← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11426

الواضح في علوم القرآن

مصطفى ديب البغا

Полный текст (319 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفصل الأول ما ورد في الأحرف السبعة من الأحاديث، وسبب وروده، ومعنى الأحرف السبعة، والمقصود بها، ومصيرها ١ - ما ورد في الأحرف السبعة من الأحاديث: ورد في الأحرف السبعة أكثر من عشرة أحاديث نقتصر منها على ثلاثة هي: الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصّلاة، فانتظرته حتى سلّم ثم لببته بردائه أو بردائي، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت له: كذبت فو الله إن رسول الله ﷺ أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها وأنت أقرأتني سورة الفرقان. فقال رسول الله ﷺ : «أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام» فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها، قال رسول الله ﷺ : «هكذا أنزلت». ثم قال ﷺ : «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه» «١» متّفق عليه. الثاني: عن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه: أن النبيّ ﷺ كان على أضاة بني غفار «٢» فأتاه جبريل ﵇ فقال: «إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرف، فقال: أسال الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية

стр. 107

فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا» «١» رواه مسلم. الثالث: وعن عبد الله بن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل ﵇ على حرف واحد، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» «٢». وحديث إنزال القرآن على سبعة أحرف متواتر، وقد نصّ الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلّام على تواتره «٣»، وتتبع الحافظ ابن الجزري طرقه، وذكر الصحابة الذين رووه، وهم: عمر بن الخطاب، وهشام بن حكيم، وعبد الرحمن بن عوف، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان، وأبو بكرة، وعمرو بن العاص، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وسمرة بن جندب، وعمر بن أبي سلمة، وأبو جهيم، وأبو طلحة الأنصاري، وأم أيوب الأنصارية «٣». ﵃. ٢ - أسباب ورود القرآن على سبعة أحرف: أ- التخفيف على هذه الأمة المسلمة، وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها؛ شرفا لها، وتوسعة ورحمة، وخصوصية لفضلها.

стр. 108

ب- الإجابة لقصد نبيها محمد ﷺ أفضل الخلق وحبيب الحقّ، حيث أتاه جبريل فقال: «إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف. فقال ﷺ : أسأل الله معافاته ومعونته، إن أمتي لا تطيق ذلك» ولم يزل يردّد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف. روي عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: «كان الكتاب الأوّل نزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف» «١». وقد أوضح الحافظ ابن الجزري الحكمة الكامنة في ذلك بقوله: «إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يبعثون إلى قومهم الخاصّين بهم، والنبيّ ﷺ بعث إلى جميع الخلق، أحمرها وأسودها عربيها وعجميها، وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتهم مختلفة، وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها، أو من حرف إلى آخر، بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولا بالتعليم والعلاج، لا سيما الشيخ والمرأة، ومن لم يقرأ كتابا، كما أشار إليه ﷺ ، فلو كلّفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم، لكان من التكليف بما لا يستطاع، وما عسى أن يتكلّف المتكلف وتأبى الطباع» «٢». ج- التدرّج بالأمة، لتجتمع في لهجاتها على لغة واحدة هي لغة قريش. ٣ - معنى الأحرف السبعة والمقصود بها: المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه في الاختلاف ورسم القراءة واحد، وهو ما ذهب إليه أبو الفضل الرازي وابن قتيبة، وابن الطيّب، واستحسنه ابن الجزري، وهذه الأوجه هي: الأول: اختلاف الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث مثل:

стр. 109

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ [المؤمنون: ٨] قرئ «لأمانتهم». الثاني: اختلاف تصريف الأفعال، من ماض ومضارع وأمر، مثل: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: ١٩] قرئ «ربّنا بعّد». الثالث: اختلاف وجوه الإعراب، مثل وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: ٢٨٢] قرئ «ولا يضارّ». الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة، مثل وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [الليل: ٣] قرئ «والذكر والأنثى» بنقص «ما خلق». الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير، مثل وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: ١٩] قرئ «وجاءت سكرة الحقّ بالموت». السادس: الاختلاف بالإبدال، مثل وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة: ٢٥٩] قرئ «ننشرها» بالراء. السابع: اختلاف اللغات- اللهجات- كالفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والإظهار والإدغام، مثل وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى [طه: ٩] تقرأ بالفتح والإمالة في «أتي» ولفظ «موسي» «١». والمقصود من هذه الأحرف السبعة: ١ - أن جبريل نزل على رسول الله ﷺ بها حرفا حرفا، وأنه ﷺ قرأ بها جميعا، وأقرأ الناس عليها، وقرءوا بها، فلا يسبقن إلى الذهن أن الأحرف السبعة راجعة إلى لغات الناس واختيارهم في ذلك كما يشاءون.

стр. 110

٢ - إن الحرف الواحد والأحرف السبعة للقرآن الكريم هي تنزيل من لدن حكيم حميد، وليس فيه لرسولنا ﷺ إلا البلاغ المبين، وقد فعل ﷺ وأدى الأمانة، وبلّغ الرسالة، على أكمل وجه. ٣ - ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن القرآن أنزل على هذا الشرط وهذه التوسعة، بحيث لا تتجاوز وجوه الاختلاف سبعة أوجه، مهما كثر ذلك التعدّد والتنوع في أداء اللفظ الواحد، ومهما تعددت القراءات وطرقها في الكلمة الواحدة. ٤ - لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة ليست قراءات القراء السبعة المشهورة، بل أول من جمع ذلك ابن مجاهد في القرن الرابع؛ ليكون ذلك موافقا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده واعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبع هي الحروف السبعة، أو أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءاتهم «١». ٤ - مصير الأحرف السبعة: إن الأحرف السبعة باقية إلى يومنا هذا، وستبقى ما بقي القرآن؛ لأنها لا ترجع إلى الاختلاف في الألفاظ مع اتحاد المعاني، ولا اختلاف اللغات، وإنما ترجع إلى أمور بسيطة يحتملها جميعا رسم القرآن الكريم على كتبته الأصلية دون إعجام وحركات، ويرجّح ابن الجزري صواب هذا الرأي، لأن الأحاديث الواردة تشهد له وتدلّ عليه، فيقول: «والمصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبيّ ﷺ على جبريل ﵇، متضمنة لها، لم تترك حرفا منها» «٢».

стр. 111

الفصل الثاني الفرق بين الأحرف والقراءات تمهيد: يحسن بنا قبل أن نذكر الفرق بين الأحرف والقراءات، أن نحدّد مصدر القراءات، وطريقة تلقيها وأخذها عن رسول الله ﷺ ، ونذكر من اشتهر بالقراءة من الصحابة والتابعين، وذلك في الفقرات التالية: ١ - مصدر القراءات: كالأحرف السبعة: قراءة رسول الله ﷺ بأمر ربه، فقد كان ﷺ يقرأ على أصحابه ما نزل عليه من القرآن فربما قرأ ألفاظا منه بوجوه عديدة من النطق والأداء، مما يتعلق بأوجه في الإعراب جائزة أو بمد أو قصر، أو تخفيف وتثقيل أو نقل أو إبدال ونحو ذلك مما يتفق على وجه واحد من الكتابة في الجملة، ويختلف اختلافا ما في النطق والأداء، فكان يجيز للصحابة رضوان الله تعالى عليهم أن يقرءوا بأيّ هذه الوجوه شاءوا. ولم تكن هذه الوجوه من القراءات محصورة في سبع أو عشر قراءات، بل ربما بلغت أوجه القراءات في مجموعها أكثر من ذلك. ٢ - إن المعول عليه في القرآن الكريم إنما هو التلقي والحفظ ثقة عن ثقة وإمام عن إمام إلى النبيّ ﷺ ، فقد يقع خطأ في نسخ المصحف كما تقع أخطاء في طبعه، ولأن الأصل في القرآن أنه لا يكون منقوطا ولا مشكولا ليسع القراءات فلا بد من أخذ القراءة عن إمام. ٣ - وقد اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في أخذ القرآن عنه ﷺ ، فمنهم

стр. 112

من أخذه عنه بحرف واحد، ومنهم من أخذه بحرفين، ومنهم من زاد، ثم تفرّقوا في البلاد، وهم على هذه الحال، فاختلف بسبب ذلك أخذ التابعين عنهم. ٤ - وقد بعث عثمان ﵁ بالمصاحف- حين كتبها زيد بن ثابت بأمره- إلى الأمصار والآفاق العديدة، وأرسل مع كل مصحف من توافق قراءته في الأكثر الأغلب، وهذه القراءات قد تخالف الذائع الشائع في القطر الآخر عن طريق المبعوث الآخر بالمصحف الآخر. ٥ - كان المشتهرون من الصحابة بإقراء القرآن عثمان، وعليّ، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وسائر أولئك الذين أرسلهم عثمان ﵁ وعنهم بالمصاحف إلى الآفاق الإسلامية. وكان المشتهرون من التابعين بإقراء القرآن سعيد بن المسيب، وعروة، وسالم، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وأخوه عطاء وآخرون. ٦ - في آخر عهد التابعين انتبه كثير من علماء القرآن إلى ما أخذ يتسلل إلى الناس من اضطراب السلائق، ومظاهر العجمة وبوادر اللحن، فتجرد قوم منهم ونهضوا بأمر القراءات يضبطونها ويحصرونها ويعنون بأسانيدها كما فعلوا مثل ذلك في الحديث وعلم التفسير. وقد اشتهر ممن نهض بذلك أئمة سبعة حازوا ثقة العلماء والقراء في مختلف الأمصار وإليهم تنسب القراءات السبعة «١». وهم: نافع بن نعيم المدني المتوفى سنة (١٦٩ هـ)، وعاصم بن أبي النجود الأسدي، المتوفى سنة (١٢٧ هـ)، وحمزة بن حبيب الزيات الكوفي، المتوفى سنة

стр. 113

(١٥٦ هـ)، وابن عامر: عبد الله بن عامر اليحصبي الدمشقي، المتوفى سنة (١١٨ هـ)، وابن كثير: عبد الله بن كثير الداري، المتوفى بمكة سنة (١٢٠ هـ)، وابن العلاء: أبو عمرو، زبّان بن العلاء البصري، المتوفى بالكوفة سنة (١٥٤ هـ)، والكسائي: أبو الحسن، علي بن حمزة الكسائي النحوي، المتوفى بالري سنة (١٨٩ هـ). وقد اعتمد علماء آخرون ثلاثة قراء آخرين، فأصبح الأئمة عشرة إليهم تنسب القراءات العشرة. وأولئك الثلاثة هم: أبو جعفر المدني، المتوفى بالمدينة سنة (١٣٢ هـ)، وابن إسحاق الحضرمي، المتوفى بالبصرة سنة (٢٠٥ هـ)، وخلف بن هشام، المتوفى ببغداد سنة (٢٢٩ هـ). الفرق بين الأحرف والقراءات: ١ - إن الأحرف ألفاظ متعدّدة تجمع على مصحف واحد، أما القراءات فلفظ واحد قد يقرأ على أوجه من القراءات. ٢ - الحكمة من تعدّد الأحرف التيسير على الأمة، أما القراءات فقد تفيد كلّ قراءة فائدة زائدة ليست في الأخرى، كما في قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢] قرئ حَتَّى يَطْهُرْنَ، فالأولى معناها: ينقطع حيضهن، والثانية معناها: يغتسلن. وهي باقية ما بقي القرآن الكريم.

стр. 114

الفصل الثالث القراءات المتواترة والشاذة- ضابط القراءات المتواترة ١ - أنواع القراءات: أنواع القراءات من حيث السند ستة: ١ - المتواتر: وهو ما رواه جمع عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم. مثاله: ما اتفقت الطرق في نقله عن السبعة وهذا هو الغالب في القراءات. ٢ - المشهور: هو ما صحّ سنده، بأن رواه العدل الضابط عن مثله، وهكذا، ووافق العربية ووافق أحد المصاحف العثمانية، سواء كان من الأئمة السبعة أم العشرة أم غيرهم من الأئمة المقبولين. وهذان النوعان يقرأ بهما مع وجوب اعتقادهما ولا يجوز إنكار شيء منهما. ٣ - ما صح سنده: وخالف الرسم أو العربية، ولم يشتهر الاشتهار المذكور. مثاله قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] قرئ (من أنفسكم) بفتح الفاء. وهذا النوع لا يقرأ به ولا يجب اعتقاده. ٤ - الشّاذّ: وهو ما لم يصح سنده، مثاله قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس: ٩٢] ورد بطريق غير صحيح أنه قرئ (فاليوم ننحيك) بالحاء المهملة بدل الجيم.

стр. 115

٥ - الموضوع: وهو ما ينسب إلى قائله من غير أصل، مثاله قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] افتري على أبي حنيفة أنه قرأ: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وكيف يخشى الخالق المخلوق؟ ولماذا؟ ٦ - ما يشبه المدرج من أنواع الحديث: وهو ما زيد من القراءات على وجه التفسير، مثاله قوله تعالى: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة: ٨٩] قرأ ابن مسعود (ثلاثة أيام متتابعات). ٢ - الفرق بين القراءات المتواترة والشاذة: (١) إن القراءات المتواترة صحيحة النسبة إلى رسول الله ﷺ بنقل الجمع الكثير عن الجمع الكثير حتى يبلغ إلى رسول الله ﷺ . (٢) يجب اعتقاد القراءات المتواترة بحيث يكفر جاحدها جملة، معاذ الله. (٣) هذه القراءات هي التي يقرأ بها القرآن الكريم ويتعبد به في الصلاة وخارج الصلاة. (٤) هذه القراءات يستعان بها على فهم القرآن الكريم وإدراك مراميه. أما القراءات الشاذة فعلى عكس ذلك. أ- فهي مما لا تصحّ نسبة القراءة بها إلى رسول الله ﷺ . ب- ويحرم اعتقادها، بل قد يكفر معتقدها إذا علم بطلان سندها. ج- لا يقرأ بها في الصلاة أو خارج الصلاة، ولا يتعبد الله تعالى بتلاوتها. د- لا يستعان بها على فهم القرآن، ولكن من المهم أن يعرف توجيهها، قال بعضهم: توجيه القراءات الشّاذّة أقوى في الصناعة من توجيه المشهورة «١». ٣ - ضابط قبول القراءات: ضابط قبول القراءة أمور ثلاثة:

стр. 116

١ - موافقة أحد المصاحف العثمانية: المنسوبة إلى الخليفة عثمان ﵁ لأمره بكتابتها، ولو تقديرا بغير صراحة. فيدخل فيها مثل قراءة ابن عامر في قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ [البقرة: ١١٦] فإنه قرأ بحذف الواو أولها: قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه. ويدخل فيها قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قراءة من قرأ ملك يوم الدين بدون ألف، فالرسم يحتمل ذلك تقديرا، فإن الألف قد تحذف في الكتابة. ٢ - موافقة اللغة العربية ولو بوجه من وجوه اللغة سواء كان أفصح أم فصيحا، مجتمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضرّ مثله. فيدخل فيها قراءة أبي عمرو في قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [البقرة: ٥٤] فإنه قرأ بسكون الهمزة في بارِئِكُمْ. قال الحافظ أبو عمرو الداني: والإسكان أصح في النقل وأكثر في الأداء. ثم قال: وأئمة القراء لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عندهم لا يردها قياس عربية ولا فشوّ لغة، لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها «١». ٣ - صحة السند إلى رسول الله ﷺ . وذلك أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله، وهكذا حتى ينتهي، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن، غير معدودة عندهم من الغلط، أو مما شذّ به بعضهم «٢». ويعتبر الإمام ابن الجزري: أن ما اشتهر واستفاض من القراءات موافقا لرسم

стр. 117

القرآن الكريم واللغة العربية ولو بوجه من الوجوه، هو في قوة المتواتر في القطع بقرآنيته، وإن كان غير متواتر في نفسه «١». ملاحظة: إنما اكتفى القراء في ضابط القراءة المشهورة بصحة السند مع موافقة الرسم والعربية ولم يشترطوا التواتر مع أنه لا بد منه في تحقيق القرآنية لأسباب ثلاثة: (١) إن هذا ضابط لا تعريف، والتواتر قد لوحظ في تعريف القرآن. والضابط ليس لبيان الماهية. (٢) التيسير على الطالب في تمييز القراءات المقبولة من غيرها، فإنه يسهل عليه بمجرد رعايته لهذا الضابط أن يميز القراءات المقبولة من غير المقبولة. (٣) إن هذه الأركان الثلاثة تكاد تكون مساوية للتواتر في إفادة العلم القاطع بالقراءات المقبولة. بيان هذه المساواة: أن ما بين دفتي المصحف متواتر ومجمع عليه من الأمة في أفضل عهودها وهو عهد الصحابة، فإذا صحّ سند القراءة ووافقت قواعد اللغة العربية ثم جاءت موافقة لخط هذا المصحف المتواتر، كانت هذه الموافقة قرينة على إفادة هذه الرواية للعلم القاطع وإن كانت آحادا «٢».

стр. 118

الباب الخامس المحكم والمتشابه والمبهم الفصل الأول: تعريفات. الفصل الثاني: الآيات المتشابهة والحكمة منها. الفصل الثالث: افتتاحيات السور.

стр. 119

الفصل الأول تعريفات (المحكم والمتشابه والمبهم) تمهيد: قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [آل عمران: ٧]. هذه الآية الكريمة من كتاب الله تعالى هي البداية والنهاية لفرع من علوم القرآن نجده يبدأ منها وينتهي عندها. فقد احتوت كلماتها على المحكم، ويقابله المتشابه، والراسخون في العلم يقابلهم الذين في قلوبهم زيغ، ومن هنا كانت البداية في تعريف كل من المحكم والمتشابه، لننتهي إلى فهم الآية وتفسيرها. أولا: تعريف المحكم: المحكم في اللغة: يستعمل بمعنى المتقن والممنوع. يقال: أحكم الأمر: أتقنه. ويقال: أحكم الرأي: أتقنه ومنعه من الفساد. والحكمة: ما يحيط بحنكي الفرس من لجامه، لتمنعه من الحركة والاضطراب. والقرآن الكريم: بهذا المعنى اللغوي محكم كلّه، أي: متقن ممتنع عن النقص والخلل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١].

стр. 120

والمحكم في الاصطلاح: هو الذي يدلّ على معناه بوضوح لا خفاء فيه، أو هو ما لا يحتمل إلا وجها واحدا من التأويل «١»، أو هو ما كانت دلالته راجحة، وهو الظاهر والنص. والظاهر في اللغة: الواضح. وفي الاصطلاح: هو الذي ظهر المراد منه بنفسه؛ من غير توقّف على أمر خارجي؛ مثل قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥] فكلمة أحلّ وحرّم تدلّان على أن البيع حلال والربا حرام دون حاجة إلى قرينة خارجية. والظاهر لا يراد منه المقصود الأصلي من سياق الآية؛ وهو نفي المماثلة بين البيع والربا، ردا على المشركين الذين قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥]. والنص: هو ما دل بنفس لفظه وصيغته على المعنى، من غير توقّف على أمر خارجي، مثل آية وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥]. إذ هي نص في التفرقة بين البيع والربا. وهذا المعنى هو المقصود الأصلي من سياق الآية. ونستنتج من هذا أنّ النصّ أظهر في دلالته من الظاهر على معناه، وعند التعارض بينهما نرجّح النصّ على الظاهر. ثانيا: تعريف المتشابه: المتشابه في اللغة: المتماثل، يقال: أمور متشابهة، أي متماثلة يشبه بعضها بعضا، ويقال شابهه وأشبهه: أي ماثله إلى درجة الالتباس. قال الله تعالى في وصف رزق أهل الجنة: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [البقرة: ٢٥] أي: متماثلا في الشكل والحجم، ومختلفا في الطعم. وقال الله تعالى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا [البقرة: ٧٠] أي: تماثل والتبس، فلا ندري أي بقرة نذبح.

стр. 121

والقرآن الكريم بهذا المعنى اللغوي: محكم جلّه، وبعضه متشابه، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: ٧]. والمتشابه في الاصطلاح: ما كانت دلالته غير واضحة. وقال بعضهم: المتشابه ما لا يستقل بنفسه، بل يحتاج إلى بيان، فتارة يبين بكذا، وتارة بكذا، لحصول الاختلاف في تأويله. أنواع المتشابه: المتشابه على ثلاثة أضرب (أنواع): ١ - ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج الدابة وكيفيته، ونحو ذلك. ٢ - وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته، كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة. ٣ - وضرب متردّد بين الأمرين، يجوز أن يختصّ بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على من دونهم، وهو الضرب المشار إليه بقوله ﷺ لعليّ ﵁: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» . وقوله لابن عبّاس مثل ذلك «١». ثالثا: تعريف المبهم: المبهم في اللغة: المشتبه. يقال: أبهم الأمر؛ اشتبه، كاستبهم. والمبهم اصطلاحا: ما لا سبيل إلى معرفته إلا بتبيين المبهم عبارة أو إشارة. وللإبهام أسباب:

стр. 122

١ - أن يكون أبهم في موضع استغناء ببيانه في سياق الآية، كقوله تعالى: يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ [الانفطار: ١٥] بيّنه بقوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧]. ٢ - أن يتعيّن لاشتهاره، كقوله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة: ٣٥] ولم يقل حواء، لأنه ليس غيرها. ٣ - قصد الستر عليه، ليكون أبلغ في استعطافه، كقوله تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ [البقرة: ١٠٨] والمراد بالسائلين هو رافع بن حريملة، ووهب بن زيد. ٤ - ألّا يكون في تعيينه كبير فائدة، كقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [البقرة: ٢٥٩] المراد به عزير، الذي مرّ على بيت المقدس. ٥ - التنبيه على التعميم، وهو غير خاص، بخلاف ما لو عيّن، كقوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء: ١٠٠] قال عكرمة: أقمت أربع عشرة سنة أسأل عنه حتى عرفته، هو ضمرة بن العيص، وكان من المستضعفين بمكة وكان مريضا، فلما نزلت آية الهجرة خرج منها فمات بالتنعيم «١». ٦ - تعظيمه بالوصف الكامل دون الاسم، كقوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور: ٢٢]، والمراد أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. ٧ - تحقيره بالوصف الناقص، كقوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ٣] المراد به العاصي بن وائل السهمي.

стр. 123

الفرق بين المتشابه والمبهم: ١ - المتشابه ما يحتمل أوجها عديدة من التفسير ولا سبيل إلى معرفة حقيقته معرفة يقين. ٢ - أما المبهم فيمكن معرفة حقيقته، ولكن لا سبيل إلى معرفته إلا بتبيين من المبهم عبارة أو إشارة.

стр. 124

الفصل الثاني الآيات المتشابهة، والحكمة منها مدخل: سبق تعريف المتشابه اصطلاحا بأنه: ما احتمل أوجها من التأويل فيحتاج إلى بيان. ومنشأ التشابه يعود إلى خفاء مراد الشارع من كلامه، والخفاء يعود إلى أسباب ثلاثة: ١ - خفاء في اللفظ، مثل: فواتح السور، أو في المفرد بسبب اشتراكه بين عدّة معان، مثل العين: تأتي للجارحة، ونبع الماء، والذهب، والفضة، وغير ذلك. ٢ - خفاء في المعنى، مثل: ما جاء في القرآن الكريم والسّنّة الشريفة وصفا لله تعالى أو لأهوال القيامة، أو لنعيم الجنة، وعذاب النار، فإنّ العقل البشري لا يمكن أن يحيط بحقائق صفات الخالق، ولا بأهوال القيامة، ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب النار، وكيف السبيل إلى أن يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسّه وما لم يكن فينا مثله ولا جنسه؟ ٣ - خفاء في اللفظ والمعنى معا، مثل قول الله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: ١٨٩] فقد كان العرب في الجاهلية إذا أحرموا وأرادوا دخول بيوتهم- وكانوا من أهل البيوت لا من أهل الخيام- نقبوا نقبا في ظهور بيوتهم يدخلون ويخرجون منه، وإن كانوا من أهل الأخبية خرجوا من خلف الأخبية، فنزل: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها [البقرة: ١٨٩]. فمنشأ الخفاء في

стр. 125

اللفظ الاختصار، كأنّ المعنى: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إذا كنتم محرمين. ومنشأ الخفاء في المعنى: أنه لا بد من معرفة عادة العرب في الجاهلية، وإلا لتعذّر فهمه. فقد ظهر لنا بأنّ الخفاء الراجع إلى السبب الأول والثالث مما يمكن إزالته، وفهم المراد فيه. وما كان الخفاء فيه راجعا إلى السبب الثاني فذلك مما لا يمكن إزالته، ولا سبيل لتعيين المراد فيه. فالآيات المتشابهة تعود إلى التشابه والخفاء من جهة المعنى. نماذج من الآيات المتشابهة: قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ [المجادلة: ٧]. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥]. وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٨]. وقال سبحانه: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥] وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف: ٨٤] .. وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ .. [الأنعام: ٣]. وقال ﷻ : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ [البقرة: ٢١٠]. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [الأنعام: ١٥٨]. وقال سبحانه: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: ٥٠] وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ

стр. 126

عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. تلك آيات من المتشابه من جهة المعاني في القرآن الكريم، ولا سبيل إلى معرفة حقيقة المراد بها. موقف العلماء منها: وللعلماء في تلك الآيات وأمثالها: موقف واحد من حيث الابتداء، ثم يختلفون بعد ذلك: ١ - الموقف الواحد: يتمثل في حمل المتشابه من الآيات على المحكم منها، أي: حمل الآيات التي تشير إلى تعيين جهة لله تعالى، أو مكان له سبحانه، أو تعيين معية حقيقية منه للعباد، أو إثبات النقلة والمجيء الحسّي لله تعالى، على المحكم من الآيات، من مثل قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]. كما يحمل على قوله سبحانه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ١ - ٤]. فيقولون: ليس ظواهر هذه الآيات مرادة لله تعالى، بل يجب تنزيهه سبحانه عن تلك الظواهر المستحيلة عليه. ٢ - موضع الاختلاف بعد ذلك: أ- من كان في خير القرون الثلاثة ومن بعدهم بقليل، ويلحق بهم من يقول بقولهم إلى يومنا هذا، ويسمّون السلف أو (المفوّضة): يقولون: نفوّض معاني هذه المتشابهات إلى الله تعالى، فيقولون في قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥] ننزه الله تعالى عن الجلوس واتخاذ حيّز ومكان. ثم نفوّض المراد بذلك إلى الله تعالى. ب- من كان في أواخر القرن الرابع وما بعد، ويلحق بهم من يقول بقولهم إلى

стр. 127

يومنا هذا، ويسمّون الخلف أو (المؤوّلة)، يقولون: نؤوّل معاني هذه المتشابهات بالاستعانة بآيات أخرى وأساليب البيان، فيقولون في قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥] ننزّه الله تعالى عن الجلوس واتّخاذ حيّز ومكان، ثم نرى أن المراد بها إثبات الملك والسلطان التام لله تعالى، فإذا ملك أكبر المخلوقات- العرش- ملك ما دونه. والذي دفع الخلف إلى هذا التأويل وأمثاله هو اختلاط فكرة اليهود المجسّمة لله تعالى بأفكار بعض الزائغين من المسلمين، وتعلّق بعض آخر بظواهر النصوص، وفهمها فهما مستقلا عن غيرها، علما أنها تمثّل جميعها وحدة كاملة. قال الله تعالى في حق اليهود وأمثالهم: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧]. ج- وذكر الإمام السيوطي مذهبا ثالثا سوى مذهبي السلف والخلف، وهو مذهب المتوسطين، فقال: وتوسّط ابن دقيق العيد فقال: إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر، أو بعيدا توقّفنا عنه، وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه، وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقيف، كما في قوله تعالى: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦] فنحمله على حق الله تعالى وما يجب له «١». قلت: وعلى هذا يتفق السلف والخلف والمتوسطون على مرادات واحدة في بعض الآيات المتشابهات، ففي قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] يبقى ذاته سبحانه. وفي قوله تعالى: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [النحل: ٢٦] يقولون: أتى عذاب الله تعالى المستحقين له.

стр. 128

وفي قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف: ٨٤] يقولون: هو إله معبود بحق من أهل السماء والأرض. وفي قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ... [الواقعة: ٨٥] يقولون: ملائكة الله تعالى ... وأمثالها. ٣ - الفرق بين السلف والخلف: تبيّن أن السلف والخلف متّفقون على التأويل الإجمالي في آيات الصفات المتشابهة، ثم يفوّض السلف معانيها إلى الله تعالى. أما الخلف فيعمدون إلى تأويلها تفصيلا، اعتمادا على النصوص الأخرى وبيان لغة العرب. ٤ - الرأي الراجح: الرأي الراجح هو رأي السلف، لأدلة منها: ١ - إن الرسول ﷺ وصحابته رضوان الله تعالى عليهم، وقفوا عند الآيات المتشابهات، ولم يؤوّلوها بأيّ تأويل قريب أو بعيد. ٢ - إن المتشابه هو ما لا يوقف على المراد منه، فيكون التفويض هو الحقّ، قال الله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧] ثم قال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧]. والواو في (والراسخون) لابتداء الكلام واستئنافه. ٣ - قال ﷺ لعائشة رضي الله تعالى عنها: « ... فإذا رأيت الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم ... » «١».

стр. 129

٤ - أخرج الدارمي عن سليمان بن يسار: أن رجلا يقال له ابن صبيغ «١» قدم المدينة المنوّرة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أعدّ له عراجين النخل، فقال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن صبيغ، فأخذ عمر عرجونا فضربه حتى دمّى رأسه. وجاء في رواية أخرى فضربه حتى ترك في ظهره دبرة، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد، ثم تركه حتى برأ، فدعا به ليعود فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، فأذن له أن يعود إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألا يجالسه أحد من المسلمين «٢». والدّبرة بفتحات ثلاث هي قرحة الدابة، والمراد هنا أنّه صيّر في ظهره من الضرب جرحا داميا كأنه قرحة في دابة. ورضي الله تعالى عن عمر فإن هذا الأثر يدلّ على أن ابن صبيغ فتح أو حاول أن يفتح باب فتنة بتتبعه متشابهات القرآن، يكثر الكلام فيها، ويسأل الناس عنها، فأغلقه ﵁ بتأديبه. ٥ - سئل مالك- وقبله أم سلمة ﵂ عن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥]. فغضب واحمرّ وجهه ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة، وأظنك رجل سوء، أخرجوه عني «٣». فأخرجوه من المسجد. قال الزرقاني: يريد رحمه الله تعالى أن الاستواء معلوم الظاهر بحسب ما تدلّ عليه الأوضاع اللغوية، ولكن هذا الظاهر غير مراد قطعا، لأنه يستلزم التشبيه المحال على الله تعالى بالدليل القاطع، مثل قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]

стр. 130

والكيف مجهول: أي تعيين مراد الشارع مجهول لنا لا دليل عندنا عليه ولا سلطان لنا به. والسؤال عنه بدعة؛ أي الاستفتاء عن تعيين هذا المراد على اعتقاد أنه ما شرعه الله بدعة، لأنه طريقة في الدين مخترعة مخالفة لما أرشدنا إليه الشارع من وجوب تقديم المحكمات وعدم اتباع المتشابهات. وما جزاء المبتدع إلا أن يطرد ويبعد عن الناس خوف أن يفتنهم لأنه رجل سوء، وذلك قوله: وأظنك رجل سوء، أخرجوه عني. انتهى «١». الحكمة من ذكر المتشابه: ١ - رحمة الله بالإنسان، فقد أخفى سبحانه وقت الساعة (يوم القيامة) ليبقى الناس في كدح واستعداد، وليبتعدوا عن الخوف الذي يفتك بنفوسهم، ويقعدهم عن العمل. ٢ - الابتلاء والاختبار، في إيمان البشر بالغيب ثقة بخبر الصادق، وتميّز المؤمنين المهديين عن الكفرة وأهل الزيغ والضلال ٣ - إقامة الدليل على عجز الإنسان وجهالته مهما عظم استعداده وغزر علمه، إذا ما قورن علمه بعلم الله تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: ٧٦]. ٤ - كلما كان التشابه موجودا، كان الوصول إلى الحق أشق، وزيادة المشقة تقتضي زيادة الأجر والثواب. ٥ - اشتمال القرآن الكريم على المحكم والمتشابه، يضطر الناظر فيه إلى البحث عن الأدلة، فيخلص الراسخ في العلم من ظلمة التقليد، ويتميز الخواص عن العوامّ، وتبرز مكانة العقل وأهمية إعماله في فهم آيات كتاب الله خاصة، وفي فهم دلائل قدرة الله في الكون عامة.

стр. 131

الفصل الثالث افتتاحيات السور افتتح الله تعالى السور في كتابه العزيز بعشرة أنواع لا يخرج شيء من السور عنها: ١ - الاستفتاح بالثناء عليه ، نحو الْحَمْدُ لِلَّهِ- تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وذلك في ست سور. ٢ - الاستفتاح بحروف التهجي، نحو: (الم- المص- كهيعص-) وذلك في تسع وعشرين سورة. ٣ - الاستفتاح بالنداء، نحو: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ، وذلك في عشر سور. ٤ - الاستفتاح بالجمل الخبرية نحو: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ وذلك في إحدى وثلاثين سورة. ٥ - الاستفتاح بالقسم، نحو: وَالصَّافَّاتِ، وَالذَّارِياتِ وذلك في خمس عشرة سورة. ٦ - الاستفتاح بالشرط، نحو: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ وذلك في سبع سور. ٧ - الاستفتاح بالأمر، نحو: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ- اقرأ وذلك في ست سور. ٨ - الاستفتاح بالاستفهام، نحو: عَمَّ يَتَساءَلُونَ ... وذلك في ست سور.

стр. 132

٩ - الاستفتاح بالدعاء، نحو: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ... وذلك في ثلاث سور. ١٠ - الاستفتاح بالتعليل، نحو: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ... وذلك في سورة واحدة. معاني الأحرف المقطعة أوائل السور (حروف التهجي): اختلف العلماء في معاني تلك الأحرف على قولين: القول الأول: إن هذا علم مستور استأثر الله تعالى به؛ قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: في كلّ كتاب سر، وسرّه في القرآن أوائل السور. وقال عليّ ﵁: إن لكلّ كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. وروى أبو ظبيان عن ابن عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها. وقال الحسين بن الفضل: هو من المتشابه. وقال الشّعبيّ: إنها من المتشابه نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله . القول الثاني: إن المراد منها معلوم، وذكروا فيه واحدا وعشرين وجها، فمنها البعيد ومنها القريب، ونختار ثلاثة أوجه منها: أحدها: روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه سبحانه، فالألف من (الله) واللام من (اللطيف) والميم من (المجيد). أو الألف من (آلائه). واللام من (لطفه). والميم من (مجده). قال ابن فارس: وهذا وجه جيّد، وله في كلام العرب شاهد: قلنا لها قفي فقالت قاف. فعبّر عن قولها وقفت ب ق. وقال زهير:

стр. 133

بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشرّ إلا أن تا أراد: وإن شرا فشرّ، وأراد: إلا أن تشاء. وفي الحديث «من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة» وهو أن يقول في «اقتل» اق، وكما قال ﷺ : «كفى بالسيف شا» معناه: شافيا. ثانيها: إن الله تعالى أقسم بهذه الحروف، بأن هذا القرآن الذي يقرؤه محمد ﷺ هو الكتاب المنزل لا شكّ فيه، وذلك يدلّ على جلالة قدر هذه الحروف، إذ كانت مادة البيان، وما في كتب الله تعالى المنزلة باللغات المختلفة، وهي أصول كلام الأمم بها يتعارفون، وقد أقسم الله تعالى ب (الفجر) و (الطور)، فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها. ثالثها: إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه، وقال بعضهم فيما حكى الله تعالى عنهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: ٢٦]. فأنزل الله تعالى هذا النظم البديع ليعجبوا منه، ويكون تعجّبهم سببا لاستماعهم، واستماعهم له سببا لاستماع ما بعده، فترقّ القلوب، وتلين الأفئدة. الحكمة من افتتاحيات السّور: ١ - إن النبيّ ﷺ كان يتحدّى المشركين بالقرآن الكريم مرة بعد أخرى فلما ذكر هذه الحروف دلّت قرينة الحال على أن مراده تعالى من ذكرها أن يقول لهم: إن هذا القرآن إنما تركّب من هذه الحروف التي أنتم قادرون عليها، فلو كان هذا القرآن من قبل البشر لوجب أن يقدروا على الإتيان بمثله. ٢ - إن الله تعالى افتتح السور بهذه الحروف إرادة منه للدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة، لا على معنى واحد، فتكون هذه الحروف جامعة لأن تكون افتتاحا، وأن يكون كلّ واحد منها مأخوذا من اسم من أسماء الله تعالى، وأن يكون

стр. 134

الله تعالى قد وضعها هذا الموضع فسمّي بها. ٣ - إنها مأخوذة من صفات الله في إنعامه وإفضاله ومجده، للدلالة عليها والتعريف بها.

стр. 135

الباب السادس النسخ الفصل الأول: معنى النسخ، وجوازه. الفصل الثاني: وقوع النسخ في القرآن، وأنواع النسخ.

стр. 136

الفصل الأول النسخ (معناه- جوازه- أهميته) ١ - معنى النسخ ١ - في اللغة: يطلق النسخ في اللغة ويراد به معنيان: أ- النقل: أي نقل الشيء وتحويله من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه، ومنه: نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه. وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم بقوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩] أي ننقل أعمالكم إلى الصحف، ومن الصحف إلى غيرها. ب- الإزالة: بمعنى رفع الشيء وإعدامه، ومنه: نسخت الشمس الظل إذا أزالته، ونسخت الريح آثار القدم أي أعدمته. وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم بقوله تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: ٥٢] أي يزيل ويعدم وساوس الشيطان وتزييفه. ٢ - في الاصطلاح: عرف الأصوليون والفقهاء النسخ بقولهم: رفع الشارع حكما شرعيا بدليل شرعي متراخ عنه. أي رفع استمرار العمل بالحكم السابق، والعمل بالحكم الثابت آخرا. هذا التعريف يتناول النسخ الواقع في الكتاب وفي السنة، وظاهره يفيد أن النسخ لا يتوجه إلا إلى الحكم فقط، ولا يتوجه إلى نسخ التلاوة. ومرادنا هنا النسخ في القرآن وهو: رفع الحكم الثابت بالنص القرآني، أو رفع تلاوة النص والحكم الثابت به معا.

стр. 137

وعلى هذا يكون معنى نسخ تلاوة النص: نسخ حكم من أحكامه، وهو رفع الإثابة على ترتيله وصحة الصلاة به، وغير ذلك من وجوه الأحكام للنص القرآني. ٢ - جواز النسخ: أجمع المسلمون على جواز النسخ مطلقا. واستدلّوا على ذلك بالنقل والعقل: أ- أما النقل: فمنه قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦] ننسها: نمحها من القلوب فهي صريحة بجواز النسخ، بل هي قد نزلت ردّا على الذين طعنوا في الشريعة الإسلامية بوقوع النسخ فيها. وقوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل: ١٠١] والتبديل هو رفع لأصل وإثبات لبدل، وهذا هو معنى النسخ. والآية صريحة في جواز ذلك، بل هي تنكر على من يتهم الرسول ﷺ بالكذب بسبب وقوع ذلك في شرعه. وفي الكتاب والسنة نصوص كثيرة تدلّ على جواز النسخ. ب- وأما العقل: فهو أن العقل لا يمنع جوازه بل يقتضيه. وذلك لأن الله تعالى يشرّع الأحكام لتحقيق مصالح العباد، ومصالح العباد قد تختلف باختلاف الأزمان، وليس مما يمنعه العقل أن يعلم الله تعالى المصلحة في عمل في زمن من الأزمان ويعلم عدم المصلحة فيه في زمن آخر، وعلم الله تعالى في الحالتين قديم، فيأمر به في الزمن الأول وينهى عنه في الزمن الآخر، وهو أعلم بمصالح العباد. ٣ - أهميته: ومما يدلّ على أهمية هذا العلم من علوم الكتاب العزيز، وعظيم شأنه؛ اعتناء

стр. 138

العلماء به وتأليفهم فيه، نذكر منهم «١»: ١ - قتادة بن دعامة السدوسي، وهو تابعي متوفى سنة (١٨٨ هـ). ٢ - أبو عبيد القاسم بن سلّام، المتوفى سنة (٢٢٣ هـ). ٣ - أبو داود السجستاني، المتوفى سنة (٢٧٥ هـ). ٤ - مكي بن أبي طالب، المتوفى سنة (٣١٣ هـ). ٥ - أبو جعفر النحّاس، المتوفى سنة (٣٣٨ هـ). ٦ - هبة الله بن سلام، المتوفى سنة (٤١٠ هـ) «٢». ٧ - ابن العربي، صاحب كتاب «أحكام القرآن» المتوفى سنة (٥٤٦ هـ). ٨ - ابن الجوزي المتوفى سنة (٥٩٧ هـ).

стр. 139

الفصل الثاني (وقوع النسخ في القرآن- أنواعه) ١ - وقوع النسخ في القرآن الكريم: لقد ثبت عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين القول بوقوع النسخ في القرآن الكريم، ولذلك قالوا: لا يجوز لأحد أن يفسّر كتاب الله تعالى إلا بعد أن يعرف الناسخ منه والمنسوخ، ولم يقبلوا قول من جهل النسخ فيه أو أنكره، بل شدّدوا النكير عليه. روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر ﵁: أقرؤنا أبيّ، وأقضانا عليّ، وإنا لندع من قول أبيّ، وذاك أن أبيّا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها [البقرة: ١٠٦] «١». فهذا الحديث يدلّ على أن عمر ﵁ استدلّ بالآية على وقوع النسخ في القرآن، وأنه ينكر على أبيّ ﵁ عدم تركه شيئا سمعه من رسول الله ﷺ . وروي أن عليّا ﵁ مرّ على قاض فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال عليّ ﵁: هلكت وأهلكت «٢». وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: ٢٦٩] قال: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره وحرامه وحلاله «٢».

стр. 140

فهذه النقول وغيرها الكثير تثبت القول بوقوع النسخ في القرآن الكريم، وإليك بعض «١» الأمثلة التي وقع فيها النسخ فعلا: ١ - قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: ١٨٠]. فالآية تفيد وجوب الوصية على من حضرته الوفاة وله من يوصى له من الوالدين أو الأقربين. والجمهور على أن حكم هذه الآية منسوخ بآيات المواريث التي بيّنت لكل من الوالدين والأقربين حقّه ونصيبه من الميراث «٢». ٢ - قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥]. فالآية تدلّ على أن عقوبة من ثبت زناها الحبس في البيوت حتى الموت، وقد كان الحكم كذلك في ابتداء الإسلام، حتى نسخ بوجوب الجلد بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: ٢]. والجلد الثابت في الآية بالنسبة للبكر رجلا كان أو امرأة، وأما المحصن من كل منهما فالعقوبة هي الرجم والتي ثبتت بأدلة أخرى «٣». ٣ - قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة: ١٢].

стр. 141

فقد كان واجبا على الواجد أن يتصدّق بصدقة قبل أن يخاطب الرسول ﷺ ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٣]. ويروى عن عليّ ﵁ أنه ما عمل بها غيره، وأنها لم تكن إلا ساعة من نهار. ٢ - أنواع النسخ في القرآن: والمراد أنواع النسخ من حيث رفع الحكم أو التلاوة أو رفعهما معا، وهو على هذا ثلاثة أنواع: النوع الأول: نسخ التلاوة والحكم معا، وذلك بأن يبطل العمل بالحكم الثابت بالنص، إلى جانب حذف النص من القرآن، وعدم إعطائه حكم التلاوة من حيث صحة الصلاة به والتعبد بتلاوته، وبالتالي عدم إثباته في المصحف حين جمع القرآن. ومثال هذا النوع: ما رواه مسلم وأصحاب السنن عن عائشة ﵂ قالت: كان فيما أنزل من القرآن: «عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يقرأ من القرآن» «١». فمن الواضح في هذا المثال أن الحكم، وهو التحريم بعشر رضعات معلومات، منسوخ. وكذلك هذه الآية منسوخة التلاوة، ولذا لم يكتبها الصحابة ﵃ في المصحف حين جمعوا القرآن. والمراد بقولها «وهن مما يقرأ من القرآن» أن التلاوة قد نسخت ولم يبلغ ذلك كلّ الناس إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فتوفي وبعض الناس يقرؤها. النوع الثاني: نسخ الحكم فقط وبقاء التلاوة، أي إنه يبطل العمل بالحكم

стр. 142

الثابت بالنص، مع بقاء النص مما يتلى من القرآن ويتعبّد بتلاوته، ويثبت بين دفتي المصحف. ومثال هذا النوع: قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة: ٢٤٠]. فإن هذه الآية مثبتة في المصحف، وتلاوتها متواترة على أنها قرآن يتعبد بتلاوتها وتصحّ بها الصلاة، مع أن الحكم الثابت بها، وهو وجوب التربّص حولا كاملا لمن توفي عنها زوجها، منسوخ بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة: ٢٣٤]. فقد أوجبت على المتوفى عنها زوجها أن تعتدّ أربعة أشهر وعشرة أيام، وقد ثبت أنها متأخرة بالنزول عن الأولى، فدلّ ذلك على أن حكم الأولى منسوخ، وإن بقيت تلاوتها. النوع الثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، أي إن الحكم الثابت بالنص يبقى العمل به ثابتا ومستمرا، وإنما يجرّد النص عما يثبت للقرآن المتلو من أحكام، كالتعبّد بتلاوته وصحة الصلاة به وغير ذلك، ولا يثبت في المصحف. ومثال هذا النوع: ما رواه البخاري ومسلم «١» وغيرهما عن عمر بن الخطاب وصحّحه ابن حبّان، عن أبيّ بن كعب، ﵄، أنهما قالا: كان فيما أنزل من القرآن «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم». والمراد بالشيخ والشيخة الثّيّب من الرجال والنساء، وهذا الحكم، وهو رجم الثّيّب من الرجال والنساء إذا زنى ثابت ومحكم ومعمول به. علما بأن هذه الآية لم

стр. 143

يبق لها وجود بين دفتي المصحف ولا على ألسنة القراء، ولا تجوز بها الصلاة، ولا يتعبّد بتلاوتها. فائدة: بالغ بعض الكتّاب ممن تصدوا لدراسة الناسخ والمنسوخ، فعدّوا أيّ زيادة للبيان أو التقييد تجيء في إحدى الآيات؛ ناسخة للآية التي ورد فيها الحكم بلفظ العموم أو الإطلاق، ورفض علماء الأصول اعتداد هذا نسخا، واعتبروا بيان العموم أو تقييد المطلق من قبيل التفصيلات التي توضّح الحكم. ويذكر الزركشي أمثلة عن مغالاة بعض العلماء في القول بفكرة النسخ، فيقول: ومن ظريف ما حكي في كتاب هبة الله بن سلّام الضرير: أنه قال في قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان: ٨]. منسوخ من هذه الجملة وَأَسِيراً والمراد بذلك أسير المشركين، فقرئ الكتاب عليه وابنته تسمع، فلما انتهى إلى هذا الموضع قالت: أخطأت يا أبت! في هذا الكتاب! فقال لها: وكيف يا بنية؟! قالت: أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعا «١»! والحقّ أنّ النسخ لا بد فيه من نقل صحيح وصريح عن رسول الله ﷺ أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت آية كذا. أو يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به، مع علم التاريخ؛ ليعرف المتقدم والمتأخر. والأصل في الآيات القرآنية كلها الإحكام لا النسخ، وقد حصر العلماء القول بالنسخ في آيات معدودة، حدّدها السيوطي بتسع عشرة آية «٢».

стр. 144

الباب السابع إعجاز القرآن الفصل الأول- تمهيد. - تعريفه. - دليله. الفصل الثاني- وجوه إعجاز القرآن: ١ - الوجه العام ومظاهره: أولا: الإخبار عن المغيبات. ثانيا: سمو تشريعه وشموله. ثالثا: الإعجاز العلمي. ٢ - الوجه الخاص (الإعجاز البلاغي)، ومظاهره: أولا- الخصائص المتعلقة بأسلوب القرآن. ثانيا- الكلمة القرآنية. ثالثا- الجملة القرآنية وصياغتها. رابعا- جلال الربوبية في آياته. خامسا- التصوير الفني في القرآن. الفصل الثالث- أشهر الذين كتبوا في الإعجاز.

стр. 145

الفصل الأول إعجاز القرآن (تعريفه- دليله) تمهيد: بعث الله تعالى محمدا ﷺ ، وجعله خاتم النبيين والمرسلين، وأيّده بمعجزات باهرة كان أعظمها وأدومها معجزة القرآن الكريم، تلك المعجزة الخالدة التي كانت معجزة العقل البشري في أرقى تطورات نضجه ونموه، فبينما كان تأييد الله لرسله السابقين بآيات كونية تبهر الأبصار، ولا سبيل للعقل في معارضتها- كمعجزة اليد والعصا لموسى ﵇، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله لعيسى ﵇ كانت معجزة محمد ﷺ في عصر مشرف على العلم معجزة عقلية، تحاجّ العقل البشري وتتحداه إلى الأبد، معجزة لها صلة بوظيفة النبوة وأهداف الوحي ومعنى الشريعة، معجزة تدخل في صميم كتاب الرسالة نفسها، وهي هذا الكتاب الذي تطّلع عليه الأجيال في كل زمن، ويتلونه في كل عصر، فيلمسون فيه البرهان العظيم على إعجازه، حيث يرون أن العقل الإنساني- على تقدمه- لم يعجز عن معارضته لأنه آية كونية لا قبل له بها، وإنما لعجز وقصور ذاتي في العقل نفسه، فيكون هذا دليلا واعترافا على أنه وحي الله تعالى، وأن محمدا ﷺ صادق في رسالته، لأنه هو الذي بلّغه إلينا عن ربه. وهذا المعنى هو ما أشار إليه رسول الله ﷺ بقوله: «ما من الأنبياء نبي إلا
следующие страницы →