← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.

стр. 10641

عَلَى عِبَادِهِ وَتَمَنِّي زَوَالِهَا عَنِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَمَنَّى مِثْلَهَا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَتَمَنَّ زَوَالَهَا عَنْ غَيْرِهِ فَذَلِكَ غِبْطَةٌ جَائِزَةٌ (١) . ب - الْغَضَبُ: ٣ - الْغَضَبُ ضِدُّ الرِّضَا. وَحَقِيقَتُهُ: تَغَيُّرٌ يَحْصُل عِنْدَ غَلَيَانِ دَمِ الْقَلْبِ لِيَحْصُل عَنْهُ التَّشَفِّي لِلصَّدْرِ، وَهُوَ يُثْمِرُ الْحِقْدَ لأَِنَّ الْغَضَبَ إذَا لَزِمَ كَظْمُهُ لِعَجْزٍ عَنِ التَّشَفِّي فِي الْحَال رَجَعَ إلَى الْبَاطِنِ وَاحْتَقَنَ فِيهِ فَصَارَ حِقْدًا (٢) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْحِقْدِ بِحَسَبِ بَاعِثِهِ، فَإِنْ كَانَ لِحَسَدٍ وَضَغَنٍ دُونَ حَقٍّ فَهُوَ مَذْمُومٌ شَرْعًا، لأَِنَّهُ يُثِيرُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَالإِْضْرَارَ بِالنَّاسِ لِغَيْرِ مَا ذَنْبٍ جَنَوْهُ. وَقَدْ وَرَدَ ذَمُّهُ فِي الشَّرْعِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي ذَمِّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ سَاءَهُمُ ائْتِلاَفُ الْمُؤْمِنِينَ وَاجْتِمَاعُ كَلِمَتِهِمْ بِحَيْثُ أَصْبَحَ أَعْدَاؤُهُمْ عَاجِزِينَ عَنِ التَّشَفِّي مِنْهُمْ

стр. 10642

﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَْنَامِل مِنَ الْغَيْظِ﴾ (١) فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقِينَ يُظْهِرُونَ الإِْيمَانَ عِنْدَ مُلاَقَاتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُمْ يَعَضُّونَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِمْ لأَِجْل الْغَضَبِ وَالْحَنَقِ، لِمَا يَرَوْنَ مِنَ ائْتِلاَفِ الْمُؤْمِنِينَ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ، وَنُصْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ، بِحَيْثُ عَجَزَ أَعْدَاؤُهُمْ عَنْ أَنْ يَجِدُوا سَبِيلاً إلَى التَّشَفِّي وَاضْطُرُّوا إلَى مُدَارَاتِهِمْ، وَعَضُّ الأَْنَامِل عَادَةُ النَّادِمِ الأَْسِيفِ الْعَاجِزِ. (٢) وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ ذَمَّ الْحِقْدَ وَنَفَاهُ عَنِ الْمُؤْمِنِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : الْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِحَقُودٍ (٣) هَذَا وَمِمَّا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْحِقْدِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : ثَلاَثٌ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ سَاحِرًا يَتْبَعُ السَّحَرَةَ، وَلَمْ يَحْقِدْ عَلَى أَخِيهِ (٤) .

стр. 10643

وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْل فَصَلَّى فَأَطَال السُّجُودَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ قُبِضَ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُمْتُ حَتَّى حَرَّكْتُ إبْهَامَهُ فَتَحَرَّكَ فَرَجَعَ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَفَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ قَال: - يَا عَائِشَةُ - أَوْ يَا حُمَيْرَاءُ - أَظَنَنْتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ خَاسَ بِكِ؟ قُلْتُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ قُبِضْتَ لِطُول سُجُودِكَ فَقَال: أَتَدْرِينَ أَيُّ لَيْلَةٍ هَذِهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال هَذِهِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلَى عِبَادِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانِ فَيَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، وَيَرْحَمُ الْمُسْتَرْحِمِينَ وَيُؤَخِّرُ أَهْل الْحِقْدِ كَمَا هُمْ (١) . ٥ - وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحِقْدَ كَمَا ذَكَرَ الْمُنَاوِيُّ مِنَ الْبَلاَيَا الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا الْمُنَاظِرُونَ قَال الْغَزَالِيُّ: لاَ يَكَادُ الْمُنَاظِرُ يَنْفَكُّ عَنْهُ، إِذْ لاَ تَكَادُ تَرَى مُنَاظِرًا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ يُضْمِرَ حِقْدًا عَلَى مَنْ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ عِنْدَ كَلاَمِ خَصْمِهِ وَيَتَوَقَّفُ فِي كَلاَمِهِ فَلاَ يُقَابِلُهُ

стр. 10644

بِحُسْنِ الإِْصْغَاءِ، بَل يُضْمِرُ الْحِقْدَ وَيُرَتِّبُهُ فِي النَّفْسِ، وَغَايَةُ تَمَاسُكِهِ الإِْخْفَاءُ بِالنِّفَاقِ. (١) ٦ - وَمِمَّا يُذْهِبُ الْحِقْدَ الإِْهْدَاءُ وَالْمُصَافَحَةُ كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ : تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ. وَفِي رِوَايَةٍ: تَهَادَوْا تَحَابُّوا (٢) . ٧ - أَمَّا إِنْ كَانَ الْحِقْدُ عَلَى ظَالِمٍ لاَ يُمْكِنُ دَفْعُ ظُلْمِهِ أَوِ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ، أَوْ عَلَى كَافِرٍ يُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ وَلاَ يُمْكِنُهُمْ دَفْعُ أَذَاهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ شَرْعًا، ثُمَّ إذَا تَمَكَّنَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ، فَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ فَذَلِكَ مِنَ الإِْحْسَانِ وَالْعَفْوِ عَمَّنْ ظَلَمَهُ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ. وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ فَلاَ حَرَجَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيل عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (٣) الآْيَةَ، وَقَال تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (٤)

стр. 10645

حَقٌّ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَقُّ فِي اللُّغَةِ خِلاَفُ الْبَاطِل، وَهُوَ مَصْدَرُ، حَقَّ الشَّيْءُ يَحِقُّ إِذَا ثَبَتَ وَوَجَبَ. وَجَاءَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّ الْحَقَّ يُطْلَقُ عَلَى الْمَال وَالْمِلْكِ وَالْمَوْجُودِ الثَّابِتِ. وَمَعْنَى حَقَّ الأَْمْرُ وَجَبَ وَوَقَعَ بِلاَ شَكٍّ، وَعَرَّفَهُ الْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهُ الثَّابِتُ الَّذِي لاَ يَسُوغُ إِنْكَارُهُ. وَالْحَقُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيل مِنْ صِفَاتِهِ. وَمِنْ مَعَانِي الْحَقِّ فِي اللُّغَةِ: النَّصِيبُ، وَالْوَاجِبُ، وَالْيَقِينُ، وَحُقُوقُ الْعَقَارِ مَرَافِقُهُ. (١) وَالْحَقُّ فِي الاِصْطِلاَحِ يَأْتِي بِمَعْنَيَيْنِ: الأَْوَّل: هُوَ الْحُكْمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الأَْقْوَال وَالْعَقَائِدِ وَالأَْدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهَا عَلَى ذَلِكَ وَيُقَابِلُهُ الْبَاطِل. وَالآْخَرُ: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْوَاجِبِ الثَّابِتِ. وَهُوَ قِسْمَانِ: حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعِبَادِ. فَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ، فَقَدْ عَرَّفَهُ التَّفْتَازَانِيُّ: بِأَنَّهُ

стр. 10646

مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْعُ الْعَامُّ لِلْعَالَمِ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِأَحَدٍ، فَيُنْسَبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِعِظَمِ خَطَرِهِ، وَشُمُول نَفْعِهِ، أَوْ كَمَا قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: حَقُّ اللَّهِ مَا لاَ مَدْخَل لِلصُّلْحِ فِيهِ، كَالْحُدُودِ وَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ لَهُ، كَحُرْمَةِ مَالِهِ، أَوْ كَمَا قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ، فَهِيَ الَّتِي تَقْبَل الصُّلْحَ وَالإِْسْقَاطَ وَالْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهَا (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْحُكْمُ: ٢ - الْحُكْمُ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ بِالاِقْتِضَاءِ، أَوِ التَّخْيِيرِ، أَوِ الْوَضْعِ، وَالْحَقُّ أَثَرٌ لِلْحُكْمِ لأَِنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ (٢) . فَبَيْنَ الْحَقِّ وَالْحُكْمِ عَلاَقَةُ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. الْحَقُّ عِنْدَ عُلَمَاءِ الأُْصُول: ٣ - الْمُرَادُ بِالْحَقِّ عِنْدَ عُلَمَاءِ أُصُول الْفِقْهِ: اتَّجَهَ عُلَمَاءُ الأُْصُول الَّذِينَ ذَكَرُوا الْحَقَّ اتِّجَاهَيْنِ: الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْحُكْمُ، وَهُوَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ

стр. 10647

بِالاِقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ أَوِ الْوَضْعِ. قَال فَخْرُ الإِْسْلاَمِ الْبَزْدَوِيُّ (١) : أَمَّا الأَْحْكَامُ فَأَنْوَاعٌ: الأَْوَّل: حُقُوقُ اللَّهِ خَالِصَةً. وَالثَّانِي: حُقُوقُ الْعِبَادِ خَالِصَةً. وَالثَّالِثُ: مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى غَالِبٌ. وَالرَّابِعُ: مَا اجْتَمَعَا مَعًا وَحَقُّ الْعَبْدِ فِيهِ غَالِبٌ. ثُمَّ قَال عَلاَءُ الدِّينِ الْبُخَارِيُّ فِي شَرْحِهِ: قَال أَبُو الْقَاسِمِ ﵀ فِي أُصُول الْفِقْهِ: الْحَقُّ: الْمَوْجُودُ مِنْ كُل وَجْهٍ الَّذِي لاَ رَيْبَ فِي وُجُودِهِ، وَمِنْهُ: السِّحْرُ حَقٌّ، وَالْعَيْنُ حَقٌّ، أَيْ مَوْجُودٌ بِأَثَرِهِ، وَهَذَا الدِّينُ حَقٌّ، أَيْ مَوْجُودٌ صُورَةً وَمَعْنًى، وَلِفُلاَنٍ حَقٌّ فِي ذِمَّةِ فُلاَنٍ، أَيْ شَيْءٌ مَوْجُودٌ مِنْ كُل وَجْهٍ. وَقَال أَيْضًا: حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْعُ الْعَامُّ لِلْعَالَمِ، فَلاَ يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدٌ. وَيُنْسَبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا، أَوْ لِئَلاَّ يَخْتَصَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، مِثْل: حُرْمَةِ الْبَيْتِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْعَالَمِ، بِاِتِّخَاذِهِ قِبْلَةً لِصَلَوَاتِهِمْ، وَمَثَابَةً لَهُمْ. وَكَحُرْمَةِ الزِّنَى لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ عُمُومِ النَّفْعِ فِي سَلاَمَةِ الأَْنْسَابِ، وَصِيَانَةِ الْفِرَاشِ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا، لأَِنَّهُ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ حَقًّا لَهُ بِهَذَا الْوَجْهِ. وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لَهُ بِجِهَةِ التَّخْلِيقِ، لأَِنَّ الْكُل سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ. بَل الإِْضَافَةُ

стр. 10648

إِلَيْهِ لِتَشْرِيفِ مَا عَظُمَ خَطَرُهُ، وَقَوِيَ نَفْعُهُ، وَشَاعَ فَضْلُهُ، بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ كَافَّةً. وَحَقُّ الْعَبْدِ: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ لَهُ، مِثْل: حُرْمَةِ مَالِهِ، فَإِنَّهَا حَقُّ الْعَبْدِ، لِيَتَعَلَّقَ صِيَانَةُ مَالِهِ بِهَا. فَلِهَذَا يُبَاحُ مَال الْغَيْرِ بِإِبَاحَةِ الْمَالِكِ، وَلاَ يُبَاحُ الزِّنَى بِإِبَاحَةِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ بِإِبَاحَةِ أَهْلِهَا. وَقَال صَاحِبُ تَيْسِيرِ التَّحْرِيرِ: وَيَرِدُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ، وَالْحَقُّ أَنْ يُقَال: يَعْنِي بِحَقِّ اللَّهِ مَا يَكُونُ الْمُسْتَحِقُّ هُوَ اللَّهَ، وَبِحَقِّ الْعَبْدِ مَا يَكُونُ الْمُسْتَحِقُّ هُوَ الْعَبْدَ. (١) وَقَال الْكِنْدِيُّ: الْحَقُّ: الْمَوْجُودُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: حُكْمٌ يَثْبُتُ. (٢) وَقَال الْقَرَافِيُّ: حَقُّ اللَّهِ: أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ. وَحَقُّ الْعَبْدِ: مَصَالِحُهُ. وَالتَّكَالِيفُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الأَْوَّل: حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ، كَالإِْيمَانِ وَتَحْرِيمِ الْكُفْرِ. وَالثَّانِي: حَقُّ الْعِبَادِ فَقَطْ، كَالدُّيُونِ وَالأَْثْمَانِ. وَالثَّالِثُ: قِسْمٌ اخْتُلِفَ فِيهِ، هَل يَغْلِبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ، أَوْ يَغْلِبُ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ، كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَنَعْنِي بِحَقِّ الْعَبْدِ الْمَحْضِ: أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهُ لَسَقَطَ، وَإِلاَّ فَمَا مِنْ حَقٍّ لِلْعَبْدِ إِلاَّ وَفِيهِ

стр. 10649

حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَمْرُهُ بِإِيصَال ذَلِكَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ. (١) ثُمَّ قَال: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، مُشْكِلٌ بِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا (٢) فَيَقْتَضِي أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ نَفْسُ الْفِعْل، لاَ الأَْمْرُ بِهِ، وَهُوَ خِلاَفُ مَا نَقَلْتُهُ قَبْل هَذَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُئَوَّلٌ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ إِطْلاَقِ الأَْمْرِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي هُوَ الْفِعْل، فَظَاهِرُهُ مُعَارِضٌ لِمَا حَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلاَ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا: الصَّلاَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إِلاَّ أَمْرُهُ بِهَا، إِذْ لَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا لَمْ يَصْدُقْ أَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَنَجْزِمُ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ نَفْسُ الأَْمْرِ، لاَ الْفِعْل، وَمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ مُئَوَّلٌ. (٣) الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: ٤ - الْحَقُّ هُوَ الْفِعْل: ذَكَرَ سَعْدٌ التَّفْتَازَانِيُّ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْفِعْل فَقَال: الْمَحْكُومُ بِهِ (وَهُوَ

стр. 10650

مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُهُمُ الْمَحْكُومَ فِيهِ) هُوَ الْفِعْل الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُ الشَّارِعِ. فَلاَ بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ حِسًّا، أَيْ مِنْ وُجُودِهِ فِي الْوَاقِعِ، بِحَيْثُ يُدْرَكُ بِالْحِسِّ أَوْ بِالْعَقْل، إِذِ الْخِطَابُ لاَ يَتَعَلَّقُ بِمَا لاَ يَكُونُ لَهُ وُجُودٌ أَصْلاً. وَأَكَّدَ صَاحِبُ تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْفِعْل، فَقَال: (١) حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى: هُوَ مُتَعَلَّقُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، الَّذِي هُوَ عَيْنُ عِبَادَتِهِ، لاَ نَفْسُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا، لأَِمْرَيْنِ: الأَْوَّل: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) ، وَقَوْل الرَّسُول ﷺ : حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. الثَّانِي: أَنَّ الْحَقَّ مَعْنَاهُ: اللاَّزِمُ لَهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَاللاَّزِمُ عَلَى الْعِبَادِ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا لَهُمْ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْكَسْبُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَهُوَ كَلاَمُهُ، وَكَلاَمُهُ صِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ. وَحَقُّ الْعَبْدِ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: الأَْوَّل: حَقُّهُ عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ مَلْزُومُ عِبَادَتِهِ إِيَّاهُ بِوَعْدِهِ، وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَيُخَلِّصَهُ مِنَ النَّارِ. وَالثَّانِي: حَقُّهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ الأَْمْرُ الَّذِي تَسْتَقِيمُ بِهِ أُولاَهُ وَأُخْرَاهُ مِنْ مَصَالِحِهِ. وَالثَّالِثُ: حَقُّهُ عَلَى غَيْرِهِ

стр. 10651

مِنَ الْعِبَادِ، وَهُوَ مَا لَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الذِّمَمِ وَالْمَظَالِمِ. وَفِي هَذَا تَأْيِيدٌ لاِبْنِ الشَّاطِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ قَال: الْحَقُّ وَالصَّوَابُ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، مِنْ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ عَيْنُ الْعِبَادَةِ. لاَ الأَْمْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا. ٥ - وَقَسَّمَ ابْنُ رَجَبٍ حُقُوقَ الْعِبَادِ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: ١ - حَقُّ الْمِلْكِ ٢ - حَقُّ التَّمَلُّكِ كَحَقِّ الْوَالِدِ فِي مَال وَلَدِهِ وَحَقِّ الشَّفِيعِ فِي الشُّفْعَةِ. ٣ - حَقُّ الاِنْتِفَاعِ كَوَضْعِ الْجَارِ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِ جَارِهِ إِذَا لَمْ يَضُرُّهُ. ٤ - حَقُّ الاِخْتِصَاصِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُخْتَصُّ مُسْتَحِقُّهُ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ وَلاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ مُزَاحَمَتَهُ فِيهِ، وَهُوَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلشُّمُول وَالْمُعَاوَضَاتِ مِثْل مَرَافِقِ الأَْسْوَاقِ، وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ. ٥ - حَقُّ التَّعَلُّقِ لاِسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِثْل تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ. (١) الْمُرَادُ بِالْحَقِّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: ٦ - الْمُرَادُ بِالْحَقِّ غَالِبًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: مَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّجُل. (٢)

стр. 10652

وَإِطْلاَقَاتُ الْفُقَهَاءِ لِلْحَقِّ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً وَمُتَعَدِّدَةً، مِنْهَا: ١ - إِطْلاَقُ الْحَقِّ عَلَى مَا يَشْمَل الْحُقُوقَ الْمَالِيَّةَ وَغَيْرَ الْمَالِيَّةِ، مِثْل قَوْلِهِمْ: مَنْ بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٍّ ثُمَّ أَجَّلَهُ صَحَّ، لأَِنَّهُ حَقُّهُ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ، فَيَمْلِكُ تَأْجِيلَهُ. ٢ - الاِلْتِزَامَاتُ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَقْدِ - غَيْرُ حُكْمِهِ - وَتَتَّصِل بِتَنْفِيذِ أَحْكَامِهِ. مِثْل: تَسْلِيمِ الثَّمَنِ الْحَال أَوَّلاً ثُمَّ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ: وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ سَلَّمَهُ أَوَّلاً، تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، لأَِنَّ الْمَبِيعَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَالثَّمَنُ لاَ يَتَعَيَّنُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ، فَلِهَذَا اشْتُرِطَ تَسْلِيمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلاً، لأَِنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِالتَّأْجِيل، فَلاَ يَسْقُطُ حَقُّ الآْخَرِ. (١) ٣ - الأَْرْزَاقُ الَّتِي تُمْنَحُ لِلْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، مِثْل قَوْل ابْنِ نُجَيْمٍ: مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي دِيوَانِ الْخَرَاجِ كَالْمُقَاتِلَةِ وَالْعُلَمَاءِ وَطَلَبَتِهِمْ وَالْمُفْتِينَ وَالْفُقَهَاءِ يُفْرَضُ لأَِوْلاَدِهِمْ تَبَعًا، وَلاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِ الأَْصْل تَرْغِيبًا. (٢) ٤ - مَرَافِقُ الْعَقَارِ، مِثْل: حَقِّ الطَّرِيقِ، وَحَقِّ الْمَسِيل، وَحَقِّ الشُّرْبِ.

стр. 10653

٥ - الْحُقُوقُ الْمُجَرَّدَةُ، وَهِيَ الْمُبَاحَاتُ، مِثْل: حَقِّ التَّمَلُّكِ، وَحَقِّ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي، وَحَقِّ الطَّلاَقِ لِلزَّوْجِ. مَصْدَرُ الْحَقِّ: ٧ - مَصْدَرُ الْحَقِّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لِتَنْظِيمِ حَيَاةِ الْخَلْقِ، حَتَّى يَكُونُوا سُعَدَاءَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ. وَكَانَ يُمْكِنُ أَلاَّ يَجْعَل اللَّهُ لِلْعَبْدِ حَقًّا أَصْلاً، وَلَكِنَّهُ تَفَضَّل عَلَى عِبَادِهِ فَجَعَل لِلشَّخْصِ حُقُوقًا تُؤَدَّى لَهُ، وَكَلَّفَهُ بِأَدَاءِ حُقُوقٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلآْخَرِينَ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ وَبَلَّغَهُ مَا لَهُ مِنْ حُقُوقٍ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبَاتٍ عَنْ طَرِيقِ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي خُتِمَتْ بِالشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ فَكَانَتْ نَاسِخَةً لِمَا قَبْلَهَا وَعَامَّةً لِجَمِيعِ الْخَلْقِ. فَمَا أَثْبَتَتْهُ الشَّرِيعَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ حَقًّا فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا عَدَاهُ فَلَيْسَ بِحَقٍّ، فَالْحَاكِمُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قَال اللَّهُ : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (١) وَعَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحُقُوقُ هِيَ أَثَرُ خِطَابِ الشَّرْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، قَال الشَّاطِبِيُّ (٢) : إِنَّ كُل حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بِخَالٍ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَعِبَادَتُهُ امْتِثَال أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ بِإِطْلاَقٍ.

стр. 10654

فَإِنْ جَاءَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْعَبْدِ مُجَرَّدًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ بِإِطْلاَقٍ، بَل جَاءَ عَلَى تَغْلِيبِ حَقِّ الْعَبْدِ فِي الأَْحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ. كَمَا أَنَّ كُل حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَفِيهِ حَقٌّ لِلْعِبَادِ، إِمَّا عَاجِلاً وَإِمَّا آجِلاً، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَال: فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : يَا مُعَاذُ، هَل تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلاَّ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا (١) . ثُمَّ ذَكَرَ الشَّاطِبِيُّ أَنَّ كُل الْحُقُوقِ حَتَّى حَقَّ الْعَبْدِ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ وَحْدَهُ بَادِئَ ذِي بَدْءٍ، فَقَال: كُل تَكْلِيفٍ حَقُّ اللَّهِ، فَإِنَّ مَا هُوَ لِلَّهِ فَهُوَ لِلَّهِ، وَمَا كَانَ لِلْعَبْدِ فَرَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أ - مِنْ جِهَةِ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ. ب - وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ حَقِّ الْعَبْدِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، إِذْ كَانَ لِلَّهِ أَلاَّ يَجْعَل لِلْعَبْدِ حَقًّا أَصْلاً، إِذِ الأَْشْيَاءُ كُلُّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَضْعِهَا الأَْوَّل مُتَسَاوِيَةٌ، لاَ قَضَاءَ لِلْعَقْل فِيهَا بِحُسْنٍ وَلاَ قُبْحٍ، فَإِذَنْ كَوْنُ الْمَصْلَحَةِ مَصْلَحَةً هُوَ مِنْ قِبَل الشَّارِعِ، بِحَيْثُ يُصَدِّقُهُ الْعَقْل، وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النَّفْسُ. (٢)

стр. 10655

٨ - أَرْكَانُ الْحَقِّ هِيَ: أ - صَاحِبُ الْحَقِّ، وَهُوَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ الشَّخْصُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ، كَالزَّوْجِ بِاعْتِبَارِهِ صَاحِبَ حَقٍّ عَلَى الزَّوْجَةِ بِالنِّسْبَةِ لِطَاعَتِهِ. أَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ فِيهَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ وَلاَ يُشَارِكُهُ فِي هَذَا الْحَقِّ أَحَدٌ غَيْرَهُ، وَلِذَا لاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ إِسْقَاطَ حَقِّهِ تَعَالَى. ب - مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَهُوَ الشَّخْصُ الْمُكَلَّفُ بِالأَْدَاءِ، فَإِذَا كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى، فَيَكُونُ الْمُكَلَّفُ بِأَدَاءِ الْحَقِّ هُوَ مَنْ عَلَيْهِ هَذَا الْحَقُّ، سَوَاءٌ أَكَانَ فَرْدًا كَمَا فِي فَرْضِ الْعَيْنِ، أَمْ جَمَاعَةً كَمَا فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ مَثَلاً. ج - مَحِل الْحَقِّ أَيْ الشَّيْءُ الْمُسْتَحَقُّ، كَالْفَرَائِضِ الْخَمْسِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْمَال حَقِيقَةٌ، كَالْقَدْرِ الْمَقْبُوضِ مِنَ الْمَهْرِ، وَهُوَ مُعَجَّل الصَّدَاقِ أَوْ حُكْمًا، كَالْقَدْرِ الْمُؤَخَّرِ مِنَ الْمَهْرِ لأَِقْرَبِ الأَْجَلَيْنِ، وَكَذَا سَائِرُ الدُّيُونِ. وَالاِنْتِفَاعُ، كَحِل الاِسْتِمْتَاعِ بِعَقْدِ الزَّوَاجِ. وَالْعَمَل، مِثْل: مَا تَقُومُ بِهِ الزَّوْجَةُ مِنْ أَعْمَالٍ، وَتَمْكِينِ الزَّوْجِ مِنْ نَفْسِهَا. وَالاِمْتِنَاعُ عَنْ عَمَلٍ، مِثْل: عَدَمِ فِعْل الزَّوْجَةِ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ أَوْ يُغْضِبُ الزَّوْجَ. وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَمْنُوعٍ شَرْعًا، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ شَرْعًا إِلاَّ مَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ فَلاَ يَكُونُ حَقًّا،

стр. 10656

وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْمُطَالَبَةُ بِمَا هُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، مِثْل: تَمْكِينِ الزَّوْجِ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَتِهِ فَإِنَّهُ حَقٌّ مَشْرُوعٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مَشْرُوعًا دَائِمًا فِي كُل وَقْتٍ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مَشْرُوعًا فِي حَال الْحَيْضِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى فَاعْتَزَلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) . أَقْسَامُ الْحَقِّ : ٩ - يُقَسَّمُ الْحَقُّ إِلَى تَقْسِيمَاتٍ عِدَّةٍ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. بِاعْتِبَارِ اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ، بِاعْتِبَارِ عُمُومِ النَّفْعِ وَخُصُوصِهِ، وَبِاعْتِبَارِ وُجُودِ حَقِّ الْعَبْدِ وَعَدَمِهِ، بِاعْتِبَارِ إِسْقَاطِ الْعَبْدِ لِلْحَقِّ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِسْقَاطِ الْحَقِّ، وَبِاعْتِبَارِ إِسْقَاطِ الإِْسْلاَمِ لِلْحَقِّ وَعَدَمِ إِسْقَاطِهِ لَهُ، وَبِاعْتِبَارِ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى وَعَدَمِ مَعْقُولِيَّتِهِ، وَبِاعْتِبَارِ عَدَمِ خُلُوِّ كُل حَقٍّ مِنْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٍّ لِلْعَبْدِ، وَبِاعْتِبَارِ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَبِاعْتِبَارِ الْحَقِّ التَّامِّ وَالْحَقِّ الْمُخَفَّفِ، وَبِاعْتِبَارِ الْحَقِّ الْمُحَدَّدِ وَغَيْرِ الْمُحَدَّدِ، وَبِاعْتِبَارِ الْحَقِّ الْمُعَيَّنِ وَالْمُخَيَّرِ، وَبِاعْتِبَارِ الْحَقِّ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَبِاعْتِبَارِ الْحَقِّ الْعَيْنِيِّ وَالْكِفَائِيِّ،

стр. 10657

وَبِاعْتِبَارِ مَا يُورَثُ مِنَ الْحُقُوقِ وَمَا لاَ يُورَثُ، وَبِاعْتِبَارِ الْحَقِّ الْمَالِيِّ وَغَيْرِ الْمَالِيِّ، وَبِاعْتِبَارِ الْحَقِّ الدِّيَانِيِّ وَالْقَضَائِيِّ، أَوِ الدُّنْيَوِيِّ وَالأُْخْرَوِيِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمَرْجِعُ هَذِهِ التَّقْسِيمَاتِ، إِمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى صَاحِبِ الْحَقِّ، أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ، أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَقُّ. (١) أَوَّلاً: بِاعْتِبَارِ اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ: ١٠ - يُقَسَّمُ الْحَقُّ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ إِلَى قِسْمَيْنِ: لاَزِمٌ، وَجَائِزٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ لاَزِمٍ. (٢) النَّوْعُ الأَْوَّل: الْحَقُّ اللاَّزِمُ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يُقَرِّرُهُ الشَّرْعُ عَلَى جِهَةِ الْحَتْمِ، فَإِذَا قَرَّرَهُ الشَّرْعُ أَوْجَدَ فِي مُقَابِلِهِ وَاجِبًا، وَقَرَّرَ هَذَا الْوَاجِبَ عَلَى الآْخَرِينَ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، فَالْحَقُّ وَالْوَاجِبُ فِي الْمُقَابِل قَدْ وُجِدَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، دُونَ تَخَلُّفِ أَحَدِهِمَا عَنِ الآْخَرِ، فَهُمَا مُتَلاَزِمَانِ وَإِنِ اخْتَلَفَ مَعْنَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الآْخَرِ، كَحَقِّ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ يَجِبُ، فَمِثْلاً: حَقُّ الْحَيَاةِ حَقٌّ لِكُل شَخْصٍ، وَيَجِبُ عَلَى الآْخَرِينَ - أَفْرَادًا وَمُجْتَمَعًا - أَنْ يَحْتَرِمُوا هَذَا الْحَقَّ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُمُ الاِعْتِدَاءُ عَلَيْهِ، أَوْ حِرْمَانُهُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فَلاَ يُسْتَعْبَدُ الْحُرُّ، وَكَذَلِكَ حَقُّ الْمِلْكِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُقُوقِ.

стр. 10658

وَإِذَا كَانَ لأَِصْحَابِ هَذِهِ الْحُقُوقِ حَقٌّ، وَيَجِبُ عَلَى الآْخَرِينَ عَدَمُ الاِعْتِدَاءِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِهَؤُلاَءِ الآْخَرِينَ حَقًّا فِي عَدَمِ الإِْضْرَارِ بِهِمْ عِنْدَ اسْتِعْمَال هَذِهِ الْحُقُوقِ وَالتَّمَتُّعِ بِهَا. النَّوْعُ الثَّانِي: الْحَقُّ الْجَائِزُ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يُقَرِّرُهُ الشَّرْعُ مِنْ غَيْرِ حَتْمٍ، وَإِنَّمَا يُقَرِّرُهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ أَوِ الإِْبَاحَةِ. مِثَالُهُ أَمْرُ الْمُحْتَسِبِ بِصَلاَةِ الْعِيدِ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: هَل يَكُونُ الأَْمْرُ بِهَا مِنَ الْحُقُوقِ اللاَّزِمَةِ أَوْ مِنَ الْحُقُوقِ الْجَائِزَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنَ اخْتِلاَفِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهَا، هَل هِيَ مَسْنُونَةٌ أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَإِنْ قِيل: إِنَّهَا مَسْنُونَةٌ كَانَ الأَْمْرُ بِهَا نَدْبًا، وَإِنْ قِيل: إِنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَانَ الأَْمْرُ بِهَا حَتْمًا. (١) ثَانِيًا: تَقْسِيمُ الْحُقُوقِ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ النَّفْعِ وَخُصُوصِهِ: (٢) ١١ - قَسَّمَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ الْحُقُوقَ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ النَّفْعِ وَخُصُوصِهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: حُقُوقُ اللَّهِ الْخَالِصَةُ، حُقُوقُ الْعِبَادِ

стр. 10659

الْخَالِصَةُ، مَا اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ لَكِنْ حَقُّ اللَّهِ غَالِبٌ، وَمَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ لَكِنْ حَقُّ الْعَبْدِ غَالِبٌ. الْقَسَمُ الأَْوَّل: حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْخَالِصَةُ: ١٢ - حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْعُ الْعَامُّ لِلْعَالَمِ، فَلاَ يُخْتَصُّ بِهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَائِدٌ عَلَى مَجْمُوعِ الأَْفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَإِنَّمَا يُنْسَبُ هَذَا الْحَقُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا، أَوْ لِئَلاَّ يُخْتَصَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، كَحُرْمَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْعَالَمِ، وَذَلِكَ بِاِتِّخَاذِهِ قِبْلَةً لِصَلَوَاتِهِمْ، وَمَثَابَةً لَهُمْ، وَكَحُرْمَةِ الزِّنَى لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ عُمُومِ النَّفْعِ فِي سَلاَمَةِ الأَْنْسَابِ، وَصِيَانَةِ الْفِرَاشِ وَإِنَّمَا يُنْسَبُ الْحَقُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا، لأَِنَّ اللَّهَ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ حَقًّا لَهُ بِهَذَا الْوَجْهِ، لأَِنَّهُ بِاعْتِبَارِ التَّضَرُّرِ أَوِ الاِنْتِفَاعِ هُوَ مُتَعَالٍ عَنِ الْكُل. وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لَهُ بِجِهَةِ التَّخْلِيقِ، لأَِنَّ الْكُل سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، بَل الإِْضَافَةُ إِلَيْهِ لِتَشْرِيفِ مَا عَظُمَ خَطَرُهُ، وَقَوِيَ نَفْعُهُ، وَشَاعَ فَضْلُهُ، بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ كَافَّةً، فَبِاعْتِبَارِ التَّخْلِيقِ الْكُل سَوَاءٌ فِي الإِْضَافَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَال : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ﴾ (١)

стр. 10660

أَنْوَاعُ حُقُوقِ اللَّهِ الْخَالِصَةِ: ١٣ - حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْخَالِصَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا ثَمَانِيَةُ أَنْوَاعٍ: (١) أ - عِبَادَةٌ خَالِصَةٌ، مِثْل: الإِْيمَانِ، وَالصَّلاَةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْبَالِغِ الْعَاقِل. وَكَذَلِكَ زَكَاةُ الْمَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - عِبَادَةٌ خَالِصَةٌ، لأَِنَّهَا قُرِنَتْ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَعُدَّتْ مِنْ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ، قَال ﷺ : بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ (٢) . ب - عِبَادَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْمَئُونَةِ، مِثْل: صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَكَذَلِكَ زَكَاةُ الْمَال - عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (٣)

стр. 10661

وَالْمَئُونَةُ هِيَ الْوَظِيفَةُ الَّتِي تَعُودُ بِالنَّفْعِ الْعَامِّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيل اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ (١) وَإِنَّمَا كَانَتْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِيهَا مَعْنَى الْمَئُونَةِ، لأَِنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الإِْنْسَانِ بِسَبَبِ نَفْسِهِ وَبِسَبَبِ غَيْرِهِ، وَهُمُ الأَْشْخَاصُ الَّذِينَ يُمَوِّنُهُمْ وَيَلِي عَلَيْهِمْ. وَلِكَوْنِهَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُخْرِجِ بِسَبَبِ الْغَيْرِ لَمْ تَكُنْ عِبَادَةً خَالِصَةً، وَإِنَّمَا كَانَ فِيهَا مَعْنَى الْمَئُونَةِ، لأَِنَّ الْعِبَادَةَ الْخَالِصَةَ لاَ تَجِبُ بِسَبَبِ الْغَيْرِ. (٢) أَمَّا زَكَاةُ الْمَال - عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - فَفِيهَا مَعْنَى الْمَئُونَةِ، لأَِنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الشَّخْصِ بِسَبَبٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ، وَهُوَ مَلَكِيَّتُهُ لِلْمَال الْمُسْتَوْفِي لِشُرُوطِ الزَّكَاةِ، وَشُكْرًا لِلَّهِ عَلَى بَقَائِهِ زَائِدًا عَنْ حَاجَتِهِ، وَعَدَمِ هَلاَكِهِ. كَمَا أَنَّ كُلًّا مِنْ زَكَاةِ الْمَال وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ مُسَاعِدَةٌ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ.

стр. 10662

ج - مَئُونَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ، مِثْل: زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ الْمُقَدَّرَةِ بِالْعُشْرِ أَوْ نِصْفِ الْعَشْرِ عَلَى الزَّارِعِ حَسَبَ شُرُوطِهَا. وَإِنَّمَا كَانَتْ مَئُونَةً، لأَِنَّهَا وَظِيفَةٌ مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا عَلَى نَمَاءِ الأَْرْضِ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَتَجِبُ بِسَبَبِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، اعْتِرَافًا بِفَضْل اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُنْبِتُ وَالرَّازِقُ، حَيْثُ قَال : ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ وَأَنْزَل لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ (١) . وَإِنَّمَا كَانَ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ لأُِمُورٍ: مِنْهَا: ١ - أَنَّهَا وَجَبَتِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَطْ، وَلَمْ تَجِبُ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزُّرَّاعِ، وَالْعِبَادَةُ لاَ يُكَلَّفُ بِهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ. ٢ - أَنَّهَا تُعْطَى لِفِئَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِمَّنْ تَسْتَحِقُّ الأَْخْذَ مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَلاَ يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُعْطِيَهَا لِلأَْغْنِيَاءِ. (٢) د - مَئُونَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، مِثْل: الْخَرَاجِ عَلَى الأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ. وَهُوَ الْوَظِيفَةُ الْمُبَيَّنَةُ الْمَوْضُوعَةُ عَلَى الأَْرْضِ

стр. 10663

بِسَبَبِ التَّمَكُّنِ مِنْ زِرَاعَةِ الأَْرْضِ، وَبَقَائِهَا تَحْتَ أَيْدِي أَصْحَابِهَا مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ. أَمَّا الْمَئُونَةُ فَلِتَعَلُّقِ بَقَاءِ الأَْرْضِ لأَِهْل الإِْسْلاَمِ بِالْمُقَاتِلِينَ الَّذِينَ هُمْ مَصَارِفُ الْخَرَاجِ. وَالْعُقُوبَةُ لِلاِنْقِطَاعِ بِالزِّرَاعَةِ عِنْدَ الْجِهَادِ، لأَِنَّ الْخَرَاجَ يَتَعَلَّقُ بِالأَْرْضِ بِصِفَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الزِّرَاعَةِ، وَالاِشْتِغَال بِهَا عُمَارَةٌ لِلدُّنْيَا، وَإِعْرَاضٌ عَنِ الْجِهَادِ. وَهُوَ سَبَبُ الذُّل شَرْعًا، فَكَانَ الْخَرَاجُ فِي الأَْصْل صَغَارًا. (١) هـ - حُقُوقٌ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ وَهِيَ الْكَفَّارَاتُ، مِثْل: كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَكَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَمْدًا، وَكَفَّارَةِ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ، وَالْكَفَّارَةُ عُقُوبَةٌ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ جَزَاءً عَلَى الْفِعْل الْمَحْظُورِ شَرْعًا، فَالْعُقُوبَةُ فِي الْكَفَّارَةِ مِنْ جِهَةِ الْوُجُوبِ. وَأَمَّا الْعِبَادَةُ فِي الْكَفَّارَاتِ فَهِيَ مِنْ جِهَةِ الأَْدَاءِ، لأَِنَّهَا تُؤَدَّى بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، مِثْل: الصَّوْمِ وَالإِْطْعَامِ وَالْعِتْقِ. أَمَّا كَفَّارَةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَمْدًا فَإِنَّ جِهَةَ الْعُقُوبَةِ فِيهَا غَالِبَةٌ، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي الإِْفْطَارِ عَمْدًا شُبْهَةُ الإِْبَاحَةِ بِوَجْهٍ مَا، وَلَمَّا كَانَتْ جِنَايَةُ الْمُفْطِرِ عَمْدًا كَامِلَةً، كَانَ الْمَفْرُوضُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ، وَلَكِنَّهُ عَدَل عَنْ ذَلِكَ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمُفْطِرَ لَيْسَ مُبْطِلاً

стр. 10664

لِحَقِّ اللَّهِ الثَّابِتِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَانِعٌ مِنْ تَسْلِيمِ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الزَّجْرُ عُقُوبَةً مَحْضَةً، لأَِنَّ تَقْصِيرَهُ كَانَ لِضَعْفِهِ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مَعَ التَّسْلِيمِ بِخَطَئِهِ وَقُبْحِ فِعْلِهِ. أَمَّا بَقِيَّةُ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ فِيهَا تَبَعٌ. (١) و عُقُوبَةٌ خَالِصَةٌ وَهِيَ الْحُدُودُ، مِثْل: حَدِّ السَّرِقَةِ، وَحَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَحَدِّ الزِّنَى. ز - عُقُوبَةٌ قَاصِرَةٌ وَهِيَ حِرْمَانُ الْقَاتِل مِنَ الإِْرْثِ، إِذَا قَتَل الْوَارِثُ الْبَالِغُ مُورِثَهُ. وَإِنَّمَا كَانَتْ قَاصِرَةً لأَِنَّهُ لَمْ يَلْحَقِ الْقَاتِل أَلَمٌ فِي بَدَنِهِ وَلاَ نُقْصَانٌ فِي مَالِهِ، بَل هُوَ مُجَرَّدُ مَنْعٍ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ فِي التَّرِكَةِ، فَهِيَ لَيْسَتْ عُقُوبَةً كَامِلَةً أَصْلِيَّةً، وَإِنَّمَا هِيَ عُقُوبَةٌ إِضَافِيَّةٌ لِلْعُقُوبَةِ الأَْصْلِيَّةِ لِلْقَتْل سَوَاءٌ أَكَانَ عَمْدًا أَمْ غَيْرَ عَمْدٍ، لأَِنَّهُ قَصَدَ حِرْمَانَ هَذَا الْقَاتِل مِنْ تَحْقِيقِ هَدَفِهِ، وَهُوَ تَعَجُّل الْمِيرَاثِ، وَلِذَلِكَ حُرِمَ مِنَ الْمِيرَاثِ الَّذِي يَأْتِي إِلَيْهِ عَنْ طَرِيقِ الْمَقْتُول، لأَِنَّ مَنِ اسْتَعْجَل الشَّيْءَ قَبْل أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ (٢) . ح - حَقٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ ثَبَتَ لِلَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً، مِثْل: الْخُمْسِ فِي الْغَنَائِمِ، قَال : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ

стр. 10665

السَّبِيل إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) وَمِثْل: خُمُسِ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَْرْضِ وَالْبِحَارِ مِنْ مَعَادِنَ وَنِفْطٍ وَفَحْمٍ حَجَرِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَقُّ قَائِمًا بِنَفْسِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّةِ شَخْصٍ، وَلَمْ يَدْخُل فِي مِلْكٍ شَخْصٍ ثُمَّ أَخْرَجَهُ زَكَاةً أَوْ صَدَقَةً تَبَرُّعًا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْجِهَادَ وَالْقِتَال فِي سَبِيل اللَّهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّهُ إِعْلاَءٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَنَشْرٌ لِدِينِهِ، وَذَلِكَ بِإِزَالَةِ الْعَوَائِقِ أَيًّا كَانَتْ أَمَامَ الدَّعْوَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ النَّاصِرُ لِلْمُسْلِمِينَ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى، حَيْثُ قَال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢) ، فَالْغَنَائِمُ كُلُّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي جَعَل لِلْمُحَارِبِينَ حَقًّا فِي الْغَنِيمَةِ، حَيْثُ مَنَحَهُمْ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ، وَبَقِيَ الْخُمُسُ عَلَى مِلْكِ اللَّهِ، حَقًّا لَهُ، فَيَكُونُ طَاهِرًا فِي ذَاتِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَدَاةً لِلتَّطْهِيرِ وَالتَّزْكِيَةِ، فَلاَ يَحْمِل فِي طَيَّاتِهِ دَنَسًا أَوْ وِزْرًا، وَلِذَلِكَ جَازَ لِلرَّسُول ﷺ وَآلِهِ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، بِخِلاَفِ أَمْوَال الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ فَلاَ تَحِل لَهُمْ. وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ إِعْطَاءُ الْمَعْدِنِ وَالنِّفْطِ لِلَّذِي وَجَدَهُ وَاسْتَخْرَجَهُ مِنَ الأَْرْضِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا وَمُسْتَحَقًّا لِلصَّدَقَةِ

стр. 10666

كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ إِعْطَاءُ الْخُمُسِ لِغَيْرِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ صَدَقَةً وَلاَ عِبَادَةً وَلاَ مَئُونَةً وَلاَ عُقُوبَةً، لأَِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَمْوَال النَّاسِ حَتَّى يَأْخُذَ صِفَةً مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، حَقِيقَةً وَحُكْمًا. الْقِسْمُ الثَّانِي: حَقُّ الْعَبْدِ الْخَالِصُ ١٤ - حَقُّ الْعَبْدِ الْخَالِصُ هُوَ: مَا كَانَ نَفْعُهُ مُخْتَصًّا بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، مِثْل: حُقُوقِ الأَْشْخَاصِ الْمَالِيَّةِ أَوِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَال، كَحَقِّ الدِّيَةِ، وَحَقِّ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَحَقِّ اسْتِرْدَادِ الْمَغْصُوبِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، أَوْ حَقِّ اسْتِرْدَادِ مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ هَالِكًا. فَتَحْرِيمُ مَال الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ لِهَذَا الشَّخْصِ. حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ حِمَايَةِ مَالِهِ وَصِيَانَتِهِ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ أَنْ يُحِل مَالَهُ لِغَيْرِهِ بِالإِْبَاحَةِ وَالتَّمْلِيكِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ وَلَكِنَّ حَقَّ اللَّهِ غَالِبٌ: ١٥ - مِثَالُهُ: حَدُّ الْقَذْفِ بَعْدَ تَبْلِيغِ الْمَقْذُوفِ، وَثُبُوتُ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ (١) .

стр. 10667

فَلِلْعَبْدِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ حَقٌّ، لأَِنَّ الْمَقْذُوفَ بِالزِّنَى قَدِ اتُّهِمَ فِي عِرْضِهِ وَدِينِهِ، وَلِلَّهِ فِيهِ حَقٌّ، لأَِنَّ الْقَذْفَ بِالزِّنَى مِسَاسٌ بِالأَْعْرَاضِ عَلَنًا، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى شُيُوعِ الْفَاحِشَةِ، وَانْتِشَارِ الأَْلْفَاظِ الْمُخِلَّةِ بِالآْدَابِ. وَغَلَبَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لِكَيْ يَتَحَتَّمَ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ، لاِعْتِدَائِهِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ وَعَلَى الْمَقْذُوفِ، وَلِكَيْ يَمْنَعَ الْمَقْذُوفَ مِنَ التَّنَازُل عَنْ حَقِّهِ، أَوِ الصُّلْحِ عَلَيْهِ، أَوْ تَوَلِّي تَنْفِيذِ الْحَدِّ بِنَفْسِهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَغْلِيبِ حَقِّ اللَّهِ مَا يَأْتِي: أ - تَدَاخُل الْعُقُوبَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ إِلاَّ حَدٌّ وَاحِدٌ فَقَطْ. ب - لاَ يَجْرِي فِيهِ الإِْرْثُ. ج - لاَ يَسْقُطُ بِعَفْوِ الْمَقْذُوفِ. د - تَتَنَصَّفُ الْعُقُوبَةُ بِالرِّقِّ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ . (١) هـ - يُفَوَّضُ تَنْفِيذُ الْحَدِّ لِلإِْمَامِ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ لَكِنَّ حَقَّ الْعَبْدِ غَالِبٌ: ١٦ - مِثْل: الْقِصَاصِ مِنَ الْقَاتِل عَمْدًا عُدْوَانًا. فَلِلَّهِ فِيهِ حَقٌّ، لأَِنَّهُ اعْتِدَاءٌ عَلَى الْمُجْتَمَعِ، وَاعْتِدَاءٌ عَلَى مَخْلُوقِ اللَّهِ وَعَبْدِهِ الَّذِي حَرَّمَ دَمَهُ

стр. 10668

إِلاَّ بِحَقٍّ، وَلِلَّهِ فِي نَفْسِ الْعَبْدِ حَقُّ الاِسْتِعْبَادِ، حَيْثُ قَال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وَلِلْعَبْدِ فِي الْقِصَاصِ حَقٌّ، لأَِنَّ الْقَتْل الْعَمْدَ اعْتِدَاءٌ عَلَى شَخْصِهِ، لأَِنَّ لِلْعَبْدِ الْمَقْتُول فِي نَفْسِهِ حَقَّ الْحَيَاةِ، وَحَقَّ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا فَحَرَمَهُ الْقَاتِل مِنْ حَقِّهِ، وَهُوَ اعْتِدَاءٌ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُول، لأَِنَّهُ حَرَمَهُمْ مِنْ رِعَايَةِ مُورَثِهِمْ، وَاسْتِمْتَاعِهِمْ بِحَيَاتِهِ. فَكَانَ الْقَتْل الْعَمْدُ اعْتِدَاءً عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ، وَلِذَلِكَ كَانَ فِي شَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ إِبْقَاءٌ لِلْحَقَّيْنِ، وَإِخْلاَءٌ لِلْعَالَمِ مِنَ الْفَسَادِ. تَصْدِيقًا لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَْلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . (٢) وَغَلَبَ حَقُّ الْعَبْدِ، لأَِنَّ وَلِيَّ الْمَقْتُول يَمْلِكُ رَفْعَ دَعْوَى الْقِصَاصِ أَوْ عَدَمَ رَفْعِهَا، وَبَعْدُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِصَاصِ وَالْحُكْمِ عَلَى الْجَانِي الْقَاتِل يَمْلِكُ التَّنَازُل عَنْهُ وَالصُّلْحَ عَلَى مَالٍ أَوِ الصُّلْحَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، كَمَا يَمْلِكُ تَنْفِيذَ حُكْمِ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَاتِل إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَكَانَ يُتْقِنُ التَّنْفِيذَ، وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ إِلاَّ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، لِئَلاَّ يُفْتَاتَ عَلَيْهِ، فَلَوْ فَعَل وَقَعَ الْقِصَاصُ مَوْقِعَهُ وَاسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ. (٣)

стр. 10669

تَقْسِيمُ الْحُقُوقِ بِاعْتِبَارِ وُجُودِ حَقٍّ لِلْعَبْدِ: ١٧ - قَسَّمَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ (١) الْحُقُوقَ بِاعْتِبَارِ وُجُودِ حَقٍّ لِلْعَبْدِ وَعَدَمِ وُجُودِ حَقٍّ لَهُ إِلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ، وَهُمَا: ١ - حَقُّ اللَّهِ فَقَطْ، مِثْل: الإِْيمَانِ، وَتَحْرِيمِ الْكُفْرِ. ٢ - حَقُّ الْعَبْدِ. ثُمَّ قَسَّمُوا حَقَّ الْعَبْدِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الأَْوَّل: حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى اللَّهِ، وَمَلْزُومُ عِبَادَتِهِ إِيَّاهُ، وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَيُخَلِّصَهُ مِنَ النَّارِ، (٢) الثَّانِي: حَقُّ الْعَبْدِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ الأَْمْرُ الَّذِي يَسْتَقِيمُ بِهِ أُولاَهُ وَأُخْرَاهُ مِنْ مَصَالِحِهِ، مِثْل: تَحْرِيمِ الْخَمْرِ. الثَّالِثُ: حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادِ، وَهُوَ مَا لَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الذِّمَمِ وَالْمَظَالِمِ، مِثْل: الدَّيْنِ، وَثَمَنِ الْمَبِيعِ. (٣) الْحُقُوقُ كُلُّهَا فِيهَا حَقٌّ لِلَّهِ وَحَقٌّ لِلْعَبْدِ: ١٨ - كُل حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بِخَالٍ عَنْ حَقِّ اللَّهِ

стр. 10670

وَهُوَ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَعِبَادَتُهُ امْتِثَال أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ بِإِطْلاَقٍ. فَإِنْ جَاءَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَقٌّ مُجَرَّدٌ لِلْعَبْدِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بِإِطْلاَقٍ، بَل جَاءَ عَلَى تَغْلِيبِ حَقِّ الْعَبْدِ فِي الأَْحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ. كَمَا أَنَّ كُل حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فِيهِ حَقٌّ لِلْعِبَادِ إِمَّا عَاجِلاً وَإِمَّا آجِلاً، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَلِذَلِكَ قَال فِي الْحَدِيثِ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا عَبَدُوهُ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ. (١) وَعَادَتُهُمْ فِي تَفْسِيرِ حَقِّ اللَّهِ أَنَّهُ مَا فَهِمَ مِنَ الشَّرْعِ أَنَّهُ لاَ خِيرَةَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ، كَانَ لَهُ مَعْنًى مَعْقُولٌ أَوْ غَيْرُ مَعْقُولٍ. وَحَقُّ الْعَبْدِ: مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى مَصَالِحِهِ فِي الدُّنْيَا. فَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَصَالِحِ الأُْخْرَوِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ. وَمَعْنَى التَّعَبُّدِ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ مَا لاَ يُعْقَل مَعْنَاهُ عَلَى الْخُصُوصِ. وَأَصْل الْعِبَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حَقِّ اللَّهِ، وَأَصْل الْعَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ. (٢) وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: حُقُوقُ اللَّهِ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا مَا هُوَ خَالِصٌ لِلَّهِ كَالْمَعَارِفِ

стр. 10671

وَالأَْحْوَال الْمَبْنِيَّةِ عَلَيْهَا، وَالإِْيمَانِ بِمَا يَجِبُ الإِْيمَانُ بِهِ، كَالإِْيمَانِ بِإِرْسَال الرُّسُل وَإِنْزَال الْكُتُبِ وَبِمَا تَضَمَّنَتْهُ الشَّرَائِعُ مِنَ الأَْحْكَامِ، وَبِالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. الثَّانِي: مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالأَْمْوَال الْمَنْدُوبَاتِ وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا وَالْوَصَايَا وَالأَْوْقَافِ، فَهَذِهِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ وَجْهٍ، وَنَفْعٌ لِعِبَادِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَالْغَرَضُ الأَْظْهَرُ مِنْهَا نَفْعُ عِبَادِهِ وَإِصْلاَحُهُمْ بِمَا وَجَبَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ نُدِبَ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ لِبَاذِلِيهِ وَرِفْقٌ لآِخِذِيهِ. الثَّالِثُ: مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ رَسُولِهِ ﷺ وَحُقُوقِ الْمُكَلَّفِ وَالْعِبَادِ أَوْ يَشْتَمِل عَلَى الْحُقُوقِ الثَّلاَثَةِ. وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا الأَْذَانُ، فِيهِ الْحُقُوقُ الثَّلاَثَةُ، أَمَّا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَالتَّكْبِيرَاتُ وَالشَّهَادَةُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَأَمَّا حَقُّ الرَّسُول ﷺ فَالشَّهَادَةُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ، وَأَمَّا حَقُّ الْعِبَادِ فَبِالإِْرْشَادِ إِلَى تَعْرِيفِ دُخُول الأَْوْقَاتِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالْمُنْفَرِدِينَ، وَالدُّعَاءِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي. (١) تَقْدِيمُ الْحُقُوقِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ تَيَسُّرِهِ وَتَعَذُّرِ الْجَمْعِ: ١٩ - قَال الإِْمَامُ الزَّرْكَشِيُّ: حُقُوقُ اللَّهِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ:

стр. 10672

أ - مَا يَتَعَارَضُ فَيُقَدَّمُ آكَدُهُ. (فَمِنْهُ) : تَقْدِيمُ الصَّلاَةِ آخِرَ وَقْتِهَا عَلَى رَوَاتِبِهَا وَكَذَلِكَ عَلَى الْمَقْضِيَّةِ إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ إِلاَّ مَا يَسَعُ الْحَاضِرَةَ فَإِنْ كَانَ يَسَعُ الْمُؤَدَّاةَ وَالْمَقْضِيَّةَ فَالْفَائِتَةُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ. (وَمِنْهَا) : تَقْدِيمُ النَّوَافِل الْمَشْرُوعِ فِيهَا الْجَمَاعَةُ كَالْعِيدَيْنِ عَلَى الرَّوَاتِبِ. نَعَمْ تُقَدَّمُ الرَّوَاتِبُ عَلَى التَّرَاوِيحِ فِي الأَْصَحِّ (وَتَقْدِيمُ الرَّوَاتِبِ عَلَى النَّوَافِل الْمُطْلَقَةِ، وَتَقْدِيمُ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ فِي الأَْصَحِّ) وَتَقْدِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَالصِّيَامِ الْوَاجِبِ عَلَى نَفْلِهِ، وَالنُّسُكِ الْوَاجِبِ عَلَى غَيْرِهِ. وَإِذَا تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ وُجُودَ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ فَتَأْخِيرُ الصَّلاَةِ لاِنْتِظَارِهِ أَفْضَل مِنَ التَّقْدِيمِ بِالتَّيَمُّمِ. وَلَوْ أَوْصَى بِمَاءٍ لأَِوْلَى النَّاسِ بِهِ قُدِّمَ غُسْل الْمَيِّتِ عَلَى غَيْرِهِ، وَغُسْل النَّجَاسَةِ عَلَى الْحَدَثِ، لأَِنَّهُ لاَ بَدَل لَهُ، وَفِي غُسْل الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: الأَْوَّل تَقْدِيمُ غُسْل الْجَنَابَةِ، وَالثَّانِي تَقْدِيمُ غُسْل الْحَيْضِ، وَثَالِثُهَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فَيُقْرَعُ. وَيُقَدَّمُ (الْغُسْل مِنْ غُسْل الْمَيِّتِ) وَغُسْل الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الأَْغْسَال، وَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ قَوْلاَنِ: فَصَحَّحَ الْعِرَاقِيُّونَ تَقْدِيمَ الْغُسْل مِنْ غُسْل الْمَيِّتِ عَلَى غُسْل الْجُمُعَةِ، لأَِنَّ الشَّافِعِيَّ عَلَّقَ الْقَوْل بِوُجُوبِهِ

стр. 10673

عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ، (١) وَصَحَّحَ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَتَابَعَهُمُ النَّوَوِيُّ تَقْدِيمَ غُسْل الْجُمُعَةِ، لِصِحَّةِ أَحَادِيثِهِ. (٢) وَمِنْهَا، قَاعِدَةُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا. ب - مَا يَتَسَاوَى لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ، كَمَنْ عَلَيْهِ فَائِتٌ مِنْ رَمَضَانَيْنِ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ الَّذِي عَلَيْهِ فِدْيَةُ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَيْنِ، وَمَنْ عَلَيْهِ شَاتَانِ مَنْذُورَتَانِ فَلَمْ يَقْدِرْ إِلاَّ عَلَى إِحْدَاهُمَا، نَذَرَ حَجًّا أَوْ عَمْرَةً بِنَذْرٍ وَاحِدٍ أَوْ بِنُذُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ. ج - مَا تَفَاوَتَتْ، فَيُقَدَّمُ الْمُرَجَّحُ، كَالدَّمِ الْوَاجِبِ فِي الإِْحْرَامِ، وَالزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِي شَاةٍ، فَالزَّكَاةُ أَوْلَى، وَمِثْلُهُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ وَالْفِطْرَةِ، إِذَا اجْتَمَعَا فِي مَالٍ يَقْصُرُ عَنْهُمَا، فَالْفِطْرَةُ أَوْلَى، لِتَعَلُّقِهِمَا بِالْعَيْنِ.

стр. 10674

وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَالْقَتْل، وَوَجَدَ الإِْطْعَامَ لإِِحْدَاهُمَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَقُلْنَا بِالإِْطْعَامِ فِي الْقَتْل، فَالظِّهَارُ أَوْلَى. د - مَا اخْتُلِفَ فِيهِ كَالْعَارِي هَل يُصَلِّي قَائِمًا؟ وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ مُحَافَظَةً عَلَى الأَْرْكَانِ، أَوْ يُصَلِّي قَاعِدًا مُومِيًا مُحَافَظَةً عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ، أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا؟ وَالأَْصَحُّ الأَْوَّل، وَكَذَا الْمَحْبُوسُ بِمَكَانٍ نَجَسٍ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَسْجُدُ وَلاَ يَجْلِسُ، بَل يَنْحَنِي لِلسُّجُودِ إِلَى الْقَدْرِ الَّذِي لَوْ زَادَ عَلَيْهِ لاَقَى النَّجَاسَةَ. وَلَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ نَجَسٍ وَمَعَهُ ثَوْبٌ، فَهَل يَبْسُطُهُ وَيُصَلِّي عُرْيَانًا أَوْ يُصَلِّي فِيهِ أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا؟ فِيهِ الأَْوْجُهُ الثَّلاَثَةُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْبَ حَرِيرٍ، فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ تَجِبُ الصَّلاَةُ فِيهِ. وَلَوِ اجْتَمَعَ عُرَاةٌ فَهَل يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلُّوا فُرَادَى أَوْ جَمَاعَةً أَوْ يَتَخَيَّرُوا أَوْ هُمَا سَوَاءٌ؟ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ. (١) وَفِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ إِذَا اجْتَمَعَتْ: قَال الزَّرْكَشِيُّ أَيْضًا: فَتَارَةً تَسْتَوِي كَالْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، وَتَسَاوِي أَوْلِيَاءِ النِّكَاحِ فِي دَرَجَةٍ، وَتَسْوِيَةِ الْحُكَّامِ بَيْنَ الْخُصُومِ فِي الْمُحَاكَمَاتِ، وَتَسَاوِي الشُّرَكَاءِ فِي الْقِسْمَةِ وَالإِْجْبَارِ عَلَيْهَا، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ السَّابِقَيْنِ إِلَى مُبَاحٍ. وَتَارَةً يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا كَنَفَقَةِ نَفْسِهِ عَلَى نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَقَرِيبِهِ،

стр. 10675

وَتَقْدِيمِ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ عَلَى نَفَقَةِ قَرِيبِهِ، وَتَقْدِيمِ غُرَمَائِهِ عَلَيْهِ فِي بَيْعِ مَالِهِ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَتَقْدِيمِهِ عَلَى غُرَمَائِهِ بِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَكِسْوَتِهِمْ فِي مُدَّةِ الْحَجْرِ، وَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى غَيْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، وَتَقْدِيمِ ذَوِي الضَّرُورَاتِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَاتِ، وَالتَّقْدِيمِ بِالسَّبْقِ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَمَقَاعِدِ الأَْسْوَاقِ، وَتَقْدِيمِ حَقِّ الْبَائِعِ عَلَى حَقِّ الْمُشْتَرِي، وَالتَّقْدِيمِ فِي الإِْرْثِ بِالْعُصُوبَةِ وَقُرْبِ الدَّرَجَةِ وَفِي وِلاَيَةِ النِّكَاحِ بِالأُْبُوَّةِ وَالْجُدُودَةِ، ثُمَّ بِالْعُصُوبَةِ، وَالْحَقُّ الثَّابِتُ لِمُعَيِّنٍ أَقْوَى مِنَ الْحَقِّ الثَّابِتِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَلِهَذَا تَجِبُ زَكَاةُ الْمَال الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ، بِخِلاَفِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَالْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِالْعَيْنِ أَقْوَى مِنَ الْمُتَعَلِّقِ بِالذِّمَّةِ، وَلِهَذَا قُدِّمَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُفْلِسِ بِالسِّلْعَةِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ يُقَدَّمُ بِالْمَرْهُونِ، وَيُقَدَّمُ مَا لَهُ مُتَعَلَّقٌ وَاحِدٌ عَلَى مَا لَهُ مُتَعَلَّقَانِ، كَمَا لَوْ جَنَى الْمَرْهُونُ يُقَدَّمُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، لأَِنَّهُ لاَ مُتَعَلَّقَ لَهُ سِوَى الرَّقَبَةِ، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ. وَفِي اجْتِمَاعِ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الآْدَمِيِّ قَال الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: أ - مَا قُطِعَ فِيهِ بِتَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ التَّرَفُّهِ وَالْمَلاَذِّ تَحْصِيلاً لِمَصْلَحَةِ الْعَبْدِ فِي الآْخِرَةِ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ وَطْءِ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَإِيجَابُ الْغُسْل عَلَيْهَا لِكُل صَلاَةٍ.

стр. 10676

ب - مَا قُطِعَ فِيهِ بِتَقْدِيمِ حَقِّ الآْدَمِيِّ كَجَوَازِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عِنْدَ الإِْكْرَاهِ وَلُبْسِ الْحَرِيرِ عِنْدَ الْحَكَّةِ، وَكَتَجْوِيزِ التَّيَمُّمِ بِالْخَوْفِ مِنَ الْمَرَضِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْعْذَارِ، وَكَذَلِكَ الأَْعْذَارُ الْمُجَوِّزَةُ لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ، وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَغَيْرُهَا، وَالتَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ غَيْرُ الْخَمْرِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ قَتْل قِصَاصٍ وَقَتْل رِدَّةٍ قُدِّمَ قَتْل الْقِصَاصِ، وَجَوَازُ التَّحَلُّل بِإِحْصَارِ الْعَدُوِّ. ج - مَا فِيهِ خِلاَفٌ بِحَقِّهِ. فَمِنْهَا، إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ وَفِيهِ أَقْوَالٌ ثَلاَثَةٌ: قِيل: تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ، وَقِيل: يُقَدَّمُ الدَّيْنُ، وَقِيل إِنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ وَالأَْصَحُّ تَقْدِيمُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِنْهَا، الْحَجُّ وَالْكَفَّارَةُ، وَالأَْصَحُّ تَقْدِيمُ الْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ، قَال الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الإِْيمَانِ: وَلاَ تَجْرِي هَذِهِ الأَْقْوَال فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ، بَل يُقَدَّمُ حَقُّ الآْدَمِيِّ وَيُؤَخَّرُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى مَا دَامَ حَيًّا، وَمُرَادُهُ الْحُقُوقُ الْمُسْتَرْسِلَةُ فِي الذِّمَّةِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِهَذَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْمَرْهُونِ تُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى التَّرِكَةِ دَيْنُ آدَمِيٍّ وَجِزْيَةٌ، فَالصَّحِيحُ تَسَاوِيهِمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ أَنَّ الْمُغَلِّبَ فِي الْجِزْيَةِ حَقُّ الآْدَمِيِّ، فَإِنَّهَا عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ، فَأَشْبَهَتْ غَيْرَهَا مِنْ دُيُونِ الآْدَمِيِّينَ، وَلِهَذَا، لَوْ أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ

стр. 10677

السَّنَةِ لاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ، وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ، وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ فِي أَوَّل الْوُجُوبِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، وَالزَّكَاةُ لاَ تَجِبُ، إِلاَّ بِآخِرِ الْحَوْل. وَمِنْهَا إِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ، فَأَقْوَالٌ، قِيل: تُقَدَّمُ الْمَيْتَةُ، وَقِيل: طَعَامُ الْغَيْرِ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ. وَمِنْهَا، لَوْ بَذَل الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ الطَّاعَةَ فِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَجَبَ عَلَى الأَْبِ قَبُولُهُ، وَكَذَا لَوْ بَذَل لَهُ الأُْجْرَةَ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ الْقَبُول فِي دَيْنِ الآْدَمِيِّ، بِلاَ خِلاَفٍ. (١) تَقْسِيمُ الْحُقُوقِ بِاعْتِبَارِ قَابِلِيَّتِهَا لِلإِْسْقَاطِ وَعَدَمِهِ: ٢٠ - الْحَقُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا خَالِصًا لِلْعَبْدِ، وَإِمَّا أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ مَعَ الاِخْتِلاَفِ فِي تَغْلِيبِ أَحَدِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ. (٢) وَحُقُوقُ اللَّهِ فِي الْجُمْلَةِ إِمَّا عِبَادَاتٌ مَحْضَةٌ مَالِيَّةً كَانَتْ كَالزَّكَاةِ، أَوْ بَدَنِيَّةً كَالصَّلاَةِ، أَوْ جَامِعَةً لِلْبَدَنِ وَالْمَال كَالْحَجِّ. وَإِمَّا عُقُوبَاتٌ مَحْضَةٌ

стр. 10678

كَالْحُدُودِ، وَإِمَّا كَفَّارَاتٌ وَهِيَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعِبَادَةِ. وَالأَْصْل أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ، لأَِنَّهُ مَا مِنْ حَقٍّ لِلْعَبْدِ إِلاَّ وَفِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَمْرُهُ بِإِيصَال ذَلِكَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَإِفْرَادُ نَوْعٍ مِنَ الْحُقُوقِ بِجَعْلِهِ حَقًّا لِلْعَبْدِ فَقَطْ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ تَسْلِيطِ الْعَبْدِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ بِحَيْثُ لَوْ أَسْقَطَهُ لَسَقَطَ. (١) وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ مَا يَسْقُطُ مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ وَمَا لاَ يَسْقُطُ: أَوَّلاً: حَقُّ اللَّهِ : ٢١ - الأَْصْل أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عِبَادَاتٍ كَالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، أَمْ كَانَتْ عُقُوبَاتٍ كَالْحُدُودِ، أَمْ كَانَتْ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعِبَادَةِ كَالْكَفَّارَاتِ، أَمْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي تَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِصِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ بِمُقْتَضَى الشَّرِيعَةِ كَحَقِّ الْوِلاَيَةِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَحَقِّ الأُْبُوَّةِ، وَالأُْمُومَةِ، وَحَقِّ الاِبْنِ فِي الأُْبُوَّةِ وَالنَّسَبِ - هَذِهِ الْحُقُوقُ لاَ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ. (٢)

стр. 10679

وَمَنْ حَاوَل إِسْقَاطَ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُقَاتَل كَمَا فَعَل أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِمَانِعِي الزَّكَاةِ. (١) بَل إِنَّ السُّنَنَ الَّتِي فِيهَا إِظْهَارُ الدِّينِ وَتُعْتَبَرُ مِنْ شَعَائِرِهِ كَالآْذَانِ لَوِ اتَّفَقَ أَهْل بَلْدَةٍ عَلَى تَرْكِهِ وَجَبَ قِتَالُهُمْ. (٢) وَلاَ يَجُوزُ التَّحَيُّل عَلَى إِسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ كَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الْحَجِّ فَوَهَبَهُ كَيْ لاَ يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَكَمَنْ دَخَل عَلَيْهِ وَقْتُ صَلاَةٍ فَشَرِبَ دَوَاءً مُنَوِّمًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا وَهُوَ فَاقِدٌ لِعَقْلِهِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ (٣) . كَمَا تَحْرُمُ الشَّفَاعَةُ لإِِسْقَاطِ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّ الْحَدَّ حَقٌّ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ غَضِبَ حِينَ شَفَعَ أُسَامَةُ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى؟ (٤) أَمَّا مَا اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ كَالْقَذْفِ مَعَ الاِخْتِلاَفِ فِي تَغْلِيبِ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ

стр. 10680

مَنْ غَلَّبَ فِيهِ جَانِبَ الْعَبْدِ أَجَازَ الْعَفْوَ فِيهِ قَبْل الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَبَعْدَهُ وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجُوزُ الْعَفْوُ فِيهِ بَعْدَ الرَّفْعِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ. وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الْعَفْوَ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ يُرِيدُ السِّتْرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ هَذَا الْقَيْدُ بَيْنَ الاِبْنِ وَأَبِيهِ. (١) وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْحُدُودِ، أَمَّا التَّعْزِيرُ فَمَا كَانَ مِنْهُ حَقًّا لِلآْدَمِيِّ جَازَ الْعَفْوُ عَنْهُ وَمَا كَانَ مِنْهُ حَقًّا لِلَّهِ فَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَى الإِْمَامِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. كَمَا أَنَّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مَا شُرِعَ أَصْلاً لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَسْقُطُ بِالإِْسْقَاطِ لِمُنَافَاةِ الإِْسْقَاطِ لِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ، وَمِنْ ذَلِكَ وِلاَيَةُ الأَْبِ عَلَى الصَّغِيرِ، فَهِيَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ وَصْفًا ذَاتِيًّا لِصَاحِبِهَا فَهِيَ لاَزِمَةٌ لَهُ وَلاَ تَنْفَكُّ عَنْهُ، فَحَقُّهُ ثَابِتٌ بِإِثْبَاتِ الشَّرْعِ، فَيُعْتَبَرُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ لاَ يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْعَبْدِ. (٣)
следующие страницы →