← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11426

الواضح في علوم القرآن

مصطفى ديب البغا

Полный текст (319 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الباب الثامن من أساليب القرآن الكريم الفصل الأول: القصّة في القرآن. الفصل الثاني: الأمثال في القرآن. الفصل الثالث: المجاز في القرآن. الفصل الرابع: القسم في القرآن.

стр. 177

الفصل الأول القصة في القرآن الكريم ١ - تعريف القصة في القرآن: جاء في المصباح المنير: قصصت الخبر قصّا: حدثت به على وجهه، والاسم القصص، وقد جاء في القرآن الكريم: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] وكذلك: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف: ١١١]. والقصة: الأمر والخبر والشأن، جاء في المصباح: والقصّة: الشأن والأمر، يقال: ما قصّتك؟ أي: ما شأنك. وفي القاموس المحيط: والقصّة- بالكسر- الأمر والتي تكتب. وعلى هذا: فما جاء من أخبار قصّها علينا القرآن يمكن أن يطلق عليها لفظ: القصة. ٢ - القيمة التاريخية للقصة القرآنية: ليست القصّة في القرآن كتلك القصص الحرة الطليقة الصادرة من نفوس بشرية، تجعل أمامها أهدافا خاصة، ثم لا تبالي أن تستمدّ ما تقوله من خيال غير صادق، أو أن تعرض حوادث لم تقع، أو تدور حول بطل لا وجود له أصلا، أو تخرج من جدّ إلى هزل، أو تضع الباطل إلى جانب الحق، وجلّ اهتمامها أن تظهر البراعة البيانية لمؤلفها. وإنما القصّة في القرآن حقيقة تاريخية ثابتة، تصاغ في صور بديعة من الألفاظ المنتقاة والأساليب الرائعة. وهذه حقيقة قامت الأدلة عليها بما لا يدع مجالا للشك، وذلك: أ- أن الأدلة القاطعة قامت على أن القرآن الكريم كلام الله المنزل، وأن

стр. 178

محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه قد بلّغ ما أنزل إليه من ربّه، وإذا كان كذلك فكلّ ما جاء في القرآن من خبر فهو صادق، وإذا كان صادقا فلا بد أن يكون مطابقا للواقع. ب- القرآن حجّة الله على خلقه جملة وتفصيلا، وإطلاقا وعموما، وهذا يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحقّ ثم لا ينبّه عليه، فكلّ ما ورد فيه على وجه الإخبار فهو حقّ موافق للواقع. ج- ما جاء في القرآن من قصص إنما هو كلام ربّ العزة، أوحى به إلى الرسول الأكرم ليكون مأخذ عبرة، أو موضع قدوة، أو مجلاة حكمة، وما كان كذلك لا يكون إلا حقّا من صميم الواقع. كل هذه الأدلة- وغيرها كثير- تبرهن على أن القصة القرآنية حقيقة تاريخية لا تحوم حولها شبهة. ولذا فقد اعتبرها المتقدّمون والمتأخرون من المؤرخين عمدة رصينة في كلّ ما كتبوه من أبحاث تاريخية، سواء كانت تتعلق بحوادث حاضرة وقت نزوله، أم تتعلّق بحوادث الأمم الغابرة. ولقد كانوا على بيّنة من أمرهم في ذلك إذ إن القرآن أصحّ مصدر عرفه التاريخ في هذا المجال، يشهد بذلك أن الباحثين- على اختلاف مذاهبهم ونحلهم- اعتمدوا القرآن أوّل وثيقة تاريخية تعرف بها أحداث الجزيرة العربية وأوضاعها في صدر الإسلام، وإذا كان كذلك فما هو عمدة في حقبة هو عمدة في كل الحقب. ويشهد لذلك أن التاريخ والمؤرخين عاجزون عن أن يأتوا برواية قريبة أو بعيدة تعارض ما جاء به القرآن من أخبار، وإذا ثبت هذا فلا يلتفت إلى الهراء الذي يطلقه البعض، مما لا تقوم عليه أثارة من دليل عقلي أو نقلي، إلا الحقد على الإسلام والكيد لدعوته. وبعد فإنا نقول: بعد ما ثبت الدليل على أن القرآن كلام الله المنزل فإن التاريخ هو الذي يستمدّ قوّته من حديث القرآن وأخباره، وليس القرآن يستمدّ قوّته من

стр. 179

أخبار التاريخ. وحسبنا في ذلك قول الله تعالى: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١١١]. ٣ - أغراض القصة في القرآن: القرآن كلام الله تعالى المنزل ليأخذ بيد الناس إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة، فهو كتاب هداية أولا وآخرا، وللقرآن وسائل متعدّدة لتحقيق هذه الهداية، والقصّة القرآنية إحدى هذه الوسائل، ولكي تحقّق القصّة في القرآن الغاية الأساسية له، فقد سيقت لأغراض متعدّدة، أهمها: أ- إثبات الوحي والرسالة لمحمد ﷺ : من المعلوم أن محمّد بن عبد الله- صلوات الله وسلامه عليه- كان أميّا لم يعرف قراءة ولم تعهد عنه كتابة، كما سجّل ذلك القرآن إذ يقول: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨]. كما أنه لم يجالس أهل علماء الكتاب أو غيرهم ليأخذ عنهم العلم وخبر من قبله. وهذه حقيقة لم ينكرها أحد ممن عاصره أو جاء بعده، إلا ما كان من ذاك الهراء الذي ردّه القرآن بحكم البداهة إذ يقول: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣] ولقد ردّد هذا الهراء أناس مغرضون، عوراتهم بادية، لا يؤبه بهم. وعليه: فإذا ما ثبتت هذه الحقيقة وجاء القرآن بقصص الأنبياء السابقين، وأحوال الناس الغابرين، في دقّة وتفصيل، على نحو يتفق مع ما هو معلوم لدى أهل الكتاب من هذه القصص ويفوقه صحة ووضوحا، إذا كان كل هذا: فقد ثبت بالدليل القاطع أن محمّد بن عبد الله- صلوات الله وسلامه عليه- ما كان ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

стр. 180

هذا وإن القرآن الكريم كثيرا ما ينصّ على هذا الغرض في مقدمات بعض القصص أو في ذيولها، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى في مقدمة قصّة يوسف ﵇: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [يوسف: ٣]. وقوله تعالى بعد قصة نوح ﵇: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩]. ب- بيان وحدة الوحي الإلهي: من الأغراض الهامة للقصّة القرآنية التنبيه على أن الدين السماوي الذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين واحد، وأنّ جميع الشرائع المنزلة- بأصالتها- لا تعارض فيها ولا اختلاف. وتحقيقا لهذا الغرض نجد القرآن الكريم يورد قصص عدد من الأنبياء مجتمعة في سورة واحدة، وربما تكرّر مجيء هذه القصص على هذا النحو «١»، كلّ ذلك بغرض تأييد هذه الحقيقة وتثبيتها في الأذهان وتوكيدها في النفوس، ولذا نجد القرآن يصرّح بهذا الغرض أحيانا. ومثال ذلك ما جاء في سورة الأنبياء- بعد ذكر قصص عدد منهم- من قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٩٢]. ج- العبرة والموعظة: ومن أغراض القصّة القرآنية أن تشدّ الناس إلى غابر الأزمان، ليلقوا نظرة على من سبقهم من الأمم، ويستعرضوا في مخيلتهم شريطا: يصوّر لهم موقف أولئك الأجيال وما آل إليه حالهم، فيأخذوا العبرة من واقعهم، ويتعظوا من عاقبة أمرهم، ويروا بعقولهم ويتحسّسوا بمشاعرهم نتيجة العناد والاستكبار عن الحقّ الذي يتولّاه الله بعنايته، ويدفع عنه ببالغ بطشه وجبروته، فيضع هؤلاء المخاطبون في حسابهم

стр. 181

أنهم إن سلكوا سبيلهم سيصلون حتما إلى تلك النهاية الخاسرة والعاقبة الأليمة، وبالتالي ربما حملهم كلّ ذلك على قبول الحقّ والإذعان إليه. وعلى سبيل المثال: * اقرأ ما جاء في سورة القمر من تلك القصص السريعة المتتالية التي تكشف: عن جبروت الله تعالى وبالغ قدرته وشدّة انتقامه، وما أنزله بكلّ أمة باغية من أنواع الدمار والهلاك، ثم انظر إلى ما جاء عقبها من التنبيه والتحذير بقوله تعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٣ - ٤٥]. * واقرأ أيضا ما جاء في سورة هود والعنكبوت وغيرها من السور التي ذكر فيها عاقبة المستكبرين والمكذبين، ثم انظر إلى هذا القرار العادل الذي يلفت الانتباه إلى مصير كل من تنكّب الطريق: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٠] د- تثبيت النبيّ ﷺ في مجال الدعوة وبث الطمأنينة في نفوس المؤمنين: ولعل هذا الغرض من أهم أغراض القصّة القرآنية، وتحقيقا له فقد ورد كثير من قصص الأنبياء مع أقوامهم مجتمعة تارة، ومنفردة أخرى، ويتكرّر فيها العرض أحيانا. واقرأ في ذلك ما جاء في سورة هود والعنكبوت، ففي كل منهما بيان وجلاء لهذا الغرض من ناحيتين: ١ - بيان أن طريقة الأنبياء جميعا في الدعوة إلى الله تعالى واحدة، تتجلّى في إشفاقهم على أقوامهم وصبرهم على أذاهم، إلى جانب تشابه مواقف أولئك الأقوام في إعراضهم وسوء استقبالهم لأنبيائهم. ٢ - بيان أن الله ينصر أنبياءه ومن تبعهم في النهاية، مهما نزل بهم

стр. 182

من أذى، وطاف حولهم من البلاء، ويهلك أولئك المكذبين مهما تفنّنوا في الإيذاء أو ابتكروا من ألوان الصّدّ والعناد. وواضح أن ذكر مثل هذه القصص من شأنه أن يزيد في ثبات النبيّ ﷺ على طريق الدعوة إلى الله تعالى، وفي صبره على تحمل أذى القوم، كما أنه من شأنه أن يبعث في نفسه ونفوس من اتّبعه من المؤمنين الطمأنينة والثقة بنصر الله. ولقد صرّح القرآن بهذا الغرض. ومن ذلك قوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود: ١٢٠]. ٤ - منهج القصّة القرآنية: قد علم- مما مرّ من الكلام عن أغراض القصّة في القرآن- أنّ الغرض الأساسي لها: هو الهداية إلى الله ، ولقد كان لخضوع القصّة القرآنية لهذا الغرض أثر بين في مادتها وطريقة عرضها، مما جعل لها منهجا خاصا بها، يقوم على أروع مظاهر الجمال الفني والإشراق البياني. ويتجلّى هذا المنهج بالمظاهر التالية: أ- التكرار: قد تأتي القصّة القرآنية لغرض من الأغراض التي سبق ذكرها، ولكنها- في الوقت نفسه- تنطوي بمجملها على أغراض أخرى متعدّدة، ويشتمل جانب منها- أو بعض الجوانب- على فوائد متعدّدة، وعظات جمة، وعبر متنوعة، وقد يقتضي غرض الدعوة الديني أن تعاد القصّة أو جانب منها أو أكثر، في موطن آخر، أو مواطن متعددة، لمناسبات خاصة بالعبرة التي تساق القصة- أو بعض جوانبها- من أجلها، فتكرّر القصة أو بعض الجوانب منها تلبية لهذا الغرض، ولهذا التكرار فائدة وجمال. ١ - فائدة التّكرار وتناسقه: على أنّ الملاحظ- غالبا- أن جسم القصّة كلّه لا يكرّر إلا نادرا، وإنما يتناول التكرار بعض الحلقات فيها، ومعظمه إشارات سريعة لموضع العبرة فيها كما ذكرنا.

стр. 183

كما يلاحظ- أيضا- أن هذا التّكرار متناسق كل التناسق مع السياق الذي وردت فيه، مما يجعل القارئ المتأمّل لكتاب الله تعالى يشعر وكأنّه أمام قصّة أو خبر لم يكن ليسمع به من قبل، ويتنبّه إلى فوائد وعبر لم تكن لتخطر منه على بال. وخذ مثالا على ذلك: قصّة موسى ﵇ مع فرعون وقومه أو مع بني إسرائيل- وهي أكثر قصص القرآن تكرارا، وانظر كيف أنها في كل موطن ذكرت فيه- أو أشير إليها- أفادت موعظة خاصّة، وعبرة فريدة، اقتضاها السياق القرآني، تختلف عما أفيد منها في موطن آخر. ٢ - جمال القصة في التكرار: وقصّة موسى ﵇ نموذج للقصص القرآني- ومثلها غيرها- فمن تأمّلها بإمعان ودقة علم أن التّكرار في القرآن ليس تكرارا مطلقا، من شأنه أن يبعث الملل في نفس القارئ أو السامع، بل إنه تكرار أكسب القصّة القرآنية جمالا فنيا وروعة أسلوب. وخذ مثالا على ذلك: قصص الأنبياء، فإنّ عرض هذا الشريط من قصصهم مرّات متعدّدة بتعدد أغراضها، يخيّل للمتأمّل أنه نبيّ واحد، وأنها إنسانية واحدة، على تطاول الأزمان وتباعد الديار، كلّ نبيّ يبعث يمرّ وهو يقول كلمته الهادية يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩]، فتكذّبه هذه الإنسانية الضّالّة، ثم يمضي ويجيء تاليه، فيقول نفس الكلمة، ثم يمضي، وهكذا لا يختلف الموقف ولا تختلف النتيجة من نصرة الحق ودحر الباطل. ب- العرض بالقدر الذي يحقق الغرض: تبعا للغرض الذي سيقت من أجله القصة القرآنية، نجد القرآن تارة يذكر القصة بكامل تفصيلاتها، وتارة يكتفي بذكر ملخص عنها أو إشارة إليها، وتارة يتوسط بين هذا وذاك، وربما اكتفى أحيانا بعرض حلقة من حلقاتها، أو مشهد من مشاهدها، وكل ذلك خاضع- كما قلنا- لما في حلقات القصة وجوانبها من أهمية وعظة.

стр. 184

* فمن أمثلة ما ذكر مفصلا: قصة موسى ويوسف ﵉، وكذلك قصة مريم وولادتها عيسى ﵉، فإن هذه القصص قد ذكرت تفصيلا دقيقا بكل جوانبها، وقد كان هذا التفصيل مقصودا، والغرض منه- على الإجمال- إثبات رسالة محمد ﷺ ، إلى جانب أغراض دينية أخرى ذات أهمية وشأن، كتصحيح ما ادعاه أهل الكتاب من بنوة عيسى ابن مريم لله . * ومن أمثلة ما توسط في تفصيله أو اختصر قصة نوح وداود ﵉، وكذلك قصص هود وصالح وزكريا ويحيى ﵈. * ومن أمثلة ما اقتصر فيه على مشهد من المشاهد أو أكثر قصة أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين، وكذلك قصة نزول آدم ﵇ إلى الأرض، إذ لم يتحدث القرآن عنها بأكثر من قوله تعالى: قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى [طه: ١٢٣]. ولهذا المظهر في منهج القصة القرآنية غرض بيّن؛ إذ من شأنه أن يجمع على القارئ شتات ذهنه، ويصرف انتباهه إلى المقصد الأساسي من القصة، فيستطلع الغرض الديني الذي تستهدفه، ولا يغفل عن العبرة والعظة التي سيقت من أجلهما القصة، وبالتالي تنصاع نفسه لما انطوت عليه من هداية وتوجيه. ج- بث العظات والتوجيهات في سياق القصة: إن القصة القرآنية: لا تدع القارئ يتفاعل معها وينصرف إليها بكل تفكيره، دون أن تفصل بين حلقاتها بفواصل من العظات والعبر، وتبث في جوانبها النصائح والتوجيهات، أو تحيطها بأطر من الإرشادات التي من شأنها أن تنبه القارئ إلى المقصد الأساسي من قصها، وتكون بمثابة مصابيح هداية يقف أمامها وقفة الفاحص المتأمل، الذي يسبر أغوار الحوادث والأمور، ليفيد منها في حياته وسلوكه.

стр. 185

وهذه اللمسات من العظات والعبر تكون: ١ - تارة في ثنايا القصة وخلالها، وخذ مثلا على ذلك ما ذكر في سورة طه أثناء عرض قصة موسى ﵇ مع فرعون، حيث يقول الله تعالى: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى [طه: ٤٩ - ٥٤]. فالقصة حوار بين موسى وفرعون حول وجود الخالق ، ولكنها تتحول عن ذكر حوادث القصة وسردها إلى التذكير بما يتناسب مع السياق من العظات والتوجيهات، فتذكر بعظمة الله تعالى وتلفت النظر إلى مظاهر ألوهيته، وتنصب الدلائل على وجوده ووحدانيته، وتبعث في النفس الشعور بوجوب شكره على عظيم آلائه ووافر فضله، ولا تغفل أن تذكر بالموت ثم البعث والنشور والوقوف بين يدي هذا الخالق، يوم لا تغني نفس عن نفس شيئا والأمر يومئذ لله. ٢ - وتارة تكون في مقدمة القصة أو قبلها، ومثال ذلك ما ذكر في سورة الحجر من قوله تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. ثم سرد القصص التي تدل على الرحمة: كقصة إبراهيم ﵇ وتبشيره بالغلام بعد كبر سنه، وكذلك القصص التي تدل على العذاب: كقصة لوط ﵇ مع قومه وما حاق بهم من العذاب. ٣ - وتارة تكون بعد ذكر القصة، ومثال ذلك ما جاء من هذه العظات والتنبيهات الرائعة في سورة يونس ﵇ من قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما

стр. 186

كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩ - ١٠٣]. هذه اللفتات المدهشة والتوجيهات الرائعة جاءت في أعقاب ذكر قصة نوح ﵇ مع قومه، وموسى وهارون ﵉ مع فرعون ثم مع بني إسرائيل، وما كان من هؤلاء الأقوام، وما كان من عقاب من عاند، وجزاء من انصاع إلى الحق، ونصرة من دعا إلى الله . ٥ - خصائص القصة القرآنية: إن القصة في القرآن تقوم على أسس وخصائص فنية رائعة، فهي تحقق الغرض الديني عن طريق جمالها الفني، الذي يجعل ورودها إلى النفس أيسر، ووقعها في الوجدان أعمق. وأهم هذه الخصائص ما يلي: أ- العرض التصويري: إن القرآن الكريم عند ما يأتي بالقصة لا يخبر بها إخبارا مجردا، بل يعرضها بأسلوب تصويري، يتناول جميع المشاهد والمناظر المعروضة، فإذا بالقصة حادث يقع ومشهد يجري، لا قصة تروى ولا حادثا قد مضى. ألوانه وأمثلته: والتصوير في مشاهد القصة القرآنية ألوان تبدو في قوة العرض والإحياء، وفي تخييل العواطف والانفعالات، كما تبدو في رسم الشخصيات. وهذه الألوان ظاهرة في مشاهد القصص القرآني جميعا، لا ينفصل بعضها عن بعض، وقد يبرز أحدها

стр. 187

في بعض المواقف عن بعض، فيطبع المشهد باسمه. فمن أمثلة القصص التي برزت فيها قوة العرض والإحياء: قصة أصحاب الجنة، ومشهد إبراهيم وإسماعيل ﵉ في بناء الكعبة، ومشهد نوح ﵇ وابنه في الطوفان، وقصة أصحاب الكهف. ومن أمثلة ما برز فيه تصوير العواطف والانفعالات: قصة صاحب الجنتين وصاحبه الذي يحاوره، وقصة موسى ﵇ مع الرجل الصالح، وقصة مريم عند ميلادها عيسى ﵉. وأما أمثلة اللون الثالث وهو: رسم الشخصيات وبروزها في القصة القرآنية: فهو القصص القرآني كله، واقرأ على سبيل المثال: قصة موسى ﵇ مع فرعون، وقصة إبراهيم ﵇ مع قومه، وقصة يوسف ﵇، وقصة سليمان ﵇ مع بلقيس، فكلها قصص يبرز فيها تصوير الشخصيات ورسمها على أدق ما يكون الرسم وأبرع ما يكون التصوير. نموذج تحليلي: وإليك تحليلا موجزا للعرض التصويري الذي عرضت فيه مشاهد قصة أصحاب الكهف: فالمشهد الأول: يصور لنا أصحاب الكهف وهم فتية يتشاورون في أمرهم، بعد ما اهتدوا إلى الله بين قوم كافرين: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً [الكهف: ١٣ - ١٦].

стр. 188

والمشهد الثاني: مشهد مليء بالحركة التصويرية العجيبة، يعرض لنا حالهم وقد نفذوا ما عزموا عليه وكأننا نراهم يقينا رأي العين: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [الكهف: ١٧ - ١٨]. وأما المشهد الثالث: فإنه يعطي الصورة الحية بكل ما فيها من خلجات نفسية، ومخاوف، وإيمان وثقة، وأخذ بالأسباب للنجاة: وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً [الكهف: ١٩ - ٢٠]. ثم يأتي المشهد الرابع: ليصوّر لنا كيف اكتشف حالهم، والناس قد تحوّلوا من كفر إلى إيمان، فإذا بهم يصبحون حديث الناس، وموضع اهتمامهم، ومثار جدلهم على مر الأزمان: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً

стр. 189

ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف: ٢١ - ٢٢]. ثم تأتي المناسبة للتوجيهات في ثنايا القصة وأعقابها على طريقة القرآن في قصصه: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦) وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً [الكهف: ٢٣ - ٢٧] «١». ب- التنويع في الاستهلال بالقصة ووضع المدخل إليها: من أبرز الخصائص الفنية للقصة القرآنية تنوع طريقة العرض في ابتداء القصة، وذلك أن عنصر التشويق أمر أساسي في القصة، فينبغي أن يتجلى بأبهى مظاهره في مطلعها، حتى ينشدّ القارئ إلى متابعة حلقاتها، ويفتح آفاق ذهنه وجوانب نفسه إلى استطلاع أغراضها ومقاصدها. وأهم مظاهر براعة الاستهلال في القصة القرآنية هي: ١ - البداءة بأغرب مشهد يلفت النظر فيها؛ حتى لو كان هذا المشهد متأخرا في سلسلة الحوادث؛ لأن المشهد الغريب من شأنه أن يثير الانتباه أكثر من غيره، حتى إذا تفتح الذهن وأقبل على القصة، عمد البيان إلى استدراك ما فات من المشاهد، وتحين المناسبة لعرضه بشكل متناسق ومتساو مع جمال العرض وأداء الغرض. وخذ مثالا على ذلك قصة موسى ﵇ في سورة (طه) حيث افتتحت

стр. 190

بهذا المشهد: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً [طه: ٩ - ١٠]. ثم يعود السياق بعد هذه البداءة ليستدرك جوانب القصة ومشاهدها. ٢ - التقديم للقصة بخلاصة عنها، وذلك بأن ينتزع من مشاهد القصة أهم مظاهر العبرة فيها، فتصاغ بشكل خلاصة تجعل مدخلا للقصة وبداية لها، ثم تعرض التفصيلات بعد هذا المدخل. وهذا مظهر من مظاهر التشويق، التي تضع في مخيلة القارئ صورة مختصرة عن القصة، تبعث فيه الرغبة إلى التوسع في معرفة جوانبها. وخير مثال على ذلك قصة أصحاب الكهف إذ بدئت بتلك الخلاصة: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً. ثم يبدأ التفصيل بقوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ [الكهف: ٩ - ١٢]. ٣ - الاستهلال بذكر الأسباب والنتائج، وما يكشف عن مغزى القصة وحكمة أحداثها؛ فتتجسد العبرة التي ينبغي أن تؤخذ منها، وتتشوق النفس لمعرفة الطريقة التي تتحقق بها الغاية المرسومة المعلومة، حتى إذا بدأ سرد القصة كان فكر القارئ متنبها لمواطن العبرة فيها. وخذ مثالا على ذلك قصة موسى ﵇ مع فرعون في سورة القصص، إذ استهلت بهذه الآيات: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥)

стр. 191

وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: ٤ - ٦]. ٤ - ذكر القصة مباشرة بلا مقدمة ولا تلخيص، ويكتفى بما في ثناياها من مفاجآت خاصة بها، وذلك مثل قصة مريم عند ولادتها عيسى ﵉، وقصة سليمان ﵇ مع بلقيس، وغيرهما من القصص. ٥ - العرض التمثيلي: وهو العرض الذي يقوم على إبراز المشاهد الرئيسية، والحلقات الأساسية من القصة، بشكل واضح وجلي أمام الناظر أو المتخيل، بينما يترك له بين كل مشهد وآخر من هذه المشاهد أو الحلقات فجوات يطوي فيها ما بين المشاهد من الروابط البدهية، ويفسح المجال للخيال حتى يملأها، ويستمتع بإقامة القنطرة بين المشهد السابق والمشهد اللاحق. وهذه الطريقة من العرض سمة بارزة في القصص القرآني، إذ من شأنها أن تعطي القيمة الفنية للقصة، وتضفي عليها الحيوية وتبعث فيها الحياة، بينما تقل هذه القيمة وتضعف أكثر فأكثر كلما شغل الذهن بعرض تلك الروابط البدهية، وذكر تلك التفصيلات التي غالبا ما تمل النفوس سماع الحديث عنها. ومن أمثلة هذه الخاصة الهامة: ١ - قصة نوح التي وردت في سورة هود- ﵉ بقوله تعالى: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ [هود: ٣٦ - ٣٨]. فالقصة تضع أمامنا مشهد نوح ﵇ وهو يتلقى الوحي الإلهي الذي يفقده الأمل من إيمان قومه، ويخبره بحلول العقاب فيهم، ويأمره بصنع السفينة

стр. 192

التي ستكون سبب نجاته ومن معه من المؤمنين، ثم يسدل الستار ليرتفع ثانية عن مشهد نوح ﵇ وهو يقوم بصنع السفينة، مقبلا على ذلك بكليته، تنفيذا لأمر الله ، بينما قومه الهلكى من حوله يهزءون ويسخرون. والفجوة التي تركها العرض بين المشهدين ليملأها الخيال: هي تلك الأحداث التي لا بد منها، من العزم على الصنع، وإحضار المواد الأولية، وإنما طويت حتى لا تفسد بذكرها العرض الفني للقصة. ٢ - قصة مريم ﵍: التي تضعنا أمام مشهد يصور لنا تلك العذراء البتول، وقد أتاها الروح القدس في هيئة إنسان ليقول لها: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا وتجيبه مستغربة دهشة: قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فيخبرها بأنه فعل الذي لا يعجزه شيء، ويطلعها على الحكمة من ذلك: قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا. ثم يسدل الستار ليرتفع عن مشهد هذه العذراء وقد أثقلها حملها، فتنحت جانبا من القوم وهي قلقة خائفة، وإذا بالمخاض يلجئها إلى جذع نخلة تستقر تحتها لتلد النور والهداية لتلك البشرية الضائعة في ذلك الجيل: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا [مريم: ٢٢ - ٢٣]. ويلاحظ بين المشهدين فجوة فنية كبرى، تترك للخيال أن يتصورها كما يشاء له التصور.

стр. 193

الفصل الثّاني الأمثال في القرآن تمهيد: ضرب الأمثال في القرآن الكريم من أساليب الصياغة الفنية الرائعة، الدالة على إعجاز القرآن، في إبراز المعاني في قالب حسن يقربها إلى الأفهام، وفي صور حية تستقر في الأذهان. وذلك بتشبيه الغائب بالحاضر والمعقول بالمحسوس، وقياس النظير على النظير، قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣]. وقال سبحانه: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١]. ١ - تعريف المثل: والأمثال: جمع مثل، والمثل والمثل والمثيل: كالشبّه والشبه والشبيه، لفظا ومعنى. والمثل في القرآن الكريم: هو إبراز المعنى في صورة رائعة موجزة لها وقعها في النفس، سواء كانت تشبيها أو قولا مرسلا. ومثال التشبيه الصريح- الذي ذكر فيه الممثل له- قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [يونس: ٢٤]. ومثال التشبيه الضمني- الذي حذف فيه الممثل له- قوله تعالى:

стр. 194

وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات: ١٢]. ٢ - الفرق بين الأمثال والقصص: إن بين الأمثال والقصص فارقا كبيرا، وإن كان يجمعهما قدر مشترك من تنبيه الذهن إلى أخذ العبرة وقياس الحال على الحال. وهذا الفارق هو: أن الأمثال لا يشترط في صحتها أن تكون واقعة تاريخية ثابتة، وإنما يشترط فقط إمكان وقوعها، حتى يتسنى للذهن تصورها كما لو أنها وقعت فعلا. وليس معنى هذا أننا نشترط في الأمثال عدم صحتها في نطاق الواقع التاريخي، إذ ربما ضرب المثل بقصة واقعة، وتسمى القصة عندئذ تمثيلا، لأنها وردت للتمثيل لا للإخبار عنها. ٣ - أهمية الأمثال في القرآن: ومعرفة أمثال القرآن مهمة جدا، ولا بد منها للعالم المجتهد، والقارئ المعتبر، فقد أخرج البيهقي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال» «١». وقال الماوردي «٢»: من أعظم علم القرآن علم أمثاله. وقد عده الشافعي مما

стр. 195

يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن فقال: ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال الدوالّ على طاعته، المبينة لاجتناب معصيته «١». ويوضّح عبد القاهر الجرجاني أهمية الأمثال في إبراز المعاني فيقول: «واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو أبرزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة، وأكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها .. فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم .. وإن كان اعتذارا كان إلى القبول أقرب وللقلوب أخلب، وإن كان وعظا كان أشفى للصدر وأدعى إلى الفكر ... » «٢». ٤ - نماذج من أمثال القرآن مع تحليلها: ١ - قال الله تعالى في سورة البقرة: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠). وفي هذه الآيات مثالان يوضح الله بهما شأن المنافقين، الذين لا يجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحق بالإيمان الصريح، ولا يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح، فهم يتحلون بظاهر من الدين ليكسبوا مغانمه ويتقوا مغارمه، ولكنهم يعودون في نهاية الأمر خائبين خاسرين.

стр. 196

ففي المثال الأول: يشبه الله تعالى حال المنافقين العجيبة الشأن بحال من استوقد نارا ليستضيء بها، ولكنها ما كادت تضيء له ما حوله حتى انطفأت، وعاد الظلام يلفه من جديد، وبقيت نفسه في حيرة وشك وضياع. والآية مثل ضربه الله لمن آتاه شيئا من الهدى فأضاعه، ولم يتوصل به إلى النعيم الأبدي، وإنما بقي متحيرا ضائعا لا يجد نفسه، وهذا يدخل تحت غمومه هؤلاء المنافقون. وفي المثال الثاني: يشبه الله سبحانه حالهم بحال من أصابهم مطر هاطل غزير، في ليلة مظلمة مليئة بوميض البرق وزمجرة الرعد، كلما أضاء لهم نور البرق مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون، وهم في هذه الحالة خائفون فزعون، إذا لمع البرق كادت أن تنخطف منه أبصارهم، وإذا قصف الرعد جعلوا أصابعهم في آذانهم من مخافته. وكذلك المنافقون متلبسون في ظاهرهم بالإسلام الذي هو كصيب من السماء، ولكنهم يشعرون حقيقة بقلق واضطراب، ويتأرجحون بين لقاء المؤمنين وعودتهم للشياطين، بين ما يقولونه بألسنتهم وما تخفيه صدورهم، بين ما يطلبونه من هدى ونور، وما يفيئون إليه من ضلال وظلام، بين ما يريدونه من فوائد الإسلام وثمراته، وما يخافونه من تبعاته ووظائفه وزواجره. ومن الواضح أن التمثيل هنا اتبع الطريقة القصصية في تفصيل صوره وأجزائه، وجاء مبنيا على تشبيه مجموع حالة بمجموع حالة أخرى، دون النظر إلى مقارنة أو تشبيه أجزاء الحالين ببعضهما. ٢ - وقال تعالى في سورة الأعراف: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ

стр. 197

كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧). وفي هذه الآيات مثال واضح للإنسان الذي ينحرف عن الفطرة السوية، وينقض عهد الله، وينكص عن آيات الله بعد رؤيتها والعلم بها ... ذلك الإنسان آتاه الله آياته، وخلع عليه من فضله، وأعطاه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع، ولكنه انسلخ من هذا كله، وانحرف عن الهدى ليتبع الهوى، والتصق بالأرض وأغراضها فاستولى عليه الشيطان، وطرد من حمى الله، وأصبح ممسوخا كالكلب يلهث إن طورد، ويلهث إن لم يطارد. والنبأ في الآية نبأ رجل من علماء بني إسرائيل، وقيل: هو بلعام بن باعوراء من الكنعانيين، وقيل: أمية بن أبي الصلت من العرب. أوتي علم بعض كتب الله، ولكنه انسلخ منها وأعرض عنها، فاتبعه الشيطان وأضله. وقيل: إن الله تعالى ضرب هذا النبأ مثلا لكفار بني إسرائيل، إذ علموا نبوة سيدنا محمد ﷺ ، حتى إنهم كانوا يستفتحون به على المشركين، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. وقيل: إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله، فلم ينتفع بهذا العلم، ولم يستقم على طريق الإيمان، وانسلخ من نعمة الله، ليصبح تابعا ذليلا للشيطان. وهذا المثل منتزع من قصة واقعة، وليس مجرد فرضية مؤلفة. ٣ - وقال الله تعالى في سورة إبراهيم: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ

стр. 198

لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦). يضرب الله في هذه الآيات مثل الكلمة الطيبة، والكلمة الخبيثة، لتصوير سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة. فالكلمة الطيبة- كلمة الحق- كالشجرة الطيبة ثابتة سامقة مثمرة، ثابتة لا تزعزعها الأعاصير، ولا تعصف بها رياح الباطل، سامقة متعالية تطل على الشر والظلم من عل، مثمرة لا ينقطع ثمرها، لأن بذورها تنبت في النفوس المتكاثرة آنا بعد آن. والكلمة الخبيثة- كلمة الباطل- كالشجرة الخبيثة، قد تهيج وتتعالى، ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى، ولكنها تظل نافشة هشة، وتظل جذورها في التربة قريبة حتى لكأنها على وجه الأرض، وما هي إلا فترة ثم تجتث من فوق الأرض، فلا قرار لها ولا بقاء. وفسرت الكلمة الطيبة: بكلمة التوحيد، ودعوة الإسلام، والقرآن. والشجرة الطيبة: بالنخلة، وبشجرة في الجنة. أما الكلمة الخبيثة: فهي الشرك بالله، والدعاء إلى الكفر، وتكذيب الحق. والشجرة الخبيثة: بالحنظلة. ولعل المراد من هذه الألفاظ جميع المعاني المتقدمة. والعبرة ظاهرة ومقنعة في هذه النماذج الثلاثة، وهي قليل من كثير مما في القرآن من أمثال هادفة ورائعة.

стр. 199

الفصل الثّالث المجاز في القرآن من المعلوم أن الأصل في الكلام الحقيقة، وقد يصار إلى المجاز لنكتة بلاغية، ولا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن، وهي: كل لفظ بقي على موضوعه ولا تقديم ولا تأخير فيه، وهذا أكثر الكلام «١». وأما المجاز فالجمهور على وقوعه في القرآن، وقد اتّفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة «١»، وهو قسمان: الأول- المجاز العقلي، وعلاقته المشابهة، وهو واقع في التركيب، وذلك: أن يسند الفعل أو شبهه إلى غير ما هو له أصالة لمشابهته له. وأمثلة هذا القسم كثيرة في القرآن، منها: قوله تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [القارعة: ٩] فتسمية الأم ب (الهاوية) مجاز، أي: كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له، كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع؛ وهذا فهم سديد، خصوصا إذا وقفنا عند هذا التركيب وحده، ولم ننظر إلى ما قبله من الآيات. فإذا نظرنا ما قبله وقرأنا الآيات كلها: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ [القارعة: ٨ - ١١]. تجلّى لنا منها معنى آخر لطيف، فالأعمال المعنوية جسّمت ووزنت بموازين

стр. 200

حسية، فإذا هي خفاف ترتفع بها كفة الموازين، فلا يقابل خفتها وارتفاعها إلا هاوية سحيقة منخفضة في الدرك الأسفل من النار الحامية، التي لا يكون للمجرم في ذلك الهول أم سواها يلجأ إليها ويعتصم بها، وساءت ملجأ ومعتصما. ومنها قوله تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [الأنفال: ٢]. نسبت الزيادة وهي (فعل الله) إلى الآيات لكونها سببا لها. وقوله تعالى: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً [غافر: ٣٦] نسب البناء إليه، وهو فعل العمّال، لكونه آمرا به. وقوله تعالى: يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً [المزمل: ١٧] نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه. الثاني- المجاز اللغوي، وهو واقع في المفرد. وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا. وهو أنواع كثيرة: ١ - إطلاق اسم الكل على الجزء، نحو قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة: ١٩] أي: يجعلون أناملهم في آذانهم، ونكتة التعبير عن الأنامل بالأصابع الإشارة إلى إدخالها على غير المعتاد مبالغة في الفرار، وفي ذلك تصوير لحالتهم النفسية وما أصابهم من الذعر والهلع وهم يولون هاربين. ٢ - إطلاق اسم الجزء على الكل، نحو قوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: ٢٧] أي ذاته. وقوله تعالى: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٥٠] أي: ذواتكم، إذ الاستقبال يجب أن يكون بالصدر. ٣ - إطلاق اسم الخاص على العام، نحو قوله تعالى: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ١٦] أي: رسله.

стр. 201

٤ - إطلاق العام على الخاص، نحو قوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٥] أي: المؤمنين. ٥ - إطلاق اسم الملزوم على اللازم، كقوله تعالى: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [الروم: ٣٥] أي: أنزلنا برهانا يستدلّون به وهو يدلّهم، سمّى الدلالة كلاما، لأنها من لوازم الكلام. ٦ - إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كقوله تعالى: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [المائدة: ١١٢] أي: هل يفعل، أطلق الاستطاعة على الفعل؛ لأنها لازمة له. ٧ - إطلاق المسبب على السبب، مثل قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً [غافر: ١٣] أي مطرا يتسبب عنه الرزق. ٨ - إطلاق السبب على المسبب، مثل قوله تعالى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ [هود: ٢٠] أي: لا يستطيعون القبول والعمل به؛ لأنه مسبب عن السمع. ٩ - تسمية الشيء باسم ما كان عليه، قال تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [النساء: ٢] أي الذين كانوا يتامى، إذ لا يتم بعد البلوغ. ١٠ - تسميته باسم ما يؤول إليه، كقوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً [يوسف: ٣٦] أي: عنبا يؤول إلى خمر. ١١ - إطلاق اسم الحالّ على المحلّ، نحو: فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [آل عمران: ١٠٧] أي في الجنة. ١٢ - إطلاق اسم المحل على الحالّ، نحو: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ [العلق: ١٧] أي أهل ناديه.

стр. 202

١٣ - تسمية الشيء باسم آلته، كقوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: ٨٤] أي ثناء حسنا، لأن اللسان آلته. ١٤ - تسمية الشيء باسم ضده، قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] والبشارة حقيقة في الخبر السار. ١٥ - إضافة الفعل إلى ما لا يصح منه تشبيها، مثل: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [الكهف: ٧٧] وصفه بالإرادة، وهي من صفات الحيّ، تشبيها للوقوع بإرادته. ١٦ - إطلاق الفعل والمراد مشارفته ومقاربته وإرادته، قال تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ [الطلاق: ٢] أي قاربن بلوغ الأجل، أي انقضاء العدة، لأن الإمساك لا يكون بعده. ١٧ - القلب؛ إما قلب إسناد؛ كقوله تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ [القصص: ٧٦] أي لتنوأ العصبة بها. أو قلب عطف، كقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ [النمل: ٢٨] أي: فانظر ثم تولّ. ١٨ - إقامة صيغة مقام أخرى، وهو أنواع كثيرة «١»، منها إطلاق المصدر على الفاعل؛ كقوله تعالى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء: ٧٧] ولهذا أفرده.

стр. 203

الفصل الرّابع القسم في القرآن أ- تعريفه: القسم في اللغة: اليمين بالله تعالى، ومن معاني اليمين القوة. ويعرّف القسم أو اليمين بأنه: ربط النفس- بالامتناع عن شيء أو الإقدام عليه- بمعنى معظم عند الحالف حقيقة أو اعتقادا. وسمي الحلف يمينا لأن العرب كان أحدهم يأخذ بيمين صاحبه عند التحالف. ب- صيغته: الصيغة الأصلية للقسم أن يؤتى بالفعل (أقسم) أو (أحلف) متعديا بالباء إلى المقسم به. ثم يأتي المقسم عليه، وهو المسمى بجواب القسم، كقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل: ٣٨] فأجزاء صيغة القسم ثلاثة: ١ - الفعل الذي يتعدى بالباء. ٢ - والمقسم به. ٣ - والمقسم عليه. ولما كان القسم يكثر في الكلام اختصر فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء، ثم عوض عن الباء بالواو في الأسماء الظاهرة، كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل: ١]، وبالتاء في لفظ الجلالة، كقوله تعالى: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: ٥٧] وهذا قليل، أما الواو فكثيرة. ج- أغراض القسم في القرآن: ١ - تحقيق الخبر وتوكيده، ليكون أوقع في التلقي وأرجى للقبول، كقوله

стр. 204

تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس: ٥٣]. وقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: ٩٢]. ٢ - بيان شرف المقسم به، وعلو قدره، حتى يعرف الناس مكانته عند الله ورفعة منزلته لديه، كالقسم بحياة النبيّ ﷺ في قوله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر: ٧٢]. وكقوله تعالى مبينا شرف القرآن وقدره: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: ١]. ٣ - توجيه النظر إلى الآيات الكونية، والمشاهد الطبيعية، للتوصل منها إلى خالقها، والتأمل فيها تأملا يبين مبلغ نعمتها، وأنها غير جديرة بالعبادة، وإنما الجدير بالعبادة هو خالقها، وذلك كالقسم بالسماء وبنائها، وبالنفس وخلقها، في قوله تعالى: وَالسَّماءِ وَما بَناها [الشمس: ٥] وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [الشمس: ٧] وقال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [النجم: ١] منبها بقوله: هوى- أي غاب وسقط- إلى أنه لا يجوز أن يعبد، لأنه مخلوق وعرضة للغيبة والزوال. ونقل السيوطي في كتابه (الإتقان) عن أبي القاسم القشيري أنه قال: القسم بالشيء لا يخرج عن وجهين: إما لفضيلة، أو لمنفعة. فالفضيلة، كقوله تعالى: وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التين: ٢ - ٣] والمنفعة كقوله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: ١] «١». د- المقسم به في القرآن: ١ - أقسم الله تعالى بنفسه في القرآن في خمسة مواضع: في قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ [مريم: ٦٨] وقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: ٩٢] وقوله:

стр. 205

فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥] فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: ٤٠]. فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذاريات: ٢٣]. وأمر نبيه ﷺ أن يقسم به في ثلاثة مواضع: في قوله: قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧] وقوله: قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ: ٣] وقوله: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس: ٣٥]. ٢ - وأقسم تعالى فيما بقي من القرآن بمخلوقاته، كقوله: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالصَّافَّاتِ وَالشَّمْسِ وَاللَّيْلِ وَالضُّحى. فإن قيل: كيف أقسم الله بالخلق، وقد ورد النهي عن القسم بغير الله؟ أجيب بأوجه: أ- أنه على حذف مضاف، أي ورب التين، ورب الشمس ... ب- إن العرب كانت تعظم هذه الأشياء وتقسم بها فنزل القرآن على ما يعرفون. ج- إن الأقسام إنما تكون بما يعظم المقسم أو يجلّه وهو فوقه، والله تعالى ليس شيء فوقه، فأقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته لأنها تدل على بارئ وصانع. وقد نقل السيوطي عن ابن أبي الإصبع أنه قال: القسم بالمصنوعات يستلزم القسم بالصانع، لأن ذكر المفعول يستلزم ذكر الفاعل، إذ يستحيل وجود مفعول بغير فاعل. أما حلف العباد بغير الله فهو ضرب من الشرك، قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «١». وعن الحسن قال: إن الله يقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله «٢».

стр. 206

هـ- من روائع القسم في القرآن: ١ - من روائع القسم في القرآن الكريم: أن جاء فاتحة للسور المكية في ست عشرة سورة، نحو: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا وَالذَّارِياتِ ذَرْواً وَالطُّورِ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً وَالْعَصْرِ ... إلخ. وإن وقوع القسم في ابتداء السور له أثره النفسي، وفي البدء به جذب لانتباه السامع، لوقوع القسم على سمعه في شيء من الرهبة، فإذا حدث ذلك صحبه تهيؤ نفسي لتلقي ما يقال، خاصة والقسم في أوائل السور يعطيها نضرة في بهجتها، ورونقا في ديباجتها، فتلمع الأقسام في قسمات السور كالغرة البارقة، لا سيما وقد أتت بما يألفه العرب ويحبّونه ويمجّدونه، ألا ترى أن القرآن أقسم بالبلد الأمين، وهي محبوبتهم مكة؟! ٢ - ومن روائع القسم: القسم بالخيل في قوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً [العاديات: ١ - ٥]. والخيل أعز شيء عند العرب، لأنهم أمة قتال ونضال، فحياتهم قائمة عليها، وقد أكثروا في شعرهم من أوصافها، فأقسم الله بها وهي مغيرة صبحا، والشرر يتطاير من حوافرها، ووصف الغبار الذي تثيره بعدوها وهجومها على عدوّهم، حتى تتوسط بين جموعه، وتوصل فرسانها إلى ربوعه «١». ٣ - ومن لطائف القسم قوله تعالى:

стр. 207

وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى [الضحى: ١ - ٤]. أقسم تعالى على إنعامه على رسوله وإكرامه له، وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة، وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته، وتأمل مطابقة هذا القسم- وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل- المقسم عليه، وهو الوحي الذي واتاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه: ودع محمدا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه «١».

стр. 208

الباب التاسع التفسير الفصل الأول: حقيقة التفسير، ونشأته، وتطوره. الفصل الثاني: أشهر المفسرين من الصحابة والتابعين. الفصل الثالث: أقسام التفسير. الفصل الرابع: التعريف بأشهر التفاسير والمفسرين.

стр. 209

الفصل الأول حقيقة التفسير ونشأته وتطوره أ- حقيقته: التفسير لغة: الإيضاح والتبيين، مأخوذ من الفسر وهو الإبانة، تقول: فسّرت الحديث أي بينته وأوضحته، ومنه قوله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان: ٣٣] أي أفضل بيانا وإيضاحا. واصطلاحا: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية. وقيل: علم يبحث فيه عن أحوال الكتاب العزيز من جهة نزوله وسنده وأدائه وألفاظه ومعانيه المتعلقة بالألفاظ والمتعلقة بالأحكام. وقيل: علم يفهم به كتاب الله تعالى المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه. ب- نشأته وتطوره: ١ - نشأ هذا العلم مع نزول القرآن الكريم، فلقد كان القرآن الكريم ينزل فتكون منه آيات مفصلة، أو كلمات مجملة تفسرها كلمات مفسّرة، قال الله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ... [المائدة: ١] ثم قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ... [المائدة: ٣]. وقال الله تعالى: الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ ثم قال: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: ١ - ٤]. وبيان القرآن الكريم بعضه بعضا هو أولى طرق التفسير، ونماذجه كثيرة في كتاب الله تعالى.

стр. 210

٢ - كان القرآن الكريم ينزل وفيه إجمال أحيانا فيفسره النبيّ ﷺ بما أوحي إليه من البيان. قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [النساء: ٧٧] لقد تكرر ذكر الصلاة في القرآن الكريم أكثر من سبعين مرة، ومع ذلك التكرار لا يكتمل عدد الصلوات المفروضة وركعاتها فضلا عن كيفية أدائها، فجاء بيان الرسول ﷺ موضحا عدد الصلوات المفروضة وركعاتها وكيفية أدائها، فقد صلّى أمام الصحابة يوما ثم قال لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» «١». وقال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١] الآية عامة في كل أب له أولاد يموت فيترك لهم مالا، فإن الأولاد يقتسمون إرثهم من أبيهم للذكر مثل نصيب أختيه. وجاءت السّنة تخصص من عموم هذه الآية الأنبياء؛ فلا يحق لهم جمع المال وإخلافه أهليهم، خشية التهمة في دعواتهم أنها لجمع حطام الدنيا معاذ الله، وبيانا لكونهم ربّانيين، حياتهم لله تعالى. قال رسول الله ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» «٢». وقد بيّن رسول الله ﷺ كل ما احتاج أصحابه إلى بيانه من القرآن الكريم، سوى ما استأثر الله تعالى بعلمه. وقد نزل القرآن بلغتهم، فما كانوا يحتاجون إلى كثير بيان عند كل آية وسورة، اللهم إلا ما يكون فيها من الأحكام. وبيان السنة الشريفة للقرآن الكريم هو ثاني طرق التفسير، ونماذجه كثيرة في كتاب الله تعالى. ٣ - وحين دخل الناس في دين الله أفواجا آخر حياة الرسول ﷺ وبعدها، وفي هؤلاء الداخلين عرب وعجم، علماء ببيان العرب وغير علماء به، وحاجتهم ظاهرة

стр. 211

إلى معرفة أحكام القرآن الكريم ومعانيه، وحكمه ومراميه، وألفاظه وجمله، قام بعض أصحاب رسول الله ﷺ يفسّرون من القرآن الكريم ما يحتاج إليه المسلم: بالقرآن الكريم، ثم بسنة رسول الله ﷺ ، ثم ببيان أسباب نزول الآيات والسور، وبما بلغهم، وإذا احتاج الأمر فسّروه بما يوفقهم الله تعالى إليه من اجتهاد وفهم «١»، وما يعرفونه من بيان العرب. أخرج غير واحد عن أبي عمران «٢» قال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين حتى دخل فيهم، فقال الناس: ألقى بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري ﵁ فقال: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معاشر الأنصار، إنا لما أعز الله تعالى دينه، وكثر ناصروه، وقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها؟ فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ ما يردّ علينا ما قلنا: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] «٣». استعمل عمر رضي الله تعالى عنه قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: من يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول. فقال عمر: يا قدامة، إني جالدك، قال: والله لو شربت- كما يقول- ما كان لك أن تجلدني، قال عمر: ولم؟ قال: لأن الله تعالى يقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا [المائدة: ٩٣].

стр. 212

فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أنزلت عذرا للماضين، وحجة على الباقين، لأن الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [المائدة: ٩٠]. قال عمر: صدقت «١». وبيان أقوال الصحابة رضوان الله عليهم، وفهومهم للقرآن الكريم، هو ثالث طرق تفسير القرآن الكريم، ونماذجه كثيرة في تفسير كتاب الله تعالى. ٤ - وجاء بعد أيام الصحابة التابعون رضوان الله عليهم جميعا، وقد تشعّبت ديار المسلمين وبعدت أوطانهم، وفيهم العرب والعجم، وأخذ اللحن يغزو خلسة وجهرة لغة العرب وبيانهم، وحاجة المسلمين في هذا العهد أشد من حاجة الصحابة إلى معرفة أحكام القرآن الكريم وحكمه، ومراميه وأغراضه، وألفاظه وجمله، فقام بعض التابعين يفسرون من القرآن ما يحتاج إليه المسلمون: بالقرآن الكريم، ثم بالسّنة، وببيان أسباب النزول، وبيان العرب، وفهم الصحابة، وإذا احتاج الأمر فسّروه بما يوفقهم الله إليه من اجتهاد وفهم. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور: ٢١] قال سعيد بن جبير التابعي رحمه الله تعالى: أي ألحق الله تعالى الذرية بآبائهم في الدرجات، مع استحقاقهم دون درجات الآباء في الجنة، تكريما للآباء وفضلا منه سبحانه «٢».

стр. 213

وبيان أقوال التابعين وفهومهم للقرآن الكريم هو رابع طرق تفسير القرآن الكريم، ونماذجه كثيرة في تفسير كتاب الله تعالى. ٥ - ثم جاء بعدهم من جاء من العلماء، وقد ازدادت حاجة المسلمين إلى معرفة أحكام القرآن الكريم وحكمه، ومراميه وأغراضه، وتراكيبه، فقاموا يفسّرون كتاب الله تعالى من خلال القرآن والسّنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ومن خلال اللغة ومعانيها، ومن خلال الرأي والنظر، بل ومن خلال بعض الإسرائيليات والنصرانيات أحيانا. والتفسير في كل ذلك علم يلقى على الناس شفاها، ويتلقاه الناس آذانا، وتبلغه إلى من سواه، حتى جاء دور التدوين، ودوّنت فيه العلوم، فدوّن علم تفسير كتاب الله تعالى على المذاهب والطرق التي سيأتي بيانها عند بحث مذاهب التفسير إن شاء الله تعالى. تلك هي نشأة علم التفسير وتطوره حتى جاء دور التدوين، والله أعلم.

стр. 214

الفصل الثاني أشهر المفسرين من الصحابة والتابعين قال الإمام السيوطي في (الإتقان): اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير ﵃، أما الخلفاء فأكثر من روي عنهم: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والرواية عن الثلاثة قليلة، وكأن السبب في ذلك تقدم وفاتهم «١». وأشهر أولئك الصحابة بالتفسير، وأكثر من نقل عنه التفسير- وإن لم يصل إلينا- علي بن أبي طالب، ثم ابن عباس، وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهم، ولعل ذلك راجع في شأن عليّ ﵁، إلى الأسباب التالية: ١ - طول صحبته، فقد صاحب رسول الله ﷺ من بدء الدعوة حتى قبض ﷺ ، ثم طول عمره بعد وفاته ﷺ . ٢ - كان ﵁ ذا فهم وإدراك، وعلم وحكمة. ٣ - تفرّغ من أعباء الخلافة حتى آلت إليه بعد الخليفة الثالث ﵃. ٤ - ظهور شدّة حاجة الناس إلى تفسير القرآن الكريم، نظرا لاتساع رقعة الإسلام، ودخول الكثير من الأعاجم في الإسلام، مما كاد يذهب بخصائص اللغة العربية.

стр. 215

ولعل ذلك راجع في عبد الله بن عباس، وابن مسعود، كذلك إلى طول العمر والصحبة، والمخالطة لرسول الله ﷺ ، وعناية رسول الله ﷺ بهما في أمر القرآن الكريم، ومعرفة اللغة العربية، وحاجة الناس إلى التفسير. وابن عباس وإن لم تطل صحبته لرسول الله ﷺ ، لكنه استعاض عن ذلك بملازمة كبار الصحابة يأخذ عنهم ويروي لهم. وهناك من الصحابة من تكلّم في التفسير غير العشرة المذكورين، منهم أنس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهم، ولكن ما نقل عنهم قليل جدا، ولم يكن لهم من الشهرة بالقول في القرآن ما كان للعشرة المذكورين. أولا: أشهر المفسرين من الصحابة: رضوان الله تعالى عليهم: ١ - عليّ بن أبي طالب ﵁ ١ - التعريف به: هو أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، ابن عم رسول الله ﷺ وصهره على ابنته فاطمة، كان أول صبي أسلم على الإطلاق، وكان يقول في ذلك ذاكرا فضل الله تعالى عليه: سبقتكم إلى الإسلام طرا صغيرا ما بلغت أوان حلمي. وقد كرّم الله تعالى وجهه فلم يعبد الأوثان قط، وكان عمره حين أسلم تسع سنين، كان مع رسول الله ﷺ في مكة، وأقام في بيته فترة، ونام على فراش رسول الله ﷺ ليلة الهجرة، حين همّت قريش بقتله ﷺ ، ليوهم قريشا أن رسول الله نائم على فراشه، وليرد الأمانات المودعة عند رسول الله ﷺ إلى أصحابها. ثم هاجر إلى المدينة المنورة، وحين آخى بين المهاجرين والأنصار جعل عليا أخاه، وقال له: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» «١».
следующие страницы →