← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11426

الواضح في علوم القرآن

مصطفى ديب البغا

Полный текст (319 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فقد كان واجبا على الواجد أن يتصدّق بصدقة قبل أن يخاطب الرسول ﷺ ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٣]. ويروى عن عليّ ﵁ أنه ما عمل بها غيره، وأنها لم تكن إلا ساعة من نهار. ٢ - أنواع النسخ في القرآن: والمراد أنواع النسخ من حيث رفع الحكم أو التلاوة أو رفعهما معا، وهو على هذا ثلاثة أنواع: النوع الأول: نسخ التلاوة والحكم معا، وذلك بأن يبطل العمل بالحكم الثابت بالنص، إلى جانب حذف النص من القرآن، وعدم إعطائه حكم التلاوة من حيث صحة الصلاة به والتعبد بتلاوته، وبالتالي عدم إثباته في المصحف حين جمع القرآن. ومثال هذا النوع: ما رواه مسلم وأصحاب السنن عن عائشة ﵂ قالت: كان فيما أنزل من القرآن: «عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يقرأ من القرآن» «١». فمن الواضح في هذا المثال أن الحكم، وهو التحريم بعشر رضعات معلومات، منسوخ. وكذلك هذه الآية منسوخة التلاوة، ولذا لم يكتبها الصحابة ﵃ في المصحف حين جمعوا القرآن. والمراد بقولها «وهن مما يقرأ من القرآن» أن التلاوة قد نسخت ولم يبلغ ذلك كلّ الناس إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فتوفي وبعض الناس يقرؤها. النوع الثاني: نسخ الحكم فقط وبقاء التلاوة، أي إنه يبطل العمل بالحكم

стр. 142

الثابت بالنص، مع بقاء النص مما يتلى من القرآن ويتعبّد بتلاوته، ويثبت بين دفتي المصحف. ومثال هذا النوع: قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة: ٢٤٠]. فإن هذه الآية مثبتة في المصحف، وتلاوتها متواترة على أنها قرآن يتعبد بتلاوتها وتصحّ بها الصلاة، مع أن الحكم الثابت بها، وهو وجوب التربّص حولا كاملا لمن توفي عنها زوجها، منسوخ بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة: ٢٣٤]. فقد أوجبت على المتوفى عنها زوجها أن تعتدّ أربعة أشهر وعشرة أيام، وقد ثبت أنها متأخرة بالنزول عن الأولى، فدلّ ذلك على أن حكم الأولى منسوخ، وإن بقيت تلاوتها. النوع الثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، أي إن الحكم الثابت بالنص يبقى العمل به ثابتا ومستمرا، وإنما يجرّد النص عما يثبت للقرآن المتلو من أحكام، كالتعبّد بتلاوته وصحة الصلاة به وغير ذلك، ولا يثبت في المصحف. ومثال هذا النوع: ما رواه البخاري ومسلم «١» وغيرهما عن عمر بن الخطاب وصحّحه ابن حبّان، عن أبيّ بن كعب، ﵄، أنهما قالا: كان فيما أنزل من القرآن «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم». والمراد بالشيخ والشيخة الثّيّب من الرجال والنساء، وهذا الحكم، وهو رجم الثّيّب من الرجال والنساء إذا زنى ثابت ومحكم ومعمول به. علما بأن هذه الآية لم

стр. 143

يبق لها وجود بين دفتي المصحف ولا على ألسنة القراء، ولا تجوز بها الصلاة، ولا يتعبّد بتلاوتها. فائدة: بالغ بعض الكتّاب ممن تصدوا لدراسة الناسخ والمنسوخ، فعدّوا أيّ زيادة للبيان أو التقييد تجيء في إحدى الآيات؛ ناسخة للآية التي ورد فيها الحكم بلفظ العموم أو الإطلاق، ورفض علماء الأصول اعتداد هذا نسخا، واعتبروا بيان العموم أو تقييد المطلق من قبيل التفصيلات التي توضّح الحكم. ويذكر الزركشي أمثلة عن مغالاة بعض العلماء في القول بفكرة النسخ، فيقول: ومن ظريف ما حكي في كتاب هبة الله بن سلّام الضرير: أنه قال في قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان: ٨]. منسوخ من هذه الجملة وَأَسِيراً والمراد بذلك أسير المشركين، فقرئ الكتاب عليه وابنته تسمع، فلما انتهى إلى هذا الموضع قالت: أخطأت يا أبت! في هذا الكتاب! فقال لها: وكيف يا بنية؟! قالت: أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعا «١»! والحقّ أنّ النسخ لا بد فيه من نقل صحيح وصريح عن رسول الله ﷺ أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت آية كذا. أو يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به، مع علم التاريخ؛ ليعرف المتقدم والمتأخر. والأصل في الآيات القرآنية كلها الإحكام لا النسخ، وقد حصر العلماء القول بالنسخ في آيات معدودة، حدّدها السيوطي بتسع عشرة آية «٢».

стр. 144

الباب السابع إعجاز القرآن الفصل الأول- تمهيد. - تعريفه. - دليله. الفصل الثاني- وجوه إعجاز القرآن: ١ - الوجه العام ومظاهره: أولا: الإخبار عن المغيبات. ثانيا: سمو تشريعه وشموله. ثالثا: الإعجاز العلمي. ٢ - الوجه الخاص (الإعجاز البلاغي)، ومظاهره: أولا- الخصائص المتعلقة بأسلوب القرآن. ثانيا- الكلمة القرآنية. ثالثا- الجملة القرآنية وصياغتها. رابعا- جلال الربوبية في آياته. خامسا- التصوير الفني في القرآن. الفصل الثالث- أشهر الذين كتبوا في الإعجاز.

стр. 145

الفصل الأول إعجاز القرآن (تعريفه- دليله) تمهيد: بعث الله تعالى محمدا ﷺ ، وجعله خاتم النبيين والمرسلين، وأيّده بمعجزات باهرة كان أعظمها وأدومها معجزة القرآن الكريم، تلك المعجزة الخالدة التي كانت معجزة العقل البشري في أرقى تطورات نضجه ونموه، فبينما كان تأييد الله لرسله السابقين بآيات كونية تبهر الأبصار، ولا سبيل للعقل في معارضتها- كمعجزة اليد والعصا لموسى ﵇، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله لعيسى ﵇ كانت معجزة محمد ﷺ في عصر مشرف على العلم معجزة عقلية، تحاجّ العقل البشري وتتحداه إلى الأبد، معجزة لها صلة بوظيفة النبوة وأهداف الوحي ومعنى الشريعة، معجزة تدخل في صميم كتاب الرسالة نفسها، وهي هذا الكتاب الذي تطّلع عليه الأجيال في كل زمن، ويتلونه في كل عصر، فيلمسون فيه البرهان العظيم على إعجازه، حيث يرون أن العقل الإنساني- على تقدمه- لم يعجز عن معارضته لأنه آية كونية لا قبل له بها، وإنما لعجز وقصور ذاتي في العقل نفسه، فيكون هذا دليلا واعترافا على أنه وحي الله تعالى، وأن محمدا ﷺ صادق في رسالته، لأنه هو الذي بلّغه إلينا عن ربه. وهذا المعنى هو ما أشار إليه رسول الله ﷺ بقوله: «ما من الأنبياء نبي إلا

стр. 146

أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «١». وإنما يكون أكثر الأنبياء تابعا لأن معجزته تشاهد بالبصيرة، ومعجزات غيره تشاهد بالبصر، وما يشاهد بالبصيرة باق يشاهده كلّ من جاء باستمرار. ولما كان القرآن المعجزة الخالدة الكبرى؛ كان الحديث عن إعجاز القرآن من أهم الأبحاث المتعلقة بالقرآن وآدابه وعلومه، وهو لبها وجوهرها، وأساسها وعمدتها، على أن الحديث عن الإعجاز ضرب من الإعجاز، لا يصل الباحث فيه إلى سرّ منه، حتى يجد وراءه جوانب أخرى يكشف عن سرّ إعجازها الزمن، فهو كما يقول الرافعي: وما أشبه القرآن الكريم- في تركيب إعجازه وإعجاز تركيبه- بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة وتعاوروه من كل ناحية، وأخلقوا جوانبه بحثا وتفتيشا، ثم هو بعد لا يزال عندهم على كل ذلك خلقا جديدا، ومراما بعيدا، وصعبا شديدا، وإنما بلغوا منه- إذ بلغوا- نزرا تهيأت لضعفه أسبابه، وقليلا عرف لقلته حسابه، وبقي ما وراء ذلك من الأمر المتعذر الذي وقفت عنده الأعذار، والابتغاء المعجز الذي انحط عنده قدر الإنسان، لأنه مما سمت به الأقدار «٢». وصدق الله العظيم إذ يقول: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. ١ - تعريفه: الإعجاز- لغة- إثبات العجز، وهو الضعف والقصور عن فعل الشيء، وهو

стр. 147

ضد القدرة، ومنه المعجزة، وهي- اصطلاحا- أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة. والإعجاز هو: ضعف القدرة الإنسانية في محاولة المعجزة ومزاولتها، على شدة الإنسان واتصال عنايته في ذلك، ثم استمرار هذا الضعف على تراخي الزمن وتقدمه. وإعجاز القرآن: معناه: إظهار صدق النبيّ ﷺ في دعوى الرسالة بإظهار عجز العرب عن معارضته في معجزته الخالدة- وهي القرآن- وعجز الأجيال بعدهم عن ذلك. وذلك أن القرآن قد سما في علوه إلى شأو بعيد بحيث تعجز القدرة البشرية عن الإتيان بمثله، سواء كان هذا العلو في بلاغته، أو تشريعه، أو مغيباته. ٢ - دليل الإعجاز في القرآن: قام محمد بن عبد الله- صلوات الله وسلامه عليه- يعرض دعوته على الناس، ويخبرهم أنه رسول الله إليهم جميعا، ولما سألوه أن يأتيهم بمعجزة تدلّ على صدق دعوته، وتبرهن على صحة رسالته، أجابهم بما أخبره به الله تعالى، وأبان لهم أن معجزته الواضحة، وآيته الساطعة، ودليله الصادق، الذي يقوم مقام معجزات من سبقه من الأنبياء هو ما يتلوه عليهم من قرآن: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١] ويتجلّى دليل الإعجاز بالمظاهر التالية: ١ - تحدي المشركين العرب أن يعارضوه. لما طلب هؤلاء المعجزة، وجاءهم ذاك الجواب من رب العزة لم يذعنوا للحق

стр. 148

الذي عرفوه: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: ٥] ولم يكتفوا بذلك بل مالوا إلى العناد والمكابرة، غافلين عن العاقبة التي ستكشف حالهم، وقالوا: قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال: ٣٠]. وهنا حان الوقت لتحطيم هذا العناد وكشف هذه المواربة، وأخذ القرآن يتحداهم بدعواهم نفسها: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [الطور: ٣٣ - ٣٤] فوجهم هؤلاء أمام هذا التحدي الصارم الذي لم يتوقّعوه، وسقط في أيديهم. ثم أخذ القرآن يبكّت عليهم دعواهم، وينوّع لهم في أشكال من التحدي: يقرّعهم تارة ويحمّسهم أخرى، ويبالغ في تحديهم وإثبات عجزهم: فيتدرج من التحدي بالإتيان بمثل القرآن، إلى التحدي بعشر سور مثله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود: ١٣ - ١٤]. ثم يتدرج فيتحدّاهم أن يأتوا بسورة واحدة مثله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: ٣٨]. بل إن لم تكن مثله فلتكن شبيهة به، قريبة منه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ٢٣]. كل ذلك مع السماح لهم أن يستعينوا بمن شاءوا وأرادوا ممن يتصورون لديهم العون، ويتوقعون منهم النصرة. ثم يصل التحدّي غايته، ويبلغ منتهاه، ليدفعهم بالحقيقة التي لا مرية فيها،

стр. 149

ويقطع عليهم الطريق ويسد في وجههم السبل، فيسجل عليهم العجز ولو اجتمع لذلك الجن والإنس: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨]. بل يصل الأمر إلى صراحة في التحدي لا يمكن أن يجرؤ عليها بشر ذو عقل- لو كان هو الذي يقول ذلك- فينفي عنهم القدرة على سبيل التأييد: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [البقرة: ٢٤]. ٢ - عجزهم عن المعارضة واضطراب موقفهم: كان هذا التحدي والعرب في ذروة مجدهم فصاحة وبلاغة، ومعرفة بفنون القول وأساليب الكلام، فكان مقتضى ذلك- وهم أكثر ما يكونون حرصا على إطفاء نوره وإخفاء أمره- أن يهبوا لمعارضته، ويدفعوا بذلك خطره عنهم، ويمحوا الخزي الذي ألصقه بهم- لو كان ذلك في مقدورهم- كيف لا، وهم الذين قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا؟ ولكن شيئا من هذا لم يحصل، ولم ينقل عن واحد منهم أنه استجاب لتحدي القرآن في محاولة ما، أو حدّث نفسه بشيء من ذلك. وإنما الذي حصل هو أنهم تعدوا هذا وعدلوا إلى مسالك شائكة، وانتهجوا أساليب ملتوية، فما أن قرع القرآن أسماعهم بهذا التحدي الصارخ حتى اضطربوا في قولهم، وحاروا في أمرهم، ولجؤوا إلى وصفه بالشعر تارة، وبالسحر أخرى، وبالكهانة مرة، وبالجنون حينا، وغير ذلك مما اضطربوا فيه وتلجلجوا وسجله عليهم القرآن: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [الأنبياء: ٥]. وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ [الزخرف: ٣٠]. أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات: ٣٦]. وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [الحاقة: ٤١ - ٤٣].

стр. 150

ولما كانت أباطيلهم هذه بادية العوار- كما فندها القرآن- ظاهرة في إعلان ضعفهم وعجزهم عن مقارعة الحجة بالحجة، وهروبا صريحا من التحدي، لم يجدوا بدا من سلوك الطريق الصعب، واللجوء إلى القوة، ولو كلفتهم الغالي والنفيس، وحكمت السيوف في أعناقهم، وأفقدتهم الأزواج والأولاد، وأباحت دماءهم وأموالهم. وكل هذا قد حصل، وآثروه- وهم أكثر الناس حمية وأنفة- على أن يتصدوا لمعارضة القرآن، وما ذلك إلا لأنهم علموا أنه ليس بمقدورهم الإتيان بمثله، وإلا لبادروا إليه ولكان أهون عليهم وأقل كلفة. وإذا ثبت أنه ليس في مقدورهم ثبت- من باب أولى- أنه ليس في مقدور غيرهم، وبالتالي ثبت أنه ليس من كلام البشر. هذا ولقد استمرّ هذا التحدّي يقرع آذان الأدباء والشعراء والبلغاء- على اختلاف نحلهم ومذاهبهم- في كل عصر وقرن، واستمر هذا الوجوم أمام شموخ القرآن في إعجازه، ولم يجرؤ أحد- ممن عنده أثارة من علم أو فهم- على أن يتصدى لهذا الشموخ، وهذا دليل مادي ملموس من أقوى دلائل الإعجاز في القرآن، وما ورد من محاولات سخيفة في معارضته فإنما هو هذيان نجلّ المقام عن ذكره. ٣ - سماعه حجة: من دلائل الإعجاز في القرآن أن الله جعل سماعه حجّة، قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [التوبة: ٦] فلولا أن سماعه حجة لما وقف أمنه على سماعه، ولا يكون حجة إلا إذا كان معجزة. ٤ - تأثيره النفسي: لعل من أقوى دلائل الإعجاز في القرآن هو ذاك التأثير الذي يبعثه في النفوس،

стр. 151

فإنه لا يكاد يطرق السمع حتى يخلص إلى القلب، وتجد منه النفس لذة وحلاوة، لا تجدهما في غيره من الكلام، يستوي في ذلك أصحاب القلوب القاسية وذوو الأفئدة الخاشعة، فلقد سحر القرآن العرب منذ اللحظة الأولى، فآمن منهم من شرح الله صدره للإسلام، وكفر منهم من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة. ولا أدل على هذا التأثير النفسي الذي يؤكد إعجاز القرآن من ذلك القول الذي كان يتواصى به المشركون، وحكاه عنهم القرآن: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦]. ورغم ذلك فقد كانوا ينشدون إلى بيت محمد بن عبد الله- صلوات الله وسلامه عليه- ليستمعوا لهذا القرآن الذي أخذ بمجامع قلوبهم وسحر عقولهم، ولا غرابة وهو الكلام المنزل الذي يقول الله تعالى فيه: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر: ٢١] وقال: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣]. والأمثلة على ذلك كثيرة وكثيرة جدا، وليس غريبا عنك قول الوليد بن المغيرة فيه: والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى. وقول عتبة بن ربيعة: إني سمعت قولا، والله ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة. فقال له القوم: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم «١»، وما إسلام عمر «٢» ﵁ وأمثاله عنك ببعيد.

стр. 152

الفصل الثاني وجوه الإعجاز في القرآن لقد كثر القول بين العلماء في وجوه الإعجاز في القرآن وتنوّع هذه الوجوه وتعددها، وأيا كان ذلك القول فالقرآن معجز بكل ما يتحمله هذا اللفظ من معنى، فهو معجز في ألفاظه وأسلوبه، ومعجز في بيانه ونظمه، ومعجز بعلومه ومعارفه، ومعجز في تشريعه وصيانته لحقوق الإنسان. والباحث المنصف الذي يطلب الحق إذا نظر في القرآن- من أي النواحي أحبّ- وجد الإعجاز فيه واضحا جليا. ويمكننا أن نبحث في إعجاز القرآن من وجهين: وجه عام ووجه خاص. ١ - الوجه العام وهو الإعجاز الذي يدركه العقلاء من الناس كلهم، عربيهم وأعجميهم، وتكامل بتكامل القرآن، ويكون أكثر وضوحا وبيانا إذا أخذ القرآن بمجمله، بمجمل ما فيه من إخبار بالغيب، وما اشتمل عليه من تشريع دقيق صالح لكل زمان ومكان، وما أشار إليه من علوم كونية في خلق الكون والإنسان. ويتجلى هذا الوجه من الإعجاز بالمظاهر التالية: أولا- الإخبار عن المغيبات: ويتحقق هذا الوجه من الإعجاز بناحيتين: أ- الإخبار عن الماضي: من مظاهر الإعجاز في القرآن إخباره عن الماضي

стр. 153

السحيق من حين خلق الله آدم ﵇ إلى مبعثه ﷺ ، فقد أتى بكثير من الأخبار التاريخية التي ضاعت صورتها الحقيقية في أخلاط التاريخ القديم للأمم، وكثير من هذه القصص وتلك الأخبار لم يكن يعرفه العرب، ولم يوجد إلا بعض منه في الكتب السماوية السابقة على اختلاف فيما بينها، فأتى القرآن وتحدّث بدقة عن ذلك، وحكى هذه الأخبار حكاية من شاهدها وحضرها، ولم يوجد في التاريخ شيء يصح الاعتماد عليه- أو لا يصح- يخالف ما جاء في القرآن من هذه الأخبار. بل قد جاءت دلائل الآثار الأرضية- بعد قرون من نزوله- فصدقت حقائقها- التي توصل إليها علماء الآثار- الصور الخبرية التي جاءت في القرآن الكريم. ومثال ذلك: كشف علم التاريخ حديثا أن بني إسرائيل- في دور من أدوار حلولهم مصر القديمة- استحسنوا العقيدة التي كانت تقول: إن العزيز ابن الله، وهذه الحقيقة التاريخية لم تكن معروفة لدى بني إسرائيل أو غيرهم عند نزول القرآن، ولكنا نجده يقررها بقوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] حتى قال اليهود عند سماع هذه الآية: إن القرآن يقول لنا ما لم نقل في كتبنا ولا في عقائدنا «١». ب- الإخبار عن المستقبل: لقد أخبر القرآن الكريم عن أمور أنها ستقع فكانت كما أخبر بها، وواضح أن ذلك مما لا يقدر عليه البشر ولا سبيل لهم إليه، وهذا النوع من الأخبار في القرآن كثير، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ [آل عمران: ١٢]. نزلت في بني قينقاع حين قالوا لرسول الله ﷺ : لا يغرنّك من نفسك أنك قاتلت نفرا من قريش أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم

стр. 154

تلق مثلنا «١». وقد حصل ما وعدهم به القرآن وحاصرهم رسول الله ﷺ وغلبهم وأجلاهم. وقوله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: ١٦] نزلت في طائفة من الأعراب تخلّفوا عن رسول الله ﷺ في الجهاد، وقد دعاهم عمر بن الخطاب ﵁ لقتال أهل فارس «٢». ثانيا- سمو تشريعه وشموله: من وجوه الإعجاز ومظاهره البارزة في القرآن ما تضمنه هذا الكتاب من التشريع العظيم الدقيق، المتعلق بشتى مرافق الحياة الخاصة والعامة، يتناولها منذ البداية حتى النهاية، لا يدع جانبا من جوانبها إلا ويضع له من الحلول والتنظيمات ما هو فريد في بابه، لم يسبق إليه شرع قبله ولا لحق به تقنين بعده، يدل على ذلك: أن هذا التشريع- كان ولا يزال- يحسب حسابه في كل مجال يبحث فيه شأن التشريع والتقنين، ويضعه علماء هذا الفن في مقدمة المصادر التي يستفاد منها ويعتمد عليها. وهذا كله رغم تباعد الزمن ومرّ الدهور على عصر صدوره، علما بأن صاحبه- الذي ينسب إليه- لم يدرس في جامعة ولم يتخرج في كلية، كما لم يعهد عنه أنه توفر على دراسة تشريع أو اجتمع بباحث، وبعض هذا آية الإعجاز فكيف إذا اجتمع؟! ويتجلى هذا المظهر من الإعجاز التشريعي في: أ- أن القرآن يبدأ بتربية الفرد- لأنه لبنة المجتمع- ويقيم تربيته على تحرير وجدانه وتحمله التبعة، يحرر وجدانه بعقيدة التوحيد التي تخلصه من سلطان الخرافة والوهم، وتجعله يشعر بأنه مخلوق لله، يرجع إليه ويفنى كما يوجد بمشيئته: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٣].

стр. 155

وإذا صحت عقيدة المسلم أخذ بشرائع القرآن في الفرائض والعبادات التي يراد بها صلاح الفرد، وهي في الوقت نفسه ذات علاقة وثيقة بصلاح المجتمع، وحسب المسلم في تربيته أن يقف بين يدي الله خمس مرات في اليوم الواحد لتمتزج حياته بشرع الله، ويتخيل الوازع الأعلى نصب عينيه ما بين كل صلاة وصلاة: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥]. وناهيك بالزكاة التي تقتلع من النفس جذور الشح: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها .. [التوبة: ١٠٣]. والحج الذي يجمع المسلمين على صعيد واحد: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ [الحج: ٢٨] والقيام بهذه العبادات يربي المسلم على الشعور بالتبعة الفردية التي يقررها القرآن، وينوط بها كل تكليف من تكاليف الدين: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [الطور: ٢١]. ب- ومن تربية الفرد ينتقل القرآن إلى بناء الأسرة، لأنها نواة المجتمع، فشرع الزواج استجابة لغريزة الجنس، وإبقاء على النوع الإنساني في تناسل طاهر ونظيف، وأقام الروابط بينهما على أساس من الود والرحمة، ومراعاة خصائص كل من الرجل والمرأة: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: ٢١]. ج- ثم يقرر نظام الحكم الذي يقوم على أساس الشورى والمساواة ومنع السيطرة وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]. رائده العدل: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: ٥٨]. وطريقه العمل بشرع الله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: ٤٩]. والعدول عن حكم الله كفر وفسوق وظلم: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [المائدة: ٤٤] وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥] وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [المائدة: ٤٧].

стр. 156

د- ثم يأتي تقرير الأحكام التي من شأنها صيانة الكليات الخمس الضرورية للحياة الإنسانية: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال. وعلى أساس هذه الصيانة رتبت العقوبات المنصوصة التي تعرف في الفقه الإسلامي بالجنايات والحدود. هـ- ثم يقرر القرآن العلاقات الدولية في حالتي الحرب والسلم بين المسلمين وجيرانهم أو معاهديهم، وهي أرفع معاملة عرفت في تاريخ الحضارة الإنسانية، قال تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: ٦١]. لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [الممتحنة: ٨]. وخلاصة القول: أن القرآن دستور تشريعي كامل، يقيم الحياة الإنسانية على أفضل صورة وأرقى مثال، وسيظل تشريعه وجها من وجوه إعجازه ما بقي الدهر، ولا يستطيع أحد أن ينكر أنه أحدث في العالم أثرا غيّر وجه التاريخ. ثالثا- الإعجاز العلمي: قبل الكلام عن الإعجاز العلمي في القرآن لا بد لنا أن نشير إلى أن القرآن الكريم كتاب عقيدة وهداية، أنزله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، ولم يكن الهدف من إنزاله إيضاح حقائق علمية وقوانين كونية، ويخطئ الكثير من الناس حين يحرصون على أن يتضمن القرآن الكريم كل نظرية علمية، فتجدهم كلما ظهرت نظرية جديدة التمسوا فيها محملا في آية يتناولونها بما يوافق هذه النظرية، ويغيب عن ذهنهم أن النظريات العلمية عرضة للتبديل والتغيير، وأنهم يسيئون إلى القرآن من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا عند ما يعبثون بالقرآن وتفسيره كلما تطور البحث العلمي وتنوعت أساليبه وأشكاله. ومنشأ هذا الخطأ: أن الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة، أما

стр. 157

ما يصل إليه البحث الإنساني- أيا كانت الأدوات المتاحة له- فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة، وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها، فمن الخطأ المنهجي- بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته- أن نعلل الحقائق القرآنية النهائية بحقائق غير نهائية، وهي كل ما يصل إليه العلم البشري، وإذا كان هذا بالنسبة للحقائق، فما بالك بالنسبة للنظريات؟. وبعد هذه الإشارة يمكننا القول: إن الإعجاز العلمي في القرآن يتجلى بالمظاهر التالية: أ- حثه على التفكير: إن المظهر الأول للإعجاز العلمي في القرآن إنما هو حثه الإنسان على التفكير، وتسريح النظر في آفاق هذا الكون، وإجالة العقل لاستكناه حقائقه وأسراره. فالقرآن لا يشل حركة العقل وتفكيره، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وليس ثمة كتاب من كتب الأديان السابقة يكفل هذا بمثل ما يكفله القرآن. وليس أدل على هذا المظهر من أن القرآن يجعل التفكير السديد، والنظر الصائب في الكون وما فيه، أعظم وسيلة من وسائل الإيمان بالله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]. سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣]. ب- انسجامه مع الحقائق العلمية وتكريم العلم: ومن مظاهر الإعجاز العلمي في القرآن ذاك التوافق التام بين الحقائق العلمية الثابتة، وبين آيات القرآن ومبادئه العامة، فأية مسألة من مسائل العلم، أو قاعدة من قواعده- يثبت رسوخها ويتبين يقينها- تكون محققة لما حث عليه القرآن من تفكير سليم، ولا تتعارض معه بحال من الأحوال. وهذه العلوم قد تقدمت وكثرت مسائلها وتنوعت وسائلها،

стр. 158

ولم يتعارض شيء ثابت منها مع آية من آيات القرآن أو فكرة من أفكاره، وهذا وحده إعجاز. أضف إلى ذلك أن القرآن يرفع مكانة العلم والعلماء ويحث على طلبه: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: ١١]. وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: ١١٤]. وهكذا فإن إعجاز القرآن العلمي كائن في أنه يحث المسلمين على التفكير، ويفتح لهم أبواب المعرفة، ويدعوهم إلى ولوجها والتقدم فيها، وقبول كل جديد راسخ من العلوم. ج- الإشارة إلى بعض الحقائق العلمية: رغم ما ذكرناه من حقيقة الإعجاز العلمي في القرآن فإننا مع ذلك نلمح فيه إشارات إلى حقائق علمية، جاءت في سياق الهداية الإلهية، وتركت للعقل البشري أن يبحث فيها ويتدبر، ليجد كلّ عصر في القرآن ما يبرهن على إعجازه وأنه من عند خالق البشر. جاء في (ظلال القرآن) عند تفسير قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩]: اتجه الجواب إلى واقع حياتهم العملي لا إلى مجرد العلم النظري، وحدّثهم عن وظيفة الأهلة في واقعهم وفي حياتهم، ولم يحدثهم عن الدورة الفلكية للقمر وكيف تتم، وهي داخلة في مدلول السؤال. إن القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية، ولم يجيء ليكون كتاب علم فلكي أو كيماوي أو طبي، كما يحاول بعض المتحمسين له أن يتلمسوا فيه هذه العلوم، أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يتلمسوا مخالفاته لهذه العلوم. انتهى. وإليك بعض هذه الإشارات واللطائف العلمية: ١ - قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر: ٢٢] فالتلقيح في النبات ذاتي وخلطي، والذاتي: ما اشتملت زهرته على عضوي التذكير والتأنيث، والخلطي: هو ما كان عضو التذكير فيه منفصلا عن عضو التأنيث كالنخيل،

стр. 159

فيكون التلقيح بالنقل، وما وسائل ذلك إلا الرياح- كما أثبت العلم الحديث- وقد سبق القرآن إلى هذه الإشارة. ٢ - قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [الأنعام: ١٢٥]. الأوكسجين ضروري لتنفس الإنسان، ويقل في طبقات الجو العليا، فكلما ارتفع الإنسان في أجواء السماء أحس بضيق الصدر وصعوبة التنفس، والآية أشارت إلى هذا تماما. ٣ - قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: ٣٠] وقد أثبت العلم أن الماء عنصر أساسي في الحياة. ٤ - قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] تدل الآية على أن الأتقياء هم الذين يستمرون على صداقتهم، وخاصة عند الشدائد والأهوال. وهذا ما يذكره العلماء بالفلسفة وعلم النفس حديثا: من أن الصداقة لا تدوم إلا بين الفضلاء، وخاصة في المواقف الحرجة. ٢ - الوجه الخاص وهو الإعجاز البلاغي الذي يختص بفهمه أولئك الذين عرفوا اللغة العربية نطقا وفهما، وتذوقوا بيانها وأساليبها في التعبير، ولا غرو فقد سحر القرآن العرب منذ اللحظة الأولى، واستحوذ عليهم بنظمه البديع وتأليفه العجيب، وسموه في البلاغة إلى الحد الذي عجز الخلق عن الإتيان بمثله بل بسورة شبيهة به، رغم التحدي والتقريع، وبذلك قامت الحجة على العرب، وهم الذين يدركون هذا الوجه من الإعجاز، وبقيام الحجة عليهم تقوم على سائر الناس.

стр. 160

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الوجه من الإعجاز كامن في صميم النسق القرآني ذاته، لا في الموضوع الذي يتحدث عنه من غيبيات أو تشريع أو علوم كونية. كما أنه قائم في كل جزء من آي القرآن وسوره، لا يتوقف على تكامل القرآن أو مجمله.

стр. 161

مظاهر الإعجاز البلاغي يتجلى هذا الجانب من الإعجاز بمظاهر عدة نوجزها فيما يلي: أولا- الخصائص المتعلقة بأسلوب القرآن إن المظهر الأول من مظاهر الإعجاز البلاغي هو أن القرآن يجري على نسق خاص في أسلوبه، لا يستطيع أحد أن يجاريه فيه. وهذه الخصائص هي: أ- نظمه البديع: فالقرآن يجري على نسق بديع، خارج عن المعروف والمألوف من نظام كلام العرب، فهو لا تنطبق عليه قوافي الشعر، كما أنه ليس على سنن أسجاع النثر. ب- المحافظة على جمال اللفظ وروعة التعبير: إن التعبير القرآني يختار أجمل الألفاظ لأبهى تعبير، ويظل جاريا على مستوى رفيع من هذا الجمال اللفظي، ورقة الصياغة، وروعة التعبير، مهما تنوعت أبحاثه، واختلفت موضوعاته، وهذا مما يخرج عن طوق البشر. ج- صياغته الموافقة لحال المخاطبين: إن ألفاظ القرآن وعباراته مصوغة بشكل غريب، وعلى هيئة عجيبة، بحيث تصلح أن تكون خطابا لمختلف المستويات من الناس، وبحيث يأخذ كل قارئ منها ما يقدر على فهمه واستيعابه، ويراها مقدرة على مقياس عقله ووفق حاجته. د- التجديد في الأسلوب: الخاصة الرابعة، هي تصريف بعض المعاني وتكرارها بقوالب مختلفة من التعبير والأسلوب البياني، بشكل يضفي عليها الجدة، ويلبسها ثوبا من التجسيم والتخييل غير الذي كانت تلبسه، بحيث تظهر وكأنها معنى جديد.

стр. 162

ثانيا- الكلمة القرآنية تمتاز الكلمة التي تتألف منها الجمل القرآنية بالميزات التالية: أ- جمال توقيعها في السمع: فليس في القرآن لفظ ينبو عن السمع، أو يتنافر مع ما قبله أو ما بعده، فالكلمة القرآنية في الذروة من الفصاحة، وهي تحمل المعنى في طياتها، واقرأ إن شئت قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها [النازعات: ٢٧ - ٢٩] وانظر إلى كلمة (أغطش) كيف أنها تقدم لك المعنى في تلافيف حروفها قبل أن تقدمه في معناها اللغوي المحفوظ، وفي الوقت نفسه هي منسجمة مع ما قبلها وما بعدها من الألفاظ، لا ثقل فيها ولا إغراب، وكذلك بقية ألفاظ الآية، فكلها توقع على السمع موسيقا رائعة في منتهى الجمال. ب- اتساقها مع المعنى، وكأن القارئ يشم منها رائحة المعنى المطلوب، أو يلحظ فيها إشراقا يصور المعنى أمام العين. اقرأ قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ [التكوير: ١٧ - ١٨] ثم انظر كيف أنك تشم رائحة النهار من كلمة (تنفس). ج- اتساع دلالتها، لما لا تتسع له دلالات الكلمات الأخرى من المعاني والمدلولات عادة، بحيث يعبر بكلمة واحدة عن معنى لا يستطاع التعبير عنه إلا ببضع كلمات أو جمل. وخذ مثالا على ذلك قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ [الواقعة: ٧١ - ٧٣]. أراد الله تعالى أن يحدثنا في هذه الآية عن مظاهر نعمته علينا، ومن جملتها النار، فنبهنا إلى مختلف فوائدها لحياتنا على اختلاف أطوارها، فعبر عن ذلك بكلمة (المقوين) التي تحمل كل المعاني التي يمكن أن يعبر بها عن فوائد النار، فهي: جمع مقو، وهو المسافر، والجائع، والمستمتع، والنار إنما يستفيد

стр. 163

منها المسافر، كما يحتاجها الجائع لتحضير طعامه، وهي إلى جانب ذلك كله من أسباب المتعة والرفاهية. وهذه الميزات الثلاث قلما يتخلف اجتماعها في كلمات القرآن، بينما لا تجتمع في غيره إلا نادرا، وما ذاك إلا لأن القرآن من كلام رب العالمين. ثالثا- الجملة القرآنية وصياغتها ويتجلى مظهر الإعجاز فيها بما يلي: أ- التلاؤم والاتساق بين كلماتها، وتلاحق حركاتها وسكناتها، بنظم بديع يستريح له السمع والصوت والنطق. واقرأ إن شئت قوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: ١١ - ١٢] وتأمل تناسق الكلمات في كل جملة، وتأمل أيضا تآلف الحروف وتعاطف الحركات والسكنات والمدود، وانظر كيف أن كلا منها كأنما صب في مقدار، وأنه قدر بعلم اللطيف الخبير. ب- الدلالة بأقصر عبارة على أوسع معنى تام متكامل، دون اختصار مخلّ أو ضعف في الدلالة. واقرأ في هذا قوله تعالى في سورة الكهف: حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها [الكهف: ٧٧] فكان الإتيان بالضمير هنا يؤدي المعنى، كأن يقال: استطعماهم، ولكن الإتيان بالاسم الظاهر- وهو أهلها- يفيد معنى أعم وأوسع؛ لأنه جمع مضاف يفيد العموم، فيدل على أنهما استطعما جميع أهل القرية، بخلاف (استطعماهم) فإنه يحتمل أن الاستطعام كان لمن أتياهم، وهم سكان أول القرية. ج- إخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحس الملموس، ثم بث الروح والحركة في هذا المظهر نفسه، بحيث يجد القارئ إقناع العقل وإمتاع العاطفة، بما يفي بحاجة النفس البشرية تفكيرا ووجدانا في تكافؤ واتزان، فلا تطغى

стр. 164

قوة التفكير على قوة الوجدان، ولا قوة الوجدان على قوة التفكير، وهكذا تجد وأنت تقرأ القرآن أن العقل يفهم والخيال يتصور، وذلك خلاف المألوف والمعروف لدى قراءة أي كلام أو كتاب آخر. واقرأ- على سبيل المثال- قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ «١» (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ٨ - ٩]. وانظر كيف تضع في خيالك إنسانا يلتف حول عنقه غل عريض، مرتفع إلى ذقنه، جعل رأسه صاعدا إلى الأعلى لا يتحرك، فتلك هي الصورة الساخرة للتكبر. ثم انظر حاله وهو في مكان مغلق، وقد غشى الظلام على بصره، فهو لا يملك حراكا نحو أي اتجاه، وتلك هي صورة من لم ينفع معه هدي، وظل في ضلاله. رابعا- جلال الربوبية وكبرياء الألوهية في آياته من أجلى مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم ما يوجد في كثير من آياته من جلال الربوبية وكبرياء الألوهية، بقطع النظر عن المعنى الذي يؤديه اللفظ. وهذا مما لا يقوى على اختلاقه أي إنسان، في أي صنف من أصناف المعاني والكلام. وبيان ذلك: أن الكلام مرآة لطبيعة المتكلم، تتجلى فيما يكتب أو يقول، وتزداد وضوحا كلما تنوعت أبحاثه ومواضيعه. وإذا كان في مقدور الإنسان أن يظهر بصورة طبيعية أخرى، فإن ذلك لا يمكن أن يصل إلى حد التناقض، بحيث ينطبع بخصائص البشرية تارة، وبخصائص الألوهية أخرى. وإذا كان هذا غير ممكن، فلا يمكن لإنسان ما أن يصوغ كلاما ينشر من حوله عظمة الربوبية وكبرياء الألوهية في صياغة لا تكلف فيها ولا تمثيل، كما هو ظاهر في كلام الله . واقرأ- على سبيل المثال- قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [طه: ١٤ - ١٥].

стр. 165

واقرأ- أيضا- قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ [المؤمنون: ٦٤ - ٦٧]. وانظر- بعد ذلك- إلى هذا الكلام الذي يتنزل من عرش الربوبية، ويغمر النفس بالرهبة والجلال، هل يمكن لبشر أن يصطنعه اصطناعا، وأن ينطبق به تمثيلا، أو يتحلى به تزويرا؟! خامسا- التصوير الفني في القرآن تمهيد: إن القرآن الكريم حين يخاطب العقلاء، إنما يخاطب فيهم عقولهم، كما يثير فيهم مشاعرهم وأحاسيسهم، بأسلوبه الفذ، وبيانه المعجز، وموسيقاه الساحرة، فيجعل المخاطب يتخيل المعنى المجرد صورة ناطقة يتحسس فيها الحركة والحياة. وإذا كان التصوير تثبيتا للظل الصامت، أو مجموعة خطوط وألوان متجمعة، تضع أمام الرائي لوحة قد تثير في ذهنه معنى من المعاني، أو تنقل إلى مخيلته مشهدا من المشاهد، فإن التصوير القرآني أوسع من هذا بكثير: فهو تحويل الحروف الصوتية الجامدة إلى ريشة تنبع من رأسها الأصباغ والألوان المختلفة، حسب الحاجة والطلب، لتحيل- بدورها- المعاني المعتادة إلى صور يتأملها الخيال، ويدركها الشعور، وتكاد العين أن تستوعبها قبل أن يستوعبها العقل. وهو- كما يقول صاحب كتاب التصوير الفني في القرآن- تصوير باللون، وتصوير بالحركة،

стр. 166

وتصوير بالتخييل، كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل. وكذلك: هو تصوير حي، منتزع من عالم الأحياء، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة، تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات بالمشاعر والوجدانات، فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية، أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة. ١ - مظاهر التصوير الفني في القرآن ووسائله: أ- مظاهره: إن المتتبع لنصوص كتاب الله تعالى، والممارس لتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، ليلمس التصوير القرآني يتدرج في مظاهر متعددة، وهي: ١ - إخراج مدلول اللفظ من دائرة المعنى الذهني المجرد إلى الصورة المحسوسة والمتخيلة: فهو يعبر عن المعنى الذهني بالصورة المحسوسة المتخيلة، فيكون الخطاب أوقع في النفس، وأقوى في التأثير، وأدعى إلى القبول؛ إذ يجعل الحس يتأثر عن طريق الخيال بالصورة ما شاء له التأثر؛ فيستقر المعنى في النهاية في أعماق النفس. وخذ مثالا على ذلك: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الأعراف: ٤٠] وانظر كيف ترسم في الخيال صورة لتفتح أبواب السماء، وأخرى لولوج الجمل- وهو ذكر الجمل أو الحبل الغليظ- في سم الخياط، ويترك الحس يتأثر- عن طريق الخيال- بالصورتين ما شاء له التأثر، ليستقر في النهاية معنى استحالة قبول هؤلاء المكذبين المستكبرين عن آيات الله تعالى. ويدخل في هذا المظهر تصوير الحالات النفسية والمعنوية: فالتصوير القرآني كما أنه يخرج المعاني الذهنية بصورة حسية، كذلك يخرج الحالات النفسية والمعنوية صورا شاخصة أو متحركة، ويعدل بها عن التعبير

стр. 167

المجرد إلى الرسم المصور. ومثال ذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الحج: ١١] إذ تصور لنا ذلك التردد- الذي يحار فيه ويتبلبل ذلك الإنسان الذي لم ترسخ العقيدة في قلبه؛ ولم تتضح صورة الإيمان في نفسه- بصورة إنسان يقوم ليؤدي عبادة على أرض لا تستقر عليها أقدامه، وإلى جنبه واد عميق يخشى السقوط فيه، فهو قلق مضطرب. ٢ - التخييل الحسي: وهو تلك الحركة التي يضفيها التصوير القرآني على اللوحة الصامتة فيبث فيها الحياة، ويحولها إلى منظر حي متحرك، فهو لا يكاد يعبر بالصورة المحسة والمتخيلة- عن المعنى الذهني أو الحالة النفسية- حتى يرتقي بالصورة التي رسمها فيمنحها الحياة النابضة، والحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني حركة يرتفع بها نبض الحياة، وإذا الحالة النفسية لوحة متحركة أو مشهد حي. ومن أمثلة ذلك: أ- قوله تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥]. فانظر كيف استحالت الأرض الجامدة كائنا حيا، بلمسة واحدة، في لفظة واحدة (اهتزت) وكأنها ذاك الكائن الحي الذي أخمد الظمأ أنفاسه، حتى إذا مس الماء أحشاءه عادت إليه الحياة وانبعث فيه النشاط. ب- قوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ [التكوير: ١٨] فالحياة تخلع- في هذه الآية- على الصبح وكأنه أصبح كائنا حيا يتنفس، فتتنفس معه الحياة، وتشرق بإشراقة من ثغره، ويدب النشاط في الأحياء على وجه الأرض والسماء.

стр. 168

٣ - التجسيم والتضخيم: إن من مظاهر التصوير القرآني تجسيم المعنويات وتضخيمها، وإبرازها وكأنها أجسام أو محسوسات- على العموم- تتضاخم وتتعاظم- حسبما يقتضي الجو والمشهد- حتى تملأ النفس شعورا وإحساسا. ومن أمثلة ذلك: أ- قوله تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ [الأنعام: ٣١]. فانظر: كيف تجسم الأعمال السيئة وكأنها أحمال مثقلة، تنوء بحملها ظهور أولئك الفاسقين يوم القيامة. ب- قوله تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف: ٥] ففيه تضخيم وتفظيع لافترائهم على الله تعالى بقولهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [الكهف: ٤]. ب- وسائله: يتحقق التصوير الفني في القرآن بوسائل متعددة منها القريبة ومنها البعيدة: ١ - الوسائل القريبة: وهي تلك القواعد التي استخلصت واستنبطت من أسلوب التصوير القرآني، ووضع عليها العلماء علم البيان من استعارة وتشبيه، ومجاز مرسل وتمثيل. واقرأ إن شئت قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٢٣] وقوله تعالى: إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ [الملك: ٧] وقوله تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً [الكهف: ٩٩] وانظر إلى ما فيها من استعارات وتمثيل. واقرأ قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ

стр. 169

كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد: ١٤] وانظر إلى ما فيها من روعة التشبيه. وقوله تعالى: فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الحاقة: ٧]. وأما المجاز المرسل فاقرأه في مثل قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً [غافر: ١٣] وإنما الذي ينزل سبب الرزق وهو المطر، وفي قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [المطففين: ٢٢] والنعيم معنى يحل في مكان يكون فيه الأبرار، وفي قوله تعالى: وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٧] والمولود لا يكون فاجرا إلا باعتبار ما سيكون. ٢ - الوسائل البعيدة: وهي ذاك التناسق الفني الذي يبلغ الذورة في التصوير، بتخير الألفاظ ونظمها في نسق خاص يبلغ في الفصاحة أرقى درجاتها، وينشأ عنه إيقاع موسيقي رفيع، مع تسلسل معنوي بين الأغراض في سياق الآيات، فتخرج الكلمة والجملة في قالب من اللفظ وطريقة الأداء يبث في الإحساس والخيال صورة مجسمة حية للمعنى. على أنه ليس بمقدور الفكر الإنساني: أن يقف على القاعدة التي يتم بها تصوير اللفظ القرآني للمعنى، ليتخذها ضابطا في صياغة الكلام، بل كل ما في الإمكان أن يعلم ويحس: أن اللفظ القرآني يصور المعنى ويلصق صورته وشكله بالإحساس، بتأثير من تناسق حروفه وحركاته، وتركيب مفرداته وجمله. والأمثلة على ذلك القرآن كله: واقرأ إن شئت- على سبيل المثال- قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [التوبة: ٣٨] ليتصور في خيالك ذلك الجسم المتثاقل، يرفعه الرافعون في جهد، فيسقط من أيديهم في ثقل وكأنه القناطير المقنطرة من الأثقال، كل ذلك يرسمه في خيالك هذا اللفظ المختار (اثاقلتم).

стр. 170

- واقرأ أيضا قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [النساء: ٧٢] لترتسم صورة التباطؤ في جرس العبارة كلها، وإن اللسان ليكاد يتعثر وهو يتخبط فيها حتى يصل ببطء إلى نهايتها. - واقرأ كذلك أول ما نزل من القرآن من سورة العلق، لترى ذلك التناسق بين المعاني والأهداف، وذلك الجرس الموسيقى الأخّاذ إذ يقول الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥]. ٢ - نماذج تصويرية من القرآن الكريم: ١ - قال الله تعالى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ [الأنعام: ٣٥]. كان يكبر على النبيّ ﷺ كفر قومه وإعراضهم عما جاء به، فنزلت هذه الآية توضح له: أنه لا جدوى من أن يضيق صدره بكفرهم، وإلا فليجهد نفسه وليبذل قصارى ما في وسعه ليأتيهم بما يحملهم على تصديقه، ويدخل الإيمان في قلوبهم إن استطاع. هذه المعاني صوّرتها الآية بمشهد ترسم فيه تألمه ﷺ من إعراضهم في صورة شيء يضخم ويكبر حجمه، حتى يثقل على النبيّ ﷺ حمله، ويضيق به ذرعا، ويسعى للخلاص منه، كما ترسم فيه الجهد الذي لن يأتي بطائل، بصورة من ينبعث نحو كل جهة في قلق وبحث، ليتخلص من عبء عالق به. وهكذا فقد عبرت عن المعنى الذهني بصورة محسوس متخيل تنبعث فيه الحركة والحياة، مع شيء من التجسيم والتفخيم. ٢ - قال الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي

стр. 171

نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف: ١٥٤]. تقرأ هذه الآية فترى التعبير القرآني يشخص الغضب- وهو أمر معنوي- بصورة حي مسلط على موسى ﵇، يدفعه ويحركه، حتى إذا سكت عنه وتركه لشأنه عاد إلى نفسه، فأخذ الألواح التي كان قد ألقاها بسبب دفع الغضب له وسيطرته عليه. قال الزمخشري عند الكلام عن هذه الآية: هذا مثل، كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجر برأس أخيك إليك. ٣ - قال الله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [البقرة: ٧]. ترسم لنا هذه الآية- إعراض الكفرة عن الحق إعراضا كليا، وعدم جدوى دعوتهم إليه- صورة مظلمة صلدة لمنافذ الحق إلى النفس البشرية- وهي القلب والسمع- فلا نلمس بصيص نور أو هداية فيها، وهذه الصورة المظلمة لهذه المنافذ ترتسم من خلال الحركة الثابتة الجازمة، حركة الختم على القلوب والأسماع، والتغشية على العيون والأبصار. ٤ - قال الله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤]. يأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يجهر بالحق الذي جاء به، وإنك لتلمح من النص تلك الصورة التي تجسم ما أمر بتبليغه بمادة قوية صلبة، بينما يجسم الباطل الذي يقابله بمادة هشة سريعة العطب، قابلة للشق والكسر، ثم يعطي المشهد تلك الحركة التي ترسم في المخيلة: أنها ترى حركة تصدع هذه المادة الهشة، وتسمع صوته. ٥ - قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ

стр. 172

عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: ١ - ٢]. إنك تقرأ في هذا النص مشهدا حافلا بالصور المعبرة: صورة تلك المرأة التي يشدها إلى رضيعها الحنان والشفقة، وإذا بها ذاهلة عنه، تنظر ولا ترى، وتتحرك ولا تعي. وصورة التي تبذل قصارى جهدها ليثبت الجنين في أحشائها، فإذا بها تسقطه لما انتابها من هول مروع، وصورة الناس الذين لم يعاقروا خمرا ولم يذوقوا مسكرا، وهم يترنحون بخطواتهم، ويتبدى السكر في نظراتهم الذاهلة من هول الموقف. إنه مشهد مزدحم بتلك الرسوم المتماوجة، تكاد العين تبصره، بينما الخيال يتملاه.

стр. 173

الفصل الثالث أشهر الذين كتبوا في الإعجاز لقد كثر الكاتبون في إعجاز القرآن من العلماء وأئمة البيان قديما وحديثا، فمنهم من تعرّض لهذا الموضوع في غضون الكلام عن علوم القرآن، ومنهم من أفرده بالبحث. ومن أشهر من أفرده بالبحث: ١ - الجاحظ: عمرو بن بحر، المتوفى سنة (٢٢٥ هـ). وهو أول من تكلّم عن بعض المباحث المتعلّقة بالإعجاز، وأفرد له كتابا سمّاه (نظم القرآن) وقد تكلّم فيه عما يهيئ للكلام عن الإعجاز في القرآن، وحاول فيه توكيد القول في الفصاحة والكشف عنها، بقدر ما كان معلوما من هذا الفن، وهذا الكتاب لم يصل إلينا، ولعلّه هو ما أشار إليه في كتابه (الحيوان) بقوله: ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن، لتعرف بها ما بين الإيجاز والحذف، وبين الزوائد والفضول والاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة. فمنها: قوله تعالى حين وصف خمر أهل الجنة: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ [الواقعة: ١٩]. وهاتان الكلمتان جمعتا عيوب خمر أهل الدنيا. وقوله حين ذكر فاكهة أهل الجنة: لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: ٣٣] جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني. ٢ - أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي المتوفى سنة (٣٠٦ هـ) وضع كتابه (إعجاز القرآن) وهو أول كتاب وضع لشرح الإعجاز وبسط القول فيه على طريقتهم في التأليف، ولا يبعد أن يكون قد استفاد مما كتبه الجاحظ وبنى عليه،

стр. 174

وعلى كل فهذا الكتاب أيضا لم يصل إلينا، وإنما وصل إلينا ما ينبئ عنه في (دلائل الإعجاز) لعبد القاهر الجرجاني، الذي بلغنا عنه أنه شرح هذا الكتاب شرحا كبيرا سماه (المعتضد) وشرحا آخر أصغر منه. ٣ - أبو عيسى علي بن عيسى بن علي الرّمّاني النحوي اللغوي المفسر المتوفى سنة (٣٨٤ هـ) فقد ألّف كتابا في إعجاز القرآن. وقد طبعت هذا الكتاب دار المعارف بالقاهرة مع رسائل أخرى في هذا الفن، بتحقيق الأستاذ محمد خلف الله أحمد، والدكتور محمد زغلول سلام. ٤ - وممن ألّفوا وكتبوا في الإعجاز أيضا على وجوه مختلفة من البلاغة والكلام وما إليهما الإمام الخطّابي المتوفى سنة (٣٨٨ هـ). كتب في هذا كتابه (بيان إعجاز القرآن) وهو مطبوع مع رسالة الرّمّاني المذكورة سابقا. ٥ - أبو بكر محمد بن الطيب الباقلّاني المتوفى سنة (٤٠٣ هـ). وضع كتابه المشهور (إعجاز القرآن) الذي أجمع المتأخرون من بعده على أنه باب في الإعجاز على حدة، وقد جمع فيه كثيرا من المباحث البلاغية القرآنية، وسلك فيه أقرب الوسائل إلى كشف جوانب الإعجاز القرآني وتذوّقه، ووفّى بكثير مما قصد إليه من أمهات المسائل والأصول، حتى عدّوه الكتاب وحده في هذا الفن، قال فيه أبو بكر بن العربي: لم يصنّف مثل كتابه. وهو كتاب مطبوع ومتداول، ومن طبعاته طبعة على هامش (الإتقان في علوم القرآن) للسيوطي، طبع المكتبة التجارية في القاهرة، وله طبعات مستقلة، منها طبعة دار المعارف بالقاهرة، بتحقيق العلامة السيد أحمد صقر- ﵀. ٦ - عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني المتوفى سنة (٤٧١ هـ). وهو واضع أصول البلاغة، وضع كتابه (دلائل الإعجاز) والظاهر أنه بنى على ما أتى به الواسطي، ولكنه فاقه في أنه كان ذوّاقة للأسلوب القرآني، حتى

стр. 175

أوشك أن يسبق عصره في بعض لمحاته الموفّقة، التي نفذ بها إلى إدراك الجمال الفني في كتاب الله تعالى. وكان أنفذ حسّا وأكثر توفيقا من كل من كتبوا في هذا الباب على وجه العموم حتى في العصر الحديث. ٧ - ومن أشهر من كتب في هذا الموضوع حديثا: أ- مصطفى صادق الرافعي (١٢٩٧ - ١٣٥٦ هـ) ألّف في هذا كتابه (إعجاز القرآن). وهو- كما قال مؤلفه- كان هذا الكتاب مبحثا من مباحث كتابنا الكبير (تاريخ آداب العرب). ثم أفردناه ليكون كتابا بنفسه تعمّ به المنفعة ويسهل على الناس تناوله. وهو خير ما كتب حديثا في هذا الموضوع، وقد عني فيه مؤلفه عناية خاصّة بالنظم الموسيقى في القرآن، وفيه كلمات رائعة ولمحات موفقة في فهم كتاب الله ، حتى قال فيه أحد المقرّظين له: يجب على كل مسلم عنده نسخة من القرآن أن تكون عنده نسخة من هذا الكتاب. ب- سيد قطب المتوفى سنة (١٩٦٥ م) وهو من خير من ألّف وكتب في هذا الباب حديثا، ومؤلفاته من أروع ما كتب، فقد عالج رحمه الله تعالى نواحي خاصة من إعجاز القرآن، فأبدع فيها وأجاد، ومن خير آثاره في ذلك: (التصوير الفني في القرآن) ففيه تخريجات ذكية، واستنباطات سديدة، وأفكار ناضجة، في استلهام الجمال الفني القرآني بأسلوب مشرق جذّاب. ومثله كتاب: (مشاهد يوم القيامة في القرآن). هذا إلى جانب تفسيره: (في ضلال القرآن) وما فيه من لمسات ونفحات تشير إلى عظمة كتاب الله تعالى وسر إعجازه وروعة بيانه.

стр. 176

الباب الثامن من أساليب القرآن الكريم الفصل الأول: القصّة في القرآن. الفصل الثاني: الأمثال في القرآن. الفصل الثالث: المجاز في القرآن. الفصل الرابع: القسم في القرآن.

стр. 177

الفصل الأول القصة في القرآن الكريم ١ - تعريف القصة في القرآن: جاء في المصباح المنير: قصصت الخبر قصّا: حدثت به على وجهه، والاسم القصص، وقد جاء في القرآن الكريم: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] وكذلك: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف: ١١١]. والقصة: الأمر والخبر والشأن، جاء في المصباح: والقصّة: الشأن والأمر، يقال: ما قصّتك؟ أي: ما شأنك. وفي القاموس المحيط: والقصّة- بالكسر- الأمر والتي تكتب. وعلى هذا: فما جاء من أخبار قصّها علينا القرآن يمكن أن يطلق عليها لفظ: القصة. ٢ - القيمة التاريخية للقصة القرآنية: ليست القصّة في القرآن كتلك القصص الحرة الطليقة الصادرة من نفوس بشرية، تجعل أمامها أهدافا خاصة، ثم لا تبالي أن تستمدّ ما تقوله من خيال غير صادق، أو أن تعرض حوادث لم تقع، أو تدور حول بطل لا وجود له أصلا، أو تخرج من جدّ إلى هزل، أو تضع الباطل إلى جانب الحق، وجلّ اهتمامها أن تظهر البراعة البيانية لمؤلفها. وإنما القصّة في القرآن حقيقة تاريخية ثابتة، تصاغ في صور بديعة من الألفاظ المنتقاة والأساليب الرائعة. وهذه حقيقة قامت الأدلة عليها بما لا يدع مجالا للشك، وذلك: أ- أن الأدلة القاطعة قامت على أن القرآن الكريم كلام الله المنزل، وأن

стр. 178

محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه قد بلّغ ما أنزل إليه من ربّه، وإذا كان كذلك فكلّ ما جاء في القرآن من خبر فهو صادق، وإذا كان صادقا فلا بد أن يكون مطابقا للواقع. ب- القرآن حجّة الله على خلقه جملة وتفصيلا، وإطلاقا وعموما، وهذا يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحقّ ثم لا ينبّه عليه، فكلّ ما ورد فيه على وجه الإخبار فهو حقّ موافق للواقع. ج- ما جاء في القرآن من قصص إنما هو كلام ربّ العزة، أوحى به إلى الرسول الأكرم ليكون مأخذ عبرة، أو موضع قدوة، أو مجلاة حكمة، وما كان كذلك لا يكون إلا حقّا من صميم الواقع. كل هذه الأدلة- وغيرها كثير- تبرهن على أن القصة القرآنية حقيقة تاريخية لا تحوم حولها شبهة. ولذا فقد اعتبرها المتقدّمون والمتأخرون من المؤرخين عمدة رصينة في كلّ ما كتبوه من أبحاث تاريخية، سواء كانت تتعلق بحوادث حاضرة وقت نزوله، أم تتعلّق بحوادث الأمم الغابرة. ولقد كانوا على بيّنة من أمرهم في ذلك إذ إن القرآن أصحّ مصدر عرفه التاريخ في هذا المجال، يشهد بذلك أن الباحثين- على اختلاف مذاهبهم ونحلهم- اعتمدوا القرآن أوّل وثيقة تاريخية تعرف بها أحداث الجزيرة العربية وأوضاعها في صدر الإسلام، وإذا كان كذلك فما هو عمدة في حقبة هو عمدة في كل الحقب. ويشهد لذلك أن التاريخ والمؤرخين عاجزون عن أن يأتوا برواية قريبة أو بعيدة تعارض ما جاء به القرآن من أخبار، وإذا ثبت هذا فلا يلتفت إلى الهراء الذي يطلقه البعض، مما لا تقوم عليه أثارة من دليل عقلي أو نقلي، إلا الحقد على الإسلام والكيد لدعوته. وبعد فإنا نقول: بعد ما ثبت الدليل على أن القرآن كلام الله المنزل فإن التاريخ هو الذي يستمدّ قوّته من حديث القرآن وأخباره، وليس القرآن يستمدّ قوّته من

стр. 179

أخبار التاريخ. وحسبنا في ذلك قول الله تعالى: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١١١]. ٣ - أغراض القصة في القرآن: القرآن كلام الله تعالى المنزل ليأخذ بيد الناس إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة، فهو كتاب هداية أولا وآخرا، وللقرآن وسائل متعدّدة لتحقيق هذه الهداية، والقصّة القرآنية إحدى هذه الوسائل، ولكي تحقّق القصّة في القرآن الغاية الأساسية له، فقد سيقت لأغراض متعدّدة، أهمها: أ- إثبات الوحي والرسالة لمحمد ﷺ : من المعلوم أن محمّد بن عبد الله- صلوات الله وسلامه عليه- كان أميّا لم يعرف قراءة ولم تعهد عنه كتابة، كما سجّل ذلك القرآن إذ يقول: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨]. كما أنه لم يجالس أهل علماء الكتاب أو غيرهم ليأخذ عنهم العلم وخبر من قبله. وهذه حقيقة لم ينكرها أحد ممن عاصره أو جاء بعده، إلا ما كان من ذاك الهراء الذي ردّه القرآن بحكم البداهة إذ يقول: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣] ولقد ردّد هذا الهراء أناس مغرضون، عوراتهم بادية، لا يؤبه بهم. وعليه: فإذا ما ثبتت هذه الحقيقة وجاء القرآن بقصص الأنبياء السابقين، وأحوال الناس الغابرين، في دقّة وتفصيل، على نحو يتفق مع ما هو معلوم لدى أهل الكتاب من هذه القصص ويفوقه صحة ووضوحا، إذا كان كل هذا: فقد ثبت بالدليل القاطع أن محمّد بن عبد الله- صلوات الله وسلامه عليه- ما كان ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

стр. 180

هذا وإن القرآن الكريم كثيرا ما ينصّ على هذا الغرض في مقدمات بعض القصص أو في ذيولها، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى في مقدمة قصّة يوسف ﵇: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [يوسف: ٣]. وقوله تعالى بعد قصة نوح ﵇: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩]. ب- بيان وحدة الوحي الإلهي: من الأغراض الهامة للقصّة القرآنية التنبيه على أن الدين السماوي الذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين واحد، وأنّ جميع الشرائع المنزلة- بأصالتها- لا تعارض فيها ولا اختلاف. وتحقيقا لهذا الغرض نجد القرآن الكريم يورد قصص عدد من الأنبياء مجتمعة في سورة واحدة، وربما تكرّر مجيء هذه القصص على هذا النحو «١»، كلّ ذلك بغرض تأييد هذه الحقيقة وتثبيتها في الأذهان وتوكيدها في النفوس، ولذا نجد القرآن يصرّح بهذا الغرض أحيانا. ومثال ذلك ما جاء في سورة الأنبياء- بعد ذكر قصص عدد منهم- من قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٩٢]. ج- العبرة والموعظة: ومن أغراض القصّة القرآنية أن تشدّ الناس إلى غابر الأزمان، ليلقوا نظرة على من سبقهم من الأمم، ويستعرضوا في مخيلتهم شريطا: يصوّر لهم موقف أولئك الأجيال وما آل إليه حالهم، فيأخذوا العبرة من واقعهم، ويتعظوا من عاقبة أمرهم، ويروا بعقولهم ويتحسّسوا بمشاعرهم نتيجة العناد والاستكبار عن الحقّ الذي يتولّاه الله بعنايته، ويدفع عنه ببالغ بطشه وجبروته، فيضع هؤلاء المخاطبون في حسابهم
следующие страницы →