وقال الذهبي عنه: إمام متقن متبحّر في العلم، له تصانيف مفيدة تدلّ على إمامته، وكثرة اطلاعه، ووفور فضله.
٢ - طريقته في التفسير:
يعدّ تفسيره من أجلّ كتب التفسير التي وصلت إلينا وأفضلها، جمع فيه تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسيره بالسّنة، ثم أقوال الصحابة والتابعين، وأقوال العلماء واستنباطهم لما تدل عليه الآيات، وعرض لمسائل الفقه ببيان مشرق، وينسب إلى كل فقيه رأيه، ويذكر حجته، وقد يرجّح رأيا من آراء من نقل عنهم، إلى جانب تخريج الأحاديث والعناية بالقراءات واللغات والإعراب.
٣ - خصائص تفسيره:
قال رحمه الله تعالى: وشرطي في هذا الكتاب، إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله، وكثيرا ما يجيء الحديث في كتب الفقه والتفسير مبهما لا يعرف من أخرجه إلا من اطلع على كتب الحديث، فيبقى من لا خبرة له بذلك حائرا لا يعرف الصحيح من السقيم، فلا يقبل منه الاحتجاج به ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى من خرّجه من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام.
وأضرب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين إلا ما لا بدّ منه ولا غنى عنه للتبيين، واعتاض عن ذلك بتبيين آي الأحكام بمسائل تسفر عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها، فضمّت كلّ آية- تتضمن حكما أو حكمين فما زاد- مسائل تبين فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير للغريب، والحكم، فإن لم تتضمن حكما ذكر ما فيها من التفسير والتأويل، وهكذا إلى آخر الكتاب.
стр. 247
٤ - وفاته:
كان طارح التكلّف يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقيّة.
وكان مستقرا بمنية بني خضيب من الصعيد الأدنى، وفيها توفي ليلة الاثنين التاسع من شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة رحمه الله تعالى.
стр. 248
٥ - إسماعيل بن كثير «١» ٧٠١ - ٧٧٤ هـ
١ - التعريف به:
هو أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الدمشقي.
ولد بقرية شرقي بصرى سنة ٧٠١ هـ، ثم قدم دمشق وله نحو سبع سنين مع أخيه بعد موت أبيه، وتتلمذ لكثير من العلماء منهم: الحافظ المزّي، وتزوّج ابنته، وأقبل على علم الحديث، وأخذ الكثير عن ابن تيمية. وقال ابن حبيب فيه:
إمام ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل- التفسير- سمع وجمع وصنّف، وأطرب الأسماع بأقواله وشنّف، وحدّث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير.
قال فيه شيخه الإمام الذهبي (في المعجم): فقيه متفنّن، ومحدّث متقن، ومفسّر نقّاد. صنّف في صغره كتاب «الأحكام على أبواب التنبيه» والتاريخ المسمّى ب «البداية والنهاية» والتفسير، واختصر (تهذيب الكمال) للمزّي، وأضاف إليه ما تأخر في «الميزان» وسمّاه «التكميل» وغيرها. ومن شعره قوله:
стр. 249
تمرّ بنا الأيام تترى وإنّما ... نساق إلى الآجال والعين تنظر
فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى ... ولا زائل هذا المشيب المكدّر
٢ - طريقته في التفسير:
يفسّر القرآن الكريم بعبارة سهلة وجيزة، ويجمع آيات الموضوع الواحد، وهو يستعين على تفسير القرآن بالقرآن أولا، ثم يسرد الأحاديث المتعلّقة بالآية منسوبة إلى مخرجيها، وبيان درجة كل حديث غالبا- إلا ما كان في الصحيحين فلا يذكر له درجة لأنه صحيح كله- ثم يورد أقوال الصحابة، والتابعين أحيانا، وقلّ أن يفسّر كلمات الآيات إلا أثناء التفسير.
٣ - خصائص تفسيره:
أ- لا يعنى بتفسير الكلمات مستقلة كما يفعل الإمام الطبري، بل يذكرها مفسرة أثناء تفسيره.
ب- لا يعرض للقراءات المختلفة أثناء التفسير كذلك.
ج- يفسّر القرآن بالقرآن، ثم بالسّنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ولا يستعين بأقوال علماء العربية في تفسيره.
د- ينسب الآيات- أثناء تفسيره- إلى سورها، والأحاديث إلى مخرجيها، ويشير إلى ما كان ضعيفا أو منكرا منها.
هـ- لا يكاد يعرض للإسرائيليات أثناء تفسيره، فضلا عن الاستدلال بها، وتلك مزية له.
ويرجّح بعض الأقوال على بعض أحيانا، وقد يعرض لبعض الخلافات الفقهية بإيجاز.
стр. 250
٤ - وفاته:
قال فيه تلميذه شهاب الدين بن حجّي: ... وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا واستفدت منه.
وقد كفّ بصره آخر عمره، وتوفّي بدمشق في خمس من شعبان (٧٧٢ هـ)، ودفن بمقبرة الصّوفية عند شيخه ابن تيمية، رحمه الله تعالى.
стр. 251
الباب العاشر ترجمة القرآن الكريم
الفصل الأول: الحكمة من إنزال القرآن باللغة العربية، ومعنى الترجمة لغة واصطلاحا.
الفصل الثاني: الفروق بين الترجمة والتفسير.
الفصل الثالث: حكم الترجمة تفصيلا.
أسباب استحالة الترجمة وبيان حرمتها.
حكم القراءة بما يزعم أنها ترجمة.
الفصل الرابع: النتائج الخطيرة المترتبة على الترجمة.
ترجمة تفسير القرآن تغني عن الترجمة المزعومة.
стр. 252
الفصل الأول الحكمة من إنزال القرآن باللغة العربية- معنى الترجمة
تمهيد:
البحث في إمكانية ترجمة القرآن الكريم ليس أمرا نظريا أو افتراضيا، وإنما هو موضوع واقعي شغل العلماء في كثير من البلاد الإسلامية منذ مطلع هذا القرن، ولا يزال إلى اليوم بحثا فكريا هاما وخطيرا، يحتاج إلى دراسة هادئة وواضحة، تكشف عن دوافعه ومراميه، وتوجهه الوجهة البناءة الصحيحة.
وخاصة بعد أن توضّح لكل مسلم غيور على قرآنه ودعوته، أن هذه الفكرة إنما أثارها أعداء الإسلام من المستشرقين والمبشرين؛ لتمزيق أوصال العالم الإسلامي، وتشويه مبادئ الإسلام ومعانيه.
وظهرت في العالم ترجمات كثيرة «١»، وبلغات متعددة شرقية وغربية، وزعم الذين قاموا بها أنهم نقلوا القرآن الكريم من اللغة العربية إلى هذه اللغات، فجاءت مليئة بالأخطاء الفاحشة، بعيدة عن تحقيق مقاصد النص العربي بعد الأرض عن السماء.
ومهمتنا في هذا البحث تتركز في ذكر الحكمة من إنزال القرآن الكريم باللغة
стр. 253
العربية وفي الأمة العربية وإيضاح معنى الترجمة، وأسباب استحالتها، وبيان حكمها الشرعي، والنتائج الخطيرة المترتبة عليها، وما يغني عنها، والله ولي التوفيق.
أولا: الحكمة من إنزال القرآن الكريم باللغة العربية:
اصطفى الله محمدا ﷺ ليكون الرسول الخاتم بين يدي الساعة، واختار الله قومه العرب ليكونوا حملة الرسالة ودعاة الإسلام إلى الإنسانية جمعاء، وكانت
الأمة العربية عند انبثاق فجر الإسلام تعيش جاهلية جهلاء في معتقداتها وعاداتها وحروبها، ولكنّها وصلت إلى حضارة لغوية متميزة، تجعلها أهلا لنزول الوحي الإلهي المعجز بلسانها، قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤].
ومن هنا كانت معجزة الرسول الكبرى القرآن الكريم، من جنس ما اشتهر به قومه من الفصاحة والبلاغة، فجاء يتحدّاهم في نفيس بضاعتهم، وأبرز أسباب شهرتهم وتفوّقهم. ونستطيع أن نحدّد الحكمة من اختيار إنزال القرآن الكريم باللّغة العربية بأمرين:
الأول: ما تتمتع به اللغة العربية من مقوّمات اللغات الحيّة وعناصر قوّتها واستمرارها، وذلك من حيث وفرة مفرداتها بالأصالة والاشتقاق، أو بالحقيقة والمجاز. أو من حيث قبولها للتطور والتقدّم الحضاري، أو من حيث مرونة أساليبها، وصلاحيتها لكلّ ما يراد منها، أو من حيث فصاحة ألفاظها وبلاغة تراكيبها.
الثاني: لو تنوّع النظم المنزل على رسول الله ﷺ حسب اختلاف ألسنة الأمم، لأدى هذا إلى الاختلاف والتنازع، ولتطرق التحريف إلى الكتاب المنزل، بل يقرب من المحال أن يتّحد هذا المنزل مع تعدّد اللغات، وتنوع اللهجات، وتعدّد الخصائص والدلالات، بالنسبة لاستنباط الأحكام، ورسم المنهج، ومعرفة الحدود، وإحكام جميع العبادات والتشريعات.
стр. 254
فالحمد لله على إزالة هذا التناكر والتدابر، باختيار اللغة العربية الراقية، لتنال شرف نزول الوحي الإلهيّ بها، ولترتقي وحدها إلى تحمّل إعجازه الذي لا يتسع له غيرها، وإنها لمسئولية وفخار للأمة صاحبة اللغة واللسان، حدّدها الله سبحانه بقوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ [الزخرف: ٤٤].
ثانيا: معنى الترجمة لغة وشرعا:
أ- للترجمة في اللغة أربعة معان:
١ - تبليغ الكلام لمن لم يبلغه، ومنه قول الشاعر:
إنّ الثمانين- وبلّغتها-* قد أحوجت سمعي إلى ترجمان ٢ - تفسير الكلام بلغته التي جاء بها، ومنه ما قيل في عبد الله بن عباس ﵄: إنه ترجمان القرآن.
٣ - تفسير الكلام بلغة غير لغته. وقد جاء في لسان العرب والقاموس: أن الترجمان هو المفسر للكلام. وقال شارح القاموس ما نصّه: وقد ترجم عنه وترجمه إذا فسّر كلامه بلسان آخر.
٤ - نقل الكلام من لغة إلى أخرى، قال في لسان العرب: الترجمان- بالضم والفتح- هو الذي يترجم الكلام، أي ينقله من لغة إلى أخرى. ولكون هذه المعاني الأربعة فيها بيان للشيء المراد ترجمته، جاز على سبيل التوسع إطلاق الترجمة على كل ما فيه بيان مما عدا هذه الأربعة، فقيل: ترجم لهذا الباب بكذا أي عنون له، وترجم لفلان أي بيّن تاريخه، وترجمت حياته أي بين ما كان فيها ... إلخ.
ب- أما الترجمة في العرف والاصطلاح:
فهي التعبير عن معنى كلام في لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده.
стр. 255
وقيل: هي نقل الكلام من لغة إلى أخرى عن طريق التدرج من الكلمات الجزئية إلى الجمل والمعاني الكلية.
ونخرج من هذا التعريف الاصطلاحي بالملاحظات التالية:
١ - الترجمة نقل للكلام، فبينما يكون الكلام في لغة من اللغات، يتحول عن طريق الترجمة إلى لغة أخرى.
٢ - يشترط في الترجمة الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده، ولذلك يتم فيها استيفاء الكلام المترجم كلمة كلمة، والملاءمة بينها وبين المعنى الأصلي للنص.
٣ - انحصر معنى الترجمة عرفا واصطلاحا في المعنى الرابع من معانيها اللغوية، وهو نقل الكلام من لغة إلى أخرى.
٤ - يفهم من الترجمة أنها كالأصل تقوم مقامه وتأخذ اسمه.
تقسيم الترجمة:
وتنقسم الترجمة بهذا المعنى العرفي إلى قسمين:
أولهما: الترجمة الحرفية: وتكون بنقل كل كلمة عربية إلى نظائرها من اللغة المترجم إليها، مع مراعاة النظم والترتيب في الجملة، ودون النظر إلى المعنى، وتسمى الترجمة اللفظية أو المساوية.
ثانيهما: الترجمة المعنوية: وتكون بأن يلم المترجم بمعنى الجملة العربية، ثم يصوغه في جملة من اللغة الأخرى، ودون أن يقيد نفسه بترتيب الكلمات أو مساواتها كما في الأصل. وتسمى الترجمة التفسيرية.
وإذا كانت الترجمة الحرفية مستحيلة، لوجود الاختلافات الكبيرة بين اللغات من حيث ترتيب الجملة، وعدم توفر المفردات المتقابلة المساوية. فإن الترجمة المعنوية أيضا متعذرة ويدخلها خلل واضح، ونسوق إثبات ذلك المثالين التاليين:
стр. 256
المثال الأول: ما صنعه (ماكس هينج) - مترجم القرآن إلى اللغة الألمانية- في قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] حيث ترجم كلمة الإبل بالسحاب.
وهو أحد المعاني التي حملت عليها الآية، والجمهور يفسّرون الإبل بالحيوان المعروف، وهو المتبادر، ولا داعي للتأويل، والخلل واضح في هذه الترجمة سواء كانت حرفية أو معنوية.
المثال الثاني: ما فعله (مارماديوك) مترجم القرآن إلى اللغة الإنكليزية في قوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ [الأنبياء: ١٨] حيث ترجم كلمة (فيدمغه) بمعناها الأصلي وهو (فيشق رأسه) علما أن القرآن الكريم يستعملها في هذه الآية ويريد منها المعنى المجازي وهو (الغلب).
ويترجم قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٢٩] بمدلولها الأصلي، وهو جمع اليد إلى العنق وإطلاقها، فيقول: لا تجعل يدك مربوطة إلى رقبتك ولا تتركها من غير ربط، ولا شك أن التشويه والمسخ ظاهر في هذه الترجمات التي ما أريد بها وجه الله ولا هداية الناس.
стр. 257
الفصل الثاني الفروق بين الترجمة والتفسير
لقد مر معنا أن الترجمة هي: التعبير عن معنى كلام في لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده.
أما التفسير فهو لغة: الإيضاح والتبيين. واصطلاحا: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية.
ومن هذين التعريفين لكل من الترجمة والتفسير، نتبين أن الترجمة سواء كانت حرفية أو معنوية- غير التفسير مطلقا- وسواء أكان بلغة الأصل، أم تفسيرا بغير لغة الأصل، وذلك من وجهين:
الأول:
الترجمة تعني: الإحاطة بمعنى الكلام وصبه في ألفاظ لغة أخرى، بينما التفسير يعني: تبيين وتوضيح معنى الكلام على حسب فهمه. وكأن المترجم يقول:
معنى هذا الكلام هو عين معنى الآية، بينما المفسر يقول: معنى هذا الكلام هو كذا ...
الثاني:
وفي الترجمة اهتمام بالكلمة والأداة التعبيرية والصياغة، بينما في التفسير اهتمام بنقل المعنى القريب أو البعيد المقصود من الألفاظ.
ومع وضوح هذا التفريق بين الترجمة والتفسير، فإن الخلط أو الاشتباه وقع
стр. 258
عند بعض الكتّاب بين الترجمة المعنوية، والتفسير بغير لغة الأصل، وقد ذكر فضيلة الأستاذ محمد عبد العظيم الزرقاني فروقا أربعة «١»؛ لمنع وقوع أي اشتباه أو خلط في هذا الأمر، وهي:
الفارق الأول:
أن صيغة الترجمة صيغة استقلالية يراعى فيها الاستغناء عن أصلها وحلولها محله، أما التفسير فإنه قائم أبدا على الارتباط بأصله، بأن يؤتى مثلا بالمفرد أو المركب، ثم يشرح شرحا متصلا به، ثم ينتقل إلى جزء آخر مفرد أو جملة، وهكذا من بداية التفسير إلى نهايته بحيث لا يمكن تجريد التفسير وقطع وشائج اتصاله بأصله مطلقا.
الفارق الثاني:
أن الترجمة لا يجوز فيها الاستطراد، أما التفسير فيجوز بل يجب فيه الاستطراد. وذلك لأن الترجمة مفروض فيها أنها صورة مطابقة لأصلها حاكية له، فمن الأمانة أن تساويه بدقة من غير زيادة ولا نقص، حتى لو كان في الأصل خطأ لوجب أن يكون الخطأ عينه في الترجمة، بخلاف التفسير فإن المفروض فيه أنه بيان لأصله وتوضيح له. وقد يقتضي هذا البيان والإيضاح أن يذهب المفسر مذاهب شتى في الاستطراد توجيها لشرحه، أو تنويرا لمن يفسر لهم، ويظهر ذلك في شرح الألفاظ اللغوية، وخاصة إذا أريد بها غير ما وضعت له، وفي المواضع التي يتوقف فهمها على ذكر مصطلحات أو سوق أدلة أو بيان حكمة.
الفارق الثالث:
أن الترجمة تتضمن- عرفا- دعوى الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده، أما
стр. 259
التفسير فإنه قائم على الإيضاح كما قلنا، سواء أكان هذا الإيضاح بطريق إجمالي أو تفصيلي. متناولا كافة المعاني والمقاصد أو مقتصرا على بعضها دون بعض طوعا للظروف التي يخضع لها المفسر ومن يفسر لهم.
الفارق الرابع:
أن الترجمة تتضمن- عرفا- دعوى الاطمئنان إلى أن جميع المعاني والمقاصد التي نقلها المترجم، هي مدلول كلام الأصل وأنها مرادة لصاحب الأصل منه.
والتفسير ليس كذلك، بل المفسر تارة يدعي الاطمئنان إذا توفرت لديه أدلته، وتارة لا يدعيه، وذلك عند ما تعوزه تلك الأدلة. ثم هو أحيانا يصرح بالاحتمال ويذكر وجوها محتملة مرجحا بعضها على بعض، وأحيانا يسكت عن التصريح أو عن الترجيح، وقد يبلغ به الأمر أن يعلن عجزه عن فهم كلمة أو جملة ويقول: ربّ الكلام أعلم
بمراده، على نحو ما نحفظه للكثير من المفسرين إذا عرضوا لمتشابهات القرآن ولفواتح السور المعروفة.
والدليل على أن الترجمة تتضمن دعوى الاطمئنان إلى ما حوت من معان ومقاصد: أن الناس يحلون الترجمات محل أصولها، ويستغنون بها عن تلك الأصول، بل قد ينسون هذه الأصول جملة.
وهذا لا يمكن أن يقع مثله في التفسير، لأنه بيان لا يمكن أن يقوم مقام المبين، ولا يدعى فيه الاطمئنان إلى أنه واف بجميع أغراضه ومعانيه.
стр. 260
الفصل الثالث حكم ترجمة القرآن تفصيلا
وعلى ضوء ما سبق نتبين أن للترجمة أربعة معان رئيسية:
ثلاثة منها ترجع إلى اللغة وحدها، والرابع تشترك فيه اللغة والعرف. ومن المناسب الآن أن نعرف حكم كل من هذه المعاني على حدة:
١ - ترجمة القرآن بمعنى تبليغ ألفاظه: وهذه جائزة شرعا «١»،
قال رسول الله ﷺ : «بلّغوا عني ولو آية» «٢»
وقال: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» «٣».
٢ - ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغته العربية:
وحكمها الجواز الشرعي أيضا، لقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]. وقد قام رسول الله ﷺ بهذه المهمة خير قيام، حتى اعتبرت السنة النبوية كلها شارحة للقرآن، وتأثر العلماء برسول الله ﷺ ، وفسروا القرآن حسب طاقتهم البشرية، حتى أصبحت المكتبات زاخرة بالتفاسير العربية للقرآن الكريم.
٣ - ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغة أجنبية:
أي أن تفسير القرآن بلغة غير لغته العربية، لمن لا يحسن العربية، وهذه جائزة
стр. 261
شرعا وتجري في حكمها مجرى التفسير العربي لمن يحسن العربية، فكلاهما جائز؛ لأنه وسيلة لفهم القرآن وبيان لمراد الله حسب الطاقة البشرية.
٤ - ترجمة القرآن بمعنى نقله إلى لغة أخرى:
أي أن يعبر عن معاني ألفاظه العربية ومقاصدها بألفاظ غير عربية مع الوفاء بجميع هذه المعاني والمقاصد، وعرفنا سابقا أنها قد تكون (ترجمة حرفية) أو (ترجمة معنوية).
وهذه الترجمة هي المقصودة من هذا البحث، وهي التي شجر فيها الخلاف واضطربت الآراء. والقول الصحيح والحق منها؛ أنها مستحيلة الوقوع عادة وعقلا، ومحرمة شرعا، وفيما يلي أسباب استحالتها وبيان حرمتها:
أسباب استحالة الترجمة وبيان حرمتها
أ- أما كونها مستحيلة عادة وعقلا فالاستدلال على ذلك من طريقين:
١ - لأن ترجمة القرآن بهذا المعنى تستلزم المحال، وكل ما يستلزم المحال محال. إذ لا بد في تحقيقها من الوفاء بجميع معاني القرآن الأولية والثانوية «١»، وبجميع مقاصده «٢»، كما في أسلوب علوم المعاني والبيان المتعددة المرامي، الفسيحة الميدان، والتي هي أساس بلاغته وإعجازه، وكل ذلك مفقود في غير العربية. وما كان لبشر أن يحيط بها فضلا عن أن يحاكيها في كلام له.
стр. 262
٢ - ولأن ترجمة القرآن بهذا المعنى مثل للقرآن، وكل مثل للقرآن مستحيل، وقد ثبت أن القرآن تحدى أفصح العرب أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، فعجزوا عن المعارضة
والمحاكاة، ولا شك أن غير العرب أشد عجزا وبعدا عن ذلك، قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨].
ب- وأما كونها محرمة شرعا فللأمور التالية:
١ - إن طلب المستحيل العادي حرام أيا كان الطلب ولو بطريق الدعاء، وأيا كان هذا المستحيل ترجمة أو غير ترجمة، لأنه ضرب من العبث وتضييع للوقت والمجهود في غير فائدة، والله يقول: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥].
٢ - إن محاولة هذه الترجمة ادعاء لإمكان وجود مثل القرآن ... وذلك تكذيب شنيع لقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [الإسراء: ٨٨] إلخ الآية.
٣ - إن الأمة قد أجمعت على عدم جواز رواية القرآن بالمعنى، ومعلوم أن ترجمة القرآن بهذا المعنى العرفي تساوي روايته بالمعنى، فكلتاهما صيغة مستقلة وافية بجميع معاني الأصل ومقاصده، لا فرق بينهما إلا في القشرة اللفظية. فالرواية بالمعنى لغتها لغة الأصل، وهذه الترجمة لغتها غير لغة الأصل. وإذا كانت رواية القرآن بالمعنى في كلام عربي ممنوعة إجماعا، فهذه الترجمة ممنوعة كذلك قياسا على هذا المجمع عليه، بل أحرى بالمنع للاختلاف بين لغتها ولغة الأصل.
٤ - إن الناس جميعا مسلمين وغير مسلمين متفقون على أن الأعلام لا يمكن ترجمتها، سواء كانت موضوعة لأشخاص أم لبلاد أم لحيوان أم لكتب ومؤلفات.
والقرآن الكريم علم رباني أراد الله سبحانه ألفاظه دون غيرها، وأساليبه دون سواها؛
стр. 263
لتدل على هدايته، وليؤيد بها رسوله، وليتعبد بتلاوتها عباده.
حكم القراءة بما يزعم أنه ترجمة
اتفقت كلمة الفقهاء على منع قراءة ترجمة القرآن بأي لغة كانت إذا كانت هذه القراءة خارج الصلاة، لأن في ذلك إخراجا للقرآن عن إعجازه وبيانه وهديه، وأما القراءة بغير العربية في الصلاة ففيه مذهبان:
الأول:
ما ذهب إليه الشافعية والمالكية والحنابلة، فقد منعوا القراءة بترجمة القرآن في الصلاة، سواء أكان المصلي قادرا على العربية أم عاجزا «١»، وذلك لأن ترجمة القرآن في نظرهم ليست قرآنا، إذ القرآن هو هذا النظم المعجز الذي وصفه الله تعالى بكونه عربيا، وبالترجمة يزول الإعجاز؛ قال تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت: ٤٤].
الثاني:
ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: وهو جواز القراءة بالأعجمية عند العجز عن النطق بالعربية، وهو القول المفتى به في المذهب الحنفي.
قال في (معراج الدراية): إنما جوزنا القراءة بترجمة القرآن للعاجز إذا لم يخلّ بالمعنى، لأنه قرآن باعتبار اشتماله على المعنى، فالإتيان به أولى من الترك مطلقا، إذ التكليف بحسب الوسع.
стр. 264
وأما ما روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ من صحة القراءة بالفارسية ولو للقادر على العربية، فقد صح رجوعه عنه «١»، والقول الذي يرجع عنه المجتهد لا يعد قولا في المذهب ولا قولا له.
стр. 265
الفصل الرّابع النتائج الخطيرة المترتبة على الترجمة
لقد أشرنا في بداية هذا البحث إلى أن الدعوة إلى ترجمة القرآن دعوة مشبوهة ومكيدة استعمارية ظاهرة، وعرضنا فيما سبق بالحجة والدليل استحالة وقوعها عقلا، وحرمتها شرعا، وعدم جواز القراءة بها في الصلاة أو خارجها. ومع ذلك فإن بعض من خدعوا بهذه الدعوة وتحمسوا لها وقع في ذهنهم أن لترجمة القرآن الكريم فائدة هي نشر دعوة الإسلام بين الشعوب غير العربية، ومعارضة ما ينشر في أوربا- من ترجمات مليئة بالأخطاء الفاحشة صدرت عن جهالة أو على عمد- بنقل صحيح لمعاني القرآن الكريم، وردا على هؤلاء المغرر بهم نسوق النتائج الخطيرة المترتبة على الترجمة وهي أخطار ثلاثة:
١ - خطر يحيق بالقرآن الكريم:
أ- إن محاولة ترجمة القرآن، تشجع الناس على انصرافهم عن كتاب ربهم، مكتفين ببدل أو أبدال يزعمونها ترجمات له، وإذا امتد الزمان بهذه الترجمات فسيذهب اسم
الترجمة ويبقى اسم القرآن علما عليها. وقد جاء في ملحق لمجلة الأزهر: إن أهالي جاوه المسلمين يقرءون الترجمة الإفرنجية ويقرءونها لأولادهم وهم يعتقدون أن ما يقرءون هو القرآن الصحيح؟.
ب- وعند ما نجيز الترجمة، ويصل الأمر إلى حد استغناء الناس عن القرآن، فإن هذا يعرض الأصل العربي للضياع، كما ضاع الأصل العربي للأناجيل ولم يبق إلا ترجمتها اليونانية أو ترجمة بعضها، مما أدى إلى تحريفها وتبديلها، وهكذا يكون القرآن- لا قدر الله- لو ترجم واعترف بالترجمة واعتبرت قرآنا.
стр. 266
٢ - خطر ينزل بالأمة الإسلامية:
أ- إن شعوب الأمة الإسلامية تجتمع حول راية القرآن، فإذا قبلنا بفكرة الترجمة، كان معنى ذلك أن نوجد لكل شعب ترجمة بلسانها، وهذا يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين ويضعف الروابط بينهم؛ والله سبحانه يقول: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: ١٣٠].
ب- إن فتح هذا الباب يوجد في العالم ترجمات كثيرة لا حصر لها، وهي بالتأكيد مختلفة فيما بينها، وينشأ عن هذا الاختلاف في الترجمات خلاف بين المسلمين أشبه باختلاف اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل، وهذا الخلاف يصدع بناء المسلمين، ويهيئ لأعدائهم فرصة، ويوقظ بينهم فتنة عمياء.
٣ - خطر يحل باللغة العربية:
القرآن الكريم مدّ سلطان اللغة العربية على منطقة من أوسع مناطق الدنيا واخترق بها قارات ثلاثا هي: آسية وإفريقيا وأوربا (الأندلس)، وجعل العربية هي اللغة العالمية المشتركة المنشودة، فكل مسلم يشعر أن العربية لغته لأن القرآن قد نزل بها.
ونحن اليوم عند ما نقبل ترجمة القرآن إلى أي لسان، فإنما نكون قد زدنا المسلمين من غير العرب انصرافا عن اللغة العربية وعلوم القرآن، وقبلنا العزلة لأنفسنا ولغتنا، والله أراد لنا العزة، وأن تبقى لغة القرآن هي لغة الإسلام والمسلمين في كل الأرض. قال الله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ١٠].
ترجمة تفسير القرآن تغني عن ترجمته المزعومة
وإذا كانت أمتنا مسئولة عن تبليغ رسالة القرآن، وتوضيح مقاصده العظيمة
стр. 267
وهديه القويم لكل الناس، مهما اختلفت ألسنتهم وتباعدت بلادهم، مع الحرص على صيانة القرآن من أي تحريف أو وهم يتسرب إليه من الترجمة، فإن ذلك يتحقق بتكليف لجنة من العلماء الراسخين في العلم والإيمان؛ ليضعوا تفسيرا للقرآن الكريم باللغة العربية، ويقتصروا فيه على المعنى المفهوم من الآية على وجه التحقيق، ويراعوا في بيانهم لمراد الله تعالى الإيجاز، ثم تتولى طائفة من المترجمين- الموثوقين في إيمانهم وعلمهم- بنقل هذا التفسير بأمانة وبراعة إلى اللغة الأجنبية المطلوبة.
وحتى يكون عملهم مقبولا وخاليا من أية شائبة لا بد من توفر الشروط التالية:
١ - أن تظهر هذه الترجمة بعنوان (ترجمة تفسير القرآن) أو (تفسير القرآن بلغة كذا ... ).
٢ - التنبيه في المقدمة إلى أن هذا تفسير للقرآن وبيان لمراد الله بقدر الطاقة البشرية.
٣ - إذا كانت الآية تحتمل أكثر من وجه واحد، فيجب أن يشار إلى ذلك في الهامش.
٤ - أن يبقى كلام الله تعالى مطبوعا باللغة العربية وبالأحرف العربية، وموضوعا ضمن أقواس ظاهرة.
٥ - أن ينبه إلى أن هذا التفسير ألفته لجنة وترجمته تحت إشراف رئاسة دينية حازمة.
والقيام بهذا العمل له فوائد متعددة منها: أنه يرفع النقاب عن جمال القرآن ومحاسنه لمن لا يتقن العربية من الأعاجم، ويدفع الشبه التي لفقها أعداء الإسلام وألصقوها بالقرآن، ويبرئ ذمتنا أمام الله من واجب تبليغ القرآن بلفظه ومعناه.
стр. 268
الباب الحادي عشر نصوص تطبيقية ونشاطات تعليمية
الفصل الأول: نصوص تطبيقية مدروسة ١ - أسباب النزول.
٢ - القراءات.
٣ - المحكم والمتشابه.
٤ - الناسخ والمنسوخ.
٥ - من قصص القرآن.
٦ - من أمثال القرآن.
٧ - من أقسام القرآن.
الفصل الثاني: نشاطات تعليمية ١ - نصوص تطبيقية للدراسة.
٢ - أسئلة وتطبيقات.
стр. 269
الفصل الأول نصوص تطبيقية مدروسة
أولا- أسباب النزول تحويل القبلة
تمهيد:
كان رسول الله ﷺ أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يصلّي بين الركنين، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذّر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، واستمرّ الأمر على ذلك بضعة عشر شهرا، وكان ﷺ يكثر الدعاء والابتهال أن يوجّه إلى الكعبة، التي هي قبلة إبراهيم- ﵇ فأجيب إلى ذلك، وأمر بالتوجّه إلى البيت العتيق «١».
قال الله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)
стр. 270
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٢ - ١٤٤].
١ - شرح المفردات:
«السّفهاء»: جمع سفيه، وهو الجاهل المستخفّ بالحق، والسّفه: الخفة والطيش. والمراد بهم في الآية: المنكرون تحويل القبلة من اليهود والمنافقين والمشركين.
«ما ولّاهم»: ما صرفهم. «عن قبلتهم»: عن بيت المقدس.
«وسطا»: عدولا خيارا.
«ينقلب على عقبيه»: يرتد عن الإسلام عند تحويل القبلة إلى الكعبة المشرّفة.
«لكبيرة»: لشاقّة وثقيلة على النفوس.
«ليضيع إيمانكم»: صلاتكم فترة توجّهكم إلى بيت المقدس، بل يقبله الله منكم.
«تقلّب وجهك»: تحوّله وتردّده المرة بعد المرة، طلبا للوحي، والتجاء إلى الله تعالى.
«فلنولّينك»: لنوجهنّك ولنمكننّك من استقبالها. «ترضاها»: تحبّها وتميل إليها. «فولّ»: اصرف. «شطر المسجد الحرام»: ناحيته وتلقاءه.
٢ - المعنى الإجمالي:
* في الآية الأولى يخبر الله تعالى بما سيقوله السفهاء من اليهود وغيرهم قبل أن يقولوه، وحكمة هذا الإخبار تخفيف أثره على نفوس المؤمنين، بعد أن يفقد
стр. 271
حقدهم ونقدهم عنصر المفاجأة، فلا تضطرب له نفوس المؤمنين ولا تقيم له وزنا، كما علمهم الله كيف يردّون عليهم بأن لله المشرق والمغرب، وأن لا اعتراض على أحكام الله، وهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
* وفي الآية الثانية يخبر الله أنه جعل هذه الأمة خيارا عدولا، وكما هداهم إلى أفضل قبلة جعلهم أفضل أمة وأعدل أمة، يشهدون على الأمم يوم القيامة، ويشهد عليهم رسولهم ﷺ .
* وفي الآية الثالثة يعلم الله رسوله، أنه كان يراه وهو يقلّب وجهه في السماء انتظارا لوحي السماء يأمره بتحويل القبلة، فتتحقق رغبة في مخالفة يهود، ومحبته لقبلة أبيه إبراهيم. والذين أوتوا الكتاب يعلمون أن هذا حق، والله سبحانه مطلع على سرائرهم وعلانيتهم.
٣ - سبب النزول وأهميته في تفسير الآيات:
١ - عن البراء ﵁؛ أنّ النبيّ ﷺ صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلّى صلاة العصر، وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلّى معه، فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون. قال: أشهد بالله لقد صلّيت مع النبيّ ﷺ قبل مكّة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت رجال قتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ «١».
٢ - وعنه ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحبّ أن يوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فتوجّه نحو
стр. 272
الكعبة، وقال السّفهاء من الناس وهم اليهود: ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فصلّى مع النبيّ ﷺ رجل، ثم خرج بعد ما صلّى، فمرّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلّى مع رسول الله ﷺ وأنّه توجّه نحو الكعبة، فتحرّف القوم حتى توجّهوا نحو الكعبة «١».
وهذان النّصّان من صحيح البخاري يعينان على فهم الآيات المتقدّمة من سورة البقرة، ويمنعان وجود أيّ إشكال أو لبس في تفسيرها.
٤ - الأحكام الشرعية، والتوجيهات المستفادة:
أ- الأحكام الشرعية:
١ - جواز النسخ، وهو إجماع الأمة، وقد أجمع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ.
وجواز نسخ السنة بالقرآن، وذلك أن النبيّ ﷺ صلّى إلى بيت المقدس، وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحكم إلا بالسنة الفعلية، ثم نسخ ذلك بالقرآن.
٢ - قبول خبر الواحد، وهو مجمع عليه من السّلف، معلوم بالتواتر من عادة النبيّ ﷺ في توجيهه ولاته ورسله آحادا إلى الآفاق، ليعلّموا النّاس دينهم.
٣ - فضل هذه الأمة المسلمة على غيرها من الأمم؛ حيث قبلت شهادتهم على من كان قبلهم من الأمم.
٤ - المراد بالمسجد الحرام في قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الكعبة، أي: فولّ وجهك في الصلاة جهة الكعبة.
٥ - استقبال القبلة فرض من فروض الصلاة، ولا بد منه في صحة الصلاة؛
стр. 273
إلا ما جاء في الخوف والفزع، وفي صلاة النافلة على الدّابّة أو السفينة؛ فإن القبلة في صلاة الخوف جهة أمنه، وفي صلاة النافلة على الدابة حيث توجّهت به.
وأجمع العلماء على أنّ المشاهد للكعبة لا يجزيه إلا إصابة عين الكعبة في صلاته.
وأما غير المشاهد للكعبة، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الواجب قصد الإصابة مع التوجه إلى الجهة.
وذهب الحنفية والمالكية إلى أن الواجب استقبال جهة الكعبة «١».
وقد رجّح القرطبي في تفسيره ما ذهب إليه الحنفية والمالكية، فقال:
«واختلفوا هل فرض الغائب استقبال العين، أو الجهة، فمنهم من قال بالأول. قال ابن العربي: وهو ضعيف لأنه تكليف ما لا يوصل إليه، ومنهم من قال بالجهة، وهو الصحيح لثلاثة أوجه:
الأول: أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف.
الثاني: أنه المأمور به في القرآن لقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني من الأرض من شرق أو غرب.
الثالث: أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض البيت» «٢».
ب- التوجيهات المستفادة:
١ - توطين نفس الرسول ﷺ والمؤمنين به؛ حتى لا يضرهم قول السفهاء، وهم يعترضون على تحويل القبلة.
стр. 274
٢ - الردّ على المعترضين من اليهود والمشركين والمضطربين من المنافقين، عند تحويل القبلة، وبيان أن الجهات كلها ملك لله، وحيثما اتجه المسلمون في صلاتهم فثمّ وجه الله، وهو سبحانه يهديهم إلى الحقّ، ويوفقهم إلى الخير في جميع أحوالهم وأحيانهم.
٣ - خير الأمور أوسطها، والمسلمون يمتازون بالتوسط في الدين، والتوسط بين الأمم، وقبلتهم في سرّة الأرض ووسطها.
٤ - فضل الأمة المسلمة؛ اختارها الله للشهادة على الناس في الدنيا، ولإقامة الحجة على الأمم يوم القيامة.
٥ - علوم القرآن في الآيات:
١ - للآيات سبب صحيح لنزولها، وقد ذكرناه قريبا، وأن المطّلع عليه يفهم الآيات فهما صحيحا، ويعيش الأجواء التاريخية للنص، والوقع العظيم للأمر الإلهي بتحويل القبلة، في نفوس المؤمنين، والشانئين من أعداء الإسلام والمسلمين.
٢ - الآيات من سورة البقرة، وهي مدنية بالإجماع، أي نزلت بعد الهجرة، وحادثة تحويل القبلة وقعت بالمدينة بعد ستة عشر أو سبعة عشر شهرا من مهاجره ﷺ ، كما أن الآيات صريحة في الكشف عن جدال أهل الكتاب، واعتراضات المشركين والمنافقين. وهي تقرّر أحكاما تشريعية وتعبدية، وكل ذلك من خصائص القرآن المدني كما تقدم.
٣ - القراءات:
- قرأ الجمهور إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ بالمد والهمز في لَرَؤُفٌ على وزن فعول. وقرأ الكوفيون وأبو عمرو لرؤف على وزن (فعل) وهي لغة بني أسد، ومنه قول الوليد بن عقبة:
وشرّ الطّالبين فلا تكنه ... يقاتل عمّه الرّؤف الرحيم
стр. 275
- وقرأ الجمهور: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء في يعملون، فيكون خطابا ووعيدا لأهل الكتاب، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي عما تعملون بالتاء، فيكون خطابا ووعيدا لأهل الكتاب أو أمة محمد ﷺ .
٤ - الآيات محكمة واضحة، لا خفاء فيها، وتظهر بوضوح تام حكم التوجّه إلى الكعبة في الصلاة، وموقف أهل الضلال من اليهود والمشركين والمنافقين من إحكام الأمر، وتحويل التوجه من بيت المقدس إلى البيت العتيق، فالآيات الثلاثة محكمة كلها، وليست من المتشابه في شيء.
٥ - في الآيات دليل على وقوع النسخ في الأحكام، وقد ذكرنا إجماع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ من القرآن، وأنها نسخت مرة واحدة، كما صحّح ذلك ابن عبد البر. وقد استقر الحكم بعد سبعة عشر شهرا من مهاجره ﷺ ، أي:
بدءا من أول الربع الثاني من السنة الثانية للهجرة النبوية.
٦ - أما الإعجاز في الآيات فظاهر كما هو في جميع سور القرآن، ومن الصور البلاغية في الآيات الثلاثة:
- يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ استعارة تمثيلية، إذ مثّل الله تعالى من يرتد عن دينه بمن ينقلب على عقبيه.
- لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ من صيغ المبالغة، والرأفة شدة الرحمة، وقدّم الأبلغ مراعاة للفاصلة، وهي الميم في قوله صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
- فَوَلِّ وَجْهَكَ أطلق الوجه وأريد به الذات، من قبيل المجاز المرسل، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل.
стр. 276
ثانيا- القراءات الله ﷻ منوّر السّماوات والأرض
تمهيد:
أنار الله السموات والأرض فأنار السموات بالكواكب المضيئة، وأنار الأرض بإرسال الرسل الكرام وإنزال الشرائع والأحكام، قال ابن مسعود ﵁: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والأرض نور وجهه.
وسمّيت السورة (رقم ٢٤) سورة النور، لورود هذه الآية المشتملة على إشعاع النور الإلهي، وإنارة الوجود بظهور الهداية والحق فيه.
قال الله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور: ٣٥].
١ - شرح المفردات:
«الله نور السموات والأرض» النور لغة: الضياء، وهو الذي يبين الأشياء بانعكاسه عنها ودخوله العيون.
«كمشكاة»: المشكاة: هي الكوّة في الحائط، وتكون غير نافذة إلى الجهة الثانية، وهي أجمع للضوء الذي يكون فيها من مصباح أو غيره.
«مصباح»: سراج ضخم ثاقب. «زجاجة»: قنديل من الزجاج، صاف
стр. 277
أزهر. «كوكب دري»: نجم مضيء، يشبه الدرّ في تلألئه وصفائه.
«زيتونة»: من شجر الزيتون الذي بارك الله فيه، وجعل منافعه عديدة.
«لا شرقية ولا غربية»: لا يسترها عن الشمس شيء، لا في حال شروقها، ولا في حال غروبها.
«يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار»: لصفائه وحسنه وجودته.
«نور على نور»: المصباح نور، والزجاجة نور، وانعكاسه من المشكاة نور.
«ويضرب الله الأمثال للناس»: يبين الله تعالى الأشياء بأشباهها ونظائرها تقريبا لها إلى الإفهام والاتعاظ.
٢ - المعنى الإجمالي:
الله جلّ وعلا هو منوّر السموات والأرض بالكواكب المضيئة، ومنور أهل السموات والأرض بالهداية إلى الحق، وذلك بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ومثّل الله تعالى لصفة نوره العجيبة في الإضاءة المضاعفة، إذ تضافرت فيها المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت، حتى لم يبق شيء مما يقوّي النور ويزيده إشراقا إلا وجد.
والله سبحانه يهدي لهذا النور الثاقب من يشاء من عباده، بأن يوفقهم للإيمان به، وفهم دلائل حقيقته.
ويضرب الله الأمثال للناس، ليقرب لهم المعقول من المحسوس، وهو سبحانه بكل شيء عليم، فلا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عن علمه شيء.
٣ - الأحكام والتوجيهات المستفادة:
أ- الأحكام:
١ - الله منوّر السموات والأرض، ويجب أن يقال: لله تعالى نور، على جهة
стр. 278
المدح؛ لكونه سبحانه أوجد الأشياء المنوّرة، وأوجد أنوارها، ونوّرها، ويدل على هذا المعنى قراءة زيد بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز المكّي «الله نوّر السّماوات والأرض» ومعنى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أنه سبحانه صيّرهما منيرتين باستقامة أحوال أهلهما وكمال تدبيره لمن فيهما.
أما ما ذهب إليه المجسمة من أن الله تعالى نور لا كالأنوار، فباطل، لأن النور ضياء، وهو عرض من الأعراض، أو جسم من الأجسام، وكلاهما مستحيل على الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
٢ - الله هادي أهل السموات والأرض: وأقرب ما ذهب إليه العلماء في هذا التأويل: أن النور سبب للظهور، والهداية لما شاركت النور في هذا المعنى صحّ إطلاق اسم النور على الهداية قال تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً [الأنعام: ١٢٢]، ومعنى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ذو نور السموات والأرض، والنور هو الهداية، ولا تحصل إلا لأهل السموات، والحاصل أن المراد: الله هادي أهل السموات والأرض. وهو قول ابن عباس والأكثرين.
٣ - شرح كيفية التمثيل: ذهب جمهور المتكلمين، أن المشبّه هو المراد من الهدى الذي هي الآيات البينات، والمعنى أن هداية الله تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات، وصارت في ذلك بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.
ب- التوجيهات المستفادة:
ا- الله تعالى ظاهر في إبداع مخلوقاته، شديد الظهور في دلائل قدرته، وشدّة الظهور تولّد الخفاء، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره.
٢ - أن هداية الله قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات.
стр. 279
٣ - الاعتناء بشجرة الزيتون، وأنها مباركة، كثيرة الارتفاق والمنافع.
٤ - الاستفادة من ضرب الأمثال بالاعتبار، والنظر المؤدي للإيمان.
٥ - الوعيد لمن لا يعتبر ولا يتفكر، ولا ينظر في الأدلة الإلهية فيعرف وضوحها وبعدها عن الشبهات.
٤ - علوم القرآن في الآيات:
١ - الآية مدنية؛ لأن سورة النور مدنية باتفاق.
٢ - القراءات في الآية:
- قرأ ابن كثير «درّيّ» «١» بضم الدال، وتشديد الراء المكسورة، وتشديد الياء من غير همز. «توقّد» بفتح التاء والواو والدال.
- وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: «درّيّ» مثل ابن كثير «يوقد» بالياء مضمومة وضم الدال.
- وقرأ أبو عمرو: «درّيء» بكسر الدال مهموز. «توقّد» بفتح التاء والدال.
- وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر: «درّيء» بضم الدال مهموز.
«توقد» بضم التاء والدال. وفي رواية أبان عن عاصم، وحفص بن عاصم:
«يوقد» «٢» مثل نافع الياء مضمومة.
стр. 280
- وقرأ الكسائي «درّيء» مثل أبي عمرو بكسر الدال مهموز. «توقد» «١» بضم التاء وفتح القاف وضم الدال مثل حمزة.
- وروى القفطي عن عبيد عن هارون عن أبي عمرو عن عاصم بن بهدلة، وعن أهل الكوفة: «توقّد» «٢» رفعا مشددة مفتوحة التاء «١».
٣ - الآية محكمة في الدلالة على أن الله تعالى نور العالم كلّه علويّه وسفليه، بمعنى منوّرة بالآيات التكوينية والتنزيلية، الدالة على وجوده ووحدانيته وسائر صفاته، والهادية إلى الحق وإلى ما به صلاح المعاش والمعاد.
٤ - وهي مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد، الذي أنزله إليهم، فآمنوا به، وصدقوا بما فيه؛ في قلوب المؤمنين، مثل كَمِشْكاةٍ وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، وذلك هو نظير الكوة التي في الحيطان التي لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة، لأنه غير نافذ، وهو أجوف مفتوح الأعلى، فهو كالكوّة التي في الحائط، التي لا تنفذ. ثم قال: فِيها مِصْباحٌ وهو السراج، وجعل السّراج وهو المصباح مثلا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات المبينات، ثم قال: الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ يعني أن السّراج الذي في المشكاة في القنديل، وهو الزجاجة، وذلك مثل القرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله قلبه في صدره. ثم مثّل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه، واستنارته بنور القرآن، واستضاءته بآيات ربّه المبينات، ومواعظه فيها، بالكوكب الدريّ فقال:
стр. 281
الزُّجاجَةُ وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ «١».
٥ - والإعجاز ظاهر في الآية من حيث إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وروعة التصوير للنور الإلهي الذي يعمّ جميع الكائنات بالنور والهداية. ومن الصور البلاغية فيها:
أ- التشبيه المرسل في قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ حيث جاء التشبيه بواسطة الأداة، وهي (الكاف) وهو تشبيه تمثيلي، لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. قال الكرخيّ: ومثّل الله نوره، أي معرفته في قلب المؤمن، بنور المصباح دون نور الشمس، مع أن نورها أتم، لأن المقصود تمثيل النور في القلب، والقلب في الصدور، والصدر في البدن؛ بالمصباح، والمصباح في الزجاجة، والزجاجة في القنديل «٢».
ب- الطباق في قوله تعالى: لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ فالشمس والظل يتعاقبان عليها، وأن ذلك أجود لحملها وأصفى لزيتها.
ج- إطلاق المصدر على اسم الفاعل في قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: منورهما، للمبالغة. ومن فسّر النور بالهداية، فقد ذهب إلى أن في الجملة استعارة.
د- التنكير: في قوله تعالى نُورٌ عَلى نُورٍ وفيه فخامة ومبالغة، حيث النور متعدد ومتضاعف.
стр. 282
ثالثا- المحكم والمتشابه القرآن وصفات من أنزله
تمهيد:
يبدأ الله تعالى هذه السورة الكريمة بحرفين من حروف الهجاء، للتحدّي والإعجاز، ثم يبيّن سبحانه موقف النبيّ ﷺ ، وأنّه رسول مهمته البلاغ، والله بصفاته الجليلة وأسمائه الحسنى لن يتخلّى عنه، بل سيحيطه برعايته وحفظه، وهي سنته في الدفاع عن رسله، ومن تبعهم من المؤمنين.
قال الله تعالى: طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [طه: ١ - ٨].
١ - شرح المفردات:
«طه»: من الحروف المقطعة التي أنزلها الله في أوائل بعض سور القرآن للتحدي والإعجاز.
«لتشقى»: لتتعب، بفرط تأسفك على كفرهم، وتحسرك على عدم إيمانهم.
«تذكرة»: تذكيرا وعظة.
«استوى»: علا وارتفع، ولا يعلم البشر كيف ذلك، فالاستواء معلوم والكيف مجهول.
стр. 283
«ما تحت الثرى»: ما تحت التراب من شيء.
«الأسماء الحسنى»: الفضلى، لدلالتها على الكمال والجلال، والتعظيم والتقديس.
٢ - المعنى الإجمالي:
إن الذي أنزل عليك هذا القرآن المركّب من هذين الحرفين (طه) وأمثالهما، والذي عجز قومك عن الإتيان بسورة من مثله، ما أنزله عليك يا محمد لتتعب وتنصب، في التحسّر على عناد المشركين بمكة، أو في المبالغة بالقيام للعبادة والتهجد، وإنما أنزلناه ليكون تذكيرا لمن يخاف الله تعالى، فيقبل على طاعته وعبادته، متحملا التضحيات في سبيل إيمانه، وهو كتاب منزل، يتنزل من عند إله خالق للأرضين والسموات، رحمن الدنيا والآخرة، استوى على عرشه استواء يليق بجنابه العظيم، ومالك ما في السموات والأرض ومدبرهم، العليم بالسر والجهر، لا إله في الوجود غيره، ولا معبود بحق سواه، له الأسماء الفضلى التي يعرفه العباد بها، ويعبدونه حق العبادة.
٣ - الأحكام والتوجيهات المستفادة:
أ- الأحكام:
١ - القرآن سبب السعادة ورفع المشقة: لم ينزله الله تعالى للنّصب والشقاء وإنما رحمة وتيسيرا في الدنيا، ونورا ودليلا إلى الجنة في الآخرة، وقد أوضح الإمام ابن جزي الكلبي في تفسيره هذا المعنى، فقال: «قيل إن النبيّ ﷺ قام في الصلاة حتى تورّمت قدماه، فنزلت الآية تخفيفا عنه، فالشقاء على هذا إفراط التعب في العبادة، وقيل: المراد به التأسف على كفر الكفّار، واللفظ عام في ذلك كله، والمعنى أنه سبحانه نفى عنه جميع أنواع الشقاء في الدنيا والآخرة، لأنه أنزل عليه القرآن الذي هو سبب السعادة» «١».
стр. 284
٢ - استواء الله على العرش: من صفات الله تعالى التي نؤمن بها، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، وتكون السلامة في التسليم، وقد سئل الإمام مالك عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة.
وتأوّل الأشعرية معنى استوى: باستولى بالملك والقدرة، واستشهدوا بقول الشاعر:
استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
٣ - الأسماء الحسنى:
لله تعالى الأسماء التي هي أحسن الأسماء؛ لدلالتها على أحسن مسمّى وأشرف مدلول،
وقد ثبت في الحديث الصحيح: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة» «١»
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في «تلخيص الحبير» أنه تتبعها من الكتاب العزيز إلى أن حرر منه تسعة وتسعين اسما، ثم سردها «٢».
قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠].
فالمؤمن الحق يدعو الله تعالى بأسمائه الحسنى من غير زيادة ولا نقص ولا تغيير ولا تبديل.
ب- التوجيهات المستفادة:
١ - القرآن سبب السعادة والهداية، ورفع المشقة والحرج.
стр. 285
٢ - إثبات نزول الوحي على رسول الله ﷺ بالقرآن، وتكليفه بالبلاغ المبين لجميع الناس.
٣ - تقرير الاستواء لله تعالى على عرشه من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل.
٤ - تسلية الرسول ﷺ عمّا كان يعتريه من تحدي المشركين وإصرارهم على كفرهم.
٥ - عظيم الإكرام وحسن المعاملة من الله تعالى لرسوله ﷺ .
٦ - وصف السموات بالعلى؛ دلالة على عظيم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها.
٧ - الله ربّ كل شيء وخالق كل شيء، لا معبود بحق سواه.
٤ - علوم القرآن في الآيات:
١ - هي مكية؛ لأنها من سورة «طه» وهي من السور المكية باتفاق، وفي خبر إسلام عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ مطلعها وتأثّر بآياتها، فكانت من الأسباب المباشرة في إسلامه، ففي سنن الدارقطني عن أنس بن مالك قال: خرج عمر متقلّدا بسيف، فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبئوا، فأتاهما عمر وعندهما رجل من المهاجرين يقال له: خبّاب، وكانوا يقرءون طه فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرؤه، وكان عمر ﵁ يقرأ الكتب، فقالت له أخته:
إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ. فقام عمر ﵁ وتوضأ، وأخذ الكتاب، فقرأ طه.
وذكر ابن إسحاق القصة مطولة، وفيها أنه ذهب إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم فأعلن إسلامه أمام رسول الله ﷺ .
وآيات السورة قصيرة شديدة الوقع، تقرر عقيدة الألوهية والرسالة. وكل ذلك من خصائص القرآن المكي الذي نزل قبل الهجرة النبوية.