إلى معرفة أحكام القرآن الكريم ومعانيه، وحكمه ومراميه، وألفاظه وجمله، قام بعض أصحاب رسول الله ﷺ يفسّرون من القرآن الكريم ما يحتاج إليه المسلم: بالقرآن الكريم، ثم بسنة رسول الله ﷺ ، ثم ببيان أسباب نزول الآيات والسور، وبما بلغهم، وإذا احتاج الأمر فسّروه بما يوفقهم الله تعالى إليه من اجتهاد وفهم «١»، وما يعرفونه من بيان العرب.
أخرج غير واحد عن أبي عمران «٢» قال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين حتى دخل فيهم، فقال الناس: ألقى بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري ﵁ فقال: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معاشر الأنصار، إنا لما أعز الله تعالى دينه، وكثر ناصروه، وقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها؟
فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ ما يردّ علينا ما قلنا: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] «٣».
استعمل عمر رضي الله تعالى عنه قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: من يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول. فقال عمر: يا قدامة، إني جالدك، قال: والله لو شربت- كما يقول- ما كان لك أن تجلدني، قال عمر:
ولم؟ قال: لأن الله تعالى يقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا [المائدة: ٩٣].
стр. 212
فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أنزلت عذرا للماضين، وحجة على الباقين، لأن الله تعالى يقول:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [المائدة: ٩٠].
قال عمر: صدقت «١».
وبيان أقوال الصحابة رضوان الله عليهم، وفهومهم للقرآن الكريم، هو ثالث طرق تفسير القرآن الكريم، ونماذجه كثيرة في تفسير كتاب الله تعالى.
٤ - وجاء بعد أيام الصحابة التابعون رضوان الله عليهم جميعا، وقد تشعّبت ديار المسلمين وبعدت أوطانهم، وفيهم العرب والعجم، وأخذ اللحن يغزو خلسة وجهرة لغة العرب وبيانهم، وحاجة المسلمين في هذا العهد أشد من حاجة الصحابة إلى معرفة أحكام القرآن الكريم وحكمه، ومراميه وأغراضه، وألفاظه وجمله، فقام بعض التابعين يفسرون من القرآن ما يحتاج إليه المسلمون: بالقرآن الكريم، ثم بالسّنة، وببيان أسباب النزول، وبيان العرب، وفهم الصحابة، وإذا احتاج الأمر فسّروه بما يوفقهم الله إليه من اجتهاد وفهم.
قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور: ٢١] قال سعيد بن جبير التابعي رحمه الله تعالى: أي ألحق الله تعالى الذرية بآبائهم في الدرجات، مع استحقاقهم دون درجات الآباء في الجنة، تكريما للآباء وفضلا منه سبحانه «٢».
стр. 213
وبيان أقوال التابعين وفهومهم للقرآن الكريم هو رابع طرق تفسير القرآن الكريم، ونماذجه كثيرة في تفسير كتاب الله تعالى.
٥ - ثم جاء بعدهم من جاء من العلماء، وقد ازدادت حاجة المسلمين إلى معرفة أحكام القرآن الكريم وحكمه، ومراميه وأغراضه، وتراكيبه، فقاموا يفسّرون كتاب الله تعالى من خلال القرآن والسّنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ومن خلال اللغة ومعانيها، ومن خلال الرأي والنظر، بل ومن خلال بعض الإسرائيليات والنصرانيات أحيانا.
والتفسير في كل ذلك علم يلقى على الناس شفاها، ويتلقاه الناس آذانا، وتبلغه إلى من سواه، حتى جاء دور التدوين، ودوّنت فيه العلوم، فدوّن علم تفسير كتاب الله تعالى على المذاهب والطرق التي سيأتي بيانها عند بحث مذاهب التفسير إن شاء الله تعالى.
تلك هي نشأة علم التفسير وتطوره حتى جاء دور التدوين، والله أعلم.
стр. 214
الفصل الثاني أشهر المفسرين من الصحابة والتابعين
قال الإمام السيوطي في (الإتقان): اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة:
الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير ﵃، أما الخلفاء فأكثر من روي عنهم: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والرواية عن الثلاثة قليلة، وكأن السبب في ذلك تقدم وفاتهم «١».
وأشهر أولئك الصحابة بالتفسير، وأكثر من نقل عنه التفسير- وإن لم يصل إلينا- علي بن أبي طالب، ثم ابن عباس، وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهم، ولعل ذلك راجع في شأن عليّ ﵁، إلى الأسباب التالية:
١ - طول صحبته، فقد صاحب رسول الله ﷺ من بدء الدعوة حتى قبض ﷺ ، ثم طول عمره بعد وفاته ﷺ .
٢ - كان ﵁ ذا فهم وإدراك، وعلم وحكمة.
٣ - تفرّغ من أعباء الخلافة حتى آلت إليه بعد الخليفة الثالث ﵃.
٤ - ظهور شدّة حاجة الناس إلى تفسير القرآن الكريم، نظرا لاتساع رقعة الإسلام، ودخول الكثير من الأعاجم في الإسلام، مما كاد يذهب بخصائص اللغة العربية.
стр. 215
ولعل ذلك راجع في عبد الله بن عباس، وابن مسعود، كذلك إلى طول العمر والصحبة، والمخالطة لرسول الله ﷺ ، وعناية رسول الله ﷺ بهما في أمر القرآن الكريم، ومعرفة اللغة العربية، وحاجة الناس إلى التفسير. وابن عباس وإن لم تطل صحبته لرسول الله ﷺ ، لكنه استعاض عن ذلك بملازمة كبار الصحابة يأخذ عنهم ويروي لهم.
وهناك من الصحابة من تكلّم في التفسير غير العشرة المذكورين، منهم أنس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهم، ولكن ما نقل عنهم قليل جدا، ولم يكن لهم من الشهرة بالقول في القرآن ما كان للعشرة المذكورين.
أولا: أشهر المفسرين من الصحابة: رضوان الله تعالى عليهم:
١ - عليّ بن أبي طالب ﵁
١ - التعريف به:
هو أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، ابن عم رسول الله ﷺ وصهره على ابنته فاطمة، كان أول صبي أسلم على الإطلاق،
وكان يقول في ذلك ذاكرا فضل الله تعالى عليه: سبقتكم إلى الإسلام طرا صغيرا ما بلغت أوان حلمي.
وقد كرّم الله تعالى وجهه فلم يعبد الأوثان قط، وكان عمره حين أسلم تسع سنين، كان مع رسول الله ﷺ في مكة، وأقام في بيته فترة، ونام على فراش رسول الله ﷺ ليلة الهجرة، حين همّت قريش بقتله ﷺ ، ليوهم قريشا أن رسول الله نائم على فراشه، وليرد الأمانات المودعة عند رسول الله ﷺ إلى أصحابها. ثم هاجر إلى المدينة المنورة، وحين آخى بين المهاجرين والأنصار جعل عليا أخاه،
وقال له: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» «١».
стр. 216
شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها سوى تبوك، فقد خلّفه رسول الله ﷺ على المدينة
وقال له- لما ساءه تخليفه عن الجهاد-: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي» «١»
. وكان حامل لواء رسول الله ﷺ في بدر وفي كل مشهد.
٢ - علمه:
كان علي رضي الله تعالى عنه عاقلا ذا فهم وبصيرة في القضايا، وعلم وافر بالكتاب والسّنة، وقوة في البيان، دعا له رسول الله ﷺ حين أرسله إلى اليمن قاضيا
بقوله: «اللهم ثبت لسانه واهد قلبه» «٢»
فكان موفقا ومسددا. وكان وزير أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله تعالى عنهم، وكان عمر إذا عرضت له عويصة من القضايا قال: قضية ولا أبا حسن لها.
قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب.
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا ثبت لنا الشيء عن عليّ لم نعدل عنه إلى غيره.
٣ - مكانته في التفسير:
جمع رضي الله تعالى عنه إلى مهارته في القضاء والفتوى علمه بكتاب الله تعالى وفهم أسراره وخفيّ معانيه، فكان أعلم الصحابة بمواقع التنزيل ومعرفة التأويل، روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال:
ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب.
وأخرج أبو نعيم في (الحلية) عن عليّ رضي الله تعالى عنه أنه قال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا سئولا.
стр. 217
وعن أبي الطفيل قال: شهدت عليا يخطب وهو يقول: سلوني، فو الله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل، أم في جبل.
٤ - رواية التفسير عنه:
كثرت الرواية في التفسير عن علي رضي الله تعالى عنه، وقد رويت كل أقواله في بيان القرآن وتفسيره بطرق عديدة، أشهرها طرق ثلاث:
أ- طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي.
وهذه طريق صحيحة، يخرج منها البخاري وغيره.
ب- طريق ابن أبي الحسين، عن أبي الطفيل، عن علي. وهذه طريق صحيحة، يخرج منها ابن عيينة في تفسيره.
ج- طريق الزهري، عن علي زين العابدين، عن أبيه الحسين، وهذه طريق صحيحة جدا، حتى عدها بعضهم أصح الأسانيد مطلقا. ولكن لم تشتهر هذه الطريق اشتهار الطريقين السابقين، نظرا لما ألصقه الضعفاء والكذابون بزين العابدين من الروايات الباطلة.
٥ - وفاته:
قتل رضي الله تعالى عنه شهيدا مظلوما، وقد خرج لصلاة الفجر من يوم الجمعة في السابع عشر من رمضان، وقيل سبع وعشرين منه، وعمره ثلاث وستون سنة، كعمره ﷺ حين قبض، وعمر أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما حين قبضا كذلك.
قال ابن سعد في (الطبقات): ومكث علي يوم الجمعة وليلة السبت وتوفّي رحمة الله تعالى عليه وبركاته ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين، وغسّله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفّن في ثلاثة أثواب
стр. 218
ليس فيها قميص، وصلّى عليه ابنه الحسن، فكبر عليه أربع تكبيرات، ودفن بالكوفة عند مسجد الجماعة في الرحبة مما يلي أبواب كندة قبل أن ينصرف الناس من صلاة الفجر. رضي الله تعالى عنه وأرضاه «١».
٢ - عبد الله بن مسعود ﵁
١ - التعريف به:
هو أبو عبد الرحمن بن مسعود بن غافل الهذلي، أسلم قديما حتى كان سادس ستة دخلوا الإسلام، وقرأ القرآن، وهو أول من جهر بقراءة القرآن على المشركين، قرأ سورة الرحمن على ملأ من قريش قرب الكعبة المشرّفة، فانهال عليه ملأ المشركين ضربا، وأوذي في الله من أجل ذلك، حتى إن أبا جهل قطع أذنه. وحين أمكن الله عبد الله بن مسعود من أبي جهل يوم بدر قطع أذنه ورأسه «٢».
كان يخدم رسول الله ﷺ في أكثر شئونه، وهو صاحب طهوره وسواكه ونعله، يلبسه إياه إذا قام ويخلعه ويحمله في درعه إذا جلس، ويمشي أمامه إذا سار، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، ويلج عليه داره بلا حجاب، حتى لقد ظنه أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه من أهل بيت رسول الله ﷺ ، لما رأى من كثرة دخوله ودخول أمه على رسول الله ﷺ ولزومه له «٣».
هاجر إلى الحبشة، وفيما هو هناك بلغه هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة، فهاجر من الحبشة إليها، ودخل على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فسلم عليه فلم يرد رسول الله ﷺ السلام.
وقد ورد عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا نسلم على النبيّ ﷺ وهو في الصلاة قبل أن نأتي أرض الحبشة فيرد علينا، فلما
стр. 219
رجعنا من أرض الحبشة، أتيته فوجدته يصلي فسلمت عليه، فلم يرد عليّ حتى إذا قضى صلاته قال: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألّا تتكلموا في الصلاة» «١» فردّ عليّ السلام، فقال: «إنما الصلاة لقراءة القرآن وذكر الله تعالى، فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك» «٢» رواه أبو داود
،
وفي لفظ لمسلم: فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال: «إن في الصلاة شغلا» «٢».
شهد مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والمشاهد كلها وما تخلف عن غزوة قط.
٢ - علمه:
كان من أحفظ الصحابة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ،
قال فيه رسول الله ﷺ : «رضيت لأمتي ما رضيه لها ابن أم عبد» «٤».
قيل لحذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: أخبرنا عن رجل قريب السمت والهدي من رسول الله ﷺ نأخذ عنه. فقال: لا نعلم أحدا أقرب سمتا ودلا وهديا برسول الله ﷺ من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة، وحين أرسله عمر رضي الله تعالى عنهما إلى الكوفة معلما كتب إلى أهلها كتابا يقول فيه ... وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي «٥».
وقال فيه النبيّ ﷺ بعد أن سمع منه سورة النساء إلى قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] فقال:
«حسبك» «٦». وقال: «من سره أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة
стр. 220
ابن أم عبد» «١».
٣ - مكانته في التفسير:
روى ابن جرير وغيره عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. وعن زر بن حبيش عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد «٢».
وعن مسروق قال: قال عبد الله- يعني ابن مسعود-: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله
مني تناله المطايا لأتيته «٣».
وعن أبي ظبيان، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: أي القراءتين تعدون أولى؟ قلنا: قراءة عبد الله- يعنون- ابن مسعود. فقال: إن رسول الله ﷺ كان يعرض عليه القرآن في كل رمضان مرة إلا العام الذي قبض فيه فإنه عرض عليه مرتين، فحضره فشهد ما نسخ منه وما بدل.
وروى أبو نعيم عن أبي البختري: قلت لعليّ رضي الله تعالى عنه: أخبرنا عن ابن مسعود؟ قال: علم القرآن والسنة وكفى «٤».
٤ - رواية التفسير عنه:
لقد روي عنه في تفسير القرآن الكريم أكثر مما روي عن علي رضي الله تعالى عنه؛ لطول صحبته للرسول ﷺ وملازمته له، ودخوله عليه حين لا يدخل عليه الناس، وفراغه من أعباء الخلافة والقضاء، وقيامه على تعليم الناس القرآن والفقه،
стр. 221
خاصة بالكوفة حين أرسله عمر رضي الله تعالى عنهما إليها.
وقد رويت أقواله في بيان القرآن وتفسيره بطرق عديدة أشهرها ثلاث:
أ- طريق الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، وهذه الطريق من أصح الطرق وأسلمها، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه.
ب- طريق مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود وهذه أيضا طريق صحيحة لا يعتريها الضعف، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه أيضا.
ج- طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، وهذه أيضا طريق صحيحة يخرج البخاري منها.
٥ - وفاته:
قدم من العراق حاجّا فمرّ بالربذة، وشهد وفاة أبي ذر ودفنه، ثم قدم المدينة فمرض بها، فجاءه عثمان بن عفان عائدا، فيروى أنه قال له: ما تشتكي؟ قال:
ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا آمر لك بطبيب؟ فقال:
الطبيب أمرضني، قال: ألا آمر بعطائك؟ وكان قد تركه سنتين، فقال: لا حاجة لي فيه، فقال: يكون لبناتك من بعدك؟ فقال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تصبه فاقة أبدا» «١»
. وحين مات صلّى عليه الزبير بن العوام لوصيته، ودفن بالبقيع سنة (٣٢ هـ) رضي الله تعالى عنه.
٣ - عبد الله بن عباس ﵄
١ - التعريف به:
هو أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ابن عم
стр. 222
رسول الله ﷺ ، ولد والرسول ﷺ وأصحابه محاصرون في شعب أبي طالب، ويعرف اليوم باسم العنزة، فأتي به رسول الله فحنّكه بريقه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين.
لازم رسول الله ﷺ لقرابته منه، ولأن ميمونة خالته زوج رسول الله ﷺ فكان يبيت عندها حين يبيت رسول الله ﷺ عندها، فإذا قام من الليل قام ابن عباس يهيئ له وضوءه ويصلي خلفه،
ولقد دعا له رسول الله ﷺ بعد أن مسح على رأسه- بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» «١».
روى البغوي بسنده إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه وقع في عينيه الماء، فقال له الطبيب: ننزع من عينيك الماء على ألّا تصلي سبعة أيام، فقال:
لا، إنه من ترك الصلاة وهو يقدر عليها لقي الله وهو عليه غضبان. وقال رضي الله تعالى عنه حين عمي:
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما ... ففي لساني وسمعي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور «٢»
٢ - علمه:
كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يلقّب بالحبر والبحر، لكثرة علمه وتبحّره فيه، وكان على درجة عظيمة من الاجتهاد والمعرفة والرئاسة والفتوى، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يحضره مجالسه مع كبار الصحابة رضوان الله عليهم، ويدنيه منه، وكان يقول له: إنك لأصبح فتياننا وجها، وأحسنهم خلقا، وأفقههم في كتاب الله تعالى.
وقال عبد الله بن عمر فيه: ابن عباس أعلم أمة محمد بما أنزل على محمد.
стр. 223
روى البيهقي بسنده إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لمّا قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلمّ فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم اليوم كثير. فقال: يا عجبا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم! قال: فترك ذلك، وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل- نائم في وسط النهار- فأتوسّد ردائي على بابه، يسفي الريح عليّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله، ما جاء بك؟ هلّا أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول:
لا ... أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث. قال: فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع حولي الناس يسألوني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني «١».
قال عطاء: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس ولا أكثر فقها ولا أعظم هيبة، أصحاب القرآن يسألونه، وأصحاب العربية يسألونه، وأصحاب الشعر يسألونه، فكلهم يصدر في واد واسع.
٣ - مكانته في التفسير:
لقد دعا رسول الله ﷺ لابن عباس أن يفقّهه الله تعالى في الدين، ويعلمه فهم القرآن وتأويله، فأصابه دعاء رسول الله ﷺ ، ولقد أعطاه الله لسانا سئولا وقلبا عقولا، فكان يسأل أصحاب رسول الله ﷺ عن القرآن وما نزل منه، حتى أضحى أعلم الناس بالقرآن.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس. وقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: ابن عباس أعلم الناس بما أنزل على محمد ﷺ .
стр. 224
روى ابن كثير في تاريخه، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: خطب ابن عباس وهو على الموسم، فافتتح سورة البقرة، فجعل يقرؤها ويفسّرها، فجعلت أقول:
ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، ولو سمعته فارس والروم لأسلمت.
قال إسحاق بن راهويه: إنما كان ذلك- أي كون ابن عباس أعلم من علم بالقرآن- أنه كان أخذ من علم التفسير، وضمّ إلى ذلك ما أخذه عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبيّ بن كعب وغيرهم من كبار الصحابة، مع دعاء رسول الله ﷺ له أن يعلمه الله الكتاب.
٤ - رواية التفسير عنه:
لزم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رسول الله ﷺ سنين قليلة، وأخذ عن كبار أصحاب رسول الله ﷺ ، وطال عمره، حتى أضحى أكثر من نقل عنه تفسير القرآن الكريم من أصحاب رسول الله ﷺ .
وقد رويت أقواله في بيان القرآن الكريم وتفسيره، بطرق عديدة أشهرها طرق ثلاث:
أ- طريق معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهذه هي أجود الطرق عنه، وقد اعتمد عليها البخاري فيما يعلقه عن ابن عباس، وكثيرا ما يعتمد عليها ابن جرير وغيره.
ب- طريق قيس بن مسلم الكوفيّ، عن عطاء بن السائب، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهذه طريق صحيحة على شرط الشيخين، وكثيرا ما يخرج منها الحاكم في مستدركه.
ج- طريق ابن إسحاق- صاحب السيرة- عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهذه طريق جيدة وإسنادها حسن، وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرا.
стр. 225
٥ - وفاته:
كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قد اختار المقام بمكة المكرمة، وقد اعتزل الفتن، فلما كانت خلافة عبد الله بن الزبير مقرها مكة المكرمة، خرج ابن عباس عنها إلى الطائف، وأقام بها حتى مات، وقد كفّ بصره، وصلّى عليه محمد ابن الحنفية، وقبره بجوار مسجد ابن عباس بالطائف.
وكانت وفاته سنة (٦٨ هـ) رحمه الله تعالى ورضي عنه «١».
٤ - أبيّ بن كعب ﵁
١ - التعريف به:
هو أبو المنذر أبيّ بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي.
أسلم قبل هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة، وشهد بيعة العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، وكان يكتب في الجاهلية قبل الإسلام، وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وآخى رسول ﷺ بينه وبين سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهما.
٢ - علمه:
صحب أبيّ رسول الله ﷺ من مقدمه المدينة المنورة ﷺ ، وأقبل على كتاب الله تعالى يقرؤه ويفهمه ويعمل به، فكان حقّا صاحب علم وورع وزهادة.
روى ابن سعد بسنده إلى أنس رضي الله تعالى عنه قال: دعا رسول الله ﷺ أبيّ بن كعب يوما فقال: «إن الله ﵎ أمرني أن أقرأ عليك، قال: الله سمّاني لك؟ قال: الله سمّاك لي» فجعل أبيّ يبكي «٢».
стр. 226
قال مسروق: كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله ﷺ ستة: عمر، وعلي، وعبد الله، وأبيّ، وزيد، وأبو موسى، رضي الله تعالى عنهم.
٣ - مكانته في التفسير:
لقد أخذ أبيّ من فم رسول الله ﷺ بعض القرآن الكريم- كما ذكرنا آنفا- وأخذ باقيه عنه قراءة وتعليما مع كرام الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أثنى رسول الله ﷺ على قراءته.
فقال: «أقرأ أمتي أبيّ بن كعب» «١».
روى ابن سعد في طبقاته عنه قوله: إنا لنقرؤه في ثمان، يعني القرآن الكريم.
وعن زر بن حبيش- أحد كبار القرّاء من التابعين، أخذ القرآن وتفسيره عنه- قال: في أبيّ بن كعب حدّة، فقلت له يوما: يا أبا المنذر، ألن لي من جانبك، فإني إنما أتمتع منك.
وكان رضي الله تعالى عنه- قبل إسلامه- حبرا من أحبار اليهود العارفين بأسرار الكتب السابقة عن القرآن الكريم، وما ورد فيها، وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وكان أحد مراجع الصحابة والتابعين في قراءة القرآن الكريم، ومعرفة تفسيره كابن عباس وغيره، فكان بهذا عارفا بأسباب نزول الآيات ومواطنها، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يسميه: سيد المسلمين، وقد أمره عثمان رضي الله تعالى عنه أن يجمع القرآن.
٤ - رواية التفسير عنه:
ذكرنا أن أبيّا كان يكتب الوحي لرسول ﷺ ، فمن البعيد أن يكتب آية ثم لا يسأل رسول الله ﷺ عن معناها، ويعرف سبب نزولها وموضعه، لذا فقد كان أحد المكثرين في تفسير كتاب الله تعالى.
стр. 227
وقد رويت أقواله في بيان القرآن وتفسيره بطرق عديدة أشهرها طريقان:
أ- طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ رضي الله تعالى عنهم. وهذه طريق صحيحة، وقد ورد عن أبيّ نسخة كبيرة في التفسير، يرويها أبو جعفر الرازي بهذا الإسناد إلى أبيّ، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم منها كثيرا، وأخرج الحاكم منها أيضا في مستدركه، والإمام أحمد في مسنده.
ب- طريق وكيع عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبيّ بن كعب، عن أبيه، وهذه يخرج منها الإمام أحمد في مسنده، وهي على شرط الحسن.
٥ - وفاته:
روى ابن سعد بسنده إلى عتيّ بن ضمرة السعدي قال: قدمت المدينة في يوم ريح وغبرة، وإذا الناس يموج بعضهم في بعض، فقلت: ما لي أرى الناس يموج بعضهم في
بعض؟ فقالوا: أما أنت من أهل هذا البلد؟ قلت: لا، قالوا: مات اليوم سيّد المسلمين أبيّ بن كعب.
وكان ذلك في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وقد رجّح ابن سعد في طبقاته أنه كان في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه سنة ست وثلاثين من هجرة من له العزة والشرف ﷺ ، ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ثانيا: أشهر المفسرين من التابعين رحمهم الله تعالى:
اشتهر عدد كبير من التابعين بتفسير القرآن الكريم في المدينة المنورة، ومكة المكرمة والعراق.
فمن كان منهم بالمدينة المنورة يعدّون تلامذة أبيّ بن كعب ﵁،
стр. 228
اشتهر منهم: أبو العالية، ورفيع بن مهران الرياحي، ومحمد بن كعب القرظي، وغيرهم.
ومن كان منهم بمكة المكرمة يعدّون تلامذة عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، منهم: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس بن كيسان اليماني، وعطاء بن أبي رباح.
ومن كان منهم بالعراق يعدّون تلامذة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، منهم: علقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع، وعامر الشعبي.
ونقصر حديثنا على ثلاثة من التابعين، واحد من أهل مكة المكرمة، وواحد من أهل المدينة المنورة، وواحد من أهل العراق.
١ - سعيد بن جبير رحمه الله تعالى
١ - التعريف به:
هو أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، ولد سنة خمس وأربعين، وسمع من جماعة من أئمة الصحابة، وحدّث عن ابن عباس، وعدي بن حاتم، وابن عمر، وعبد الله بن مغفل، وأبي هريرة، رضي الله تعالى عنهم.
قرأ القرآن على ابن عباس، وعلى ابن مسعود، وكان فقيها ورعا.
كان أسود حبشيا، من موالي بني والبة، أبيض الخصال.
٢ - علمه:
أخذ الفقه والتفسير عن أئمة الصحابة كما ذكرنا، وجمع علم أمثاله من التابعين. قال خصيف: كان من أعلم التابعين بالطّلاق سعيد بن المسيب، وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاوس، وبالتفسير أبو الحجاج مجاهد بن جبر، وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير.
стр. 229
روي عن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه.
٣ - مكانته في التفسير:
قال سفيان الثوري: خذوا التفسير من أربعة، من سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحّاك.
أخذ القراءة على ابن عباس عرضا يقرأ عليه القرآن، وسمع منه التفسير، وأكثر روايته في التفسير عنه.
عن أشعث بن إسحاق قال: كان يقال لسعيد بن جبير: جهبذ العلماء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: يا أهل الكوفة، تسألوني وفيكم سعيد بن جبير؟!
٥ - وفاته:
كان خرج مع ابن الأشعث على الحجاج، ثم اختفى وتنقّل في النواحي، ثم أتى به الحجاج، وحين دعاه الحجاج ليقتل دعا ولده، فبكى ولده، فقال:
ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة.
وقتله الحجاج في قصة معروفة، وهو مظلوم، وذلك بواسط سنة خمس وتسعين رحمه الله تعالى «١».
٢ - أبو العالية رحمه الله تعالى
١ - التعريف به:
هو أبو العالية، رفيع بن مهران الرياحي، مولاهم. أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبيّ ﷺ . روى عن عليّ وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبيّ بن كعب
стр. 230
رضي الله عنهم. تابعي مجمع على توثيقه، روى عن أصحاب الكتب الستة جميعا.
٢ - علمه:
حفظ القرآن وأتقنه، وكان عالما بالقراءة، قال ابن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقراءة من أبي العالية.
وروى عن أبيّ بن كعب نسخة كبيرة في التفسير، أخرج منها ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم كثيرا منها في تفسيريهما، كما أخرج منها الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه.
٣ - وفاته:
توفي سنة (٩٠ هـ) على أرجح الأقوال «١».
٣ - علقمة بن قيس الكوفي رحمه الله تعالى
١ - التعريف به:
هو علقمة بن قيس بن عبد الله الكوفي، ولد في حياة رسول الله ﷺ ، غزا في سبيل الله خراسان، وأقام بخوارزم سنتين، ودخل مرو وأقام بها مدة، ولم يولد له.
روى عن عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وحذيفة، وأبي الدرداء، وابن مسعود، وكثيرين غيرهم.
٢ - علمه:
لازم عبد الله بن مسعود فكان أعلم الناس به، وعبد الله هو الذي
قال فيه رسول الله ﷺ : «رضيت لأمتي ما رضيه لها ابن أمّ عبد»
وقال علي بن المديني: أعلم الناس بعبد الله علقمة، وعبيدة، والحارث. وقال أبو المثنى رياح:
стр. 231
إذا رأيت علقمة، فلا يضرك ألّا ترى عبد الله؛ أشبه الناس به سمتا وهديا، وإذا رأيت إبراهيم النخعي فلا يضرك ألّا ترى علقمة.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقة من أهل الخير. وقال قابوس بن أبي ظبيان:
أدركت ناسا من أصحاب النبيّ ﷺ يسألون علقمة ويستفتونه.
٣ - مكانته في التفسير:
قال رحمه الله تعالى: كنت رجلا قد أعطاني الله تعالى حسن الصوت بالقرآن، وكان ابن مسعود يرسل إليّ فأقرأ عليه، فإذا فرغت من قراءتي قال: زدنا فداك أبي وأمي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن حسن الصوت زينة القرآن» «١».
قال إبراهيم- هو النخعي- كان أصحاب عبد الله الذين يقرءون الناس- أي القرآن- ويعلمونهم السنة، ويصدر الناس عن رأيهم ستة: علقمة، والأسود، وذكر الباقين.
وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لا أعلم شيئا إلا وعلقمة يعلمه،
ولقد قال رسول الله ﷺ : «خذوا القرآن من أربعة» «٢»
وذكر «ابن مسعود» في صدر الأربعة.
كان حسن الصوت بالقرآن، جيد الحفظ، حتى لقد كان يقرؤه أحيانا في ليلة.
٤ - وفاته:
توفي بالكوفة سنة اثنتين وستين، وعمره تسعون سنة، رحمه الله تعالى «٣».
стр. 232
الفصل الثالث أقسام التفسير
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: التفسير أربعة: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تقره العرب بألسنتها، وتفسير تفسّره العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى.
وقال آخرون: التفسير ثلاثة أقسام: تفسير بالرواية، ويسمى التفسير بالمأثور.
وتفسير بالدراية، ويسمى التفسير بالرأي. وتفسير الإشارة، ويسمى التفسير الإشاري.
ويضيف بعضهم قسما رابعا، وهو تفسير باطني، ويسمى التفسير الباطني.
(١) معنى التفسير بالمأثور:
هو تفسير القرآن الكريم بما جاء في القرآن الكريم أو السنة، أو أقوال الصحابة والتابعين، مما ليس منقولا عن أهل الكتابين اليهود والنصارى.
(٢) معنى التفسير بالرأي:
هو تفسير القرآن الكريم بالاجتهاد بعد معرفة المفسّر لكلام العرب، ومعرفة الألفاظ العربية ووجوه دلالتها، ومعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك.
أ- ما يجوز من التفسير بالرأي:
هو ما كان موافقا لكلام العرب، ومناحيهم في القول، مع موافقة الكتاب والسّنة، ومراعاة سائر شروط التفسير؛ من معرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول وغيرها.
стр. 233
ويستدل لجوازه بالوجوه التالية:
١ - إن الله تعالى قد أمر بتدبر القرآن فقال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩].
٢ - إن رسول الله ﷺ دعا لابن عباس ﵄
بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل «١»».
٣ - إن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في تفسير آيات من القرآن مما لم يبين لهم رسول الله ﷺ ، فلو كان النظر والاجتهاد محظورا في فهم كتاب الله تعالى من أهله، لكان الصحابة قد وقعوا في معصية الله تعالى، كيف وقد رضي الله تعالى عنهم وأكرمهم بالصحبة؟! ٤ - إن الناس قد درجوا على تفسير كتاب الله تعالى بالاجتهاد والنظر من أيام التدوين إلى أيامنا هذه، ولن تجتمع هذه الأمة على ضلالة.
ب- ما لا يجوز من التفسير بالرأي:
وهو ما كان غير جار على قوانين اللغة العربية، ولا موافقا للأدلة الشرعية، ولا مستوفيا لشرائط التفسير التي ذكرها المفسرون.
ويستدل لمنعه بالوجوه التالية:
١ - نهى الرسول ﷺ عن تفسير القرآن بالرأي،
قال ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» «٢».
٢ - خروج ذلك التفسير عن جادة التفسير حين لا يبالي بناسخ ومنسوخ، وأسباب نزول، وأمثال ذلك. قال عمر رضي الله تعالى عنه: ما أخاف على هذه
стр. 234
الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بيّن فسقه، لأن الناس لا تثق به، ولكني أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله.
٣ - تجنّبه وضع اللغة، فإن الخروج بالكلمة أو الجملة عن المراد بهما تعطيل لهما، والكلام إنما هو لإفهام معان معينة منها.
وذلك مثل تفسير قوله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢] أي منتقمون منهم، فإنه تفسير يجافي بيان العرب ونصوص القرآن.
وتفسير قوله تعالى في حق أهل النار: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [النبأ: ٢٣] أي أزمانا ثم يخرجون منها، مع أن المراد لابثين فيها أحقابا بعد أحقاب لا يخرجون منها، كما نقل ذلك عن ابن عباس ﵄ «١». وتفسير قوله تعالى:
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٢] أي اتقوا الله فإنه يعلمكم دون تعلم، فإن سرد الآية يفيد اتقوا الله ويعلمكم الله بالقرآن ما ينفعكم في أمور المال وغيره.
(٣) معنى التفسير الباطني:
هو تفسير القرآن الكريم على معان مخالفة لظاهر القرآن الكريم، مما يجافي معاني الكلمات والجمل في القرآن الكريم، دون دليل أو شبهة من دليل.
وهذا نجده ظاهرا في تفاسير الباطنية الذين رفضوا الأخذ بظاهر القرآن، وقالوا:
للقرآن ظاهر وباطن، والمراد منه: باطنه دون ظاهره.
ومن أمثلة ضلالهم تأويل قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ بأن المراد بالصلاة هي العهد المألوف، وسمي صلاة لأنها صلة بين المستجيبين ويبن الإمام، وتأويل الصيام بأنه الإمساك عن كشف السر.
حكم هذا النوع من التفسير:
стр. 235
هو تفسير باطل وإثم، بل فيه الخروج عن الإسلام لمن اعتقد ذلك، معاذ الله.
ويستدل لبطلانه بالوجوه التالية:
أ- إنه تفسير يقوم على عقيدة التحلل من التكاليف الشرعية، والرفض للشرائع والأحكام من حيث الحقيقة والواقع. وفي هذا نقض بناء الشريعة، وحل عرى الإسلام.
ب- فضلا عن كونه غريبا عن معاني الكلمات والجمل في اللغة العربية. وفي ذلك مخالفة صريحة لقول الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢].
ج- إنه يجعل القرآن ملهاة، يفسره كل مفسر بما شاء له ضلاله وهواه.
هـ- إنه يفك عقد المسلمين، ويفرّق جماعتهم، من جراء فقدان ضوابط تفسير القرآن الكريم.
(٤) معنى التفسير الإشاري:
هو تفسير القرآن الكريم بغير ظاهره، لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والتصوف، ويمكن الجمع بينها وبين التفسير الظاهر المراد أيضا.
مثل أن يقال في قوله تعالى: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى [طه: ٢٤] إن المراد بفرعون هو النفس البشرية. وأن يقال في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [التوبة: ١٢٣] إن المراد بالكفار النفس.
حكم هذا النوع من التفسير:
هو تفسير باطل وإثم كذلك، بل يخشى الخروج عن الإسلام لمن اعتقد ذلك، معاذ الله. ولو ألحق بالتفسير الباطني لا يعدّ بعيدا، وقد عرفت الحكم في ذلك التفسير.
стр. 236
اللهم إلا أن يكون التفسير الإشاري قائما على الاعتراف بمعاني ظواهر النصوص على ما تقتضيه اللغة والنصوص الشرعية الأخرى، فالمرجو ألّا يكون بأس وإثم بإذن الله، ويقرب من هذا التفسير ما قاله علماء الأصول في قوله تعالى:
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٣] الآية نص في وجوب نفقة الزوجة على الزوج، وهي تشير إلى أن الولد ينسب إلى أبيه، والله أعلم.
وقد جعل الإمام السيوطي شروط قبول التفسير الإشاري على ما يلي:
١ - ألّا يتنافى مع ما يظهر من معنى النظم الكريم.
٢ - ألّا يدّعى أنه المراد وحده دون الظاهر.
٣ - ألّا يكون تأويلا بعيدا سخيفا، كتفسير بعضهم قوله تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ بجعل كلمة (لمع) فعلا ماضيا، وكلمة (المحسنين) مفعولا به.
٤ - ألّا يكون له معارض شرعي أو عقلي.
٥ - أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.
стр. 237
الفصل الرّابع التعريف بأشهر التفاسير والمفسرين
١ - الطبري ٢ - الزمخشري ٣ - الفخر الرازي ٤ - القرطبي ٥ - ابن كثير، مع بيان طريقة كل منهم، وخصائص تفسيره.
١ - الإمام الطبري «١» ٢٢٤ - ٣١٠ هـ
١ - التعريف به:
هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري من أهالي طبرستان، ولد (بآمل) سنة (٢٢٤ هـ)، خرج من بلده (آمل) في الثانية عشرة من عمره يطلب العلم ويجلس إلى المشايخ، وقد سمع بالعراق والشام ومصر عن خلق كثير، واستقر به مقامه بعد ذلك في بغداد.
قال أبو سعيد بن يونس: كان فقيها، قدم إلى مصر قديما سنة ثلاث وستين ومائتين وكتب بها، ورجع إلى بغداد وصنّف تصانيف حسنة تدل على سعة علمه.
وقال علي بن عبد الله: مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة.
قال ابن جرير يوما لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن! فأجابوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما يفني الأعمار قبل تمامه،
стр. 238
فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: أحد العلماء يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله تعالى، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسّنة وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في (تاريخ الأمم والملوك) وكتاب (التفسير) الذي لم يصنّف أحد مثله، وكتاب (تهذيب الآثار) لم أر سواه في معناه إلا أنه لم يتمّه، وكتاب حسن في القراءات سمّاه (الجامع) وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرّد بمسائل حفظت عنه.
٢ - طريقته في التفسير:
أ- يفسر القرآن الكريم بالمأثور من القرآن الكريم، وسنة رسول الله ﷺ ، وأقوال الصحابة والتابعين.
ب- يذكر آراء الصحابة ومن بعدهم في التفسير، واستدلالهم باللغة، ويستشهد لذلك بكلام العرب.
ج- إذا تعدّدت أقوال الصحابة والتابعين يتعرّض لتوجيه الأقوال.
د- يعرض للقراءات في الآيات.
هـ- يهتم بالمذاهب النحوية، والأحكام الفقهية، وإجماع الأئمة.
ويستنبط الأحكام التي تؤخذ من الآية.
٣ - خصائص تفسيره:
أ- أنه تفسير بالمأثور، لذا نجده يحمل بشدة على تفسير الآيات بالاجتهاد والنظر.
стр. 239
ب- ينقل في تفسيره روايات صحيحة وغير صحيحة بأسانيدها فيخرج بذلك من العهدة.
ج- يوجّه للرأي الذي يراه من بين الآراء في تفسيره، فلا يدع القارئ في حيرة من أمره، لا يتجه إلى رأي بعينه إذ لا دليل له.
٤ - وفاته:
كان عالما زاهدا ورعا فاضلا قويا في الحق فصيح اللسان، وكانت وفاته في بغداد وقت المغرب عشية يوم الأحد ليومين بقيا من شوال سنة (٣١٠ هـ) وقد تجاوز الثمانين بخمس أو ست سنين.
стр. 240
٢ - الزمخشري «١» ٤٦٧ - ٥٣٨ هـ
١ - التعريف به:
هو أبو القاسم محمود بن محمد الزمخشري الخوارزمي، ولد بزمخشر سنة (٤٦٧ هـ)، رحل في طلب العلم إلى بخارى، وقدم بغداد، فسمع من أبي الخطاب بن البطر، وشيخ الإسلام أبي منصور الحارثي، وجماعة.
كان واسع العلم، كثير الفضل، غاية في الذكاء، وجودة القريحة، متفننا في كل علم، معتزليا قويا في مذهبه، مجاهرا به، وداعية إليه، حنفيا، علّامة في الأدب والنحو، كان مقطوع إحدى رجليه، وقد ذكر هو سبب ذلك، قال:
كنت في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله، فأفلت من يدي فأدركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألّمت والدتي لذلك، وقالت: قطع الله رجلك كما قطعت رجله، فلمّا وصلت إلى سنّ الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابّة فانكسرت رجلي، وعملت عليّ عملا أوجب قطعها. وقيل: إنها سقطت من برد شديد أصابه في بعض أسفاره ببعض بلاد خوارزم.
أقام بمكة سنين وفيها أتمّ تفسيره الكشّاف، فلقّب جار الله تعالى، لجواره بيت الله الحرام.
стр. 241
صنّف كثيرا من الكتب، منها: (الكشّاف) في التفسير، و (الفائق) في غريب الحديث، و (أساس البلاغة) و (المفصّل) في النحو، و (المستقصى) في الأمثال، وله شعر جيد منه قوله:
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين
فقلت هو الدرّ الذي كان قد حشا ... أبو مضر أذني تساقط من عيني
٢ - طريقته في التفسير:
يعدّ (الكشاف) من كتب التفسير بالرأي- مع انحراف إلى الاعتزال- ويعتمد في تفسيره على لغة العرب وأساليبهم، ويعنى عناية خاصة بعلوم البلاغة، تحقيقا لوجوه إعجاز القرآن الكريم، ويؤوّل آيات التوحيد بما يوافق طريقة الاعتزال التي انزلق إليها.
٣ - خصائص تفسيره:
أ- خلوّه من الحشو والتطويل، وسلامته من القصص والإسرائيليات الباطلة.
ب- اعتماده في بيان المعاني على لغة العرب وأساليبهم في البيان.
ج- سلوكه فيما يقصد إيضاحه طريق السؤال والجواب.
٤ - وفاته:
وحين أتمّ إحدى وسبعين سنة من عمره، وبعد عودته من مكة المكرمة، توفي بجرجانية خوارزم سنة (٥٣٨ هـ)، وقد أوصى أن يكتب على قبره:
إلهي قد أصبحت ضيفك في الثرى ... وللضيف حق عند كلّ كريم
فهب لي ذنوبي في قراي فإنّها ... عظيم ولا يقرى بغير عظيم
رحمه الله تعالى وعفا عنه.
стр. 242
٣ - الرازي «١» ٥٤٤ - ٦٠٦ هـ
١ - التعريف به:
هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الطبرستاني الأصل، ثم الرازي ابن خطيبها، من ذرية أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، ولد في الخامس والعشرين من رمضان سنة (٥٤٤ هـ) بمدينة الريّ، اشتغل أولا على والده ضياء الدين عمر، ثم على الكمال السمناني، وعلى المجد الجيلي، وغيرهم، وأتقن علوما كثيرة وبرز فيها، وتقدّم وساد، وقصده الطلبة من سائر البلاد.
كان واعظا له في الوعظ اليد البيضاء، وكان يلحقه الوجد في حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر بمجلسه بمدينة هراة أرباب المذاهب والمقالات ويسألونه، وهو يجيب كل سائل بأحسن إجابة، ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السّنة، فكان يلقّب بهراة شيخ الإسلام.
قال الداودي فيه: المفسّر المتكلم إمام وقته في العلوم العقلية، وأحد الأئمة في العلوم الشرعية، صاحب المصنفات المشهورة، والفضائل الغزيرة المذكورة، وأحد المبعوثين على رأس المائة السادسة لتجديد الدين.
وتصانيفه كثيرة في فنون عديدة، منها (التفسير الكبير) و (الأربعين في أصول الدين) و (المحصل) و (البيان والتبيين) في الرد على أهل الزيغ والطغيان، وشرح
стр. 243
أسماء الله الحسنى، وشرح المفصل للزمخشري، ومناقب الإمام الشافعي.
وغيرها، وكل كتبه مفيدة، وله شعر جيد منه:
المرء ما دام حيّا يستهان به ... ويعظم الرّزء فيه حين يفتقد
ومنه:
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال
وكم قد رأينا من جبال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
٢ - طريقته في التفسير:
يعدّ تفسيره (مفاتيح الغيب) من أعظم تفاسير الرأي وأوسعها، يعنى بربط الآيات والسور بعضها ببعض، ويعنى باللغة والبيان، ومسائل الفقه، ويميل فيها إلى ترجيح مذهب إمامه الشافعي رحمه الله تعالى، ولكنّ أعظم عنايته بمسائل الكلام والحكمة، فهو فيها الفارس المجلّى والعلم الفرد، ويعنى أحيانا بنقل أقوال الصحابة والتابعين لتفسير الكلمات، وبيان المراد من الآيات.
٣ - خصائص تفسيره:
أ- العناية بتفسير الصحابة والتابعين للآيات أحيانا.
ب- ذكر ما يناسب الآيات من الموضوعات. يقول: وهاهنا مسائل، ثم يوردها مسألة مسألة، وإن كان ثمّة اعتراضات أوردها ثم أجاب عليها.
ج- العناية بعلوم اللغة من معاني المفردات والبلاغة بإيجاز كاف.
د- الاقتصاد في ذكر الإسرائيليات والحشو من التفسير.
هـ- العناية بربط الآيات والسور بعضها ببعض، وقد لا يخلو الأمر في هذا من التكلف أحيانا.
стр. 244
٤ - وفاته:
كان قد رزق سعادة في مؤلفاته، وسعادة في تلامذته، وكان إذا ركب يمشي حوله نحو ثلاثمائة تلميذ من الفقهاء وغيرهم.
توفي رحمه الله تعالى بمدينة هراة «١» يوم الاثنين يوم عيد الفطر سنة (٦٠٦ هـ). رحمه الله تعالى.
стр. 245
٤ - القرطبي «١» المتوفى سنة ٦٧١ هـ
١ - التعريف به:
هو أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي المالكي الأندلسي القرطبي، سمع من ابن رواج، ومن ابن الجميزي، وأبي العباس القرطبي شارح صحيح مسلم وغيرهم. قال الداودي:
كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجّه وعبادة وتصنيف، جمع في تفسير القرآن الكريم كتابا كبيرا في خمسة عشر مجلدا سمّاه كتاب «جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي القرآن» وهو من أجلّ التفاسير وأعظمها نفعا، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ، وله شرح الأسماء الحسنى في كتاب يقع في مجلدين سمّاه (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) وكتاب (التذكار في أفضل الأذكار) وضعه على طريقة (البيان) للنووي، لكن هذا أتم منه وأكثر علما، وكتاب (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة).
стр. 246
وقال الذهبي عنه: إمام متقن متبحّر في العلم، له تصانيف مفيدة تدلّ على إمامته، وكثرة اطلاعه، ووفور فضله.
٢ - طريقته في التفسير:
يعدّ تفسيره من أجلّ كتب التفسير التي وصلت إلينا وأفضلها، جمع فيه تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسيره بالسّنة، ثم أقوال الصحابة والتابعين، وأقوال العلماء واستنباطهم لما تدل عليه الآيات، وعرض لمسائل الفقه ببيان مشرق، وينسب إلى كل فقيه رأيه، ويذكر حجته، وقد يرجّح رأيا من آراء من نقل عنهم، إلى جانب تخريج الأحاديث والعناية بالقراءات واللغات والإعراب.
٣ - خصائص تفسيره:
قال رحمه الله تعالى: وشرطي في هذا الكتاب، إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله، وكثيرا ما يجيء الحديث في كتب الفقه والتفسير مبهما لا يعرف من أخرجه إلا من اطلع على كتب الحديث، فيبقى من لا خبرة له بذلك حائرا لا يعرف الصحيح من السقيم، فلا يقبل منه الاحتجاج به ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى من خرّجه من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام.
وأضرب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين إلا ما لا بدّ منه ولا غنى عنه للتبيين، واعتاض عن ذلك بتبيين آي الأحكام بمسائل تسفر عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها، فضمّت كلّ آية- تتضمن حكما أو حكمين فما زاد- مسائل تبين فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير للغريب، والحكم، فإن لم تتضمن حكما ذكر ما فيها من التفسير والتأويل، وهكذا إلى آخر الكتاب.
стр. 247
٤ - وفاته:
كان طارح التكلّف يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقيّة.
وكان مستقرا بمنية بني خضيب من الصعيد الأدنى، وفيها توفي ليلة الاثنين التاسع من شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة رحمه الله تعالى.
стр. 248
٥ - إسماعيل بن كثير «١» ٧٠١ - ٧٧٤ هـ
١ - التعريف به:
هو أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الدمشقي.
ولد بقرية شرقي بصرى سنة ٧٠١ هـ، ثم قدم دمشق وله نحو سبع سنين مع أخيه بعد موت أبيه، وتتلمذ لكثير من العلماء منهم: الحافظ المزّي، وتزوّج ابنته، وأقبل على علم الحديث، وأخذ الكثير عن ابن تيمية. وقال ابن حبيب فيه:
إمام ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل- التفسير- سمع وجمع وصنّف، وأطرب الأسماع بأقواله وشنّف، وحدّث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير.
قال فيه شيخه الإمام الذهبي (في المعجم): فقيه متفنّن، ومحدّث متقن، ومفسّر نقّاد. صنّف في صغره كتاب «الأحكام على أبواب التنبيه» والتاريخ المسمّى ب «البداية والنهاية» والتفسير، واختصر (تهذيب الكمال) للمزّي، وأضاف إليه ما تأخر في «الميزان» وسمّاه «التكميل» وغيرها. ومن شعره قوله:
стр. 249
تمرّ بنا الأيام تترى وإنّما ... نساق إلى الآجال والعين تنظر
فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى ... ولا زائل هذا المشيب المكدّر
٢ - طريقته في التفسير:
يفسّر القرآن الكريم بعبارة سهلة وجيزة، ويجمع آيات الموضوع الواحد، وهو يستعين على تفسير القرآن بالقرآن أولا، ثم يسرد الأحاديث المتعلّقة بالآية منسوبة إلى مخرجيها، وبيان درجة كل حديث غالبا- إلا ما كان في الصحيحين فلا يذكر له درجة لأنه صحيح كله- ثم يورد أقوال الصحابة، والتابعين أحيانا، وقلّ أن يفسّر كلمات الآيات إلا أثناء التفسير.
٣ - خصائص تفسيره:
أ- لا يعنى بتفسير الكلمات مستقلة كما يفعل الإمام الطبري، بل يذكرها مفسرة أثناء تفسيره.
ب- لا يعرض للقراءات المختلفة أثناء التفسير كذلك.
ج- يفسّر القرآن بالقرآن، ثم بالسّنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ولا يستعين بأقوال علماء العربية في تفسيره.
د- ينسب الآيات- أثناء تفسيره- إلى سورها، والأحاديث إلى مخرجيها، ويشير إلى ما كان ضعيفا أو منكرا منها.
هـ- لا يكاد يعرض للإسرائيليات أثناء تفسيره، فضلا عن الاستدلال بها، وتلك مزية له.
ويرجّح بعض الأقوال على بعض أحيانا، وقد يعرض لبعض الخلافات الفقهية بإيجاز.
стр. 250
٤ - وفاته:
قال فيه تلميذه شهاب الدين بن حجّي: ... وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا واستفدت منه.
وقد كفّ بصره آخر عمره، وتوفّي بدمشق في خمس من شعبان (٧٧٢ هـ)، ودفن بمقبرة الصّوفية عند شيخه ابن تيمية، رحمه الله تعالى.