قال الإمام النووي: "فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق".١
واختلفوا في عقوبة المستأمن الحربي إذا تجسس على المسلمين في دارهم إلى قولين:
القول الأول: إذا ارتكب المستأمن جريمة التجسس في دار الإسلام لا ينتقض عهده، وعقوبته الحبس ولمدة طويلة، بحسب ما يراه الإمام، وهو قول فقهاء الحنفية ما عدا أبا يوسف وهو مذهب الشافعية.٢
قال الإمام السرخسي: "وإذا دخل الحربي دارنا بأمان فقتل مسلماً عمداً أو خطأ، أو قطع الطريق، أو تجسس أخبار المسلمين فبعث بها إلى المشركين أو زنى بمسلمة أو ذمية كرهاً أو سرق فليس يكون شيء منها نقضاً للعهد.
وهذا كله إذا لم يشترط عليه ذلك في العقد، أما إذا شرط عليه في عقد الأمان عدم التجسس فخالف الشرط ففي هذه الحالة يجوز قتله".٣
وقال الإمام الشافعي: "وإن كان عيناً للمشركين على المسلمين يدل
стр. 492
على عوراتهم، عوقب عقوبة منكلة، ولم يقتل ولم ينقض عهده".١
القول الثاني: المستأمن الحربي إذا تجسس على المسلمين في دارهم ليخبر أهل داره بأحوالهم، وسائر أمورهم، انتقض عهده. وهذا مروي عن الأوزاعي، وهو قول المالكية والحنابلة، وأبي يوسف من الحنفية. ٢
أما القتل فقد صرح المالكية بقتله إذا تجسس إلا أن يسلم.
فقالوا: "الجاسوس يتعين قتله إلا أن يسلم، لأن الأمان لا يتضمن كونه جاسوساً ولا يستلزمه ولا يجوز العقد عليه".٣
وهو أيضاً ما صرح به الإمام الأوزاعي وأبو يوسف من الحنفية.٤
أما الحنابلة: فقالوا: الإمام يخير بين القتل والاسترقاق والمن كأسير الحرب.٥
стр. 493
الأدلة:
أولاً: أدلة أصحاب القول الأول:
استدلوا بالسنة، والمعقول:
أ - دليلهم من السنة:
بحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: ائتوا روضة خاخ١ فإن بها ظعينة٢ معها كتاب، فخذوه منها، فانطلقنا تعادى بنا خلينا، فإذا نحن بالمرأة فقلنا أخرجي الكتاب، فقالت ما معي كتاب فقلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها٣، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر الرسول ﷺ . الحديث.٤
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث دل على أن الجاسوس المستأمن لا يقتل ولا ينتقض عهده إذا تجسس على المسلمين
стр. 494
،لأن حاطب بن بلتعة تجسس على المسلمين وأخبر عدوهم بأخبارهم، ولم يكن هذا ناقضا لإيمانه، فقد سماه الله مؤمنا مع ما فعله، فكذلك المستأمن إذا تجسس على المسلمين لم يكن فعله ناقضا لأمانه.١
ويمكن أن يرد عليهم:
بأنه لا دالة لهم في هذا الحديث لأن حاطباً كان مسلما ولم يقصد الإضرار بالمسلمين في تجسسه عليهم كما يفيده ظاهر الحديث، ومع هذا هَمَّ بعض الصحابة بقتله، لكن منعهم الرسول ﷺ من ذلك لمشاهدته لبدر، وقد عفا الله عنه وقبل توبته.
فلا يتناول هذا الحديث المستأمن بأية حال من الأحوال، والمستأمن الحربي وغيره قصده من التجسس هو الإضرار بالمسلمين لمنفعة أهل داره، على عكس المسلم فتجسسه على المسلمين قد يكون لحاجة ومنفعة خاصة به، فقياسهم المستأمن الحربي على المسلم قياس مع الفارق لأن المسلم معصوم الدم بالإيمان، والمستأمن معصوم الدم بسبب الأمان، وهناك فرق بين الإيمان والأمان.
أما دليلهم من المعقول:
فقالوا إن المسلم إذا تجسس في دار الإسلام على أمور المسلمين وأخبر الأعداء بذلك، لم يكن تجسسه ناقضا لإيمانه فكذلك المستأمن إذا
стр. 495
تجسس على أمور المسلمين في دارهم لم يكن فعله هذا ناقضا لأمانه.١
ولكن يرد عليهم بأنه قياس مع الفارق، فلا مساواة بين المسلم وبين المستأمن الحربي لا في الدين ولا في العصمة.
ثانياً: أدلة أصحاب القول الثاني:
الذين قالوا بانتقاض عهد المستأمن إذا تجسس على المسلمين ويعاقب بأشد العقوبات كالقتل.
استدلوا بالسنة والمعقول:
أ - دليلهم من السنة:
بما روي عن فرات بن حيان رضي الله عنه٢ أن رسول الله ﷺ أمر بقتله وكان عيناً لأبي سفيان وكان حليفاً لرجل من الأنصار، فمَرَّ بحلقة من لأنصار فقال إني مسلم، فقال رجل من الأنصار: يا رسول إنه يقول إني مسلم فقال رسول الله ﷺ إن منكم رجالاً نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان.٣
стр. 496
وجه الدلالة من الحديث:
فالحديث يدل على جواز قتل الجاسوس الذمي وأن عمله في التجسس يعتبر ناقضاً للعهد والمستأمن كالذمي في هذا، بل أولى منه لأنه من أهل الحرب.١
أما دليلهم من المعقول: فهو:
١- أن المستأمن بمجرد عقد الأمان فقد التزم بأن لا يفعل شيئاً يكون فيه ضرر على المسلمين، والتجسس من أقبح الجرائم التي فيها الإضرار على جميع المسلمين فإذا فعله كان ناقضا للعهد لارتكابه ما يخالف ما التزمه في عقد الأمان، وكذلك يعاقب بأشد العقوبة المقررة لهذه الجريمة كالقتل.٢
الرأي المختار:
يتضح لنا مما سبق بيانه أن الرأي الأولى بالاختيار هو الرأي القائل إن المستأمن إذا تجسس على المسلمين في دارهم ينتقض عهده ويعاقب بالقتل أو بحسب ما يراه الإمام في الصالح العام.
وذلك للأسباب الآتية:
١- لقوة الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا الرأي لأن المستأمن ما دخل دار الإسلام إلا وقد التزم عدم الضرر بالمسلمين والتجسس عليهم
стр. 497
وإخبار أعدائهم بأحوالهم من أعظم الإضرار التي يلحقها بهم.
٢- ولأن التجسس مخالف لمقتضى الأمان لكونه ضررا عظيما، وأَمْر النبي ﷺ بقتل الجاسوس المشرك ونفل سلبه لقاتله دليل على إباحة دمه وماله، ومثله المستأمن لأن كلا منهما قصد الضرر بالدولة الإسلامية، لأن الحربي المستأمن إذا فعل شيئا يخالف أمانه ويضر بالمسلمين انتقض أمانه وحل دمه وماله، كالحربي غير المستأمن.
٣- ولأن التجسس من أخطر الجرائم، لأن ضرره عام فيشمل الأمة كلها فيقتل الجاسوس المستأمن ليرتاح المسلمون من شره، ولأن صاحب هذا الضرر لا يؤمن شره إلا بقتله.
٤- ولأن العقوبة لو خففت ولم يعتبر التجسس ناقضا للعهد، وعوقب بالحبس، لكان هذا من التساهل الذي يجعل الفرصة سانحة أمام هؤلاء الكفار من المستأمنين أو غيرهم الذين يتجسسون على أهل الإسلام لخدمة أهل دارهم.
٥- ولأن عقوبة القتل لجريمة التجسس من المستأمن تكون ردعاً لغيره وبخاصة في هذا الوقت لكثر المستأمنين في دار الإسلام فعندما يعلمون أن عقوبة التجسس على المسلمين هي القتل، فهذا يكون ردعا لهم والتزاماً منهم بما في عقد أمانهم، أما إذا علموا بأن العقوبة هي الحبس فقط فربما يكون هذا دافعا لهم في ارتكاب جرائم التجسس أو غيرها.
стр. 498
فالذي أراه أن القتل هو العقوبة الرادعة للمستأمن إذا تجسس على المسلمين في دارهم، وخاصة في هذا الوقت الذي يكثر فيه المستأمنون في دار الإسلام.
وبناءً على هذا الاختيار يتضح لنا أن اختلاف الدار له أثر في تجسس المستأمن في دار الإسلام.
стр. 499
الفصل الثالث: اختلاف الدار وأثره في الجهاد
المبحث الأول: أثره في الهجرة ١ من دار الكفر
لما كان الإسلام دين القوة والعزة، والهيبة والرفعة، فإنه قد أبى على معتنقيه أن يستذلوا للكفار، ويستسلموا لهم، من أجل ذلك منع ديننا الحنيف المسلمين العاجزين عن إظهار دينهم من الإقامة في دار الكفر، وبين أظهر الكفار، لأن إقامة المسلمين في بلد يتسلط عليه ويحكمه الكفار، فيه شعور لهم بالضعف والخذلان.
مع أن ديننا الإسلامي يريد من المسلمين أن يكونوا أهل عزة وقوة وأن يكونوا متبوعين لا تابعين، وأن تكون السلطة والسيطرة وغلبة الأحكام لهم في أي مكان وفي كل زمان، وترتفع رايتهم وتنتكس راية أعدائهم.
لذلك حرم عليهم الإقامة في ديار الكفار التي لا سلطان للإسلام فيها إلا إذا استطاعوا أن يظهروا إسلامهم، ويدعوا غيرهم إليه، ويرغبونهم فيه، ويعملون طبقا لعقيدتهم الإسلامية، دون أن يخشوا الفتنة على أنفسهم أو على دينهم.
فالمسلمون المقيمون في ديار الكفار إذا عجزوا عن إظهار دينهم
стр. 500
وجبت عليهم الهجرة إلى دار الإسلام باتفاق العلماء.
وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.
أولا: الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ ١
وجه الدلالة من هذه الآية:
دلت الآية دلالة واضحة على وجوب الهجرة على المسلمين المستضعفين العاجزين عن إظهار دينهم في بلد لا سلطان للإسلام فيه، وإنما السلطة وغلبة الأحكام فيه لأعداء الله.
قال القرطبي: "وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض، التي يعمل فيها بالمعاصي"٢
وقال ابن كثير: "ظالمي أنفسهم - بترك الهجرة - ثم قال: هذه الآية عامة لكل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية"٣
стр. 501
وقال القاسمي: "الآية دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه، حقت عليه المهاجرة"١
وقال ابن سعدي: "في الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات وتركها من المحرمات، بل من أكبر الكبائر"٢
ثانيا: الدليل من السنة:
فقد دلت السنة أيضا على وجوب الهجرة وتحريم إقامة المسلمين في ديار الكفر إذا لم يقدروا على إظهار دينهم.
وفي هذا يقول ابن القيم: "ومنع رسول الله ﷺ من إقامة المسلم بين المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم"٣
والأحاديث التي منع فيها الرسول ﷺ من الإقامة في ديار الكفار كثيرة منها:
١- قوله ﷺ في حديث جرير بن عبد الله ﵁: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قيل: يا رسول الله ولم؟ قال: لا تراءي ناراهما" ٤
стр. 502
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على تحريم الإقامة في ديار الكفار، لأن النبي ﷺ قد برأ من المقيم في ديار الكفار، والبراءة لا تكون إلا على من فعل محرم.
قال البغوي: "من أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الدار، ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام لهذا الحديث"١
٢- حديث سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله" ٢
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على تحريم مساكنة الكفار، ووجوب مفارقتهم.٣
قال الصنعاني: "فيه دليل على وجوب الهجرة من ديار المشركين"٤
٣- وبحديث بهز بن حكيم قال: قال رسول الله ﷺ "لا يقبل الله من مشرك بعد ما أسلم عملا أو يفارق المشركين إلى المسلمين" ٥
стр. 503
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث ظاهر الدلالة في أن الله لا يقبل عمل المسلم حتى يفارق ديار المشركين إلى ديار المسلمين.
٥- وحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ : "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" ١
فالحديث دل على أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام باقية لم تنقطع وهذا مما يدل على وجوبها.
قال البغوي: "لا تنقطع الهجرة أراد بها هجرة من أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الدار ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام"٢
وقال الصنعاني: "دل الحديث على ثبوت حكم الهجرة وأنه باق إلى يوم القيامة"٣
٦- وحديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع فقلت: يا رسول الله أبسط يديك، حتى أبايعك، واشترط علي فأنت أعلم، قال: "أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة
стр. 504
وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين" ١
فدل الحديث على وجوب مفارقة ديار المشركين إلى ديار المسلمين.
ثالثا: الإجماع:
فقد أجمع علماء المسلمين على أن المسلم العاجز عن إظهار دينه في ديار الكفار، تحرم عليه الإقامة في ديارهم وتجب عليه الهجرة إلى ديار المسلمين. أما إذا قدر على إظهار دينه ولم يخف من الفتنة فيه، فلا بأس بالإقامة لما يرجى من إسلام غيره.٢
وسأذكر ما قاله العلماء في وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام باختصار لتكمل الفائدة.
فقال علماء الحنفية: "من أقام في أرض العدو، وإن انتحل الإسلام وهو يقدر على التحول إلى المسلمين، فأحكامه أحكام المشركين، وإذا أسلم الحربي فأقام ببلادهم، وهو يقدر على الخروج منها، فليس بمسلم، يحكم عليه بما يحكم على أهل الحرب من انقطاع العصمة في المال والنفس"٣
стр. 505
وقال علماء المالكية: "لا يحل لمسلم أن يقيم في دار الكفر وهو قادر على الخروج منها"١
قال ابن العربي: "من أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام"٢
قال ابن رشد: "واجب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الكفر أن لا يقيم بها، حيث تجري عليه أحكام المشركين، وأن يهاجر ويلحق بدار المسلمين حيث تجري عليه أحكامهم"
فقد وجب بالكتاب، والسنة، والإجماع، على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر ويلحق بدار المسلمين ولا يقعد بين المشركين، ويقيم بين أظهرهم، لئلا تجري عليه أحكامهم في تجارة أو غيرها.
وقد كره الإمام مالك أن يسكن أحد ببلد يسب فيه السلف فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن، وتعبد فيه من دونه الأوثان.٣
وقال علماء الشافعية:"الناس في الهجرة ثلاثة أضرب:
١- أن يكون ممن أسلم، ويكون له عشيرة يمتنع بها، ويقدر على إظهار دينه ولا يخاف الفتنة في دينه، فهذا يستحب له أن يهاجر لقوله
стр. 506
تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ ١
٢- أن يكون ممن أسلم ولا عشيرة له يمتنع بها، ولا يقدر على الهجرة لعجزه، كأن يكون ضعيف البدن، أو ليس معه نفقات السفر، فهذا لا تجب عليه الهجرة بل يجوز له المقام في ديار الكفار، فإن حمل على نفسه، وتكلف الخروج منها أجر.
٣- أن يكون ممن أسلم ولا عشيرة له تمنعه، ولكنه يقدر على الهجرة فهذا تجب عليه الهجرة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ٢
فأخبر الله في هذه الآية أن من كان مستضعفا بين المشركين وهو يقدر على الخروج من بينهم فلم يفعل فإن مأواه النار، فوجبت الهجرة على المستضعف الذي يقدر على الخروج بنص الآية، واستثني المستضعف الذي لا يقدر على الخروج من الوعيد"٣
وقال علماء الحنابلة أيضا كما قال الشافعية: "الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
١- من تجب عليه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه الإقامة بين الكفار من إقامة
стр. 507
واجبات دينه، وذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب.
ولقوله ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" ١.
ولأن القيام بأمر الدين واجب على القادر، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"٢
٢- من لا هجرة عليه، وهو العاجز عنها لمرض، أو إكراه على الإقامة أو ضعف من النساء والولدان ومن يشبههم، فهذا لا هجرة عليه لقوله تعالى: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ٣
٣- من تستحب له الهجرة، ولا تجب عليه، وهو القادر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه، عند إقامته في دار الكفر، لكنه يستحب له أن يهاجر الكفار ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه لامكان إقامة دينه بدون الهجرة، وقد كان العباس عم النبي ﷺ مقيما بمكة مع إسلامه"٤
стр. 508
وكذلك الظاهرية قالوا بوجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام حتى التجار لا يجوز لهم المقام بين أظهر المشركين١، واستدلوا بقوله ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" ٢.
وبهذا يتضح لنا إجماع العلماء على وجوب الهجرة على المسلم العاجز عن إظهار دينه في دار الكفر إلى دار الإسلام كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، وينطبق هذا الحكم على دار الكفر في هذا الزمان، فالمسلم المقيم في دار الكفر في هذا الزمان ويخاف على نفسه، وعلى دينه من الفتنة، فيجب عليه أن يهاجر إلى أي دار من دور الإسلام، ليأمن على نفسه، ويستطيع أن يظهر دينه.
أما السفر من دار الإسلام إلى دار الكفر لقصد التجارة أو طلب العلم أو غير ذلك من الأغراض الأخرى، ففيه تفصيل:
فإن كان المسلم المسافر إلى بلاد الكفار يقدر على إظهار دينه ولا يخاف من الفتنة فيه، ولا يوالي المشركين، فهذا يجوز له السفر، كما فعل بعض الصحابة ﵁ كأبي بكر الصديق ﵁ فقد سافر إلى بلدان المشركين للتجارة، ولم ينكر عليه النبي ﷺ .٣
стр. 509
وكما صرح بذلك العلماء أن القادر على إظهار دينه في ديار الكفار فلا بأس بإقامته فيها، وهذا يدل على أن من سافر إليها لغرض وقدر على إظهار دينه جاز له ذلك.١
أما العاجز عن إظهار دينه في ديار الكفار والخائف من الفتنة فيه، وغير القادر على عدم موالاة الكفرة ومحبتهم، فهذا لا يجوز له السفر إليها كما صرح بذلك العلماء أن العاجز عن إظهار دينه في دار الكفر تجب عليه الهجرة. وهذا يدل على أن من سافر إلى ديار الكفار لغرض كتجارة، أو طلب علم، ولا يقدر على إظهار دينه، ولا على عدم موالاتهم، لا يجوز له ذلك، وعليه تحمل النصوص الواردة في المنع من الإقامة في ديار المشركين.٢
وبعد هذا التفصيل ندرك مدى الهوة التي وصل إليها أبناء المسلمين اليوم من حب السفر إلى أرض الأعداء للسياحة والتنزه أو غير ذلك، ومدى موالاتهم ومحبتهم لأعداء الله والإقامة بأرضهم، بل ما يعجب له الأمر ولا يقبله العقل أن الكثير من أبناء المسلمين يسافرون إلى ديار الكفار لتحضير الشهادات العليا في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية.
أما غيرها من العلوم الضرورية التي لا توجد في البلاد الإسلامية فهذه لا بأس بالسفر للحصول عليها للضرورة ولحاجة المسلمين إليها والضرورة تقدر بقدرها.
стр. 510
وقد كتب علماء أفاضل في خطورة هذه المسألة، وبينوا مخاطر الابتعاث على أبناء المسلمين وبخاصة الابتعاث لغير ضرورة، أما إذا كانت هناك ضرورة للابتعاث للإطلاع على بعض العلوم التي لا توجد في البلاد الإسلامية، وقدر المبتعثون على إظهار دينهم فهذا لا بأس به، أما إذا لم يقدروا فلا يجوز لهم الابتعاث حتى لو كانت هناك ضرورة، ولتراجع هذه الكتب في مظانها.١
стр. 511
المبحث الثاني: أثره في قسمة الغنيمة١ في دار الكفر الحربية
أباح الله الغنيمة لهذه الأمة دون غيرها من الأمم السابقة، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالدليل من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢
وجه الدلالة من الآية:
دلت الآية بوضوح على مشروعية الغنيمة وإباحتها للغانمين. قال ابن كثير: "بين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصا لهذه الأمة الشريفة من بين سائر الأمم المتقدمة بإحلال الغنائم"٣
стр. 512
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وجه الدلالة من الآية:
فأمر الله سبحانه عباده المؤمنين بالأكل من الغنيمة وأنها حلال طيب لهم دليل على إباحتها لهم دون غيرهم.
قال ابن سعدى: "وهذا من لطفه تعالى بهذه الأمة أن أحل لها الغنائم ولم تحل لأمة قبلها"٢
أما الدليل من السنة:
فحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال:"أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" ٣
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث ظاهر الدلالة في إباحة الغنيمة لهذه الأمة دون غيرها من
стр. 513
الأمم، لقوله ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي" ثم ذكر منها إحلال الغنيمة وما أحل له فهو لأمته إلا ما خص به ﷺ .
أما الإجماع:
فقد أجمعت الأمة الإسلامية على مشروعية الغنيمة١. وقد اتفق العلماء على جواز قسمة الغنيمة في دار الإسلام.٢
وكذلك اتفقوا على أنه يجوز للإمام أن يجتهد ويبيع الغنيمة أو يقسمها في دار الكفر الحربية إذا رأى أن المصلحة في ذلك.٣
واختلف الفقهاء في حكم تقسيم الغنائم في دار الكفر الحربية إلى قولين:
القول الأول: لا يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب.
وهو قول فقهاء الحنفية ما عدا محمد بن الحسن- فإنه قال: تكره القسمة، لكن الأفضل عنده ألا تقسم الغنيمة إلا في دار الإسلام، ولا تقسم في دار الحرب.
стр. 514
وقال أبو يوسف: "إن قسمت في دار الحرب جاز وأحب إلي أن تقسم في دار الإسلام. وهو رواية عند الحنابلة"١
وقال الإمام أبو حنيفة: "إذا غنم جند من المسلمين غنيمة في أرض العدو من المشركين فلا يقتسمونها حتى يخرجوها إلى دار الإسلام ويحرزوها"٢
القول الثاني: يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب بل يستحب.
وهو مروى عن الأوزاعي وأبي ثور.
وهو قول جمهور الفقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة في الصحيح من المذهب، والظاهرية.٣
стр. 515
قال الإمام ابن حزم الظاهري: "تعجيل القسمة أولى فإن مطل ذي الحق لحقه ظلم وتعجيل إعطاء كل ذي حق حقه فرض"١
سبب الخلاف:
هو اختلافهم في هل الملك لا يثبت في الغنائم إلا بعد الاحراز بدار الإسلام، أو أنه يثبت بمجرد الاستيلاء عليها في دار الحرب. بعد الفراغ من القتال، قبل إحرازها بدار الإسلام.٢
فمن قال أن الملك لا يثبت في الغنائم إلا بعد الإحراز بدار الإسلام قال لا تجوز قسمة الغنيمة في دار الحرب وهم فقهاء الحنفية.
ومن قال: إن الملك يثبت في الغنائم بمجرد الاستيلاء عليها، بعد نهاية القتال. قال: يجوز قسمة الغنيمة في دار الحرب وهم جمهور الفقهاء.
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول الذين قالوا بعدم جواز القسمة في دار الحرب. استدلوا بالسنة، والمأثور، والمعقول:
أ - دليلهم من السنة:
١- حديث ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ لم يقسم غنائم بدر إلا بعد مقدمه المدينة"٣
فدل هذا الحديث على أن الغنيمة لا يجوز قسمتها في دار الحرب
стр. 516
لأن النبي ﷺ قسمها بعدما رجع إلى المدينة وهي دار إسلام ولم يقسمها في بدر لأنها كانت دار حرب.١
ويدل على ذلك: أن الرسول ﷺ ضرب لعثمان وطلحة ﵄ بسهم، فقالا وأجرنا فقال وأجركما، ولم يشهدا وقعة بدر.٢
ويؤكد ذلك ما رواه ابن عمر ﵄ قال: إنما تغيب عثمان عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه.٣
وكذلك طلحة ﵁ بعثه رسول الله ﷺ لتجسس على خبر عير قريش فكان مشغولا بعمل المسلمين فجعله كمن شهد بدرا لأنه كان في طاعة الله ورسوله ﷺ .٤
فإعطاء النبي ﷺ عثمان وطلحة ﵄ من غنيمة بدر مع كونهما لم يشهدا الغزوة دليل واضح على أن الغنيمة لم تقسم في بدر وإنما قسمها النبي ﷺ في المدينة بعد رجوعه إليها من الغزوة.
стр. 517
٢- حديث "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب"١
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث يدل على عدم جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب لأن فيها معنى البيع لاشتمالها على المبادلة معنى، وبيع الغنيمة لا يجوز في دار الحرب فكذلك قسمتها.٢
٣- وبما رواه الزهري ومكحول عن رسول الله ﷺ أنه لم يقسم غنيمة في دار الحرب.٣
وهذا يدل على عدم جواز قسمتها في دار الحرب اقتداء بفعله ﷺ لأنه لا يقسمها إلا في دار الإسلام ولم يقسمها في دار الحرب.٤
стр. 518
٤- وبما رفعه الكلبي١ إلى رسول الله ﷺ أنه بعث عبد الله بن جحش ﵁ إلى بطن نخلة٢ فأصاب هنالك عمرو ابن الحضرمي وأصاب أسيرا أو اثنين٣ وأصاب ما كان معهم من آدم وزيت٤ وتجارة من تجارة أهل الطائف، فقدم بذلك على رسول الله ﷺ ولم يقسم ذلك عبد الله ابن جحش حتى قدم المدينة وأنزل الله في ذلك: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ٥، فقبض رسو ل الله ﷺ المغنم وخمسه. ٦
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على عدم جواز قسمة الغنائم في دار الحرب لأن عبد الله بن جحش ﵁ لم يقسم الغنائم التي غنمها في طريقه إلا عندما قدم
стр. 519
إلى المدينة دار الإسلام ولم يقسمها في المكان الذي غنمها فيه لأنه كان دار حرب.
ب - دليلهم من المأثور:
بما رواه مجالد بن سعيد١ عن الشعبي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد بن أبي وقاص قد أمددتك بقوم فمن أتاك منهم قبل أن تتفقأ٢ القتلى فأشركه في الغنيمة.٣
وجه الدلالة من الأثر:
أن عمر ﵁ كتب إلى سعد أن يشرك المدد في الغنيمة وإشراكهم دليل على أن الغنيمة لاتحرز في أرض الحرب.٤
قال أبو يوسف: "وهذا يعلم أنهم لم يحرزوا ذلك في أرض الحرب"٥
стр. 520
ج - دليلهم من المعقول: من وجهين:
الوجه الأول: أن الإمام يجب عليه ألا يشغل بالقسمة في دار الحرب، ولا يشتغل إلا بأمور الحرب، لأن الوقت الذي توزع فيه الغنائم هم في أشد الحاجة إليه، ولأنهم إذا اشتغلوا بتقسيم الغنائم يتكاسلون في أمر الحرب، وربما يتفرقون، فيرجع عليهم العدو مرة أخرى، وهم مشغلون بتوزيع الغنائم.١
الوجه الثاني: أن الغنيمة لا تملك قبل الإحراز بدار الإسلام لأن الملك لا يتم إلا بالاستيلاء، والاستيلاء لم يتم في دار الحرب، ولا يتم إلا بإحراز الغنيمة في دار الإسلام.٢
قال المنبجي: "الأصل عندنا إنما يثبت الحق فيها بالإحراز بدار الإسلام ولا تملك إلا بالقسمة وحصولها في أيديهم في دار الحرب لا يثبت لهم فيها حقا"٣
ثانيا: أدلة الجمهور الذين قالوا إن الغنيمة تقسم في دار الكفر:
استدلوا بالكتاب، والسنة، والمعقول، والقياس:
стр. 521
أ - دليلهم من الكتاب:
١- بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١
وجه الدلالة من الآية:
الآية دلت على جواز قسمة الغنائم في دار الحرب، لأن قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ يقتضي ثبوت الملك في الغنيمة، وإذا حصل الملك لهم فيه وجبت القسمة لأنه لا معنى للقسمة على هذا التقدير إلا صرف الملك إلى المالك، وذلك جائز بالاتفاق، ولم تفرق الآية في ثبوت الملك بين دار الحرب ودار الإسلام.٢
٢- وبقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣
وجه الدلالة من الآية:
أن الأمر بالأكل من الغنيمة في الآية عام ولم يفرق بين أن يكون
стр. 522
ذلك في دار الإسلام أو في دار الحرب، فما غنمتموه حلالا طيبا لكم سواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام.
ب - دليلهم من السنة:
بفعله ﷺ حيث كان يقسم الغنائم في دار الحرب قبل رجوعه إلى دار الإسلام من ذلك غزوة بني المصطلق وحنين وخيبر.١
١- فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من٢ سبي العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل٣، فأردنا العزل وقلنا نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله فسألناه عن ذلك فقال ما عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة"٤
وجه الدلالة من هذا الحديث:
أن الصحابة ﵃ سألوا النبي ﷺ عن العزل عند وطء السبايا من غنائم غزوة بني المصطلق فلم ينكر الرسول ﷺ عليهم ذلك،
стр. 523
وهذا دليل على أن الغنائم قد قسمت في دار الحرب.
٢- وبحديث أنس ﵁ قال: "اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين"١
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث صريح الدلالة في جواز قسمة الغنائم في دار الحرب لأن النبي ﷺ قسم غنائم حنين قبل رجوعه إلى دار الإسلام.٢
قال البيهقي: "بعد أن ذكر الحديث: وفي هذا دلالة على أنه ﷺ قسم غنائم حنين بها"٣
٣- وبحديث أنس ﵁ قال صلى النبي ﷺ الصبح قريبا من خيبر بغلس٤ ثم قال: "الله أكبر خربت خيبر أنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين فخرجوا يسعون في السكك فقتل النبي ﷺ المقاتلة وسبي الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي٥ ثم صارت إلى النبي ﷺ فجعل عتقها صداقها"٦
стр. 524
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث دل على أن النبي ﷺ قسم غنائم خيبر في طريقه قبل رجوعه إلى المدينة دار الإسلام، فوقوع صفية في سهم دحية ثم صيرورتها إلى النبي ﷺ وتزوجه بها في الطريق بين خيبر والمدينة دليل على أن الغنائم قسمت في دار الحرب قبل الوصول بها إلى دار الإسلام.١
٤- عن أبي بردة عن موسى قال: "قدمنا على النبي ﷺ بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا"٢
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث دل على أن النبي ﷺ قسم غنائم خيبر فيها وقد كانت دار حرب لأنه قسم لأبي موسى ﵁ ومن معه ولم يقسم لمن لم يشهد الغزوة، وقسمه غنائم خيبر فيها دليل على جواز قسمة الغنائم في دار الحرب.
ج - دليلهم من المعقول:
أن الغنيمة تملك بمجرد الاستيلاء عليها في دار الحرب، وعندئذ تجوز قسمتها والدليل على ثبوت الملك في دار الحرب ما يلي:
١- أن سبب الملك الاستيلاء التام وهذا يحصل بمجرد إحرازها بأيدي المسلمين لأننا قهرنا الأعداء ونفيناهم وأثبتنا أيدينا عليها، والاستيلاء يدل على حاجة المستولى فيثبت الملك كما في المباحات.
стр. 525
٢- أن ملك الكفار قد زال عنها بمجرد قهرهم وهزيمتهم بدليل أن تصرفهم لا يصح وملكهم لم يزل إلى غير مالك، فعلم أن ملكهم زال إلى الفاتحين، فلو أعتق الكفار رقيقا لم ينفذ عتقهم.
٣- أنه لو أسلم عبد الحربي ولحق بجيش المسلمين صار حرا وهذا يدل على زوال ملك الكافر وثبوت الملك لمن قهره١ د - دليلهم من القياس:
قاسوا جواز القسمة في دار الحرب على جوازها في دار الإسلام.٢
المناقشة:
أولا: مناقشة أدلة الحنفية القائلين بعدم جواز قسمة الغنيمة في دار الكفر الحربية:
أ - مناقشة أدلتهم من السنة:
١- استدلالهم بأن الرسول ﷺ قسم غنائم بدر في المدينة.
يرد عليه: بأن النبي ﷺ قسمها بسير شعب من شعاب وادي الصفراء، قريب من بدر وهو وادي من أو ديتها فيكون تابعا لها لأنه أقرب إليها من المدينة، فبهذا تكون قسمة غنيمة بدر فيها وهي في ذلك الوقت كانت دار حرب.
стр. 526
وقولهم بأن الرسول ﷺ أعطى عثمان وطلحة ﵄ من الغنيمة مع أنهما لم يشهدا غزوة بدر، وهذا مما يدل على أنه قسمها في المدينة.
يرد عليه: بأن إعطاء من لم يحضر الوقعة من الغنيمة لا يدل على تأخير القسمة إلى دار الإسلام.
أما استدلالهم بحديث النهي "عن بيع الغنيمة في دار الحرب" فيرد عليه: بأن هذا الحديث لم يثبت عن الرسول ﷺ ولم تذكره كتب الصحاح والسنن المشهورة بل إن الحنفية أنفسهم قالوا بأنه غريب جدا.١
وأيضا حتى لو ثبت الحديث ليس لهم فيه دلالة على أن الغنائم لا تقسم في دار الحرب، لأن معناه النهي عن بيع الغنائم في دار الحرب قبل أن تقسم وهذا ما صرح به الرسول ﷺ في حديث آخر "حيث إنه ﷺ نهى عن بيع الغنائم حتى تقسم"٢
وكذلك النهي عن بيع الغنائم في دار الحرب، لا يستوجب النهي عن قسمتها في دار الحرب، لأن هناك فرقا بين البيع والقسمة.
وبهذا يتضح لنا أنه لا دلالة للحنفية في هذا الحديث لأنه لم يثبت وحتى لو ثبت ليس لهم فيه دلالة على أن الغنائم لا تقسم في دار الحرب. وكذلك استدلالهم بأن النبي ﷺ لم يقسم غنيمة في دار الحرب، غير صحيح، بل الصحيح أن النبي ﷺ ما غنم غنيمة إلا وقسمها قبل أن يرجع
стр. 527
إلى دار الإسلام.١
وأيضا هذا الحديث لم يثبت عن الرسول ﷺ ولم تذكره إلا كتبهم٢، ولم يذكر في كتب الصحاح والسنن.
وعلى فرض ثبوته لا دلالة فيه: لأن الرسول ﷺ لم يقسم الغنائم في دار الحرب، إما لأنها لم تحرز ويستولي عليها الاستيلاء التام، وإما أن الرسول رأى أن المصلحة هو عدم قسمتها في دار الحرب لئلا تشغل الجيش عن الجهاد فأخر القسمة حتى الرجوع إلى دار الإسلام. ومما لا خلاف فيه بين العلماء أن الإمام إذا رأى أن المصلحة في عدم قسمتها في دار الحرب وإنما هي في تأخيرها حتى الرجوع إلى دار الإسلام جاز له ذلك
أما استدلالهم بقصة عبد الله بن جحش وعمرو بن الحضرمي. فقد رد عليهم الإمام الشافعي بقوله: "وأما ما احتج به من وقعة عبد الله بن جحش وابن الحضرمي، فذلك قبل بدر وقبل نزول الآية، وكانت وقعتهم في آخر يوم من الشهر الحرام فتوقفوا فيما صنعوا حتى نزلت: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ٣ وليس مما خالف فيه الأوزاعي بسبيل) .٤
стр. 528
قلت: وبهذا يكون استدلالهم بهذه القصة ضعيف لأنها كانت قبل بدر بل قبل نزول آية الغنائم كما أشار إلى ذلك الإمام البيهقي حيث قال:
بعد ذكر القصة: "وفي ذلك دلالة على أن ذلك كان قبل نزول الآية في الغنائم"١
ب - مناقشة دليلهم من المأثور:
يرد عليه من وجهين:
١- قال الإمام الشافعي: "أن هذا الأثر لم يثبت عن عمر ﵁ وفيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف" ٢
٢- وعلى فرض ثبوته ليس فيه ما يدل على أن الغنيمة لا تقسم في دار الحرب، بل غاية ما يدل عليه هو أنه يجوز للإمام أن يشرك المدد في الغنيمة قبل انتهاء القتال، وقبل الاستيلاء على الغنيمة، أما إذا انضموا إلى الجيش بعد انتهاء الحرب وبعد الاستيلاء على الغنيمة وإحرازها بدار الحرب، فلا يشركهم فيها، ولم يتعرض الأثر لقسمة الغنائم لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام.
ج - مناقشة دليلهم من المعقول:
قولهم إن الإمام يجب ألا يشتغل بالقسمة ولا يشتغل إلا بأمور
стр. 529
الحرب يرد عليه: بأن الاشتغال بتوزيع الغنائم لا يمنع من الاشتغال بأمور الحرب، لأن الإمام لا يوزع الغنائم إلا بعد الانتهاء من الحرب ليعلم بانتهائها تحقق الظفر واستقرار الملك.
أما إذا رأى الإمام أن المصلحة هو تأخير قسمة الغنائم عند الرجوع إلى دار الإسلام جاز له ذلك وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.١
وأما قولهم أن الغنيمة لا تملك قبل الإحراز بدار الإسلام لأن ملك لا يتم إلا بالاستيلاء. يرد على ذلك: أن الغنيمة تحرز بدار الحرب ويتم الاستيلاء عليها بمجرد هزيمة الأعداء وقهرهم، وانتهاء الحرب لأن ملك الأعداء قد زال عنها بدليل أن تصرفهم فيها لا يصح.٢
وإذا أحرزت وتم الاستيلاء عليها تعجلت قسمتها كيدا للأعداء، وفرحا بالنصر، وحفظا للغنيمة.٣
ثانيا: مناقشة أدلة الجمهور القائلين بجواز قسمة الغنائم في دار الحرب:
أ - مناقشة دليلهم من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤ الآية لا دلالة فيها
стр. 530
على جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب، بل غاية ما تدل عليه الآية هو إباحة الغنيمة للمجاهدين، الخمس منها للأصناف المذكورة في الآية والأربعة أخماس الباقية تقسم بينهم.
يجاب عن ذلك: بأننا لا ننكر أن الآية أباحت الغنيمة للمجاهدين ولكن إباحتها يقتضي ثبوت الملك لهم فيها، ومتى ثبت الملك جازت القسمة سواء ملكت في دار الحرب أو في دار الإسلام.١
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ ٢
لا تدل على جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب، بل غاية ما تدل عليه هو إباحة الغنائم للمجاهدين وأنها حلال طيب لهم.
ويجاب عن ذلك: بأن الأمر بالأكل من الغنيمة جاء عاما ولم يفرق بين أن يكون أكلها في دار الإسلام، أو في دار الحرب ولم يرد ما يخصص هذا العموم، من أن الأكل لا يجوز إلا في دار الإسلام فتبقى الآية على عمومها، وهو إباحة الغنيمة للمجاهدين ولهم قسمتها متى أحرزوها واستولوا عليها سواء كان ذلك في دار الحرب أو في دار الإسلام.
ب - مناقشة أدلتهم من السنة:
١- استدلالهم بأن الرسول ﷺ قسم غنائم غزوة بني المصطلق فيها، وكان مكان الغزوة آنذاك دار حرب.