لا تصير دار حرب حتى تجتمع فيها ثلاثة أشياء ثم ذكر شروط الإمام أبي حنيفة السابقة ثم قال في معارضتها: ولنا أنها دار كفار تجري فيها أحكامهم، فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الخصال أو دار الكفرة الأصليين".١
فابن قدامة يشترط لانقلاب صفة الدار عن الإسلام جريان أحكام الكفر فيها، فمتى غلبت أحكامهم وتسلطوا عليها، انقلبت إلى دار كفر ولو لم تتحقق الشروط التي ذكرها الإمام أبو حنيفة من الملاصقة والمتاخمة وفقدان الأمان.
стр. 247
المطلب الثاني: في أن الاستيلاء المجرد على الدار هل يغير صفتها
أفتى بعض علماء الحنفية كالاسبيجاني١ والحلواني٢، وأن الاستيلاء المجرد على دار الإسلام لا يجعلها دار كفر.٣
فمثلاً لو احتل الكفار بلداً من بلدان المسلمين، فإن هذا الاحتلال وحده ليس كافياً لأن يحول دار الإسلام هذه التي احتلت إلى دار كفر، بل لا بد من توافر أمور أخرى بجانب فقد سيادة المسلمين عليها، فعندما غلب التتار واجتاحوا البلاد الإسلامية واحتلوها، وأخضعوها لسلطانهم مع بقاء بعض القضاة المسلمين للقضاء بالأحكام الإسلامية، لم تتحول هذه البلاد التي استولى عليها التتار إلى دار كفر.
وقد استندا في هذه الفتوى إلى عدة أمور:
منها عدم اتصالها بدار الكفر، وأن التتار لم يظهروا أحكام الكفر فيها، بل كان القضاة من المسلمين.
стр. 248
وقالا: وقد تقرر أن بقاء شيء من العلة يبقي العلة.
وقد حكمنا بلا خلاف بأن هذه الديار قبل استيلاء التتار عليها كانت من ديار الإسلام، وأنه بعد الاستيلاء عليها بقيت شعائر الإسلام فتبقى دار إسلام.١
وخلاصة ما قاله هذان العالمان:
أن الاستيلاء المجرد من الكفار على دار الإسلام، دون غلبة أحكام الكفر فيها، لا يصيرها دار كفر مادام أن بعض سكانها من المسلمين وتجري فيها بعض الأحكام الإسلامية.
وبناءً على رأيهما هذا فإن بعض البلدان الإسلامية التي تخضع اليوم للسلطة والسيطرة الكافرة، تعتبر من دار الإسلام لجريان بعض أحكام الإسلام فيها، فما دام أن بعض شعائر الإسلام قائمة فيها فهي دار إسلام، وإن كانت تحت سيادة وسلطة غير المسلمين.
ولكن يرد عليهما بأن ما قالاه مخالف لقول الجمهور بما فيهم علماء الحنفية الذين وافقوا الجمهور في أن السلطة وغلبة الأحكام هما اللتان تغيران صفة الدار، فإذا وجدت السلطة والسيادة غلبت الأحكام، وغلبة الأحكام في الدار دليل على وجود السلطة والسيادة.
стр. 249
لأن المعمول به في تغير صفة الدار هو وجود السلطة وسريان الأحكام، فإذا كانت الهيمنة المطلقة للحكومة الإسلامية مع غلبة أحكامها كانت الدار دار الإسلام، أما إذا انتفت السلطة والسيادة وغلبة الأحكام الإسلامية عن الدار فإنها تعد دار كفر.
ومما يدل على أن السلطة والسيادة تغير صفة الدار، أن الدار الخاضعة لسلطان المسلمين تعتبر دار إسلام وإن كان جميع سكانها كفاراً كقصة خيبر فإن النبي ﷺ بعد أن فتحها وأخضعها لسلطان المسلمين عين عليها والياً من المسلمين وأهلها لم يزالوا على كفرهم.
وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بخلاف ما قالاه:
فإنه عندما سئل عن بلاد ماردين١ وقد زالت عنها السلطة الإسلامية قال: "وأما كونها دار حرب أو سلم، فهي مركبة فيها المعنيان، وليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام لكون أهلها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث، يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه".٢
وأيضاً مما يدل على أن قولهما مردود ما قاله الحنفية في تعريف دار الكفر حيث قالوا: هي التي يجري فيها أمر رئيس الكافرين من البلاد
стр. 250
ويخاف فيها المسلمون من الكفار، وهذا مخالف تماماً لما قاله الاسبيجاني والحلواني من أن إجراء أمر الكفار واستيلائهم على البلاد لا يغير صفتها.
ويمكن أن يقال لهما أيضاً أن المسلمين الذين يقيمون بالدار التي يتسلط عليها الكفار، لا يستطيعون أن يقيموا من شعائر الإسلام إلا ما أذن به ذوو السلطان من الكفرة، مما لا تعلو به كلمة الله، ولا تسقط به راية الكفر، فإن هذا البلد الذي تحققت فيه هذه الأمور من السيادة للكفار، وعدم إعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه، كيف يمكن أن يقال عنه بأنه دار إسلام؟.
وأيضاً إن كثيراً من البلدان الإسلامية قد صارت دار كفر بمجرد استيلاء وتسلط أعداء الله عليها وغلبة أحكامهم فيها، لأنهم إنما يأذنون لبعض المسلمين المقيمين في هذه الديار بإقامة بعض شعائر الإسلام التي يدركون أنه لا خطر منها على أحكامهم الكفرية، وإذا أدركوا وتلمسوا أن خطراً ما سيتحقق من إقامة بعش الشعائر الإسلامية حظروه وضيقوا الخناق عليه وعلى أهله، ولو تنبه المسلمون لهذا المعنى لما ناموا عن الاستعداد للجهاد في سبيل الله، وإعداد العدة له لطرد من دنسوا ديارهم بإظهار أحكام الكفر فيها، وصيروها دياراً كافرة بعد أن كانت دياراً إسلامية وقد بين العلماء المعاصرين أنه إذا كانت الولاية والحل والعقد في الأرض لغير المسلمين، فتعتبر الدولة كافرة وإن كثر فيها المسلمون.١
стр. 251
وبهذا يتضح لنا أن قول الاسبيجاني والحلواني من أن الاستيلاء المجرد من الكفار على دار الإسلام لا يقلبها إلى دار كفر مردود ولم يقل به أحد من العلماء المتقدمين والمتأخرين.
стр. 252
المطلب الثالث: في إمكانية انقلاب دار الإسلام إلى دار كفر
ذهب بعض علماء الشافعية إلى أن الأرض التي كان المسلمون يتسلطون عليها وتغلب فيها أحكامهم، ثم غلبهم الكفار عليها، فاحتلوها وأقاموا أحكامهم فيها، كالأندلس سابقاً، أسبانيا حالياً. لا يمكن أن تصير دار كفر مطلقاً.
وقد صرح بذلك ابن حجر الهيتمي١ فقال في الأرض التي كانت دار إسلام: "فحينئذ الظاهر أنه يتعذر عودتها دار كفر وإن استولوا عليها - يعني الكفار- صرح به الخبر الصحيح "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه"٢، فقولهم - أي قول الأصحاب في محل المسلم المهاجر من دار الكفر لو تركه لصار دار حرب - المراد به صيرورته كذلك صورة لا حكماً، وإلا لزم أن ما استولوا عليه من دار الإسلام يصير دار حرب، ولا أظن أصحابنا يسمحون بذلك، بل يلزم عليه فساد وهو أنهم لو استولوا على دار الإسلام في ملك أهله، ثم فتحناها عنوة، ملكناها على ملاكها وهو في غاية البعد".٣
стр. 253
وقد وافقه على رأيه هذا البجيرمي١ الشافعي حيث قال: "إن دار الإسلام هي الدار التي يسكنها المسلمون وإن كان فيها أهل ذمة، أو فتحها المسلمون وأقروها بيد الكفار، أو كانوا يسكنونها ثم جلاهم الكفار عنها".٢
ومما لا شك فيه أن ما قاله هذان العالمان فيه مخالفة لما قاله جمهور العلماء عامة من أن دار الإسلام تنقلب إلى دار كفر بتسلط الكفار عليها وغلبة أحكامهم فيها، ولما قاله أصحابهم من علماء الشافعية خاصة، فقد وافقوا الجمهور فيما قالوه من عدم استحالة انقلاب دار الإسلام إلى دار كفر.
وخالفوا ما قاله ابن حجر الهيتمي والبجيرمي من أن دار الإسلام لا يمكن أن تنقلب إلى دار كفر مطلقاً.
فقال الماوردي: "ما ملكت يعني من دار الشرك عنوة وقهراً تصير دار إسلام، ولا يجوز أن يستنزل عنها للمشركين لئلا تصير دار حرب"٣
فهذا الماوردي يخالف ويقول لا يجوز للمسلمين أن يتنازلوا عن دارهم دار الإسلام حتى لا تصير دار كفر باستيلاء الكفار وتسلطهم عليها.
стр. 254
وبعد أن عرضنا قول ابن حجر والبجيرمي من أن الأرض التي كانت دار إسلام لا يمكن أن يتغير عنها هذا الوصف إلى دار كفر حتى لو استولى عليها الكفار وغلبت أحكامهم فيها، وبينا أنه مخالف لما قاله عامة أهل العلم وفي مقدمتهم أصحابهم من علماء الشافعية نبحث عن الأدلة التي استدلا بها ثم نحاول الرد عليها قدر الاستطاعة.
وبعد البحث استطعت أن اعثر لهما على دليلين، أحدهما نقلي والآخر عقلي:
فالدليل النقلي:
ما ورى عن النبي ﷺ أنه قال: «الإسلام يعلوا ولا يعلى عليه» .١
ووجه الدلالة من الحديث:
أن الاستعلاء في الأرض، وهو إعلاء كلمة الله، وارتفاع رايته لا ينفك ولا يزول عن الإسلام.
فكذلك الإسلام إذا اتصفت به الدار لا ينفك ولا يزول عنها، فانقلاب الدار التي كانت دار إسلام إلى دار كفر، يفهم منه عدم استعلاء الإسلام وفيه مخالفة لنص الحديث، ولما كان الاستعلاء ثابتاً للإسلام بنص الحديث فإنه لا يجوز أن تنقلب داره إلى دار كفر، حتى مع سلطة الكفار عليها وغلبة أحكامهم فيها.٢
стр. 255
أما الدليل العقلي:
فهو أننا إذا قلنا بانقلاب دار الإسلام إلى دار كفر، لنتج عن ذلك حكم فاسد، وهو أن الكفار لو استولوا على دار الإسلام في ملك أهله، ثم فتحناها عنوة ملكناها على ملاكها وهو في غاية البعد.١
ومعنى كلام ابن حجر هذا: أن القول بصيرورة دار الإسلام التي استولى عليها الكفار، وأقاموا فيها أحكامهم، دار كفر يؤدي إلى حكم فاسد، وهو أن المسلمين لو تمكنوا من ملك هذه الأرض بعد استيلاء الكفار عليها بفتحها والسيطرة عليها.
وإقامة أحكام الله فيها، ولو بعد مدة من الزمن ماذا نعمل بهذه الأملاك التي ملكها المسلمون، هل يردها على أصحابها أو تكون من الغنيمة وتقسم بين الغانمين والفاتحين لها.
وإذا قلنا بقسمة الأموال والأملاك فإن الملك يملك على صاحبه وهنا نقع في الفساد الذي أشار إليه ابن حجر.
مناقشة هذه الأدلة:
أولاً: بالنسبة للحديث على فرض صحته فلا دلالة فيه على أن دار الإسلام لا يمكن أن تنقلب دار كفر بتسلط الكفار عليها وغلبة أحكامهم فيها.
стр. 256
لأن الحديث وارد في إثبات الاستعلاء للإسلام في جميع أنحاء الأرض، وأنه لا زال يعلو وترتفع رايته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن المؤمنين هم الأعلون دائماً، وقد أخذوا منزلة الاستعلاء في الأرض بإيمانهم بالله ، لأنه سبحانه هو الأعلى فمن كان يعبده ويؤمن به لا بد من استعلائه، وقد أثبت الله لعباده المؤمنين الإستعلاء والغلبة في الأرض بقوله: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ .١
وقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .٢
قال القرطبي: "وفي هذه الآية بيان فضل هذه الأمة لأن الله خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، لأن قال لموسى ﵇: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى﴾ ٣ أي الغالب لهم في الدنيا وفي الدرجات العلا في الجنة".٤
ففي الآية الكريمة أثبت الله الاستعلاء للمؤمنين في الأرض بشرط الإيمان، فمتى توفر هذا الشرط ثبت الاستعلاء للمؤمنين في الأرض، وإذا كانت دار الإسلام لا يتوفر فيها هذا الشرط وهو الإيمان بالله، بل توفر
стр. 257
فيها العكس وهو الإشراك بالله، وتسلط أعدائه عليها، فكيف يمكننا أن نطلق على هذه الدار دار إسلام.
فالإسلام يعلو في الأرض التي تظهر فيها أحكامه، وترتفع فيها رايته، ويتسلط فيها أهله على أعدائه، أما إذا كان العكس بأن ظهرت غير أحكامه وتسلط على أرضه أعداؤه، وارتفعت راية أضداده، واختفت رايته فكيف يمكننا القول بأن الإسلام يعلو في هذه الأرض ولا يعلى عليه.
وقال أصحابهم من علماء الشافعية في الدر على الاستدلال بهذا الحديث: "دعوى صراحة الحديث فيما أفاد محل تأمل، إذ المتبادر منه أن المراد يعلو انتشاره واشتهاره وإخماد الكفر إلى أن يأتي الوقت الموعود به قرب الساعة، وهذا لا ينافي صيرورة بعض داره دار حرب، كما لا ينافي غلبة الكفار لأهله ونصرتهم عليهم في كثير من الوقائع".١
وبهذا يتضح لنا أنه لا دلالة لهما في هذا الحديث على أن دار الإسلام لا يمكن أن تنقلب دار كفر مطلقاً.
ثانياً: أما بالنسبة للدليل العقلي فهو لا يدل أيضاً على ما ذهبا إليه.
لأن هذا الفساد الذي ظنا يزول ويرتفع بقول أصحابهم من علماء الشافعية أن الأملاك التي يملكها المسلمون من الأرض التي فتحوها واستولوا عليها من أيدي الكفار وكانت دار إسلام من قبل، وترد إلى
стр. 258
أصحابها أو تقف لهم وهم أحق قبل القسمة وبعدها.١
وبقول بقية فقهاء المذاهب الإسلامية إن الأملاك التي ملكها المسلمون من الأرض التي كانت دار إسلام، ترد إلى أصحابها قبل القسمة أو بعدها، قبل القسمة بلا قيمة، وبعد القسمة بالقيمة.٢
وقال الشرواني في الرد على ما قاله ابن حجر الهيتمي عموماً: "هذا تأويل خلاف ظاهر اللفظ إذ المتبادر- أي من قول الأصحاب- فلو هاجر لصار دار حرب كونه حقيقة وحكماً لا صورة فقط، وبعيد من حيث المعنى فليتأمل".٣
وبهذا يتضح لنا أن الفساد الذي ذكره ابن حجر الهيتمي غير متصور على مذهب الشافعية أنفسهم، وأيضاً على مذاهب بقية فقهاء الإسلام.
وبعد مناقشة هذه الأدلة يتبين لنا أن ما قالاه بعيد عن الواقع ومخالف لما قاله عامة أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين.
وفي هذا يقول بعض العلماء المعاصرين: "ومن ظن أن دار الإسلام لا يمكن أن تنقلب إلى دار كفر فقد أبعد النجعة٤ وفاته واقع الأندلس
стр. 259
في السابق، وواقع ألبانيا وفلسطين في الحاضر، وليس الأمر مقصوراً على هذه البلدان فقط بل إن بلداناً أخرى صارت كذلك، ومن فهم ما مضى حق الفهم لا يخفى عليه الأمر".١
стр. 260
الفصل الثاني: في الدليل على تقسيم الأرض إلى دارين وأثر هذا التقسيم في تباين الأحكام
المبحث الأول: في الدليل على التقسيم
المطلب الأول: في الدليل على التقسيم من الكتاب والسنة والمأثور والإجماع
لقد دل الكتاب والسنة والمأثور والإجماع على تقسيم الأرض إلى دارين: دار إسلام، ودار كفر.
أولاً: دليل ذلك من الكتاب:
إن المتتبع لكتاب الله ، بتمعن وطمأنينة يجد ما فيه الكفاية من الآيات التي تدل بمعناها على أن الأرض تنقسم إلى دارين، دار إسلام، ودار كفر.
والقاعدة العامة التي تجمع شتيت المعاني التي دلت عليها تلك الآيات هي أن دار الإسلام ما يتسلط عليها المسلمون، وتغلب فيها أحكام الله، من إعلاء كلمته، ونشر دينه، وإظهار توحيده وطاعته.
ودار الكفر ما يتسلط عليها أعداء الله وتغلب فيها أحكامهم كالإشراك بالله وإظهار الظلم والفساد.
ومن هذه الآيات الدالة على ما ذكرناه ما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ
стр. 261
أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ .١
وجه الدلالة من الآية الكريمة:
الآية بمعناها العام تدل على أن الأرض التي يستضعف فيها أعداء الله أحباب الله الذين يصل بهم الأمر إلى التضرع إلى الله ودعائه بأن يخرجهم من هذه الأرض الظالم أهلها التي يتسلط عليها الكفار، وتتغلب فيها أحكامهم من الظلم ونحوه. ليست دار إسلام وإنما هي دار كفر، فلو كانت دار إسلام لوجد فيها من يدافع عن المستضعفين ويحارب أعداءهم الذين تسلطوا على أرضهم واستضعفوهم فيها.
٢- قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ .٢
فالدار التي يخسف بها وبمن عليها بسبب ما يفعل فيها من المنكرات مما لا يرضاه الله ولا رسله ﵈ هي دار كفر وليست دار إسلام.
٣- قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ
стр. 262
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ .١
وجه الدلالة من هذه الآية:
فالله في هذه الآية الكريمة يبين لنا المعنى العام الذي تصير به الدار دار كفر، وهو سيطرة الظلم على أهلها، وبين سبحانه أن من أعظم الظلم الشرك به، وذكر بعض أجزائه وهو إخراج المظلومين من أرضهم وعشرتهم بدون حق، وكذلك تهديم أماكن العبادة.
ثم نص سبحانه على المعنى الذي تصير به الدار دار إسلام وهو تمكين المسلمين من السيطرة عليها وإظهار أحكام الله فيها من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.٢
٤- قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ .٣
فالأرض التي يفتحها المسلمون ويتسلطون عليها ويرثونها ويغنمون ما بها من أموال ومتاع دار إسلام وليست دار كفر.
стр. 263
٥- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ .١
فالأرض التي يستضعف فيها المؤمن ويغلب فيها على أمره وتجب عليه المهاجرة منها إلى الأرض التي يعلو فيها شأنه ليست دار إسلام وإنما هي دار كفر.
وأيضاً تقسيم الأرض إلى دارين يعرف من مقصد الشارع بالهجرة، فمقصده سبحانه بالهجرة ألا يستضعف المؤمنون في الأرض التي تغلب فيهم أحكام الكفر وسلطانه، فغلبة أحكام الكفر في الدار يجعلها دار كفر، ويوجب الهجرة منها، إلى الدار التي تغلب فيها أحكام الإسلام وهي دار الإسلام، وقد صرح العلماء بذلك أنه تجب الهجرة على المؤمن العاجز عن إظهار دينه من دار الكفر إلى دار الإسلام، بنص هذه الآية وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
٦- قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ
стр. 264
وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .١
وجه الدلالة من الآيتين:
ففي الآية الأولى يبين الله لنا أن الأرض التي يهاجر منها المسلمون تاركين أموالهم وأولادهم، راغبين في ابتغاء الله ورضوانه قاصدين نصرة الله ورسوله ﷺ هي دار كفر وليست دار إسلام.
أما في الآية الثانية فقد نص على المعنى الذي تكون به الدار دار إسلام وهو تمكن المسلمين منها وإظهار أحكام الله فيها كالإيمان بالله وإخلاصه له، ونبذ الشح والحسد من قلوب أهلها، وانتشار المحبة والمودة بين أهلها، حتى يصل بهم الأمر إلى تقديم المؤمن أخيه المؤمن في جميع الأشياء على نفسه ولو كان محتاجاً إليها.
٧- قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ .٢
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ .٣
стр. 265
فالأرض التي يتسلط عليها الكفار، ويهددون المسلمين فيها بالعودة إلى دينهم من الشرك بالله وغيره، أو الخروج منها، لا يمكن أن يقال عنها بأنها دار إسلام بل هلي دار كفر.
٨- وقوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ .١
فقد نص على أن هناك داراً غير دار المؤمنين وهي دار الفاسقين، والدار التي ينتشر فيها الفسق والغش والفساد، ليست دار إسلام.
٩- وقوله تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ .٢
فالدار التي يعلن فيها حكامها الكفرة غير أحكام الله، من إظهار الفواحش، والتفاخر بها، وانتقاص الفضائل، والاستهزاء بها، لا يمكن أن تتصف بصفة الإسلام، بل يجب اتصافها بصفة الكفر وإطلاقه عليها.
١٠- قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً
стр. 266
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ .١
وجه الدلالة من الآيات:
فالآية الأولى تدل بمعناها على دار الكفر- لأن الأرض التي يعلو فيها شأن الكفرة ويتسلط عليها أعداء الله، ويستضعف فيها أحبابه، حتى يبلغ بهم الأمر إلى ذبح أبنائهم واستحياء نسائهم خوفاً من كثرتهم، وقوة شأنهم، وسحب الملك والسلطة منهم لا يمكن أن يقال عنها أنها دار إسلام بل دار كفر.
والآية الثانية تدل بمعناها على دار الإسلام لأن الأرض التي تفضل الله بها على المسلمين، وجعلهم فيها دعاة إلى الخير، نهاة عن الشر ومكنهم منها بالاستيلاء عليها ووراثة ملكها، هي دار إسلام وليست دار كفر.
ثانياً: الدليل من السنة على انقسام الأرض إلى دارين: دار إسلام، ودار كفر:
إن دلالة السنة النبوة على أن الأرض داران، ظاهر، لأن الناظر والمتتبع لسنة الرسول ﷺ يرى أنها قد دلت على انقسام الأرض إلى دارين،
стр. 267
وذلك من واقع مكة والمدينة والأمر بالهجرة من مكة إلى المدينة.
فمكة كانت قبل الفتح وبعد الهجرة دار كفر والعداء قائم بين أهلها من المشركين وبين المسلمين.
والمدينة صارت دار إسلام ولذا هاجر المؤمنون إليها من مكة التي كانت دار كفر قبل أن يمن الله بفتحها على المسلمين.
وقد وردت أحاديث صريحة صحيحة في وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام منها:
١- عن جرير بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قيل يا رسول الله ولمَ؟ قال: لا تراءى ناراهما١".٢
стр. 268
فهذا الحديث ظاهر الدلالة على أن الأرض تنقسم إلى دار إسلام ودار كفر لأن النبي ﷺ برئ من المسلم الذي يقيم مع المشركين في دارهم دار الكفر، وأمره بالهجرة إلى دار الإسلام.
قال البغوي: "من أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الدار ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام".١
٢- وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها".٢
فالحديث دل على أن الأرض داران دار إسلام ودار كفر لأن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام باقية لم تنقطع.
قال البغوي: "لا تنقطع الهجرة أراد بها هجرة من أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الدار ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام".٣
٣- وعن بهز بن حكيم٤ عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا
стр. 269
يقبل الله عزوجل من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين".١
فهذا الحديث نص صريح في أن الأرض داران، دار إسلام ودار كفر لأن النبي ﷺ نفى فيه قبول عمل السلم المقيم في ديار الكفار حتى يفارقها، ويهاجر إلى ديار المسلمين، وإلى غير ذلك من الأحاديث التي أوجبت الهجرة، ووجوبها دليل على أن الأرض دار إسلام ودار كفر - لأن الهجرة لا تكون إلاّ من دار الكفر إلى دار الإسلام.
ومن الأحاديث التي دلت على انقسام الأرض إلى دارين: حديث سليمان بن بريدة ﵁ عن أبيه قال: كان رسول الله إذا أمر أميراً على جيش أو سرية٢ أوصاه في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ٣ ولا تغدروا ٤ ولا تمثلوا ٥ ولا تقتلوا وليداً ٦، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن ما أجابوك
стр. 270
فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين" ١ الحديث.
وجه الدلالة منه: دل الحديث دلالة واضحة على أن الأرض داران، دار إسلام، ودار كفر.
لأن قوله ﷺ ثم ادعهم إلى التحول من دارهم - دار الكفر- إلى دار المهاجرين - دار الإسلام- يدل على أن هناك داراً غير دار الإسلام ألا وهي دار الكفر، التي يجب دعوة أهلها إلى الإسلام أولاً، فإن أبو دعوا إلى الجزية، فإن أبوا وجب قتالهم.
وبهذا يتضح لنا أن السنة النبوية دلت على أن الأرض تنقسم إلى دارين: دار إسلام، ودار كفر، كما دل على ذلك كتاب الله .
ثالثا: الدليل من المأثور على انقسام الأرض إلى دارين، دار إسلام ودار كفر:
ما ورد في بعض الآثار عن بعض الصحابة ﵃ أن مكة
стр. 271
كانت دار كفر بعد الهجرة والمدينة صارت دار إسلام.
فقد جاء في رسالة خالد بن الوليد في كتاب الخراج ما نصه: "وجعلت لهم - أي أهل الذمة - أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياُ فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقاموا بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام، فليس على المسلمين النفقة على عيالهم". ١
رابعاً: أما دليل التقسيم من الإجماع:
فقد وقع إجماع عامة أهل العلم ومن بينهم الفقهاء الأربعة على أن الأرض داران: دار إسلام، ودار كفر، وهذا من واقع تعريفاتهم للدارين- وقد سبق ذكر ذلك في تحديد معنى الدارين عندهم.
وقد ثبت بالاستقراء من أقوال الفقهاء على أن الأرض داران دار إسلام، ودار كفر.
فقال الإمام مالك: "كانت مكة دار حرب".٢
وقال الإمام الشافعي: "في وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام: ثم أذن الله ﵎ لرسوله ﷺ بالهجرة إلى المدينة ولم يحرم في هذا من بقي بمكة المقام بها وهي دار شرك، وإن قلوا بأن يفتنوا، ولم
стр. 272
يأذن لهم بجهاد، ثم أذن الله عزوجل لهم بالجهاد، ثم فرض بعض هذا عليهم أن يهاجروا من دار الشرك".١
وقال ابن قيم الجوزية: "وكانت دار الهجرة في زمن رسول الله ﷺ هي دار الإسلام".٢
وقال ابن قدامة: "وتجب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن يقدر عليها ولا يتمكن من إظهار دينه".٣
وقال ابن حزم الظاهري: "وكل موضع سوى مدينة رسول الله ﷺ فقد كان ثغراً ودار حرب ومغزى وجهاد".٤
وأقوالهم هذه تدل على أنهم اتفقوا وأجمعوا على أن الأرض على قسمين: دار إسلام ودار كفر.
стр. 273
المطلب الثاني: في الرد على من قال إن الأرض دار واحدة
وفيه فرعان:
الفرع الأول: في الرد على ما نسبه أبو زيد الدبوسي إلى الإمام الشافعي أن الأرض دار واحدة
لقد نسب أبو زيد الدبوسي إلى الإمام الشافعي القول بأن الأرض دار واحدة فقال في كتابه تأسيس النظر ما نصه: "الأصل عندنا أن الدنيا كلها داران دار الإسلام، ودار الحرب، وعن الإمام الشافعي الدنيا كلها دار واحدة وعلى هذه مسائل منها:
إذا خرج أحد الزوجين إلى دار الإسلام مسلماً مهاجراً أو ذمياً وتخلف الآخر في دار حرب، وقعت الفرقة فيما بينهما، وعند الإمام أبي عبد الله الشافعي لا تقع الفرقة بنفس الخروج.
ومنها: إذا أخذوا أموالنا وأحرزوها بدار الحرب ملكوها عندنا وعند الإمام الشافعي لا يملكونها.. إلخ"١
أما الجواب عن هذه النسبة فهو من أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن هذه النسبة غير صحيحة- فكما أن علماء الحنفية يقسمون الأرض إلى دارين فكذلك علماء الشافعية وعلى رأسهم صاحب المذهب الإمام الشافعي ﵀.
стр. 274
ومما يدل على عدم صحة هذه النسبة هو أن الإمام الشافعي قد ذكر في كتابه الأم بعض العناوين التي تدل على أنه يقول بانقسام الأرض إلى دارين.
فقال تحت عنوان: "إقامة الحدود في دار الحرب: يقيم أمير الجيش الحدود حيث كان من الأرض إذا ولي ذلك فإن لم يول فعلى الشهود الذين يشهدون على الحد أن يأتوا بالمشهود عليه إلى الإمام ولّى ذلك ببلاد الحرب، أو ببلاد الإسلام، ولا فرق بين دار الحرب، ودار الإسلام فيما أوجبه الله على خلقه من الحدود".١
وقال في موضع آخر: " (المستأمن في دار الحرب) إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم أو يبلغوا مدة أمانهم وليس لهم ظلمهم ولا خيانتهم".
وقال أيضاً تحت عنوان: "العبد المسلم يأبق في دار الحرب": "الرجل يسلم في دار الحرب بيع الطعام في دار الحرب".٢
وقال: "الحربي يخرج إلى دار الإسلام. الحربي يدخل دار الإسلام بأمان. الرجل يقرض الرجل الطعام أو العلف إلى دار الإسلام"٣. وغيرها كثير.
стр. 275
فهذه النصوص التي ذكرها الإمام الشافعي في كنابه الأم تدل على أنه يقر بهذا التقسيم ويقول به كغيره من العلماء.
الوجه الثاني: أنه لو صحت نسبة هذا القول إلى الإمام الشافعي. فإن الإمام الشافعي له مقصد غير الذي نسب إليه، وهذا المقصد الذي أراده الإمام الشافعي هو أن الأصل في الأرض هو الإسلام وهذا الذي يجب أن تكون عليه - لكن مادام أن المسلمين لم يسيطروا على جميع الأرض لابد من وجود دار غير دارهم وهي دار الكفر، وربما يكون قصده من ذلك أن جميع دور الإسلام تعتبر داراً واحدة.
الوجه الثالث: وما يدل أيضاً على أن الإمام الشافعي يقول بانقسام الأرض إلى دارين ما نسبه الزنجاني الشافعي في كتابه (تخريج الفروع على الأصول) حيث يقول: "اختلاف الدارين - أعني دار الإسلام ودار الحرب- لا يوجب تباين الأحكام عند الإمام الشافعي" ١
وهذا الكلام صريح في القول بالتقسيم بخلاف ما نسب إلى الإمام الشافعي من القول بعدمه.
الوجه الرابع: أن مقصد الإمام الشافعي من القول بأن الأرض دار وحدة، إنما
стр. 276
ذلك في تطبيق الأحكام الشريعة، فلا أثر عنده لاختلاف الدارين في تباين الأحكام.
فأحكام الشريعة الإسلامية عنده تطبق على المسلم في أي مكان سواء كان ذلك في دار الإسلام أو في دار الحرب وقد نص على ذلك فقال: "ولا فرق بين دار الحرب، ودار الإسلام فيما أوجبه الله على خلقه من الحدود". ١
ومن خلال ما سبق يتضح أنه ما نسبه أبو زيد الدبوسي إلى الإمام الشافعي غير صحيح بل إن قوله موافق لقول كافة أهل العلم في تقسيم الأرض إلى دارين دار إسلام ودار كفر.
стр. 277
الفرع الثاني: في الرد على ما ذهب إليه بعض العلماء المعاصرين من أن الأرض دار واحدة
انتقد بعض العلماء المعاصرين تقسيم الأرض إلى دارين، بحجة أنه تقسيم للواقع الذي كان عليه المسلمون مع الكفار، وليس تقسيماً شرعياً، يقوم عليه دليل من الكتاب، أو السنة، وحقيقة الأمر أن الدنيا بحسب الأصل هي دار واحدة.
فهذا صاحب آثار الحرب يقول: "والحقيقة أن هذا التقسيم لم يرد به قرآن، ولا سنة، ومبني على أساس الواقع، لا على أساس الشرع، ومن محض صنيع الفقهاء في القرن الثاني الهجري، وأنه من أجل ترتيب بعض الأحكام وأن الحرب هي السبب في هذا التقسيم، فهو تقسيم طارئ بسبب قيام حالة الحرب، أوالحرب نفسها، فهو ينتهي بانتهاء الأسباب التي دلت عليه، والحقيقة أن الدنيا بحسب الأصل هي دار واحدة".
إلى أن قال: "والواقع أن استنباط تقسيم الدنيا إلى دارين، من الدعوة إلى الهجرة غير سليم لأن ذلك قد نسخ بفتح مكة لقوله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية". ١
стр. 278
ووافقه على رأيه هذا بعض المعاصرين.١
قلت: يمكن الرد على هذا الانتقاد بما يلي:
١- قولهم بأن تقسيم الفقهاء الأرض إلى دارين مبني على أساس الواقع لا على أساس الشرع ومن محض صنيعهم.
يرد عليه أن الفقهاء عندما قسموا لأرض إلى دارين فقهوا ذلك من خلال قراءتهم لكتاب الله، ومن خلال تتبعهم لسنة رسوله ﷺ ومن واقع مكة قبل الفتح، والمدينة بعد الهجرة إليها، فقد كانتا داري كفر وإسلام.
ولأن قولهم هذا خلاف ما دلت عليه النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة على تقسيم الأرض إلى دارين، دار إسلام، ودار كفر.
وقولهم بأنه لم يرد بهذا التقسيم كتاب، ولا سنة، غير صحيح، فقد دل الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، على هذا التقسيم كما سبق بيانه.
٢- أما استناده لحديث: "لا هجرة بعد الفتح" وأن الهجرة قد انقطعت، وبهذا تكون الأرض داراً واحدة، وأن الآيات والأحاديث التي تأمر بالهجرة يمكن الاستدلال بها على هذا التقسيم لو أن حكم الهجرة باق ولم ينسخ.
يرد عليه: بأن الهجرة المراد نفيها في الحديث هي الهجرة من مكة
стр. 279
بعد الفتح، لأن مكة صارت دار إسلام بعد الفتح وقويت شوكة المسلمين بها فانقطعت الهجرة منها إلى المدينة، فهذا هو المعنى الصحيح لهذا الحديث والمراد من الهجرة التي انقطعت، أما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فهي باقية إلى يوم القيامة، وهذا هو الذي فهمه العلماء من هذا الحديث.
فقال ابن العربي: "الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وكانت فرضاً في أيام النبي ﷺ واستمرت، وهذه باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي ﷺ حيث كان، فمن أسلم في دار الكفر وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام".١
وقال الإمام البغوي: "لا هجرة بعد الفتح أراد به من مكة إلى المدينة".٢
وقال ابن قدامة: "لا هجرة بعد الفتح أي من بلد قد فتح، والهجرة التي انقطعت يعني من مكة، لأن الهجرة الخروج من بلد الكفار فإذا فتح لم يبق بلداً للكفار". ٣
وقال ابن مفلح: "حكم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام مستمر إلى يوم القيامة".
стр. 280
وقوله: "لا هجرة بعد الفتح" أي لا هجرة من مكة بعد فتحها لأن الهجرة إليه لا منه".١
وقال الشوكاني: "ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار أي مادام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي الفتنة في دينه".٢
وبعد أن ذكرنا أن المعني الصحيح للحديث، والمراد من نفي الهجرة فيه، يتضح لنا أنه لا يمكن الاستدلال به على أن الهجرة قد انقطعت وأن الأرض دار واحدة.
فمن ذهب إلى غير هذا المعنى فقد صرف الحديث عن معناه الصحيح، وأخطأ الصواب، وعليه مراجعة كتب العلماء التي بينت المعنى المراد من الحديث وهو نفي الهجرة من مكة بعد فتحها لأنها صارت دار إسلام وكيف يهاجر من دار الإسلام إلى دار الإسلام.
أما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، فهي واجبة على من عجز عن إظهار دينه، وباقية لم تنقطع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة وسنذكرها بالتفصيل في الباب الثاني.
стр. 281
٣- دلالة الواقع، فواقع الحياة بدل على أن الأرض لا تخلو من كفر أو إسلام، فالدار التي يتسلط عليها المسلمون وتغلب فيها أحكامهم هي دار الإسلام.
والدار التي يتسلط عليها الكفار وتغلب فيها أحكامهم هي دار الكفر، فكيف يقال إن الأرض دار واحدة، إذا لم يرد الأصل الذي يجب أن تكون عليه جميع الأرض وهو الإسلام.
стр. 282
المبحث الثاني: أثر التقسيم في تباين الأحكام
بعد أن استقرأنا دلالة الكتاب والسنة والإجماع والمأثور على انقسام الأرض إلى دارين: دار إسلام، ودار كفر.
نبين أثر هذا التقسيم في تباين أحكام الشريعة الإسلامية من عدمه.
فنقول: إن ذلك لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أثره في الأحكام التي تخلف باختلاف دار الإسلام
فمثلاً المستأمن الذي يقيم في دار الإسلام إقامة مؤقتة، وهو من أهل دار الكفر، ولا تطبق عليه أحكام الشريعة الإسلامية في داره ولا يلتزم بها، هل لانتقاله من داره إلى دار الإسلام، أثر في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية عليه أم لا أثره له؟
فقد اتفق الفقهاء على أن اختلاف الدارين له أثر في تباين الأحكام التي تخلف باختلاف دار الإسلام فيما يتعلق بالمعاملات، فالمستأمن إذا دخل دار الإسلام، أثر دخوله هذا في تطبيق الأحكام الإسلامية عليه، فمثلاً يحرم عليه التعامل بالربا مع المسلمين وغيرهم كالذميين، بل يمنع من التعامل بجميع العقود الفاسدة التي لا تحل في الشريعة الإسلامية بينما كان
стр. 283
في داره بتعامل بها كيف شاء ومع من شاء.١
أما ما يتعلق بالحدود والجنايات فقد اختلفوا فيه هل له أثر أم لا؟
فمثلاً إذا ارتكب المستأمن الجرائم في دار الإسلام، طبقت عليه أحكام الشريعة الإسلامية في قول أكثر أهل العلم.
فلو قتل المستأمن مسلماً أو ذمياً في دار الإسلام، فإنه يقتص منه، وإذا قتله مسلم أو ذمي في دار الإسلام فدمه لا يذهب هدر كما في داره، بل تضمن ديته.
وكذلك الحدود تقام عليه إذا ارتكب موجبها، إلى غير ذلك من الأحكام التي تخلف باختلاف دار الإسلام وسيأتي تفصيل هذه الأحكام وبسط الخلاف فيها في الباب الثاني.٢
الأمر الثاني: أثره في الأحكام التي تختلف باختلاف دار الكفر
فمثلاً المسلم الذي هو من أهل دار الإسلام، إذا سافر إلى دار الكفر، هل لسفره هذا أثر في عدم تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية عليه
стр. 284
علماً بأنه في داره ملتزم لجميع الأحكام الإسلامية. اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
القول الأول: أن اختلاف الدارين يوجب تباين الأحكام الشرعية، فمثلاً المسلم الذي دخل دار الكفر بأمان أو بغير أمان له أن يتعامل بالربا فيها مع الكفار ومع المسلمين الذي لم يهاجروا، بل له أن يتعامل بجميع العقود الفاسدة مع الكفار إذا دخل دارهم بدون أمان أو بأمان، بينما في داره يحرم عليه التعامل بالربا وغيره من العقود الفاسدة.١
وكذلك إذا ارتكب ما يوجب القصاص في دار الكفر، فقتل مسلماً آخر، لا يقتص منه بينما في داره يجب عليه القصاص.
وكذلك الحدود لا تقام عليه في دار الكفر، فلو سرق أو زنا أو شرب الخمر لا يقام عليه الحد ما دام في دار الكفر، بينما في داره تقام عليه الحدود إذا ارتكب موجبها، وإلى غير ذلك من الأحكام الأخرى التي ستأتي بالتفصيل في الباب الثالث.
وهذا ما صرح به فقهاء الحنفية وبه قال الحنابلة في رواية إلا أنهم قالوا بالنسبة لإقامة الحدود تؤخر حتى يرجع المسلم إلى دار الإسلام. ٢
стр. 285
واحتجوا بما يلي:
أولاً: قالوا إن الإمام يقدر على إقامة الحدود في دار الإسلام، ولا يقدر على إقامتها في دار الكفر، لعدم الولاية ن فلو سرق المسلم أو قتل في دار الكفر ثم رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحد، لأنه لا ولاية لدار الإسلام على دار الكفر.١
ثانياً: قالوا إن تباين الدارين قاطع للأملاك لأنه نازل منزلة الموت، والموت قاطع للأملاك، لأن الملك في الأصل إنما يثبت بالاستيلاء على المملوك، والاستيلاء ينقطع بتباين الدار حقيقة وحكماً.
أما الحقيقة فبالخروج عن يد المالك، وأما الحكم فبانقطاع يده من الولايات والتصرفات.٢
القول الثاني: أن اختلاف الدارين لا أثر له في تباين الأحكام الشرعية التي تختلف باختلاف دار الكفر.
وبه قال فقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة في ظاهر المذهب.٣