Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.
стр. 10886
وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (١) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : لاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْل الْبِرِّ مِنْكُمْ (٢) . لَكِنْ إِنِ احْتَاجَ الإِْنْسَانُ إِلَى بَيَانِ فَضْلِهِ وَالتَّعْرِيفِ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْقُدُرَاتِ فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ (٣) . كَمَا قَال يُوسُفُ ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَْرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (مَدْحٌ - تَزْكِيَةٌ) .
حَمْدُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ:
حَمْدُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَمَدْحُهُ إِيَّاهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - يَقُولُهُ مِرَارًا - إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُل: أَحْسَبُ فُلاَنًا كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا. (٥)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (مَدْحٌ) . стр. 10887
حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى:
٩ - حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى مَطْلُوبٌ شَرَعَا، وَرَدَ بِذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: لِلنَّبِيِّ ﷺ : ﴿قُل الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ : كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ فَهُوَ أَقْطَعُ. (٢)
وَقَدْ حَمِدَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ وَافْتَتَحَ كِتَابَهُ بِحَمْدِهِ فَقَال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) .
وَحُكْمُ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مَوَاطِنِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلاً: الاِبْتِدَاءُ بِالْحَمْدِ:
١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الاِبْتِدَاءَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الأُْمُورِ الْمُهِمَّةِ مَنْدُوبٌ (٤) اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَمَلاً بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَقْطَعُ فَيُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْحَمْدِ لِكُل стр. 10888
مُصَنِّفٍ، وَدَارِسٍ، وَمُدَرِّسٍ، وَخَطِيبٍ، وَخَاطِبٍ، وَبَيْنَ يَدَيْ سَائِرِ الأُْمُورِ الْمُهِمَّةِ، قَال الشَّافِعِيُّ: أُحِبُّ أَنْ يُقَدِّمَ الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْ خُطْبَتِهِ وَكُل أَمْرٍ طَلَبَهُ حَمْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَالصَّلاَةَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْحَمْدَلَةُ تَجِبُ فِي الصَّلاَةِ، وَتُسَنُّ فِي الْخُطَبِ، وَقَبْل الدُّعَاءِ، وَبَعْدَ الأَْكْل، وَتُبَاحُ بِلاَ سَبَبٍ، وَتُكْرَهُ فِي الأَْمَاكِنِ الْمُسْتَقْذَرَةِ، وَتَحْرُمُ بَعْدَ أَكْل الْحَرَامِ.
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لِلْكُتُبِ وَالْوَثَائِقِ وَالرَّسَائِل، كَمَا فِي كُتُبِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمُلُوكِ وَمَا كَتَبَهُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّ الْحَمْدَ لِلْخُطَبِ (١) .
ثَانِيًا: الْحَمْدُ فِي دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ:
١١ - وَرَدَ الْحَمْدُ فِي دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ - أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ يَقْتَضِي مَجْمُوعُهَا أَنْ يَقُول الْمُصَلِّي فِي اسْتِفْتَاحِ الصَّلاَةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. إِلَخْ " (٢) стр. 10889
وَكُل هَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ .
وَقَال الْبَيْهَقِيُّ: أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ كَبَّرَ ثُمَّ قَال: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ (١) .
وَتَفْصِيل الْمَأْثُورِ فِي دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ، وَحُكْمُهُ، وَمَوْضِعِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ يُنْظَرُ فِي " اسْتِفْتَاحٌ " (٢) " وَتَحْمِيدٌ " (٣)
ثَالِثًا: قِرَاءَةُ سُورَةِ الْحَمْدُ فِي الصَّلاَةِ:
١٢ - سُورَةُ الْحَمْدُ - كَمَا تَقَدَّمَ - هِيَ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ قِرَاءَتَهَا فِي الصَّلاَةِ فَرْضٌ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ تَتَعَيَّنُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بَل تُسْتَحَبُّ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ تَجِبُ وَلَوْ قَرَأَ غَيْرَهَا مِنَ الْقُرْآنِ أَجْزَأَهُ (٤) . стр. 10890
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي " صَلاَةٌ " " وَفَاتِحَةٌ ".
رَابِعًا: الْحَمْدُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ:
١٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْوْلَى أَنْ يَقُول الْمُصَلِّي فِي التَّسْبِيحِ الْمَنْدُوبِ فِي الرُّكُوعِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، وَفِي السُّجُودِ، سُبْحَانَ رَبِّي الأَْعْلَى وَبِحَمْدِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُول فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. (١)
وَالأَْفْضَل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الاِقْتِصَارُ عَلَى " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ " فِي الرُّكُوعِ وَعَلَى " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى " فِي السُّجُودِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ وَبِحَمْدِهِ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَفِيَّةُ لِزِيَادَةِ لَفْظِ (وَبِحَمْدِهِ) فِي أَيٍّ مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ. (٢)
وَفِي تَفْصِيل مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ стр. 10891
التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ " تَسْبِيحٌ ".
خَامِسًا: الْحَمْدُ فِي الرَّفْعِ بَعْدَ الرُّكُوعِ:
١٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى مَنْ كَانَ إِمَامًا يَقُول فِي الرَّفْعِ بَعْدَ الرُّكُوعِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَلاَ يَقُول رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْل قَوْلِهِمَا.
احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّمَا جُعِل الإِْمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، وَإِذَا قَال: وَلاَ الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (١) قَسَمَ التَّحْمِيدَ وَالتَّسْمِيعَ بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْقَوْمِ فَجَعَل التَّحْمِيدَ لَهُمْ وَالتَّسْمِيعَ لَهُ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ إِبْطَال هَذِهِ الْقِسْمَةِ، وَلأَِنَّ إِتْيَانَ الإِْمَامِ بِالْحَمْدِ يُؤَدِّي إِلَى جَعْل التَّابِعِ مَتْبُوعًا تَابِعًا، وَهَذَا لاَ يَجُوزُ، بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الذِّكْرَ يُقَارِنُ الاِنْتِقَال، فَإِذَا قَال الإِْمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، يَقُول الْمُقْتَدِي مُقَارِنًا لَهُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَلَوْ стр. 10892
قَالَهَا الإِْمَامُ بَعْدَ ذَلِكَ لَوَقَعَ قَوْلُهُ بَعْدَ قَوْل الْمُقْتَدِي، فَيَنْقَلِبُ الْمَتْبُوعُ تَابِعًا وَالتَّابِعُ مَتْبُوعًا، وَمُرَاعَاةُ التَّبَعِيَّةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الصَّلاَةِ وَاجِبَةٌ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي مُقْتَدِيًا يَأْتِي بِالْحَمْدِ لاَ غَيْرَ. وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ مُصَحَّحَةٍ، أَحَدُهَا هَذَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَالْمُؤْتَمِّ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ كَالإِْمَامِ.
١٥ - وَاخْتُلِفَ فِي الْمُخْتَارِ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَمْدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: قَال الْحَصْكَفِيُّ: أَفْضَلُهُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ حَذْفُ الْوَاوِ، ثُمَّ حَذْفُ اللَّهُمَّ فَقَطْ، وَأَضَافَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَبَقِيَ رَابِعَةٌ هِيَ: حَذْفُ اللَّهُمَّ وَالْوَاوِ، ثُمَّ قَال: الأَْرْبَعَةُ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ كَمَا أَفَادَهُ بِالْعَطْفِ بِثُمَّ. (١) قَال الْكَاسَانِيُّ: وَالأَْشْهَرُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
١٦ - وَأَمَّا الْمُقْتَدِي فَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَقُول: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ بَعْدَ قَوْل الإِْمَامِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. وَالْفَذُّ (الْمُنْفَرِدُ) يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِسُنَّةٍ وَمَنْدُوبٍ وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا مُسْتَحَبٌّ عَلَى الظَّاهِرِ، فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقُول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَقُول بَعْدَ ذَلِكَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. (٢) стр. 10893
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا اسْتَوَى قَائِمًا مِنْ رُكُوعِهِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقُول: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَْرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْل الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَال الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ، قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَْصْحَابُ: يَسْتَوِي فِي اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الأَْذْكَارِ كُلِّهَا الإِْمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ، يَجْمَعُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَ قَوْلِهِ بِسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ إِلَى آخِرِهِ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ هُوَ قَوْلٌ لأَِبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ بِمَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (١) وَغَالِبُ أَحْوَالِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ هُوَ الإِْمَامُ، وَلأَِنَّ الإِْمَامَ مُنْفَرِدٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الذِّكْرَيْنِ فَكَذَا الإِْمَامُ، وَلأَِنَّ التَّسْمِيعَ تَحْرِيضٌ عَلَى الْحَمْدِ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِالْبِرِّ وَيَنْسَى نَفْسَهُ كَيْ لاَ يَدْخُل تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ. .﴾ (٢) стр. 10894
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَكِنَّ الْمُتُونَ عَلَى قَوْل الإِْمَامِ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ عِنْدَنَا، لَكِنْ قَال الأَْصْحَابُ: إِنَّمَا يَأْتِي الإِْمَامُ بِهَذَا كُلِّهِ إِذَا رَضِيَ الْمَأْمُومُونَ بِالتَّطْوِيل وَكَانُوا مَحْصُورِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَْصْحَابُ: وَلَوْ قَال: وَلَكَ الْحَمْدُ رَبَّنَا أَجْزَأَهُ، لأَِنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَلَكِنَّ الأَْفْضَل قَوْلُهُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ.
وَقَال صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ: يُسْتَحَبُّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِقَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِيَسْمَعَ الْمَأْمُومُونَ وَيَعْلَمُوا انْتِقَالَهُ كَمَا يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ، وَيُسِرُّ بِقَوْلِهِ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ لأَِنَّهُ يَفْعَلُهُ فِي الاِعْتِدَال فَيُسِرُّ بِهِ كَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيُسِرُّ بِهِمَا كَمَا يُسِرُّ بِالتَّكْبِيرِ، فَإِنْ أَرَادَ تَبْلِيغَ غَيْرِهِ انْتِقَال الإِْمَامِ كَمَا يُبَلِّغُ التَّكْبِيرَ جَهَرَ بِقَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لأَِنَّهُ الْمَشْرُوعُ فِي حَال الاِرْتِفَاعِ. وَلاَ يَجْهَرُ بِقَوْلِهِ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا يُشْرَعُ فِي حَال الاِعْتِدَال. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا اسْتَتَمَّ الْمُصَلِّي قَائِمًا مِنْ رُكُوعِهِ قَال: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ стр. 10895
وَالأَْرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ثُمَّ يَقُول وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمَا رَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَال: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَْرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ. (٢)
وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِنْ شَاءَ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ: أَهْل الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَال الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ (٣) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ، أَوْ يَقُول الْمُصَلِّي غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ.
وَالصَّحِيحُ - عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَقُول стр. 10896
كَمَا يَقُول الإِْمَامُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَال لِبُرَيْدَةَ: إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ فِي الرُّكُوعِ فَقُل: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الأَْرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ بَعْدُ (١) وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُول ذَلِكَ وَلَمْ تُفَرِّقِ الرِّوَايَةُ بَيْنَ كَوْنِهِ إِمَامًا وَمُنْفَرِدًا، وَلأَِنَّ مَا شُرِعَ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فِي حَقِّ الإِْمَامِ شُرِعَ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ، كَسَائِرِ الأَْذْكَارِ.
وَالْمَأْمُومُ يَحْمَدُ - أَيْ يَقُول: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ - فَقَطْ فِي حَال رَفْعِهِ مِنَ الرُّكُوعِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : إِذَا قَال الإِْمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. (٢)
فَأَمَّا قَوْل مِلْءَ السَّمَاوَاتِ. وَمَا بَعْدَهُ فَلاَ يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى أَمْرِهِمْ بِقَوْل: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فَدَل عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْرَعُ لَهُمْ سِوَاهُ.
وَلِلْمُصَلِّي - إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا - стр. 10897
قَوْل " رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ " بِلاَ وَاوٍ لِوُرُودِ الْخَبَرِ بِذَلِكَ، وَبِالْوَاوِ أَفْضَل لِلاِتِّفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃، وَلِكَوْنِهِ أَكْثَرَ حُرُوفًا، وَيَتَضَمَّنُ الْحَمْدَ مُقَدَّرًا وَمُظْهَرًا، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ رَبَّنَا حَمِدْنَاكَ وَلَكَ الْحَمْدُ، لأَِنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الظَّاهِرِ مَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ دَل عَلَى أَنَّ فِي الْكَلاَمِ مُقَدَّرًا.
وَإِنْ شَاءَ الْمُصَلِّي قَال: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ " بِلاَ وَاوٍ، وَهُوَ أَفْضَل مِنْهُ مَعَ الْوَاوِ وَإِنْ شَاءَ قَالَهُ بِوَاوٍ. وَذَلِكَ بِحَسَبِ الرِّوَايَاتِ صِحَّةً وَكَثْرَةً وَضِدِّهِمَا.
وَإِذَا رَفَعَ الْمُصَلِّي رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَعَطَسَ فَقَال: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، يَنْوِي بِذَلِكَ لِمَا عَطَسَ وَلِلرَّفْعِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يُخْلِصْهُ لِلرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا يُجْزِئُهُ، لأَِنَّهُ ذِكْرٌ لاَ تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ وَقَدْ أَتَى بِهِ فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ قَالَهُ ذَاهِلاً وَقَلْبُهُ غَيْرُ حَاضِرٍ، وَقَوْل أَحْمَدَ يُحْمَل عَلَى الاِسْتِحْبَابِ لاَ عَلَى نَفْيِ الإِْجْزَاءِ حَقِيقَةً.
وَيُسَنُّ جَهْرُ الإِْمَامِ بِالتَّسْمِيعِ لِيَحْمَدَ الْمَأْمُومُ عَقِبَهُ، وَلاَ يُسَنُّ جَهْرُ الإِْمَامِ بِالتَّحْمِيدِ، لأَِنَّهُ لاَ يَعْقُبُهُ مِنَ الْمَأْمُومِ شَيْءٌ فَلاَ فَائِدَةَ فِي الْجَهْرِ بِهِ. (١)
ر: مُصْطَلَحَ " تَحْمِيدٌ ". стр. 10898
سَادِسًا: الْحَمْدُ بَعْدَ الصَّلاَةِ:
١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْحَمْدِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ (١) وَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَصْحَابُ الدُّثُورِ (٢) بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، قَال ﷺ : أَلاَ أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلاَ يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَل مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ صَنَعَ مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُل صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ. (٣) стр. 10899
وَتَفْصِيل هَذَا فِي مُصْطَلَحِ " تَحْمِيدٌ " (١)
سَابِعًا: الْحَمْدُ فِي الْخُطَبِ الْمَشْرُوعَةِ:
١٨ - الْحَمْدُ مَطْلُوبٌ فِي الْخُطَبِ الْمَشْرُوعَةِ، وَهِيَ عَشْرٌ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مَوْطِنِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - الْحَمْدُ فِي خُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ:
١٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَفْظَ الْحَمْدِ لاَ يُشْتَرَطُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، فَلَوْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى قَصْدِ الْخُطْبَةِ بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ جَازَ عِنْدَهُ فِي أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ، أَمَّا إِذَا قَال ذَلِكَ لِعُطَاسٍ أَوْ تَعَجُّبٍ فَلاَ يَجُوزُ، وَاسْتَدَل بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، فَكَانَ الشَّرْطُ الذِّكْرَ الأَْعَمِّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَمْدَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ مَنْدُوبٌ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: مِنْ أَرْكَانِ خُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى لِلاِتِّبَاعِ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي стр. 10900
عَلَيْهِ. (١) الْحَدِيثَ، وَلَفْظُ الْحَمْدِ مُتَعَيِّنٌ لِلتَّعَبُّدِ بِهِ، فَلاَ يَكْفِي نَحْوُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَلاَ نَحْوُ: الشُّكْرُ لِلَّهِ، وَلاَ غَيْرُ لَفْظِ (اللَّهُ) كَالرَّحْمَنِ، وَيَكْفِي مَصْدَرُ الْحَمْدِ وَمَا اشْتُقَّ مِنْهُ وَإِنْ تَأَخَّرَ كَـ (لِلَّهِ الْحَمْدُ) . (٢)
وَالتَّفْصِيل فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ.
ب - الْحَمْدُ فِي خُطْبَتَيِ الْعِيدَيْنِ:
٢٠ - خُطْبَتَا الْعِيدَيْنِ كَخُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ، لَكِنَّهُمَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فِي الْعِيدَيْنِ، وَيَبْدَأُ فِيهِمَا بِالتَّكْبِيرِ، وَحُكْمُ الْحَمْدِ فِيهِمَا كَحُكْمِهِ فِي خُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْخِلاَفِ وَالتَّفْصِيل السَّابِقَيْنِ. (٣) وَتَفْصِيلُهُ فِي صَلاَةِ الْعِيدِ.
ج - الْحَمْدُ فِي خُطْبَتَيْ الاِسْتِسْقَاءِ:
٢١ - اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي خُطْبَتَيْ الاِسْتِسْقَاءِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ خُطْبَةَ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ فِيهِ خُطْبَتَيْنِ، وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ فِيهِ خُطْبَةً وَاحِدَةً.
وَعِنْدَهُمَا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالتَّحْمِيدِ فِي الْخُطْبَةِ. стр. 10901
وَالْحَمْدُ فِي خُطْبَتَيْ الاِسْتِسْقَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَالْحَمْدِ فِي خُطْبَتَيِ الْعِيدِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْحَمْدَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ خُطْبَتَيْ الاِسْتِسْقَاءِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْخُطْبَةِ لِلاِسْتِسْقَاءِ وَفِي وَقْتِهَا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ فِي صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ خُطْبَةً وَاحِدَةً بَعْدَ الصَّلاَةِ كَالْعِيدَيْنِ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ فِي وَصْفِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ: صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ. (١)
وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ الْحَمْدُ فِي خُطْبَةِ الاِسْتِسْقَاءِ عِنْدَهُمْ كَالْحَمْدِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ. (٢)
وَالتَّفْصِيل فِي اسْتِسْقَاءٌ.
د - الْحَمْدُ فِي خُطْبَتَيِ الْكُسُوفِ:
٢٢ - خُطْبَةُ الْكُسُوفِ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَمْدُ فِيهَا رُكْنٌ عِنْدَهُمْ لِفِعْلِهِ ﷺ خِلاَفًا لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لاَ خُطْبَةَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَلاَ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ بَل صَلاَةٌ وَدُعَاءٌ وَتَكْبِيرٌ وَصَدَقَةٌ. كَمَا وَرَدَ فِي стр. 10902
حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا. (١)
هـ - الْحَمْدُ فِي خُطَبِ النِّكَاحِ:
٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَدْبِ الْحَمْدِ فِي خُطَبِ النِّكَاحِ (عِنْدَ الْتِمَاسِ الْخُطْبَةِ، وَعِنْدَ الإِْجَابَةِ إِلَيْهَا، وَعِنْدَ الإِْيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، وَعِنْدَ الْقَبُول فِيهِ) (٢) لِحَدِيثِ: كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَقْطَعُ (٣) وَخَصَّ بَعْضُهُمْ لِخُطْبَةِ النِّكَاحِ لَفْظَ خُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِيهِ: إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ. (٤)
و الْحَمْدُ فِي خُطَبِ الْحَجِّ:
٢٤ - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى نَدْبِ الْحَمْدِ فِي стр. 10903
خُطَبِ الْحَجِّ (وَهِيَ: يَوْمُ السَّابِعِ بِمَكَّةَ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ الْعِيدِ بِمِنًى، وَثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِمِنًى) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَمْدَ فِي هَذِهِ الْخُطَبِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا يَأْتِي بِهِ الْخَطِيبُ وُجُوبًا. (١)
ثَامِنًا: الْحَمْدُ فِي بَدْءِ الدُّعَاءِ وَخَتْمِهِ:
٢٥ - قَال النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ ابْتِدَاءِ الدُّعَاءِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَكَذَلِكَ يَخْتِمُ الدُّعَاءَ بِهِمَا، وَالآْثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ، مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَجُلاً يَدْعُو فِي صَلاَتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى وَلَمْ يُصَل عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : عَجَّل هَذَا ثُمَّ دَعَاهُ فَقَال لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ. (٢) стр. 10904
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: يُسْتَحَبُّ لِلدَّاعِي أَنْ يَقُول فِي آخِرِ دُعَائِهِ كَمَا قَال أَهْل الْجَنَّةِ: (١) ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . (٢)
تَاسِعًا: الْحَمْدُ عِنْدَ حُصُول نِعْمَةٍ أَوِ انْدِفَاعِ مَكْرُوهٍ:
٢٦ - قَال النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ نِقْمَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَنْ يَسْجُدَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَالأَْحَادِيثُ وَالآْثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي مَقْتَل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ عُمَرَ أَرْسَل ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى عَائِشَةَ ﵄ يَسْتَأْذِنُهَا أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَلَمَّا أَقْبَل عَبْدُ اللَّهِ قَال عُمَرُ: مَا لَدَيْكَ؟ قَال: الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَذِنَتْ، قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ. (٣)
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلاَءُ (٤) قَال стр. 10905
النَّوَوِيُّ: قَال الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُول هَذَا الذِّكْرَ (سِرًّا) بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلاَ يَسْمَعُهُ الْمُبْتَلَى لِئَلاَّ يَتَأَلَّمَ قَلْبُهُ بِذَلِكَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ بَلِيَّتُهُ مَعْصِيَةً فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُسْمِعَهُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةً. (١)
عَاشِرًا: الْحَمْدُ بَعْدَ الْعُطَاسِ:
٢٧ - قَال النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَاطِسِ أَنْ يَقُول عَقِبَ عُطَاسِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ قَال النَّوَوِيُّ: فَلَوْ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَانَ أَحْسَنَ، وَلَوْ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُل حَالٍ كَانَ أَفْضَل. لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلاً عَطَسَ إِلَى جَنْبِهِ فَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال ابْنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢) عَلَّمَنَا أَنْ نَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُل حَالٍ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ. وَأَقَل الْحَمْدِ وَالتَّشْمِيتِ وَجَوَابِهِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ стр. 10906
يَسْمَعُهُ صَاحِبُهُ، وَإِذَا قَال الْعَاطِسُ لَفْظًا آخَرَ غَيْرَ الْحَمْدِ لِلَّهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ التَّشْمِيتَ. (١) هَذَا فِي الْعَاطِسِ غَيْرِ الْمُصَلِّي، أَمَّا الْعَاطِسُ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ فَفِي حَمْدِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي " تَحْمِيدٌ " " وَتَشْمِيتٌ ".
حَادِي عَشَرَ: الْحَمْدُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ
٢٨ - الْحَمْدُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَعِنْدَ الْمَسَاءِ مَطْلُوبٌ وَمُرَغَّبٌ فِيهِ شَرْعًا، لِقَوْل اللَّهِ : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْل غُرُوبِهَا﴾ (٢) وَقَوْلِهِ : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِْبْكَارِ﴾ (٣) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ قَال حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مُرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ أَحَدٌ قَال مِثْل مَا قَال أَوْ زَادَ عَلَيْهِ (٤) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَوْلُهُ ﷺ : مَنْ قَال حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَال مِثْل ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ (٥) стр. 10907
وَقَوْلُهُ ﷺ : مَنْ قَال إِذَا أَصْبَحَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَانَ لَهُ عَدْل رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيل، وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ. (١)
ثَانِي عَشَرَ: الْحَمْدُ عِنْدَ مَوْتِ الْوَلَدِ
٢٩ - الْحَمْدُ عِنْدَ فَقْدِ الْوَلَدِ مَطْلُوبٌ وَمُرَغَّبٌ فِيهِ شَرْعًا لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَال اللَّهُ تَعَالَى لِمَلاَئِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُول: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُول: مَاذَا قَال عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ. (٢) стр. 10908
ثَالِثَ عَشَرَ: الْحَمْدُ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ وَمَا يَكْرَهُ:
٣٠ - إِذَا رَأَى الشَّخْصُ شَيْئًا يُحِبُّهُ أَوْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ حَمِدَ (١) بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُل حَالٍ. (٢)
رَابِعَ عَشَرَ: الْحَمْدُ إِذَا دَخَل السُّوقَ:
٣١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ دَخَل السُّوقَ فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ (٣) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَزَادَ فِيهِ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَفِيهِ مِنَ стр. 10909
الزِّيَادَةِ: قَال الرَّاوِي: فَقَدِمْتُ خُرَاسَانَ، فَأَتَيْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ فَقُلْتُ لَهُ: أَتَيْتُكُ بِهَدِيَّةٍ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ فَكَانَ قُتَيْبَةُ يَرْكَبُ فِي مَوْكِبِهِ حَتَّى يَأْتِيَ السُّوقَ فَيَقُولُهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ. (١)
خَامِسَ عَشَرَ: الْحَمْدُ إِذَا نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ:
٣٢ - يُشْرَعُ لِمَنْ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى، فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا نَظَرَ وَجْهَهُ فِي الْمِرْآةِ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي (٢) وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّى خَلْقِي فَعَدَلَهُ، وَكَرَّمَ صُورَةَ وَجْهِي. فَحَسَّنَهَا، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. (٣)
سَادِسَ عَشَرَ: الْحَمْدُ إِذَا رَكِبَ دَابَّتَهُ وَنَحْوَهَا:
٣٣ - حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ رُكُوبِ الدَّابَّةِ وَنَحْوِهَا стр. 10910
مَطْلُوبٌ شَرْعًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَل لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَْنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَال: شَهِدْتُ عَلِيًّا أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَال: بِسْمِ اللَّهِ ثَلاَثًا، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَال: " الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ قَال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ " ثُمَّ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَال: سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ. ثُمَّ ضَحِكَ، فَقِيل: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَل كَمَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضُحِكْتَ؟ قَال: إِنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَال اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي. (١)
سَابِعَ عَشَرَ: الْحَمْدُ لِمَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ، أَوْ لَبِسَ جَدِيدًا، أَوْ قَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ، أَوْ خَرَجَ مِنَ стр. 10911
الْخَلاَءِ، أَوِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، أَوْ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، أَوْ سُئِل عَنْ حَالِهِ أَوْ حَال غَيْرِهِ .
٣٤ - الْحَمْدُ مَشْرُوعٌ لِكُل وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي " تَحْمِيدٌ ".
ثَامِنَ عَشَرَ: فَضْل الْحَمْدِ وَأَفْضَل أَلْفَاظِهِ:
٣٥ - حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى مَشْرُوعٌ فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَمُسْتَحَبٌّ فِي كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ، وَالْحَمْدُ لاَ تَكَادُ تُحْصَى مَوَاطِنُهُ فَهُوَ مَطْلُوبٌ عَلَى كُل حَالٍ وَفِي كُل مَوْطِنٍ. إِلاَّ الْمَوَاطِنَ الَّتِي يُنَزَّهُ الذِّكْرُ عَنْهَا. (١)
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي فَضْل الْحَمْدِ مِنْهَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا قَال الْعَبْدُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَال: صَدَقَ عَبْدِي، الْحَمْدُ لِي. (٢)
وَمِنْهَا مَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ قَال سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ. (٣) стр. 10912
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَال: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلاَمَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، (١) وَأَنَّ غَرْسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ (٢)
وَمِنْهَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ (٣) وَمِنْهَا مَا رَوَى أَبُو مَالِكٍ الأَْشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : الطَّهُورُ شَطْرُ الإِْيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأَُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآَنِ - أَوْ تَمْلأَُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ. (٤)
وَمِنْهَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لأََنْ أَقُول: стр. 10913
سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. (١)
وَمِنْهَا مَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ أَحَبَّ الْكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. (٢)
٣٦ - وَأَحْسَنُ الْعِبَارَاتِ فِي الْحَمْدِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِذْ هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَآخِرُ دَعْوَى أَهْل الْجَنَّةِ، وَهِيَ لِكَوْنِهَا جُمْلَةً اسْمِيَّةً دَالَّةً عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالدَّوَامِ لَهُ ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنَ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ، وَهَذَا مِنْ حِكَمِ افْتِتَاحِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِذَلِكَ، أَيِ الإِْشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ الْمَحْمُودُ فِي الأَْزَل وَفِيمَا لاَ يَزَال، وَفِي قَوْلِهِ: رَبِّ الْعَالَمِينَ - أَيْ مُرَبِّيهِمْ بِنِعْمَةِ الإِْيجَادِ ثُمَّ بِنِعْمَةِ التَّنْمِيَةِ وَالإِْمْدَادِ - تَحْرِيضٌ وَحَثٌّ عَلَى الْقِيَامِ بِحَمْدِهِ وَشُكْرِهِ فِي كُل وَقْتٍ وَحِينٍ.
٣٧ - وَمَجَامِعُ الْحَمْدِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، قَال النَّوَوِيُّ: قَال الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ: لَوْ حَلَفَ إِنْسَانٌ لَيَحْمَدَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِمَجَامِعِ الْحَمْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِأَجَل التَّحَامِيدِ، فَطَرِيقُهُ فِي بِرِّ يَمِينِهِ أَنْ стр. 10914
يَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ. " وَاحْتَجُّوا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ وَلِذَلِكَ قَال النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: لَيْسَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ مُعْتَمَدٌ "
وَفِي التُّحْفَةِ: لَوْ قِيل: يَبَرُّ بِقَوْلِهِ " رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلاَل وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ " لَكَانَ أَقْرَبَ بَل يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ لأَِنَّهُ أَبْلَغُ مَعْنًى وَصَحَّ بِهِ الْخَبَرُ ". (١)
قَالُوا: وَلَوْ حَلَفَ لَيُثْنِيَنَّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَحْسَن الثَّنَاءِ فَطَرِيقُ الْبِرِّ أَنْ يَقُول: لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي آخِرِهِ: فَلَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى، وَصَوَّرَ أَبُو سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ حَلَفَ لَيُثْنِيَنَّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَجَل الثَّنَاءِ وَأَعْظَمِهِ. (٢)
حَمْدَلَةٌ
انْظُرْ: حَمْدٌ стр. 10915
حَمْلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الْحَمْل فِي اللُّغَةِ الرَّفْعُ وَالْعُلُوقُ، يُقَال: حَمَل الشَّيْءَ عَلَى ظَهْرِهِ اسْتَقَلَّهُ وَرَفَعَهُ، فَهُوَ حَامِلٌ وَهِيَ حَامِلَةٌ. وَالْحِمْل بِالْكَسْرِ مَا يُحْمَل. وَحَمَلَتِ الْمَرْأَةُ حَمْلاً عَلِقَتْ بِالْحَمْل فَهِيَ حَامِلٌ وَحَامِلَةٌ. وَجَمْعُهُ أَحْمَالٌ وَحِمَالٌ. قَال تَعَالَى: ﴿وَأُولاَتُ الأَْحْمَال أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) وَحَمَلَتِ الشَّجَرَةُ: أَخْرَجَتْ ثَمَرَتَهَا. (٢)
وَيُطْلَقُ الْحَمْل فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَيْضًا أَيْ حَمْل الْمَتَاعِ وَمَا فِي بَطْنِ الأُْنْثَى مِنَ الأَْوْلاَدِ. (٣) стр. 10916
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحَبَل:
٢ - الْحَبَل بِفَتْحَتَيْنِ الاِمْتِلاَءُ، وَمِنْهُ حَبَل الْمَرْأَةِ وَهُوَ امْتِلاَءُ رَحِمِهَا، فَهِيَ حُبْلَى. وَالْحَبَل الْحَمْل. وَيَكُونُ الْحَبَل مَصْدَرًا وَاسْمًا مِنْ حَبِلَتِ الْمَرْأَةُ حَبَلاً. وَمِنْهُ حَدِيثُ: نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَل الْحَبَلَةِ. (١) وَهُوَ أَنْ يُبَاعَ مَا فِي بَطْنِ النَّاقَةِ. وَقِيل وَلَدُ الْوَلَدِ الَّذِي فِي الْبَطْنِ. وَقَال بَعْضُهُمْ: الْحَبَل مَخْصُوصٌ بِالآْدَمِيَّاتِ، أَمَّا الْحَمْل فَيَشْمَل الآْدَمِيَّاتِ وَالْبَهَائِمَ وَالشَّجَرَ، فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَخَصُّ مِنَ الْحَمْل. (٢)
. ب - الْجَنِينُ:
٣ - الْجَنِينُ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ جَنَّ الشَّيْءَ بِمَعْنَى سَتَرَ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَلَدِ مَا دَامَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، لاِسْتِتَارِهِ فِيهِ، وَجَمْعُهُ أَجِنَّةٌ. أَمَّا الْحَمْل فَيُطْلَقُ عَلَى حَمْل الْمَتَاعِ، وَعَلَى ثَمَرَةِ الشَّجَرِ، وَعَلَى مَا فِي بَطْنِ الأُْنْثَى. (٣) وَكُل وَلَدٍ فِي بَطْنِ الأُْمِّ فَهُوَ جَنِينٌ، أَمَّا الْحَمْل فَيَشْمَل كُل مَا فِي بَطْنِهَا وَلَوْ كَانَ أَكْثَر مِنْ جَنِينٍ. стр. 10917
أَحْكَامُ الْحَمْل:
٤ - تَقَدَّمَ أَنَّ لَفْظَ الْحَمْل يُطْلَقُ عَلَى مَا يُرْفَعُ بِالْيَدِ، أَوْ عَلَى الظَّهْرِ مِنَ الْمَتَاعِ، وَمَا تَحْمِلُهُ الأُْنْثَى فِي رَحِمِهَا مِنَ الْجَنِينِ. وَفِيمَا يَلِي الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِكِلاَ الْقِسْمَيْنِ:
أَوَّلاً: الْحَمْل بِمَعْنَى مَا تَحْمِلُهُ الأُْنْثَى مِنْ وَلَدٍ:
٥ - يَمُرُّ الْحَمْل فِي تَكْوِينِهِ وَنُمُوِّهِ بِمَرَاحِل مُخْتَلِفَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ إِلَى الْعَلَقَةِ، وَمِنْهَا إِلَى الْمُضْغَةِ فَإِلَى الْعِظَامِ، فَتُكْسَى الْعِظَامُ لَحْمًا، ثُمَّ تُنَشَّأُ خَلْقًا آخَرَ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ بَعْضِ هَذِهِ الأَْدْوَارِ فِي مُصْطَلَحِ: (جَنِينٌ) وَفِيمَا يَلِي الأَْحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمُدَّةِ الْحَمْل، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الآْثَارِ، وَمَا يَثْبُتُ لِلْحَمْل مِنْ حُقُوقٍ كَالنَّسَبِ وَالإِْرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْهُ وَعَنْ وَضْعِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُمِّهِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهَا، مَعَ إِحَالَةِ بَعْضِ هَذِهِ الأَْحْكَامِ إِلَى مُصْطَلَحَاتِهَا الأَْصْلِيَّةِ.
مُدَّةُ الْحَمْل وَأَثَرُهَا فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ:
أَقَل مُدَّةِ الْحَمْل:
٦ - أَقَل مُدَّةِ الْحَمْل سِتَّةُ أَشْهُرٍ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهَمَّ عُثْمَانُ ﵁ بِرَجْمِهَا، فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ خَاصَمَتْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ
стр. 10918
لَخَصَمَتْكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ ، (١) وَقَال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يَرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٢) فَالآْيَةُ الأُْولَى حَدَّدَتْ مُدَّةَ الْحَمْل وَالْفِصَال أَيِ الْفِطَامِ بِثَلاَثِينَ شَهْرًا، وَالثَّانِيَةُ تَدُل عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْفِطَامِ عَامَانِ فَبَقِيَ لِمُدَّةِ الْحَمْل سِتَّةُ أَشْهُرٍ. (٣)
وَهَذِهِ الْمُدَّةُ تُحْسَبُ مِنْ وَقْتِ الزَّوَاجِ وَإِمْكَانِ الْوَطْءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمِنْ وَقْتِ عَقْدِ الزَّوَاجِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْ وَقْتِ الْخَلْوَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٤)
وَلِتَعْيِينِ أَقَل مُدَّةِ الْحَمْل آثَارٌ فِقْهِيَّةٌ، مِنْهَا:
أ - إِذَا وَلَدَتِ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ وَكَانَ بَيْنَ وَضْعِهِمَا أَقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يُعْتَبَرُ الْوَلَدَانِ تَوْأَمَيْنِ، فَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِ الثَّانِي لاَ بِالأَْوَّل. وَهَل يُعْتَبَرُ الدَّمُ بَيْنَهُمَا حَيْضًا أَوْ نِفَاسًا؟ فِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْهِمَا.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَيْنَ وَضْعِهِمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ كَانَا بَطْنَيْنِ تَنْقَضِي عِدَّتُهُمَا بِوَضْعِ الأَْوَّل. (٥) стр. 10919
ب - إِذَا أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ اتِّفَاقًا. لأَِنَّهُ ظَهَرَ عَكْسُهُ بِتَعْيِينٍ، فَصَارَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَقْرَبْهُ. وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ لاَ يَثْبُتُ نَسَبُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَكْسُهُ فَيَكُونُ مِنْ حَمْلٍ حَادِثٍ بَعْدَهُ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، وَلأَِنَّهَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِقَضَاءِ عِدَّتِهَا وَحِل النِّكَاحِ لَهَا بِمُدَّةِ الْحَمْل فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِوَضْعِ حَمْلِهَا لِمُدَّةِ الْحَمْل، كَمَا يُعَلِّلُهُ الْحَنَابِلَةُ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يَثْبُتُ نَسَبُهُ مَا لَمْ. تَتَزَوَّجْ أَوْ يَبْلُغْ أَرْبَعَ سِنِينَ، لأَِنَّهُ وَلَدٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَهِيَ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل، وَلَيْسَ مَعَهُ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ. (٢)
هَذَا، وَلِتَحْدِيدِ أَقَل مُدَّةِ الْحَمْل آثَارٌ أُخْرَى فِي اللِّعَانِ، وَالاِسْتِلْحَاقِ وَالنَّسَبِ، وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْعِدَّةِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا
أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْل:
٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْل، стр. 10920
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْل أَرْبَعُ سِنِينَ، لِقَوْل مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: " هَذِهِ جَارَتُنَا امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلاَنَ امْرَأَةُ صِدْقٍ، وَزَوْجُهَا رَجُل صِدْقٍ حَمَلَتْ ثَلاَثَةَ أَبْطُنٍ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً كُل بَطْنٍ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ " وَمَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ حَكَى أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ وَهَكَذَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَجِيحٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَإِذَا تَقَرَّرَ وُجُودُهُ وَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ. وَلأَِنَّ عُمَرَ ضَرَبَ لاِمْرَأَةِ الْمَفْقُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلاَّ لأَِنَّهُ غَايَةُ الْحَمْل. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا. (١)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِنَّ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل سَنَتَانِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ فِي الْحَمْل عَلَى سَنَتَيْنِ وَلاَ قَدْرَ مَا يَتَحَوَّل ظِل عُودِ الْمِغْزَل (٢) وَذَلِكَ لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ تَوْقِيفًا، إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْل فِيهِ مَجَالٌ، فَكَأَنَّهَا رَوَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (٣) стр. 10921
وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل خَمْسُ سِنِينَ.
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إِنَّ أَقْصَى الْحَمْل تِسْعَةُ أَشْهُرٍ. (١)
٨ - وَثَمَرَةُ هَذَا الْخِلاَفِ تَظْهَرُ فِيمَا يَأْتِي: الْمُطَلَّقَةِ طَلاَقًا بَائِنًا وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا جَاءَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِوَلَدٍ لِسَنَتَيْنِ فَأَقَل ثَبَتَ نَسَبُهُ اتِّفَاقًا، لأَِنَّ الْوَضْعَ تَمَّ ضِمْنَ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل عِنْدَ الْجَمِيعِ.
أَمَّا إِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ لأَِكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَرْبَعِ سِنِينَ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَضْعَ ضِمْنَ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل عِنْدَهُمْ، وَلاَ يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل.
وَفِي الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لأَِكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لاِحْتِمَال الْوَطْءِ وَالْعُلُوقِ فِي الْعِدَّةِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مُمْتَدَّةَ الطُّهْرِ. (٢)
وَفِي الْمَوْضُوعِ فُرُوعٌ أُخْرَى تُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (نَسَبٌ) .
أَثَرُ الْحَمْل فِي تَصَرُّفَاتِ الْحَامِل:
٩ - الْحَمْل لاَ يُؤَثِّرُ فِي تَصَرُّفَاتِ الْحَامِل قَبْل سِتَّةِ стр. 10922
أَشْهُرٍ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَا لَمْ يَأْتِ لَهَا الطَّلْقُ (وَجَعُ الْوِلاَدَةِ) عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) ، فَتَصِحُّ تَبَرُّعَاتُهَا كَسَائِرِ الْمُعَامَلاَتِ. وَفِي حَالَةِ الطَّلْقِ تُعْتَبَرُ الْحَامِل كَالْمَرِيضَةِ مَرَضَ الْمَوْتِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْحَمْل مِنَ الأَْمْرَاضِ الْمُخَوِّفَةِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، لأَِنَّ الْحَامِل تَتَوَقَّعُ الْوِلاَدَةَ بَعْدَهَا كُل سَاعَةٍ، تَنْطَبِقُ عَلَيْهَا أَحْكَامُ مَرَضِ الْمَوْتِ. (١) (ر: حَامِلٌ، وَمَرَضُ الْمَوْتِ) .
أَهْلِيَّةُ الْحَمْل:
١٠ - الْحَمْل لَهُ أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ نَاقِصَةٌ فَتَثْبُتُ لَهُ الْحُقُوقُ الَّتِي لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُول كَالإِْرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَالنَّسَبِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَالنَّفَقَةِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِمَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْحَمْل مِنْ جِهَةٍ جُزْءٌ مِنْ أُمِّهِ حِسًّا، لِقَرَارِهِ بِقَرَارِهَا وَانْتِقَالِهِ بِانْتِقَالِهَا، وَحُكْمًا، لِعِتْقِهِ وَرِقِّهِ وَدُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ بِعِتْقِهَا وَرِقِّهَا وَبَيْعِهَا. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى هُوَ نَفْسٌ تَنْفَرِدُ بِالْحَيَاةِ وَهُوَ مُعَدٌّ لِلاِنْفِصَال، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذِمَّةٌ كَامِلَةٌ بَل نَاقِصَةٌ، فَهِيَ ثَابِتَةٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْوُجُوبِ لَهُ لاَ عَلَيْهِ، كَمَا يَقُول الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ (٢) وَفِيمَا يَلِي الْحُقُوقُ الَّتِي تَثْبُتُ لِلْحَمْل. стр. 10923
أ - النَّسَبُ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُ الْحَمْل لِلْفِرَاشِ إِذَا كَانَ فِي مُدَّةٍ يَحْتَمِلُهَا، إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ، أَوْ وَقْتِ إِمْكَانِ الدُّخُول إِلَى سَنَتَيْنِ، أَوْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَفَاةِ الزَّوْجِ أَوْ طَلاَقِ الْحَامِل (١) بَائِنًا حَسَبَ مَا ذُكِرَ فِي مُدَّةِ الْحَمْل، وَعَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَسَبٌ) .
ب - الإِْرْثُ:
١٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحَمْل يَرِثُ، وَلَهُ نَصِيبٌ فِي مَال مُورَثِهِ قَبْل أَنْ يُولَدَ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تُقْسَمُ التَّرِكَةُ بَيْنَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ إِذَا طَالَبُوا بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارٍ لِلْوِلاَدَةِ، وَيُدْفَعُ إِلَى مَنْ لاَ يَنْقُصُهُ الْحَمْل كَمَال مِيرَاثِهِ، وَإِلَى مَنْ يَنْقُصُهُ أَقَل مَا يُصِيبُهُ، وَلاَ يُدْفَعُ شَيْءٌ مِنَ الْمِيرَاثِ إِلَى مَنْ يُسْقِطُهُ الْحَمْل وَيُوقَفُ لِلْحَمْل نَصِيبٌ.
وَيُقَدَّرُ عَدَدُ الْحَمْل وَاحِدًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ الْمُعْتَادُ، فَيُوقَفُ لَهُ نَصِيبُ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَيِّهِمَا كَانَ أَكْثَرَ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُوقَفُ لَهُ نَصِيبُ اثْنَيْنِ. стр. 10924
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّ الْحَمْل سَبَبٌ لِتَأْخِيرِ تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ، فَيُوقَفُ التَّقْسِيمُ كُلُّهُ حَتَّى تَضَعَ الْحَامِل، أَوْ يَظْهَرَ عَدَمُ حَمْلِهَا بِانْتِفَاءِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَلَيْسَ بِهَا حَمْلٌ ظَاهِرٌ.
وَإِنْ قَالَتْ: لاَ أَدْرِي أُخِّرَ الإِْرْثُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنْ لاَ حَمْل فِيهَا بِأَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً، أَوْ يَمْضِيَ أَمَدُ الْعِدَّةِ وَلاَ رِيبَةَ حَمْلٍ بِهَا.
هَذَا، وَاشْتَرَطَ الْجَمِيعُ لإِِرْثِ الْحَمْل أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَال وَفَاةِ مُورَثِهِ وَأَنْ تَضَعَهُ حَيًّا بِأَنْ يَسْتَهِل صَارِخًا فَيَرِثَ وَيُورَثَ، (١) لِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا اسْتَهَل الْمَوْلُودُ وَرِثَ. (٢)
وَفِيمَا سِوَى الاِسْتِهْلاَل تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِرْثٌ) .
ج - الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْل
١٣ - تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْل عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهَا اسْتِخْلاَفٌ مِنْ وَجْهٍ، لأَِنَّ الْمُوصِي يَجْعَلُهُ стр. 10925
خَلِيفَةً فِي بَعْضِ مَالِهِ، وَالْجَنِينُ يَصْلُحُ خَلِيفَةً فِي الإِْرْثِ فَكَذَا فِي الْوَصِيَّةِ، وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ لِلْحَمْل بِالْعِلْمِ بِوُجُودِهِ حِينَ الْوَصِيَّةِ، بِأَنْ يَنْفَصِل حَيًّا لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، إِذْ لَوْ وُلِدَ لأَِكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ احْتُمِل وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ حِينَ الْوَصِيَّةِ فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ، وَهِيَ تَمْلِيكٌ لاَ يَصِحُّ لِلْمَعْدُومِ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِحَمْلٍ ثَابِتٍ أَوْ مَا سَيُوجَدُ، فَيُوقَفُ إِلَى وَضْعِهِ، فَيَسْتَحِقُّ إِنِ اسْتَهَل عَقِبَ وِلاَدَتِهِ، فَإِنْ نَزَل مَيِّتًا أَوْ حَيًّا حَيَاةً غَيْرَ قَارَّةٍ فَلاَ يَسْتَحِقُّهَا، وَتُرَدُّ الْوَصِيَّةُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي. (٢) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَصِيَّةٌ) .
د - الْوَقْفُ عَلَى الْحَمْل:
١٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ، أَيِ الْحَمْل، لأَِنَّ الْوَقْفَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُول فَيَصِحُّ الْوَقْفُ لِلْحَمْل اسْتِقْلاَلاً كَمَا يَصِحُّ تَبَعًا. (٣)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ إِمْكَانُ تَمْلِيكِهِ بِأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَال الْوَقْفِ فِي الْخَارِجِ أَهْلاً لِلْمِلْكِ، فَلاَ يَصِحُّ عَلَى جَنِينٍ следующие страницы →