← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10606–10645 · переход к 10611.

стр. 10606

مَجَّانًا وَإِِمَّا أَنْ تَدْفَعِيهِ لِلْمُتَبَرِّعَةِ، لَكِنَّ هَذَا مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ: أ - إِِعْسَارُ الأَْبِ سَوَاءٌ أَكَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ أَمْ لاَ. ب - يَسَارُ الأَْبِ مَعَ وُجُودِ مَالٍ لِلصَّغِيرِ صَوْنًا لِمَال الصَّغِيرِ، لأَِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكُونُ فِي مَال الصَّغِيرِ. فَإِِنْ كَانَ الأَْبُ مُوسِرًا وَلاَ مَال لِلصَّغِيرِ فَتُقَدَّمُ الأُْمُّ وَإِِنْ طَلَبَتِ الأُْجْرَةَ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِِلَى أَنَّهُ لاَ أُجْرَةَ عَلَى الْحَضَانَةِ وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إِِلَيْهِ، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَال مَالِكٌ أَوَّلاً: يُنْفَقُ عَلَى الْحَاضِنَةِ مِنْ مَال الْمَحْضُونِ، قَال فِي الْمِنَحِ: وَالْخِلاَفُ إِِذَا كَانَتِ الْحَاضِنَةُ غَنِيَّةً، أَمَّا إِِذَا كَانَتْ فَقِيرَةً فَيُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَال الْمَحْضُونِ لِعُسْرِهَا لاَ لِلْحَضَانَةِ (٢) . أُجْرَةُ مَسْكَنِ الْحَضَانَةِ: ١٧ - اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي وُجُوبِ أَجْرِ الْمَسْكَنِ لِلْحَاضِنَةِ إِِذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَسْكَنِ الأَْبِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: عَلَى الأَْبِ سُكْنَى الْحَاضِنَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ نَجْمِ الأَْئِمَّةِ، وَبِمِثْلِهِ قَال أَبُو حَفْصٍ فَقَدْ سُئِل عَمَّنْ لَهَا إِِمْسَاكُ الْوَلَدِ وَلَيْسَ لَهَا مَسْكَنٌ مَعَ الْوَلَدِ فَقَال: عَلَى الأَْبِ سُكْنَاهُمَا جَمِيعًا، وَاسْتَظْهَرَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ اللُّزُومَ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.

стр. 10607

وَقَال آخَرُونَ: تَجِبُ أُجْرَةُ السَّكَنِ لِلْحَاضِنَةِ إِِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ، وَإِِلاَّ فَعَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ. وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْبَحْرِ أَنَّهُ لاَ تَجِبُ فِي الْحَضَانَةِ أُجْرَةُ الْمَسْكَنِ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ فِي النَّهْرِ، لأَِنَّ وُجُوبَ الأَْجْرِ (أَيْ أَجْرِ الْحَضَانَةِ) لاَ يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الْمَسْكَنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ وَهْبَانَ وَالطَّرَسُوسِيُّ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ - بَعْدَ نَقْلِهِ لِهَذِهِ الأَْقْوَال -: وَالْحَاصِل أَنَّ الأَْوْجَهَ لُزُومُ أُجْرَةِ الْمَسْكَنِ عَلَى مَنْ لَزِمَهُ نَفَقَةُ الْمَحْضُونِ، فَإِِنَّ السَّكَنَ مِنَ النَّفَقَةِ، لَكِنَّ هَذَا إِِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْكَنٌ، أَمَّا لَوْ كَانَ لَهَا مَسْكَنٌ يُمْكِنُهَا أَنْ تَحْضُنَ فِيهِ الْوَلَدَ وَيَسْكُنَ تَبَعًا لَهَا فَلاَ تَجِبُ الأُْجْرَةُ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِِلَيْهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ هَذَا هُوَ الأَْرْفَقُ لِلْجَانِبَيْنِ فَلْيَكُنْ عَلَيْهِ الْعَمَل (١) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: مَا يَخُصُّ الْمَحْضُونَ مِنْ أُجْرَةِ الْمَسْكَنِ فَهُوَ عَلَى الأَْبِ بِاتِّفَاقٍ وَإِِنَّمَا الْخِلاَفُ فِيمَا يَخُصُّ الْحَاضِنَةَ مِنْ أُجْرَةِ الْمَسْكَنِ. وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى أَنَّ أُجْرَةَ الْمَسْكَنِ عَلَى الأَْبِ لِلْمَحْضُونِ وَالْحَاضِنَةِ مَعًا. وَقِيل: تُؤَدِّي الْحَاضِنَةُ حِصَّتَهَا مِنَ الْكِرَاءِ.

стр. 10608

وَقِيل: تَكُونُ الأُْجْرَةُ عَلَى قَدْرِ الرُّءُوسِ فَقَدْ يَكُونُ الْمَحْضُونُ مُتَعَدِّدًا. وَقِيل: لِلْحَاضِنَةِ السُّكْنَى بِالاِجْتِهَادِ، أَيْ عَلَى قَدْرِ مَا يَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ (١) . وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدِ اعْتَبَرُوا السُّكْنَى مِنَ النَّفَقَةِ، فَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْحَاضِنَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ إِِسْكَانُهَا (٢) . سُقُوطُ الْحَضَانَةِ وَعَوْدُهَا: ١٨ - تَسْقُطُ الْحَضَانَةُ بِوُجُودِ مَانِعٍ مِنْهَا، أَوْ زَوَال شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ اسْتِحْقَاقِهَا، كَأَنْ تَتَزَوَّجَ الْحَاضِنَةُ بِأَجْنَبِيٍّ عَنِ الْمَحْضُونِ، وَكَأَنْ يُصَابَ الْحَاضِنُ بِآفَةٍ كَالْجُنُونِ وَالْعَتَهِ، أَوْ يَلْحَقَهُ مَرَضٌ يَضُرُّ بِالْمَحْضُونِ كَالْجُذَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ، أَوْ بِسَبَبِ سَفَرِ الْوَلِيِّ أَوِ الْحَاضِنِ حَسَبَ مَا هُوَ مُبِينٌ فِي مَكَانِهِ. وَقَدْ تَسْقُطُ الْحَضَانَةُ بِسَبَبِ إِِسْقَاطِ الْمُسْتَحِقِّ لَهَا. كَذَلِكَ إِِذَا أَسْقَطَ الْحَاضِنُ حَقَّهُ ثُمَّ عَادَ وَطَلَبَ أُجِيبَ إِِلَى طَلَبِهِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ كَالنَّفَقَةِ. وَإِِذَا امْتَنَعَتِ الْحَضَانَةُ لِمَانِعٍ ثُمَّ زَال الْمَانِعُ كَأَنْ

стр. 10609

عَقَل الْمَجْنُونُ، أَوْ تَابَ الْفَاسِقُ، أَوْ شُفِيَ الْمَرِيضُ. . عَادَ حَقُّ الْحَضَانَةِ، لأَِنَّ سَبِيلَهَا قَائِمٌ وَأَنَّهَا امْتَنَعَتْ لِمَانِعٍ فَإِِذَا زَال الْمَانِعُ عَادَ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الْمُلاَزِمِ طِبْقًا لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ (إِِذَا زَال الْمَانِعُ عَادَ الْمَمْنُوعُ) . وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفْصِيلاَتِ. فَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِِنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ يَعُودُ بِطَلاَقِ الْمَنْكُوحَةِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَوْرَ الطَّلاَقِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بَائِنًا أَمْ رَجْعِيًّا دُونَ انْتِظَارِ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ وَذَلِكَ لِزَوَال الْمَانِعِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُزَنِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ يَعُودُ فَوْرَ الطَّلاَقِ الْبَائِنِ أَمَّا الطَّلاَقُ الرَّجْعِيُّ فَلاَ يَعُودُ حَقُّ الْحَضَانَةِ بَعْدَهُ إِِلاَّ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ (١) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِِنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ زَوَال الْحَضَانَةِ لِعُذْرٍ اضْطِرَارِيٍّ وَبَيْنَ زَوَالِهَا لِعُذْرٍ اخْتِيَارِيٍّ. فَإِِذَا سَقَطَتِ الْحَضَانَةُ لِعُذْرٍ اضْطِرَارِيٍّ لاَ يَقْدِرُ مَعَهُ الْحَاضِنُ عَلَى الْقِيَامِ بِحَال الْمَحْضُونِ كَمَرَضِ الْحَاضِنِ أَوْ سَفَرِ الْوَلِيِّ بِالْمَحْضُونِ سَفَرَ نُقْلَةٍ، أَوْ سَفَرِ الْحَاضِنَةِ لأَِدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ، ثُمَّ زَال الْعُذْرُ بِشِفَاءِ الْحَاضِنَةِ مِنَ الْمَرَضِ، أَوْ عَوْدَةِ الْوَلِيِّ مِنَ السَّفَرِ، أَوْ عَوْدَتِهَا مِنْ أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ، عَادَتِ الْحَضَانَةُ لِلْحَاضِنِ، لأَِنَّ الْمَانِعَ

стр. 10610

كَانَ هُوَ الْعُذْرَ الاِضْطِرَارِيَّ وَقَدْ زَال، وَإِِذَا زَال الْمَانِعُ عَادَ الْمَمْنُوعُ. وَإِِذَا زَالَتِ الْحَضَانَةُ لِمَانِعٍ اخْتِيَارِيٍّ كَأَنْ تَتَزَوَّجَ الْحَاضِنَةُ بِأَجْنَبِيٍّ مِنَ الْمَحْضُونِ ثُمَّ طَلُقَتْ، أَوْ أَسْقَطَتِ الْحَاضِنَةُ حَقَّهَا فِي الْحَضَانَةِ بِإِِرَادَتِهَا دُونَ عُذْرٍ، ثُمَّ أَرَادَتِ الْعَوْدَ لِلْحَضَانَةِ. فَلاَ تَعُودُ الْحَضَانَةُ بَعْدَ زَوَال الْمَانِعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقٌّ لِلْحَاضِنِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. وَقِيل: تَعُودُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقُّ الْمَحْضُونِ. لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِِذَا كَانَتِ الْحَضَانَةُ لاَ تَعُودُ لِلْمُطَلَّقَةِ إِِلاَّ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ مَنِ انْتَقَلَتْ لَهُ الْحَضَانَةُ رَدُّ الْمَحْضُونِ لِمَنِ انْتَقَلَتْ عَنْهُ الْحَضَانَةُ، فَإِِنْ كَانَ الرَّدُّ لِلأُْمِّ فَلاَ مَقَال لِلأَْبِ، لأَِنَّهُ نَقْلٌ لِمَا هُوَ أَفْضَل، وَإِِنْ كَانَ الرَّدُّ لأُِخْتِهَا مَثَلاً فَلِلأَْبِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، فَمَعْنَى أَنَّ الْحَضَانَةَ لاَ تَعُودُ، أَيْ لاَ تُجْبَرُ مَنِ انْتَقَلَتْ لَهَا الْحَضَانَةُ عَلَى رَدِّ الْمَحْضُونِ، وَلَهَا الرَّدُّ بِاخْتِيَارِهَا (١) . انْتِهَاءُ الْحَضَانَةِ: ١٩ - مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ النِّسَاءَ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنَ الرِّجَال فِي الْجُمْلَةِ، وَأَنَّ الْحَضَانَةَ عَلَى الصِّغَارِ تَبْدَأُ مُنْذُ الْوِلاَدَةِ، لَكِنَّ إِِنْهَاءَ حَضَانَةِ النِّسَاءِ عَلَى الصِّغَارِ حَال افْتِرَاقِ الزَّوْجَيْنِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

стр. 10611

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِِلَى أَنَّ حَضَانَةَ النِّسَاءِ عَلَى الذَّكَرِ تَظَل حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ رِعَايَةِ النِّسَاءِ لَهُ فَيَأْكُل وَحْدَهُ، وَيَشْرَبُ وَحْدَهُ، وَيَلْبَسُ وَحْدَهُ، وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِسَبْعِ سِنِينَ - وَبِهِ يُفْتَى - لأَِنَّ الْغَالِبَ الاِسْتِغْنَاءُ عَنِ الْحَضَانَةِ فِي هَذِهِ السِّنِّ، وَقِيل تِسْعُ سِنِينَ. وَتَظَل الْحَضَانَةُ عَلَى الأُْنْثَى قَائِمَةً حَتَّى تَبْلُغَ بِالْحَيْضِ أَوِ الاِحْتِلاَمِ أَوِ السِّنِّ، وَهَذَا كَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إِِنْ كَانَتِ الْحَاضِنَةُ الأُْمَّ أَوِ الْجَدَّةَ، أَمَّا غَيْرُ الأُْمِّ وَالْجَدَّةِ فَإِِنَّهُنَّ أَحَقُّ بِالصَّغِيرَةِ حَتَّى تُشْتَهَى، وَقُدِّرَ بِتِسْعِ سِنِينَ وَبِهِ يُفْتَى. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الأُْمِّ وَالْجَدَّةِ كَالْحُكْمِ فِي غَيْرِهِمَا، فَتَنْتَهِي حَضَانَةُ النِّسَاءِ مُطْلَقًا - أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا - عَلَى الصَّغِيرَةِ عِنْدَ بُلُوغِهَا حَدَّ الاِشْتِهَاءِ الَّذِي قُدِّرَ بِتِسْعِ سِنِينَ، وَالْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ. فَإِِذَا انْقَضَتْ حَضَانَةُ النِّسَاءِ فَلاَ يُخَيَّرُ الْمَحْضُونُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى بَل يُضَمُّ إِِلَى الأَْبِ، لأَِنَّهُ لِقُصُورِ عَقْلِهِ يَخْتَارُ مَنْ عِنْدَهُ اللَّعِبُ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ خَيَّرُوا وَتَظَل وِلاَيَةُ الأَْبِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ إِِلَى الْبُلُوغِ، فَإِِذَا بَلَغَ الْغُلاَمُ مُسْتَغْنِيًا بِرَأْيِهِ مَأْمُونًا عَلَيْهِ فَيُخَيَّرُ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْمُقَامِ مَعَ وَلِيِّهِ، أَوْ مَعَ حَاضِنَتِهِ، أَوِ الاِنْفِرَادِ بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ الأُْنْثَى إِِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَوْ كَانَتْ بِكْرًا طَاعِنَةً فِي السِّنِّ وَلَهَا رَأْيٌ، فَإِِنَّهَا تُخَيَّرُ كَمَا يُخَيَّرُ الْغُلاَمُ.

стр. 10612

وَإِِنْ كَانَ الْغُلاَمُ أَوِ الثَّيِّبُ أَوِ الْبِكْرُ الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِمْ لَوِ انْفَرَدُوا بِأَنْفُسِهِمْ بَقِيَتْ وِلاَيَةُ الأَْبِ عَلَيْهِمْ، كَمَا تَبْقَى الْوِلاَيَةُ عَلَى الْبِكْرِ إِذَا كَانَتْ حَدِيثَةَ السِّنِّ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْتُوهِ تَبْقَى وِلاَيَةُ الأَْبِ عَلَيْهِ إِِلَى أَنْ يَعْقِل (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِِلَى أَنَّ حَضَانَةَ النِّسَاءِ عَلَى الذَّكَرِ تَسْتَمِرُّ إِِِلَى بُلُوغِهِ وَتَنْقَطِعُ حَضَانَتُهُ بِالْبُلُوغِ وَلَوْ مَرِيضًا أَوْ مَجْنُونًا عَلَى الْمَشْهُورِ. أَمَّا الْحَضَانَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلأُْنْثَى فَتَسْتَمِرُّ إِِِلَى زَوَاجِهَا وَدُخُول الزَّوْجِ بِهَا (٢) . وَقَال ابْنُ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَمَدُ الْحَضَانَةِ عَلَى الذَّكَرِ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلاً غَيْرَ زَمِنٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَسْتَمِرُّ الْحَضَانَةُ عَلَى الْمَحْضُونِ حَتَّى التَّمْيِيزِ ذَكَرًا كَانَ الْمَحْضُونُ أَوْ أُنْثَى، فَإِِذَا بَلَغَ حَدَّ التَّمْيِيزِ - وَقُدِّرَ بِسَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ غَالِبًا - فَإِِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَإِِنِ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا دُفِعَ إِِلَيْهِ، وَإِِذَا عَادَ وَاخْتَارَ الثَّانِيَ نُقِل إِِلَيْهِ، وَهَكَذَا كُلَّمَا تَغَيَّرَ اخْتِيَارُهُ، لأَِنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ حَال الْحَاضِنِ، أَوْ يَتَغَيَّرُ رَأْيُ الْمَحْضُونِ فِيهِ بَعْدَ الاِخْتِيَارِ، إِِلاَّ إِِنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ سَبَبَهُ قِلَّةُ تَمْيِيزِهِ، فَإِِنَّهُ يُجْعَل عِنْدَ الأُْمِّ وَيُلْغَى اخْتِيَارُهُ. وَإِِنِ امْتَنَعَ الْمَحْضُونُ عَنِ الاِخْتِيَارِ فَالأُْمُّ أَوْلَى، لأَِنَّهَا أَشْفَقُ، وَاسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ، وَقِيل:

стр. 10613

يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِِنِ اخْتَارَهُمَا مَعًا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَإِِنِ امْتَنَعَ الْمُخْتَارُ مِنْ كَفَالَتِهِ كَفَلَهُ الآْخَرُ، فَإِِنْ رَجَعَ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا أُعِيدَ التَّخْيِيرُ، وَإِِنِ امْتَنَعَا وَبَعْدَهُمَا مُسْتَحِقَّانِ لِلْحَضَّانَةِ كَجَدٍّ وَجَدَّةٍ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا، وَإِِلاَّ أُجْبِرَ عَلَيْهَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَتَظَل الْوِلاَيَةُ عَلَيْهِ لِمَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ إِِِلَى الْبُلُوغِ. فَإِِنْ بَلَغَ، فَإِِنْ كَانَ غُلاَمًا وَبَلَغَ رَشِيدًا وَلِيَ أَمْرَ نَفْسِهِ لاِسْتِغْنَائِهِ عَمَّنْ يَكْفُلُهُ فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى الإِِْقَامَةِ عِنْدَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَالأَْوْلَى أَنْ لاَ يُفَارِقَهُمَا لِيَبَرَّهُمَا. قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَعِنْدَ الأَْبِ أَوْلَى لِلْمُجَانَسَةِ، نِعْمَ إِِنْ كَانَ أَمْرَدَ أَوْ خِيفَ مِنِ انْفِرَادِهِ فَفِي كِتَابِ الْعُدَّةِ لاِبْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ مُفَارَقَةِ الأَْبَوَيْنِ. وَلَوْ بَلَغَ عَاقِلاً غَيْرَ رَشِيدٍ فَأَطْلَقَ مُطْلِقُونَ أَنَّهُ كَالصَّبِيِّ، وَقَال ابْنُ كَجٍّ: إِِنْ كَانَ لِعَدَمِ إِِصْلاَحِ مَالِهِ فَكَذَلِكَ، وَإِِنْ كَانَ لِدِينِهِ فَقِيل: تُدَامُ حَضَانَتُهُ إِِلَى ارْتِفَاعِ الْحَجْرِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَسْكُنُ حَيْثُ شَاءَ. وَإِِنْ كَانَ أُنْثَى، فَإِِنْ بَلَغَتْ رَشِيدَةً فَالأَْوْلَى أَنْ تَكُونَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا حَتَّى تَتَزَوَّجَ إِِنْ كَانَا مُفْتَرِقَيْنِ، وَبَيْنَهُمَا إِِنْ كَانَا مُجْتَمِعَيْنِ، لأَِنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ التُّهْمَةِ، وَلَهَا أَنْ تَسْكُنَ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، هَذَا إِِذَا لَمْ تَكُنْ رِيبَةٌ، فَإِِنْ كَانَتْ هُنَاكَ رِيبَةٌ فَلِلأُْمِّ إِِسْكَانُهَا مَعَهَا، وَكَذَا لِلْوَلِيِّ مِنَ الْعَصَبَةِ إِِسْكَانُهَا مَعَهُ إِِذَا كَانَ مَحْرَمًا لَهَا، فَإِِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا لَهَا فَيُسْكِنُهَا فِي مَوْضِعٍ لاَئِقٍ بِهَا وَيُلاَحِظُهَا دَفْعًا لِعَارِ النَّسَبِ.

стр. 10614

وَإِِنْ بَلَغَتْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ فَفِيهَا التَّفْصِيل الَّذِي قِيل فِي الْغُلاَمِ. أَمَّا الْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ فَلاَ يُخَيَّرُ وَتَظَل الْحَضَانَةُ عَلَيْهِ لأُِمِّهِ إِِلَى الإِِْفَاقَةِ (١) . وَالْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْغُلاَمِ أَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ حَاضِنَتِهِ حَتَّى يَبْلُغَ سِنَّ السَّابِعَةِ فَإِِنِ اتَّفَقَ أَبَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا جَازَ، لأَِنَّ الْحَقَّ فِي حَضَانَتِهِ إِِلَيْهِمَا، وَإِِنْ تَنَازَعَا خَيَّرَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا، قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ ﵁ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ وَعَلِيٌّ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ وَقَدْ نَفَعَنِي، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ (٢) . وَلأَِنَّهُ إِِذَا مَال إِِلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ دَل عَلَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ وَأَشْفَقُ، وَقَيَّدَ بِالسَّبْعِ لأَِنَّهَا أَوَّل حَال أَمْرِ الشَّرْعِ فِيهَا بِمُخَاطَبَتِهِ بِالصَّلاَةِ، بِخِلاَفِ الأُْمِّ فَإِِنَّهَا قُدِّمَتْ فِي حَال الصِّغَرِ لِحَاجَتِهِ وَمُبَاشَرَةِ

стр. 10615

خِدْمَتِهِ لأَِنَّهَا أَعْرَفُ بِذَلِكَ، قَال ابْنُ عَقِيلٍ: التَّخْيِيرُ إِِنَّمَا يَكُونُ مَعَ السَّلاَمَةِ مِنْ فَسَادٍ، فَإِِنْ عُلِمَ أَنَّهُ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا لِيُمَكِّنَهُ مِنْ فَسَادٍ وَيَكْرَهُ الآْخَرَ لِلتَّأْدِيبِ لَمْ يُعْمَل بِمُقْتَضَى شَهْوَتِهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ إِِضَاعَةٌ لَهُ. وَيَكُونُ الْغُلاَمُ عِنْدَ مَنْ يَخْتَارُ فَإِِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الآْخَرَ نُقِل إِِلَيْهِ، وَإِِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الأَْوَّل رُدَّ إِِلَيْهِ هَكَذَا أَبَدًا، لأَِنَّ هَذَا اخْتِيَارُ تَشَهٍّ، وَقَدْ يَشْتَهِي أَحَدَهُمَا فِي وَقْتٍ دُونَ آخَرَ فَاتُّبِعَ بِمَا يَشْتَهِيهِ، فَإِِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَحَدَهُمَا أَوِ اخْتَارَهُمَا مَعًا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، لأَِنَّهُ لاَ مَزِيَّةَ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، ثُمَّ إِِنِ اخْتَارَ غَيْرَ مَنْ قُدِّمَ بِالْقُرْعَةِ رُدَّ إِِلَيْهِ، وَلاَ يُخَيَّرُ إِِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْحَضَانَةِ، لأَِنَّ مَنْ لَيْسَ أَهْلاً لِلْحَضَانَةِ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. وَإِِلاَّ اخْتَارَ أَبَاهُ ثُمَّ زَال عَقْلُهُ رُدَّ إِِلَى الأُْمِّ لِحَاجَتِهِ إِِلَى مَنْ يَتَعَهَّدُهُ كَالصَّغِيرِ وَبَطَل اخْتِيَارُهُ، لأَِنَّهُ لاَ حُكْمَ لِكَلاَمِهِ. أَمَّا الأُْنْثَى فَإِِنَّهَا إِِذَا بَلَغَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَلاَ تُخَيَّرُ وَإِِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ الأَْبِ وُجُوبًا إِِلَى الْبُلُوغِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ تَكُونُ عِنْدَهُ أَيْضًا إِِلَى الزِّفَافِ وُجُوبًا، وَلَوْ تَبَرَّعَتِ الأُْمُّ بِحَضَانَتِهَا، لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْحَضَانَةِ الْحِفْظُ، وَالأَْبُ أَحْفَظُ لَهَا، وَإِِنَّمَا تُخْطَبُ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ تَحْتَ نَظَرِهِ لِيُؤْمَنَ عَلَيْهَا مِنْ دُخُول الْفَسَادِ لِكَوْنِهَا مُعَرَّضَةً لِلآْفَاتِ لاَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا لِلاِنْخِدَاعِ لِغِرَّتِهَا. وَالْمَعْتُوهُ وَلَوْ أُنْثَى يَكُونُ عِنْدَ أُمِّهِ وَلَوْ بَعْدَ

стр. 10616

الْبُلُوغِ لِحَاجَتِهِ إِِلَى مَنْ يَخْدُمُهُ وَيَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَالنِّسَاءُ أَعْرَفُ بِذَلِكَ (١) . رُؤْيَةُ الْمَحْضُونِ . ٢٠ - لِكُلٍّ مِنْ أَبَوَيِ الْمَحْضُونِ إِِذَا افْتَرَقَا حَقُّ رُؤْيَتِهِ وَزِيَارَتِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي بَعْضِ التَّفَاصِيل. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمَحْضُونَ إِِنْ كَانَ أُنْثَى فَإِِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ حَاضِنِهَا - أُمًّا أَوْ أَبًا - لَيْلاً وَنَهَارًا، لأَِنَّ تَأْدِيبَهَا وَتَعْلِيمَهَا يَكُونُ دَاخِل الْبَيْتِ وَلاَ حَاجَةَ بِهَا إِِلَى الإِِْخْرَاجِ، وَلاَ يُمْنَعُ أَحَدُ الأَْبَوَيْنِ مِنْ زِيَارَتِهَا عِنْدَ الآْخَرِ، لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ حَمْلٌ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَلاَ يُطِيل الزَّائِرُ الْمُقَامَ، لأَِنَّ الأُْمَّ بِالْبَيْنُونَةِ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، وَالْوَرَعُ إِِذَا زَارَتِ الأُْمُّ ابْنَتَهَا أَنْ تَتَحَرَّى أَوْقَاتِ خُرُوجِ أَبِيهَا إِِلَى مَعَاشِهِ. وَإِِذَا لَمْ يَأْذَنْ زَوْجُ الأُْمِّ بِدُخُول الأَْبِ أَخْرَجَتْهَا إِِلَيْهِ لِيَرَاهَا، وَيَتَفَقَّدَ أَحْوَالَهَا، وَإِِذَا بَخِل الأَْبُ بِدُخُول الأُْمِّ إِِلَى مَنْزِلِهِ أَخْرَجَهَا إِِلَيْهَا لِتَرَاهَا، وَلَهُ مَنْعُ الْبِنْتِ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهَا إِِذَا خُشِيَ الضَّرَرُ حِفْظًا لَهَا. وَالزِّيَارَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَكُونُ مَرَّةً كُل يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ لاَ فِي كُل يَوْمٍ. وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَزُورَهَا كُل يَوْمٍ إِِذَا كَانَ الْبَيْتُ قَرِيبًا كَمَا قَال الْمَاوَرْدِيُّ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَكُونُ

стр. 10617

الزِّيَارَةُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَالْيَوْمِ فِي الأُْسْبُوعِ. وَإِِنْ كَانَ الْمَحْضُونُ ذَكَرًا، فَإِِنْ كَانَ عِنْدَ أَبِيهِ كَانَ عِنْدَهُ لَيْلاً وَنَهَارًا، وَلاَ يَمْنَعُهُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ، لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إِِغْرَاءٌ بِالْعُقُوقِ وَقَطْعِ الرَّحِمِ، وَلاَ يُكَلِّفُ الأُْمَّ الْخُرُوجَ لِزِيَارَتِهِ، وَالْوَلَدُ أَوْلَى مِنْهَا بِالْخُرُوجِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ. وَلَوْ أَرَادَتِ الأُْمُّ زِيَارَتَهُ فَلاَ يَمْنَعُهَا الأَْبُ مِنْ ذَلِكَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطْعِ الرَّحِمِ، لَكِنْ لاَ تُطِيل الْمُكْثَ، وَإِِنْ بَخِل الأَْبُ بِدُخُولِهَا إِِلَى مَنْزِلِهِ أَخْرَجَهُ إِِلَيْهَا، وَالزِّيَارَةُ تَكُونُ مَرَّةً كُل يَوْمَيْنِ فَأَكْثَر، فَإِِنْ كَانَ مَنْزِل الأُْمِّ قَرِيبًا فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَزُورَهَا الاِبْنُ كُل يَوْمٍ، كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَكَمَا سَبَقَ تَكُونُ الزِّيَارَةُ كُل أُسْبُوعٍ. وَإِِنْ كَانَ الْمَحْضُونُ الذَّكَرُ عِنْدَ أُمِّهِ كَانَ عِنْدَهَا لَيْلاً، وَعِنْدَ الأَْبِ نَهَارًا لِتَعْلِيمِهِ وَتَأْدِيبِهِ. وَإِِنْ مَرِضَ الْوَلَدُ كَانَتِ الأُْمُّ أَحَقَّ بِالتَّمْرِيضِ فِي بَيْتِ الأَْبِ إِِنْ كَانَ عِنْدَهُ وَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَإِِلاَّ فَفِي بَيْتِهَا يَكُونُ التَّمْرِيضُ، وَهَذَا كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَكُونُ التَّمْرِيضُ فِي بَيْتِهَا وَيَزُورُهُ الأَْبُ إِِنْ كَانَ التَّمْرِيضُ عِنْدَ الأُْمِّ مَعَ الاِحْتِرَازِ مِنَ الْخَلْوَةِ. وَإِِنْ مَرِضَ أَحَدُ الأَْبَوَيْنِ وَالْوَلَدُ عِنْدَ الآْخَرِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ عِيَادَتِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى. وَإِِنْ مَرِضَتِ الأُْمُّ لَزِمَ الأَْبَ أَنْ يُمَكِّنَ الأُْنْثَى مِنْ تَمْرِيضِهَا إِِنْ أَحْسَنَتْ ذَلِكَ، بِخِلاَفِ الذَّكَرِ

стр. 10618

لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ ذَلِكَ وَإِِنْ أَحْسَن التَّمْرِيضَ، وَذَلِكَ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ (١) . وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِِنَّ الْوَلَدَ مَتَى كَانَ عِنْدَ أَحَدِ الأَْبَوَيْنِ فَلاَ يُمْنَعُ الآْخَرُ مِنْ رُؤْيَتِهِ إِِلَيْهِ وَتَعَهُّدِهِ إِِنْ أَرَادَ ذَلِكَ. وَلاَ يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى إِِرْسَالِهِ إِِلَى مَكَانِ الآْخَرِ، بَل يُخْرِجُهُ كُل يَوْمٍ إِِلَى مَكَان يُمْكِنُ لِلآْخَرِ أَنْ يَرَاهُ فِيهِ (٢) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِِنْ كَانَ الْمَحْضُونُ عِنْدَ الأُْمِّ فَلاَ تَمْنَعُهُ مِنَ الذَّهَابِ إِِلَى أَبِيهِ يَتَعَهَّدُهُ وَيُعَلِّمُهُ، ثُمَّ يَأْوِي إِِلَى أُمِّهِ يَبِيتُ عِنْدَهَا. وَإِِنْ كَانَ عِنْدَ الأَْبِ فَلَهَا الْحَقُّ فِي رُؤْيَتِهِ كُل يَوْمٍ فِي بَيْتِهَا لِتَفَقُّدِ حَالِهِ. وَلَوْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً مِنْ أَجْنَبِيٍّ مِنَ الْمَحْضُونِ فَلاَ يَمْنَعُهَا زَوْجُهَا مِنْ دُخُول وَلَدِهَا فِي بَيْتِهَا، وَيُقْضَى لَهَا بِذَلِكَ إِِنْ مَنَعَهَا (٣) .

стр. 10619

حَطِيطَةٌ انْظُرْ: (وَضِيعَةٌ) . حَطِيمٌ انْظُرْ: (حَجَرٌ) .

стр. 10620

حَظْرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي الْحَظْرِ فِي اللُّغَةِ: الْحَبْسُ، وَالْحَجْرُ، وَالْحِيَازَةُ، وَالْمَنْعُ، وَهُوَ خِلاَفُ الإِِْبَاحَةِ، وَالْمَحْظُورُ هُوَ الْمَمْنُوعُ (١) . وَأَمَّا الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ فَلاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ إِِلاَّ أَنْ يُقَال: الْمَحْظُورُ هُوَ الْمَمْنُوعُ شَرْعًا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا، وَقَصَرَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُحَرَّمِ فَقَطْ. قَال الْجُرْجَانِيِّ: الْمَحْظُورُ مَا يُثَابُ بِتَرْكِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ. وَمِثْل هَذَا مَا قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ: فَقَدْ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ مَا يُذَمُّ شَرْعًا فَاعِلُهُ (٢) . وَأَمَّا الْمَحْظُورُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ فَقَدْ عَرَّفَهُ. الآْمِدِيُّ بِأَنَّهُ مَا يَنْتَهِضُ فِعْلُهُ سَبَبًا لِلذَّمِّ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ لَهُ، فَالْقَيْدُ الأَْوَّل فَاصِلٌ لَهُ عَنِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَسَائِرِ

стр. 10621

الأَْحْكَامِ، وَالثَّانِي فَاصِلٌ لَهُ عَنِ الْمُخَيَّرِ، وَالثَّالِثُ أَصْلٌ لَهُ عَنِ الْمُبَاحِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ فِعْلُهُ تَرْكَ وَاجِبٍ، فَإِِنَّهُ يُذَمُّ عَلَيْهِ لَكِنْ لاَ مِنْ جِهَةِ فِعْلِهِ بَل لِمَا لَزِمَهُ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَالْحَظْرِ فَهُوَ خِطَابُ الشَّارِعِ بِمَا فِعْلُهُ سَبَبٌ لِلذَّمِّ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلُهُ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَمَعْصِيَةٌ، وَذَنْبٌ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّحْرِيمُ: ٢ - التَّحْرِيمُ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِمَنْعِ الْمُكَلَّفِ مِنْ فِعْل الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ عَلَى تَرْكِهِ وَالْعِقَابَ عَلَى فِعْلِهِ. وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْحَظْرِ وَالتَّحْرِيمِ فَيَكُونَانِ مُتَرَادِفَيْنِ ب - كَرَاهِيَةٌ: ٣ - الْكَرَاهِيَةُ هِيَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِنَهْيِ الْمُكَلَّفِ عَنِ الْفِعْل بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ عَلَى التَّرْكِ وَلاَ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَى الْفِعْل، وَإِِنْ كَانَ قَدْ يُلاَمُ عَلَيْهِ. وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَخَصُّ مِنَ الْحَظْرِ، لأَِنَّ الْحَظْرَ يَتَنَاوَل الْكَرَاهِيَةَ، وَالتَّحْرِيمُ عَامٌّ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَوْ يَتَنَاوَل التَّحْرِيمَ فَقَطْ

стр. 10622

عِنْدَ بَعْضِهِمْ فَيَكُونُ بِهَذَا التَّقْدِيمِ قَسِيمًا لِلْحَظْرِ (١) . الآْثَارُ الأُْصُولِيَّةُ وَالْفِقْهِيَّةُ: أ - الآْثَارُ الأُْصُولِيَّةُ: ٤ - سَبَقَ أَنَّ الْحَظْرَ وَالْمَحْظُورَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَمِنْ أَسْمَاءِ الْمَحْظُورِ عِنْدَهُمْ مُحَرَّمٌ وَمَعْصِيَةٌ وَذَنْبٌ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ الآْمِدِيُّ ثَلاَثَ مَسَائِل: الأُْولَى: فِي جَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُحَرَّمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ لاَ بِعَيْنِهِ وَالْخِلاَفُ فِيهَا مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ. وَالثَّانِيَةُ: فِي اسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْوُجُوبِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالثَّالِثَةُ: فِي أَنَّ الْمُحَرَّمَ بِوَصْفِهِ مُضَادٌّ لِوُجُوبِ أَصْلِهِ وَالْخِلاَفُ فِيهَا بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. ب - الآْثَارُ الْفِقْهِيَّةُ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٥ - يُعْتَبَرُ مُصْطَلَحُ حَظْرٍ مِنَ النَّاحِيَةِ الْفِقْهِيَّةِ مُقَسَّمًا لِمَا اسْتُخْرِجَ مِنْ مُصْطَلَحَاتٍ أَصْلِيَّةٍ كَمُصْطَلَحِ: نَظَرٍ، وَلَمْسٍ، وَلِبَاسٍ، وَغَيْرِهَا. وَالنَّاظِرُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ يَجِدُ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَفْرَدُوا

стр. 10623

فِي كُتُبِهِمْ قِسْمًا خَاصًّا ذَكَرُوا فِيهِ أَحْكَامًا تَنَاوَلَتِ الْكَثِيرَ مِنْ مَسَائِل الْفِقْهِ، فَإِِنَّ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ وَالْمَسِّ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ حُكْمَ نَظَرِ الرَّجُل إِِلَى الرَّجُل، وَالْمَرْأَةِ إِِلَى الْمَرْأَةِ، وَالرَّجُل إِِلَى الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةِ إِِلَى الرَّجُل، وَمَا يَتَّصِل بِذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسِّ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِاللُّبْسِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ وَمَا لاَ يُكْرَهُ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِاسْتِعْمَال الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ فِي الآْنِيَةِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْهُمَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْكْل وَمَرَاتِبِهِ وَمَا يَتَّصِل بِذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْهَدَايَا وَالضِّيَافَاتِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنَثْرِ الدَّرَاهِمِ وَالسُّكْرِ وَمَا يَتَّصِل بِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْحْكَامِ الَّتِي تَعُودُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ كَدُخُولِهِمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ سَائِرَ الْمَسَاجِدِ، وَدُخُول الْمُسْلِمِينَ إِِلَى بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَسْبِ وَبَيَانِ أَنْوَاعِهِ، وَأَسْبَابِهِ، وَبَيَانِ الأَْفْضَل مِنْهَا، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمَقَابِرِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغِنَاءِ وَاللَّهْوِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّدَاوِي وَالْمُعَالَجَاتِ وَفِيهِ الْعَزْل وَإِِسْقَاطُ الْوَلَدِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِتَانِ وَالْخِصَاءِ، وَقَلْمِ الأَْظْفَارِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَحَلْقِ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا، وَوَصْلِهَا شَعْرَ غَيْرِهَا، وَمَا يَتَّصِل بِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالزِّينَةِ وَاِتِّخَاذِ الْخَادِمِ لِلْخِدْمَةِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يَسَعُ مِنْ جِرَاحَاتِ بَنِي آدَمَ وَالْحَيَوَانَاتِ، وَقَتْل الْحَيَوَانَاتِ، وَمَا لاَ يَسَعُ مِنْ

стр. 10624

ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَسْمِيَةِ الأَْوْلاَدِ وَكُنَاهُمْ وَالْعَقِيقَةِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغِيبَةِ وَالْحَسَدِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْمَدْحِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِدُخُول الْحَمَّامِ لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَال وَمَا يَتَّصِل بِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْعِ وَالاِسْتِيَامِ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّجُل الَّذِي يَخْرُجُ إِِلَى السَّفَرِ فَيَمْنَعُهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوِ الدَّائِنُ، وَفِي سَفَرِ الْمَرْأَةِ وَمَنْعِ زَوْجِهَا لَهَا، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَرْضِ وَالدَّيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُلاَقَاةِ الْمُلُوكِ وَالتَّوَاضُعِ لَهُمْ، وَتَقْبِيل أَيْدِيهِمْ أَوْ يَدِ غَيْرِهِمْ، وَتَقْبِيل الرَّجُل وَجْهَ غَيْرِهِ وَمَا يَتَّصِل بِذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالاِنْتِفَاعِ بِالأَْشْيَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَمَسَائِل أُخْرَى مُتَفَرِّقَةٌ. وَالْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَبِالرَّجُل الَّذِي رَأَى رَجُلاً يَقْتُل أَبَاهُ وَمَا يَتَّصِل بِهِ، وَبِالصَّلاَةِ، وَبِالتَّسْبِيحِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَبِآدَابِ الْمَسْجِدِ، وَالْقِبْلَةِ وَالْمُصْحَفِ، وَمَا كُتِبَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ نَحْوُ الدَّرَاهِمِ وَالْقِرْطَاسِ أَوْ كُتِبَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِالْمُسَابَقَةِ وَالسَّلاَمِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ. هَذَا وَالْحَنَفِيَّةُ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى اسْمٍ مُعَيَّنٍ يُطْلِقُونَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقِسْمِ الَّذِي ذَكَرُوا فِيهِ تِلْكَ الأَْحْكَامَ فَبَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَمُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَالْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ يُلَقِّبُونَهُ بِكِتَابِ الْحَظْرِ وَالإِِْبَاحَةِ. وَبَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الْمَبْسُوطِ وَصَاحِبِ

стр. 10625

الْبَدَائِعِ يُلَقِّبُونَهُ بِكِتَابِ الاِسْتِحْسَانِ، وَبَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الْكَنْزِ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَصَاحِبِ الاِخْتِيَارِ وَصَاحِبِ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ يُلَقِّبُونَهُ بِكِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ. وَسَبَبُ هَذَا الْخِلاَفِ كَمَا جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ هُوَ أَنَّ الْمَسَائِل الَّتِي تُذْكَرُ فِيهِ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلُقِّبَ بِذَلِكَ، لِمَا يُوجَدُ فِي عَامَّةِ مَسَائِلِهِ مِنَ الْكَرَاهِيَةِ وَالْحَظْرِ وَالإِِْبَاحَةِ وَالاِسْتِحْسَانِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَلَقَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِكِتَابِ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، لأَِنَّ فِيهِ كَثِيرًا مِنَ الْمَسَائِل أَطْلَقَهَا الشَّرْعُ، وَالزُّهْدُ وَالْوَرَعُ تَرْكُهَا (١) . وَأَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَإِِنَّهُمْ ذَكَرُوا تِلْكَ الْمَسَائِل فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ وَلَمْ يُفْرِدُوا لَهَا قِسْمًا مُسْتَقِلًّا، وَمِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْمِثَال النَّظَرُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الرُّؤْيَا، فَإِِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَحْكَامَهُ فِي عَدَدٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ، فَالْمَالِكِيَّةُ ذَكَرُوا تِلْكَ الأَْحْكَامَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. وَفِي شَرَائِطِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَفِي النِّكَاحِ، وَفِي تَحَمُّل الشَّهَادَةِ.

стр. 10626

وَالشَّافِعِيَّةُ ذَكَرُوا تِلْكَ الأَْحْكَامَ فِي النِّكَاحِ وَفِي الشَّهَادَاتِ. وَذَكَرَهَا الْحَنَابِلَةُ فِي النِّكَاحِ (١) . وَالتَّفْصِيل مَحَلُّهُ الْمُصْطَلَحَاتُ الْخَاصَّةُ بِتِلْكَ الْمَسَائِل.

стр. 10627

حِفْظٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحِفْظُ لُغَةً: مِنْ حَفِظَ الشَّيْءَ حِفْظًا إِِذَا مَنَعَهُ مِنَ الضَّيَاعِ وَالتَّلَفِ. وَيَأْتِي بِمَعْنَى التَّعَاهُدِ وَقِلَّةِ الْغَفْلَةِ، يُقَال حَفِظَ الْقُرْآنَ إِِذَا وَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحِفْظِ: ٢ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْحِفْظِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ مَا يُضَافُ إِِلَيْهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: حِفْظُ مَا يُقْرَأُ فِي الصَّلاَةِ: ٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَإِِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قِرَاءَتَهَا فَيَلْزَمُهُ كَسْبُ الْقُدْرَةِ إِِمَّا بِالتَّعَلُّمِ أَوِ التَّوَسُّل إِِلَى مُصْحَفٍ يَقْرَؤُهَا مِنْهُ،

стр. 10628

سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ أَوِ الاِسْتِئْجَارِ أَوِ الاِسْتِعَارَةِ، فَإِِنْ كَانَ بِاللَّيْل أَوْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ فَعَلَيْهِ تَحْصِيل الإِِْضَاءَةِ، فَلَوِ امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ الإِِْمْكَانِ فَعَلَيْهِ إِِعَادَةُ كُل صَلاَةٍ صَلاَّهَا إِِلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى قِرَاءَتِهَا مِنْ حِفْظِهِ، أَوْ مِنْ مُصْحَفٍ، أَوْ عَنْ طَرِيقِ التَّلْقِينِ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ تَتَعَيَّنُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاَةِ إِِلاَّ رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ، فَإِِنْ جَهِل الْمُصَلِّي الْفَاتِحَةَ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا فَسَبْعُ آيَاتٍ، فَإِِنْ عَجَزَ أَتَى بِذِكْرٍ، فَإِِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا وَقَفَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ إِِلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ عَجَزَ عَنْهَا، وَاخْتَارَ ابْنُ سَحْنُونٍ أَنْ يُبَدَّل الذِّكْرُ بِذَلِكَ (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِِلَى أَنَّهُ تُجْزِئُ قِرَاءَةُ آيَةٍ طَوِيلَةٍ أَوْ ثَلاَثِ آيَاتٍ قِصَارٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَأَنَّ الْفَاتِحَةَ لاَ تَتَعَيَّنُ، وَأَنَّهُ يُفْرَضُ عَيْنًا عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ بِعَيْنِهِ حِفْظُ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِتَكُونَ صَلاَتُهُ صَحِيحَةً، كَمَا ذَهَبَ

стр. 10629

الْحَنَفِيَّةُ إِِلَى وُجُوبِ حِفْظِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ أُخْرَى عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، لأَِنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ وَاجِبَاتِهَا وَلَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَكَذَلِكَ السُّورَةُ وَإِِنْ كَانَتْ أَقْصَرَ سُوَرِ الْقُرْآنِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ ثَلاَثِ آيَاتٍ قِصَارٍ (١) . حُكْمُ تَقْدِيمِ الأَْحْفَظِ لِلْقُرْآنِ لإِِِمَامَةِ الصَّلاَةِ: ٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُقَدَّمُ لإِِِمَامَةِ الصَّلاَةِ: الأَْحْفَظُ أَمِ الأَْفْقَهُ؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِِلَى أَنَّ الأَْفْقَهَ: أَيِ الأَْعْلَمَ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى بِالإِِْمَامَةِ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الأَْقْرَأِ وَإِِنْ كَانَ حَافِظًا لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ إِِذَا كَانَ الأَْفْقَهُ يَحْفَظُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلاَةُ مِنَ الْقُرْآنِ، لأَِنَّ الْحَاجَةَ إِِلَى الْفِقْهِ أَهَمُّ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ مَحْصُورًا وَالْحَوَادِثُ فِيهَا لاَ تَنْحَصِرُ فَيَفْتَقِرُ إِِلَى الْعِلْمِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ تَدَارُكِ مَا عَسَى أَنْ يَعْرِضَ فِيهَا مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُخْتَلِفَةِ. وَلأَِنَّ " النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فِي إِِمَامَةِ الصَّلاَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ (٢) "، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ أَحْفَظَ مِنْهُ لِلْقُرْآنِ

стр. 10630

الْكَرِيمِ لِكَوْنِهِ أَفْقَهَهُمْ جَمِيعًا (١) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِِلَى أَنَّ الأَْقْرَأَ وَالأَْحْفَظَ أَوْلَى بِالإِِْمَامَةِ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الأَْفْقَهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا (٢) . وَقَوْلُهُ ﷺ : إِِذَا كَانُوا ثَلاَثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَأَحَقُّهُمْ بِالإِِْمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ (٣) . وَقَوْلُهُ ﷺ : لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا (٤) . الْوَقْفُ وَالْوَصِيَّةُ عَلَى حُفَّاظِ الْقُرْآنِ: ٥ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْقُرَّاءِ، أَوْ أَهْل الْقُرْآنِ أَوِ الْوَصِيَّةَ لَهُمْ تُصْرَفُ لِحُفَّاظِ كُل الْقُرْآنِ عَنْ ظَهْرِ الْغَيْبِ، وَلاَ يَدْخُل فِيهِمُ الْقُرَّاءُ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ مِنَ الْمُصْحَفِ.

стр. 10631

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ كَذَلِكَ إِِلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْقُرَّاءِ أَوْ أَهْل الْقُرْآنِ الآْنَ أَوَالْوَصِيَّةَ لَهُمْ يُصْرَفُ لِحُفَّاظِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ. أَمَّا فِي الصَّدْرِ الأَْوَّل فَكَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْقُرَّاءِ أَوْ أَهْل الْقُرْآنِ أَوِ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ يُصْرَفُ لِلْفُقَهَاءِ لأَِنَّ الأَْقْرَأَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ فَقِيهًا لِتَلَقِّيهمُ الْقُرْآنَ بِمَعَانِيهِ وَأَحْكَامِهِ (١) . حُكْمُ جَعْل تَحْفِيظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ صَدَاقًا: ٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ جَعْل تَحْفِيظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ صَدَاقًا لِلْمَرْأَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِِلَى عَدَمِ جَوَازِ جَعْل تَحْفِيظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ صَدَاقًا لِلْمَرْأَةِ، لأَِنَّ الْفُرُوجَ لاَ تُسْتَبَاحُ إِِلاَّ بِالأَْمْوَال لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِل لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٢) وَلأَِنَّ تَحْفِيظَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ إِِلاَّ قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِِلَى جَوَازِ جَعْل تَحْفِيظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ صَدَاقًا لِلْمَرْأَةِ " لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ رَجُلاً امْرَأَةً بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ

стр. 10632

بِقَوْلِهِ ﷺ : أَمْلَكْنَاكَهَا بِمَا مَعَك مِنَ الْقُرْآنِ (١) . ثُمَّ إِِنَّ الذَّاهِبِينَ إِِلَى جَوَازِ ذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَا يُحَفِّظُهَا إِِيَّاهُ مِنَ السُّوَرِ وَالآْيَاتِ، لأَِنَّ السُّوَرَ وَالآْيَاتِ تَخْتَلِفُ، كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ تَحْفِيظِهَا لِلْقَدْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ وَالآْيَاتِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَل يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ الَّتِي يُعَلِّمُهَا وَفْقًا لَهَا أَمْ لاَ؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ لأَِنَّ كُل قِرَاءَةٍ تَنُوبُ مَنَابَ الْقِرَاءَةِ الأُْخْرَى، " وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُعَيِّنْ لِلْمَرْأَةِ قِرَاءَةً مُعَيَّنَةً " وَقَدْ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْقِرَاءَةِ أَشَدَّ مِنِ اخْتِلاَفِ الْقُرَّاءِ الْيَوْمَ. فَيُعَلِّمُهَا مَا شَاءَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ. وَيَرَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَجِبُ تَعْيِينُ قِرَاءَةٍ بِعَيْنِهَا لأَِنَّ الأَْغْرَاضَ تَخْتَلِفُ، وَالْقِرَاءَاتِ كَذَلِكَ تَخْتَلِفُ، فَمِنْهَا صَعْبٌ وَمِنْهَا سَهْلٌ، وَنُقِل عَنِ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُعَلِّمُهَا مَا غَلَبَ عَلَى قِرَاءَةِ أَهْل الْبَلَدِ، وَإِِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَغْلَبُ عَلَّمَهَا مَا شَاءَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ، وَهَذَا إِِذَا لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى قِرَاءَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَمَّا إِِذَا اتَّفَقُوا عَلَى قِرَاءَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحَفِّظَهَا هَذِهِ الْقِرَاءَةَ، فَإِِنْ خَالَفَ

стр. 10633

وَعَلَّمَهَا قِرَاءَةً أُخْرَى غَيْرَهَا فَمُتَطَوِّعٌ وَيَلْزَمُهُ تَعْلِيمُهَا الْقِرَاءَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا عَمَلاً بِالشَّرْطِ. ٧ - وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ جَعْل تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَدَاقًا فِيمَا لَوْ أَصْدَقَ زَوْجَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ تَعْلِيمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِِلَى جَوَازِ ذَلِكَ إِِذَا كَانَ يَتَوَقَّعُ إِِسْلاَمَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾ (١) أَمَّا إِِذَا لَمْ يَتَوَقَّعْ إِِسْلاَمَهَا فَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِِلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إِِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ (٢) وَذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ فَالتَّحْفِيظُ أَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْل (٣) . حُكْمُ حِفْظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِِلَى أَنَّ حِفْظَ مَا عَدَا الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً مَعَهَا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً أَنْ يُوجَدَ

стр. 10634

بَيْنَهُمْ عَدَدٌ كَافٍ يَسْقُطُ بِهِمُ الْفَرْضُ فَإِِذَا لَمْ يُوجَدْ بَيْنَهُمْ هَذَا الْعَدَدُ أَثِمَ الْجَمِيعُ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (صَلاَةٌ، وَقِرَاءَةٌ، وَقُرْآنٌ.) . حِفْظُ الْوَدِيعَةِ: ٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِِلَى أَنَّ الْوَدِيعَةَ - وَهِيَ عَقْدُ اسْتِنَابَةِ حِفْظِ الْمَال - تُوجِبُ عَلَى الْمُودِعِ أَنْ يَحْفَظَ الْمَال فِي حِرْزِ مِثْلِهِ، وَأَنْ لاَ يُخَالِفَ فِي كَيْفِيَّةِ الْحِفْظِ عَنْ أَمْرِ صَاحِبِ الْمَال، وَأَنْ لاَ يَضَعَ الْمَال فِي يَدٍ ثَالِثَةٍ بِدُونِ إِِذْنِ صَاحِبِهِ إِِلاَّ لِلضَّرُورَةِ. وَأَنْ لاَ يَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِ الْحِفْظِ مِنْ غَيْرِ إِِذْنِ صَاحِبِهِ إِِلاَّ لِلضَّرُورَةِ كَذَلِكَ. وَأَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ، فَإِِذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ أَوْ تَعَدٍّ مِنَ الْمُودَعِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ ضَمَانٌ (٢) . وَلأَِنَّ الْمُسْتَوْدَعَ إِِنَّمَا يَحْفَظُهَا لِصَاحِبِهَا مُتَبَرِّعًا مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَزِمَهُ الضَّمَانُ

стр. 10635

لاَمْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُول الْوَدَائِعِ، وَذَلِكَ مُضِرٌّ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِِلَيْهَا، فَإِِنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَى جَمِيعِهِمْ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ، فَأَمَّا إِِذَا تَلِفَتِ الْوَدِيعَةُ بِتَفْرِيطٍ أَوْ تَعَدٍّ مِنَ الْمُودَعِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (وَدِيعَةٌ وَضَمَانٌ) .

стр. 10636

حَفِيدٌ التَّعْرِيفُ: ١ - أَصْل الْحَفْدِ فِي اللُّغَةِ: الْخِدْمَةُ، وَالْعَمَل، وَالْحَفَدَةُ: الأَْعْوَانُ وَالْخَدَمُ، وَوَاحِدُهُمْ " حَافِدٌ " قَال ابْنُ عَرَفَةَ: الْحَفَدَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الأَْعْوَانُ، فَكُل مَنْ عَمِل عَمَلاً أَطَاعَ فِيهِ أَمْرًا وَسَارَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ حَافِدٌ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى الدُّعَاءُ الْمَأْثُورُ: وَإِِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ (١) أَيْ إِِلَى طَاعَتِكَ نُسْرِعُ. قَال عِكْرِمَةُ: الْحَفَدَةُ مَنْ خَدَمَكَ مِنْ وَلَدِكَ، وَوَلَدِ وَلَدِكَ. وَقَال الأَْزْهَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَل لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (٢) إِِنَّ الْحَفَدَةَ أَوْلاَدُ الأَْوْلاَدِ، قَال الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ بَل نَصُّهُ (٣) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْحَفِيدُ هُوَ وَلَدُ الْوَلَدِ (٤) .

стр. 10637

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: السِّبْطُ: ٢ - السِّبْطُ: يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ قَال الْعَسْكَرِيُّ: وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل السِّبْطُ فِي وَلَدِ الْبِنْتِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى وَلَدِ الْبِنْتِ، وَمِنْهُ قِيل لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄ سِبْطَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا وَلَدُ الاِبْنِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ لَفْظُ الْحَفِيدِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُطْلَقُ كُلٌّ مِنَ الْحَفِيدِ وَالسِّبْطِ عَلَى وَلَدِ الاِبْنِ وَوَلَدِ الْبِنْتِ (١) . النَّافِلَةُ: ٣ - النَّافِلَةُ فِي اللُّغَةِ الزِّيَادَةُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ (٢) أَيْ زِيَادَةً لأَِنَّهُ دَعَا فِي إِِسْحَاقَ، وَزِيدَ يَعْقُوبَ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ فَكَانَ ذَلِكَ نَافِلَةً، أَيْ زِيَادَةً عَلَى مَا سَأَل، إِِذْ قَال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) وَيُقَال: لِوَلَدِ الْوَلَدِ نَافِلَةٌ، لأَِنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْوَلَدِ (٤) . وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ كَذَلِكَ وَلَدُ الْوَلَدِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.

стр. 10638

الْحُكْمُ الإِِْجْمَالِيُّ: ٤ - الْحَفِيدُ الَّذِي هُوَ ابْنُ الاِبْنِ مِنَ الْعَصَبَاتِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَيُنَزَّل مَنْزِلَةَ الاِبْنِ لِلصُّلْبِ عِنْدَ فَقْدِهِ، وَيَعْصِبُ أَخَوَاتِهِ وَبَنَاتِ أَعْمَامِهِ اللاَّتِي فِي دَرَجَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ يَعْصِبُ مَنْ فَوْقَهُ مِنْ عَمَّاتِهِ إِِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مِنْ فَرْضِ الْبَنَاتِ شَيْءٌ (ر: ابْنُ الاِبْنِ) . أَمَّا ابْنُ الْبِنْتِ فَهُوَ حَفِيدٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ فِي الْمِيرَاثِ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ، وَلَهُمْ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ (ر: إِِرْثٌ. وَصِيَّةٌ. وَقْفٌ. أَرْحَامٌ) . وَالْحَفِيدَةُ: بِنْتُ الاِبْنِ، تُنَزَّل مَنْزِلَةَ الْبِنْتِ عِنْدَ عَدَمِ الْبِنْتِ، وَتَرِثُ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ، وَتُحْجَبُ بِابْنِ الصُّلْبِ، وَبِالْبِنْتَيْنِ فَأَكْثَر، وَيَعْصِبُهَا أَخُوهَا، وَابْنُ أَخِيهَا، وَابْنُ عَمِّهَا الَّذِي هُوَ فِي دَرَجَتِهَا أَوْ أَنْزَل مِنْهَا، (ر: بِنْتُ الاِبْنِ) . . دُخُول الْحَفَدَةِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَْوْلاَدِ: ٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِِلَى أَنَّهُ يَدْخُل أَوْلاَدُ الْبَنِينَ دُونَ أَوْلاَدِ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَْوْلاَدِ (١) .

стр. 10639

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِِلَى أَنَّ الْحَفَدَةَ لاَ يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَْوْلاَدِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَقْفٌ) .

стр. 10640

حِقْدٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحِقْدُ مِنْ مَعَانِيهِ: الضَّغَنُ وَالاِنْطِوَاءُ عَلَى الْبَغْضَاءِ، وَإِمْسَاكُ الْعَدَاوَةِ فِي الْقَلْبِ، وَالتَّرَبُّصُ لِفُرْصَتِهَا، أَوْ سُوءُ الظَّنِّ فِي الْقَلْبِ عَلَى الْخَلاَئِقِ لأَِجْل الْعَدَاوَةِ، أَوْ طَلَبُ الاِنْتِقَامِ. وَتَحْقِيقُ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْغَضَبَ إذَا لَزِمَ كَظْمُهُ لِعَجْزٍ عَنِ التَّشَفِّي فِي الْحَال رَجَعَ إلَى الْبَاطِنِ وَاحْتَقَنَ فِيهِ فَصَارَ حِقْدًا (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْحَسَدُ: ٢ - الْحَسَدُ أَحَدُ ثِمَارِ الْحِقْدِ وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: تَمَنِّي الْحَاسِدِ أَنْ تَزُول إلَيْهِ نِعْمَةُ الْمَحْسُودِ، أَوْ أَنْ يُسْلَبَهَا. وَهَذَا مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ. وَيَقُول ابْنُ جُزَيٍّ: مَعْنَاهُ تَأَلُّمُ الْقَلْبِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى

стр. 10641

عَلَى عِبَادِهِ وَتَمَنِّي زَوَالِهَا عَنِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَمَنَّى مِثْلَهَا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَتَمَنَّ زَوَالَهَا عَنْ غَيْرِهِ فَذَلِكَ غِبْطَةٌ جَائِزَةٌ (١) . ب - الْغَضَبُ: ٣ - الْغَضَبُ ضِدُّ الرِّضَا. وَحَقِيقَتُهُ: تَغَيُّرٌ يَحْصُل عِنْدَ غَلَيَانِ دَمِ الْقَلْبِ لِيَحْصُل عَنْهُ التَّشَفِّي لِلصَّدْرِ، وَهُوَ يُثْمِرُ الْحِقْدَ لأَِنَّ الْغَضَبَ إذَا لَزِمَ كَظْمُهُ لِعَجْزٍ عَنِ التَّشَفِّي فِي الْحَال رَجَعَ إلَى الْبَاطِنِ وَاحْتَقَنَ فِيهِ فَصَارَ حِقْدًا (٢) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْحِقْدِ بِحَسَبِ بَاعِثِهِ، فَإِنْ كَانَ لِحَسَدٍ وَضَغَنٍ دُونَ حَقٍّ فَهُوَ مَذْمُومٌ شَرْعًا، لأَِنَّهُ يُثِيرُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَالإِْضْرَارَ بِالنَّاسِ لِغَيْرِ مَا ذَنْبٍ جَنَوْهُ. وَقَدْ وَرَدَ ذَمُّهُ فِي الشَّرْعِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي ذَمِّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ سَاءَهُمُ ائْتِلاَفُ الْمُؤْمِنِينَ وَاجْتِمَاعُ كَلِمَتِهِمْ بِحَيْثُ أَصْبَحَ أَعْدَاؤُهُمْ عَاجِزِينَ عَنِ التَّشَفِّي مِنْهُمْ

стр. 10642

﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَْنَامِل مِنَ الْغَيْظِ﴾ (١) فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقِينَ يُظْهِرُونَ الإِْيمَانَ عِنْدَ مُلاَقَاتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُمْ يَعَضُّونَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِمْ لأَِجْل الْغَضَبِ وَالْحَنَقِ، لِمَا يَرَوْنَ مِنَ ائْتِلاَفِ الْمُؤْمِنِينَ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ، وَنُصْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ، بِحَيْثُ عَجَزَ أَعْدَاؤُهُمْ عَنْ أَنْ يَجِدُوا سَبِيلاً إلَى التَّشَفِّي وَاضْطُرُّوا إلَى مُدَارَاتِهِمْ، وَعَضُّ الأَْنَامِل عَادَةُ النَّادِمِ الأَْسِيفِ الْعَاجِزِ. (٢) وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ ذَمَّ الْحِقْدَ وَنَفَاهُ عَنِ الْمُؤْمِنِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : الْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِحَقُودٍ (٣) هَذَا وَمِمَّا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْحِقْدِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : ثَلاَثٌ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ سَاحِرًا يَتْبَعُ السَّحَرَةَ، وَلَمْ يَحْقِدْ عَلَى أَخِيهِ (٤) .

стр. 10643

وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْل فَصَلَّى فَأَطَال السُّجُودَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ قُبِضَ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُمْتُ حَتَّى حَرَّكْتُ إبْهَامَهُ فَتَحَرَّكَ فَرَجَعَ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَفَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ قَال: - يَا عَائِشَةُ - أَوْ يَا حُمَيْرَاءُ - أَظَنَنْتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ خَاسَ بِكِ؟ قُلْتُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ قُبِضْتَ لِطُول سُجُودِكَ فَقَال: أَتَدْرِينَ أَيُّ لَيْلَةٍ هَذِهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال هَذِهِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلَى عِبَادِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانِ فَيَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، وَيَرْحَمُ الْمُسْتَرْحِمِينَ وَيُؤَخِّرُ أَهْل الْحِقْدِ كَمَا هُمْ (١) . ٥ - وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحِقْدَ كَمَا ذَكَرَ الْمُنَاوِيُّ مِنَ الْبَلاَيَا الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا الْمُنَاظِرُونَ قَال الْغَزَالِيُّ: لاَ يَكَادُ الْمُنَاظِرُ يَنْفَكُّ عَنْهُ، إِذْ لاَ تَكَادُ تَرَى مُنَاظِرًا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ يُضْمِرَ حِقْدًا عَلَى مَنْ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ عِنْدَ كَلاَمِ خَصْمِهِ وَيَتَوَقَّفُ فِي كَلاَمِهِ فَلاَ يُقَابِلُهُ

стр. 10644

بِحُسْنِ الإِْصْغَاءِ، بَل يُضْمِرُ الْحِقْدَ وَيُرَتِّبُهُ فِي النَّفْسِ، وَغَايَةُ تَمَاسُكِهِ الإِْخْفَاءُ بِالنِّفَاقِ. (١) ٦ - وَمِمَّا يُذْهِبُ الْحِقْدَ الإِْهْدَاءُ وَالْمُصَافَحَةُ كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ : تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ. وَفِي رِوَايَةٍ: تَهَادَوْا تَحَابُّوا (٢) . ٧ - أَمَّا إِنْ كَانَ الْحِقْدُ عَلَى ظَالِمٍ لاَ يُمْكِنُ دَفْعُ ظُلْمِهِ أَوِ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ، أَوْ عَلَى كَافِرٍ يُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ وَلاَ يُمْكِنُهُمْ دَفْعُ أَذَاهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ شَرْعًا، ثُمَّ إذَا تَمَكَّنَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ، فَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ فَذَلِكَ مِنَ الإِْحْسَانِ وَالْعَفْوِ عَمَّنْ ظَلَمَهُ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ. وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ فَلاَ حَرَجَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيل عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (٣) الآْيَةَ، وَقَال تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (٤)

стр. 10645

حَقٌّ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَقُّ فِي اللُّغَةِ خِلاَفُ الْبَاطِل، وَهُوَ مَصْدَرُ، حَقَّ الشَّيْءُ يَحِقُّ إِذَا ثَبَتَ وَوَجَبَ. وَجَاءَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّ الْحَقَّ يُطْلَقُ عَلَى الْمَال وَالْمِلْكِ وَالْمَوْجُودِ الثَّابِتِ. وَمَعْنَى حَقَّ الأَْمْرُ وَجَبَ وَوَقَعَ بِلاَ شَكٍّ، وَعَرَّفَهُ الْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهُ الثَّابِتُ الَّذِي لاَ يَسُوغُ إِنْكَارُهُ. وَالْحَقُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيل مِنْ صِفَاتِهِ. وَمِنْ مَعَانِي الْحَقِّ فِي اللُّغَةِ: النَّصِيبُ، وَالْوَاجِبُ، وَالْيَقِينُ، وَحُقُوقُ الْعَقَارِ مَرَافِقُهُ. (١) وَالْحَقُّ فِي الاِصْطِلاَحِ يَأْتِي بِمَعْنَيَيْنِ: الأَْوَّل: هُوَ الْحُكْمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الأَْقْوَال وَالْعَقَائِدِ وَالأَْدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهَا عَلَى ذَلِكَ وَيُقَابِلُهُ الْبَاطِل. وَالآْخَرُ: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْوَاجِبِ الثَّابِتِ. وَهُوَ قِسْمَانِ: حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعِبَادِ. فَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ، فَقَدْ عَرَّفَهُ التَّفْتَازَانِيُّ: بِأَنَّهُ
следующие страницы →