن يرتحلوا عنهم، فقال إذا كان لا طاقة لهم بهم فلا بأس بذلك. وقيل له أيضاً: أرأيت لو وقعت فتنة بين المسلمين فخاف إمام

стр. 237

المسلمين عدوهم عليهم، أيسعه أن يصالح العدو على شيء يدفعه إليهم في كل عام ليدافع بذلك عن المسلمين وعن حرمتهم، قال لا أرى بذلك بأساً إذا كان كذلك.١ فجميع هذه النصوص تدل على أنه يجوز للمسلمين أن يعقدوا الهدنة مع الكفار على مال يدفعونه لهم وهذا عند الضرورة فقط. الفرق بين عقد الذمة وعقد الهدنة: ١- أن عقد الذمة مؤبد بخلاف عقد الهدنة فإنه بحسب اجتهاد الإمام والمصلحة التي تعود على المسلمين. ٢- أن عقد الذمة لا يجوز بدون عوض وهو دفع الجزية، بخلاف عقد الهدنة فإنه يجوز بدون عوض. ٣- أن عقد الذمة من شروطه الالتزام بأحكام الإسلام العامة بخلاف عقد الهدنة. ٤- أن أهل الذمة يقيمون في دار الإسلام إقامة مؤبدة بخلاف أهل الهدنة. ٥- يلتزم المسلمون بعقد الذمة الدفاع عن أهل الذمة من الاعتداء عليهم سواء كان من المسلمين أو من غيرهم كالحربيين. بخلاف عقد الهدنة فإن الإمام يلتزم حمايتهم من المسلمين وأهل الذمة دون أهل الحرب.

стр. 238

المطلب الثالث في سكان دار الكفر يسكن دار الكفر الحربية نوعان من الناس: الأول: الكفار وهم الأصل وهم غير معصومي الدم والمال، فدماؤهم وأموالهم مباحة للمسلمين، ما لم يكن بينهم وبين المسلمين عقد عهد، وموادعة لأنه العصمة في الشريعة الإسلامية لا تكون إلا بأحد أمرين بالإيمان، أو الأمان، والأمر الأول منتفي بالنسبة للكفار، وبقي الأمر الثاني فإن وجد لهم وهو الأمان فقد عصم أموالهم ودمائهم. الثاني: من سكان دار الكفر المسلمون: والمسلم الذي يسكن في دار الكفر إما أن يكون مستأمناً أي دخل دارهم بإذنهم، وكانت بين دار الإسلام ودارهم عقود ومعاهدات، وعلاقات دولية. وإما أن لا يكون مستأمناً، أي دخل دارهم بدون إذنهم ورضاهم، وهو في كلتا الحالتين معصوم الدم والمال بالإسلام، حتى ولو لم يهاجر إلى دار الإسلام فهو عند الجمهور كأي مسلم من أهل دار الإسلام يعصم بإسلامه دمه وماله، ولو كان مقيماً في دار الكفر إقامة مؤبدة، وإذا أراد دخول دار الإسلام فله ذلك متى شاء ولا يمنع من دخولها.١

стр. 239

بينما يرى الحنفية أن المسلم المقيم في دار الكفر ولم يهاجر إلى دار الإسلام غير معصوم بالإسلام. لأن العصمة عندهم ليست بالإسلام وحده وإنما يعصم المسلم عندهم بعصمة الدار، ومنعة الإسلام المستمدة من قوة المسلمين وجماعتهم. والمسلم في دار الكفر لا منعة له ولا قوة، فلا عصمة، ولكن لا بأس أن يدخل دار الإسلام في أي وقت شاء، فإذا دخلها استفاد العصمة.١ وما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح فالمسلم بمجرد إسلامه عصم دمه وماله، في أي مكان في دار الإسلام أو في دار الكفر، وفي أي زمان، لقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر- ﵄ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".٢ ففي هذا الحديث يبين لنا الرسول ﷺ أن من نطلق بالشهادتين فهو معصوم الدم والمال، في أي وقت كان، وإن كان في دار الإسلام أو في دار كفر.

стр. 240

أما ما تشمله دار الكفر: فهي تشمل جميع البلدان الني ليس للإسلام فيها سلطان ولا تظهر ولا تغلب فيها أحكام الشريعة الإسلامية، وذلك أيا كانت أنظمتها القانونية الوضعية أو السياسية. فدور أهل الكفر تعتبر داراً واحدة، وإن تعددت وصارت دوراً شتى فهي بلاد كفر لتسلط الكفار عليها ونفوذ أحكامهم فيها، ويجب على المسلمين دعوة أهلها إلى دين الله وقتالهم إن أصروا على الكفر حتى يخضعوا لسلطان الإسلام وأحكامه أو يمحو من الأرض.

стр. 241

المبحث الرابع: في تغير وصف الدار المطلب الأول: في انقلاب صفة الدار لا خلاف بين علماء الإسلام كافة أن دار الكفر تصير وتنقلب دار الإسلام بمجرد إظهار أحكام الإسلام فيها، وتسلط المسلمين عليها.١ لأن المعول عليه في تمييز الدار هو السلطة وغلبة الأحكام فإن كانت السلطة إسلامية والأحكام الغالبة أيضاً إسلامية، كانت الدار دار إسلام بالاتفاق. وفي هذا يقول الكاساني: "إن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها".٢ وقال السرخسي: "إن الإمام إذا فتح بلدة وصيرها دار إسلام بإجراء أحكام الإسلام فيها فإنه يجوز له أن يقسم الغنائم فيها".٣ ويفهم من كلام القاضي أبي يعلى: "أن دار الكفر إذا كانت الغلبة فيها لأحكام الإسلام دون أحكام الكفر وكانت السلطة فيها إسلامية انقلبت إلى دار الإسلام".٤

стр. 242

وكذلك دار الكفر الحربية- دار الحرب - تصير دار كفر غير حربية - دار عهد - بمجرد وجود العلاقات السلمية بينها وبين المسلمين، من المعاهدات وغيرها. أما بالنسبة لتغير الوصف عن دار الإسلام إلى دار كفر – ولن يتغير هذا الوصف إن شاء الله، ما تمسك المسلمون بعقيدتهم الإسلامية وجاهدوا في الله حق جهاده. فهو أيضاً يكون بغلبة أحكام الكفر فيها وتسلط غير المسلمين عليها وقد ذهب إلى هذا جمهور الفقهاء.١ فالجمهور اعتبروا أن سلطة الكفار وغلبة أحكامهم هي التي تجعل الدار دار كفر لأن أحكام الكفر لن تغلب إلا إذا كانت السلطة في الدار لغير المسلمين. وفي هذا يقول الكاساني: "إن دار الإسلام تصير دار كفر بظهور أحكام الكفر فيها".٢ والذي يفهم من كلام القاضي أن كل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار كفر.٣

стр. 243

أما الإمام أبو حنيفة فقد اشترط لتغير وصف الإسلام عن الدار ثلاثة شروط: الأول: ظهور أحكام الكفر فيها: وهذا الشرط يتفق مع ما قاله الجمهور من أن دار الإسلام لا تنقلب دار كفر إذا غلبت فيها أحكام الكفر، بأن تعطلت الأحكام الشرعية في جميع مجالاتها من دار الإسلام، وحلت محلها الأحكام الشركية بجميع مجالاتها - وإذا غلبت الأحكام الشركية في دار الإسلام واختفت أحكام الإسلام فهذا دليل على تسلط الكفار عليها. الشرط الثاني: أن تكون دار الإسلام متصلة بدار الكفر: بحيث لا يكون بينهما بلد من بلاد الإسلام ويلحقهم المدد منها. وتكون أيضا متاخمة وملاصقة لدار الكفر بحيث يتوقع الاعتداء منها على دار الإسلام في أي وقت. الشرط الثالث: أن لا يبقى في دار الإسلام مسلم أو ذمي آمناً بالأمان الأول: ومعنى ذلك أنه لم يبق مسلم أو ذمي في دار الإسلام آمناً إلا بأمان الكفار، وبمعنى آخر أنه لم يبق الأمان الأول الذي كان للمسلم بإسلامه وللذمي بعقد الذمة قبل استيلاء الكفار عليها.١

стр. 244

فإذا فقد شرط من هذه الشروط الثلاثة يترجح جانب الإسلام احتياطاً فتبقى الدار دار إسلام ولا تتحول إلى دار كفر. فقد اعتبر الإمام أبو حنيفة أن أساس تغير الوصف عن دار الإسلام هو غلبة الأحكام الكفرية والملاصقة والمتاخمة لدار الكفر، وزوال الأمان الأول عن أهلها المقيمين فيها، سواء كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين كالذميين. ومما لا شك فيه أن الشرطين الأخيرين وهما اشتراط الملاصقة والمتاخمة لدار الكفر، زوال الأمان الأول، فيهما مخالفة لما اتفق عليه الجمهور من أن دار الإسلام تصير دار كفر بتسلط الكفار عليها وغلبة أحكامهم فيها، سواء اتصلت بدار الكفر أو لم تتصل، بقي فيها مسلم أو ذمي آمناً بالأمان الأول أو لم يبق. فالجمهور يذهبون إلى عدم اشتراط الملاصقة والمتاخمة لدار الكفر التغير الوصف عن دار الإسلام بل بكفي بتغير الوصف عنها غلبة الأحكام الشركية مع وجود السلطة لأعداء الإسلام. ومما يؤكد هذا ما قاله ابن القيم في الأرض التي لا تجري عليها أحكام الإسلام أنها لا تكون دار إسلام وإن لاصقها، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جداً ولم تعتبر دار إسلام بفتح مكة وكذلك الساحل.١

стр. 245

فلا معنى لاعتبار شرط الملاصقة لتغير وصف الدار عن الإسلام وبخاصة في وقتنا الحاضر بعد تطور وسائل النقل الحديثة التي جعلت الأرض البعيدة في غاية القرب. وفي هذا يقول أبو زهرة: "ولكن اشتراط المتاخمة لتوقع الاعتداء أصبح غير ذي موضوع، لأن ابن الأرض أخذ يتحكم في الأجواء بل يتحكم في الفضاء. ولم يعد القتال يحتاج إلى المتاخمة، بل إن القنابل الفتاكة تصل من أدنى الأرض إلى أقصاها، ولذلك نرى أن هذا الشرط لا موضع له الآن، ولو كان الإمام أو حنيفة حياً ورأى ما نرى لترك الشرط، والاختلاف بيننا وبينه ليس اختلاف حجة وبرهان، بل اختلاف حال وزمان".١ قلت: ويفهم من هذا أن الإمام أبا حنيفة أفتى بهذا الشرط بحسب الحال التي كانت في زمانه. وكذلك أيضاً شرط زوال الأمان الأول فيه مخالفة لما عليه الجمهور لأن الأمان قد يحصل للمسلم أو الذمي وهما في دار الكفر. وقد تطرق ابن قدامة في المغني لشروط الإمام أبي حنيفة وخالفها ولم يعتبرها، بل اعتبر جريان الأحكام وغلبتها. فقال: "ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا من أهل دار الحرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم. إلى أن قال: وقال أبو حنيفة

стр. 246

لا تصير دار حرب حتى تجتمع فيها ثلاثة أشياء ثم ذكر شروط الإمام أبي حنيفة السابقة ثم قال في معارضتها: ولنا أنها دار كفار تجري فيها أحكامهم، فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الخصال أو دار الكفرة الأصليين".١ فابن قدامة يشترط لانقلاب صفة الدار عن الإسلام جريان أحكام الكفر فيها، فمتى غلبت أحكامهم وتسلطوا عليها، انقلبت إلى دار كفر ولو لم تتحقق الشروط التي ذكرها الإمام أبو حنيفة من الملاصقة والمتاخمة وفقدان الأمان.

стр. 247

المطلب الثاني: في أن الاستيلاء المجرد على الدار هل يغير صفتها أفتى بعض علماء الحنفية كالاسبيجاني١ والحلواني٢، وأن الاستيلاء المجرد على دار الإسلام لا يجعلها دار كفر.٣ فمثلاً لو احتل الكفار بلداً من بلدان المسلمين، فإن هذا الاحتلال وحده ليس كافياً لأن يحول دار الإسلام هذه التي احتلت إلى دار كفر، بل لا بد من توافر أمور أخرى بجانب فقد سيادة المسلمين عليها، فعندما غلب التتار واجتاحوا البلاد الإسلامية واحتلوها، وأخضعوها لسلطانهم مع بقاء بعض القضاة المسلمين للقضاء بالأحكام الإسلامية، لم تتحول هذه البلاد التي استولى عليها التتار إلى دار كفر. وقد استندا في هذه الفتوى إلى عدة أمور: منها عدم اتصالها بدار الكفر، وأن التتار لم يظهروا أحكام الكفر فيها، بل كان القضاة من المسلمين.

стр. 248

وقالا: وقد تقرر أن بقاء شيء من العلة يبقي العلة. وقد حكمنا بلا خلاف بأن هذه الديار قبل استيلاء التتار عليها كانت من ديار الإسلام، وأنه بعد الاستيلاء عليها بقيت شعائر الإسلام فتبقى دار إسلام.١ وخلاصة ما قاله هذان العالمان: أن الاستيلاء المجرد من الكفار على دار الإسلام، دون غلبة أحكام الكفر فيها، لا يصيرها دار كفر مادام أن بعض سكانها من المسلمين وتجري فيها بعض الأحكام الإسلامية. وبناءً على رأيهما هذا فإن بعض البلدان الإسلامية التي تخضع اليوم للسلطة والسيطرة الكافرة، تعتبر من دار الإسلام لجريان بعض أحكام الإسلام فيها، فما دام أن بعض شعائر الإسلام قائمة فيها فهي دار إسلام، وإن كانت تحت سيادة وسلطة غير المسلمين. ولكن يرد عليهما بأن ما قالاه مخالف لقول الجمهور بما فيهم علماء الحنفية الذين وافقوا الجمهور في أن السلطة وغلبة الأحكام هما اللتان تغيران صفة الدار، فإذا وجدت السلطة والسيادة غلبت الأحكام، وغلبة الأحكام في الدار دليل على وجود السلطة والسيادة.

стр. 249

لأن المعمول به في تغير صفة الدار هو وجود السلطة وسريان الأحكام، فإذا كانت الهيمنة المطلقة للحكومة الإسلامية مع غلبة أحكامها كانت الدار دار الإسلام، أما إذا انتفت السلطة والسيادة وغلبة الأحكام الإسلامية عن الدار فإنها تعد دار كفر. ومما يدل على أن السلطة والسيادة تغير صفة الدار، أن الدار الخاضعة لسلطان المسلمين تعتبر دار إسلام وإن كان جميع سكانها كفاراً كقصة خيبر فإن النبي ﷺ بعد أن فتحها وأخضعها لسلطان المسلمين عين عليها والياً من المسلمين وأهلها لم يزالوا على كفرهم. وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بخلاف ما قالاه: فإنه عندما سئل عن بلاد ماردين١ وقد زالت عنها السلطة الإسلامية قال: "وأما كونها دار حرب أو سلم، فهي مركبة فيها المعنيان، وليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام لكون أهلها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث، يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه".٢ وأيضاً مما يدل على أن قولهما مردود ما قاله الحنفية في تعريف دار الكفر حيث قالوا: هي التي يجري فيها أمر رئيس الكافرين من البلاد

стр. 250

ويخاف فيها المسلمون من الكفار، وهذا مخالف تماماً لما قاله الاسبيجاني والحلواني من أن إجراء أمر الكفار واستيلائهم على البلاد لا يغير صفتها. ويمكن أن يقال لهما أيضاً أن المسلمين الذين يقيمون بالدار التي يتسلط عليها الكفار، لا يستطيعون أن يقيموا من شعائر الإسلام إلا ما أذن به ذوو السلطان من الكفرة، مما لا تعلو به كلمة الله، ولا تسقط به راية الكفر، فإن هذا البلد الذي تحققت فيه هذه الأمور من السيادة للكفار، وعدم إعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه، كيف يمكن أن يقال عنه بأنه دار إسلام؟. وأيضاً إن كثيراً من البلدان الإسلامية قد صارت دار كفر بمجرد استيلاء وتسلط أعداء الله عليها وغلبة أحكامهم فيها، لأنهم إنما يأذنون لبعض المسلمين المقيمين في هذه الديار بإقامة بعض شعائر الإسلام التي يدركون أنه لا خطر منها على أحكامهم الكفرية، وإذا أدركوا وتلمسوا أن خطراً ما سيتحقق من إقامة بعش الشعائر الإسلامية حظروه وضيقوا الخناق عليه وعلى أهله، ولو تنبه المسلمون لهذا المعنى لما ناموا عن الاستعداد للجهاد في سبيل الله، وإعداد العدة له لطرد من دنسوا ديارهم بإظهار أحكام الكفر فيها، وصيروها دياراً كافرة بعد أن كانت دياراً إسلامية وقد بين العلماء المعاصرين أنه إذا كانت الولاية والحل والعقد في الأرض لغير المسلمين، فتعتبر الدولة كافرة وإن كثر فيها المسلمون.١
следующие страницы →