← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11421

اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية

عبد العزيز بن مبروك الأحمدي

Полный текст (803 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

يرد عليه: بأن استحقاق المسلمين لمال المرتد، إنما هو عن طريق الفيء، لا كونه إرثا، وبهذا لا اعتبار للرحم هنا.١ وقولهم: بأن قرابة المرتد من المسلمين هم أحق بماله. يقال لهم: بأنه لا حق لهم في ماله، لأنه كافر، والكافر لا يرث ولا يورث٢. أما قولهم بأن الردة ينتقل بها مال المرتد، فوجب أن ينتقل إلى ورثته من المسلمين. فيرد عليه: بأن انتقاله إلى بيت المال أولى، لأنه مال كافر والمسلم لا يرث الكافر.٣ ثانيا: مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني: أ- استدلالهم بعموم الآيات التي نفت الولاية بين المؤمنين والكفار. يرد عليه:

стр. 737

بأن نفى الولاية في الآيات، لا يوجب نفي الميراث، لأن الولاية لا دخل لها في الميراث، ولأن الولاية المنهي عنها في الآيات، هي الولاية بين المؤمنين والكفار الأصليين. وعلى فرض أن لهم دلالة بهذا العموم، فيمكن أن يخرج المرتد من هذا العموم بفعل الصحابة ﵃ كعلي وابن مسعود، ومعاذ وزيد بن ثابت ﵃ الذين هم أعلم هذه الأمة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ حتى أن معاذا ﵁ عندما ورث الابن المسلم من أبيه الذي مات على غير الإسلام استند في ذلك إلى قوله ﷺ الإسلام يزيد ولا ينقص، ويبقى سائر الكفار تحت هذا العموم، فلا توارث بينهم وبين المسلمين، هذا إذا كان في هذه الآيات دلالة على نفي الميراث بناء على نفي الولاية.١ ب- أما استدلالهم بحديث أسامة على نفي التوارث بين المرتد وورثته من المسلمين. فيرد على ذلك: بأن الكافر الذي قصده النبي ﷺ في هذا الحديث، لم يبين لنا فيه أي كافر هو، حيث يحتمل أن يكون الكافر الذي له ملة، كما يحتمل أن يكون أي كافر ذا ملة أو غيرها، فلما احتمل ذلك لم يجز أن يصرف إلى أحد المعنيين دون الآخر إلا بدليل، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال في

стр. 738

حديث عمرو بن شعيب: "لا يتوارث أهل ملتين شتى"، فعلم بهذا أنهصلى الله عليه وسلم أراد الكافر ذا الملة، فلما رأينا الردة ليست بملة، رأينا أن المرتدين لا يرث بعضهم بعضا، لأن الردة ليست بملة، فيبقى التوارث بينهم وبين ورثتهم من المسلمين.١ ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن الحديث نص صريح في منع التوارث بين المسلم والكافر، والكافر والمسلم، والمرتد سواء كان صاحب ملة، أو لم يكن، فهو كافر، بل كفره أغلظ وأشد، لأنه اطلع على الإسلام دون غيره من الكفار، فلهذا لا توارث بينه وبين ورثته من المسلمين، وماله يكون فيئا لبيت مال المسلمين. ج- أما استدلالهم بأثر ابن عباس وزيد بن ثابت ﵃. فيرد عليه: بأنه محمول على أن مال المرتد لبيت المال إذا لم يكن له ورثة يرثونه، أو أنه يوضع في بيت المال حتى يحصى ورثة المرتد، ثم يدفع إليهم، وعلى فرض ضعف هذا الاحتمال فهو لا يقوى على معارضة عموم الآيات السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾

стр. 739

وقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ، التي دلت بعمومها على توريث المسلم من المرتد، لأن صلة الرحم بينه وبينهم باقية.١ ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن الاحتمال الذي ذكروه ضعيف، لأن المسلم –كذلك- إذا لم يكن له ورثة وضع ماله في بيت مال المسلمين. د- مناقشة أدلتهم من المعقول: مما لا شك فيه أن المرتد بمجرد ردته أصبح كافرا، ولا يرث أحدا جزاءً له على ذلك، أما ورثته من المسلمين فلا ذنب لهم، وجناية المرتد على نفسه، لا على ورثته، لأنه ربما قصد بردته حرمانهم من الميراث وهذا فيه إضرار عليهم، ولأن ورثته المسلمين ربما كانوا فقراء يحتاجون إلى ماله الذي هم أحق به من غيرهم، فلماذا نحرمهم منه؟ أما الموالاة، فلا دخل لها في الميراث، لأن الموالاة المنهي عنها بين المسلم والمرتد، إنما محبته ومودته. ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن المرتد كافر لا يرث ولا يورث، قصد حرمان الورثة أو لم يقصد، لحديث أسامة ﵁ السابق.

стр. 740

أما ورثته إذا كانوا فقراء فيصرف عليهم من بيت مال المسلمين، ولا يشفع لهم ذلك باستحقاق إرث المرتد. ثالثا: مناقشة أدلة أصحاب القول الثالث: أ- استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فيرد عليه: بأن الآية لا دلالة لهم فيها على أن المرتد يرثه ورثته من الكفار، لأن غاية ما دلت عليه الآية أن الكفار أولياء بعض يتناصرون فيما بينهم ويتوادون فيما بينهم، ولا دخل للولاية في الميراث. وعلى فرض أن الآية فيها دلالة على أن الكفار يتوارثون فيما بينهم، إنما يكون ذلك بين الكفار الأصليين أصحاب الملل، أما المرتد فلا ملة له، فبهذا لا توارث بينه وبين ورثته الكفار، ولأن ورثته من المسلمين لا يرثونه، الذين هم أحق الناس بماله، فحرمان ورثته الكفار من ميراثه من باب أولى. ب- أما استدلالهم بمفهوم حديث أسامة، على أن الكفار يتوارثون فيما بينهم. فهو وإن دل على ذلك، لكن المراد الكفار الأصليين، أما المرتدون فلا توارث بينهم. ج- أما قولهم بأن المرتدين يتوارثون فيما بينهم كسائر الكفار. فيرد عليه:

стр. 741

بأن حكم المرتد يختلف عن حكم الكافر الأصلي، إذ المرتد لا يقر عليه، ولا تحل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي، فدل على أنهما مختلفان، فلا يرثه الكافر الأصلي كما لا يرثه المرتد.١ الرأي المختار: وبعد عرض آراء الفقهاء في مال المرتد، إذا مات أو قتل في دار الإسلام وأدلتهم، وما ورد عليها من إجابات واعتراضات، يتضح لي أن ما قاله الإمام أبو حنيفة من أن مال المرتد -إذا كان مكتسبا في حال الردة- فهو فيء لبيت مال المسلمين، وأما إذا كان مكتسبا قبل الردة فهو لورثته من المسلمين. هو الرأي المختار للأسباب الآتية: ١- لأن ماله بعد الردة مال كافر، والكافر لا يرث المسلم ولا يرثه المسلم، لأن حديث أسامة بن زيد ﵁ نص صريح في هذا، وهو مخصص لعموم الآيات السابقة. ٢- أما ماله قبل الردة فهو مال مسلم، وورثته من المسلمين هم الأحق به من غيرهم لأنهم يدلون بسببين للإرث، هما الإسلام والقرابة. ولأن المرتد -وإن كان جانيا في ردته فهو على نفسه لا على ورثته من المسلمين الذين لا ذنب لهم في ذلك، وحرمانهم من ماله الذي اكتسبه قبل الردة فيه ضرر عليهم، والرسول ﷺ يقول: لا ضرر ولا

стр. 742

ضرار ١،فالمسلم الوارث لم يفعل من جانبه ما يستحق العقاب فلماذا نمنعه من الميراث؟. ولأن المرتد ربما ارتد لقصد حرمان الورثة من الميراث، ولكن تفاديا لهذا القصد السيئ، نقول بأنه ميراثه المكتسب قبل الردة يكون لورثته من المسلمين، سواء قصد حرمانهم أو لم يقصد. ولأن ورثة المرتد من المسلمين ربما كان لهم يد العون والمساعدة في ماله الذي اكتسبه قبل الردة، فهم أحق به من غيرهم، لأنهم ربما كانوا سببا في وجوده. ولأن مال المرتد المكتسب قبل الردة سواء قلنا بأنه لورثته من المسلمين أو لبيت المال، لا فرق، لأن مصيره إلى المسلمين، لكن الورثة منهم أحق به من غيرهم لقرابتهم منه. ٣- ولأن في الأخذ بهذا الرأي جمعا بين الأدلة، والعمل بغالب الأدلة أولى من العمل ببعضها، وإهمال البعض الآخر.

стр. 743

الفرع الثاني: في ميراث المرتد إذا لحق بدار الحرب اختلف الفقهاء في مصير مال المرتد إذا لحق بدار الحرب إلى قولين: القول الأول: إذا لحق المرتد بدار الحرب، وقف ماله كما لو كان في دار الإسلام فإن أسلم، دفع إليه، وإن مات، صار فيئا لبيت مال المسلمين، إلا أن ماله الذي اكتسبه في دار الحرب، يكون مباحا كدمه. وهو قول جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة.١ القول الثاني: أن المرتد إذا لحق بدار الحرب، حكم بموته، وزال ملكه عن أمواله، وصار لورثته من المسلمين، كما لو مات أو قتل على ردته. وهو قول فقهاء الحنفية، إلا أن الإمام أبا حنيفة، فرق بين ما اكتسبه قبل الردة وبعدها، فما كان قبلها فهو لورثته من المسلمين، وما كان بعدها فهو فيء لبيت مال المسلمين.

стр. 744

استدل الجمهور بالمعقول، والقياس: دليلهم من المعقول: ١- أن المرتد حر من أهل التصرف ويبقى ملكه بعد إسلامه، فلم يحكم بزوال ملكه، كما لو لم يرتد.١ ٢- ولأن ذهاب المرتد إلى دار الحرب نوع غيبة، لا تؤثر في زوال ملكه عن أمواله.٢ أما استدلالهم بالقياس، فكذلك من وجهين: ١- بالقياس على دار الإسلام، قالوا: فكما تكون أموال المرتد موقوفة إذا ارتد وبقي في دار الإسلام، فكذلك تكون أمواله في دار الإسلام موقوفة إذا لحق بدار الحرب، لأنه لم يمت ولم بقتل، ولا يورث ولا تكون أمواله فيئا لبيت مال المسلمين إلا بعد موته أو قتله على ردته.٣ ٢- أما دليلهم على أن ما اكتسبه في دار الحرب يكون مباحاً القياس على الحربي، قالوا فكما تكون أموال الحربي مباحة في دار الحرب ولا عصمة له، فكذلك المرتد أمواله مباحة في دار الحرب، ولا عصمة له.٤

стр. 745

أدلة الحنفية: استدلوا على أن لحاق المرتد بدار الحرب بمنزلة موته، بالمعقول، والقياس. دليلهم من المعقول: أن المرتد بمجرد لحاقه بدار الحرب تنقطع عصمته، وتباح أمواله، سواء كانت في دار الحرب أو في دار الإسلام، لأن الولاية منقطعة بين دار الإسلام ودار الحرب.١ أما القياس: فهو قياسهم المرتد على الحربي. قالوا: إن المرتد إذا لحق بدار الحرب، صار حربيا حقيقة وحكما، لأنه قد أبطل حياة نفسه بدار الحرب حين لحق بها، وصار حربا على المسلمين، والحربي كالميت في حق المسلمين، لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ٢، فكذلك المرتد يصير كالميت في حق المسلمين عند لحاقه بدار الحرب، فتزول أملاكه عن أمواله المتروكة في دار الإسلام، لأن زوال الملك عن المال بالموت حقيقة، لكونه مالا فاضلا عن حاجته لانتهاء حاجته بالموت، وعجزه عن الانتفاع به، وقد وجد هذا المعنى في اللحاق،

стр. 746

لأن المال الذي في دار الإسلام خرج من أن يكون منتفعاً به في حقه لعجزه عن الانتفاع به فكان في حكم المال الفاضل عن حاجته،، لعجزه عن قضاء حاجته به، فكان اللحاق بمنزلة الموت في كونه مزيلا للملك.١ الرأي المختار: قول الجمهور هو المختار، من أن اختلاف الدار لا أثر له في مال المرتد، إذا لحق بدار الحرب فإذا لم يمت أو يقتل على ردته في دار الإسلام أو في دار الحرب فماله الذي في دار الإسلام يبقى موقوفاً، سواء بقي في دار الإسلام أو لحق بدار الحرب، فإن أسلم دفعت إليه أمواله، وإن مات أو قتل تقسم بين ورثته من المسلمين على الاختيار السابق في الحالة الأولى من الفرع الأول. لأن المرتد إذا لحق بدار الحرب لم يزل حيا يرزق، فكيف نقسم أمواله بين ورثته من المسلمين وهو لم يمت، مع أن الميراث من شروطه تحقق موت المورث؟، وانقطاع الولاية والعصمة بين الدارين لا أثر له في مال المرتد الذي تركه في دار الإسلام، وإنما أثره في ماله الذي اكتسبه في دار الحرب، فهو مباح، لأنه بلحاقه بدار الحرب صار حربيا، والحربي لا عصمة له في دمه وماله، فكذلك المرتد الذي لحق بدار الحرب. وقياسهم اللحاق بدار الحرب على الموت قياس مع الفارق، لأن الموت مزيل للأملاك وبه يتحقق الميراث، أما اللحاق بدار الحرب فلا يزيل الأملاك ولا يتحقق به الميراث. وبهذا لا يصح قياس اللحاق على الموت.

стр. 747

وبهذا يتضح أن اختلاف الدار لا أثر له في مال المرتد الذي تركه في دار الإسلام، وإنما أثره في ماله الذي اكتسبه في دار الحرب فهو مباح كدمه.

стр. 748

المبحث الثاني: أثره في الوصية ١ للحربي إن الإنسان الذي أعطاه الله المال قد يفوته الشيء الكثير من فضائل الخير وعمل الصالحات، غرورا منه بطول الأجل، وقد تفجأه المنية قبل أن يؤدى ما وجب عليه ويقوم بما أمر به، فكان من حكمة الشارع أن شرع الوصية، ليتمكن المرء من تدارك ما فاته من خصال الخير وفضائل الأعمال التي تعود عليه، وعلى أفراد مجتمعه بالخير الكثير والنفع الكبير، ففي الوصية صلة الرحم للأقربيين غير الوارثين، وفيها توسعة على أصحاب الحاجات من الفقراء والمساكين، فلهذه العواقب الحسنة وغيرها كثير، شرع الله الوصية، وقد ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة. فدليل مشروعيتها من الكتاب قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٢

стр. 749

فالآية الكريمة تدل دلالة واضحة على مشروعية الوصية لمن ترك مالا بعد موته. أما دليل مشروعيتها من السنة: فحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد يوصي فيه يبيت ليلتين إلا وصيته عنده" ١ فالحديث ظاهر الدلالة على مشروعية الوصية لمن له مال يريد أن يوصى به بعد مماته.٢ ولا خلاف بين الفقهاء في جواز وصية المسلم للمسلم، وغير المسلم لمثله، كوصية الذمي للذمي، والمستأمن للمستأمن للأدلة السابقة.٣ أما وصية المسلم لغير المسلم، فلا يخلو غير المسلم، إما أن يكون ذميا أو حربيا، فإن كان الموصى له ذميا فلا خلاف بين الفقهاء في صحة الوصية له.٤

стр. 750

قال ابن حزم: "الوصية للذمي جائزة ولا نعلم في هذا خلافا"١ والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٢ فالله في هذه الآية لم ينه المسلمين عن بر الذميين والإقساط إليهم. والوصية لهم من البر فكانت جائزة.٣ وقوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً﴾ ٤. قال بعض العلماء: "هو- أي المعروف وصية المسلم لليهودي والنصراني"٥. ولقوله ﷺ : "في كل كبد رطبة أجر" ٦، فالحديث يدل بعمومه على

стр. 751

جواز الوصية للذمي، لأن الوصية له إذا كان محتاجا أو فقيرا من الأجر١، ولأن الوصية من باب تقديم المعروف إليهم، وهذا جائز، ولأنه تصح له الهبة فصحت الوصية له كالمسلم.٢ وكذلك اتفقوا على صحة وصية الذمي للمسلم، إلا بشيء لا تجوز الوصية به كالخمر والخنزير ونحو ذلك كالوصية للكنائس.٣ والدليل على ذلك: أن وصية المسلم للذمي جائزة بالاتفاق، فجوازها من الذمي للمسلم من باب أولى. ولأن الكفر لا ينافي أهلية التمليك، ألا ترى أنه يصح بيع الكافر وهبته فكذا وصيته. ولأن الوصية من الذمي للمسلم عطية من مالك يملكها ملكا تاما، ولم يوجد هناك مانع فتكون جائزة لصدورها من أهلها في محلها.٤

стр. 752

هذا إذا كان الموصى له ذميا، أما إذا كان حربيا، فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الحربي مستأمنا في دار الإسلام. وفي هذه الحالة اختلف الفقهاء في صحة الوصية له من المسلم أو الذمي إلى قولين: القول الأول: تصح الوصية من المسلم والذمي للمستأمن الحربي في دار الإسلام. وهو قول الجمهور: المالكية، والشافعية، والحنابلة، والحنفية في رواية ١. القول الثاني: لا تصح وصية المسلم والذمي للمستأمن في دار الإسلام. وبه قال سفيان الثوري والحنفية في رواية.٢

стр. 753

الأدلة: أولا: أدلة الجمهور على جواز الوصية للمستأمن الحربي: استدلوا بنفس الأدلة السابقة التي دلت على جواز الوصية للذمي. وقالوا: إن المستأمن ما دام في دار الإسلام فهو كالذمي، والوصية تجوز للذمي فكذلك المستأمن. وكون الذمي من المقيمين في دار الإسلام إقامة مؤبدة، والمستأمن من المقيمين فيها إقامة مؤقتة، لا أثر له في جواز الوصية، ولكونها تمليكا كسائر عقود التمليكات الجائزة، كالبيع والإجارة.١ ثانيا: أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بما يلي: ١- أن المستأمن وإن كان في دار الإسلام إلا أنه من أهل الحرب، ويمكنه الرجوع إلى داره في أي وقت شاء، ولا يتمكن من إطالة المقام في دار الإسلام، وما دام أنه من أهل دار الحرب، فلا تصح الوصية له، لأن اختلاف الدارين له تأثير في انقطاع العصمة والموالاة.٢ ٢- ولأن الوصية للحربي مستأمنا كان أو غيره فيها إعانة له على المسلمين، وإعانة الحربي لا تجوز.٣

стр. 754

وأجابوا عن دليل الجمهور: أن قياسهم المستأمن على الذمي قياس مع الفارق. لأن الذمي من أهل دار الإسلام، والمستأمن من أهل دار الحرب، فالوصية له فيها ضرر على المسلمين، لأنه ربما أعان بها أهل داره عليهم، بخلاف الوصية للذمي. ولأن القصد من الوصية منفعة الموصى له، والمستأمن الحربي لا تأمن عداوته، فكيف يوصي المسلم لعدوه لينتفع بوصيته ضده؟.١ والذي أختاره هو: عدم صحة الوصية للمستأمن الحربي لا من المسلم ولا من الذمي، لأنه من أهل دار الحرب، وقد يعين أهل داره بما يوصي له به من أهل دار الإسلام. ولأن القصد من الوصية منفعة الموصى له، ولا يتوقع من المستأمن أن يصرف الوصية فيما ينفع المسلمين، بل ربما صرفها فيما يضرهم. ولأن في الوصية له تمكين له من الكيد والإيقاع بالمسلمين، فالوصية للمستأمن الحربي، لا يأتي من ورائها غالبا إلا الضرر بالمسلمين. فمن أجل هذه المضار التي تنتج من وراء الوصية للمستأمن الحربي أقول: بأن الأولى أن لا يوصي له من قبل المسلمين والذميين. أما إذا أمن جانب الضرر من قبل المستأمن، وكان في ذلك مصلحة كتأليفه للإسلام، وحاجته للمال، كأن يكون فقيرا فلا بأس

стр. 755

بالوصية له، لأن في كل كبد رطبة أجر، كما قال النبي ﷺ .١ أما وصية الحربي للمسلم أو الذمي، فلا خلاف بين الفقهاء في جوازها٢. الحالة الثانية: أن يكون الموصى له حربيا غير مستأمن. وفي هذه الحالة اختلف الفقهاء أيضا في صحة الوصية له من المسلم أو الذمي إلى قولين: القول الأول: لا تصح الوصية من المسلم والذمي للحربي غير المستأمن. وهو مروي عن سفيان الثوري.٣ وهو قول فقهاء الحنفية، ورواية للمالكية، ووجه للشافعية، ورواية عن الحنابلة.٤

стр. 756

القول الثاني: تصح الوصية للحربي غير المستأمن من المسلم أو الذمي. وهو قول المالكية في المشهور، وأصح الأوجه عند الشافعية، والحنابلة قي ظاهر المذهب.١ الأدلة: أولا: أدلة المانعين من الوصية للحربي غير المستأمن: استدلوا بالكتاب، والسنة، والمعقول. أ- دليلهم من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢

стр. 757

وجه الدلالة من الآية: دلت الآية على جواز البر لأهل الذمة، لأنهم ليسوا من أهل قتالنا، وعدم جوازه للحربيين لأنهم ممن يقاتلنا، والوصية نوع من البر فلا تجوز لهم.١ ب - دليلهم من السنة: حديث أسامة بن زيد ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ٢ وجه الدلالة من الحديث: يدل الحديث على أنه لا توارث بين المسلم والكافر، والوصية فيها شبه بالميراث فلا تصح للكافر الحربي.٣ ج- دليلهم من المعقول من أربعة أوجه: ١- أن في جواز الوصية من المسلمين والذميين للحربيين تقوية وإعانة لهم على حرب المسلمين، والضرر بهم وهذا غير جائز.٤ ٢- أن القصد بالوصية نفع الموصى له، وقد أمرنا بقتل الحربي،

стр. 758

وأخذ ماله، فلا معنى للوصية له.١ ٣- ولأن المسلم والذمي من أهل دار الإسلام، أما الحربي فهو من أهل دار الحرب، فاختلف الدار بينهما، وباختلافها تنقطع العصمة والموالاة، والوصية مبناها على ذلك فلا يصح.٢ ٤- ولأن الحربي في داره كالميت في حقنا، والوصية للميت باطلة.٣ ثانيا: أدلة المجيزين الوصية للحربي: استدلوا بالسنة، والقياس. أ- دليلهم من السنة: ١- بحديث ابن عمر ﵄ رأى عمر حلة٤ على رجل تباع فقال للنبي ﷺ ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة وإذا جاءت الوفد، فقال: "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة، فأتي رسول الله ﷺ منها بحلل فأرسل إلى عمر منها بحلة فقال عمر: كيف

стр. 759

ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال إني لم أكسكها لتلبسها، تبيعها أو تكسوها، فكساها عمر أخا له بمكة مشركا"١ وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على جواز صلة المشركين الحربيين بالهدية لهم والبر بهم، لأن عمر ﵁ أهدى الحلة لأخيه وكان مشركا بمكة، وكانت حينذاك دار حرب، وبما أن الوصية نوع من أنواع الصلة، فهي جائزة لهم٢. ٢- وبحديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة٣ أفأصل أمي؟ قال: "نعم صلي أمك" ٤ وجه الدلالة من الحديث:

стр. 760

دل الحديث على جواز صلة المشرك الحربي، لأن أسماء أعطت أمها وهي مشركة حربية والوصية نوع من أنواع الصلة فتجوز للحربي.١ ب - دليلهم من القياس: ١- قياس تمليك الوصية للحربي على جواز تمليكها للذمي والمستأمن.٢ ٢- قياس جواز الوصية للحربي على جواز الهبة له. قالوا قد حصل الإجماع على صحة الهبة للحربي، فكذلك تصح الوصية له، لأنها في معناها بجامع أن كلا منهما تمليك بلا عوض.٣ المناقشة: أولا: مناقشة أدلة المانعين: أ- استدلالهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ... ﴾ الآية.٤ يرد عليه: بأن النهي في الآية المراد به النهي عن تولي أهل الحرب، ومودتهم

стр. 761

ولم تتعرض الآية للنهي عن البر والوصية لهم، فلا دلالة فيها على منع الوصية.١ وأجيب عن ذلك: بأنه كما دل أول الآية على جواز البر لمن لم يقاتل المسلمين من الكفار، وهم الذمييون وهذا بالاتفاق، فقد دل آخر الآية على عدم جواز بر من يقاتل المسلمين من الكفار وهم الحربيون، مع النهي عن موالاتهم ومحبتهم، والبر والوصية لهم من محبتهم ومودتهم فلا تجوز لهم. ب- أما حديث أسامة بن زيد ﵁ فلا دلالة لهم فيه على منع الوصية للحربيين، لأن غاية ما يدل عليه الحديث هو منع التوارث بين المسلمين والكفار، والعكس، ولم يمنع من الوصية للحربي، ولم يتطرق إلى ذكرها. وأجيب عن ذلك: بأن المنع من التوارث بين المسلمين والكفار، قد يتناول المنع من الوصية لهم، وبخاصة الحربيين، لأن الوصية قرينة الميراث، ولأن كلا منهما تمليك مضاف إلى ما بعد الموت. ج- مناقشة أدلتهم من المعقول: يرد عليها: بأن هذه الأدلة محمولة على عدم جواز الوصية للحربي إذا خيف

стр. 762

منه ولم يؤمن جانبه من الإضرار بالمسلمين، فحينئذ لا تجوز الوصية له. أما إذا أمن جانبه من عدم الإضرار بالمسلمين، فلا بأس بالوصية له، لأنه ربما كانت هناك مصلحة بسببها كتأليفه للإسلام، ودخوله فيه ومن ثم إعانته المسلمين وتقويتهم. وأجيب عن ذلك: بأن الحربي لا يؤمن غالبا، فإضراره بالمسلمين يتوقع منه في أي لحظة فلذلك لا تجوز الوصية له، حتى لا تكون سببا له في إعانة أهل داره وتقويتهم على المسلمين. ثانيا: مناقشة أدلة المجيزين الوصية للحربي: أ - مناقشة استدلالهم بالسنة: ١- بالنسبة لاستدلالهم بحديث ابن عمر ﵄. يرد عليه: بأنه لا دلالة لهم في هذا الحديث، لأنه غاية ما دل عليه الحديث هو جواز الهدية للمشركين، وبالأخص القريب منهم، لأن الموهوب كان أخا للواهب، وهذا ما فهمه الإمام البخاري ﵀ حيث بوب لهذا بجواز الهدية للمشركين، والهدية غير الوصية، لأن الهدية تكون في حال الحياة، وبهذا لا يمكن أن نلحق الضرر بالمسلمين، أو يعين بها قومه ضد المسلمين. أما الوصية فهي تمليك مضاف لما بعد الموت، وغالبا ما تكون بالمال، فإلحاق الضرر بالمسلمين بسببها ممكن وإعانة أهل داره وتقويتهم على المسلمين متوقع.

стр. 763

وأيضاً قياسهم الوصية للحربي على الهدية والهبة له قياس مع الفارق لأن الوصية تخالف الهدية كما سبق. وفاسد الاعتبار، لأنه في مقابلة النصوص الصريحة التي نهت عن بر من يقاتل المسلمين من الكفار، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ١ وكذلك حديث أسماء ﵂ لا دلالة لهم فيه على جواز الوصية للحربي، لن الحديث الوارد في جواز الصلة والهدية للمشرك القريب، لأن الموهوبة أم الواهبة، ولم يتطرق إلى ذكر الوصية، وقياسها على الهدية مع الفارق، كما سبق، ويمكن أن يحمل الحديث على فرض أنه يدل على جواز الوصية للحربي، على أن أسماء ﵂ فعلت ذلك لوجود المصلحة، كتأليف أمها للإسلام، ومن ثم دخولها فيه، وبهذا ينتفي الضرر المتوقع منها. وبهذا يضعف احتجاج المجيزين الوصية للحربي بهذين الحديثين. ب - أما قياسهم جواز الوصية للحربي على جوازها للذمي. فيرد عليه: بأنه قياس نع الفارق، لأن الذمي من أهل دار الإسلام، تجري عليه الأحكام الإسلامية العامة، ويدفع الجزية عن ذل وصغار، بخلاف الحربي

стр. 764

فإنه من أهل دار الحرب، ولا تجري عليه الأحكام الإسلامية، وأيضا جواز البر لأهل الذمة والوصية لهم هذا ثابت بالاتفاق، لورود النصوص الصحيحة الدالة على ذلك كما سبق. أما الحربي فإن النصوص دلت على عدم جواز بره والوصية له، لأن ذلك من مودته وموالاته، وقد نهينا عن ذلك، وبهذا يخالف الذمي. وأيضا الوصية للذمي لا يتوقع منها الضرر على المسلمين، بخلافها للحربي فضررها متوقع، لأنه من أعداء المسلمين، وفي الوصية إعانة وتقوية له على حرب المسلمين، وبهذا لا يصح قياس الحربي على الذمي في الوصية أو غيرها للفارق الكبير بينهما، وبهذا يضعف استدلالهم بهذا القياس. ٢- وكذلك قياسهم الوصية على الهبة والهدية، قياس مع الفارق، لأن الهبة غير الوصية، فالهبة تكون في حال الحياة بخلاف الوصية فإنها عهد مضاف لما بعد الموت، والهدية غالبا ما تكون بغير المال فضررها غير متوقع، وعلى عكس منها الوصية، وبهذا يضعف استدلالهم أيضا بهذا القياس. الرأي المختار: وبعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها، اتضح لي أن القول بمنع الوصية للحربي هو الرأي المختار، وذلك للأسباب الآتية: ١- لقوة الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا الرأي، كالآية الكريمة وغيرها من الأدلة السابقة، بخلاف أدلة المجيزين، فأحاديثهم وإن كانت

стр. 765

صحيحة إلا أنه لا دلالة لهم فيها على جواز الوصية للحربي، وغاية ما تدل عليه هو جواز الهدية للمشركين، والهدية خلاف الوصية. ٢- ولأن الوصية المقصد الحقيقي منها هو منفعة الموصى له، طلبا للأجر والثواب من الله والحربي أمرنا بقتله وأخذ ما له تقرباً إلى الله ، فلا معنى للوصية له. ٣- ولأن الوصية للحربي فيها إعانة له على الضرر بالمسلمين وتقوية أهل داره عليهم. ٤- ولأن الوصية للحربي قد تكون ذريعة الإحسان إليه، ومحبته، وموالاته، وقد نهينا عن ذلك، وبهذا لا تجوز الوصية له. ٥- ولأن الوصية يفعلها الإنسان في الغالب لاستدراك ما فاته من الأعمال الصالحة، ولم يفت المسلم شيئا يستدركه بعدم وصيته للحربي. وبناء على هذا الاختيار نقول: إن هذا الحكم وهو عدم جواز الوصية للحربي في دار الحرب، ينطبق على دار الكفر في هذا الوقت، فلا تجوز وصية المسلم للكافر فيها، لأنه من أعداء المسلمين، والوصية له معناها محبته ومنفعته، وكيف يعقل أن يحسن وينفع المسلم عدوه ليتقوى عليه. وأيضا بناء على هذا الاختيار، يتضح أنه لا أثر لاختلاف الدار في الوصية للحربي، فكما لا تجوز الوصية له في دار الإسلام، فكذلك لا تجوز له في دار الحرب.

стр. 766

إلا إذا كان مستأمنا في دار الإسلام، وأمن جانبه من عدم إلحاق الضرر بالمسلمين، وكانت هناك مصلحة كتأليفه للإسلام، لأنه ربما دخل فيه وأصبح عونا للمسلمين. ففي هذه الحالة لا بأس بجواز الوصية له، وبهذا يؤثر اختلاف الدارين في الوصية المستأمن الحربي، فتجوز له في دار الإسلام بالشرط السابق، أما في داره، دار الكفر فلا تجوز مطلقا.

стр. 767

الخاتمة وبعد أن منّ الله عليّ بإتمام هذا البحث ألخص فيما يلي أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال دراستي لهذا البحث - وهي: ١) أن الجهاد بمعناه العام هو بذل الوسع والطاقة في مجاهدة الأعداء كالنفس والشيطان، والكفار، والمنافقين وهو فرض عين على كل فرد من أفراد الأمة، ولا ينوب في جهاد النفس والشيطان أحد عن أحد. ٢) أن تعريف الجهاد بمعناه الخاص هو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله ونشر دينه وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعريف الجهاد فهو تعريف شامل لكل أنواع الجهاد فيشمل جهاد الإنسان لنفسه، وجبرها على طاعة الله، وجهاد الشيطان الذي هو ألد أعداء المسلمين، وجهاد الكفار في سبيل نشر الدين الإسلامي. ٣) أن الجهاد بمعناه الخاص وهو جهاد الكفار فرض كفاية، إذا قامت به طائفة من المسلمين قياما كافيا سقط الإثم عن الباقين وإلا أثموا جميعا. ولا يكون الجهاد بمعناه الخاص فرض عين إلا في ثلاثة مواضع: أ- إذا هجم الأعداء على بلاد المسلمين، ونزلوا بها، تعين على كل فرد من أفراد المسلمين جهادهم، ودفع ضررهم. ب- إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان، تعين على كل فرد من المسلمين الثبات أمام الأعداء، ويحرم عليه الفرار من أمامهم.

стр. 768

ج-إذا عين إمام المسلمين قوما للجهاد، واستنفرهم لذلك، وجب عليهم أن يطيعوه وينفروا إلا من له عذر قاطع. ٤) أن الجهاد في سبيل الله، ولإعلاء كلمته، ونشر دينه، يعد من أفضل الأعمال بعد فروض الأعيان، لأن المجاهد يضحي بأغلى ما يملك، وهي نفسه العزيزة المحبوبة إليه، ويجود بها وهذا أقصى غاية الجهود، كل ذلك لتكون كلمة الله هي العليا مع نيل ما أعده الله للمجاهدين، في الدنيا من النصر والغنيمة، وفي الآخرة بالجنة التي هي من أهم وأعظم جزاء يعده الله لعباده المجاهدين في سبيله. ٥) أن الله له الحكم التام، والحكمة البالغة فيما خلقه وشرعه، وقد شرع الله الجهاد لحكم كثيرة من أهمها إعلاء كلمة الله ، ورفع رايته ونشر دينه في جميع أنحاء الأرض، فلم يشرع الله الجهاد لحب الغلبة أو الشهرة، أو التسلط أو الانتقام. وكذلك شرع الجهاد لرد أي اعتداء واقع على دار الإسلام من قبل الأعداء ولإنقاذ المستضعفين والمظلومين من المسلمين، الذين يعيشون تحت سلطان دولة ظالمة غير مسلمة. وكذلك شرع الجهاد لإرهاب الأعداء وإذلالهم، وكيدهم وإغاظتهم ولتربية النفوس المؤمنة على الصبر والثبات، والطاعة والقوة، وبذل النفس والمال في سبيل إعلاء كلمة الله. وكذلك شرع الجهاد لمنع الفتن التي قد تحدث داخل المجتمع

стр. 769

الإسلامي من قبل المسلمين أنفسهم، فتهدد أمانه، وكيانه ونظامه، كالردة، والبغي، والحرابة. ٦) أن الشريعة الإسلامية منذ نشأتها اتخذت العقيدة الإسلامية أساسا لبناء المجتمع وإقامة الدولة وتقسيم الناس، وعلى هذا الأساس الذي قامت عليه صار الناس في نظرها صنفين، مسلمين، وغير مسلمين، وصارت الأرض تنقسم إلى دارين: دار الإسلام، وهي الدار التي يتسلط عليها المسلمون وتغلب فيها أحكامهم، فالشرط الأساسي لاعتبار الدار دار إسلام هو كونها محكومة بحكم الشريعة الإسلامية وتحت سيادة المسلمين وسلطانهم، ولا يشترط أن يكون سكان هذه الدار كلهم أو معظمهم من المسلمين ما دام السلطان فيها للمسلمين، وتجري فيها أحكامهم. وهذه الدار يسكنها نوعان من الناس المسلمون وهم أهلها وأصحاب الحل والعقد فيها، وغير المسلمين وهم الذميون الذين ارتبطوا مع الدولة الإسلامية بعقد الذمة، ويقيمون فيها إقامة مؤبدة ويدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون ويلتزمون لأحكام الشريعة الإسلامية العامة، كل ذلك من أجل الإطلاع إلى محاسن الإسلام، وآدابه السامية، وأنه أصلح الأديان على وجه الأرض، والذي يجب أن يعتنقه جميع البشر، وليس المقصود من عقدها هو تحصيل المال فحسب، وكذلك المستأمنون الذين يقيمون فيها إقامة مؤقتة فهم من سكانها.

стр. 770

٧) أن الجزية وضعت صغارا وإذلالاً للكفار، وما قيل من أن الصغار في الآية ليس هو الذل والهوان، وإنما تؤخذ الجزية منهم برفق كأخذ الدين فهذا غير صحيح، لأن الذل والهوان هو المعنى الدائم للصغار ولا ينفك عنه أبدا. ٨) وقد اخترت أن عقد الذمة لا يعقده إلا الإمام أو نائبه، لأنه من العقود المهمة التي تحتاج إلى سعة نظر، وحسن تدبير وهذا في الغالب لا يوجد إلا في الإمام أو نائبه كما اخترت أن عقد الذمة يجوز لجميع أصناف غير المسلمين ولا يختص بأهل الكتاب فقط، وهذا من أكبر الدلائل على سماحة الشريعة الإسلامية مع غير المسلمين واتساع نطاقها لهم. ٩) أن من أهم الحقوق التي تجب لأهل الذمة الوفاء بالعهد لهم، والمحافظة على أرواحهم، وأعراضهم وأموالهم، وحمايتهم من أي اعتداء يقع عليهم من قبل المسلمين أو من غيرهم. ومن أهم الواجبات التي تجب عليهم الالتزام للأحكام الإسلامية العامة وبذل الجزية عن ذل وصغار، وعدم التعرض للمسلمين بما فيه إهانة لدينهم أو ارتكاب الجرائم في دارهم، وأن لا يعينوا أعداءهم من أهل الحرب، أو يأووا جاسوسهم. ١٠) أن من أصناف أهل العهد أهل الأمان، وهم في الغالب المستأمنون الذين يدخلون دار الإسلام بأمان لغرض ما، كتجارة وصناعة

стр. 771

وحرفة وغيرها، ويقيمون فيها إقامة مؤقتة وكذلك يطلق الأمان على المسلم الذي يدخل ديار الكفار بأمان. ولا يعقد الأمان العام مع غير المسلمين إلا الإمام أو نائبه، أما الخاص فيعقده أي فرد من أفراد الرعية، متى توافرت فيه الشروط كالإسلام والعقل والبلوغ. ومع أني اخترت أنه يجوز لكل فرد من أفراد الرعية حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى، أن يعقد الأمان الخاص مع غير المسلمين حتى ولو بدون إذن الإمام، أقول بأنه لا ينبغي أن يعطى الفرد من الرعية الحق في عقد الأمان العام أو الخاص مع غير المسلمين في هذا الزمان إلا بعد الإذن من الإمام أو من يقوم مقامه. وكذلك ينعقد الأمان بكل لفظ يفيد مقصوده سواء كان صريحا أو كنائي، أو بإشارة أو برسالة، وأيضا مدة الأمان لا تتحدد بمقدار معين من الزمان، فهي من الأمور الاجتهادية التي يقدرها الإمام باجتهاده بحسب الحاجة والمصلحة التي تعود على المسلمين، فلا يتقيد الأمان بمدة معينة، وأيضا المستأمن بمجرد رجوعه إلى داره - دار الكفر- ينتقض أمانه ولا يدخل دار الإسلام إلا بأمان جديد، وكذلك إذا ارتكب الجرائم في دار الإسلام كالقتل والسرقة والزنا، انتقض عهده ويرجع إلى داره بعد أخذ عقابه. ١١) لا بأس بدخول التجار الكفار والرسل إلى ديار الإسلام،

стр. 772

بدون تقدم أمان، إذا أخرج التاجر أو الرسول ما يدل على أنه تاجر أو رسول، وقد ضرب رسول الله ﷺ أروع الأمثلة في معاملة رسل الأعداء وتجارهم. أما في الوقت الحاضر فلم تجر العادة بدخول التجار أو الرسل أو السفراء إلى ديار الإسلام، بغير أمان، فلا بد من ترخيص سابق بالدخول إلى الديار الإسلامية شأنهم في ذلك شأن غيرهم من المستأمنين. ١٢) المستأمنون يتمتعون بكامل الحقوق التي يتمتع بها أهل الذمة من حق العصمة في النفس والمال، وحق الحرية في التنقل من مكان لآخر داخل الأراضي الإسلامية ما عدا الأماكن التي وردت النهي في منع المشركين من دخولها، وحق الحرية الدينية، فليس لأحد من المسلمين التعرض لهم ولما يدينون به، وكذلك لهم حق التمتع بالمرافق العامة وغيرها. أما الواجبات التي تلتزمهم فمن أهمها احترام أحكام الشريعة الإسلامية. والمحافظة على الأمن والنظام العام في دار الإسلام، والامتناع عن ارتكاب الجرائم، وإظهار المحرمات في دار الإسلام، وعدم التعامل بالمعاملات المحرمة في الشريعة الإسلامية. ١٣) أما دار الكفر فهي الدار التي تغلب فيها أحكام الكفر ويتسلط عليها ويحكمها غير المسلمين فالشرط الأساسي لتمييز الدار هو وجود

стр. 773

السلطة وغلبة الأحكام، فإن كانت الأحكام والسلطة إسلامية، كانت الدار دار إسلام، أما إذا كانت الأحكام والسلطة غير إسلامية، فالدار دار كفر. ١٤) أن دار الكفر تنقسم إلى قسمين: أ- دار كفر حربية: وهي الدار التي تنصب العداء التام للإسلام والمسلمين، ولا فرق بين أن تعلن ذلك أو لا تعلنه ولا توجد بينها وبين المسلمين معاهدات أو علاقات دولية، فالعلاقات بينها وبين المسلمين علاقة عداء وحرب. أما دار الكفر - غير الحربية - دار العهد- فهي الدار التي عقد أهلها العهد بينهم وبين المسلمين بعوض أو بدون عوض، بحسب المصلحة التي تعود على المسلمين، أي أن العلاقة بين أهلها وبين المسلمين علاقة سلمية لا حربية. وهذا العهد ينبغي أن تكون مصلحة المسلمين هي الراجحة وتكون مدته معينة وبشروط إسلامية. أما دور الكفر في هذا الزمان والتي بينها وبين الدول الإسلامية، معاهدات وعلاقات دولية، فلا ينطبق عليها تعريف دار العهد بالشروط التي ذكرها علماء الإسلام ومنها أن تكون مدة العهد مؤقتة، لأن هذه المعاهدات والعلاقات تقوم على غير شروط إسلامية، والمصلحة الراجحة فيها تكون لصالح الكفار، وكذلك مدتها غالبا ما تكون مؤبدة غير مقيدة بزمن معين، إلى جانب مساعدة هذه الدول المعاهدة للمسلمين أعداءهم

стр. 774

بالمال والرجال والسلاح، ومتى رأت المصلحة في نقض العلاقة بينها وبين الدول الإسلامية، نقضت هذه العلاقة والاتفاقية بدون إنذار أو إشعار، وهذه فيها شبه بدار العهد من ناحية المعاهدات والاتفاقات الدولية التي بينها وبين المسلمين، ولكنها في الحقيقة دار حرب بل أشد. ١٥) أن من أصناف أهل العهد أهل الهدنة، وهم أهل الحرب الذين تقع المصالحة بينهم وبين المسلمين على ترك القتال مدة معلومة بعوض منهم أو من المسلمين عند الضرورة، أو بغير عوض بحسب المصلحة التي تعود على المسلمين ولا يعقد الهدنة مع المشركين إلا الإمام أو نائبه، ولا يصلح لأحد من أفراد الرعية أن يعقده، لأنه من العقود المهمة التي تحتاج إلى سعة نظر وتقدير للمصالح العامة، وتدبير للقضايا الحربية، وهذا كله لا يمكن توافره غالبا إلا في الإمام أو من يقوم مقامه، وكذلك يجب أن تتحقق المصلحة للمسلمين من عقد الهدنة عند إبرام العقد، وإن استمرت المصلحة طيلة بقاء العقد فهذا لا بأس به، أما إذا لم تستمر فلا ننقض إليهم عهدهم، ويبقى العقد صحيحا حتى ولو لم تستمر المصلحة معه طيلة بقائه، وكذلك يجب أن يخلو عقد الهدنة من الشروط الفاسدة الممنوعة في الشريعة الإسلامية، وأيضا لا بأس بعقد الهدنة على أي مدة بدون تحديد لها وإن طالت، بحسب المصلحة والحاجة التي يراها الإمام. ١٦) أن دار الكفر الحربية وغير الحربية، تنقلب وتصير دار إسلام بمجرد إظهار الأحكام الإسلامية فيها وتسلط المسلمين عليها. أما دار

стр. 775

الكفر الحربية فتصير دار عهد بمجرد وجود العلاقات السلمية بينها وبين المسلمين بعقد المعاهدات والاتفاقات. أما بالنسبة لتغير الوصف عن دار الإسلام إلى دار كفر، ولن يتغير هذا الوصف إن شاء الله ما تمسك المسلمون بعقيدتهم الإسلامية، وجاهدوا في الله حق جهاده، فهو أيضا يكون بغلبة أحكام الكفر فيها وتسلط غير المسلمين عليها، وكذلك دار الإسلام إذا تسلط عليها الكفار تنقلب إلى دار كفر حتى ولو كان معظم سكانها من المسلمين. ١٧) أن القول بأن تقسيم الأرض إلى دارين، دار إسلام، ودار كفر، لا دليل عليه، قول باطل ومردود، لأن الكتاب والسنة والإجماع قد دلت على أن الأرض داران دار إسلام ودار كفر. وله أثر في تباين الأحكام الشرعية. ١٨) لا يجوز للمستأمنين وغيرهم من الكفار استيطان الحجاز، أما دخوله للتجارة ولمصلحة المسلمين فهذا لا بأس به، ومن غير تقييد بمدة، بحسب ما يراه ولي أمر المسلمين من الحاجة والمصلحة التي تعود على المسلمين، فيحدد لهم مدة الدخول بدون استيطان، وله أن يوكل من يقوم مقامه بهذه المهمة وهو ما عليه العمل في الوقت الحاضر. أما باقي الجزيرة العربية من غير الحجاز فلا بأس بإقامة غير المسلمين فيها واستيطانهم لها، ما لم يكن في سكناهم وإقامتهم ما يهدد مصالح المسلمين.
следующие страницы →