٤٤- التقارير التعليمية:
إن السؤال الذي يسأل دائما هو كم من الناس في بلد معين قد درسوا لغة ثانية لدرجة الإتقان؟ والإجابة تأتي دائما بشكل واحد في صورة تقدير جزافي أو تخمين عشوائي. ولهذا فإن من اهتمامات علم اللغة الجغرافي أن يعرف -بدرجة ما من الدقة على الأقل- ليس فقط اللغات الأجنبية التي تدرس في كل قطر من أقطار الأرض، ولكن أيضا النسب المئوية من السكان، ومدى الجدية في التعلم، ودرجة الاستمرار، ومقدار الإتقان.
وهنا تجد الأرقام التي بين أيدينا مضللة. ولربما كان صحيحا أن نقول: إن نسبة ٢٠% من طلبة مدارسنا الثانوية وكلياتنا قد درسوا أو يدرسون لغة أجنبية، أو أن نتحدث عن خيبة الأمل حين نعرف عدد اللغات الأساسية التي تدرس عندنا، أو أن نحاول وضع أرقام وبيانات بناء على إحصاءات المدارس الدقيقة لعدد المترددين عليها من دارسي اللغات الأجنبية. ولكن هذا النوع من البيانات لا يكشف عن الفروق بين مستويات التعليم في البلاد المختلفة، ولا بين أوجه المفارقة بين بلادنا وهذه البلاد، التي تتسم برامج تعليم اللغات الأجنبية فيها بالطول والصعوبة. كذلك يعجز مثل هذا النوع من البيانات عن أن يأخذ في اعتباره الأرقام المتعلقة بالتعليم الخاص مثل مدارس Berlitz للغات، وتلك المعلقة بالدروس الخصوصية في المنزل، أو بالتعليم عن طريق التسجيلات، أو غير ذلك من الطرق. وهنا مرة ثانية يكون تضمين تعداد السكان بعض الأسئلة الخاصة بالقدرات اللغوية ذا فائدة عظيمة. وحتى إذا كانت الدقة المطلقة مستحيلة التحقيق فإنه يمكن على الأقل أخذ نماذج وافية للمجموع العام للسكان، وعينات تساعد على التنبؤ بالنتائج، وهو ما يعرف بطريقة Gallup poll. وربما كان مهما كذلك لعالم اللغة الجغرافي أن يعرف -إن وجد- الهدف أو الأهداف التي يرمي إليها أي برنامج لغوي
стр. 212
ونحن في هذا الباب مدينون لدرجة كبيرة في كثير من الإحصاءات والبيانات لجمعية اللغات الحديثة Modern language Association التي أمدتنا بإحصاءات شاملة، وبيانات تتصل بأعمالها الخاصة بالدعاية لتعلم اللغات الأجنبية. ولكن مصادر هذه الجمعية محدودة، ويجب أن تدعم بعمل حكومي رسمي من هذا النوع الذي يوجد دائما حينما نكون في حالة حرب، وتصبح أمثال هذه المعلومات ذات أهمية استراتيجية.
إنه ميدان واحد للتخصص بالنسبة لعالم اللغة الجغرافي يمكن أن يكون واضحا أمامنا جيدا، وهو ميدان الإحصاءات المتعلقة باللغة، وجمع الحقائق اللغوية، وتصنيفها، وتهذيبها، من الناحية الجغرافية، مع استخدام المناهج الإحصائية الدقيقة.
стр. 213
٤٥- دراسات للمناطق ولغاتها:
لقد تم حتى الآن القيام بقدر لا بأس به من الدراسات التي تشمل المناطق ولغاتها، وإن كان معظم هذه الدراسات قد تعرض للمناطق اللغوية كل على حدة، دون أن يتناول العالم بأسره. وعلى هذا فدراسة المنطقة اللغوية ليست أفضل مثال لعلم اللغة الجغرافي الوليد. إذ في هذه الدراسة تختار منطقة معينة من الكرة الأرضية، وتدرس تفصيلا، مع ربط لغات هذه المنطقة بالعوامل الأخرى التي تؤثر فيها مثل الجغرافيا والتاريخ والسياسة والإنتاج والاقتصاد والنشاط الثقافي، وحتى الفن والموسيقا والأدب وما ينبثق عن هذا يشكل
стр. 214
وعيا عاما لغويا جغرافيا يتعلق بمنطقة معينة. ولكنه ما يزال في حاجة إلى نوع من التوازن، واهتمام ببيان الحصة التي يملكها كل مكان على حدة. ومع ذلك فهذه الدراسة أفضل بكثير -حتى الآن- من دراسة لغة ما أو القيام بأي دراسة لغوية في فراغ.
وبينما تكون -غالبا- مناهج الدراسة الشاملة للغات موضع اهتمام كبير للقوات العسكرية فإن دراسات المناطق ولغاتها تترك غالبا للمعاهد الخاصة.
ويعتقد -وهو اعتقاد سليم إلى حد كبير- أن اهتمام الحكومات بدراسة المكان ولغته ويزداد في البلاد التي يهمها أن تحدث تغييرات سياسية في أماكن من العالم. وهذا يجب أن يحركنا لنضاعف جهودنا مرة أخرى بقصد حماية أنفسنا من الآخرين، إن لم يكن لغرض آخر. وعلى كل حال فدراسة المكان واللغة لا ينبغي أن تأخذ صورة تفصيلية بالنسبة لرجل الحرب أو السياسة، ولكن يجب أن تتجه نحو المصالح التجارية والاقتصادية، ونحو الروابط الثقافية.
стр. 215
القسم الثامن: تاريح موجز لعلم اللغة
العصور القديمة والوسطى
...
القسم الثامن: تاريخ موجز لعلم اللغة
العصور القديمة والوسطى:
لقد كان القدماء -حتى في عصور التوراة- على وعي باللغة ومشكلاتها، كما هو ثابت من الفصل الخاص ببرج بابل الوارد في سفر التكوين، وهناك نجد الكاتب المجهول يعكس أمنيته على الماضي حين تخيل أن البشرية كانت في وقت من أوقات سعادتها القديمة تتفاهم بلغة واحدة وكلام واحد.
ولكن الإنسان نتيجة لكبريائه الحمقاء، وتحديه للإله فقد هذه القدرة الذهبية التي كانت تمكنه من الفهم الكامل، والمشاركة مع غيره في العمل.
وهذا ما توقف واختفى داخل حالة وصفت بأنها مؤسفة، وهي تعدد اللغات، ويعد ذا أهمية خاصة للغوي هذا الاعتراف بالدور الهام الذي تلعبه اللغة، والتفاهم اللغوي في العلاقات الاجتماعية.
ومن الأمثلة القديمة للاهتمامات اللغوية البدائية استخدام المترجمين في بلاط الفراعنة, والنقوش القديمة المكتوبة بلغتين أو ثلاث المحفورة على الحجارة في المناطق التي كانت تستخدم أكثر من لغة، وحتى كذلك معجم الأنواع المزدوج اللغة الموضوع باللغتين السومارية والأكادية.
وأما الاهتمام المقصود باللغة ومشاكلها فيبدأ مع فلاسفة اليونان القدماء والنحاة السنسكريتيين, وفي حين ناقش الأولون أصل اللغة وطبيعتها حاول الآخرون أن يقننوا لغتهم، ويضعوا لها القواعد الخاصة بها. وإن المنهج الذي
стр. 216
وضعه Paninl للنحو السنسكريتي "٣٠٠ ق م، ولكنه يحوي إشارات إلى أعمال سابقة" ليعد غاية في الدقة والإيجاز، ولكننا لا ندري ما إذا كان هذا العمل في مجموعه يعد وصفيا descriptive، أو معياريا Prescriptive.
وتعد المناقشات التي أثارها الفلاسفة الإغريق ذات أهمية خاصة، لأنها مهدت الطريق لمناقشات أخرى تالية, هل اللغة شيء فوق الطبيعة تلقاها الإنسان من ربه؟ هل هناك علاقة فطرية بين الدال والمدلول؟ هل اللغة تتوقف على العرف والاتفاق بين المتكلمين على أنهم سوف يستعملون رمزا لغويا معينا في مقابل قيمة دلالية معينة شائعة ومتماثلة -قليلا أو كثيرا- بين أطراف التفاهم؟ من وجهة نظر القرن العشرين، واستنادا إلى ما ساقه دي سوسير من تفسيرات واضحة لا نتردد الآن في أن نعطي رأينا، ولكن في عهد أفلاطون وكراتيلس كان ما يزال هناك قدر من الشك والنقاش.
والذي يبدو أن النحاة اليونانيين قد شقوا في النهاية طريقهم مستقلين عن الهنود، وتوصلوا إلى وضع نظام نحوي يناسب لغتهم وغيرها من اللغات الشبيهة بها في التركيب، اللغات التي لها أنواع نحوية متميزة تعبر عن الجنس والعدد والحالة والشخص والزمن والصيغة الفعلية، وتعد تراكيبها جزءا لا يتجزأ منها، ويمكن التعرف عليها بملاحظة الصيغ، أو بملاحظة المعاني والوظائف، اللغات التي تقع كلماتها في مواقع متميزة بحيث يمكن ببساطة أن توصف بأنها اسم أو صفة أو فعل ... إلخ، وليس عن طريق الإشارة إلى سلوك الكلمات في الجملة فقط، ولكن أيضا عن طريق الإشارة إلى طرق تركيبها، وطرق تشكيل نهاياتها، وتغييراتها الداخلية التي يختص كل منها بنوع معين من أنواع الكلام.
وقد كان هذا هو بداية النحو العالمي الذي استمر مسيطرا على الحقل اللغوي حتى القرن الثامن عشر وما بعده.
وهناك عدة أشياء يجب لفت النظر إليها خاصة بالقواعد النحوية التي وضعها الإغريق. منها أن الوصف الدقيق الذي انتبهوا إليه لم يتم بين يوم وليلة، وإنما
стр. 217
استغرق قرونا حتى تم وضعه. وقد بني على بعض فروض وهمية، ومقدمات خاطئة عند التصنيف, وربما كان هذا التصريح مثيرا للعجب، لأن قيمة النحو اليوناني بالنسبة للغويين المحدثين تعد شيئا لا يحتاج إلى بينة. ولعل السبب الوحيد الذي أدى إلى تخلف النحو الإغريقي وعدم إحكام قواعده أن النحاة الإغريق كانوا مرتبطين بأسس ومبادئ منطقية وفلسفية كثيرا ما اعترضت طريقهم نحو الملاحظة العلمية، وقادتهم إلى استعمال المنهج الاستدلالي الاستقرائي.
وبمجرد أن وضعت التركيبات والأنواع النحوية قدر لها أن تشيع وتبقى وتستمر. لقد توارثها الخلف عن السلف، وأصبحت تطبق ليس فقط على المجموعة الرومانسية، ولكن أيضا على لغات من مجموعات أخرى مثل العبرية والعربية. ومن حسن الحظ أن اللغات السامية لا تختلف كثيرا جدا في تركيبها عن اللغات الهندية. وبذا أمكن لهذا النقل أن يتم بشيء من السهولة واليسر.
وكثيرا ما أخذ على الآراء النحوية القديمة أنها كانت معيارية أكثر منها وصفية، بمعنى أن النحاة الأقدمين تناولوا التركيب اللغوي كما ينبغي أن يكون لا كما هو كائن بالفعل. وقد نسي هؤلاء الناقدون أن القواعد النحوية -مثل نظم الكتابة- كانت في البداية انعكاسات دقيقة لحالة موجودة بالفعل، ولكن أوضاع اللغة تتغير دون أن تجاريها القواعد النحوية والنظم الكتابية مما يؤدي في النهاية إلى تحكيم بقايا من مرحلة قديمة منتهية من مراحل اللغة. وهناك دلائل كثيرة -وبخاصة من اللغة اللاتينية- على أن تغير اللغة قد صاحبه جمود في القواعد النحوية, وهناك أيضا دلائل كثيرة على أن أكثر الناس تعليما وثقافة كانوا على وعي تام بالتغييرات اللغوية التي حدثت١ أو التي تحدث للغتهم،
стр. 218
ومع هذا كان هناك اتجاه نحو اعتبار النماذج القديمة بمثابة المثل اللغوية، والنظر إلى النماذج الحديثة التي طرأت على أساليب الكلام على أنها انحراف وابتذال يجب مقاومته والتقريع عليه.
وفي نفس الوقت ربما كان صحيحا القول بأنا نبالغ في فهم المغزى والمناسبة التي توجه منها مثل هذه اللائمات، فهي قد قيلت لتطبق فقط على اللغة المكتوبة وعلى الأداء الأدبي البلاغي، لا على الكلام اليومي العادي.
وقد أدى سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية إلى تفسخ للمستويات المعيارية مصحوبة بتغيرات واسعة في اللغة المتكلمة. وقد اعترف بهذه التغييرات أخيرا حينما أخذت اللغات الرومانسية الجديدة أشكالا مكتوبة في وقت ازداد فيه الإحساس اللغوي. وبينما كان هناك فيما سبق خط فاصل بين اللاتينية "الصواب" والأخرى "الخطأ" أصبحت اللاتينية نفسها الآن -بعد أن صارت لغة شبه متكلفة وإن كانت ما تزال لغة حية يستعملها الدارسون ورجال الدين- توازن باللغات المحلية، واللهجات المستعملة بين الفلاحين وطرق التعبير الرومانية، أو المبتذلة التي انبثقت عن الطبقات الوسطى. ولكن خطوات الاعتراف بهذه الألسنة الجديدة ومساواتها بغيرها كانت بطيئة. ولم يتم حتى حوالي عام ١٠٠٠م ظهور نحو لغوي مزدوج للغتين اللاتينية والأنجلوسكسونية. وقد كان تقعيد القواعد التي ترتبط باللغات الرومانسية أبطأ من هذا لدرجة أن دانتي كان ما يزال يصف لغته عام ١٣٠٥ بأنها لاتينية من غير قواعد نحوية.
وخلال كل هذه الفترات التي ندرسها، وذلك من فجر التاريخ حتى فجر النهضة كانت اللغات في استعمال كتابي وكلامي ثابت. ومع هذا يمكن أن ندعي وجود إدراك للتغيرات اللغوية حينذاك، وإن كنا لا نملك دليلا مباشرا لهذا الإدراك، فقد كانت الإشارات المباشرة لاختلافات كهذه، وللصعوبات المتولدة عنها -من جانب آخر- إلى حد ما طفيفة، وفي أعمال تقابل أعمالنا الأدبية الحديثة "مثل الإلياذة والأوديسة على سبيل المثال" كانت
стр. 219
الشخصيات ذوات الثقافات اللغوية المختلفة تتحادث بحرية، وبغير ما حاجة ظاهرة إلى تدخل مترجم. وهذا التقليل من العامل اللغوي -الذي يتضمن لا مبالاة أخطر حتى من الجهل- وجد في صورة مماثلة في العصر الحديث, وذلك في الأفلام المبكرة لهوليود, ولم يأت التصويب والنظرة الواقعية إلا في فترة متأخرة، نتيجة لنضج التفكير.
وإن الوعي اللغوي -بمعناه الاصطلاحي الحديث- المؤسس على الملاحظة والتحليل والتركيب والتعميم لمما يفتقده المرء في مثل تلك الدراسات. وكثير من النتائج الأساسية الصحيحة التي توصل إليها النحاة الأقدمون كانت من آثار الصدفة أكثر منها من آثار المنهج, وبين عامي ٤٠٠ و١٠٠٠م كان هناك قدر قليل دال على وعي لغوي، ربما اعترف به اللغوي الحديث كشيء جدير بالتقدير بالإضافة إلى ما تم من ترجمات للكتاب المقدس، وأدعية الحجاج, وإن كان كلاهما يغلب عليه الطابع المنفعي.
وفوق كل هذا فإن هناك قليلا من الشواهد في عصر ما قبل النهضة تدل على الاهتداء إلى تصنيف اللغات، واكتشاف قراباتها والعلائق بينها, وقد كان اليونانيون -الذين كانوا على وعي فقط بلغتهم- يجمعون كل المتكلمين باللغات الأخرى، ويحكمون عليهم بصفات محتقرة كالعجمة أو البربرية أو التخليط. ولم يترك الرومانيون -الذين كانوا يظهرون احتراما للغة أجنبية واحدة فقط وهي اليونانية- لم يتركوا لنا إشارات ذات قيمة تتعلق بلغات مثل الـGoulish, والـIberian, والـEtruscan, والـPunic. وقد وقع Varro النحوي الروماني الوحيد الذي خاطر فتحدث بطريق التخمين عن وجود علاقة بين اليونانية واللاتينية، وقع في نتائج خاطئة.
الصورة إذن من الجانب اللغوي التاريخي ليست مشجعة تماما. أما بالنسبة لعلماء اللغة الوصفيين فقد كان وصفهم أفضل قليلا بالنظر إلى دراساتهم الوصفية.
للغات السنسكريتية واليونانية واللاتينية التي كانت دقيقة إلى حد كبير، ولو أنها كانت تعالج لغات كانت قد وصلت حينئذ إلى درجة من العقم والجمود.
стр. 220
من النهضة العلمية حتى عام ١٨٠٠:
نقطة البدء في نظرنا هي وصف دانتي للغة الإيطالية المثالية في كتاب أصدره عام ١٣٠٥ بعنوان De Vulgari Eloquentia، وقد قرن بدراسة صائبة عن توالد اللغات، وعن أصل اللغات الإيطالية والفرنسية والبروفنسالية، والعلاقة بينها، وبتصنيف دقيق في جملته للهجات الإيطالية. ثم أخذت النهضة تشق طريقها، ولكن ببطء وبطريقة غائمة نحو الآراء اللغوية الحديثة.
وقد كان الإسهام الأساسي الذي قدمته العصور الوسطى لعلم اللغة هو محاولة تقديم نحو عالمي صالح للتطبيق -مع إدخال تعديلات مناسبة- على كل اللغات, وقد كان هذا -من أحد الوجوه- إحياء لفكرة قديمة سيطرت على عقول الأوائل، وهي اعتبار لغاتهم فقط هي اللغات الوحيدة التي تستحق الدراسة والتوسع لتصبح لغات عالمية. والتغير الذي قدمه علم اللغة الوسيط هو أنه اعترف بلغات أخرى بالإضافة إلى اللاتينية واليونانية، حتى ولو كانت تلك اللغات تحتل مكانة ثانوية, وظل هذا التصور للنحو العالمي يحتل عالم اللغة فترة طويلة بعد اكتشاف لغات أخرى تختلف جذريا في التركيب عن اللغات الكلاسيكية، وإن كان اكتشاف هذه اللغات قد بدأ يلقي ظلالا من الشك على قيمته. ولربما كنا على صواب إذا قلنا: إن النحو العالمي ما يزال بروحه -إلى حد ما- يسيطر على عقلية اللغويين المعاصرين، لأن من بين الأهداف التي يهتم بالوصول إليها علم اللغة الوصفي -كما صرح بذلك دي سوسير نفسه- تحقيق مبادئ قابلة للتطبيق عالميا على كل اللغات "ولاحظ كذلك محاولة Whorf لعمل نحو جديد عالمي مبني على أساس علمي بحت". والفروق الأساسية بين النظرة الوسيطة والنظرة الحديثة تكمن في العناية بالعناصر اللغوية المختلفة،
стр. 221
والاهتمام بنوع معين من اللغات دون الأنواع الأخرى, ولكن علماء اللغة الوسيطين يمكن أن يلتمس لهم العذر فيما وقعوا فيه من أخطاء منهجية، على ضوء ما نعرفه عنهم من جهل بجميع اللغات التي لا تتصل بالمجموعة الهندية الأوربية، أو بمجموعة شبيهة من الناحية التركيبية، مثل المجموعة السامية التي تتضمن ضمن ما تتضمن اللغتين العربية والعبرية، وهما لغتان كانتا معروفتين إلى حد معقول لدى علماء أوروبا في العصر الوسيط.
ولكن باتساع المجال الأوربي أولا نتيجة للحروب الصليبية، وثانيا بسبب الرحلات والاكتشافات والريادات الجغرافية، أخذت النافذة تتسع لتطل على لغات أخرى جديدة غريبة، شرقية قصية، وإفريقية، وهندية أمريكية، وهي لغات لا يصلح لها تطبيق المعايير النحوية القديمة الشائعة إلا بالإكراه، كما يكره وتد مربع ليدخل في ثقب مستدير.
وإنه لمن الصعب أن نحدد بالدقة متى بدأ الشعور- خلال عصر النهضة- يتسرب إلى عقول العلماء بأن هذه اللغات المكتشفة حديثا لا تتفق قواعدها وأسسها مع نظرية النحو العالمي، على الأقل بالطريقة التي وصلتنا. وعلى كل حال فقد بدأت محاولات كثيرة لوضع نحو وصفي لبعض اللغات الحديثة والقديمة على السواء, وبدأت تظهر مناقشات وخلافات كان يشوهها في الغالب جهل العلماء بالحقائق المتعلقة بتصنيف اللغات وقراباتها اللغوية, وبدأت كذلك مناقشات تتعلق بمستوى الصواب اللغوي، وبمشكلة انقسام اللغة إلى لهجات، ومشكلة اللهجات الطبقية.
وإنه لمن الأهمية بمكان أن نقول: إن البحث والدرس وإن ظلا يعانيان من اضطراب المنهج وخطأ المقدمات فقد حققا في هذه الفترة تقدما ملموسا سار في عدة اتجاهات, لقد كان عقل عصر النهضة عقلا فاحصا, لقد أراد أن يعيش التجربة ويقيم الدليل، ويعرف كل شيء، ويبعد -بقدر الإمكان- عن عقلية العصر الوسيط التي كانت تتسم بالغيبية المطلقة، وتخلع صفة الأزلية
стр. 222
على الأشياء المؤثرة في الحياة، وترى أن ما يقع في هذا العالم إنما يقع بمحض الصدفة.
وقد حمل هذا الاتجاه -الذي امتد حتى نهاية القرن الثامن عشر- ثمارا كثيرة، وإن لم تكن جميعها ذات قيمة كبيرة، وبمجيء عام ١٨٠٠ كانت كثير من الأسس اللغوية قد وضعت، وإن ظل هناك عيب واضح في البحث، وهو عدم التزامه منهجا سليما مستقرا يعطي ضمانات علمية دقيقة, وقد تم عمليا وصف كل اللغات المعروفة تقريبا بطريقة أو بأخرى. وإن أكره بعضها ليخضع للقالب الهندي الأوربي, وتم تقدم كبير في موضوع تصنيف اللغات، وإن وجدت بعض الآراء الخاطئة التي كانت تحتاج إلى تقويم، وبعض الاتجاهات غير العلمية التي أقيمت على التخمين والافتراض، أو على الجهد الفردي الذي يطرق بدون خبرة مجال اللغة, وقد جمعت في تلك الفترة شواهد كتابية كثيرة يمكن، أن تخدم الدراسة التاريخية اللغوية، وتساعد في رصد أطوار اللغات، وبعض النظريات الحديثة، مثل الصواب والخطأ في اللغة، ومثل الانقسامات اللهجية، ومثل المستوى الأدبي للغة قد طرحت على بساط البحث والمناقشة, وفوق كل هذا فقد ارتفع الوعي اللغوي، ووجدت اهتمامات لغوية كثيرة, وكل ما بقي في حاجة إلى معالجة هو اختفاء المنهج العلمي المستقر.
стр. 223
القرن التاسع عشر:
حتى من قبل نهاية القرن الثامن عشر كان السير وليم جونز William Jones قد قدم لعالم الدراسات اللغوية آراءه عن العلاقة القوية بين السنسكريتية والفارسية القديمة، وبين اللاتينية واليونانية والجرمانية والكلتية, وقد كانت هذه الدراسة بمثابة الدليل أو الريادة للمنهج المقارن الذي أخذ يحتل عالم الدراسات اللغوية طوال المائة العام التالية أو أكثر.
ولم يكن جونز نفسه هو الذي وضع منهج البحث، وإن كان هو الذي اقترحه, ولكن تبعه مباشرة علماء مثل شليجل Schlegel، ورسك Rask, وبوب Bopp، وجريم Grimm، وفرنر Verner. وقد كان المنهج -في أساسه- بسيطا. احصل على أقدم الأشكال الثابتة، وعلى أقدم الكلمات لكل فرع من فروع اللغات الهندية الأوربية، ثم ضعها بعضها بجانب بعض، وصف ما بينها من مشابهات واختلافات ثم حاول أن تركب -عن طريق استخلاص الأشياء المشتركة الغالبة- الصيغة المحتملة للغة الأم. ولم يكن بالطبع يقدر لهذا المنهج أن يقبل، إلا بعد إثبات العلاقة بين اللاتينية واليونانية، والسنسكريتية والسلافية القديمة، والكلتية القديمة ... إلخ، وانتمائها جميعا لعائلة واحدة وتفرعها من أصل واحد، أو لغة مشتركة. ولا بد لنا أن نعترف بفضل الريادة، وتقديم الأسس الدقيقة المقبولة لهذه النظرية للسير وليم جونز، على الرغم من اعترافنا بأن معظم الشواهد والتطبيقات قد تمت على يد كتاب متأخرين, وقد امتدت آفاق علم اللغة المقارن فيما بعد لتشمل فروعا مستقلة للغات الهندية الأوربية "على سبيل المثال اللغات الرومانسية المتفرعة عن أصل لاتيني مشترك"، وحتى لتشمل مجموعات من اللغات لا تبدو لها صلة بالمجموعة الهندية الأوربية، وإن كانت تبدو مرتبطة بعضها مع بعض، مثل الأكادية، والعبرية، والعربية، والآرامية، وغيرها من المجموعة السامية.
وكان نتاج هذه الدراسة علم اللغة المقارن، أو كما كان يسمى في ذلك الوقت الفلولوجي المقارن "أطلق عليه هذا الوصف لأن أقدم النماذج والكلمات والصيغ والتركيبات الثابتة قد انحدرت كلها من وثائق لغوية مكتوبة".
وفي خلال هذا القرن لم يظهر إلا قليل جدا مما عرف فيما بعد باسم علم اللغة الوصفي، فقد كان هناك من يزعم في ذلك الوقت -بطريقة ضمنية- أن الاهتمامات التاريخية لها الشأن الأعظم. وقد مهدت الدراسات اللغوية المقارنة السبيل إلى استبعاد البقية الباقية من الاعتقاد التقليدي الذي كان سائدا، وهو الذي يزعم أن كل اللغات قد انحدرت من أصل لغوي مشترك, وعلى
стр. 224
هذا فإن فكرة وضع أسس تقبل التطبيق على كل اللغات قد فشلت في أن تفرض نفسها, وحتى هذه الفترة لم يكن قد قدر لعلم اللغة الجغرافي أن يعرف, وحتى نهاية هذا القرن، وربما بعد ذلك أيضا، كان هناك اعتقاد سائد بأن اللغات التي تستحق الدراسة من أجل ما تحققه من فائدة عملية، هي تلك اللغات العظمى التي حملت الحضارة الأوربية، والتي صارت كذلك لغات استعمارية عظمى، ولم يكن محض صدفة أن اللغات الصناعية التي حوول تركيبها خلال هذه الفترة بما فيها الإسبرانتو لم تعط تمثيلا متساويا للغات ذات القيمة العالمية، فقد حضرت نفسها في اللغات ذات الأصل الجرماني، أو اللاتيني أو الروماني أو اليوناني، مع إشارات سريعة إلى اللغات السلافية١.
وقد عكر من صفو الوحدة المتآلفة للفكر اللغوي في القرن التاسع عشر الخلاف الحاد الذي ثار بين مؤيدي نظرية الاطراد الملتزم للتغييرات الصوتية "النحويون المحدثون Neo grammarians"، ومؤيدي النظرية القائلة بأن التغير اللغوي شيء يرجع إلى الهوى الشخصي في العادة "اللغويون المحدثون Neo linguists". وقد تبلور هذا الخلاف عن حل وسط يقول: إنه يوجد اطراد في التغير الصوتي، بشرط ألا تتدخل عوامل أخرى مثل القياس والافتراض اللهجي أو الثقافي في طريق ما يسمى بالقوانين الصوتية Sound laws. وعلى الرغم من الصورة الكريهة التي ظهر فيها هذا الجدل، فقد كان النتاج ذا قيمة كبيرة، حيث تركز الاهتمام على الصيغ اللهجية، وعلى أنواع من الكلام لم يكن ينظر إليها حتى تلك اللحظة إلا على أنها لغات تافهة لا تستحق الدراسة, وحيث إن اللهجات لم تكن -من جميع جوانبها- مسجلة في خلال تطورها التاريخي، فقد أدى هذا إلى توجيه الاهتمام إلى اللغات الحية
стр. 225
ولهجاتها المتشعبة. ونتج عن هذا اهتمام بدراسة الجوانب المختلفة لهذه اللغات الحديثة عن طريق الملاحظة المباشرة، مما أدى إلى وجود فرع هام من فروع علم اللغة، وهو علم اللغة الوصفي الذي يعطي اهتماما كبيرا للغات المتكلمة، ويقلل من الاهتمام بالشواهد المكتوبة. كما أن الأسس اللغوية القابلة للتطبيق على حركة اللغات قد بدأت تتطور.
وحتى الآن -وعلى الرغم من ظهور أول أطلس لغوي في العشر السنوات الأولى للقرن العشرين- فإن الأسس الدقيقة لعلم اللغة الوصفي باعتباره فرعا مستقلا من فروع علم اللغة كان يجب أن تنتظر حتى يظهر كتاب دي سوسير الذي نشر عام ١٩١٦ بعد موته تحت عنوان Course in General Linguistics قد رسم هذا الكتاب بوضوح ودقة الحدود الفاصلة بين فرعي علم اللغة.
стр. 226
القرن العشرون:
إن القرون -كبدايات أو نهايات زمنية- لا تتطابق دائما مع نقط التحول في التاريخ, ومن الناحية العملية، وفي كل الاتجاهات سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، فإن القرن التاسع عشر يمتد إلى ما بعد عام ١٩٠٠ حتى نشوب الحرب العالمية الأولى التي غيرت وجه التاريخ، ولم يصبح العالم بعدها كما كان قبلها, وقد استمر علم اللغة التاريخي بالطبع بعد نشر كتاب دي سوسير وما يزال مستمرا حتى الآن، ولكن تلاه في الوجود، وتبعه في كل خطوة يخطوها شريكه الناشئ ذو السمعة المدوية، وهو علم اللغة الوصفي، ومنذ تلك اللحظة أخذ ميزان القوى يختل متحولا من البحث المقارن في تاريخ -وكذلك ما قبل تاريخ- اللغات الهندية الأوربية أولا, ومن أجل هذا كانت بغض النظر عن كونها منتمية إلى المجموعة الهندية الأوربية أولا، ومن أجل هذا كانت بعض اللغات المدروسة مجهولة، وإن كانت تصور سلسلة العمليات المتعاقبة الموجودة في كل اللغات.
стр. 227
وفي أمريكا بوجه خاص اتجهت الدراسات الوصفية نحو اللغات المجهولة من المجموعة الهندية الأمريكية، مع اهتمام كبير بالنزول إلى حقل التجربة مساو لاهتمام الباحثين الأوربيين في مجال اللهجات، وتطوير منهج عملي لدراسة اللغات غير المكتوبة التي لا تعرف ظروفها التاريخية, ورواد هذا الحقل علماء مثل بوس Boas, وسابير Sapir، وبلومفيلد Bloomfield, وقد استمر عملهم حتى اليوم بجهود تلاميذهم، وإخلاص مريديهم, أما امتداد هذا الفرع الوصفي على أيدي الأوربيين فقد أخذ شكلا نظريا، وإلى حد ما فلسفيا على يد Jespersen الذي حاول أن يضع الأسس التي تحكم تقدم اللغة، كأن تتطور من مرحلة التركيب إلى مرحلة التحليل, وفي تشيكوسلوفاكيا طورت مدرسة براغ اللغوية منهجها التركيبي شبه المتناسق الأجزاء, وفي كوبنهاجن عملت مدرستها اللغوية على محاولة التعبير عن اللغة والتطور اللغوي بسلسلة من المعادلات شبه الرياضية, وقد ركزت المدرسة السوفيتية برياسة N.y. Marr على اللغة باعتبارها مرتبطة بالطبقة الاجتماعية، ومظهرا من مظاهرها.
وإن علم اللغة التاريخي -على الرغم من انتزاعه من فوق عرشه الذي كان يحتله خلال القرن التاسع عشر- لم يمت أو يتوقف خلال القرن العشرين, وقد بذلت محاولات كثيرة في الأعوام الأخيرة في أوربا وأمريكا كليهما, وقد تناول البحث مجموعات لغوية مختلفة، وظهر في أوربا علماء مهتمون بالدراسات الهندية الأوربية مثل Meillet, و Hrozny و Kurilowicz، و Pokorny، و Benveniste، وآخرون مهتمون بالدراسات الرومانية مثل Rohifs، و Menendez-Pidal، و Bourciez، و Brunot، و Von Wartburg، و Entwistle، و Cintra، و Devoto، و Paiva Boleo، و Monteverdi، و Migliorini، وغيرهم ممن حملوا رسالة من سبقوهم إلى أعلى مستوى, وفي أمريكا ظهرت أعمال بالغة القيمة لعلماء مثل Conway، و Whatmough، و Strtevant، و Kent، و Bolling، و Buck, وفي الأعوام الأخيرة بذلت محاولات
стр. 228
لربط المنهج التاريخي بالمنهج الوصفي على يد علماء مثل Martinet, و Hoenigswald، وكذلك محاولات لإعادة كتابة التاريخ اللغوي على أساس من المقارنة الإحصائية لأوجه الخلاف والشبه بين المفردات Glotto chronological، وحتى مجالات الدراسة المبنية على فكرة الأصل الواحد monogenesis لم يصبها الإهمال.
وبينما نجد الأبحاث التاريخية ما تزال هي السائدة في أوربا نجد الدراسة الوصفية سائدة في أمريكا. أما علم اللغة الجغرافي فإنه ما يزال في دور التكون أو التبرعم, ولا يوجد الآن سوى قدر ضئيل من الشك حول الاعتراف الكامل في المستقبل القريب باعتباره فرعا ثالثا من فروع علم اللغة، وذلك حينما تظهر فائدته العملية، ويتضح استحقاقه لأن يحيا حياة منفصلة عن طريق الشواهد الكثيرة التي يقدمها، وبسبب الاهتمام الدولي به رسميا.
стр. 229
نظرة إلى الأمام:
إن التنبؤات البعيدة المدى تكون دائما محفوفة بالمخاطر، لأن الأحداث كثيرا ما تنحرف بوقائع التاريخ إلى قنوات جديدة وغير متوقعة، وعلم اللغة ليس استثناء من هذه القاعدة, وإن أمثال التنبؤات التي قدمت هنا قد عرضت مع إيماننا بأن العوامل غير المنظورة دائما ما تتسلط على أحداث المستقبل.
وعلى ضوء الاتجاهات المعاصرة يبدو ممكنا أن نتنبأ بمستقبل زاهر لدراسة اللغات في الولايات المتحدة، إحدى البلاد القليلة التي كانت هذه الدراسة بها حتى وقت غير طويل نوعا من المخاطرة, وما دامت اللغة تشكل موضوع علم اللغة، فإن هذا يعنى أيضا تقدما ملحوظا في دراسة اللغات، كما هو الحال دائما في الأقطار الأخرى التي لم تعرف علم اللغة كعلم مستقل.
وفي الوقت الحاضر ما يزال علم اللغة الوصفي في أول الطريق, وحينما
стр. 230
يستخدم الناس كلمة علم اللغة من غير إضافة صفة كاشفة، فإنهم يعنون غالبا علم اللغة الوصفي أو التركيبي. وإن علم اللغة الوصفي ليشكل، بل ويجب أن يشكل الأساس للدراسات اللغوية، وإن كانت هناك خطورة إعطائه أهمية أكثر من اللازم. وإن الإسهام الكبير الذي قدمه علم اللغة الوصفي ليتمثل أساسا في النواحي الصوتية والفونيمية التي تعد أكثر فروع اللغة موضوعية، وأقربها إلى المناهج العلمية، والمقاييس الدقيقة. أما في مجال الصرف والنحو فهناك قدر كبير من الشك حول ما إذا كان في مقدور المنهج الوصفي ومصطلحاته تقديم مزايا أكبر من تلك التي قدمها سابقه المنهج التاريخي, وحينما نأتي إلى مجال المفردات نجد علماء اللغة الوصفيين يخلون الطريق لزملائهم التاريخيين، وهو ما ينطبق كذلك على مجال الدراسة الاشتقاقية. أما فيما يخص علم المعنى فإن المفردات تذهب لتنضم للمورفيمات وللنحو لتشكل جميعا الدستور الذي يميز الاستعمالات الصحيحة من الخاطئة.
وربما كانت غلبة الدراسة النظرية -من ناحية- والتعصب لفرع واحد من فروع العلم أثناء دراسة المشاكل اللغوية -من ناحية أخرى- هما التهديد الصريح لعنصر الانسجام في عالم الدراسات اللغوية، مما يوشك أن يعوق تقدم هذه الدراسات, ومن وجهة النظر الوصفية البحتة فإن علماء اللغة الوصفيين على حق في اعتبارهم كل اللغة واللغات على قدر واحد من المساواة, ولكن هناك ثلاث وجهات نظر أخرى، لا بد من أخذها في الاعتبار، وكلها مبنية على الحقيقة والواقع، وهي قائمة على أساس العوامل التاريخية والجغرافية والاجتماعية, فمن وجهة نظر عالم اللغة التاريخي لا يمكن وضع اللغات كلها على قدم المساواة. فإن بعضها تحيط به أحداث تاريخية أهم من بعضها الآخر, ومن وجهة نظر علم اللغة الجغرافي يجب أن نأخذ في الاعتبار تفاوت اللغات من ناحية الأهمية العملية، وكذلك تفاوت أنماطها١.
стр. 231
ومن وجهة النظر الاجتماعية كما هو من وجهة نظر الشخص العادي يوجد -في مقابل أنماط غير المثقفين في كل لغة نمط يتمتع بالمكانة والهيبة دون الأنماط اللغوية الأخرى، وهو ما يمكن أن يسمى بالنمط اللغوي للمثقفين. ونتيجة لذلك يظهر نفوذ بعض الأنماط اللغوية دون بعض حين يفاضل بينها في مجال الوظيفة والاختبار والمركز الاجتماعي. إن الشخص لا يمكن أن يغمض عينيه عن هذه الحقائق على أساس نظرية المساواة لأن هذه النظرية قد قامت على نظام مختلف.
وبالإضافة إلى هذا فإن علماء اللغة الوصفيين يجب أن يدركوا أن التعقيدات غير الضرورية التي يخضعون لها عملهم لا تساعد على انتشار منهجهم، أو جعله مرغوبا فيه. وكثيرا ما سمعنا شكاوى من دارسي علم اللغة أنهم لا يفهمون أي شيء منه ولا يمكن نسبة كل هذه الشكاوى إلى التقصير في الإعداد، أو إلى نقص الاستعداد الذكائي. وإن هناك عبئا ثقيلا ملقى على كواهل أولئك الذين يريدون نشر أي علم وجعله قريبا إلى عامة المثقفين ليكسب أنصارا وأتباعا جددا، وهذا عن طريق استخدام مصطلحات متفق عليها، ومناهج مناسبة، والكف عن الاشتغال بالمسائل التافهة.
ومن ناحية أخرى فإن حقل الدراسات اللغوية الوصفية المثمرة ما يزال بكرا حتى الآن. فما زالت هناك أعمال كثيرة تنتظر من يتقدم لإنجازها، وبخاصة في مجال الدراسة الوصفية للغات، كل على حدة، وفي مجال تنقية الوسائل المستعملة في البحث. وإنه عالم اللغة الوصفي ذلك الذي يهتم بالوسائل الآلية، والعون الميكانيكي من أجل تعليم اللغات ودراستها، وهذا يفتح أمامه مجالات واسعة مثمرة للبحث.
стр. 232
وحتى الوقت الحاضر لا توجد إلا مناطق ضئيلة جدا هي التي وضع لها أطلس لغوي, ومن الملاحظ مثلا أننا ما زلنا في حاجة إلى أطلس لغوي شامل للعالم المتكلم باللغة الإسبانية، في البلاد المتكلمة باللغة الفرنسية، دون ارتباط بفرنسا مثل كويبك، وهايتي، والمستعمرات الفرنسية البلجيكية السابقة في إفريقيا، فهذا يتطلب جهودا جبارة من علم اللغة الوصفي.
كذلك فإن تهذيب الأطالس الموجودة حاليا وتنقيحها في حاجة إلى جهد كبير, وهذا النوع من العمل الذي سيقوم به علماء اللغة الوصفيون بمناهج بحثهم الحديثة سوف يكون مساعدا عظيما للدراسة اللغوية التاريخية والجغرافية على السواء.
وإن علم اللغة التاريخي -أكثر من الفرعين الآخرين- ليغري به إلى حد كبير عنصر الهواية لا المهنة, فإن ما نستخلصه من ماضي اللغة وتطورها التاريخي لا يمكن استخدامه في المجال التطبيقي العملي لتعلم اللغة وتعليمها، ولا هو -على الجانب الآخر- يمكن أن يدر ربحا ماديا على الباحث. كل ما يمكن أن يقال هو أن الدروس المستفادة من الماضي ربما أفادت في فهم ما يحدث الآن، أو ما سيحدث في المستقبل. ولكن هذا في حد ذاته يمكن أن يكون ذا قيمة عملية.
وإن عالم اللغة التاريخي يجب أن يتعلم أن يكبت خياله، ويعتمد أكثر على الشواهد والحقائق. وهنا فإن لديه أشياء كثيرة يمكن أن يتعلمها من زميله عالم اللغة الوصفي. وإن فرع العلم الذي يبحثه إنما هو بالتأكيد جزء من الدراسات التاريخية العامة، ولهذا ينبغي أن يعرضه كما هو, وهناك احتمال لتضييق نطاق المنهج التاريخي الذي يستدعي تقدير الشاهد الممكن الحصول عليه تقديرا مناسبا وتقديم الدليل الإضافي, وحيث إن علم اللغة التاريخي -رغم أنه أقل الفروع عملية- ربما يكون أكثر من فروع علم اللغة جاذبية وأقواها نداء في مخيلة الرجل العادي، فإنه لن يكون مهددا في المستقبل بالاختفاء أو الزوال. ومن ناحية فقده -من الناحية الظاهرية على الأقل- للجوانب المعوقة لعلم اللغة الوصفي،
стр. 233
فإنه يوجه نداءه وإغراءه للخيال العادي، كما يستدل على ذلك من الحقيقة أن هناك قليلا من المجلات الشائعة ما يخلو من جزء يتناول قوة الكلمة واشتقاقاتها.
إن المشاكل التي ما تزال تنتظر الحل على يد علم اللغة التاريخي لا تدخل تحت حصر, وهذا يصدق حتى على تلك المناطق التي تمت عليها دراسات واسعة في الماضي مثل الهندية الأوربية والسامية. وإن العلاقات الاشتقاقية وتطور اللغات -وبخاصة تلك التي يندر الحصول على مادة لغوية مكتوبة لها، "أو حتى تلك التي تشتمل على مادة لغوية مكتوبة كثيرة"- ومشكلة وحدة الأصل، ومشكلة ترجمة وتفسير اللغات القديمة التي لم تحظ حتى الآن بعناية الدارسين كلها تقع أمام عين باحث اللغة التاريخي وتناديه بأن يبذل عناية أكبر.
وهناك مهمة أخرى تحتاج بوجه خاص إلى مزيد من العناية العلمية، وهي مفردات اللغات الكبيرة، للوصول إلى النسبة المئوية المقترضة، وطبيعتها، ومصادرها، وليس هذا الإشباع حب الاستطلاع عند عالم اللغة مطلقا، ولكن عند عالم اللغة التاريخي. وإن الصلات بين علم اللغة التاريخي والتاريخ لفي حاجة إلى دعم قوي. كذلك فإن التطور اللغوي في حاجة إلى أن يوضع تاريخيا في مكانه الحقيقي.
أما ميدان علم اللغة الجغرافي فهو أكثر الميادين خصبا، لأنه أقل الفروع حظا من عناية الباحثين، ونصيبا من العمل المنظم. وإن مباحث علم اللغة الجغرافي قد حكم عليها علماء اللغة المتخصصون بأنها فرع خادم للفرعين الآخرين بدلا من أن يعالجوها بطريقة أساسية مستقلة. ومن الناحية المادية فإن علم اللغة الجغرافي يقدم الوعود بأن يكون أكثر الفروع الثلاثة عطاء وهبة ولكنه إلى جانب ذلك يدعو أكثر من الفروع الأخرى إلى مزيد من العناية التي يجب أن يتفق عليها بين الجهات الرسمية، من حكومية وصناعية، تلك الجهات التي عجزت حتى الآن عن أن تتصور مدى أهمية هذا العلم في حل كثير من
стр. 234
المشاكل التي يعتبرونها أساسية. وهذا هو المجال الذي يمكن فيه لعلم اللغة أن يتقدم ويحقق كثيرا من نتائجه العملية, وكل اللغويين الذين يستحقون الإشارة إلى أسمائهم لا بد وأن يكونوا قد وصلوا الآن إلى نتيجة محققة، هي أن العلوم لا تحيا في فراغ، وأنه بينما يمكنك أن تخلق العلماء الباحثين لذات العلم، الذين لا يأبهون للجانب العملي أو التطبيقي، فإن التطبيق العملي للعلوم يحيا في كل ميدان، ولا يصح أن يمتهن أو يحتقر.
ومن وقت لآخر تعلو نداءات لإعادة توحيد علم اللغة، وعبور الفجوة، التي أخذت تتطور وتتسع بالتدريج بين علم اللغة التاريخي والوصفي, وقد بذلت محاولات عدة لإدخال المناهج الوصفية ومصطلحات علم اللغة الوصفي على علم اللغة التاريخي١.
وإنه مما لا شك فيه أنه لا بد أن يخلق نوع من الانسجام والتعاون بين فروع علم اللغة, كذلك مما لا شك فيه أنه لا بد أن توجد هدنة لوقف المعارك الفكرية الناشئة عن إصرار أتباع كل فرع على عرض المشاكل المتعلقة بالآخرين من خلال منظارهم هم.
وعلى كل حال فليس هناك فائدة يمكن أن تتحقق -في رأي صاحب هذا الكتاب- عن طريق إدماج الفروع في فرع واحد، له منهج واحد، واصطلاحات واحدة، بعد أن أثبت دي سوسير أنها فروع متعددة، وميادين منفصلة, وإن كل فرع من فروع علم اللغة سواء الوصفي أو التاريخي أو الجغرافي له مشاكل الخاصة، وموضوعاته الخاصة، ومنهجه الخاص، واسمه الخاص, وقد انبثقت جميعا بعد تاريخ طويل من الأخذ والرد والخطأ والصواب, وهي الآن قد بدأت تستقر وتأخذ شكلا مناسبا لكل فرع.
стр. 235
وإن المحاولات التي بذلت لاتباع المناهج الوصفية لمعالجة مشاكل تاريخية صرفة قد أدت إلى تعقيد الحلول، وقادت إلى موقف احتاجت معه إلى عشر صفحات لتشرح ما هو مبين من قبل، في صفحة واحدة, وأي محاولة للرجوع بعلم اللغة الوصفي إلى نقطة وجوده في القرن التاسع عشر بمناهجه وحالته، لن تكلل بالنجاح، كذلك لن تكلل بالنجاح أي محاولة للتقليل من قيمة علم اللغة الجغرافي، أو القول بأنه لا حاجة إلى اعتباره علما منفصلا, وإن الفشل في تحقيق نتائج هامة لعلم اللغة الجغرافي على يد العلماء التاريخيين أولا، والعلماء الوصفيين ثانيا، ليعطي دليلا واضحا على ضرورة معالجة علم اللغة الجغرافي معالجة خاصة على يد خبراء متخصصين.
ومن ناحية أخرى فإن الجانب الجغرافي من علم اللغة هو الذي أثار -خلال الحرب العالمية الثانية- اهتمام الحكومة، وأدى إلى إنشاء مكتب تحليل الوسائط Media Analysis Bureau ووضع المناهج الدراسية العملية لتعليم اللغات لأفراد القوات المسلحة. وقد كانت الحكومة مهتمة بالناحية العملية لا النظرية أو التاريخية للغة. لقد كانت تريد أن تعرف أي اللغات تستعمل في العالم، ومن وكم يتكلم بها، وكيف تستعمل، وكانت تريد أن تجهز تحت يديها أكبر عدد ممكن من الناس الذين يمكنهم أن يتكلموا ويفهموا اللغات، وعددا أصغر من الخبراء الذين يمكنهم أن يتعرفوا عليها, وكل هذا لم يكن لا تاريخيا ولا وصفيا، وإنما جغرافيا, وإن الفروع الثلاثة المتآخية سوف تحقق أحسن النتائج إذا سمح لها أن تسير جنبا إلى جنب كفروع منفصلة، لكن كشركاء متساوين تتقاسم اكتشافاتها، وتطبق على بعضها ما يمكن تطبيقه من مناهج بعضها الآخر ومصطلحاته وآرائه. وأي شيء وراء هذا سوف ينتهي إلى نوع من القسر وتضييع الجهد وعدم الكفاءة.
стр. 236
ملاحق
مدخل
...
стр. 237
الملحق رقم٢:
من هو عالم اللغة؟ ١:
عالم اللغة أو اللغوي هو المتخصص في علم اللغة، وهي الدراسة العلمية المنظمة لتراكيب اللغات ووظائفها. وعالم اللغة بهذا المعنى الفني يجب أن يميز عن عالم اللغة بالمعنى الدارج، وهو من يجيد عدة لغات, وقد أعطى Webster المعنيين في معجمه New International Dictionary وعالم اللغة لا بد أن يكون مؤهلا عن طريق الخبرة والتدريب للقيام بعمليات مثل:
١- إعداد وصف شامل للأصوات والصيغ والمفردات لأي لغة "بما في ذلك اللغات غير المكتوبة، والتي لم يسبق وصفها".
٢- دراسة مقارنة للغتين أو أكثر، بقصد الوصول إلى ما بينها من علائق.
стр. 238
٣- معرفة طبيعة التنوعات اللهجية، وحدود كل داخل اللغة الواحدة.
٤- دراسة تاريخ الأصوات والصيغ والمفردات لأي لغة.
٥- تطوير المنهج العام لعلم اللغة.
وبالإضافة إلى نشاطات كهذه، فإن عالم اللغة المؤهل لا بد أن يكون قادرا على أن يستفيد بمباحث علم اللغة في حل المشكلات اللغوية العملية، عن طريق القيام بعمليات كالآتية مع الاستعانة غالبا بخبراء في علوم أخرى:
أ- القيام بتحليلات متقابلة للغتين لبيان أوجه التشابه والاختلاف بينهما بقصد الوصول إلى مادة تعليمية هدفها تيسير تعليم إحدى اللغتين لمن يتكلمون باللغة الأخرى.
ب- إعداد كتب تعليمية لتدريس اللغة، قائمة على أساس من التحليل اللغوي.
جـ- إعداد اختبارات للمتخصصين في دراسة اللغة، أو للكشف عن مدى اللياقة لأنواع معينين من متعلمي اللغة.
د- تحليل النظام الكتابي للغة بقصد كشف مدى التطابق بينه وبين نطق الكلمة، أو قواعد اللغة, وكذلك القدرة على تركيب نظام كتابي للغات غير المكتوبة.
هـ- إعداد المادة الخاصة بمحو الأمية في لغة معينة.
و تحليل اللغة، وإعداد البرامج للترجمة الآلية من لغة إلى أخرى.
ز- استخلاص السياسة الرسمية والتعليمية نحو اللغة، وتقييم هذه السياسة. وفي الأعوام الأخيرة زادت أعباء عالم اللغة الذي أصبح يدخل في اختصاصه موضوعات ترتبط بعلوم أخرى مثل الأنثروبولوجيا "التي ارتبط بها علم اللغة منذ مدة طويلة"، وعلم النفس، والرياضة، والمنطق، وعيوب النطق، وعلم الاجتماع.
стр. 239
وقد ظهرت علوم لغوية مركبة مثل علم اللغة النفسي Psycholinguistics وعلم اللغة الاجتماعي Sociolinguistics، وعلم اللغة الرياضي Mathematical Linguistics. وأصبحت هذه العلوم محل تقدير واعتراف, كما أصبح هناك خبراء متخصصون -قلة ولكنهم يزيدون- في كل منها.
ثقافة عالم اللغة:
إن اللغوي الأمريكي عادة ما يبدأ تخصصه كطالب نظامي يدرس مناهج معينة في قسم الدراسات العليا بأحد المراكز الكبرى الجامعية للدراسات اللغوية التي تزيد على العشر, وطريقة الحصول على الدكتوراه في علم اللغة تختلف -إلى حد ما- من جامعة إلى جامعة، وإن كانت كل الجامعات تتطلب دراسة تمهيدية لعلم اللغة، والقيام بأبحاث صوتية وفونيمية، ودراسات تاريخية، ثم دراسة لغة معينة, ومعظم هذه الجامعات يتطلب دراسة في الصرف والنحو والمناهج، ومقارنات تتعلق باللغات الهندية الأوربية، ولغة على الأقل من غير العائلة الهندية الأوربية, ورسالة الدكتوراه عادة ما تكون دراسة تحقق المطالب من رقم ١ إلى رقم ٤ السابق ذكرها, وهناك نوع آخر شائع من الرسائل، هو ذلك الذي يقوم بدراسة نحوية وصفية للغة هندية أمريكية مع تقديم النصوص والمفردات, والأغلبية العظمى لعلماء اللغة الأمريكيين -بالإضافة إلى حضورهم برنامجا للدراسة العليا في إحدى الجامعات الكبرى- لا بد أن يحضروا فترة دراسية أو أكثر في المعهد اللغوي Languistic institute، الذي تتبناه كل صيف الجمعية اللغوية في أمريكا Linguistic Society of America، أكبر المنظمات المتخصصة في هذا الحقل, وهذا المعهد الصيفي -الذي أخذ يعقد منذ عام ١٩٤٨ في جامعة أو أخرى- تتجمع فيه أعداد كبيرة من
стр. 240
المشتغلين بالحقل اللغوي من كل أنحاء أمريكا، وعادة ما يحضره علماء بارزون من خارجها كذلك, وبعض اللغويين الأمريكيين قد تلقوا معظم تمرينهم خارج معاهد العلم المنتظمة مثل المنظمات التبشيرية، أو عن طريق برامج لغوية خاصة، أو حتى عن طريق دراستهم الذاتية, ولكن هذا النوع من الدراسة بدأ يقل.
مجالات علم اللغة:
يوجد عدد قليل -ولكن مهم وذو نفوذ- من اللغويين يعملون أساتذة في أقسام علم اللغة في الجامعات ويوجد عدد أكبر منهم يدرس في أقسام أخرى مثل اللغات الحديثة والأنثروبولوجيا، وأحيانا في أقسام علم النفس أو الكلام "Speech".
وفي الأعوام الأخيرة زاد عدد علماء اللغة الذين يعملون في مراكز التعليم الخاصة باللغات الآسيوية والإفريقية، إما كأعضاء في هيئة التدريس، أو في معامل البحث، بالإضافة إلى اشتغالهم بإعداد كتب مدرسية ومعاجم. وهناك أعمال قليلة تمت -بتأييد حكومي عادة- بالنسبة لمشاريع للبحث ترتبط بهندسة الاتصال.
وعدد من الوكالات الحكومية مثل" معهد الخدمة الخارجية" The Foreign Service institute، التابع لإدارة الدولة The Department ot state يستعين بعلماء اللغة ليشرفوا على برامج تدريب اللغة, ووكالات أخرى تتبع إدارة الداخلية The Depatment of Interior تستعين بعلماء اللغة ليقوموا بدراسات في اللغات الهندية الأمريكية، أو ليعملوا في ميادين متخصصة، كتلك التي تتعلق بأسماء الأماكن، بغرض رسم خرائط، أو لأغراض أخرى.
стр. 241
وعلماء اللغة يعملون كذلك في مراكز الترجمة الآلية، في أماكن متعددة في أمريكا، وبخاصة في برامج جامعية بإشراف الحكومة، وفي مؤسسات خاصة.
ومجموعة كبيرة من علماء اللغة الأمريكيين يشتغلون إما بتعليم الإنجليزية كلغة أجنبية في أمريكا، أو في الخارج، أو في إعداد كتب مدرسية لتعليم اللغة الإنجليزية، أو في رسم الخطط لتعليم اللغة الإنجليزية, وبعضهم شغلوا مراكز في وكالة المعلومات الأمريكية U.S. Information Agency، أو في وكالات حكومية أخرى، وآخرون يعملون في حكومات أجنبية، أو جامعات أمريكية، أو منظمات أخرى خاصة.
وعدد آخر لا بأس به من اللغويين يعملون مع المنظمات التبشيرية المرتبطة بالأعمال اللغوية، مثل ترجمة الكتاب المقدس، أو يشتركون في مشروعات محو الأمية، أو وضع أبجديات للغات غير المكتوبة.
стр. 242
المحلق رقم٣
...
الملحق رقم ٣:
اقتراحات قليلة:
علم اللغة الوصفي:
تنحصر وظيفة علم اللغة التاريخي في أن يتتبع تطور اللغة واللغات من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى، ويصف المراحل المتداخلة والعمليات المرتبطة بها، وأن يكشف -إذا كان ممكنا- عن المراحل غير المعروفة التي مرت بها اللغة أو اللغات, ومن الواضح أنه لا توجد أي علاقة بين هذا وبين إجراءات تعلم لغة متكلمة حديثة. إننا يمكننا أن نتوصل إلى قدر كبير من المعلومات التاريخية والفلولوجية عن كيفية سير اللغة حتى وصلت إلى صورتها الحاضرة، وما نزال -في نفس الوقت- عاجزين عن أن نتكلمها أو نفهمها, وأقصى ما يمكن أن تقدمه لنا الدراسة التاريخية مجرد المساعدة في التعرف على المادة المكتوبة للغة المدروسة.
أما وظيفة عالم اللغة الجغرافي فهي أن يقدم لغات العالم في صورة مرئية كاملة، وفي إطار من قيمتها الاقتصادية والسياسية الحاضرة وأن يصف أهميتها النسبية وفوائدها في المجالات المختلفة, ومرة أخرى تجد علم اللغة الجغرافي لا يقدم لنا سوى مساعدة ضئيلة في جانب تعلم نطق اللغة نفسها أو فهمها, فيما عدا المعلومات اللغوية الجغرافية المذيلة بنماذج وأمثلة عملية.
стр. 243
أما وظيفة علم اللغة الوصفي فهي أساسا وضع الأسس والمعايير التي تقبل التطبيق على مادة اللغة كلها, وكذلك وصف اللغات كل على حدة بدقة.
ومن الممكن أن نستخلص من هذه الدراسات الوصفية أسسا مفيدة، ومناهج تساعد في تعليم اللغة وتعلمها إذا أريد توجيه الأعمال الوصفية للنفع بدقة وذكاء, ولكن مهمة عالم اللغة تنتهي بمجرد أن يقدم لنا بكل دقة أعماله الوصفية, وفيما وراء ذلك، فإما أن يحول عالم اللغة الوصفي نفسه إلى معلم لغة "وهو غالبا غير مؤهل لذلك"، أو أن يترك الميدان لمعلم اللغة المؤهل.
وإن مؤهلات معلم اللغة لمتعددة ومتنوعة, فلا بد أولا أن يكون على علم باللغة التي يدرسها، ويمكنه أن يتكلمها ويفهمها كلغته الوطنية، أو أقل قليلا, كذلك يجب أن يكون على قدر من المعرفة بلغة المتعلمين تمكنه من أن يقارن اللغتين لنفسه إن لم يكن لتلامذته، وأن يصل إلى أوجه الخلاف الأساسية بينهما ومناطق الصعوبة فيهما, وهو إلى جانب هذا لا بد أن يكون ذا أذن مدربة سريعة وصبر لا ينفد أثناء الشرح، وقدرة على وضع التمارين والتدريبات الكثيرة.
وكل هذا يعني أن عالم اللغة -تاريخيا كان أو وصفيا أو جغرافيا- ليس بطبيعته ذا موهبة لتعليم اللغات المتكلمة، وإن كان يوجد بينهم من يحمل هذه الموهبة. إن معلم اللغة ليس في حاجة إلى أن يكون عالم لغة بأي معنى من المعاني الثلاثة، وعالم اللغة ليس في حاجة كذلك إلى أن يكون معلم لغة.
ولكن معلم اللغة لا بد أن يكون مؤهلا لتلقي إرشادات عالم اللغة، وراغبا في تطبيقها على تدريس اللغة, ومهما كانت المعلومات التي يقدمها له عالم اللغة فهي مفيدة في وظيفته, ومن عالم اللغة التاريخي يتحصل معلم اللغة على معلومات ودراسات تصل اتصالا وثيقا بتاريخ الأدب والثقافة للمنطقة التي يدرس لغتها وبنظامها الكتابي, وعالم اللغة الجغرافي يمكن أن يدله على جوانب الأهمية في لغته، وسبب هذه الأمية، وما أقسامها وصلاتها، وما الأسباب التي تدعو إلى دراستها، وعالم اللغة الوصفي يمكن أن يقدم له معلومات ذات قيمة عظمى
стр. 244
تمس واقع اللغة المتكلمة مساسا مباشرا، سواء في وضعها المستقل، أو مع مقارنتها بلغة المتعلمين.
وهذا لا يمكن عمله إلا في حالة ما إذا قدمت المعلومات بصورة واضحة، وبلغة ظاهرة يمكن أن يفهمها معلم اللغة بسهولة, وأي استعمال للمصطلحات الفنية الخاصة سوف يفوت هذا الغرض, وهذه المعلومات لا بد أن تكون متعلقة بالأمور الهامة لا التافهة، فلا تحوي إلا النقاط الرئيسية الخاصة بالتركيب الصرفي والفونيمي للغة موضوع الدراسة، ونقاط الخلاف الأساسية مع لغة المتعلمين, ومن ناحية أخرى فإن النقاط ذات الأهمية الخاصة لا يصح أن تغفل وهي كثيرا ما تغفل نتيجة الرغبة في جعل اللغتين قابلتين للصب في قالب نحوي عالمي مثالي، أو للرغبة في وضعهما على نفس المستوى اللغوي الجغرافي نتيجة لفهم خاطئ لمعنى المثلية أو التعادلية equalitarianism. وفي حالة اللغة المنقسمة اجتماعيا أو ثقافيا فإن المعلومات التي يجب أن يقدمها عالم اللغة الجغرافي هي تلك المتعلقة باللغة المشتركة التي يتكلمها المتعلمون من الناس، لأن هذا المستوى من اللغة هو في العادة موضوع تدريس معلمي اللغة، وموضوع دراسة التلاميذ، فيما عدا حالات خاصة.
وأهم من كل هذا أن يكون التحليل دقيقا، وليس مؤسسا على ملاحظات عابرة أو تعميمات سريعة. إن اللغات ظواهر معقدة جدا، وهي بعيدة كل البعد عن أن تملك التقنين المبالغ في تيسيره، كما يحاول بعض اللغويين الوصفيين أحيانا, وليس كافيا بأي حال من الأحوال أن تجمع أفرادا قليلين من أبناء اللغة الذين يتشابهون في لهجتهم لكي تصل في النهاية إلى وضع نحو وصفي للغة كبيرة ذات حضارة معاصرة، وإذا نحن فعلنا ذلك فإننا سنصل في النهاية إلى نحو وصفي لبعض اللهجات الفردية أو اللهجات العامة، ولكننا لن نصل لشيء يرضي حاجة معلم اللغة.
وإذا توافرت الظروف الملائمة يمكن أن يتحقق تعاون مثالي بين عالم اللغة
стр. 245
ومعلم اللغة، ولكن إذا سمح اللغوي لدراسته أن تعكس آراء نظرية قد يمكن أو لا يمكن تبريرها في واقع اللغة العام، وفي معناها الواسع، وفي فلسفة بنائها ولم تكن تقبل التطبيق إلا جزئيا على مواقف معينة، أو نوع من المادة اللغوية في متناول اليد فإن ذلك يسبب اضطرابا ومتاعب جمة.
وهناك نقد حقيقي يوجه إلى الدراسة الوصفية للغة، وهو خاص بكثرة مصطلحاتها وتعددها بشكل ملحوظ, وهناك تفسير لهذا ولكنه لا يعد تبريرا يتمثل في محاولة علماء اللغة الشبان المتحمسين أن يسدوا حاجات هذا العلم الوليد على وجه السرعة, ومجاراة كل هذه المصطلحات الجديدة التي يستعملها علماء اللغة الوصفيون، والتي قد تصل إلى بضع مصطلحات للظاهرة الواحدة تحتم السعي لوضع -ليس فقط قائمة بالمصطلحات أو معجما لغويا- ولكن دائرة معارف كاملة. وقد بذلت محاولات سابقة لتأليف معاجم لمصطلحات علم اللغة مثل معجم Marouzeau، أو المعجم الذي وضعه مؤلف هذا الكاتب ولكن هذه المعاجم أصبحت بسرعة فائقة متخلفة في أقل من عشر سنوات وليس هذا بسبب تغيير في الفرع التاريخي أو الجغرافي، ولكن بسبب تغيير في الفرع الوصفي وحده, وهناك محاولة أخرى تمت أخيرا، ليس بقصد تعريف المصطلحات، ولكن ببساطة بقصد اقتباسها في سياقها الذي استعملها فيه الكاتب الذي وضعها, ولكن حتى هذه المحاولة ما تزال في حاجة إلى متابعة دائمة حتى اللحظة الحاضرة، بالإضافة إلى أنه يعيبها عدم غنائها من الناحية التعريفية, وهناك نداء ملح يستصرخ علماء اللغة الوصفيين أن يتفقوا على مصطلحات لعلمهم تتسم بالثبات والعمومية، لكي يصبح تناول المادة أمرا سهلا، وبخاصة للدارسين المبتدئين, ومما هو جدير بالذكر أن مؤلف هذا الكتاب قد لاحظ وجود خلاف في المصطلحات يصل إلى حد ٧٥% بين عملين مكتوبين على يدي عالمين لغويين وصفيين مشهورين، كثيرا ما كانا يتقابلان وجها لوجه وعلى الرغم من تناولهما نفس الظواهر والعمليات اللغوية.
стр. 246
وكثيرا ما يكتنف الغموض كتابات اللغويين في هذا الميدان, وهذا يرجع جزئيا إلى الكثرة الكثيرة من المصطلحات العلمية، وجزئيا إلى الطبيعة الثقيلة التي يتميز بها الفكر العلمي الأكاديمي, وإن الشعار "لا تعرف في كلمات ثلاث بسيطة، وفي عبارة قصيرة، ما يمكن أن تعرفه في عشر كلمات طويلة غير عادية " يبدو هو المتحكم في بعض المؤلفين. وفي هذا الخصوص فإن عالم اللغة الوصفي لا يعد وحده مذنبا في المجال التطبيقي، بل يشاركه علماء آخرون في حقول كثيرة، مثل علم النفس، والفلسفة، وعلم الاجتماع، والتربية، والإدارة. وما دام هذا الطابع أمرا فرديا فإنه من الصعب مواجهته أو معالجته بدواء عام شامل.
وهناك اتجاه ظهر لبعض الوقت في علم اللغة الوصفي، وهو الميل نحو الإبهام والغموض, وإن النزول بعلم اللغة الوصفي إلى مستوى القضايا والنظريات الرياضية الذي بدأه Hjelmslev فيما سمي بالتحليل شبه الرياضي للغة glossematics١ لا يحقق أي منفعة لا لعلم اللغة ولا للرياضة. إن موضوع علم اللغة هو اللغة، وإذا عجز علم اللغة عن أن يجعل نفسه واضحا ومفيدا في أبحاثه وموضوعاته التي يتناولها من غير الاستعانة بعلم لا توجد بينهما علاقة واضحة فقد فشل في أداء مهمته, ومثل هذا يقال عن المبالغة في استعمال أبحاث الفلسفة أو علم النفس أو ما وراء علم اللغة، المبنية على مجرد مزاعم غير ثابتة. إن علم اللغة يجب أن يكون واقعيا، لا باحثا فيما وراء الطبيعة.
وهناك اتجاه لغوي آخر نحو معالجة الجزئيات الدقيقة، ووصف نقاط ذات
стр. 247
أهمية ضئيلة، أو منفعة قليلة، في تفصيلات واسعة, وبينما هو ممكن -على وجه العموم- أن تضع نظاما عاما للتنغيم ودرجة الصوت والمفصل في لغة معينة فإنه ليس من الممكن أن تعالجها في بساطة بالغة، وبشكل يسمح بالقول بأنه: "يوجد في الإنجليزية الأمريكية أربع درجات للصوت، وهي تستعمل بشكل كذا وكذا"، لأنه توجد خلافات كثيرة بين المتكلمين الأفراد, وإن التفرقة بين Light housekeeper و Lighthouse keepr ربما يثير الدهشة، ولكنه في نفس الوقت لا يقدم إلا معلومات ضئيلة صاقة, فاللغة تعتمد إلى حد كبير على السياق لتحقيق التفاهم، وهي تتضرر كثيرا بذكر التفصيلات والخصائص الدقيقة التي نادرا ما يلاحظها السامع.
وبالإضافة إلى هذا، فإن هناك نفورا من تطبيق بعض الحقائق التي توصل إليها علماء اللغة الوصفيون والمقارنون على المشاكل العملية كتعليم اللغة. وإليكم أمثلة قليلة لذلك:
١- الأهمية الزائدة عن الحد التي أعطيت للتقسيم المقطعي "تقطيع الكلمة إلى أجزائها المقطعية، كجزء مما يسميه اللغويون الوصفيون المفصل Juncture " في معظم اللغات الغربية غير الإنجليزية. وإنه مما لا يمكن تأكيده بدرجة كافية أن أسرع طريق وأفعله لاكتساب طريقة نطق ابن اللغة في أي لغة مثل الإيطالية أو الإسبانية أو الفرنسية أو حتى الألمانية أو الروسية هو أن تقطع الكلمة إلى مقاطعها الحقيقية تبعا للنماذج المقطعية للغة" وهذا لا يتطابق دائما مع قواعد اللغة المكتوبة لتقسيم الكلمات حينما تقع في أواخر الأسطر، وأن تنطق كل مقطع على حدة، وبطريقة متميزة، ثم بعد ذلك وضع المقاطع بعضها بجانب بعض ونطقها بنفس السرعة التي تنطق بها في الكلام العادي.
٢- التماثل أو التقارب بمحض الصدفة، أو حتى التطابق الكامل لمخرج الصوت Ppint of articulation -وربما مع تعديلات بسيطة-
стр. 248
بين فونيمات تمثلها لغتان مختلفتان برموز كتابية مختلفة مثل الأصوات الإنجليزية الانفجارية اللثوية، ومثل الراء المكررة في الإيطالية والإسبانية "تتلقى أذن الإيطالي الجملة الإنجليزية get out of her على أنها gherare hir". ويوجد غالبا تماثل في الصفة والمخرج بين الحركة الإنجليزية القصيرة i التي في it، و git -مع إطالة خفيفة- وبين الصوت الروماني الضيق "e" الموجود في الكلمة الإيطالية Vedere، أو الإسبانية ver.
٣- ما هو ثابت من أن لغة ما غالبا ما تنتج -استثناء أو مصادفة أو تحت ظروف طارئة- ما يعد فونيما أصليا أو عنقودا فونيميا Phoneme cluster مقررا في لغة أخرى, اللغة الإنجليزية ليس عندها تقابل فونيمي بين الصوت الساكن المفرد والمضعف مثل الذي يظهر في الإيطالية واليابانية والمجرية ولغات أخرى. ولكن حينما ينطق المتكلم الإنجليزية كلمة Wonderful كما لو كانت wunnerful، أو يصيح مفتش القطار في صوت جهوري Allab board يوجد الساكن المضعف بدون المفصل الموجود في مثل Unnamed. والإنجليزية لا تسمح بوجود العنقود الصوتي الأولى mch "الروسية 'mchat" ولكن كلمتين إنجليزيتين مثل: Cream cheese مع حذف crea سوف يمكن المتعلم من التدريب الكافي الذي يحتاجه.
وإن عدم وضوح الرؤية بالإضافة إلى روح الديمقراطية الزائفة ليبدوان المسئولين عن اعتقاد بعض علماء اللغة الوصفيين أن كل اللغات تعد على قدم المساواة, ولربما كان ذلك صحيحا من الناحية التجريدية, ولكن عالم اللغة الجغرافي الذي يتناول الحقائق لا التجريدات يعلم أنه لا احتمال في المستقبل المرئي لوضع لغة Menomini أو Ojibwa مثلا على قدم المساواة مع الإنجليزية أو الروسية، فيما عدا في جانب واحد هو الناحية الوصفية. أما من
стр. 249
الناحية التاريخية أو الجغرافية فلا وجه للمقارنة مطلقا.
ويوجه نفس النقد إلى الاعتقاد الخاطئ أن أي طراز داخل اللغة يعد حسنا كأي طراز آخر، مع ما يستتبعه ذلك من النصيحة القائلة "اترك لغتك وشأنها" ودع المقادير تجري في أعنتها, وقد ظهر ذلك بشكل واضح في الجدل الملتهب الذي ثار بعد ظهور Webster's third international dictionary الذي وضع طبقا للأسس الوصفية التي تغفل وجود فروق بين الاستعمال الجيد والصيغة النموذجية والصيغة الرديئة والعامية وحتى المبتذلة.
إن الطبقية موجودة بين أشكال اللغة تماما كما هي موجودة بين اللغات. إن بعض اللغات تطاوعك أكثر من الأخرى، وتخدمك بصورة أفضل كوسيلة للاتصال الذي يعد أهم وظائف اللغة, ومع ذلك فلندرس بكل وسيلة ممكنة لهجات سكان الجبال، أو قطاع الطريق، سواء من وجهة النظر الوصفية الخالصة، أو لتحقيق أغراض خاصة. ولكن دعنا لا نعرض لدعوى أن كل أشكال اللغة من جميع النواحي تعادل اللغة المشتركة التي يتحدث بها كل المواطنين، مع بعض الاختلافات المحلية البسيطة.
وينبع من نفس الخطأ الأيديولوجي ما يقال عن "المتكلم الوطني"، والاعتقاد بأنه لا يخطئ، وأن الصواب والخطأ أحكام تطلق على اللغة حين يستعملها الأجانب, ومن جهات كثيرة جدا -بعضها ذوقي ذاتي محض، وبعضها قائم على أساس من تيسير الاتصال- توجد حالات وحالات كثيرة تكون لهجة الأجنبي المثقف فيها أفضل من لهجة الوطني الأمي السمجة, وإن الأمريكيين الذين لا يجدون صعوبة في فهم Charles Boyer سوف يجدون صعوبة في فهم بعض المواطنين في مناطق أمريكية معينة, ولا يعني هذا أننا لا ينبغي أن نجاهد في تعلم وتعليم اللغة بطريقة نطق تقرب من النطق الوطني ما أمكن, ولكنه يعني ببساطة أن المرة الوحيدة التي يعتبر فيها نطق المتكلم الوطني الخالص نطقا بدائيا إنما ترتبط بأعمال المراقبة والتجسس.
стр. 250
وبعض اللغويين الوصفيين يجدون صعبا على أنفسهم أن يخفوا نفاد صبرهم بالنسبة للصورة المكتوبة للغة, بل إن منهم أكثر من هذا من يزعمون أنه لا توجد لغة مكتوبة، وإنما يوجد تقابل بين الكلام -الذي يعد اللغة الحقيقية- وبين الكتابة, وإلى جانب الحقيقة أن اللغة المكتوبة تعد -عادة- جليلة الشأن بالنسبة لعالم اللغة التاريخي في دراسته الفلولوجية، فإن عالم اللغة الجغرافي يمكن كذلك أن يشير إلى الدور الكبير الذي لعبته اللغة المكتوبة في كل اللغات الحضارية، وإلى أن الحكومات في جميع أنحاء العالم قد وجدت أمرا ضروريا أن تحاول القضاء على الأمية بين أبنائها, وإذا كانت الكتابة ينظر إليها على أنها فقط رمز الكلام، فيجب ألا ننسى أن الكلام في ذاته يعد فقط رمزا للفكر، من غير النظر إلى مرتبته العليا أو السفلى، وإن انتقال الدلالة -التي هي الهدف الأساسي للغة- يمكن أن يتأثر بالكتابة تماما كما يتأثر بالكلام، كما هو ثابت من النظم الكتابية التي تعبر عن الفكرة بالصورة المكتوبة مباشرة متخطية اللغة المكتوبة.
والمعاناة التي لا يمكن إخفاؤها بسهولة، التي يشكو منها كثير من علماء اللغة الوصفيين ضد زملائهم التاريخيين الذين يعد عملهم متعلقا بتواريخ أقدم منهم, وضد زملائهم الجغرافيين الذين يتناولون أمورا أكثر تعلقا بالتطبيقات العملية لعلم اللغة في الحاضر والمستقبل لتعد أمورا ذاتية، ومن المؤمل أن تختفي بمرور الوقت بناء على ما هو باد من إمكانية وجود توازن بين فروع علم اللغة الثلاثة في المستقبل القريب, وإن بعض علماء اللغة الوصفيين في الواقع ما يزالون في حاجة إلى أن نذكرهم أن اللغات كانت تتكلم وتتعلم وتعلم وتدرس وتناقش مدة طويلة قبل وجود Boas, و Bloomfield وأن هناك مناهج أخرى للدرس اللغوي غير مناهجهم يمكن أن يتوصل إليها، وربما كانت في بعض الأحيان أرجح من مناهجهم. إن العلم ليعد علما فقط حينما يظل محتفظا بعقليته المتفتحة، وحينما يسمح بالمناقشة الحرة, وإلا فإنه ينتكس إلى مجرد قضايا أو أحكام تحكمية لا تستند إلى دليل أو برهان.