← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10676–10715 · переход к 10681.

стр. 10676

ب - مَا قُطِعَ فِيهِ بِتَقْدِيمِ حَقِّ الآْدَمِيِّ كَجَوَازِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عِنْدَ الإِْكْرَاهِ وَلُبْسِ الْحَرِيرِ عِنْدَ الْحَكَّةِ، وَكَتَجْوِيزِ التَّيَمُّمِ بِالْخَوْفِ مِنَ الْمَرَضِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْعْذَارِ، وَكَذَلِكَ الأَْعْذَارُ الْمُجَوِّزَةُ لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ، وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَغَيْرُهَا، وَالتَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ غَيْرُ الْخَمْرِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ قَتْل قِصَاصٍ وَقَتْل رِدَّةٍ قُدِّمَ قَتْل الْقِصَاصِ، وَجَوَازُ التَّحَلُّل بِإِحْصَارِ الْعَدُوِّ. ج - مَا فِيهِ خِلاَفٌ بِحَقِّهِ. فَمِنْهَا، إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ وَفِيهِ أَقْوَالٌ ثَلاَثَةٌ: قِيل: تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ، وَقِيل: يُقَدَّمُ الدَّيْنُ، وَقِيل إِنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ وَالأَْصَحُّ تَقْدِيمُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِنْهَا، الْحَجُّ وَالْكَفَّارَةُ، وَالأَْصَحُّ تَقْدِيمُ الْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ، قَال الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الإِْيمَانِ: وَلاَ تَجْرِي هَذِهِ الأَْقْوَال فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ، بَل يُقَدَّمُ حَقُّ الآْدَمِيِّ وَيُؤَخَّرُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى مَا دَامَ حَيًّا، وَمُرَادُهُ الْحُقُوقُ الْمُسْتَرْسِلَةُ فِي الذِّمَّةِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِهَذَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْمَرْهُونِ تُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى التَّرِكَةِ دَيْنُ آدَمِيٍّ وَجِزْيَةٌ، فَالصَّحِيحُ تَسَاوِيهِمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ أَنَّ الْمُغَلِّبَ فِي الْجِزْيَةِ حَقُّ الآْدَمِيِّ، فَإِنَّهَا عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ، فَأَشْبَهَتْ غَيْرَهَا مِنْ دُيُونِ الآْدَمِيِّينَ، وَلِهَذَا، لَوْ أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ

стр. 10677

السَّنَةِ لاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ، وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ، وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ فِي أَوَّل الْوُجُوبِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، وَالزَّكَاةُ لاَ تَجِبُ، إِلاَّ بِآخِرِ الْحَوْل. وَمِنْهَا إِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ، فَأَقْوَالٌ، قِيل: تُقَدَّمُ الْمَيْتَةُ، وَقِيل: طَعَامُ الْغَيْرِ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ. وَمِنْهَا، لَوْ بَذَل الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ الطَّاعَةَ فِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَجَبَ عَلَى الأَْبِ قَبُولُهُ، وَكَذَا لَوْ بَذَل لَهُ الأُْجْرَةَ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ الْقَبُول فِي دَيْنِ الآْدَمِيِّ، بِلاَ خِلاَفٍ. (١) تَقْسِيمُ الْحُقُوقِ بِاعْتِبَارِ قَابِلِيَّتِهَا لِلإِْسْقَاطِ وَعَدَمِهِ: ٢٠ - الْحَقُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا خَالِصًا لِلْعَبْدِ، وَإِمَّا أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ مَعَ الاِخْتِلاَفِ فِي تَغْلِيبِ أَحَدِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ. (٢) وَحُقُوقُ اللَّهِ فِي الْجُمْلَةِ إِمَّا عِبَادَاتٌ مَحْضَةٌ مَالِيَّةً كَانَتْ كَالزَّكَاةِ، أَوْ بَدَنِيَّةً كَالصَّلاَةِ، أَوْ جَامِعَةً لِلْبَدَنِ وَالْمَال كَالْحَجِّ. وَإِمَّا عُقُوبَاتٌ مَحْضَةٌ

стр. 10678

كَالْحُدُودِ، وَإِمَّا كَفَّارَاتٌ وَهِيَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعِبَادَةِ. وَالأَْصْل أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ، لأَِنَّهُ مَا مِنْ حَقٍّ لِلْعَبْدِ إِلاَّ وَفِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَمْرُهُ بِإِيصَال ذَلِكَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَإِفْرَادُ نَوْعٍ مِنَ الْحُقُوقِ بِجَعْلِهِ حَقًّا لِلْعَبْدِ فَقَطْ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ تَسْلِيطِ الْعَبْدِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ بِحَيْثُ لَوْ أَسْقَطَهُ لَسَقَطَ. (١) وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ مَا يَسْقُطُ مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ وَمَا لاَ يَسْقُطُ: أَوَّلاً: حَقُّ اللَّهِ : ٢١ - الأَْصْل أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عِبَادَاتٍ كَالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، أَمْ كَانَتْ عُقُوبَاتٍ كَالْحُدُودِ، أَمْ كَانَتْ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعِبَادَةِ كَالْكَفَّارَاتِ، أَمْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي تَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِصِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ بِمُقْتَضَى الشَّرِيعَةِ كَحَقِّ الْوِلاَيَةِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَحَقِّ الأُْبُوَّةِ، وَالأُْمُومَةِ، وَحَقِّ الاِبْنِ فِي الأُْبُوَّةِ وَالنَّسَبِ - هَذِهِ الْحُقُوقُ لاَ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ. (٢)

стр. 10679

وَمَنْ حَاوَل إِسْقَاطَ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُقَاتَل كَمَا فَعَل أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِمَانِعِي الزَّكَاةِ. (١) بَل إِنَّ السُّنَنَ الَّتِي فِيهَا إِظْهَارُ الدِّينِ وَتُعْتَبَرُ مِنْ شَعَائِرِهِ كَالآْذَانِ لَوِ اتَّفَقَ أَهْل بَلْدَةٍ عَلَى تَرْكِهِ وَجَبَ قِتَالُهُمْ. (٢) وَلاَ يَجُوزُ التَّحَيُّل عَلَى إِسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ كَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الْحَجِّ فَوَهَبَهُ كَيْ لاَ يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَكَمَنْ دَخَل عَلَيْهِ وَقْتُ صَلاَةٍ فَشَرِبَ دَوَاءً مُنَوِّمًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا وَهُوَ فَاقِدٌ لِعَقْلِهِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ (٣) . كَمَا تَحْرُمُ الشَّفَاعَةُ لإِِسْقَاطِ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّ الْحَدَّ حَقٌّ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ غَضِبَ حِينَ شَفَعَ أُسَامَةُ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى؟ (٤) أَمَّا مَا اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ كَالْقَذْفِ مَعَ الاِخْتِلاَفِ فِي تَغْلِيبِ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ

стр. 10680

مَنْ غَلَّبَ فِيهِ جَانِبَ الْعَبْدِ أَجَازَ الْعَفْوَ فِيهِ قَبْل الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَبَعْدَهُ وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجُوزُ الْعَفْوُ فِيهِ بَعْدَ الرَّفْعِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ. وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الْعَفْوَ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ يُرِيدُ السِّتْرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ هَذَا الْقَيْدُ بَيْنَ الاِبْنِ وَأَبِيهِ. (١) وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْحُدُودِ، أَمَّا التَّعْزِيرُ فَمَا كَانَ مِنْهُ حَقًّا لِلآْدَمِيِّ جَازَ الْعَفْوُ عَنْهُ وَمَا كَانَ مِنْهُ حَقًّا لِلَّهِ فَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَى الإِْمَامِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. كَمَا أَنَّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مَا شُرِعَ أَصْلاً لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَسْقُطُ بِالإِْسْقَاطِ لِمُنَافَاةِ الإِْسْقَاطِ لِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ، وَمِنْ ذَلِكَ وِلاَيَةُ الأَْبِ عَلَى الصَّغِيرِ، فَهِيَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ وَصْفًا ذَاتِيًّا لِصَاحِبِهَا فَهِيَ لاَزِمَةٌ لَهُ وَلاَ تَنْفَكُّ عَنْهُ، فَحَقُّهُ ثَابِتٌ بِإِثْبَاتِ الشَّرْعِ، فَيُعْتَبَرُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ لاَ يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْعَبْدِ. (٣)

стр. 10681

وَمِنْ ذَلِكَ السُّكْنَى فِي بَيْتِ الْعِدَّةِ، فَعَلَى الْمُعْتَدَّةِ أَنْ تَعْتَدَّ فِي الْمَنْزِل الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهَا بِالسُّكْنَى حَال وُقُوعِ الْفُرْقَةِ، وَالْبَيْتُ الْمُضَافُ إِلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (١) هُوَ الْبَيْتُ الَّذِي تَسْكُنُهُ، وَلاَ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ وَلاَ لِغَيْرِهِ إِخْرَاجُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ مَسْكَنِهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ وَإِنْ رَضِيَ الزَّوْجُ بِذَلِكَ، لأَِنَّ فِي الْعِدَّةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِخْرَاجُهَا أَوْ خُرُوجُهَا مِنْ مَسْكَنِ الْعِدَّةِ مُنَافٍ لِلْمَشْرُوعِ، فَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ إِسْقَاطُهُ. (٢) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَيُنْظَرُ: (سُكْنَى - عِدَّةٌ) . وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، فَبَيْعُ الشَّيْءِ قَبْل رُؤْيَتِهِ يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرُّؤْيَةِ، فَلَهُ الأَْخْذُ وَلَهُ الرَّدُّ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَآهُ (٣) ". فَالْخِيَارُ هُنَا لَيْسَ بِاشْتِرَاطِ الْعَاقِدِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ شَرْعًا فَكَانَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ

стр. 10682

إِسْقَاطُهُ وَلاَ يَسْقُطُ بِالإِْسْقَاطِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُونَ بَيْعَ الشَّيْءِ الْغَائِبِ مَعَ مُرَاعَاةِ شَرَائِطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ. (١) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي " خِيَارِ الرُّؤْيَةِ ". وَهَكَذَا فِي كُل مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى مِمَّا شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ لاَ يَجُوزُ إِسْقَاطُهُ. وَمَا دَامَتْ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى لاَ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ مِنَ الْعِبَادِ فَلاَ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنْ إِسْقَاطِهَا، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يُصَالِحَ أَحَدٌ سَارِقًا أَوْ شَارِبًا لِلْخَمْرِ لِيُطْلِقَهُ وَلاَ يَرْفَعَهُ لِلسُّلْطَانِ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَخْذُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَكَذَا لاَ يَصِحُّ أَنْ يُصَالِحَ شَاهِدًا عَلَى أَنْ لاَ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ لِلَّهِ أَوْ لآِدَمِيٍّ، لأَِنَّ الشَّاهِدَ فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ مُحْتَسِبٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) وَالصُّلْحُ عَنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى بَاطِلٌ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ أَخَذَ عِوَضًا رَدُّهُ لأَِنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ. (٣) وَإِذَا كَانَتْ حُقُوقُ اللَّهِ لاَ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ، فَإِنَّهَا تَقْبَل الإِْسْقَاطَ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الشَّرْعِ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ وَتَخْفِيفًا عَنْهُمْ، وَلِذَلِكَ يَقُول الْفُقَهَاءُ: إِنَّ حُقُوقَ

стр. 10683

اللَّهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ فِي شَيْءٍ، وَمِنْ ثَمَّ قَبِل الرُّجُوعَ عَنِ الإِْقْرَارِ بِالزِّنَى فَيَسْقُطُ الْحَدُّ بِخِلاَفِ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ فَإِنَّهُمْ يَتَضَرَّرُونَ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ سُقُوطِ الْحَدِّ الشُّبْهَةُ الْمُعْتَبَرَةُ (١) ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ. (٢) وَالْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ الَّتِي تَلْحَقُ الْمُكَلَّفَ تَكُونُ سَبَبًا لإِِسْقَاطِ بَعْضِ التَّكَالِيفِ عَمَّنْ تَلْحَقُهُمُ الْمَشَقَّةُ وَذَلِكَ تَفَضُّلاً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَةً بِهِمْ، وَذَلِكَ كَإِسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ عَنِ الْمَجْنُونِ، وَإِسْقَاطِ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ لأَِصْحَابِ الأَْعْذَارِ كَالْمَرْضَى وَالْمُسَافِرِينَ لِمَا يَنَالُهُمْ مِنْ مَشَقَّةٍ. وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ الْمَشَاقَّ وَأَنْوَاعَهَا، وَبَيَّنُوا لِكُل عِبَادَةٍ مَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً مِنْ مَشَاقِّهَا الْمُؤَثِّرَةِ فِي إِسْقَاطِهَا، وَأَدْرَجُوا ذَلِكَ تَحْتَ قَاعِدَةِ: الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ، أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ

стр. 10684

حَرَجٍ﴾ (١) . وَرَاجِعْ مُصْطَلَحَ (تَيْسِيرٌ) . وَالْحُكْمُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الأَْعْذَارِ يُسَمَّى رُخْصَةً، وَمِنْ أَقْسَامِ الرُّخْصَةِ مَا يُسَمَّى رُخْصَةَ إِسْقَاطٍ كَإِسْقَاطِ الصَّلاَةِ عَنِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَإِسْقَاطُ الصَّوْمِ عَنِ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لاَ يَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ (٢) . بَل إِنَّ صَلاَةَ الْمُسَافِرِ قَصْرًا فَرْضٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَتُعْتَبَرُ رُخْصَةَ إِسْقَاطٍ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ. (٣) وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ التَّصَدُّقَ بِمَا لاَ يَحْتَمِل التَّمْلِيكَ إِسْقَاطٌ لاَ يَحْتَمِل الرَّدَّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَلْزَمُ طَاعَتُهُ كَوَلِيِّ الْقِصَاصِ، فَهُوَ مِنَ اللَّهِ الَّذِي تَلْزَمُ طَاعَتُهُ أَوْلَى. (٤) وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إِسْقَاطُ الْحُرْمَةِ فِي تَنَاوُل الْمُحَرَّمِ لِلضَّرُورَةِ كَأَكْل الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ وَإِسَاغَةِ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ لِمَنْ غُصَّ بِهَا، وَإِبَاحَةِ نَظَرِ الْعَوْرَةِ لِلطَّبِيبِ. وَيَسْرِي هَذَا الْحُكْمُ عَلَى الْمُعَامَلاَتِ، فَمِنَ الرُّخْصَةِ مَا سَقَطَ مَعَ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا فِي الْجُمْلَةِ،

стр. 10685

وَذَلِكَ كَمَا فِي السَّلَمِ لِقَوْل الرَّاوِي: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِْنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ (١) وَالأَْصْل فِي الْبَيْعِ أَنْ يُلاَقِيَ عَيْنًا وَهَذَا مَشْرُوعٌ لَكِنَّهُ سَقَطَ فِي السَّلَمِ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي بَحْثِ: (تَيْسِيرٌ - رُخْصَةٌ - وَإِسْقَاطٌ) وَمَوَاضِعُهُ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. حُقُوقُ الْعِبَادِ: ٢٢ - حَقُّ الْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْسْقَاطِ وَعَدَمِهِ يَشْمَل الأَْعْيَانَ وَالْمَنَافِعَ وَالدُّيُونَ وَالْحُقُوقَ الْمُطْلَقَةَ وَهِيَ الَّتِي لَيْسَتْ عَيْنًا وَلاَ دَيْنًا وَلاَ مَنْفَعَةً. (٣) وَالأَْصْل أَنَّ كُل صَاحِبِ حَقٍّ لاَ يُمْنَعُ مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّهِ إِذَا كَانَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ - بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ - وَكَانَ الْمَحَل قَابِلاً لِلإِْسْقَاطِ - بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَيْنًا أَوْ شَيْئًا مُحَرَّمًا - وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَانِعٌ

стр. 10686

كَتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ. (١) وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي: أ - الْعَيْنُ: ٢٣ - الْعَيْنُ مَا تَحْتَمِل التَّعْيِينَ مُطْلَقًا جِنْسًا وَنَوْعًا وَقَدْرًا وَصِفَةً كَالْعُرُوضِ مِنَ الثِّيَابِ، وَالْعَقَارِ مِنَ الأَْرْضِينَ وَالدُّورِ، وَالْحَيَوَانِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَالْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ (٢) . وَمَالِكُ الْعَيْنِ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالنَّقْل عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. أَمَّا التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالإِْسْقَاطِ بِأَنْ يَقُول الشَّخْصُ: أَسْقَطْتُ مِلْكِي فِي هَذِهِ الدَّارِ لِفُلاَنٍ، يُرِيدُ بِذَلِكَ زَوَال مِلْكِهِ وَثُبُوتَهُ لِغَيْرِهِ فَقَدْ قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، لأَِنَّ الأَْعْيَانَ لاَ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، إِذْ أَنَّ الْعِتْقَ يُعْتَبَرُ إِسْقَاطًا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَهِيَ عَيْنٌ، وَالْوَقْفُ كَذَلِكَ يُعْتَبَرُ إِسْقَاطًا لِلْمِلْكِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ. (٣) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي بَحْثَيْ: (إِبْرَاءٌ - إِسْقَاطٌ) . ب - الدَّيْنُ: ٢٤ - الدَّيْنُ يَجُوزُ إِسْقَاطُهُ وَالاِعْتِيَاضُ عَنْهُ بِاتِّفَاقٍ

стр. 10687

سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ ثَمَنَ مَبِيعٍ، أَمْ كَانَ مُسْلَمًا فِيهِ، أَمْ كَانَ نَفَقَةً مَفْرُوضَةً مَاضِيَةً لِلزَّوْجَةِ، أَمْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَكَمَا يَجُوزُ إِسْقَاطُ كُل الدَّيْنِ يَجُوزُ إِسْقَاطُ بَعْضِهِ وَتَخْتَلِفُ الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا الاِعْتِيَاضُ فَقَدْ يَكُونُ فِي صُورَةِ صُلْحٍ، أَوْ خُلْعٍ، أَوْ تَعْلِيقٍ عَلَى حُصُول شَيْءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (١) وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي ابْنِ عَابِدِينَ: إِذَا أَبْرَأَتِ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ لِيُطَلِّقَهَا، صَحَّ الإِْبْرَاءُ وَيَكُونُ بِعِوَضٍ وَهُوَ مِلْكُهَا نَفْسَهَا. (٢) وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا أَعْطَى الْمَدِينُ الدَّائِنَ ثَوْبًا فِي مُقَابَلَةِ إِبْرَائِهِ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، فَيَمْلِكُ الدَّائِنُ الْعِوَضَ الْمَبْذُول لَهُ نَظِيرَ الإِْبْرَاءِ وَيَبْرَأُ الْمَدِينُ. (٣) وَقَدْ جَعَل الْقَرَافِيُّ مِنْ أَقْسَامِ الإِْسْقَاطِ بِعِوَضٍ: الصُّلْحَ عَنِ الدَّيْنِ (٤) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (إِبْرَاءٌ - إِسْقَاطٌ) . ج - الْمَنَافِعُ: ٢٥ - الْمَنَافِعُ كَذَلِكَ يَجُوزُ إِسْقَاطُهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ

стр. 10688

الْمُسْقِطُ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ، أَمْ كَانَ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ فَقَطْ بِمُقْتَضَى عَقْدٍ، كَالإِْجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ بِالْمَنْفَعَةِ، أَمْ بِغَيْرِ عَقْدٍ كَتَحْجِيرِ الْمَوَاتِ لإِِحْيَائِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الاِخْتِصَاصُ بِمَقَاعِدِ الأَْسْوَاقِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، فَالْمَنَافِعُ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ بِإِسْقَاطِ مُسْتَحِقِّ الْمَنْفَعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَانِعٌ. (١) وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسُكْنَى دَارِهِ فَمَاتَ الْمُوصِي وَبَاعَ الْوَارِثُ الدَّارَ وَرَضِيَ الْمُوصَى لَهُ جَازَ الْبَيْعُ وَبَطَلَتْ سُكْنَاهُ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَبِعِ الْوَارِثُ الدَّارَ وَلَكِنْ قَال الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ: أَسْقَطْتُ حَقِّي سَقَطَ حَقُّهُ بِالإِْسْقَاطِ. (٢) وَأَمَاكِنُ الْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالأَْسْوَاقِ يَجُوزُ لِلْمُنْتَفِعِ بِهَا إِسْقَاطُ الْحَقِّ فِيهَا (٣) . هَذَا بِالنِّسْبَةِ لإِِسْقَاطِهَا بِدُونِ عِوَضٍ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لإِِسْقَاطِهَا بِعِوَضٍ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى قَاعِدَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ وَمِلْكِ الاِنْتِفَاعِ، فَمَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ مَلَكَ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهَا، وَمَنْ مَلَكَ الاِنْتِفَاعَ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الإِْسْقَاطَ وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ (٤) - الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ

стр. 10689

وَالْحَنَابِلَةِ - أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَهُمْ بَعْضُ الْقُيُودِ فَإِنَّ الاِعْتِيَاضَ عَنِ الْمَنَافِعِ عِنْدَهُمْ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ، أَوْ لِمَالِكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ، أَمَّا مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ بِدُونِ عِوَضٍ فَلاَ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنْهَا. وَالْمَنَافِعُ عِنْدَهُمْ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ. كَمَا لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ إِفْرَادُ حُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ عَلَى الأَْصَحِّ وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَبَعًا. (١) وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ مَا لَوْ أَوْصَى شَخْصٌ لِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِ الدَّارِ وَالثَّانِي بِسُكْنَاهَا، وَصَالَحَ الأَْوَّل الثَّانِيَ لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِعَيْنِ الدَّارِ صَالَحَ الْمُوصَى لَهُ بِسُكْنَاهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ بِمَنْفَعَةِ عَيْنٍ أُخْرَى لِتَسْلَمَ الدَّارُ لَهُ جَازَ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إِجَارَةٌ - إِعَارَةٌ - وَصِيَّةٌ - وَقْفٌ - ارْتِفَاقٌ) . د - الْحَقُّ الْمُطْلَقُ: ٢٦ - الْمُرَادُ بِحَقِّ الْعَبْدِ الْمُطْلَقِ هُنَا مَا لَيْسَ بِعَيْنٍ وَلاَ دَيْنٍ وَلاَ مَنْفَعَةٍ كَمَا سَبَقَ، وَذَلِكَ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ، وَحَقِّ الْخِيَارِ، وَحَقِّ الزَّوْجَةِ فِي الْقَسْمِ، وَحَقِّ الْقِصَاصِ، وَحَقِّ الأَْجَل، وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ

стр. 10690

فَهَذِهِ الْحُقُوقُ وَمَا شَابَهَهَا يَجُوزُ إِسْقَاطُهَا، لأَِنَّ كُل صَاحِبِ حَقٍّ لاَ يُمْنَعُ مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّهِ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَانِعٌ. (١) وَمِنَ الْمَوَانِعِ الَّتِي تَمْنَعُ إِسْقَاطَ مِثْل هَذِهِ الْحُقُوقِ مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. فَمِمَّا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى مَنْعِ إِسْقَاطِهِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، كَحَقِّ الصَّغِيرِ فِي النَّسَبِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحَقُّ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِمَنْ لَحِقَ بِهِ الصَّغِيرُ إِسْقَاطُ النَّسَبِ، فَمَنْ أَقَرَّ بِابْنٍ، أَوْ هُنِّئَ بِهِ فَسَكَتَ فَقَدِ الْتَحَقَ بِهِ، وَلاَ يَصِحُّ لَهُ إِسْقَاطُ نَسَبِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. (٢) وَمِنْ ذَلِكَ تَصَرُّفُ الْمُفْلِسِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلْفَلَسِ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ حَقِّ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ تَصَرُّفًا مُسْتَأْنَفًا، كَوَقْفٍ وَعِتْقٍ وَإِبْرَاءٍ وَعَفْوٍ مَجَّانًا، وَذَلِكَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ. (٣) وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ صِفَاتُ الْحُقُوقِ كَالأَْجَل وَالْجَوْدَةِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: صِفَاتُ الْحُقُوقِ لاَ تُفْرَدُ بِالإِْسْقَاطِ فِي الأَْصَحِّ فَلاَ يَسْقُطُ الأَْجَل، وَمِثْلُهُ الْجَوْدَةُ بِالإِْسْقَاطِ فِي حِينِ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٤)

стр. 10691

وَغَيْرُ ذَلِكَ كَإِسْقَاطِ الْمَجْهُول، وَإِسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْل وُجُوبِهِ، وَبَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (إِبْرَاءٌ - إِسْقَاطٌ) . وَأَمَّا الاِعْتِيَاضُ عَنِ الْحُقُوقِ فَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْحَقَّ إِذَا كَانَ مُجَرَّدًا عَنِ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ، كَحَقِّ الشُّفْعَةِ، فَلَوْ صَالَحَ عَنْهُ بِمَالٍ بَطَل حَقُّهُ فِي الشُّفْعَةِ وَيَرْجِعُ بِهِ. إِلَخْ. وَحَقُّ الْقَسْمِ لِلزَّوْجَةِ، وَحَقُّ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ لِلْمُخَيَّرَةِ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا مُنْفَرِدًا فِي الْمَحَل الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ صَحَّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ، كَحَقِّ الْقِصَاصِ، وَمِلْكِ النِّكَاحِ، وَحَقِّ الرِّقِّ، وَقَال آخَرُونَ مِنْهُمْ: إِنَّ الْحَقَّ إِذَا كَانَ شُرِعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَلاَ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ ثُبُوتُهُ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ فَيَكُونُ ثَابِتًا لِصَاحِبِهِ أَصَالَةً فَيَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ. (١) أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فَلَمْ يُشِيرُوا إِلَى قَاعِدَةٍ يُمْكِنُ الاِسْتِنَادُ إِلَيْهَا فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، لَكِنْ بَعْدَ التَّتَبُّعِ لِبَعْضِ الْمَسَائِل يُمْكِنُ أَنْ يُقَال فِي الْجُمْلَةِ: إِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ (٢) يَعْتَبِرُونَ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لاَ يَئُول إِلَى الْمَال، أَوْ مَا لَيْسَ عَيْنًا وَلاَ مَنْفَعَةً

стр. 10692

كَحَقِّ الشُّفْعَةِ، وَحَقِّ خِيَارِ الشَّرْطِ، وَهِبَةِ الزَّوْجَةِ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا، فَهَذَا لاَ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ، أَمَّا مَا كَانَ يَئُول إِلَى مَالٍ كَحَقِّ الْقِصَاصِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ إِذْ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ أَجَازَ لِلزَّوْجَةِ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ هِبَتِهَا يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا وَعَنْ سَائِرِ حُقُوقِهَا مِنَ الْقَسْمِ، كَمَا أَنَّهُ فِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ جَوَازُ الاِعْتِيَاضِ عَنْ حَقِّ الشُّفْعَةِ مِنَ الْمُشْتَرِي لاَ مِنْ غَيْرِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمَسَائِل الَّتِي وَرَدَتْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمْ يُجِيزُونَ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ كُل حَقٍّ ثَبَتَ لِلإِْنْسَانِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمُ الاِعْتِيَاضُ عَنِ الشُّفْعَةِ وَعَنْ هِبَةِ الزَّوْجَةِ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ. (١) وَيُنْظَرُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. تَقْسِيمُ الْحُقُوقِ بِاعْتِبَارِ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى: ٢٧ - قَسَّمَ الشَّاطِبِيُّ الْحُقُوقَ بِاعْتِبَارِ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى وَعَدَمِ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى (التَّعَبُّدِيِّ) إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الأَْوَّل: مَا هُوَ حَقُّ اللَّهِ خَالِصًا. مِثْل: الْعِبَادَاتِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي تَنْفِيذِ حَقِّ اللَّهِ هُوَ التَّعَبُّدُ. حُكْمُهُ: إِذَا طَابَقَ الْفِعْل الأَْمْرَ صَحَّ الْفِعْل،

стр. 10693

وَإِذَا لَمْ يُطَابِقِ الْفِعْل الأَْمْرَ لاَ يَصِحُّ الْفِعْل، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ الأَْصْل فِي التَّعَبُّدِ رُجُوعُهُ إِلَى عَدَمِ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى، بِحَيْثُ لاَ يَصِحُّ فِيهِ إِجْرَاءُ الْقِيَاسِ، وَإِذَا لَمْ يُعْقَل مَعْنَاهُ دَل عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ فِيهِ هُوَ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ، بِحَيْثُ لاَ يَتَعَدَّاهُ. مِثْل بَعْضِ أَفْعَال الصَّلاَةِ وَالْحَجِّ. (١) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَعَبُّدِيٌّ) . الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ، وَالْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ، وَالأَْصْل فِي حَقِّ اللَّهِ عَدَمُ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى. مِثْل: قَتْل النَّفْسِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لِلشَّخْصِ خِيَرَةٌ أَوْ حَقٌّ فِي أَنْ يُسْلِمَ نَفْسَهُ لِلْقَتْل لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَالْفِتَنِ وَنَحْوِهَا، كَمَا أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الاِعْتِدَاءَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَتْل، لِحَقِّ اللَّهِ أَوِ الاِعْتِدَاءِ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ. وَحَقُّ اللَّهِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ وَالْمُغَلَّبُ. حُكْمُهُ: مِثْل الْقِسْمِ الأَْوَّل وَرَاجِعٌ لَهُ فِي أَنَّ الأَْصْل فِيهِ عَدَمُ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى، لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْحَقَّيْنِ هُوَ حَقُّ اللَّهِ، فَصَارَ حَقُّ الْعَبْدِ مُطْرَحًا شَرْعًا، فَكَأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لأَِنَّ حَقَّ الْعَبْدِ لَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا تَغَلَّبَ حَقُّهُ، وَالْمَفْرُوضُ: أَنَّ حَقَّ اللَّهِ هُوَ الْمُغَلَّبُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اشْتَرَكَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ الْعَبْدِ هُوَ الْمُغَلَّبُ. وَأَصْلُهُ مَعْقُولِيَّةُ الْمَعْنَى. فَإِذَا

стр. 10694

طَابَقَ مُقْتَضَى الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ فَلاَ إِشْكَال فِي الصِّحَّةِ، لِحُصُول مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ بِذَلِكَ عَاجِلاً أَوْ آجِلاً حَسْبَمَا يَتَهَيَّأُ لَهُ. وَإِنْ وَقَعَتِ الْمُخَالَفَةُ فَهُنَا نَظَرٌ، أَصْلُهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى تَحْصِيل مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ. فَإِمَّا أَنْ يَحْصُل مَعَ ذَلِكَ حَقُّ الْعَبْدِ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ، عَلَى حَدِّ مَا كَانَ يَحْصُل عِنْدَ الْمُطَابَقَةِ أَوْ أَبْلَغُ، أَوْ لاَ. فَإِنْ فُرِضَ غَيْرُ حَاصِلٍ فَالْعَمَل بَاطِلٌ، لأَِنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ لَمْ يَحْصُل. وَإِنْ حَصَل - وَلاَ يَكُونُ حُصُولُهُ إِلاَّ مُسَبَّبًا عَنْ سَبَبٍ آخَرَ غَيْرَ السَّبَبِ الْمُخَالِفِ - صَحَّ وَارْتَفَعَ مُقْتَضَى النَّهْيِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْعَبْدِ. وَلِذَلِكَ يُصَحِّحُ مَالِكٌ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ إِذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، لأَِنَّ النَّهْيَ لأَِجْل فَوْتِ الْعِتْقِ. فَإِذَا حَصَل فَلاَ مَعْنَى لِلْفَسْخِ عِنْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْمَمْلُوكِ. وَكَذَلِكَ يُصَحَّحُ الْعَقْدُ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ إِذَا أَسْقَطَ ذُو الْحَقِّ حَقَّهُ، لأَِنَّ النَّهْيَ قَدْ فَرَضْنَاهُ لِحَقِّ الْعَبْدِ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِهِ فَلَهُ ذَلِكَ. وَأَمْثِلَةُ هَذَا الْقِسْمِ كَثِيرَةٌ. فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْعَمَل الْمُخَالِفَ بَعْدَ الْوُقُوعِ، فَذَلِكَ لأَِحَدِ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ. (١) أَمَّا الْعِبَادَاتُ فَمِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لاَ يَحْتَمِل الشَّرِكَةَ، فَهِيَ مَصْرُوفَةٌ إِلَيْهِ. وَأَمَّا الْعَادَاتُ فَهِيَ أَيْضًا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى النَّظَرِ الْكُلِّيِّ، وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ تَحْرِيمُ

стр. 10695

مَا أَحَل اللَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَقَدْ قَال تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (١) وَقَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَل اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢) . فَنَهَى عَنِ التَّحْرِيمِ وَجَعَلَهُ تَعَدِّيًا عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَمَّا هَمَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِتَحْرِيمِ بَعْضِ الْمُحَلَّلاَتِ قَال ﵊: مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي (٣) وَذَمُّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا وَضَعَهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَل اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ (٤) . فَذَمَّهُمْ عَلَى أَشْيَاءَ فِي الأَْنْعَامِ وَالْحَرْثِ اخْتَرَعُوهَا، مِنْهَا التَّحْرِيمُ. وَهُوَ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا. وَأَيْضًا فَفِي الْعَادَاتِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ وَجْهِ الْكَسْبِ وَوَجْهِ الاِنْتِفَاعِ، لأَِنَّ حَقَّ الْغَيْرِ مُحَافَظٌ عَلَيْهِ شَرْعًا أَيْضًا، وَلاَ خِيرَةَ فِيهِ لِلْعَبْدِ، فَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى صَرْفًا فِي حَقِّ الْغَيْرِ، حَتَّى يَسْقُطَ حَقُّهُ بِاخْتِيَارِهِ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ، لاَ فِي

стр. 10696

الأَْمْرِ الْكُلِّيِّ. (١) وَنَفْسُ الْمُكَلَّفِ أَيْضًا دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْحَقِّ، إِذْ لَيْسَ لَهُ التَّسْلِيطُ عَلَى نَفْسِهِ وَلاَ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِالإِْتْلاَفِ. فَإِذًا الْعَادِيَّاتُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا " مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الأَْوَّل الْكُلِّيِّ الدَّاخِل تَحْتَ الضَّرُورِيَّاتِ، " الثَّانِي " مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ التَّفْصِيلِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَدْل بَيْنَ الْخَلْقِ، وَإِجْرَاءِ الْمَصْلَحَةِ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، فَصَارَ الْجَمِيعُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ، وَفِي الْعَادِيَّاتِ أَيْضًا حَقٌّ لِلْعَبْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا " جِهَةُ الدَّارِ الآْخِرَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُجَازًى عَلَيْهِ بِالنَّعِيمِ، مُوقًى بِسَبَبِهِ عَذَابَ الْجَحِيمِ " وَالثَّانِي " جِهَةُ أَخْذِهِ لِلنِّعْمَةِ عَلَى أَقْصَى كَمَالِهَا فِيمَا يَلِيقُ بِالدُّنْيَا لَكِنْ بِحَسَبِهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿قُل هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢) . الْحَقُّ الْمَحْدُودُ الْمِقْدَارِ وَالْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ: ٢٨ - تَنْقَسِمُ الْحُقُوقُ بِاعْتِبَارِ التَّحْدِيدِ وَالتَّقْدِيرِ وَعَدَمِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

стр. 10697

حَقٌّ مَحْدُودٌ، وَحَقٌّ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَحَقٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. الْقِسْمُ الأَْوَّل: الْحَقُّ الْمَحْدُودُ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي بَيَّنَ الشَّرْعُ أَوِ الاِلْتِزَامُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ. مِثْل: الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ فِي الصَّلاَةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَالْمَقَادِيرِ الْوَاجِبِ إِخْرَاجُهَا فِي الزَّكَاةِ حَسَبَ أَنْوَاعِهَا، وَذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ. أَمَّا فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ، فَمِثْل: أَثْمَانِ الْمُشْتَرَيَاتِ فِي الْعُقُودِ، وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ. حُكْمُ الْحَقِّ الْمَحْدُودِ: ٢٩ - لِلْحَقِّ الْمَحْدُودِ الْمِقْدَارِ أَحْكَامٌ مِنْهَا: ١ - أَنَّهُ مَطْلُوبُ الأَْدَاءِ. ٢ - يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْحَقِّ، وَذَلِكَ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَيَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ. ٣ - لاَ تَبْرَأُ الذِّمَّةُ مِنْهُ إِلاَّ بِأَدَاءِ الْمِقْدَارِ الْمُحَدَّدِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَيَّنَهُ الشَّرْعُ أَوِ الاِلْتِزَامُ وَبَيَّنَهُ، لأَِنَّ التَّحْدِيدَ مُشْعِرٌ بِقَصْدِ الشَّارِعِ أَوِ الاِلْتِزَامِ. ٤ - لاَ يَسْقُطُ عِنْدَ عَدَمِ الأَْدَاءِ بِالسُّكُوتِ أَوْ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ. ٥ - يُؤَدَّى عَنِ الْمُدَّةِ السَّابِقَةِ. ٦ - لاَ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى الرِّضَا أَوْ حُكْمِ الْقَاضِي أَوِ الْمُصَالَحَةِ، لأَِنَّهُ مُحَدَّدٌ مِنْ قَبْل مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ أَوِ الاِلْتِزَامِ. ٧ - حُكْمُ الْقَاضِي بِهِ مُظْهِرٌ لِلْحَقِّ لاَ مُثْبِتٌ لَهُ، لأَِنَّهُ ثَابِتٌ مِنْ وَقْتِ تَحْدِيدِهِ عَلَى الْمُكَلَّفِ.

стр. 10698

٨ - لاَ يَسْقُطُ هَذَا الْحَقُّ عِنْدَ عَدَمِ الأَْدَاءِ إِلاَّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فِي حَقِّ اللَّهِ، مِثْل: سُقُوطِ الصَّلاَةِ عَنِ الْحَائِضِ، أَمَّا فِي حَقِّ الشَّخْصِ فَيَسْقُطُ بِإِبْرَاءِ الذِّمَّةِ. وَحَقُّ اللَّهِ الْمَحْدُودُ لاَحِقٌ بِضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ. (١) الْقِسْمُ الثَّانِي: الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ: ٢٩ م - هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يُعَيِّنِ الشَّرْعُ أَوِ الاِلْتِزَامُ مِقْدَارَهُ، مَعَ وُجُودِ التَّكْلِيفِ بِهِ. مِثْل: الصَّدَقَاتِ، وَالإِْنْفَاقِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَالإِْنْفَاقِ عَلَى الأَْقَارِبِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَسَدِّ حَاجَةِ الْمُحْتَاجِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لَمْ تُحَدَّدْ، وَذَلِكَ لِتَعَذُّرِ تَحْدِيدِ هَذِهِ الْحُقُوقِ بِالنِّسْبَةِ لِظُرُوفِ كُل حَقٍّ، حَيْثُ تَخْتَلِفُ الْمَقَادِيرُ الْمَطْلُوبَةُ حَسَبَ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمْكِنَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَكَذَلِكَ الْحَال بِالنِّسْبَةِ لِلأَْشْخَاصِ - الْمُؤَدَّى لَهُ الْحَقُّ وَالْمُؤَدِّي - وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَطْلُوبَ أَدَاءُ الْحَقِّ عَلَى أَكْمَل وَجْهٍ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ كُل حَقٍّ، فَتَرَكَ التَّحْدِيدَ بَادِئَ ذِي بَدْءٍ لِيَتَحَدَّدَ قَدْرُ الْمَطْلُوبِ حَسَبَ كُل حَالَةٍ عَلَى حِدَةٍ. حُكْمُ الْحَقِّ غَيْرِ الْمَحْدُودِ: ٣٠ - لِلْحَقِّ غَيْرِ الْمَحْدُودِ أَحْكَامٌ مِنْهَا: ١ - أَنَّهُ مَطْلُوبُ الأَْدَاءِ.

стр. 10699

٢ - لاَ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ الأَْدَاءُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ السَّبَبِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، لأَِنَّ الذِّمَمَ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهَا غَيْرُ الْمَحْدُودِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ الْحَقُّ الْمَحْدُودُ وَالْمُقَدَّرُ، لِيَتَيَسَّرَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الأَْدَاءُ. ٣ - الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ لاَ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ إِلاَّ بَعْدَ التَّحْدِيدِ، وَالتَّحْدِيدُ يَكُونُ بِالتَّرَاضِي، أَوْ بِالصُّلْحِ، أَوْ بِحُكْمِ الْقَاضِي، لأَِنَّ التَّكْلِيفَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَلِذَلِكَ لاَ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ إِلاَّ مِنْ وَقْتِ التَّحْدِيدِ. ٤ - لاَ يَجُوزُ الْمُطَالَبَةُ بِالْحَقِّ غَيْرِ الْمَحْدُودِ عَنِ الْمُدَّةِ السَّابِقَةِ لِلتَّحْدِيدِ، لأَِنَّ الذِّمَّةَ لَمْ تَكُنْ مَشْغُولَةً بِهِ. ٥ - يَسْقُطُ الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَالسُّكُوتِ عَنِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ. ٦ - حَقُّ اللَّهِ غَيْرُ الْمَحْدُودِ لاَحِقٌ بِقَاعِدَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّزْيِينِ، وَلِذَلِكَ تَرَكَ تَحْدِيدَهُ إِلَى الْمُكَلَّفِينَ وَنَظَرِ الْقَاضِي، لِتَقْدِيرِ كُل حَالَةٍ حَسَبَ الْحَاجَةِ. (١) الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْحَقُّ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: ٣١ - هُوَ الْحَقُّ الَّذِي أُخِذَ بِشَبَهٍ مِنَ الْحَقِّ الْمَحْدُودِ، وَبِشَبَهٍ مِنَ الْحَقِّ غَيْرِ الْمَحْدُودِ. مِثْل: نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ ، حَيْثُ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْحَقِّ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ

стр. 10700

عَلَى الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ - إِلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَلاَ تَسْقُطُ بِالإِْعْسَارِ. (١) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ لاَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ لأَِنَّهَا تَجِبُ صِلَةً وَمَوَدَّةً مَا لَمْ يَفْرِضْهَا الْحَاكِمُ، وَإِذَا فَرَضَهَا الْحَاكِمُ تَكُونُ مُحَدَّدَةً فَتَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ. (٢) أَنْوَاعُ التَّحْدِيدِ وَعَدَمِ التَّحْدِيدِ ٣٢ - تَحْدِيدُ الْحَقِّ وَعَدَمُ تَحْدِيدِهِ قَدْ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِصَاحِبِ الْحَقِّ، وَقَدْ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَكَانِ، أَوِ الزَّمَانِ، أَوِ الاِتِّجَاهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. أ - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ صَاحِبُهُ: كَالْبَائِعِ فِي ثَمَنِ مَا بَاعَهُ، وَالْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ، وَالزَّوْجَةِ فِي النَّفَقَةِ. أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ صَاحِبُهُ، فَمِثْل: الْمُنْتَفِعِ بِالْمُبَاحَاتِ وَالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ. ب - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ مَنْ عَلَيْهِ الأَْدَاءُ - الْمُكَلَّفُ - مِثْل: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِل، وَالزَّكَاةِ عَلَى مَالِكِ النِّصَابِ، وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى

стр. 10701

الزَّوْجِ، وَنَفَقَةِ الأَْوْلاَدِ الصِّغَارِ الْفُقَرَاءِ عَلَى الأَْبِ، وَالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي. أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ مَنْ عَلَيْهِ الأَْدَاءُ - الْمُكَلَّفُ - فَمِثْل: صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَرَدِّ السَّلاَمِ، وَتَعَلُّمِ الْفِقْهِ وَالطِّبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَسُنَنِهَا. ج - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ فِي الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ، مِثْل: الإِْيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ، وَمِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي وَخُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بِمُجَرَّدِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ النَّافِذِ، وَحِل الزَّوْجَةِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ. أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ فِي الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ، فَمِثْل: دَفْعِ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ. د - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ الْقَدْرِ، مِثْل: الْقَدْرِ الْمَحْدُودُ فِي الزَّكَاةِ، وَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ. أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ الْقَدْرِ، فَمِثْل: الصَّدَقَاتِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَمُسَاعِدَةِ الْمُحْتَاجِينَ. هـ - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ الْمَكَانِ، مِثْل: الْوُقُوفِ بِجَبَل عَرَفَاتٍ فِي الْحَجِّ، وَمَكَانُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ أَوِ الْمُسْلَمِ فِيهِ الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ. أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ الْمَكَانِ، فَمِثْل: الصَّلاَةِ، وَالتَّعَاقُدِ فِي الْبَيْعِ وَالزَّوَاجِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ.

стр. 10702

و - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ الزَّمَنِ وَالْوَقْتِ، مِثْل: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْحَجِّ. أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ الزَّمَنِ وَالْوَقْتِ، فَمِثْل: السَّنَةِ الَّتِي يُؤَدِّي فِيهَا الشَّخْصُ فَرِيضَةَ الْحَجِّ عِنْدَ مَنْ يَرَى مِنَ الْفُقَهَاءِ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي، وَسَدَادِ الدُّيُونِ الَّتِي لَمْ يُحَدَّدْ لَهَا وَقْتٌ لِلأَْدَاءِ. ز - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ الاِتِّجَاهِ، مِثْل: عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِمَنْ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ الاِتِّجَاهِ، فَمِثْل: الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. ح - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ الْعَدَدِ، مِثْل: أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسَةِ، وَفَرَائِضِ الصَّلاَةِ الْخَمْسِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ، وَطَرَفَيِ الْعَقْدِ وَهُمَا: الْمُوجِبُ وَالْقَابِل. أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ الْعَدَدِ، فَمِثْل عَدَدِ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَدْ يَتِمُّ الشَّهْرُ وَقَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَأَيَّامُ السَّفَرِ الشَّرْعِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِقَصْرِ الصَّلاَةِ. (١) الْحَقُّ التَّامُّ وَالْمُخَفَّفُ: ٣٣ - تَنْقَسِمُ الْحُقُوقُ بِاعْتِبَارِ حَال التَّكْلِيفِ مِنْ حَيْثُ وُجُودُ أَعْذَارٍ مُعْتَبَرَةٍ تَقْتَضِي التَّخْفِيفَ أَوْ عَدَمِ وُجُودِهَا إِلَى قِسْمَيْنِ: تَامٌّ وَمُخَفَّفٌ.

стр. 10703

الْحَقُّ التَّامُّ: هُوَ مَا وَجَبَ أَصْلاً فِي الْحَالَةِ الطَّبِيعِيَّةِ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ. مِثْل: أَدَاءِ الصَّلاَةِ كَامِلَةً لِلْمُقِيمِ الصَّحِيحِ، وَأَدَاءِ الدَّيْنِ كَامِلاً وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْحَقُّ الْمُخَفَّفُ: هُوَ مَا شُرِعَ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل، بِسَبَبِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ لِتَيْسِيرِ الأَْدَاءِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهَا. وَالتَّخْفِيفُ قَدْ يَكُونُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَكُونُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ: تَخْفِيفُ إِسْقَاطٍ، وَتَخْفِيفُ نَقْصٍ، وَتَخْفِيفُ تَقْدِيمٍ، وَتَخْفِيفُ تَأْخِيرٍ، وَتَخْفِيفُ تَرْخِيصٍ، وَتَخْفِيفُ تَغْيِيرٍ (١) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَيْسِيرٌ) . تَقْسِيمُ الْحُقُوقِ بِاعْتِبَارِ انْتِقَالِهَا لِلْوَرَثَةِ وَعَدَمِ انْتِقَالِهَا: ٣٤ - تَنْقَسِمُ الْحُقُوقُ بِاعْتِبَارِ انْتِقَالِهَا لِلْوَرَثَةِ عَنْ طَرِيقِ الْخِلاَفَةِ أَوِ الْوِرَاثَةِ، وَعَدَمِ انْتِقَالِهَا أَصْلاً إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ. أَوَّلاً: الْحُقُوقُ الَّتِي تُورَثُ، وَهِيَ: ١ - الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ، مِثْل: الْعَقَارِ، وَالْمَنْقُول، وَالنَّقْدَيْنِ، وَالدُّيُونِ، وَالدِّيَةِ، وَالْغُرَّةِ. ٢ - الْحُقُوقُ الْمُقَرَّرَةُ عَلَى عَقَارٍ، مِثْل: حَقِّ

стр. 10704

الشُّرْبِ، وَحَقِّ الْمَجْرَى، وَحَقِّ الْمَسِيل، وَحَقِّ الْمُرُورِ. ٣ - بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَال مِنْ حُقُوقٍ، مِثْل: حَقِّ حَبْسِ الرَّهْنِ إِلَى سَدَادِ الدَّيْنِ، وَحَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى دَفْعِ الثَّمَنِ. ثَانِيًا: الْحُقُوقُ الَّتِي تَثْبُتُ بِالْخِلاَفَةِ وَلاَ تُورَثُ: ٣٥ - هِيَ الْحُقُوقُ الَّتِي تَثْبُتُ لِلْخَلَفِ ابْتِدَاءً، وَلاَ تَنْتَقِل إِلَيْهِ عَنْ طَرِيقِ الإِْرْثِ، وَهَذِهِ الْحُقُوقُ قَدْ تَثْبُتُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ، كَمَا فِي بَعْضِ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، مِثْل: خِيَارِ التَّعْيِينِ، وَقَدْ ثَبَتَ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ دُونَ الْبَعْضِ الآْخَرِ، مِثْل أَنْ تَثْبُتَ لِمَنْ صِلَتُهُ عَنْ طَرِيقِ النَّسَبِ كَالأَْوْلاَدِ، وَلاَ تَثْبُتُ لِمَنْ صِلَتُهُ عَنْ طَرِيقِ السَّبَبِ كَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ غَيْرِ الْمَالِيَّةِ كَالْقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، فَهُوَ حَقٌّ عِنْدَهُمْ لأَِوْلِيَاءِ الْمَقْتُول بِالنَّسَبِ فَقَطْ، وَثَبَتَ لَهُمُ ابْتِدَاءً. وَقَدْ تَثْبُتُ الْحُقُوقُ لِمَنْ قَرَابَتُهُ عَنْ طَرِيقِ الْعُصْبَةِ الذُّكُورِ، وَلاَ تَثْبُتُ لِمَنْ عَدَاهُمْ، مِثْل: وَلاَءِ الْعَتَاقَةِ. وَقَدْ تَثْبُتُ الْحُقُوقُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ دُونَ الْبَعْضِ الآْخَرِ وَلِمُدَّةٍ مَحْدُودَةٍ، وَذَلِكَ حَسَبَ النِّظَامِ الَّذِي يَضَعُهُ الْمُوصِي أَوِ الْوَاقِفُ فِي شُرُوطِ صَرْفِ غَلَّةِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ، أَوِ الَّذِي يَضَعُهُ الإِْمَامُ لِصَرْفِ هَذِهِ الْحُقُوقِ، وَذَلِكَ كَالْحَقِّ الثَّابِتِ فِي دِيوَانِ

стр. 10705

الْخَرَاجِ لِلْمُقَاتِلِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِمْ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ حَسَبَ النِّظَامِ الْمَوْضُوعِ لِذَلِكَ فَمَنْ مَاتَ وَلَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَال عَنْ طَرِيقِ الاِسْتِحْقَاقِ وَالْمَنْحِ كَالْعَطَاءِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَقَّ لاَ يُورَثُ عَنْهُ، وَلاَ يَثْبُتُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْبَعْضِ أَوِ الْكُل، لاَ بِاعْتِبَارِهِمْ وَرَثَةً، وَإِنَّمَا بِاعْتِبَارِهِمْ خَلَفًا عَنِ الْمَيِّتِ، فَكَانَ حَقُّ الْوَرَثَةِ فِي الْعَطَاءِ عَنْ طَرِيقِ الْخِلاَفَةِ، وَمَنْحِ الإِْمَامِ لَهُمْ ذَلِكَ الْعَطَاءَ، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ أَوِ الْحَاكِمِ مَنْعُ هَذَا الْحَقِّ، أَوْ حِرْمَانُهُمْ مِنْهُ، وَإِذَا مَنَعَهُمْ فَقَدْ ظَلَمَ. (١) ثَالِثًا: الْحُقُوقُ الَّتِي لاَ تُورَثُ وَلاَ تُنْقَل بِالْخِلاَفَةِ: ٣٦ - هِيَ كُل مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الْمُورِثِ، وَيَنْتَهِي بِمَوْتِهِ، وَلاَ يَبْقَى لَهُ فِيهِ حَقٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَرَثَةَ لاَ يَرِثُونَ فِكْرَ مُورَثِهِمْ وَلاَ شَهْوَتَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لاَ يَرِثُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الأُْمُورِ، ضَرُورَةَ أَنَّ مَا لاَ يُورَثُ بِذَاتِهِ لاَ يُورَثُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. وَالْحُقُوقُ الَّتِي لاَ تُورَثُ هِيَ حُقُوقٌ شَخْصِيَّةٌ، ارْتَبَطَتْ بِالشَّخْصِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لِصِفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ فِيهِ، مِثْل: الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ

стр. 10706

وَالْخَاصَّةِ، وَالْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ، وَالْوِلاَيَةِ عَلَى الْمَال، وَالْمَنَاصِبِ وَالْوَظَائِفِ. مِثْل: الأَْمَانَةِ وَالْوَكَالَةِ، وَاخْتِيَارِ إِحْدَى الأُْخْتَيْنِ، وَكَذَلِكَ اخْتِيَارُ الأَْرْبَعِ مِنْ زَوْجَاتِهِ، وَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَ وَهُوَ مُتَزَوِّجٌ أُخْتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِذَا مَاتَ قَبْل الاِخْتِيَارِ لاَ يَنْتَقِل هَذَا الْحَقُّ إِلَى الْوَرَثَةِ. (١) ٣٧ - وَهُنَاكَ حُقُوقٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا، فَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهَا تُورَثُ، وَقَال الْبَعْضُ: إِنَّهَا تَنْتَقِل بِالْخِلاَفَةِ، وَقَال الْبَعْضُ الآْخَرُ: إِنَّهَا لاَ تُورَثُ، وَيَرْجِعُ اخْتِلاَفُهُمْ إِلَى عِدَّةِ أَسْبَابٍ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ، مِنْهَا مَا يَأْتِي: بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَال مِنْ حُقُوقٍ، مِثْل: خِيَارِ الشَّرْطِ، وَخِيَارِ التَّعْيِينِ، وَخِيَارِ الْعَيْبِ، وَخِيَارِ الْقَبُول. وَمِنْهَا: الْمَنَافِعُ، مِثْل: السُّكْنَى، وَالْمَنْفَعَةِ بِالْوَصِيَّةِ. وَمِنْهَا: الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ. فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الأَْسْبَابِ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْهَا

стр. 10707

أَحْكَامَهُمْ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اخْتِلاَفُهُمْ، نَجِدُ أَنَّهَا تَتَنَوَّعُ، إِلَى مَا يَلِي: أ - خِيَارُ الشَّرْطِ: ٣٨ - ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى انْتِقَالِهِ لِلْوَرَثَةِ، لأَِنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ صِفَةٌ لِلْعَقْدِ، وَأَثَرٌ مِنْ آثَارِهِ، فَيُورَثُ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى عَدَمِ انْتِقَال خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْوَرَثَةِ، لأَِنَّهُ يَبْطُل بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ وَيَتِمُّ الْبَيْعُ، وَذَلِكَ لِثَلاَثَةِ وُجُوهٍ: الأَْوَّل: أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ صِفَةٌ لِلْعَاقِدِ، لأَِنَّ الْخِيَارَ مَشِيئَتُهُ وَاخْتِيَارُهُ، فَتَبْطُل بِمَوْتِهِ، كَسَائِرِ صِفَاتِهِ. الثَّانِي: أَنَّ الأَْجَل فِي الثَّمَنِ لاَ يُورَثُ، فَكَذَلِكَ فِي الْخِيَارِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْبَائِعَ رَضِيَ بِخِيَارٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لأَِشْخَاصٍ آخَرِينَ لَمْ يُشْرَطْ لَهُمْ، وَلَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقْدِ، وَهُمُ الْوَرَثَةُ، وَالْوَاجِبُ عَدَمُ تَعَدِّي الْخِيَارِ مَنِ اشْتُرِطَ لَهُ، كَمَا لاَ يَتَعَدَّى الأَْجَل مَنِ اشْتُرِطَ لَهُ. ب - خِيَارُ التَّعْيِينِ: ٣٩ - هُوَ أَنْ يَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى وَاحِدٍ لاَ بِعَيْنِهِ مِثْل:

стр. 10708

أَنْ يَشْتَرِيَ شَخْصٌ ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي تَعْيِينِهِ وَأَخْذِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَكِنَّ الْمُشْتَرِي مَاتَ قَبْل أَنْ يَخْتَارَ وَيُعَيِّنَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ. فَخِيَارُ التَّعْيِينِ وَإِنْ ثَبَتَ حَقًّا لِلْوَارِثِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي التَّعْلِيل: فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ انْتَقَل لِلْوَارِثِ عَنْ طَرِيقِ الْمِيرَاثِ، لأَِنَّهُ صِفَةٌ لِلْعَقْدِ كَخِيَارِ الشَّرْطِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: خِيَارُ التَّعْيِينِ لاَ يُورَثُ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِل لِلْوَرَثَةِ عَنْ طَرِيقِ الْخِلاَفَةِ، لأَِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً، لأَِنَّ الْوَارِثَ انْتَقَل إِلَيْهِ الْمِلْكُ مُخْتَلِطًا بِمِلْكِ الْغَيْرِ، (١) وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضِهِ وَتَعْيِينِهِ، فَثَبَتَ لَهُ خِيَارُ التَّعْيِينِ ابْتِدَاءً - عَنْ طَرِيقِ الْخِلاَفَةِ - لإِِنْهَاءِ هَذَا الاِخْتِلاَطِ. وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِالْمِيرَاثِ. وَهَذَا الْخِيَارُ الَّذِي ثَبَتَ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً خِلاَفُ خِيَارِ التَّعْيِينِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْمُورَثِ الْمُتَعَاقِدِ، حَيْثُ كَانَ خِيَارُ التَّعْيِينِ ثَابِتًا لِلْمُورَثِ عَنْ طَرِيقِ الْعَقْدِ، أَمَّا خِيَارُ التَّعْيِينِ الثَّابِتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً فَهُوَ لإِِنْهَاءِ اخْتِلاَطِ مِلْكِهِمْ بِمِلْكِ الْغَيْرِ، حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْوَرَثَةُ مِنْ تَسَلُّمِ مِلْكِهِمْ وَالاِنْتِفَاعِ بِهِ. ج - خِيَارُ الْعَيْبِ: ٤٠ - الْمُشْتَرِي اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ سَلِيمًا مِنَ الْعَيْبِ، فَكَذَلِكَ الْوَارِثُ يَسْتَحِقُّهُ سَلِيمًا، فَيَنْتَقِل إِلَيْهِ حَقُّ

стр. 10709

السَّلاَمَةِ ابْتِدَاءً عَنْ طَرِيقِ الْخِلاَفَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَنْتَقِل عَنْ طَرِيقِ الإِْرْثِ. (١) د - خِيَارُ الْقَبُول: ٤١ - هُوَ حَقُّ يَثْبُتُ لِلطَّرَفِ الثَّانِي عِنْدَ التَّعَاقُدِ، وَذَلِكَ بَعْدَ صُدُورِ الإِْيجَابِ مِنَ الطَّرَفِ الأَْوَّل. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِقَالِهِ إِلَى الْوَرَثَةِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ حَقٌّ يُورَثُ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُوجِبِ الرُّجُوعُ عَنْ إِيجَابِهِ، لأَِنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِهِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّ خِيَارَ الْقَبُول لاَ يُورَثُ، لأَِنَّ الإِْيجَابَ غَيْرُ مُلْزَمٍ لِلْمُوجِبِ، وَلَهُ خِيَارُ الرُّجُوعِ، وَيَبْطُل الإِْيجَابُ بِانْفِضَاضِ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُنْهِي الْمَجْلِسَ فَيَنْحَل الإِْيجَابُ، فَلاَ يَكُونُ بَعْدَهُ خِيَارُ الْقَبُول قَائِمًا، وَمَا دَامَ خِيَارُ الْقَبُول أَصْبَحَ غَيْرَ مَوْجُودٍ فَلاَ يَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ لِبُطْلاَنِهِ تَبَعًا لِبُطْلاَنِ الإِْيجَابِ بِانْفِضَاضِ الْمَجْلِسِ بِتَفَرُّقِ الأَْرْوَاحِ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَاتِ الْخِيَارِ الْمُتَعَدِّدَةِ. هـ - الْمَنَافِعُ: ٤٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَالِيَّتِهَا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَالاً، وَلِذَلِكَ لاَ تَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ عَنْ طَرِيقِ الْمِيرَاثِ.

стр. 10710

وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ أَمْوَالٌ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّهَا تُورَثُ مِثْل بَقِيَّةِ الأَْمْوَال الْمَمْلُوكَةِ لِلْمُورِثِ. و الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ: ٤٣ - هَذَا الْحَقُّ ثَابِتٌ لأَِوْلِيَاءِ الْمَقْتُول، وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ ثُبُوتِهِ لَهُمْ: فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: إِنَّ الْقِصَاصَ طَرِيقَةُ الْخِلاَفَةِ دُونَ الْوِرَاثَةِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَيِّتُ لَيْسَ صَالِحًا لِلْمُطَالَبَةِ بِالْقِصَاصِ لِفَقْدِهِ الْحَيَاةَ، وَذَلِكَ بِخِلاَفِ الدَّيْنِ وَالْهِبَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْمْوَال، لأَِنَّ الْمَيِّتَ مِنْ أَهْل الْمِلْكِ فِي الأَْمْوَال، وَيُتَجَاوَزُ فِي الأَْمْوَال مَا لاَ يُتَجَاوَزُ فِي غَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ إِذَا نَصَبَ شَخْصٌ مِصْيَدَةً فَوَقَعَ بِهَا الصَّيْدُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ يَمْلِكُهُ، ثُمَّ يَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ عَنْ طَرِيقِ الإِْرْثِ. أَمَّا الْقِصَاصُ فَيَثْبُتُ لأَِوْلِيَاءِ الْمَقْتُول ابْتِدَاءً لاَ عَنْ طَرِيقِ الْمِيرَاثِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَثْبُتُ الْقِصَاصُ لأَِحَدِ الزَّوْجَيْنِ لأَِنَّ الْخِلاَفَةَ بِالنَّسَبِ فَقَطْ، دُونَ السَّبَبِ وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ، لاِنْقِطَاعِ الزَّوْجِيَّةِ بِالْمَوْتِ. وَقَالُوا أَيْضًا: لَمْ يَثْبُتْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَبْل مَوْتِهِ قِصَاصُ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْقِصَاصُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً، لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقِصَاصِ فَرْعُ زَهُوقِ الرُّوحِ، وَمُرَتَّبٌ عَلَى خُرُوجِ الرُّوحِ، فَلَمْ يَكُنْ قِصَاصُ النَّفْسِ ثَابِتًا لِلْمَقْتُول قَبْل مَوْتِهِ، حَتَّى

стр. 10711

يَكُونَ الْقِصَاصُ مِمَّا يَنْتَقِل لِلْوَارِثِ، لأَِنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلاَ يَقَعُ إِلاَّ لِلْوَارِثِ. (١) تَقْسِيمُ الْحُقُوقِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَعَدَمِهَا: ٤٤ - تَنْقَسِمُ الْحُقُوقُ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّعَلُّقِ بِالأَْمْوَال وَعَدَمِ الْمَالِيَّةِ إِلَى مَا يَأْتِي: ١ - حَقٌّ مَالِيٌّ، يَتَعَلَّقُ بِالأَْمْوَال، وَيُسْتَعَاضُ عَنْهُ بِمَالٍ، مِثْل: الأَْعْيَانِ الْمَالِيَّةِ حَيْثُ يُمْكِنُ بَيْعُهَا وَالاِسْتِعَاضَةُ عَنْهَا بِمَالٍ. ٢ - حَقٌّ مَالِيٌّ، لَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ، مِثْل: الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، حَيْثُ يَتَعَلَّقُ الْمَهْرُ بِالزَّوَاجِ وَالدُّخُول، وَكِلاَهُمَا لَيْسَ مَالاً، وَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ تَسْتَحِقُّهَا الزَّوْجَةُ مُقَابِل احْتِبَاسِهَا لِحَقِّ الزَّوْجِ. ٣ - حَقٌّ غَيْرُ مَالِيٍّ، يَتَعَلَّقُ بِالأَْمْوَال، وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِعَاضَةُ عَنْهُ بِمَالٍ، مِثْل: الشُّفْعَةِ، حَيْثُ إِنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ قَبْل بَيْعِ الشَّرِيكِ حَقٌّ مُجَرَّدٌ، وَبَعْدَ الْبَيْعِ حَقٌّ ثَابِتٌ، وَهُوَ أَيْضًا حَقٌّ مُجَرَّدٌ، وَهُوَ حَقٌّ ضَعِيفٌ لاَ يَصِحُّ الاِسْتِعَاضَةُ عَنْهُ بِمَالٍ. إِلاَّ أَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ، وَهُوَ مَالٌ بِالإِْجْمَاعِ. ٤ - حَقٌّ غَيْرُ مَالِيٍّ، لاَ يَتَعَلَّقُ بِالأَْمْوَال، وَلَكِنْ يَجُوزُ الاِسْتِعَاضَةُ عَنْهُ بِمَالٍ، مِثْل: الْقِصَاصِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ غَيْرُ مَالِيٍّ، وَلاَ يَتَعَلَّقُ بِالأَْمْوَال، لأَِنَّهُ عُقُوبَةُ الْقَتْل الْعَمْدِ، وَهَذَا لَيْسَ مَالاً، وَلَكِنْ

стр. 10712

يَجُوزُ الاِسْتِعَاضَةُ عَنِ الْقِصَاصِ بِمَالٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ الصُّلْحِ عَلَى مَالٍ. ٥ - حَقٌّ غَيْرُ مَالِيٍّ، وَلاَ يَتَعَلَّقُ بِالأَْمْوَال، وَلاَ يَجُوزُ الاِسْتِعَاضَةُ عَنْهُ بِمَالٍ، وَلَكِنْ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُقُوقٌ مَالِيَّةٌ، مِثْل: الأُْبُوَّةِ، وَالأُْمُومَةِ، وَالْبُنُوَّةِ. ٦ - حَقٌّ مُخْتَلَفٌ فِي مَالِيَّتِهِ، مِثْل: الْمَنَافِعِ. حَيْثُ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ مَالٌ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَالاً، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ أَنَّ الْمَنَافِعَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا الْمَال مَجَازًا. (١) الْحَقُّ الْوَاجِبُ دِيَانَةً، وَالْحَقُّ الْوَاجِبُ قَضَاءً: ٤٥ - الْحَقُّ الْوَاجِبُ دِيَانَةً: هُوَ مَا كَانَ وَاجِبَ الأَْدَاءِ فِي الذِّمَّةِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ بِالاِلْتِزَامِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ دَلِيلٌ يُثْبِتُهُ عِنْدَ التَّقَاضِي، مِثْل: الطَّلاَقِ بِغَيْرِ شُهُودٍ أَوْ بِطَرِيقٍ غَيْرِ رَسْمِيٍّ، وَقَدْ يَكُونُ حَقًّا لَيْسَ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ، وَلاَ يَدْخُل تَحْتَ وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ، كَالْحَجِّ وَالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ. وَالْحَقُّ الْوَاجِبُ قَضَاءً: هُوَ مَا كَانَ وَاجِبَ الأَْدَاءِ وَأَمْكَنَ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلِيل، مِثْل: الطَّلاَقِ أَمَامَ الشُّهُودِ أَوْ بِوَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ، فَإِنْ رَاجَعَهَا الزَّوْجُ

стр. 10713

بِطَرِيقٍ غَيْرِ رَسْمِيٍّ أَوْ لاَ دَلِيل عَلَيْهِ فَحُكْمُ الطَّلاَقِ مَا زَال قَائِمًا قَضَاءً فَقَطْ لاَ دِيَانَةً. وَالْحَقُّ الْوَاجِبُ دِيَانَةً وَقَضَاءً: هُوَ مَا كَانَ وَاجِبَ الأَْدَاءِ فِي الذِّمَّةِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوِ الْتِزَامٍ، وَيُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلِيل، مِثْل: الطَّلاَقِ بِوَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ أَوْ أَمَامَ الشُّهُودِ، وَلَمْ يُرَاجِعْهَا الزَّوْجُ فَهِيَ مُطَلَّقَةٌ دِيَانَةً وَقَضَاءً. (١) حَقُّ التَّمَلُّكِ وَالْحَقُّ الْمُبَاحِ: ٤٦ - حَقُّ التَّمَلُّكِ: هُوَ مُجَرَّدُ الإِْمْكَانِ وَالصَّلاَحِيَّةِ لِلْمِلْكِ شَرْعًا. وَالْمُبَاحُ: هُوَ مَا خُيِّرَ فِيهِ الشَّخْصُ بَيْنَ الْفِعْل وَالتَّرْكِ، وَكَانَ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ سَوَاءً شَرْعًا. فَالْحَقُّ الْمُبَاحُ وَحَقُّ التَّمَلُّكِ كِلاَهُمَا حَقٌّ لَيْسَ لَهُ مَحَلٌّ مُعَيَّنٌ - وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ - يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ بِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ يُوجِبُهُ وَيُثْبِتُهُ فِيهِ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ هُوَ صَالِحٌ لاِنْتِقَالِهِ وَتَرْكِهِ إِلَى حَقٍّ آخَرَ أَقْوَى مِنْهُ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ. وَحَقُّ التَّمَلُّكِ وَالْحَقُّ الْمُبَاحُ كِلاَهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ الْمُجَرَّدَةِ الضَّعِيفَةِ، الَّتِي لاَ تَتَرَقَّى وَلاَ تَنْتَقِل إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْحُقُوقِ بِالْقَوْل الصَّادِرِ مِنْ صَاحِبِهِ تَعْبِيرًا عَنْ إِرَادَتِهِ وَحْدَهُ. وَالْحَقُّ الْمُبَاحُ يَثْبُتُ بِالأَْصْل، لأَِنَّ الأَْصْل فِي

стр. 10714

الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (١) وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَاسْتَدَل بِقَوْلِهِ ﷺ : مَا أَحَل اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَمَا حَرَّمَهُ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئًا. (٢) فَإِذَا كَانَ نَقْل الْمِلْكِ عَنْ طَرِيقِ التَّرَاضِي كَمَا فِي الْعُقُودِ، فَمَنْ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ لِلْعَقَارِ أَوِ الْمَنْقُول الْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ - قَبْل التَّعَاقُدِ - فَإِنَّ حَقَّهُ حَقُّ تَمَلُّكٍ فَقَطْ، وَهُوَ حَقٌّ مُبَاحٌ، وَهَذَا الْحَقُّ لاَ يُفِيدُ مِلْكًا مُطْلَقًا، وَلاَ مِلْكًا فِي الْجُمْلَةِ. وَلِذَلِكَ لاَ يَتَعَارَضُ حَقُّ التَّمَلُّكِ مَعَ حَقِّ الْمَالِكِ، وَيَسْتَمِرُّ الْحَقُّ الْمُبَاحُ فِي التَّمَلُّكِ إِلَى أَنْ يَصْدُرَ مِنَ الْمَالِكِ لِلْعَقَارِ أَوِ الْمَنْقُول إِيجَابٌ بِالْبَيْعِ لِصَاحِبِ حَقِّ التَّمَلُّكِ. فَإِذَا أَوْجَبَ صَاحِبُ الْمَال عَلَى نَفْسِهِ بَيْعَ الْمَنْقُول لِصَاحِبِ حَقِّ التَّمَلُّكِ، بِأَنْ صَدَرَ مِنْهُ إِيجَابٌ بِالْبَيْعِ، تَرَقَّى هَذَا الْحَقُّ - حَقُّ التَّمَلُّكِ - إِلَى مَرْحَلَةٍ وَسَطٍ بَيْنَ حَقِّ التَّمَلُّكِ وَالْمِلْكِ، وَهُوَ حَقٌّ وَاحِدٌ يُسَمَّى: الْحَقَّ الثَّابِتَ أَوِ الْحَقَّ الْوَاجِبَ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْوُصُول إِلَى الْمِلْكِ عَنْ طَرِيقٍ آخَرَ غَيْرِ التَّرَاضِي، بِأَنْ كَانَ عَنْ طَرِيقِ

стр. 10715

الإِْجْبَارِ، مِثْل: الشُّفْعَةِ وَالْغَنِيمَةِ، فَحَقُّ التَّمَلُّكِ مَوْجُودٌ أَيْضًا إِذَا وُجِدَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ، وَقَدْ أَكَّدَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حَقَّ التَّمَلُّكِ أَوِ الْمُبَاحِ لاَ يُعْتَبَرُ مِلْكًا مُطْلَقًا. (١) هَذَا كُلُّهُ فِي الأَْمْوَال الْمَمْلُوكَةِ لِلْغَيْرِ: ٤٧ - أَمَّا غَيْرُ الْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ، مِثْل: الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكِ فِي مِيَاهِ الأَْنْهَارِ وَالْبِحَارِ، وَالنَّبَاتِ وَالأَْشْجَارِ فِي الصَّحَارِيِ وَالْغَابَاتِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانَاتُ الْبَرِّيَّةُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكُل شَخْصٍ أَنْ يَسْعَى لِتَمَلُّكِهَا، وَذَلِكَ بِالْوَسَائِل الْمَشْرُوعَةِ، لأَِنَّ الْجَمِيعَ لَهُمْ حَقُّ تَمَلُّكِ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ وَأَمْثَالِهَا، وَكُل وَاحِدٍ صَالِحٌ لأََنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهَا، فَحَقُّ تَمَلُّكِهَا مُسْتَمِرٌّ إِلَى أَنْ يُوجَدَ أَحَدُ الأَْشْخَاصِ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ. الْحَقُّ الثَّابِتُ أَوِ الْحَقُّ الْوَاجِبُ: ٤٨ - الْحَقُّ الثَّابِتُ - وَيُسَمَّى الْحَقَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ -: هُوَ حَقُّ الشَّخْصِ فِي أَنْ يَتَمَلَّكَ شَيْئًا مُحَدَّدًا - وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ - بِإِرَادَتِهِ وَحْدَهُ، بَعْدَ وُجُودِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، وَقَبْل ثُبُوتِ الْمِلْكِ. وَهَذَا الْحَقُّ لَمْ يَصِل إِلَى دَرَجَةِ حَقِّ الْمِلْكِ، لأَِنَّهُ أَدْنَى مِنْهُ، وَلاَ يُفِيدُ مِلْكًا كَمَا أَنَّهُ أَعْلَى دَرَجَةً مِنَ الْمُبَاحِ وَحَقُّ التَّمَلُّكِ، حَيْثُ إِنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ يُعْطِي حُقُوقًا أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ
следующие страницы →