← Язык

Язык · id 11422

أسس علم اللغة

ماريو باي

Полный текст (279 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

اللغة الأولى هي اللغة الشائعة الاستعمال بين جميع أفراد الأمة، مثل اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة، الأمريكية، أو التي تحاول الحكومة الوطنية أن تجعلها كذلك، مثل اللغة الهندية في الهند، أو التانحالوغية في الفليبين، إذ كل منهما في الحقيقة لغة لفريق من المواطنين، ولكن تحاول الحكومة أن تفرضها على سائر أفراد الشعب، إنها ربما كانت أيضًا لغة لا تجد إلا تأييدًا حكوميًا قليلا ولا يحتاج إليها في الوثائق الرسمية أو النقوش وذلك مثل اللغة الرومانشية في سويسرا. أما اللغة الرسمية فهي تلك التي تستعمل في الوثائق الرسمية، وفي المقابلات على المستوى الحكومي "الألمانية والفرنسية والإيطالية تعد لغات رسمية في سويسرا، والفرنسية والفلمنكية في بلجيكا، والإنجليزية، والأفريكانية في جنوب إفريقية، والفرنسية والإنجليزية في كندا" واللغة الرسمية ليست بالضرورة اللغة الأهلية للمنطقة بأسرها، بل ربما لم تكن لغة أهلية على الإطلاق "مثل الإنجليزية في بورتوريكو التي تعد رسمية هناك مع الإسبانية". وصورة اللغة الرسمية والوطنية دائمة التغير في حين أن اللغة الأهلية -على الرغم من تعرضها لتغيرات طويلة الأجل -أكثر استقرارا بدرجة ملموسة. فالأردية في شرق باكستان -على سبيل المثال- كانت اللغة الرسمية الثابتة، ولكن البنجالية هي اللغة الأهلية "الأردية هي اللغة الأهلية في غرب باكستان"، ونتيجة لفتن أهلية أصبحت البنجالية لغة رسمية بالاشتراك مع الأردية. وقد خلق استعمار القرون الماضية ما يسمى باللغات الاستعمارية colonial languages، أو colonizing languages، أو لغات الاستعمار languages of colonization التي تطلق على اللغات الرسمية الأساسية في المناطق المحتلة بقوات استعمارية. وبهذا المعنى أصبحت الإنجليزية اللغة الاستعمارية والرسمية في الهند فارضة نفسها على اللغات الأهلية المتعددة وتظل اللغة الاستعمارية المفروضة superimposed حية حتى بعد اختفاء القوة الاستعمارية وكثيرا ما تظل لغة رسمية، أو واحدة من اللغات الرسمية للبلد الحديث الاستقلال ومن أمثلة ذلك اللغة الإنجليزية في نيجيريا، وغانا، واللغة

стр. 177

الفرنسية في الأمم الجديدة التي خرجت عن الوصاية الفرنسية في أفريقيا. وهناك نوع أكثر غموضًا وخفاء حيث تفرض اللغة كلغة منطقة area "or regional" language كما فعلت الروسية في شرقي أروبا، وكما فعلت الفرنسية أو الإنجليزية في مناطق متنوعة من العالم، حيث لا يعد أي منها لغات أهلية أو رسمية، وفي هذه المناطق تميل اللغة الأهلية إلى أن تكون لغة تابعة satellite language وتتعرض لكل أنواع التأثير من اللغة السائدة حيث تفترض منها كلمات وتعبيرات وتركيبات، ولكن مع احتفاظها باستقلالها ومركزها كلغة منفصلة. وهذا يوجد غالبًا ما يسمى بمنطقة النفوذ اللغوي linguistic sphere of influence حيث يكون لسان المجموعة الغالبة متكلما ومفهومًا بشكل واسع، ويؤثر في مجموعة اللغات التابعة. وفي بعض الأوقات تصبح لغة المستمر لغة رسمية، وربما أيضًا وطنية وأهلية عن طريق ما يعرف بالإحلال اللغوي linguisic replacement وقد حدث هذا بالنسبة للغة الإنجليزية في أمريكا الشمالية، وأستراليا ونيوزلاندة، وبالنسبة للغة الفرنسية في الأقاليم الكندية بمنطقة كوبيك، وبالنسبة للإسبانية، والبرتغالية جنوب ريوجراند، وحينئذ فإن اللغات الأهلية الأصلية، ربما تميل إلى الاختفاء وربما عاشت في حالة وجود سلمي أو تكاملي مع اللغات الجديدة، مثل لغة Quichua في بيرو و Aymara في بوليفيا، Tupi-Guarani في باراجواي، ونادرًا ما يحدث أن تندمج اللغتان في لغة واحدة على أساس متعادل، وإن كان المعتاد حدوث اقتراض شامل للكلمات والصيغ من كلام الجانبين، وربما ينتج عن ذلك خلق لغة مشتركة مبسطة أو مهجنة pldgin أو creole language حيث تسيطر اللغة المتولدة، ولكن مع خضوع ملحوظ للعادات الكلامية للسكان الأصليين، وربما كانت عملية التوصيل إلى لغة مشتركة مبسطة، أو لغة مهجنة تسير ببطء شديد، كما حدث مع لغة

стр. 178

الأفريكانيين في جنوب إفريقيا، التي ما تزال أساسا الهولندية، وربما كانت العملية ملحوظة التقدم، كما في اللغة الإنجليزية الميلانيزية المبسطة، أو الفرنسية الهاييتية المهجنة، وربما يصيب اللغة المهجنة نوع من عدم الاستقرار، فتصبح لغة وطنية، ولغة رسمية، كما هو الحال بالنسبة للغة الأفريكانية والمالطية "أساسًا عربية ولكن مع تأثيرات إيطالية كبيرة" وربما كان أدخل في عدم الاستقرار اللغة المخلطة للمهاجرين أو المجنسين، الجدد، التي تميل عادة إلى الاختفاء بعد جيل أو جيلين، مثل الإيطالية، والييدية وغيرها من لهجات المهاجرين immigrant dialects في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي هذه الأنواع يتم عادة خلق صيغتين كلاميتين منفصلتين، ولكن غير ثابتتين إلى حد كبير، أولاهما لغة المهاجرين الأصلية المحرفة، عن طريق إضافة أعداد هائلة من الكلمات والتعبيرات المأخوذة من لغة البلد المستضيف، ولكن مع الاحتفاظ بنماذجها الفونيمية الأصلية، وتطويع الكمات والتعبيرات المقترضة لنظامها الصوتي، أما ثانيهما فلهجة المهاجرين التي يساء فيها نطق لغة البلد المستضيف، وربما يساء استخدامها بوجه عام، ويتم الاستعياب والامتصاص absorption حينما يتأتى للجيل الثاني أن يتمكن من لغة البلد المستضيف، ويستخدمها كلغة أهلية أو بلدية، ولكن الامتصاص قد ينتج آثاره أيضًا حينما ينتقل السكان الأصليون إلى لغة الاستعمار، كما حدث مع أناس كثيرين من أصل هندي في أقطار مثل المكسيك والبرازيل الذين لا يتحدثون الآن سوى الإسبانية والبرتغالية، كذلك ربما يعمل الامتصاص عمله بطريقة عكسية، كما حدث مع القوط أو الفرنكيين المتكلمين بالجرمانية حينما دخلوا الإمبراطورية الرومانية، فتحولوا إلى متكلمين باللغة اللاتينية العامية والرومانسية القديمة، ولكن مع مساهمتهم الفعالة في تنمية المادة اللغوية الرومانسية، والنورمانديون المتكلمون بالفرنسية قد امتصوا بنفس الطريقة داخل المجموعة المتكلمة باللغة الإنجليزية في القرون التي تلت الغزو النورماندي، على الرغم من أنهم تركوا آثارهم الملحوظة في الطور الذي لحق اللغة الإنجليزية بعد ذلك.

стр. 179

أما مصطلح اللغة المقدسة liturgical tongue فيستعمل عادة في الطقوس الدينية مثل اللغة اللاتينية في المناطق الكاثوليكية الرومانية، ومثل هذه اللغة تؤثر بعمق في اللغة المتكلمة بهذه المنطقة، حيث يظهر مفعولها في شكل كلمات وصيغ وتعبيرات كثيرة، واللغة العربية باعتبارها لغة القرآن المقدسة تتكلم وتفهم على شكل واسع في البلاد المسلمة التي لا تتكلم اللغة العربية مثل إيران وباكستان. وكثيرا ما تبرز لغة ما نتيجة لقيمتها الثقافية، وبهذا نجدها تدرس وتستعمل في بلاد لا تتخدها لغة بلدية، وإن مكانة اللغة الفرنسية لمعروفة جيدا باعتبارها لغة دبلوماسية، ولغة ذات ثقافة عامة في معظم أنحاء العالم، وعلى امتداد فترات طويلة تبلغ قرونا عديدة، وعلى الرغم من أن نفوذها ربما كان لبعض الوقت راجعا إلى نفوذها السياسي أو العسكري فإن مكانتها اليوم ثقافية محضة. واللغة الفارسية مثل الفرنسية -في كثير من البلاد الإسلامية- حيث تتخذ لغة ثقافية Cultural language وغالبا، ما تمتزج الصفات المقدسة والثقافية لدرجة يصعب معها تخليصهما بعضهما من بعض، وقد بدأت اللغة اللاتينية كلغة مفروضة نتيجة الاستعمار، ثم أصبحت لغة أهلية في الجزء الغربي من الإمبراطورية الرومانية، واستمرت لغة مقدسة وثقافية مدة طويلة بعد سقوط الإمبراطورية، وما تزال حتى الآن تستعمل بهاتين الصفتين. واللغة الوسط Koine or compromise language هي تلك الصيغة التي تحوي ملامح من لهجات عدة متصلة، والتي تبرز في النهاية كلغة بلدية ورسمية. وإن اللهجات اليونانية القديمة قد تبلورت عن لغة وسط استعملت في الفترة اليونانية الكلاسيكية المتأخرة، وخلال آلاف السنين في الإمبراطورية البيزنطية. وإن اللغة النموذجية الأدبية الإيطالية قد انبثقت عن نفس الطريق، وربما وصف كذلك بأنها لغة وسط، ومثل هذا قد يصدق على لغة الباهاسا في

стр. 180

إندونيسيا، التي تعد الآن لغاة رسمية للجمهورية الإندونيسية، حالة محل لغة أقدم كانت تستعمل بصفة غير رسمية في مسائل التجارة، وهي لغة الملايو "وكانت أحيانا ما تسمى بلغة السوق الملايي". ومفهوم المصطلحات: اللغة الأساسية primary، والثانوية Secondary والمساعدة auxiliary، والبديلة Substitute ضرورية في علم اللغة الجغرافي التطبيقي، إن اللغة الأساسية لبلد إنما هي في العادة لغتها البلدية والوطنية والرسمية، إنها اللغة التي تتمتع باعتراف الحكومة، والتي تستعمل في الوثائق والاتصال، إلى جانب تعليمها في المدارس، ولكن غالبا ما توجد لغة ثانوية يعرفها جمهور كبير من السكان، وتستعمل في مجالات كثيرة، ومثال ذلك اللغة الألمانية، في المجر، وتشيكوسلوفاكيا وشمال يوغوسلافيا: أما اللغة المساعدة أو البديلة، فهي تلك التي قد تستعمل في مجالات خاصة، وحتى في الأوساط الرسمية، ومثال ذلك في اللغة الفرنسية، في شمالي إفريقية العربية التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي "الجزائر وتونس ومراكش". أما المصطلح التوزيع اللغوي linguistic distribution فيستخدم حين الحديث عن طريق انتشار اللغة في مناطق مختلفة من العالم. الإنجليزية والفرنسية لغتان من أوسع اللغات انتشارا، والإسبانية والبرتغالية والعربية والألمانية على درجة أقل من الانتشار أما الروسية -التي كانت في يوم ما مقصورة على الاتحاد السوفيتي- فإنها تحاول الآن بعزم وتصميم أن توسع مجال انتشارها في أوربا الشرقية، أما الإيطالية والصينية والهندستانية والبنغالية والإندونيسية واليابانية فإنها لغات مقيدة إلى حد كبير بمناطقها المحلية. واللغة حينما تغادر موطنها الأصلي تكون قابلة للتعرض لعوامل الانتشار، والتوسع diffusion، أو لعوامل التبدد والانحلال dispersion. وهذا ينطبق مثلا على اللغة الإيطالية التي اكتسبت الانتشار والتوسع على أيدي المهاجرين إلى مختلف العالم، ولكنها في نفس الوقت خضعت لعامل التبدد والانحلال

стр. 181

حيث تلاشت بعد الجيل الثاني أو الثالث من على ألسنة المتكلمين بها من المهاجرين. أما المصطلحات: ثنائية اللغة bilingualism، أو ثلاثية اللغة trilingualism أو تعدد اللغة multilingualism فهي مصطلحات تصف حالات معينة حينما يتكلم فرد أو مجموعة ما لغتين أو أكثر على درجة واحدة تقريبا. وإن ثنائية اللغة من السهل تحقيقها حينما تكون اللغتان مستعملتين جنبًا إلى جنب منذ الطفولة المبكرة، وبشرط أن تستمرا إلى فترة متأخرة، وما يقال من أن ثنائية اللغة أو ثلاثيتها تلحق الضرر بالتطور النفسي للفرد فدعوى لا دليل عليها. كذلك لا دليل على الدعوى الآخرى أن الثنائية تعوق التمكن من إحدى اللغتين أو كلتيهما، إن التمكن من أي لغة يتوقف على الفرد، وليس على عدد اللغات المراد تعلمها فالشخص الذي يتكلم بطريقة ناقصة سوف يتكلم لغة واحدة بنفس الطريقة الناقصة. أما المصطلح: معامل القراءة والكتابة literacy coefficient، فيستخدم بالنسبة لكل لغة على حدة، على أساس مئوي يبين نسبة المتكلمين باللغة الذين يعرفون القراءة والكتابة، والذين بالتالي يستطيعون مباشرة الاتصال عن طريق الصيغة المكتوبة. وأما المصطلح معامل القومية nationalism coefficient فيشير إلى عامل تقل الصفة الموضوعية فيه، وهو عامل المشيئة الصادرة عن المتكلمين بلغة ما بالإبقاء على حياة لغتهم، وهو عامل غالبا ما تختلط فيه عوامل الدين والجنس وعوامل أخرى١. وهناك مجموعة أخرى من المصطلحات تختص بميدان اللغات الصناعية

стр. 182

المؤلفة للاستعمال العالمي، مثل الإسبرانتو، والإنترلينجوا. وهذه اللغات كثيرا ما توصف بأنها مركبة constructed، أو صناعية artifical "إشارة إلى أنها من صنع عقل إنساني فردي، وليست نتيجة نمو طبيعي عفوي"، أو دولية international، أو عالمية universal "للإشارة إلى وظيفتها المرجوة"، أو مساعدة١ auxiliary "للإشارة إلى أنها لم يقصد بها أن تحل محل لغة موجودة بالفعل وإنما تساعدها فقط"، أو لغة وسيطة interlanguage "للإشارة إلى وظيفتها كوسيلة بين المتكلمين بلغات طبيعية مختلفة" ومن بين المصطلحات المستخدمة كذلك مصطلح اللغة المعدلة modified language "مثل Latino Sine Flexione التي تستخدم اللغة اللاتينية في مفرداتها العادية، ونظام جملها، ولكن مع التخلص من النهايات التصريفية، وعلامات الإعراب المعقدة، ومع توحيد مقاييسها لخدمة أغراض عالمية". كذلك يستخدم المصطلح اللغة الأساسية basic language "مثل الإنجليزية الأساسية التي حوول فيها تقليل عدد المفردات عن طريق الاستعانة بالعبارات المفسرة المرادفة واستخدام التجمعات الكلامية". أما مصطلح اللغة الأولية priori Language فيشير إلى اللغة التي وضعت من غير إشارة، ومن غير مماثلة لأي لغة موجودة بالفعل، وذلك مثل لغة Ro أو لغة Suma. ومصطلح اللغة التابعة posteriori Language يطلق على تلك التي كونت عن طريق مزج وحدات من لغات مختلفة حية بالفعل، وذلك مثل الإسبرانتو والإنترلنجوا. أما المصطلح يصوت phonetize فيعني المحاولة لجعل الطريقة الكتابية للغة ما صوتية "مثل: تهذيب الهجاء الإنجليزي English Speling Reform". وهو لهذا لا يقف على قدم المساواة مع المصطلحات

стр. 183

السابقة التي تمس تشكيل اللغات، إذ هو لا يعدو محاولة التغيير للصيغة المكتوبة فقط. وهناك مصطلح آخر، هو التعريف اللغوي language identification وهو يتعلق بالصيغة المكتوبة أو المنطوقة للغة، أو بهما كليهما، وهو جزء من علم اللغة الجغرافي مكمل لعلم الأنماط التركيبي، وللتصنيف اللغوي على أساس القرابة التاريخية، والهدف هنا في معظمه هدف عملي، وهو القدرة على أن تدل من أصوات لغة منطوقة أو مظهر لغة مكتوبة، على نوع اللغة التي تواجهها، ومن نواح كثير يعد هذا العلم المسمى بالتعرف اللغوي مشابها لدرجة كبيرة لقولك "من أين أنت؟ "، إنه أسلوب فني للعمل، عن طريق يمكن تحديد المنطقة اللغوية الصغيرة التي ينتمي إليها المتكلم، والتي قد تصل إلى نصف قطر قدره عشرة أميال من مسقط رأسه، وذلك عن طريق خصائصه الكلامية المتميزة والقدرة على تمييز اللغات التي يواجهها الإنسان -عن طريق صيغتها المتكلمة أو المكتوبة- قد تكون على قدر كبير من الأهمية حتى إذا لم يكن الشخص متكلما أو فاهما لتلك اللغات١. أما المصطلحات التي يشترك فيها علم اللغة الجغرافي مع التاريخي أو الوصفي فمنها language in contact الذي يشير إلى وجود لغتين أو أكثر مستعملتين في مناطق متلاصقة، وتؤثر كل منهما على الأخرى بطريقة مستمرة في تطورها على الرغم من احتمال كونهما غير مرتبطتين أصلا من ناحية القرابة اللغوية، أو أنماط البناء والتركيب، وعلى سبيل المثال فإن الرومانية والبلغارية والألبانية كلها تنتمي إلى الفرع البلقاني، ولكنها تنتمي إلى ثلاث مجموعات مختلفة من الفصيلة الهندية الأوربية، ويبدو أنها جميعا قد طورت بشكل موحد خاصية

стр. 184

تأخير أداة التعريف. أما مصطلح المنطقة المركزية focal area، أو مصطلح مركز الهيبة اللغوية linguistige prestige centre فيشير إلى المنطقة اللغوية ذات المركز المتميز، والتي يخرج منها الابتكار اللغوي وينتشر خارجًا١. أما مصطلحا الانتقال transition والمناطق ذات الدرجات graded areas فيستعملان حيث توجد منطقة تخضع لنفوذ لغوي من منطقتي إشعاع لغوي مختلفتين، أو حيث تلتقي خصائص محافظة وتحررية في منطقة واحدة. أما المصطلح، المناطق الأثرية relic areas فيشير إلى المناطق المحافظة التي تقاوم التجديد والابتداع. أما المصطلح، الانقسام اللهجي dialectalization فيعني الاتجاه الطردي المركزي الطبعي للغة نحو الانقسام إلى لهجات، ويصاحبه اتجاه آخر نحو التجمع dedialectalization نتيجة لنفوذ العوامل الجذبية المركزية، المتمثلة في مركز الحكم، أو سهولة وسائل الاتصال والانتقال، أو التعليم، أو الشعور القومي، أو التقاليد الأدبية، أما المصطلح الانقسام الطبقي social stratification فيعني ميل الكلام المحلي إلى الانقسام إلى لغات طبقية class languages على أساس الفروق الاقتصادية أو التعليمية٢. أما المصطلح اللغة الدارجة vernacular أو umgangssprache فيتناول اللغة التي تتمتع بصفة التفاهم المشترك، أو اللغة العامة التي يستعملها

стр. 185

إلى درجة كبيرة أو صغيرة كل المنتمين إلى شتي الطبقات الاجتماعية١.والمصطلح التسجيل أو التمثيل الصوتي transcription الذي سبق أن صادفناه في علم اللغة الوصفي في صورتيه الصوتية والفونيمية، له في علم اللغة الجغرافي تطبيق ثالث، وهو تحويل صيغة كتابية من طريقة كتابة معينة إلى طريقة أخرى، مع أو بدون تعديل، لإبراز الخصائص الصوتية أو الفونيمية، وللتمثيل الصوتي استعمالاته المفيدة مثل المساعدة على التحصيل السريع لطريقة النطق لتلك اللغات ذات النظام الكتابي المعقد مثل الصينية واليابانية، وإن التسجيل عن طريق استخدام رموز من أبجدية ما مقابل رموز من أبجدية أخرى "مثل كتابة اليونانية أو السيريلية بحروف لاتينية" يختص باسم كتابة لغة بحروف لغة أخرى transliteration٢.

стр. 186

٣٨- اللغات والمتكلمون؛ البلاد واللغات: من الموضوعات التي تعد أساسية في مفهوم علم اللغة الجغرافي بيان توزيع اللغات المتكلمة في جميع أنحاء العالم، وأنواع المتكلمين بها، ويعد أساسيًا بنفس الدرجة كذلك بيان اللغات المتكلمة في كل قطر أو وحدة سياسية على حدة. وهذا يعني في الواقع وجود دراستين إحصائيتين تقوم كل منهما بدور

стр. 187

المراجعة والضبط للأخرى. إحداهما للغات وتوزيعها على المناطق والوحدات السياسية وأعداد المتكلمين بها، والأخرى للدول لبيان اللغات المستعملة في كل منطقة قومية على حدة، وعدد المتكلمين بكل لغة١. وإن عامل ثنائية اللغة أو ثلاثيتها ليعقد الصورة بالإضافة إلى أنه عامل ليس له صفة الثبوت والاستقرار نتيجة لعدم ثبوت الملامح السكانية، مما يستدعي عمل تعديلات إحصائية مستمرة والطريقة التي تبدو أكثر عملية هي تكرار عد أصحاب اللغات الثنائية أو الثلاثية الحقيقيين، "نعني بالحقيقيين الذي يملكون اللغتين على درجة واحدة تقريبًا ويستخدمون كلا بطلاقة تضعها في مستوى اللغة القومية". وهذا يعني أن المواطن المقيم في الجزء الآسيوي من الاتحاد السوفيتي الذي يتكلم الأوزبكية، والذي تعلم الروسية إلى درجة عالية جدا سوف يعد مرتين في الإحصاء اللغوي، مرة بين متكلمي اللغة الأوزبكية، ومرة بين متكلمي اللغة الروسية، ومعنى هذا أنه ليس من الضروري أن يتطابق عدديا الإحصاء السكاني مع الإحصاء اللغوي، وإن كان في كثير من الحالات يبدو الإحصاءان متقاربين، وهناك سؤال دقيق يتعلق بكيفية عد المتكلمين بلغة ليست أهلية أو بلدية "على سبيل المثال متحدث بالإنجليزية الأمريكية درس الفرنسية لعدة سنوات في المدارس الثانوية والكليات الجامعية وأصبح يتقنها ويستعملها بدرجة عالية من الجودة، وإن لم يكن بطلاقة المتكلم بلغته الأم".

стр. 188

وهنا يبدو أن وضع مستوى حاسم للتصينف يعد أمرًا تحكميا، ولا بد من اللجوء إلى مستوى تخميني تقريبي، وسوف يأتي مزيد من المناقشة لهذه النقطة فيما بعد. "انظر المبحث رقم ٤٤ التقارير التعليمية". وفي أي محاولة لعد المتكلمين بلغة معينة فإن عالم اللغة الجغرافي يتخطي الحدود الدولية، وحتى المحيطات، وهو أيضًا يتخطى حدود اللهجات، فيما عدا تلك اللهجات التي لها طبيعة خاصة تجعلها تشكل في الواقع لغات منفصلة مع إمكانية التفاهم البسيط أو عدم إمكانية التفاهم تمامًا بين المتكلمين بكل لهجة مع الآخرين. "ومن أمثلة ذلك لهجات اللغة الصينية التي كثيرا ما يفشل المتكلمون طريقة واحدة للكتابة" ولغة مثل الإسبانية -على الرغم مما بين لهجاتها من فروق محسوسة- يمكن أن تسعمل كلغة مشتركة للتفاهم في كل الأقطار التي تستخدمها كلغة رسمية ومن أجل هذا يحق لنا حين نتحدث عن مجموعة المتكلمين باللغة الإسبانية، أن نضع جنبًا إلى جنب مواطني إسبانيا "بغض النظر عن المناطق التي تتكلم إلى جانب الإسبانية لهجات محلية كما سبق أن أشرنا", والمكسيك، وأمريكا الوسطى، وبعض القوميات في كوبا، وبورتوريكو، وجمهورية الدومينيكان، ومعظم مواطني أمريكا الجنوبية خارج البرازيل، وجايانا, على الرغم من وجود لغات أمريكية هندية كثيرة في بعض المناطق إلى جانبها، وربما وجودها منفردة في المناطق التي يعيش فيها ملايين لا يتكلمون سوى الهندية الأمريكية. وطبقًا لهذا المنهج نضع قائمة باللغات -شاملة بقدر الإمكان- مع السعي لجعلها متضمنة لكل لغات العالم الرئيسية، وغير الرئيسية على الكرة الأرضية، وكل لغة تقرن بتقرير يصف المناطق الجغرافية التي تتكلم فيها اللغة، وتعداد السكان، مع بيان اللغة بالنسبة لهم، أهي لغتهم الأم؟ أم لغة استعمارية؟ أم نصف استعمارية؟ "مثل أبناء غانا أو نيجيريا أو الهند أو باكستان الذين

стр. 189

يتكلمون اللغة الإنجليزية بطلاقة" أم لغة ثقافة؟ "مثل الفرنسي أو الألماني أو السويدي الذي اكتسب الإنجليزية في حياته الدراسية، أو في رحلاته وأصبح متمكنا منها، وإن لم يكن من الضروري أن يكون مستواه معادلا لمستوى المتكلم بلغته الأم". وبينما يعد من الأمور السهلة نسبيًا أن نصف المناطق التي تظهر فيها لغة ما أو تذكر عدد المواطنين الذين يتكلمون اللغة بوصفها لغتهم الأصلية، تأتي الصعوبات والمشكلات حيث نريد أن نحصي عدد السكان الذين تعتبر اللغة بالنسبة لهم لغة استعمارية أو ثقافية، وهنا يطلق الإحصاء جهودًا مضنية وعملا متواصلا ولا تنتهي متاعب اللغوي بفحص مادته في هذا السبيل، والوصول إلى نتائج معينة، فإن نتائجه تحتاج إلى تعديل متواصل، ولهذا يقترح دائما إعادة النظر في مثل هذه النتائج مرة كل عشر سنوات، مع كل إعادة لتعداد السكان. أما الطريقة الأخرى للبحث، والتي تعد نوعا من المراجعة والضبط للطريقة التي تحدثنا عنها آنفا، فهي طريقة تتناول قطر إثر قطر، والمشكلة هنا هي محاولة معرفة اللغات التي تتكلم في كل قطر، ومراكز المتكلمين بها، وعدد المواطنين الذين يتكلمونها، والصورة التي يتكلمونها عليها، والظروف المحيطة بها، ولتأخذ على سبيل المثال قطرا مثل إسبانيا، فأول ما نبدأ به هو الإحصاء الشامل لعدد سكانها وبعد ذلك نحصي عدد المتكلمين بكل لغة على حدة مثل الإسبانية، والـcatalan والـBasque، والـGalician، والتي سيزيد عدد المتكلمين بها جميعا -نتيجة لعامل الثنائية اللغوية- عن عدد السكان، أخيرا يتناول الإحصاء تعداد السكان الإسبان الذين اكتسبوا مستوى مفعولا من لغات أخرى مثل الفرنسية والإنجليزية والألمانية. وإن الجمع بين الطريقتين سوف يؤدي إلى نتائج ومعلومات علمية مؤكدة بقدر الإمكان، ولكنها عرضة للتغيير نتيجة لتغيير الملامح السكانية، ويمكن

стр. 190

الاستعانة في عمل هذه التغييرات بجهات كثيرة كالدوائر الحكومية والعلمية والدينية التي يمكن أن تمد الباحث بملخصات مركزة مفيدة. إن هذا النوع من الخلاصات الإحصائية ربما أعطى صورة دقيقة لعدد المتكلمين وللتوزيع اللغوي، أما الحقائق المتعلقة بالتطورات الصناعية والاقتصادية لكل قطر فهي موضوعات أكثر ارتباطا بالمجالات غير اللغوية ولكنها مع ذلك تستطيع إذا اقترنت بالحقائق اللغوية أن تعطي صورة للأهمية الجغرافية لكل لغة، وهذه المعلومات المقترنة قد تبقي موضوعية وأقرب إلى الحقائق على الرغم من أن أهمية كل عامل من العوامل الثلاثة "السكان المتكلمون, توزيع السكان, العوامل السياسية والاقتصادية". ربما كانت في بعض الأحيان فرضية أو تحكمية، وربما كان أكثر العوامل ذاتية، هو عامل الثقافة، وإن كان من الممكن باتباع مقاييس موضوعية للتقنين الوصول إلى حقائق موضوعية. ومن ضمن النقاط الهامة في العامل الثقافي موضوع القراءة والكتابة بالنسبة للمتكلمين بلغة ما، وهي نقطة يمكن أن تكون موضوعية تماما، وأما موضوع النتاج العلمي والفلسفي والأدبي، فهناك على الأقل احتمال الوصول إلى بعض الأنواع من المقاييس الموضوعية المتمثلة في عدد الكتب والدوريات التي طبعت في كل حقل. ٣٩- اللغات المساعدة والبديلة: من أهم وظائف علم اللغة الجغرافي معرفة اللغات التي يمكن أن تستعمل في مناطق مختلفة من العالم كلغات بديلة عن اللغات الأهلية، وكذلك التأكيد من وجود نسبة معينة من السكان في كل منطقة تفعل ذلك. وحيث إن هذه اللغات تتفاوت في حجم مناطق النفوذ، وتختلف في كيفية الاستعمال باختلاف الأقطار فإننا نحتاج إلى الإحصاءات الدقيقة في مثل هذه البحوث.

стр. 191

٣٩- اللغات المساعدة والبديلة: من أهم وظائف علم اللغة الجغرافي معرفة اللغات التي يمكن أن تستعمل في مناطق مختلفة من العالم كلغات بديلة عن اللغات الأهلية، وكذلك التأكيد من وجود نسبة معينة من السكان في كل منطقة تفعل ذلك. وحيث إن هذه اللغات تتفاوت في حجم مناطق النفوذ، وتختلف في كيفية الاستعمال باختلاف الأقطار فإننا نحتاج إلى الإحصاءات الدقيقة في مثل هذه البحوث.

стр. 192

وعلى سبيل المثال فإن مما يدخل في اهتمام علم اللغة الجغرافي صلاحية استعمال اللغة الإنجليزية كلغة بديلة ومساعدة في كل المناطق التي خضعت في وقت ما للنفوذ الإنجليزي أو الأمريكي، واللغة الفرنسية في المناطق الواسعة التي تغطي غربي وشمالي إفريقية وجنوب شرق آسيا، وكذلك الحال بالنسبة للغة الهولندية، في إندونيسيا، ولكن أبعد من هذا قد توجد انعكاسات لغوية لاستعمار قديم نسبيا ربما يرجع إلى الوراء حتى وقت الحرب الأمريكية الإسبانية أو الحرب العالمية الأولى، فالإسبانية ما تزال منتشرة إلى درجة كبيرة في الفلبين، والألمانية ما تزال تسمع أحيانا في تانجانيقا وفي جنوب غربي إفريقية وفي مناطق مختلفة من المحيط الهادي. وهذا راجع إلى أن الوضع السياسي يتغير أسرع بكثير من الوضع اللغوي، وعلى الرغم من الجهود الرسمية التي تتخذ في ذلك فإن التغيير اللغوي يستغرق وقتا طويلا إلى أن تتغير العادات الكلامية للسكان، أو حتى للنخبة المثقفة منهم فقط. إن الأفراد الذين ينشئون على تقاليد ثقافية معينة، مثل الهنود الذين يتعلمون في بريطانيا، والإفريقيين الذين يتربون في فرنسا أو بلجيكا يجدون صعوبة في تغيير اتجاهاتهم الفكرية المرتبطة بثقافة الشعب السابق الإشارة إليه. وأكثر من هذا فإنه في حالات كثيرة يبذل جهد قليل، أو لا يبذل أي جهد على الإطلاق لتغيير التقاليد والروابط الثقافية، ويبدو عاديا أن تدرس الإنجليزية في غانا ونيجيريا والهند وباكستان بصورة أوسع مما كان عليه الأمر أثناء الاحتلال الإنجليزي. ومثل هذا يقال عن اللغة الفرنسية في بلاد الاتحاد الفرنسي الجديد التي تدرس الفرنسية أكثر من قبل ومثال واحد استثنائي هو إندونسيا حيث تبذل الحكومة جهودا جبارة للتخلص من التقاليد الثقافية الهولندية وهناك شواهد أخرى على أن الأقطار الشيوعية -التي كانت تخضع للنفوذ الثقافي واللغوي الألماني- تبذل الآن بعض محاولات للحد من هذا النفوذ. والظاهرة الغريبة المتعلقة بالنفوذ طويل المدى للغات الاستعمارية تبدو بين

стр. 193

المتكلمين باللغة الإسبانية في الفليبين "يعد النفوذ الإنجليزي في هذه الجزر شيئا حديثا جدا" كما أنها تبدو في ظهور بعض الكلمات الألمانية في إنجليزية المناطق التي كانت خاضعة فيما مضى للاستعمار الألماني. وتبدو -على المدى الطويل- إمكانية إزالة هذا النفوذ في النهاية، كما أن هناك احتمالا آخر قد يتم حدوثه في أي وقت من الزمن، وهو خاص باستعادة اللغات الهندية والأردية مكانها في الهند وباكستان والفليبين على حساب اللغة الإنجليزية التي كانت متمكنة في هذه البلاد. ولكن لا تبدو مثل هذه النهاية قريبة الوقوع بالنسبة للغات ذات الماضي الاستعماري التي تتميز بعنصر الهيبة, وعامل القيمة العملية، سواء في وطن الشخص أو خارجه، مما يجعل دراسة مثل هذه اللغة أمرا أساسيا بالنسبة لأولئك الذين يطمحون أن يكونوا متعلمين أو مثقفين. إن المرتبة المساعدة التي تحتلها لغات عالمية كثيرة في أقطار متعددة يجب أن تدرس بعناية، وبطريقة فردية بالنسبة لكل منطقة، لأن هذه المرتبة لا تتم بصورة واحدة في جميع المناطق. كذلك من الضروري وضع تنبؤات بعيدة المدى بالنسبة للمستقبل مؤسسة على الاتجاهات الملحوظة، ولكن مع الأخذ في الاعتبار أن مثل هذه الاستنباطات أو التنبؤات عرضة للتعديل الكبير على أساس التغييرات السياسية المفاجئة غير المرئية.

стр. 194

٤٠- أنظمة الكتابة والتعرف اللغوي: إن الأهمية النسبية للجانب المتكلم أو المكتوب لأي لغة تختلف من لغة إلى لغة ومن مكان إلى مكان، وإذا بدأنا من الجانب المنخفض من الميزان مع لغات لأناس متخلفين أو بدائيين لم يتخذوا لأنفسهم بعد نظاما كتابيا فسنجد أنفسنا متجهين صعدا على طول الطريق حتى نصل إلى اللغات الكبرى للحضارة الغربية التي تتمتع صيغها المكتوبة بقيمة مساوية لما تتمتع به صيغها المتكلمة. وبين الطرفين المتقابلين نجد بلادا تعاني نسبة عالية من الأمية، وفي مثل هذه البلاد

стр. 195

تتضاءل نسبيا أهمية الصيغة المكتوبة. إن الزائر المتجول لبعض القرى الصينية النائية لا يجد سبيلا إلى استعمال اللغة المكتوبة، لأن السكان لا يعرفون طريقة الكتابة والقراءة، حتى يعرفوا هذا النظام المعقد للرموز الكتابية الصينية. وفي مثل هذه الظروف يكون العلم بعد قليل من الكلمات والتعبيرات المستعملة في اللغة المتكلمة أهم وأكثر فائدة بكثير من دراسة متخصصة للغة المكتوبة. وتأتي بعد ذلك الخطوط الكتابية التي تشبه الأبجدية الرومانية مثل الأيرلندية واليونانية والسيريلية. وهنا يصبح الموضوع أكثر تعقدا لمن أراد أن يكون لنفسه القدرة على قراءة هذا النوع من اللغات، وإن كان المجهود المطلوب بذله للتعرف على هذه الخطوط ليس مجهودا خارقا أو معجزا.

стр. 196

وأخيرا تأتي اللغات التي تستعمل نظما أخرى كتابية صوتية أو مقطعية تختلف تماما عن النظم الأوربية. ولا يبعد أن يجد الباحث سمات مشتركة بين هذا النوع من اللغات. وإن الأبجدية المستعملة في الأرمينية والجورجية أو العربية والعبرية مثلا، ومجموعة النظم الكتابية الساذجة التي تجمع بين النظامين المقطعي والصوتي، والتي تميز الخطوط الأمهرية ومعظم اللغات الهندية لمؤسسة على الـDevanagari المشتق من السنسكريتية القديمة. أما الخط الـKanas الياباني فمعقد وصعب التعلم من الناحية العملية، ولكن ليس صعبا جدا أن يتعلم لمجرد التعرف اللغوي. وأخيرا يأتي أعقد نظام هجائي وهو ذلك الذي يستخدم الطريقة التي تعبر عن الفكر بصورة أو رمز مثل اللغات الصينية واليابانية. فالربط في مثل هذه اللغات ليس بين الرمز والصوت، ولكن بين الرمز والصورة الذهنية. واكتساب مثل هذه الأشكال للاستعمال الفعلي يعد في الواقع أمرا بعيد المنال، وربما مهمة يفنى العمر في تحصيلها، ولكن التعرف عليها ليس صعبا كل الصعوبة، أو معقدا غاية التعقد. وإنه لجزء من وظيفة عالم اللغة الجغرافي أن يعود نفسه على إلف النظم الكتابية الرئيسية في العالم بقصد التعرف. وإذا استطاع أن يضيف إلى هذه المهارة القدرة على القراءة والترجمة فقد حقق هدفا أبعد. وعلى أي حال فمهارة التعرف والتمييز للغات للعالم الرئيسية في صيغها المكتوبة شيء لا يستطيع عالم اللغة الجغرافي أن يستغني عنه، ولا بد لمن يريد التخصص في أي فرع من فروع علم اللغة أن يدرس برنامجا في نظم الكتابة، وبوجه خاص لمن يريد التخصص في علم اللغة الجغرافي. ولدرجة محدودة، واعتمادا على القدرات الصوتية لأذن بعض الأفراد، توجد كذلك فرصة ممكنة للتدرب على تمييز اللغات الرئيسية في صيغها المنطوقة ما دامت كل لغة لها نظمها الصوتية والفونيمية المتميزة، وإن معلومات أولية في كيفية التعرف على النماذج الصوتية لعدد من اللغات الرئيسية يجب أن يشكل

стр. 197

جزءا من أسلحة العالم اللغوي، وبخاصة عالم اللغة الجغرافي، مع اهتمام خاص باللغات المتعلقة بمنطقة معينة طبقا للاهتمامات الخاصة لكل لغوي ولغرضه المحدد١. إن التطبيقات العملية لمهارة التعرف اللغوي لكثيرة. فإلى جانب قيمتها الواضحة في أوقات الحروب الساخنة أو الباردة "الرقابة, المخابرات العسكرية, الجنود في ميدان القتال الذين لا بد أن يتعاونوا مع أو يحاربوا قوات تتكلم لغات أخرى" فهناك فوائد أخرى تتمثل في تقديم الترجمان المناسب لشخص أو المترجم الكفء لوثيقة، مما يستدعي معرفة سابقة باللغة التي يتحدث بها الشخص، أو اللغة التي كتبت بها الوثيقة، كما تتمثل في مد يد العون لأمناء المكتبات حين يواجهون بمطبوعات بلغات متعددة, وهناك إلى جانب ذلك ميزة معرفة جنسية أو ثقافة الشخص الذي تبدأ في عقد صلات اجتماعية أو تجارية معه، وميزة تجنيبك استخدام عبارات غير لائقة ربما وقعت فيها. والتعرف اللغوي في صيغته المكتوبة أو المنطوقة كثيرا ما يقدم خدمات قيمة في مجال اكتشاف الجريمة أو منعها. "انظر هوامش المبحث رقم ٣٧".

стр. 198

٤١- عوامل مساعدة؛ الثقافة, المنحنى الثقافي, الدين, التأثير التاريخي: في حين ترتبط هذه الموضوعات -إلى حد ما- بمجالات علم اللغة الوصفي والتاريخي، فهي أيضا موضوعات وثيقة الصلة بعلم اللغة الجغرافي، ما دامت تنعكس على المركز الحالي للغات العالم. إن الصلة بين اللغة وثقافة الجماعة "التي تعد اللغة جزءا منها" لتعد من الموضوعات الهامة لعالم الأنثروبولوجيا. وكلمة ثقافة Culture ذاتها كلمة مضللة، لأن لها معنيين محتملين. فهي عند عالم الأجناس البشرية تعني الحصيلة الكلية للتقاليد والعادات، والأعراف، وطرق الحياة لأي طائفة اجتماعية سواء كانت متقدمة لدرجة عالية أو متأخرة, ومعنى هذا أن كل الجماعات عند عالم الأجناس البشرية -مهما صغرت أو كانت بدائية- لها ثقافة، وكل الثقافات على درجة واحدة من المساواة. أما كلمة ثقافة في مدلولها التقليدي فترتبط بالممارسة المتقدمة للحضارة التي عادة ما تعبر عن نفسها عن طريق اللغة المكتوبة وتشمل أشياء مثل الأدب والشعر والفلسفة والعلم والحصيلة الفكرية والمستويات المرتفعة للحياة والاتصال وحفظ الصحة. وهذا التباين الدلالي بين المعنيين قد أدى إلى سوء فهم متكرر، وربما كان علاج هذه الحالة في وضع كلمة أخرى لأحد هذين المعنيين. إن ثقافة أي أمة أو جماعة ترتبط ارتباطا وثيقا بنمط لغتها ما دامت الأخيرة تعكس عادة نشاطات هذه الطائفة. وإن مدرسة العالم الأمريكي Whorf فيما وراء علم اللغة metalinguistics لتذهب أبعد من هذا وتزعم أن نمط

стр. 199

اللغة المتكلمة يفرض تأثيره المباشر على هذه النشاطات، وإن كان هذا الزعم ما يزال محل خلاف كبير١. ومهما يكن من شيء فلا شك أن اللغة تشكل جزءا من الوعي الثقافي للجماعة، وهي تعد واحدة من أقدم المظاهر لهذا الوعي. وإن التمييز بين جماعة وأخرى ليؤسس غالبا -على الأقل من الناحية الظاهرية- على اللغة. إذا كنت تتكلم لغتي فأنت تنتسب إلى مجموعتي، أما إذا اختلفت لغتك عن لغتي فأنت تنتمي إلى جماعة أخرى غير جماعتي، ونحن نتصرف على هذا الأساس, ومن ثم فاللغة في الغالب مفتاح لسلوك الجماعة، وتسمح بالتنبؤ بمشكلة رد فعل الجماعة تجاه المواقف المتنوعة. وإن عالم اللغة الجغرافي ليتعلم منذ البداية أن تجاهل العامل اللغوي في أي صورة من صور العلاقات الثقافية المتبادلة يعد خطأ كبيرا، وأن هناك شيئا واحدا لا بد أن يأخذه في اعتباره فوق كل الأشياء -إلى جانب المعتقدات الدينية- وهو لغة الجماعة التي يدرسها. وحينما ننتقل من الحضارات المتخلفة إلى الحضارات المتقدمة يصبح العامل اللغوي في الثقافة أكثر أهمية، ما دامت اللغة -وبخاصة في صورتها المكتوبة- تقوم بدور الأداة أو الواسطة للثقافة، بمعنييها الأنثروبولوجي والتقليدي. وعند هذه النقطة لا بد أن يؤخذ في الاعتبار، ليس فقط اللغة أو الثقافة الأولى للجماعة التي ندرسها، ولكن أيضا العوامل اللغوية الثقافية من الدرجة الثانية أو الثالثة، وإن من الأمم ما يتمتع بحضارة عالية، وينعم بثقافة خصبة خاصة به، ومع ذلك يتعرض للوقوع تحت تأثير تيار ثقافي أجنبي. ومن ذلك ما عرف عن كثير من الأمم الأوربية خلال القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، من أنها كانت واقعة تحت تأثير التيار الثقافي الفرنسي. وقد

стр. 200

انعكس هذا بسرعة في تغيير كثير من تقاليدها ومظاهرها حتى تتفق مع الثقافة التي أعجبوا بها. ومن الناحية اللغوية فإن هذا التيار الثقافي يبدو أثره في استعمال اللغة ذات الثقافة الرفيعة، وفي دراستها، وهذا بدوره يؤدي إلى خلق ما يمكن أن يسمى باللغة الثانية للأمة موضوع الدراسة. وإنه ليقال إن اللغة الفرنسية يتكلمها -على سبيل المثال- ليس أقل من مليون إيطالي، أو بعبارة أخرى شخص بين كل خمسة وعشرين، وهذا المركز يختلف في أسبابه -ولكن ليس في تأثيراته- عن الآخر الناشيء في قطر كان مستعمرا مثل الهند حيث تتحدث نسبة كبيرة من السكان اللغة الإنجليزية. وبالمعنى الذي شرح فيما سبق أصبحت اللغة الإنجليزية مؤخرا لغة ثقافية ناشرة نفوذها ليس فقط في الأقطار المستعمرة في الأصل، ولكن أيضا في أقطار لم يربطها رابط استعماري بها قط مثل تركيا والاتحاد السوفيتي، حيث لم يكن بهما مطلقا أي نوع من الاستعمار الإنجليزي أو الأمريكي. إن العامل الديني لا بد أيضا أن يؤخذ في الاعتبار في أبحاث علم اللغة الجغرافي، فالنفوذ اللغوي البادي في اللغات الدينية مثل اللاتينية في البلاد الكاثوليكية الرومانية، والعربية في البلاد الإسلامية التي تتحدث اللغة العربية لا يمكن أن يتجاهله عالم اللغة الجغرافي. وهذا النفوذ اللغوي الديني يعني عادة أن اللغة التي يرتبط المتكلمون بها بعقيدة معينة سوف تأخذ كلمات وترجمات مفترضة من اللغة المقدسة، وأن بعضا من أبناء اللغة -قل أو أكثر, وإن كان في العادة يضم كل رجال الدين- سوف يستعملون -بصورة أو أخرى- اللغة المقدسة كلغة متكلمة. وربما كانت إيطاليا من أجل ذلك توصف بأنها دولة لغتها الثانية الفرنسية، ولغتها اللاتينية. وقد لا يستحق التنبيه منا أن ننص على أن التاريخ الماضي يحمل نفوذا هائلا على الحالة اللغوية للدول الحديثة. وحتى الآن نجد أن هذا العامل كثيرا ما أهمل، أو بولغ في قيمته. وهناك أسباب تاريخية عميقة تكشف عن السبب في اختيار دولة إسرائيل الجديدة اللغة العربية بدلا من البيدية كلغة قومية ورسمية، وعن

стр. 201

السبب في أن الأيرلنديين يشعرون بأهمية اتخاذ الغيلية Gaelic كلغة وطنية في حين أن الأسكتلنديين لا يحملون نفس الشعور. وإن المعرفة بتاريخ الأمة الماضي سوف يعطي -غالبا- فهما ثاقبا للحقائق والاتجاهات اللغوية في الحاضر والمستقبل. وربما كان من المرغوب فيه أن نؤكد مرة ثانية أن علوم اللغة الوصفية والتاريخية والجغرافية، ولو أنها متصلة ومترابطة، فإن لكل منهما نظرته الخاصة إلى اللغات. فبالنسبة لعالم اللغة الوصفي كل اللغات على قدم المساواة لأنها -من وجهة نظر علم اللغة الوصفي- من الناحية الفعلية متساوية، وتتقاسم نفس الخصائص الأساسية "تركيبات صوتية وفونيمية, نظام نحوي, مفردات لغوية مستعملة". أما بالنسبة لعالم اللغة التاريخي فاللغات تتفاوت في أهميتها تبعا لمدى انتشارها وسهولة معرفة تاريخها الماضي. وإن لغة مثل اليونانية القديمة -بما تملكه من نصوص مسجلة مبكرة، وبما تتمتع به من وضوح تطورها التاريخي المبني على الوثائق- لا يمكن أن توضع على قدم المساواة مع لغة مثل الـMenomini التي لا تملك أي تاريخ مسجل. إن اليونانية بالنسبة لعالم اللغة التاريخي على الرغم من ضآلة حجم المتكلمين بها اليوم، واختفاء نفوذها الحديث، لتعد أهم بكثير من اللغة الإندونيسية وحتى الروسية. وعالم اللغة الجغرافي لا بد أن ينظر إلى اللغات من زاوية أهميتها النسبية في عالمي اليوم والمستقبل القريب. وإنه لمن اللغو أن نتوقع من اللغوي الجغرافي أن يعامل لغات مثل Hopi و Zuni على قدم المساواة مع لغة مثل الفرنسية والإسبانية، تتمتع بجمهور كبير، وبرقعة أرضية واسعة وبمكانة سياسية واقتصادية مرموقة. وليس هذا نوعا من التقييم للغات، أو حكما ذاتيا بعيدا عن الموضوعية

стр. 202

اللغوية، أو محاولة لتفضيل بعض اللغات على بعض، وإنما هو بكل بساطة النظر إلى اللغات من زوايا مختلفة، ومن أبعاد متفاوتة، وأيضا لأغراض مختلفة، وحين تتضح هذه الفكرة في الأذهان سوف يتلاشى كثير من الخلافات والمنازعات التي تثور اليوم بين اللغويين ذوي الاتجاهات المختلفة.

стр. 203

٤٢- اللهجات والتنوعات المحلية؛ اللغات الطبقية: تعد الاختلافات اللهجية شيئا طبيعيا بالنسبة لكل الجماعات اللغوية، ربما فيما عدا الجماعات المتناهية في الصغر. وحتى في هذه الحالة من الممكن التعرف على بعض الخلافات الأسلوبية١ Idiolectic بين المتكلمين. وهذا راجع إلى الميل الطبيعي للغة نحو البعد عن المركز، إلا إذا اتخذت خطوات إيجابية مضادة. واللغة لو تركت وشأنها سوف تنقسم سواء عبر الزمان أو المكان. والتغير الذي يحدث عبر الزمان يرتبط أساسا بمباحث علم اللغة التاريخي. أما ذلك الذي يحدث عبر المكان فيهتم به علماء اللغة بأنواعهم الثلاثة. وإن عالم اللغة الوصفي يجب أن يخضع لتحليله الخلافات اللهجية، لتكون صورته التي يقدمها عن اللغة صورة كاملة. أما عالم اللغة التاريخي فيجب أن يأخذ في اعتباره الخلافات اللهجية كما تتضح في الماضي، وكما تؤثر في تطور اللغة موضوع دراسته. أما عالم اللغة الجغرافي فيجب أن ينظر إلى هذه الخلافات في ضوء لغة اليوم، ومدى تأثيرها على صورة الكرة الأرضية. وإذا ما تطورت الخلافات المحلية في الكلام حتى وصلت إلى نقطة أصبح معها التفاهم المشترك

стр. 204

أمرا صعبا أو مستحيلا أصبح مركز اللغة باعتبارها أداة اتصال في خطر أو عجز كبير. وإلى جانب هذا فإن دراسة اللهجات المعنية تصبح أمرا أساسيا إذا أراد الشخص أن يعرف أيها أكثر نفوذا في الاتصال داخل المنطقة موضوع دراسته. وإن الخط الفاصل بين اللغة واللهجة يصعب في غالب الأحيان تتبعه ورسمه. التفاهم المشترك يعرض فقط جزءا من الإجابة، إذ أنه من المشاهد أن الاتصال بين أبناء مجموعتين يتكلمون لغتين مشتركتين، رسميتين ذواتي أصل واحد "مثل الإيطالية والإسبانية" قد يكون أسهل منه بين أبناء لهجتين تنتسبان إلى لغة رسمية واحدة "مثل الـPiedmontese والصقلية، ومثل الـAsturian وبعض الأشكال الإندونيسية". وهذا يرجع -جزئيا- إلى عوامل التعليم والأمية، ولكنه يرجع غالبا إلى تطور صرف. وإن عمل عالم اللغة الجغرافي لا ينتهي بمجرد تخطيط للغات ومناطقها وعدد المتكلمين بكل، حتى يتناول أيضا اللهجات الرئيسية لكل لغة وقيمة كل. وإن وقوف الانقسام اللهجي عقبة في طريق التفاهم اللغوي ليتفاوت أمره من لغة إلى لغة. والعامل التعليمي يؤدي إلى انقسامات اجتماعية لغوية في داخل المنطقة الواحدة. وبوجه عام فإن هذا الانقسام يمس -بصورة أولية- هذه المستويات من اللغة التي تسمح بالتحولات الواسعة "المفردات والنحو" في حين أنه يؤثر تأثيرا صغيرا نسبيا -وإن بدا ذلك مثيرا- على الجانبين الفونولوجي والصرفي. وهذا يرجع إلى أنه في العادة ما يتقاسم كل المتكلمين باللغة -في منطقة واحدة- النماذج الصوتية والصرفية الأساسية. وحتى حين تحدث خلافات في هذا الخصوص فإنها نادرا ما تعوق التفاهم، على الرغم من ظهورها وبروزها. وذلك مثل ما يبدو من بعض أهالي نيويورك من ذوي الطبقات الدنيا من تغيير الـth إلى t أو d، وغيرها من التغييرات التي يتجنبها الرجل المثقف المنتمي إلى نفس المنطقة الجغرافية. ومثل هذا ينطبق على بعض اللندنيين من ذوي اللهجات الخاصة Cockney الذين ينطقون lidy بدلا من lady وغيره مما يأنف الرجل

стр. 205

المثقف اللندني عن استعماله. أما اللغة الطبقية التي تعني أن كلام طبقة اجتماعية يختلف تماما أو تقريبا عن طبقة اجتماعية أخرى في نفس المنطقة فهذا شيء نادر الحدوث، وإن كان يحدث أحيانا وبخاصة في المناطق المختلفة. وإن سكنى أصحاب الطبقات المختلفة -عادة- في دائرة واحدة، ومنطقة سكنية واحدة، وحتمية التفاهم والاتصال بينهم هو العامل الأساسي في أن أبناء الطبقات الاجتماعية يمكنهم أن يتفاهموا بعضهم مع بعض بلهجاتهم الخاصة. وأي مكان يوجد فيه مستوى رسمي نموذجي وطني، تميل فيه عادة لغة القسم المتعلم من السكان إلى الاقتراب منه، أو مطابقته "مرة ثانية مع بعض الاستثناءات الظاهرة، وهذا يعطي لغة القسم المتعلم من السكان ميزة العمومية في المنطقة ما دامت لغة الطبقة الدنيا تستسلم بصورة سهلة للاتجاهات اللهجية المحية. وإن عالم اللغة الجغرافي لا بد أن يأخذ في اعتباره المستويين الاجتماعي والثقافي للكلام، وبخاصة حينما يصبحان مهمين من وجهة نظر الاتصال والتفاهم. وفي نفس الوقت، وفي حالة اللغات ذوات المجموعات المتكلمة الكبيرة، والتي تملك مستوى عاليا من الحضارة، وقدرا رفيعا من الثقافة، قد يبدو مفيدا للباحث أن يوجه اهتمامه، ويشحذ انتباهه، خاصة بالنسبة للمستوى القومي الذي يتمتع بامتيازات عدة. فهو أولا يتطابق مع اللغة الرسمية والكتابية، وهو ثانيا يتمتع باتساع منطقة نفوذه، ولا يتحدد بمنطقة محلية، وهو ثالثا يحمل في طياته كثيرا من الخصائص اللهجية حتى بالنسبة للمتكلمين باللهجات المحلية أو الطبقية أكثر من معظم سائر التنوعات المحلية واللهجات الطبقية في المنطقة. وإنه لتوجد في أقطار كثيرة أماكن تتقاسم لغويا بين الطبقية والمحلية، مثل إيطاليا. ولكن لو أنك تكلمت هناك باللغة النموذجية القومية، فإنك سوف تفهم بوجه عام، وإن لم يأتك الرد دائما بنفس الطريقة. وأكثر من هذا فإن هناك الآن اتجاها

стр. 206

حديثا للغة نحو التوحيد والتجميع خارج المستوى المحلي أو الطبقي، وذلك بمساعدة الراديو والتليفزيون والأفلام الناطقة التي تنال لغتها إعجابا وقبولا، وبخاصة بين الأجيال الناشئة. وإن بعض اللغويين يؤمنون بأن "اللغة هي ما يتحدثه الناس وليس كما يظن بعضهم هي ما ينبغي أن يتحدثه الناس". وهذا من وجهة نظرهم يشمل اللهجات المحلية والعامية والصيغ غير النموذجية بوجه عام، ويجعلها كلها على قدم المساواة مع اللغة النموذجية. وأي إنسان يختلف مع وجهة النظر المتطرفة هذه يتهم بالأرستقراطية وتقييم الأشياء بناء على ذوقه الخاص. إنه من الممكن قبول القول بأن الصيغ العامية واللهجية وغير النموذجية كلها صيغ حية ومستعملة. ومن الممكن أيضا قبول القول بأن كثيرا من هذه الصيغ كان في الماضي داخلا ضمن اللغة النموذجية، ومنظورا إليه نظرة احترام وتقدير وإن التقليل من قيمة أي من هذه الصيغ، والنظر إليها على أنها أقل من الناحية الأدبية والجمالية ليعد شيئا فرديا، كما أنه يعد تفضيلا ذاتيا, ومع هذا فإنه يجب أن يظل واضحا أن بقاء مثل هذه الصيغ اللهجية غير النموذجية من الكلام يؤدي إلى تعطيل تيار التفاهم، الذي يعد قبل كل شيء الهدف الأساسي للغة. وإن الالتزام اللغوي لا يختلف عن أي نوع آخر من أنواع الالتزام الاجتماعي. فإذا كان مرغوبا أن تملك نظاما موحدا للمرور حتى لا يصاب السائقون في مناطق غير مناطقهم بالاضطراب، ولا يقعوا في حوادث تصادم فإن من المرغوب فيه على قدم المساواة في المناطق المتحدة سياسيا أن توجد بعض المقاييس التي تؤدي إلى الوحدة اللغوية، وتقلل من سوء التفاهم، ونقص وسائل الاتصال. وهؤلاء اللغويون الذين ينادون بمبدأ "دع لغتك وشأنها", واستعمل

стр. 207

أي صيغة لغوية تعجبك إنما يسيئون إلى اللغة, ويقضون على أهم أغراضها وهؤلاء يعترفون ضمنيا بخطئهم في هذا الرأي حين يبالغون في كتاباتهم في الحرص على أن يتجنبوا المحلية والعامية والابتذال، وحتى الأساليب الدارجة، ويتوخوا لغة صحيحة أنيقة قد تنحرف بهم نحو التكلف والتقعر.

стр. 208

القسم السابع: علم اللغة الجغرافي؛ "منهج البحث ". ٤٣- التعداد السكاني وإحصاءات القراءة والكتابة: من الموضوعات الأساسية لعالم اللغة الجغرافي بيان عدد المتكلمين بكل لغة من اللغات وتوزيعها الجغرافي، ولحد ما وصفها. ومن هنا فإن عالم اللغة الجغرافي يمكن أن يسير خطوة إلى الأمام فيربط اللغات بالعوامل الاقتصادية والسياسة وغيرها، ويكون تقديرات لمدى الأهمية الفعلية لكل لغة واستعمالاتها التي يمكن أن توضع فيها. ومعنى هذا أن الأداة الأساسية والهامة في يد عالم اللغة الجغرافي هي الإحصاءات السكانية واللغوية. وإن الإحصاءات السكانية للدول جميعها غالبا ما تكون في متناول الأيدي وإن كان بعضها لا يوثق به كثيرا. وإن الدول التي ضربت في الحضارة الحديثة بسهم وافر لفترة زمنية معقولة عادة ما تنشر تعدادات دورية دقيقة للسكان، وتعدلها من فترة إلى فترة على حسب ما يحدث من تغيرات. وعلى أي الحالات فإن هذه الإحصاءات السكانية المعروفة لنا تسمح لنا بأن نقدر التقدم أو التأخر الرقمي للغة معينة. ونحن -على سبيل المثال- نستطيع أن نحصي الأعداد السكانية لكل الأقطار التي تتحدث اللغة الإسبانية كلغة رسمية وطنية، وأن نقول إن هذه الأعداد تمثل -بوجه التقريب- عدد المتكلمين باللغة الإسبانية في جميع أنحاء العالم.

стр. 209

أما ما تعجز عن إيضاحه الإحصاءات السكانية فهو بيان الفروق اللغوية الدقيقة، وإعطاء أحكام تمس بعض القضايا الثانوية، مثل عامل التعدد اللغوي الذي كثيرا ما يلون صور الكلام الوطنية، ومثل اللغات المساعدة والثانوية والثالثية في البلد، ولغات الأقليات التي عادة ما تشير إلى ثنائية اللغة ولكن -أحيانا- تمثل عملية طرح أو إسقاط واجبة الإجراء من إحصاءات اللغة الوطنية. وإن مثل هذه المعلومات القيمة التي يهتم بها عالم اللغة الجغرافي قد تقدم له في صورة تقديرات تقريبية مع إحصاءات السكان. وهذا يسمح لنا بأن نعرف على سبيل المثال أنه يوجد في بريطانيا عدد معين من المتكلمين باللغة الويلزية، وأن نسبة معينة منهم ثنائية اللغة "يتكلمون اللغتين الإنجليزية والويلزية" ونسبة أخرى صغيرة تتحدث باللغة الويلزية فقط. وفي معظم البلاد لا تمثل هذه المعلومات أكثر من تقديرات أو تخمينات تعليمية. ويحتاج عالم اللغة الجغرافي إلى مزيد من الدقة إذا هو أراد أن تكون في متناول يده صورة لأحوال اللغات المستعملة في العالم. وإن الوسائل المحسنة التي تستعمل الآن في عمل التعدادات السكانية، بالإضافة إلى الدقة التي تلتزمها كثير من البلاد الآن في إحصاءاتها السكانية لتجعل عالم اللغة الجغرافي يطمع من القائمين على مسائل التعداد أن يضيفوا مباحث تتناول اللغات التي يتكلمها الأفراد ويفهمونها. ويأتي بعد ذلك في الأهمية بالنسبة للأرقام السكانية نفسها إحصاءات الأمية والتعلم. وهنا -مرة أخرى- فإن الإحصاءات المقدمة لنا إجمالية جدا بالإضافة إلى ما تتصف به من جزافية وتخمين. ولكن ربما يخفف من ذلك أن مثل هذه الأرقام من حسن الحظ دائمة التغير والتحول نحو الأفضل بطريقة تثير الانتباه غالبا. ومع هذا فإننا ما زلنا في حاجة إلى مزيد من الدقة. وإن نسبة معرفة القراءة والكتابة تعد مدخلا لكثير من الأشياء. إنها توضح كم من السكان الموجودين في دولة ما يمكن أن يوصل إليهم عن طريق اللغة

стр. 210

المكتوبة، وإلى أي مدى يمكن تعليم لغة ثانية أو ثالثة لجزء كبير من السكان. وهي أيضا مفتاح لمعرفة القوة الإنتاجية للأمة سواء من الناحية المادية أو العقلية وفي العالم الحديث اليوم من النادر -إن لم يكن من المستحيل- أن نجد شعبا تشيع فيه الأمية يحقق درجة من الإنتاجية، أو مستوى عاليا من الحياة. وإن الحملات التي توجهها الدول الآن لمحو الأمية يجب أن تقترن بما يمكن أن يسمى بالتقارير المنقحة التي تنشر دوريا، وتؤسس على إحصاءات دقيقة. وهناك دليل هام بين درجة التعليم القومي، والإنتاج الثقافي يتمثل فيما تخرجه المطبعة من صحف ومجلات وكتب وغيرها من المواد المطبوعة، وإن إحصاء لمثل هذه الوسائط اللغوية المكتوبة لكل قطر على حدة ربما يسمح بإضافات ملحوظة إلى فهمنا للصورة اللغوية الجغرافية. وما دام الراديو والتليفزيون والأفلام الناطقة تقوم بدور هام في الاتصال بعد أن شاع استعمالها لدرجة جعلتها تطغى على الوسائل اللغوية المكتوبة١, فإن المعلومات عن محطات الراديو والتليفزيون، وعن أجهزة الراديو والتليفزيون بالنسبة لتعداد السكان، ونسبة المترددين على الأفلام الناطقة, كل هذا يكمل الصورة لدى عالم اللغة الجغرافية. وإذا كانت أرقام إحصائية كهذه قد تساعد -بالإضافة إلى هذا- على الكشف عن تأخر المستوى اللغوي الذي تقدم فيه هذه النشاطات الموجودة في كل منطقة، فإن هذا -في ذاته- يعد فائدة وميزة أخرى.

стр. 211

٤٤- التقارير التعليمية: إن السؤال الذي يسأل دائما هو كم من الناس في بلد معين قد درسوا لغة ثانية لدرجة الإتقان؟ والإجابة تأتي دائما بشكل واحد في صورة تقدير جزافي أو تخمين عشوائي. ولهذا فإن من اهتمامات علم اللغة الجغرافي أن يعرف -بدرجة ما من الدقة على الأقل- ليس فقط اللغات الأجنبية التي تدرس في كل قطر من أقطار الأرض، ولكن أيضا النسب المئوية من السكان، ومدى الجدية في التعلم، ودرجة الاستمرار، ومقدار الإتقان. وهنا تجد الأرقام التي بين أيدينا مضللة. ولربما كان صحيحا أن نقول: إن نسبة ٢٠% من طلبة مدارسنا الثانوية وكلياتنا قد درسوا أو يدرسون لغة أجنبية، أو أن نتحدث عن خيبة الأمل حين نعرف عدد اللغات الأساسية التي تدرس عندنا، أو أن نحاول وضع أرقام وبيانات بناء على إحصاءات المدارس الدقيقة لعدد المترددين عليها من دارسي اللغات الأجنبية. ولكن هذا النوع من البيانات لا يكشف عن الفروق بين مستويات التعليم في البلاد المختلفة، ولا بين أوجه المفارقة بين بلادنا وهذه البلاد، التي تتسم برامج تعليم اللغات الأجنبية فيها بالطول والصعوبة. كذلك يعجز مثل هذا النوع من البيانات عن أن يأخذ في اعتباره الأرقام المتعلقة بالتعليم الخاص مثل مدارس Berlitz للغات، وتلك المعلقة بالدروس الخصوصية في المنزل، أو بالتعليم عن طريق التسجيلات، أو غير ذلك من الطرق. وهنا مرة ثانية يكون تضمين تعداد السكان بعض الأسئلة الخاصة بالقدرات اللغوية ذا فائدة عظيمة. وحتى إذا كانت الدقة المطلقة مستحيلة التحقيق فإنه يمكن على الأقل أخذ نماذج وافية للمجموع العام للسكان، وعينات تساعد على التنبؤ بالنتائج، وهو ما يعرف بطريقة Gallup poll. وربما كان مهما كذلك لعالم اللغة الجغرافي أن يعرف -إن وجد- الهدف أو الأهداف التي يرمي إليها أي برنامج لغوي

стр. 212

ونحن في هذا الباب مدينون لدرجة كبيرة في كثير من الإحصاءات والبيانات لجمعية اللغات الحديثة Modern language Association التي أمدتنا بإحصاءات شاملة، وبيانات تتصل بأعمالها الخاصة بالدعاية لتعلم اللغات الأجنبية. ولكن مصادر هذه الجمعية محدودة، ويجب أن تدعم بعمل حكومي رسمي من هذا النوع الذي يوجد دائما حينما نكون في حالة حرب، وتصبح أمثال هذه المعلومات ذات أهمية استراتيجية. إنه ميدان واحد للتخصص بالنسبة لعالم اللغة الجغرافي يمكن أن يكون واضحا أمامنا جيدا، وهو ميدان الإحصاءات المتعلقة باللغة، وجمع الحقائق اللغوية، وتصنيفها، وتهذيبها، من الناحية الجغرافية، مع استخدام المناهج الإحصائية الدقيقة.

стр. 213

٤٥- دراسات للمناطق ولغاتها: لقد تم حتى الآن القيام بقدر لا بأس به من الدراسات التي تشمل المناطق ولغاتها، وإن كان معظم هذه الدراسات قد تعرض للمناطق اللغوية كل على حدة، دون أن يتناول العالم بأسره. وعلى هذا فدراسة المنطقة اللغوية ليست أفضل مثال لعلم اللغة الجغرافي الوليد. إذ في هذه الدراسة تختار منطقة معينة من الكرة الأرضية، وتدرس تفصيلا، مع ربط لغات هذه المنطقة بالعوامل الأخرى التي تؤثر فيها مثل الجغرافيا والتاريخ والسياسة والإنتاج والاقتصاد والنشاط الثقافي، وحتى الفن والموسيقا والأدب وما ينبثق عن هذا يشكل

стр. 214

وعيا عاما لغويا جغرافيا يتعلق بمنطقة معينة. ولكنه ما يزال في حاجة إلى نوع من التوازن، واهتمام ببيان الحصة التي يملكها كل مكان على حدة. ومع ذلك فهذه الدراسة أفضل بكثير -حتى الآن- من دراسة لغة ما أو القيام بأي دراسة لغوية في فراغ. وبينما تكون -غالبا- مناهج الدراسة الشاملة للغات موضع اهتمام كبير للقوات العسكرية فإن دراسات المناطق ولغاتها تترك غالبا للمعاهد الخاصة. ويعتقد -وهو اعتقاد سليم إلى حد كبير- أن اهتمام الحكومات بدراسة المكان ولغته ويزداد في البلاد التي يهمها أن تحدث تغييرات سياسية في أماكن من العالم. وهذا يجب أن يحركنا لنضاعف جهودنا مرة أخرى بقصد حماية أنفسنا من الآخرين، إن لم يكن لغرض آخر. وعلى كل حال فدراسة المكان واللغة لا ينبغي أن تأخذ صورة تفصيلية بالنسبة لرجل الحرب أو السياسة، ولكن يجب أن تتجه نحو المصالح التجارية والاقتصادية، ونحو الروابط الثقافية.

стр. 215

القسم الثامن: تاريح موجز لعلم اللغة العصور القديمة والوسطى ... القسم الثامن: تاريخ موجز لعلم اللغة العصور القديمة والوسطى: لقد كان القدماء -حتى في عصور التوراة- على وعي باللغة ومشكلاتها، كما هو ثابت من الفصل الخاص ببرج بابل الوارد في سفر التكوين، وهناك نجد الكاتب المجهول يعكس أمنيته على الماضي حين تخيل أن البشرية كانت في وقت من أوقات سعادتها القديمة تتفاهم بلغة واحدة وكلام واحد. ولكن الإنسان نتيجة لكبريائه الحمقاء، وتحديه للإله فقد هذه القدرة الذهبية التي كانت تمكنه من الفهم الكامل، والمشاركة مع غيره في العمل. وهذا ما توقف واختفى داخل حالة وصفت بأنها مؤسفة، وهي تعدد اللغات، ويعد ذا أهمية خاصة للغوي هذا الاعتراف بالدور الهام الذي تلعبه اللغة، والتفاهم اللغوي في العلاقات الاجتماعية. ومن الأمثلة القديمة للاهتمامات اللغوية البدائية استخدام المترجمين في بلاط الفراعنة, والنقوش القديمة المكتوبة بلغتين أو ثلاث المحفورة على الحجارة في المناطق التي كانت تستخدم أكثر من لغة، وحتى كذلك معجم الأنواع المزدوج اللغة الموضوع باللغتين السومارية والأكادية. وأما الاهتمام المقصود باللغة ومشاكلها فيبدأ مع فلاسفة اليونان القدماء والنحاة السنسكريتيين, وفي حين ناقش الأولون أصل اللغة وطبيعتها حاول الآخرون أن يقننوا لغتهم، ويضعوا لها القواعد الخاصة بها. وإن المنهج الذي
следующие страницы →