← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل خَمْسُ سِنِينَ. وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إِنَّ أَقْصَى الْحَمْل تِسْعَةُ أَشْهُرٍ. (١) ٨ - وَثَمَرَةُ هَذَا الْخِلاَفِ تَظْهَرُ فِيمَا يَأْتِي: الْمُطَلَّقَةِ طَلاَقًا بَائِنًا وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا جَاءَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِوَلَدٍ لِسَنَتَيْنِ فَأَقَل ثَبَتَ نَسَبُهُ اتِّفَاقًا، لأَِنَّ الْوَضْعَ تَمَّ ضِمْنَ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل عِنْدَ الْجَمِيعِ. أَمَّا إِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ لأَِكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَرْبَعِ سِنِينَ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَضْعَ ضِمْنَ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل عِنْدَهُمْ، وَلاَ يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل. وَفِي الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لأَِكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لاِحْتِمَال الْوَطْءِ وَالْعُلُوقِ فِي الْعِدَّةِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مُمْتَدَّةَ الطُّهْرِ. (٢) وَفِي الْمَوْضُوعِ فُرُوعٌ أُخْرَى تُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (نَسَبٌ) . أَثَرُ الْحَمْل فِي تَصَرُّفَاتِ الْحَامِل: ٩ - الْحَمْل لاَ يُؤَثِّرُ فِي تَصَرُّفَاتِ الْحَامِل قَبْل سِتَّةِ

стр. 10922

أَشْهُرٍ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَا لَمْ يَأْتِ لَهَا الطَّلْقُ (وَجَعُ الْوِلاَدَةِ) عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) ، فَتَصِحُّ تَبَرُّعَاتُهَا كَسَائِرِ الْمُعَامَلاَتِ. وَفِي حَالَةِ الطَّلْقِ تُعْتَبَرُ الْحَامِل كَالْمَرِيضَةِ مَرَضَ الْمَوْتِ. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْحَمْل مِنَ الأَْمْرَاضِ الْمُخَوِّفَةِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، لأَِنَّ الْحَامِل تَتَوَقَّعُ الْوِلاَدَةَ بَعْدَهَا كُل سَاعَةٍ، تَنْطَبِقُ عَلَيْهَا أَحْكَامُ مَرَضِ الْمَوْتِ. (١) (ر: حَامِلٌ، وَمَرَضُ الْمَوْتِ) . أَهْلِيَّةُ الْحَمْل: ١٠ - الْحَمْل لَهُ أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ نَاقِصَةٌ فَتَثْبُتُ لَهُ الْحُقُوقُ الَّتِي لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُول كَالإِْرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَالنَّسَبِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَالنَّفَقَةِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِمَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْحَمْل مِنْ جِهَةٍ جُزْءٌ مِنْ أُمِّهِ حِسًّا، لِقَرَارِهِ بِقَرَارِهَا وَانْتِقَالِهِ بِانْتِقَالِهَا، وَحُكْمًا، لِعِتْقِهِ وَرِقِّهِ وَدُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ بِعِتْقِهَا وَرِقِّهَا وَبَيْعِهَا. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى هُوَ نَفْسٌ تَنْفَرِدُ بِالْحَيَاةِ وَهُوَ مُعَدٌّ لِلاِنْفِصَال، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذِمَّةٌ كَامِلَةٌ بَل نَاقِصَةٌ، فَهِيَ ثَابِتَةٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْوُجُوبِ لَهُ لاَ عَلَيْهِ، كَمَا يَقُول الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ (٢) وَفِيمَا يَلِي الْحُقُوقُ الَّتِي تَثْبُتُ لِلْحَمْل.

стр. 10923

أ - النَّسَبُ: ١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُ الْحَمْل لِلْفِرَاشِ إِذَا كَانَ فِي مُدَّةٍ يَحْتَمِلُهَا، إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ، أَوْ وَقْتِ إِمْكَانِ الدُّخُول إِلَى سَنَتَيْنِ، أَوْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَفَاةِ الزَّوْجِ أَوْ طَلاَقِ الْحَامِل (١) بَائِنًا حَسَبَ مَا ذُكِرَ فِي مُدَّةِ الْحَمْل، وَعَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَسَبٌ) . ب - الإِْرْثُ: ١٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحَمْل يَرِثُ، وَلَهُ نَصِيبٌ فِي مَال مُورَثِهِ قَبْل أَنْ يُولَدَ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تُقْسَمُ التَّرِكَةُ بَيْنَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ إِذَا طَالَبُوا بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارٍ لِلْوِلاَدَةِ، وَيُدْفَعُ إِلَى مَنْ لاَ يَنْقُصُهُ الْحَمْل كَمَال مِيرَاثِهِ، وَإِلَى مَنْ يَنْقُصُهُ أَقَل مَا يُصِيبُهُ، وَلاَ يُدْفَعُ شَيْءٌ مِنَ الْمِيرَاثِ إِلَى مَنْ يُسْقِطُهُ الْحَمْل وَيُوقَفُ لِلْحَمْل نَصِيبٌ. وَيُقَدَّرُ عَدَدُ الْحَمْل وَاحِدًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ الْمُعْتَادُ، فَيُوقَفُ لَهُ نَصِيبُ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَيِّهِمَا كَانَ أَكْثَرَ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُوقَفُ لَهُ نَصِيبُ اثْنَيْنِ.

стр. 10924

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّ الْحَمْل سَبَبٌ لِتَأْخِيرِ تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ، فَيُوقَفُ التَّقْسِيمُ كُلُّهُ حَتَّى تَضَعَ الْحَامِل، أَوْ يَظْهَرَ عَدَمُ حَمْلِهَا بِانْتِفَاءِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَلَيْسَ بِهَا حَمْلٌ ظَاهِرٌ. وَإِنْ قَالَتْ: لاَ أَدْرِي أُخِّرَ الإِْرْثُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنْ لاَ حَمْل فِيهَا بِأَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً، أَوْ يَمْضِيَ أَمَدُ الْعِدَّةِ وَلاَ رِيبَةَ حَمْلٍ بِهَا. هَذَا، وَاشْتَرَطَ الْجَمِيعُ لإِِرْثِ الْحَمْل أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَال وَفَاةِ مُورَثِهِ وَأَنْ تَضَعَهُ حَيًّا بِأَنْ يَسْتَهِل صَارِخًا فَيَرِثَ وَيُورَثَ، (١) لِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا اسْتَهَل الْمَوْلُودُ وَرِثَ. (٢) وَفِيمَا سِوَى الاِسْتِهْلاَل تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِرْثٌ) . ج - الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْل ١٣ - تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْل عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهَا اسْتِخْلاَفٌ مِنْ وَجْهٍ، لأَِنَّ الْمُوصِي يَجْعَلُهُ

стр. 10925

خَلِيفَةً فِي بَعْضِ مَالِهِ، وَالْجَنِينُ يَصْلُحُ خَلِيفَةً فِي الإِْرْثِ فَكَذَا فِي الْوَصِيَّةِ، وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ لِلْحَمْل بِالْعِلْمِ بِوُجُودِهِ حِينَ الْوَصِيَّةِ، بِأَنْ يَنْفَصِل حَيًّا لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، إِذْ لَوْ وُلِدَ لأَِكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ احْتُمِل وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ حِينَ الْوَصِيَّةِ فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ، وَهِيَ تَمْلِيكٌ لاَ يَصِحُّ لِلْمَعْدُومِ. (١) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِحَمْلٍ ثَابِتٍ أَوْ مَا سَيُوجَدُ، فَيُوقَفُ إِلَى وَضْعِهِ، فَيَسْتَحِقُّ إِنِ اسْتَهَل عَقِبَ وِلاَدَتِهِ، فَإِنْ نَزَل مَيِّتًا أَوْ حَيًّا حَيَاةً غَيْرَ قَارَّةٍ فَلاَ يَسْتَحِقُّهَا، وَتُرَدُّ الْوَصِيَّةُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي. (٢) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَصِيَّةٌ) . د - الْوَقْفُ عَلَى الْحَمْل: ١٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ، أَيِ الْحَمْل، لأَِنَّ الْوَقْفَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُول فَيَصِحُّ الْوَقْفُ لِلْحَمْل اسْتِقْلاَلاً كَمَا يَصِحُّ تَبَعًا. (٣) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ إِمْكَانُ تَمْلِيكِهِ بِأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَال الْوَقْفِ فِي الْخَارِجِ أَهْلاً لِلْمِلْكِ، فَلاَ يَصِحُّ عَلَى جَنِينٍ

стр. 10926

اسْتِقْلاَلاً، كَمَا لاَ يَصِحُّ تَبَعًا كَأَنْ يَقُول: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي وَحَمْل زَوْجَتِي. لَكِنَّهُ يَدْخُل فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْل وَالْعَقِبِ، وَلاَ يَدْخُل فِيمَا لَوْ قَال وَقَفْتُ عَلَى الأَْوْلاَدِ، لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى وَلَدًا قَبْل انْفِصَالِهِ. (١) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى حَمْلٍ أَصَالَةً، كَوَقَفْتُ دَارِي عَلَى مَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، لأَِنَّهُ تَمْلِيكٌ إِذَنْ، وَالْحَمْل لاَ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ بِغَيْرِ الإِْرْثِ وَالْوَصِيَّةِ. وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْحَمْل تَبَعًا، كَأَنْ يَقُول: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي وَأَوْلاَدِ فُلاَنٍ وَفِيهِمْ حَمْلٌ، فَيَشْمَل الْحَمْل. (٢) (ر: وَقْفٌ) . هـ - الإِْقْرَارُ لِلْحَمْل وَالْهِبَةُ لَهُ: ١٥ - يَصِحُّ الإِْقْرَارُ لِلْحَمْل إِنْ بَيَّنَ الْمُقِرُّ سَبَبًا صَالِحًا يُتَصَوَّرُ لِلْحَمْل، كَالإِْرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، كَأَنْ يَقُول: عَلَيَّ كَذَا أَوْ عِنْدِي كَذَا لِهَذَا الْحَمْل بِإِرْثٍ وَوَصِيَّةٍ. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إِذَا كَانَ الْحَمْل مُحْتَمَل الْوُجُودِ وَقْتَ الإِْقْرَارِ، بِأَنْ لاَ يُولَدَ لأَِكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَوْ أَرْبَعَ سِنِينَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ. (٣)

стр. 10927

وَفِي صِحَّةِ الإِْقْرَارِ لِلْحَمْل فِي حَالَةِ الإِْطْلاَقِ وَعَدَمِ بَيَانِ السَّبَبِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِقْرَارٌ) . هَذَا. وَلاَ تَصِحُّ الْهِبَةُ لِلْحَمْل، لأَِنَّهَا تَمْلِيكٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبْضِ، وَالْحَمْل لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقَبْضِ وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (هِبَةٌ) . أَثَرُ نُقْصَانِ أَهْلِيَّةِ الْحَمْل: ١٦ - تَقَدَّمَ الْقَوْل بِأَنَّ الْحَمْل لَهُ أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ نَاقِصَةٌ، لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ لاَ يَجِبُ فِي مَال الْحَمْل نَفَقَةُ الأَْقَارِبِ، وَلاَ يَجِبُ ثَمَنُ الْمَبِيعِ الَّذِي اشْتَرَى لَهُ وَلِيُّهُ، وَنَحْوُهُمَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ. (١) (ر: جَنِينٌ) . نَفْيُ الْحَمْل: ١٧ - لَوْ قَال الرَّجُل لاِمْرَأَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ لَيْسَ هَذَا الْحَمْل - الْجَنِينُ - مِنِّي لَمْ يَجِبِ اللِّعَانُ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّ الْحَمْل غَيْرُ مُتَيَقَّنِ الْوُجُودِ فَقَدْ يَكُونُ انْتِفَاخًا. وَقَال الصَّاحِبَانِ: إِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ - الَّتِي هِيَ أَقَل مُدَّةِ الْحَمْل - مِنْ وَقْتِ الْقَذْفِ وَجَبَ اللِّعَانُ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ وُجُودِ الْحَمْل

стр. 10928

فَكَانَ مُحْتَمِلاً لِلنَّفْيِ إِذِ الْحَمْل تَتَعَلَّقُ بِهِ الأَْحْكَامُ. وَيَقُول الْكَاسَانِيُّ: (وَلاَ يُقْطَعُ نَسَبُ حَمْلٍ قَبْل الْوِلاَدَةِ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ، لأَِنَّهُ لاَ يُجِيزُ نَفْيَهُ قَبْل الْوَضْعِ. وَأَمَّا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ، فَلأَِنَّ الأَْحْكَامَ إِنَّمَا تَثْبُتُ لِلْوَلَدِ لاَ لِلْحَمْل وَالْجَنِينِ، إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْوَلَدِ بِالْوِلاَدَةِ. وَيَقُول: إِنَّ الْقَذْفَ إِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِلِّعَانِ لاَ يَنْقَطِعُ نَسَبُ الْوَلَدِ وَيَكُونُ ابْنَهُمَا وَلاَ يُصَدَّقَانِ عَلَى نَفْيِهِ، لأَِنَّ النَّسَبَ قَدْ ثَبَتَ، وَالنَّسَبُ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ لاَ يَنْقَطِعُ إِلاَّ بِاللِّعَانِ وَاللِّعَانُ لَمْ يُوجَدْ) . وَيُصَرِّحُ التُّمُرْتَاشِيُّ وَشَارِحُهُ: إِنْ قَال الرَّجُل لاِمْرَأَتِهِ زَنَيْتِ وَهَذَا الْحَمْل - الْجَنِينُ - مِنَ الزِّنَى تَلاَعَنَا، لِوُجُودِ الْقَذْفِ الصَّرِيحِ وَلَكِنْ لاَ يَنْتَفِي الْحَمْل لِعَدَمِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ قَبْل الْوِلاَدَةِ. وَيُصَرِّحُ ابْنُ مَوْدُودٍ بِأَنَّهُ لاَ يَنْتَفِي نَسَبُ الْحَمْل قَبْل الْوِلاَدَةِ. (١) وَيُجِيزُ مَالِكٌ فِي قَوْلٍ نَسَبَ إِلَيْهِ اللِّعَانَ أَثْنَاءَ الْحَمْل لِنَفْيِهِ وَالْحُكْمُ بِنَفْيِهِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لاَعَنَ بَيْنَ هِلاَل بْنِ أُمَيَّةَ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ. (٢) وَنَفَى النَّسَبَ

стр. 10929

عَنِ الزَّوْجِ: يَقُول ابْنُ رُشْدٍ: وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ فِي نَفْيِ الْحَمْل أَنَّهُ لاَ يَجِبُ بِهِ اللِّعَانُ. (١) وَيَقُول الْخَطِيبُ الشَّافِعِيُّ: إِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ يَنْفِيهِ مَا دَامَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، لأَِنَّ تَرْكَ النَّفْيِ يَتَضَمَّنُ الاِسْتِلْحَاقَ، وَاسْتِلْحَاقُ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ حَرَامٌ. وَإِنَّمَا يُعْلَمُ إِذَا لَمْ يَطَأْ أَوْ وَطِئَهَا وَلَكِنْ وَلَدَتْهُ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهِ، أَوْ لِزِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعِ سِنِينَ - الَّتِي هِيَ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل عِنْدَهُمْ - فَلَوْ عَلِمَ زِنَاهَا وَاحْتَمَل كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَمِنَ الزِّنَى. حَرُمَ النَّفْيُ لِرِعَايَةِ الْفِرَاشِ. وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ يَنْقُل ابْنُ قُدَامَةَ خِلاَفًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَنَقَل عَنِ الْخِرَقِيِّ وَجَمَاعَةٍ أَنَّ الْحَمْل لاَ يَنْتَفِي بِنَفْيِهِ قَبْل الْوَضْعِ وَلاَ يَنْتَفِي حَتَّى يُلاَعِنَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يَنْتَفِي الْوَلَدُ بِزَوَال الْفِرَاشِ بِاللِّعَانِ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى نَفْيِ الْحَمْل فِي اللِّعَانِ وَقِيل: يَصِحُّ لَعْنُهُ قَبْل وَضْعِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ. وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْقَوْل بِجَوَازِ نَفْيِ الْحَمْل، وَأَنَّهُ يُنْفَى بِذَلِكَ، وَأَنَّ الآْثَارَ الَّتِي تَدُل عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْل كَثِيرَةٌ. وَلأَِنَّ الْحَمْل مَظْنُونٌ بِأَمَارَاتٍ تَدُل عَلَيْهِ. وَصَحَّحَ ابْنُ قُدَامَةَ هَذَا الْقَوْل. (٢)

стр. 10930

وَتَفْصِيل الْقَوْل فِي ذَلِكَ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ (لِعَانٌ) . الاِسْتِلْحَاقُ ١٨ - قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي بَابِ الاِسْتِيلاَدِ: لَوْ أَقَرَّ السَّيِّدُ أَنَّ أَمَتَهُ حَامِلٌ مِنْهُ فَجَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الإِْقْرَارِ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، لِلتَّيَقُّنِ بِوُجُودِهِ وَقْتَ الإِْقْرَارِ. (١) وَيُعَلِّل الْكَاسَانِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحَمْل - الْجَنِينَ - عِبَارَةٌ عَنِ الْوَلَدِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لأَِكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ النَّسَبُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِوُجُودِهِ وَقْتَ الدَّعْوَى. لَكِنَّهُ إِنْ قَال فِي إِقْرَارِهِ: مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ حَمْلٍ أَوْ وَلَدٍ مِنِّي لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَامِلاً وَإِنَّمَا كَانَ رِيحًا وَلَوْ صَدَّقَتْهُ. وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ جَارِيَةٌ حَامِلٌ فَأَقَرَّ أَنَّ حَمْلَهَا مِنْ زَوْجٍ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ مِنْهُ فَوَلَدَتْ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ وَلاَ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلَوْ مَكَثَ الْمَوْلَى بَعْدَ إِقْرَارِهِ الأَْوَّل سَنَةً ثُمَّ قَال: هِيَ حَامِلٌ مِنِّي فَوَلَدَتْ وَلَدًا لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الإِْقْرَارِ فَهُوَ ابْنٌ لِلْمَوْلَى ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْهُ. (٢) وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْحَمْل - الْجَنِينِ - وَلاَ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْوِلاَدَةِ فِي

стр. 10931

الظَّاهِرِ. (١) وَفِي مَتْنِ خَلِيلٍ وَحَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ إِنَّ الزَّوْجَ إِنْ لاَعَنَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَى وَقَال: وَطَأْتُهَا قَبْل هَذِهِ الرُّؤْيَةِ فِي يَوْمِهَا، أَوْ قَبْل ذَلِكَ وَلَمْ أَسْتَبْرِئْهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ زِنَى الرُّؤْيَةِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْهُ، بِأَنْ كَانَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، فَلِلإِْمَامِ مَالِكٍ فِي إِلْزَامِ الزَّوْجِ بِالْوَلَدِ وَالْحَمْل وَعَدَمِهِ أَقْوَالٌ: قِيل: بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ وَلاَ يَنْتَفِي عَنْهُ أَصْلاً بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ إِنَّمَا شُرِعَ لِنَفْيِ الْحَدِّ فَقَطْ، وَإِنَّ عُدُولَهُ عَنْ دَعْوَى الاِسْتِبْرَاءِ رِضًا مِنْهُ بِالاِسْتِلْحَاقِ. وَقِيل: بِعَدَمِ الإِْلْزَامِ فَهُوَ لاَحِقٌ بِهِ وَيَتَوَارَثَانِ مَا لَمْ يَنْفِهِ بِلِعَانٍ آخَرَ. وَقِيل: يُنْفَى بِاللِّعَانِ الأَْوَّل. فَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَحِقَ بِهِ وَحُدَّ، قَال: وَالْقَوْل الثَّالِثُ هُوَ الرَّاجِحُ. (٢) كَمَا يُصَرِّحُ الشَّافِعِيَّةُ كَمَا فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ (٣) أَنَّ مَنِ اسْتَلْحَقَ حَمْلاً تَعَذَّرَ عَلَيْهِ نَفْيُهُ. وَيَقُول الرَّمْلِيُّ: إِنَّ مَنْ سَكَتَ عَلَى حَمْلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ يَكُونُ بِسُكُوتِهِ مُسْتَلْحِقًا لِمَنْ لَيْسَ مِنْهُ. (٤) وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: إِنَّ الزَّوْجَ إِنِ اسْتَلْحَقَ الْحَمْل فَمَنْ قَال لاَ يَصِحُّ نَفْيُهُ قَال: لاَ يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَمَنْ أَجَازَ

стр. 10932

نَفْيَهُ قَال: يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ، وَإِذَا اسْتَلْحَقَهُ لَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَنْ قَال: لاَ يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ قَال: لَوْ صَحَّ اسْتِلْحَاقُهُ لَزِمَهُ بِتَرْكِ نَفْيِهِ. وَلاَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِالإِْجْمَاعِ. ". (١) انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ الْحَمْل: ١٩ - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الْحَامِل تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْل سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَنْ طَلاَقٍ، أَمْ وَفَاةٍ، أَمْ مُتَارَكَةٍ، أَمْ وَطْءِ شُبْهَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولاَتُ الأَْحْمَال أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) وَلأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْعِدَّةِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ وَهِيَ تَحْصُل بِوَضْعِ الْحَمْل. كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحَمْل إِذَا كَانَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا أَقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالْعِدَّةُ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الأَْخِيرِ لِحُصُول الْبَرَاءَةِ بِهِ. (٣) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ (عِدَّةٌ - حَامِلٌ) . إِخْرَاجُ الْحَمْل مِنَ الْحَامِل الْمَيِّتِ ٢٠ - إِذَا مَاتَتِ الْحَامِل وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ حَيٌّ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَسْطُوَ عَلَيْهِ الْقَوَابِل وَجَبَ ذَلِكَ

стр. 10933

اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ شُقَّ بَطْنُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ اسْتِبْقَاءً لِحَيَاةِ الْحَمْل، خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ وَالْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، حَيْثُ قَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ الْمُتَيَقَّنَةِ لأَِمْرٍ مَوْهُومٍ، لأَِنَّ هَذَا الْوَلَدَ لاَ يَعِيشُ وَلاَ يَتَحَقَّقُ أَنْ يَحْيَا، (١) كَمَا عَلَّلُوهَا، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَامِلٌ) . الاِعْتِدَاءُ عَلَى الْحَمْل ٢١ - الاِعْتِدَاءُ عَلَى الْحَمْل إِذَا تَسَبَّبَ فِي إِسْقَاطِهِ مَيِّتًا فَفِيهِ غُرَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَسْقَطَتْهُ الْحَامِل بِدَوَاءٍ أَوْ فِعْلٍ كَضَرْبٍ: (ر: غُرَّةٌ) . أَمَّا إِذَا أَلْقَتْهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً ثُمَّ مَاتَ بِسَبَبِ الاِعْتِدَاءِ فِدْيَةٌ كَامِلَةٌ خَطَأً كَانَ الاِعْتِدَاءُ أَوْ عَمْدًا. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِيهِ الْقِصَاصُ إِذَا كَانَ عَمْدًا. (ر: إِجْهَاضٌ، حَامِلٌ) . (٢) ذَكَاةُ حَمْل الْحَيَوَانِ . ٢٢ - إِنَّ خَرَجَ الْحَمْل بَعْدَ تَذْكِيَةِ الْحَيَوَانِ الْحَامِل وَكَانَ كَامِل الْخِلْقَةِ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ تَذْكِيَةِ أُمِّهِ

стр. 10934

فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَحِل أَكْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ. (١) وَلأَِنَّهُ مُتَّصِلٌ يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا وَيُبَاعُ بِبَيْعِهَا فَتَكُونُ ذَكَاتُهُ بِذَكَاتِهَا كَأَعْضَائِهَا. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يَحِل حَتَّى يَخْرُجَ حَيًّا فَيُذَكَّى، لأَِنَّهُ حَيَوَانٌ يَنْفَرِدُ بِحَيَاةٍ. (٢) (ر: أَطْعِمَةٌ، تَذْكِيَةٌ) . بَيْعُ الْحَمْل وَاسْتِثْنَاؤُهُ فِي بَيْعِ الْحَامِل ٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْحَمْل وَحْدَهُ أَوِ اسْتِثْنَائِهِ مِنْ بَيْعِ أُمِّهِ، لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلاَقِيحِ أَيْ مَا فِي أَصْلاَبِ الْفُحُول، وَبَاقِي أَرْحَامِ الأَْنْعَامِ وَالْخَيْل مِنْ أَجِنَّةٍ، كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُ حَبَل الْحَبَلَةِ أَيْ نِتَاجِ النِّتَاجِ، (٣) لِمَا وَرَدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ

стр. 10935

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلاَقِيحِ وَحَبَل الْحَبَلَةِ. (١) وَأَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ اسْتِثْنَائِهِ فِي الْبَيْعِ فَلأَِنَّ الْحَمْل مَجْهُولٌ، وَبِاسْتِثْنَاءِ الْمَجْهُول مِنَ الْمَعْلُومِ يَصِيرُ الْكُل مَجْهُولاً. (ر: بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) . ثَانِيًا: الْحَمْل بِمَعْنَى الرَّفْعِ: ٢٤ - الْحَمْل بِمَعْنَى الرَّفْعِ لَهُ أَحْكَامٌ فِقْهِيَّةٌ فِي الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ مِنْ حَمْل الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي وَحَمْل الْمَأْجُورِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ مِنْهُ إِلَى الْمُؤَجِّرِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ، وَأُجْرَةِ الْحَمْل وَضَمَانِ الْحَمْل (الْمَحْمُول) ، وَكَذَلِكَ حَمْل الْمُصْحَفِ وَكُتُبُ التَّفْسِيرِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ، وَتَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا، وَفِيمَا يَلِي الْكَلاَمُ عَنْهَا إِجْمَالاً: أ - حَمْل الْمَبِيعِ وَالْمَأْجُورِ: ٢٥ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مُطْلَقَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ فِي الْمَحَل الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ، إِلاَّ إِذَا اشْتُرِطَ أَنْ يُسَلَّمَ فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُلْزَمُ الْبَائِعُ بِحَمْل الْمَبِيعِ وَتَسْلِيمِهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَل. وَذَكَرَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ أَنَّ مَا يُبَاعُ

стр. 10936

مَحْمُولاً عَلَى الْحَيَوَانِ كَالْحَطَبِ وَالْفَحْمِ تَكُونُ أُجْرَةُ حَمْلِهِ وَنَقْلِهِ إِلَى بَيْتِ الْمُشْتَرِي جَارِيَةً حَسَبَ عُرْفِ الْبَلْدَةِ وَعَادَتِهَا. (١) وَبِالنِّسْبَةِ لِحَمْل الْمَأْجُورِ ذَكَرُوا أَنَّهُ إِنِ احْتَاجَ رَدُّ الْمَأْجُورِ إِعَادَتَهُ إِلَى الْحَمْل وَالْمُؤْنَةِ فَأُجْرَةُ نَقْلِهِ عَلَى الآْجِرِ. وَجَاءَ فِي الْمَجَلَّةِ: يَلْزَمُ الْحَمَّال إِدْخَال الْحِمْل إِلَى الدَّارِ لَكِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ وَضْعُهُ فِي مَحَلِّهِ. مَثَلاً لَيْسَ عَلَى الْحَمَّال إِخْرَاجُ الْحِمْل إِلَى فَوْقِ الدَّارِ وَلاَ وَضْعُهُ فِي الأَْنْبَارِ. أَيِ الْمَخَازِنِ. (٢) ب - ضَمَانُ الْحَمَّال: ٢٦ - مَا يَحْمِلُهُ الْحَمَّال بِإِذْنِ الْمَالِكِ يَكُونُ أَمَانَةً فَلاَ يَضْمَنُ بِعَيْبِهِ أَوْ تَلَفِهِ إِلاَّ إِذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ. فَمَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَحْمِل لَهُ شَيْئًا فَحَمَل لَهُ إِنَاءً أَوْ وِعَاءً فَخَرَّ مِنْهُ الإِْنَاءُ أَوِ انْفَلَتَ مِنْهُ الْوِعَاءُ فَذَهَبَ مَا فِيهِ لاَ يَكُونُ ضَامِنًا. (٣) وَهَذِهِ هِيَ الْقَاعِدَةُ فِي ضَمَانِ الأَْمَانَاتِ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَمَانٌ) . ج - حَمْل الْمُصْحَفِ: ٢٧ - لاَ يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ بِغَيْرِ غِلاَفٍ

стр. 10937

مُتَجَافٍ أَيْ غَيْرِ مُشَرَّزٍ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا حَمَلَهُ بِغِلاَفٍ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يَجُوزُ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. وَنُهِينَا عَنْ حَمْل الْمُصْحَفِ وَمَا يَجِبُ تَعْظِيمُهُ فِي الْقِتَال، لأَِنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى وُقُوعِهِ فِي يَدِ الْعَدُوِّ، وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضُهُ لاِسْتِخْفَافِهِمْ بِهِ، إِلاَّ فِي جَيْشٍ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ فَلاَ كَرَاهَةَ. وَيَجُوزُ حَمْل الْمُصْحَفِ إِلَى بَلَدِ الْكُفَّارِ إِذَا دَخَل إِلَيْهِمْ مُسْلِمٌ بِأَمَانٍ إِذَا كَانُوا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ تَعَرُّضِهِمْ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. (١)

стр. 10938

حَمَّامٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَمَّامُ مُشَدَّدًا وَالْمُسْتَحَمُّ فِي الأَْصْل الْمَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَل فِيهِ بِالْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ، ثُمَّ قِيل لِلاِغْتِسَال بِأَيِّ مَاءٍ كَانَ " اسْتِحْمَامٌ ". وَالْعَرَبُ تُذَكِّرُ الْحَمَّامَ وَتُؤَنِّثُهُ، وَالْحَمَّامِيُّ صَاحِبُهُ، وَاسْتَحَمَّ فُلاَنٌ: دَخَل الْحَمَّامَ. (١) وَفِي الْحَدِيثِ: لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ. (٢) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

стр. 10939

أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْحَمَّامِ: (١) بِنَاءُ الْحَمَّامِ، وَبَيْعُهُ، وَإِجَارَتُهُ وَالْكَسْبُ الْحَاصِل مِنْهُ: ٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ بِنَاءِ الْحَمَّامِ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ، وَيُكْرَهُ إِذَا كَانَ فِيهِ ذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَيْضًا بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ، وَإِجَارَتُهُ وَذَلِكَ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةِ الْحَمَّامِ، وَلَمْ تُعْتَبَرِ الْجَهَالَةُ فِي قَدْرِ الْمُكْثِ وَغَيْرِهِ، لِتَعَارُفِ النَّاسِ، وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، لِمَا وَرَدَ: مَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ. (٢) وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ اتِّخَاذِ الْحَمَّامِ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ، إِذِ الْحَاجَةُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ أَظْهَرُ، لأَِنَّهُنَّ يَحْتَجْنَ إِلَى الاِغْتِسَال عَنِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَلاَ يَتَمَكَّنَّ مِنْ ذَلِكَ فِي الأَْنْهَارِ وَالْحِيَاضِ تَمَكُّنَ الرِّجَال. وَقَال اللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِجَارَةُ الْحَمَّامِ لِلنِّسَاءِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: جَائِزَةٌ إِنْ كَانَتْ

стр. 10940

عَادَتُهُنَّ سَتْرَ جَمِيعِ الْجَسَدِ، وَغَيْرُ جَائِزَةٍ إِذَا كَانَتْ عَادَتُهُنَّ عَدَمَ السَّتْرِ، وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَتْ عَادَتُهُنَّ الدُّخُول بِالْمَآزِرِ. (١) وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ إِجَارَةَ الْحَمَّامِ وَبَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ مَكْرُوهٌ. قَال أَبُو دَاوُدَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ كَرْيِ الْحَمَّامِ؟ قَال: أَخْشَى، كَأَنَّهُ كَرِهَهُ. وَقِيل لَهُ: فَإِنِ اشْتُرِطَ عَلَى الْمُكْتَرِي أَنْ لاَ يَدْخُلَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إِزَارٍ، فَقَال: وَيُضْبَطُ هَذَا؟ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ فِعْل الْمُنْكَرَاتِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَدُخُول النِّسَاءِ إِلَيْهِ. وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ قَال: قَدِمْتُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَسَأَلَنِي عَنْ مَالِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ لِي غِلْمَانًا وَحَمَّامًا لَهُ غَلَّةٌ: فَكَرِهَ لَهُ غَلَّةَ الْحَجَّامِينَ، وَغَلَّةَ الْحَمَّامِ، وَقَال: إِنَّهُ بَيْتُ الشَّيَاطِينِ، وَسَمَّاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ شَرَّ بَيْتٍ. (٢)

стр. 10941

وَكَسْبُ الْحَمَّامِيِّ مَكْرُوهٌ، وَحَمَّامِيَّةُ النِّسَاءِ أَشَدُّ كَرَاهَةً. (١) قَال أَحْمَدُ فِي الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ: لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَحَمَلَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى غَيْرِ الْبِلاَدِ الْبَارِدَةِ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الزَّيْلَعِيِّ: أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَصَّل بَيْنَ حَمَّامِ الرَّجُل وَحَمَّامِ النِّسَاءِ. (٢) الشُّفْعَةُ فِي الْحَمَّامِ: ٣ - لاَ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي الْحَمَّامِ الَّذِي لاَ يَقْبَل الْقِسْمَةَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ مِنْ أَصْلِهِمْ: أَنَّ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْقِسْمَةِ، وَهَذَا لاَ يَتَحَقَّقُ فِيمَا لاَ يَحْتَمِلُهَا وَتَثْبُتُ فِي الْكَبِيرِ الَّذِي يَقْبَل الْقِسْمَةَ بِشَرْطِ أَنْ يَتَأَتَّى الاِنْتِفَاعُ بِالْمَأْخُوذِ بِالشُّفْعَةِ. (٣) قَال الْمَحَلِّيُّ: كُل مَا لَوْ قُسِمَ بِطَلَبِ مَنْفَعَتِهِ الْمَقْصُودَةِ كَحَمَّامٍ وَرَحًى صَغِيرَيْنِ لاَ شُفْعَةَ فِيهِ فِي الأَْصَحِّ. وَمُقَابِلُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَمِثْلُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ دَفْعُ

стр. 10942

ضَرَرِ الشَّرِكَةِ فِيمَا يَدُومُ، وَكُلٌّ مِنَ الضَّرَرَيْنِ حَاصِلٌ قَبْل الْبَيْعِ، وَمِنْ حَقِّ الرَّاغِبِ فِيهِ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُخَلِّصَ صَاحِبَهُ بِالْبَيْعِ لَهُ، فَإِذَا بَاعَ لِغَيْرِهِ سَلَّطَهُ الشَّرْعُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ. (١) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ فِي الْحَمَّامِ فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِقَدْرِهِ، لأَِنَّ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَهُمْ لِدَفْعِ ضَرَرِ التَّأَذِّي بِسُوءِ الْمُجَاوَرَةِ عَلَى الدَّوَامِ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " شُفْعَةٌ ". قِسْمَةُ الْحَمَّامِ: ٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْقِسْمَةِ جَبْرًا عَدَمَ فَوْتِ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ بِالْقِسْمَةِ، وَلِذَا لاَ يُقَسَّمُ حَمَّامٌ وَنَحْوُهُ عِنْدَ عَدَمِ الرِّضَا، أَمَّا عِنْدَ رِضَا الْجَمِيعِ فَتَجُوزُ قِسْمَتُهُ، لِوُجُودِ التَّرَاضِي مِنْهُمْ بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ، فَكُل وَاحِدٍ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ فِيمَا شَاءَ كَأَنْ يَجْعَلَهُ بَيْتًا. وَقَيَّدَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَدَمَ جَوَازِ قِسْمَةِ الْحَمَّامِ بِأَنْ يَكُونَ صَغِيرًا. (٣) وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ " قِسْمَةٌ ".

стр. 10943

دُخُول الْحَمَّامِ: ٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ دُخُول الْحَمَّامِ مَشْرُوعٌ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ. وَقَدْ دَخَل خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَمَّامَ حِمْصَ، وَدَخَل ابْنُ عَبَّاسٍ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ. وَكَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَدْخُلاَنِ الْحَمَّامَ. وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ، مَعَ مُرَاعَاةِ مَا يَلِي: ٦ - إِذَا كَانَ الدَّاخِل رَجُلاً فَيُبَاحُ لَهُ دُخُولُهُ إِذَا أَمِنَ وُقُوعَ مُحَرَّمٍ: بِأَنْ يَسْلَمَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ وَمَسِّهَا، وَيَسْلَمَ مِنْ نَظَرِهِمْ إِلَى عَوْرَتِهِ وَمَسِّهَا، وَإِنْ خَشِيَ أَنْ لاَ يَسْلَمَ مِنْ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ وُقُوعَهُ فِي الْمَحْظُورِ، فَإِنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ وَمُشَاهَدَتَهَا حَرَامٌ، لِمَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَال: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. (١) قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَال: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلاَ يَرَيَنَّهَا. قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ. إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا. قَال: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ.

стр. 10944

وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُل مَنْ فِي الْحَمَّامِ عَلَيْهِ إِزَارٌ، قَال أَحْمَدُ: إِنْ عَلِمْتَ أَنَّ كُل مَنْ فِي الْحَمَّامِ عَلَيْهِ إِزَارٌ فَادْخُلْهُ، وَإِلاَّ فَلاَ تَدْخُل. وَقَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: دُخُول الْحَمَّامِ بِغَيْرِ إِزَارٍ حَرَامٌ. لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يَدْخُل الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يُدْخِل حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ. (١) وَأَيْضًا رُوِيَ مَنْ دَخَل الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ لَعَنَهُ الْمَلَكَانِ (٢) قَال ابْنُ نَاجِي مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: دُخُول الرَّجُل الْحَمَّامَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: الأَْوَّل: دُخُولُهُ مَعَ زَوْجَتِهِ، أَوْ وَحْدَهُ فَمُبَاحٌ، الثَّانِي: دُخُولُهُ مَعَ قَوْمٍ لاَ يَسْتَتِرُونَ فَمَمْنُوعٌ، الثَّالِثُ: دُخُولُهُ مَعَ قَوْمٍ مُسْتَتِرِينَ فَمَكْرُوهٌ، إِذْ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَنْكَشِفَ

стр. 10945

بَعْضُهُمْ فَيَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَا لاَ يَحِل. وَقِيل فِي هَذَا الْوَجْهِ: إِنَّهُ جَائِزٌ. (١) ٧ - إِذَا كَانَ الدَّاخِل امْرَأَةً فَيُبَاحُ لَهَا دُخُولُهُ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا سَبَقَ، وَبِوُجُودِ عُذْرٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ حَاجَةٍ إِلَى الْغُسْل، وَأَنْ لاَ يُمْكِنَهَا أَنْ تَغْتَسِل فِي بَيْتِهَا لِخَوْفِهَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ ضَرَرٍ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَال لَهَا الْحَمَّامَاتُ، فَلاَ يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَال إِلاَّ بِالأُْزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إِلاَّ مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ (٢) وَلِخَبَرِ مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَضَعُ أَثْيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلاَّ هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا. (٣) وَلأَِنَّ أَمْرَ النِّسَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي السِّتْرِ، وَلِمَا فِي خُرُوجِهِنَّ وَاجْتِمَاعِهِنَّ مِنَ الْفِتْنَةِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ كُرِهَ لَهَا دُخُول الْحَمَّامِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنْ إِحْكَامَاتِ

стр. 10946

الأَْشْبَاهِ: أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنْ لاَ كَرَاهَةَ مُطْلَقًا، ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَفِي زَمَانِنَا لاَ شَكَّ فِي الْكَرَاهَةِ لِتَحَقُّقِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّمَا مُنِعَ دُخُولُهُنَّ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ حَمَّامَاتٌ مُنْفَرِدَةٌ، فَأَمَّا مَعَ انْفِرَادِهِنَّ عَنِ الرِّجَال فَلاَ بَأْسَ، وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اعْتَادَتِ الْحَمَّامَ وَشَقَّ عَلَيْهَا تَرَكَتْ دُخُولَهُ إِلاَّ لِعُذْرٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا دُخُولُهُ. (١) دُخُول الذِّمِّيَّةِ الْحَمَّامَ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ: ٨ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ فِي الْمُعْتَمَدِ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ إِذَا كَانَتْ فِي الْحَمَّامِ مَعَ النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ أَنْ تَكْشِفَ عَنْ بَدَنِهَا مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ، وَهُوَ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. وَعِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ يَجِبُ عَلَيْهَا فِي الْحَمَّامِ أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهَا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا هَتَكَتْ سِتْرَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ. (٢)

стр. 10947

أَمَّا الذِّمِّيَّةُ فَلَيْسَ لَهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ تَنْظُرَ مِنَ الْمُسْلِمَةِ إِلاَّ مَا يَرَاهُ الرَّجُل الأَْجْنَبِيُّ مِنْهَا، وَلِهَذَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الذِّمِّيَّةَ تُمْنَعُ مِنْ دُخُول الْحَمَّامِ مَعَ النِّسَاءِ، وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ ﵁ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَ أَهْل الذِّمَّةِ يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ مَعَ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَامْنَعْ مِنْ ذَلِكَ. وَحُل دُونَهُ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَرَى الذِّمِّيَّةُ عَرِيَّةَ الْمُسْلِمَةِ. وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لاَ يَحِل لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تَرَاهَا يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ لِئَلاَّ تَصِفَهَا لِزَوْجِهَا. (١) آدَابُ الدُّخُول إِلَى الْحَمَّامِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ: ٩ - مِنْ آدَابِهِ: - أَنْ يُسَلِّمَ الأُْجْرَةَ أَوَّلاً أَيْ قَبْل دُخُولِهِ، ذَكَرَ هَذَا الشَّافِعِيَّةُ. - وَأَنْ يَقْصِدَ بِدُخُولِهِ التَّنْظِيفَ وَالتَّطْهِيرَ لاَ التَّرَفُّهَ وَالتَّنَعُّمَ. - وَأَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي دُخُولِهِ، وَالْيُمْنَى فِي خُرُوجِهِ. - وَيَقْصِدَ مَوْضِعًا خَالِيًا، لأَِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ. - وَيُقَلِّل الاِلْتِفَاتَ تَجَنُّبًا لِرُؤْيَةِ عَوْرَةٍ.

стр. 10948

- وَلاَ يُكْثِرَ الْكَلاَمَ، وَيَتَحَيَّنَ بِدُخُولِهِ وَقْتَ الْفَرَاغِ أَوِ الْخَلْوَةِ إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ. - وَلاَ يُطِيل الْمَقَامَ، وَيَمْكُثَ فِيهِ مُكْثًا مُتَعَارَفًا، وَأَنْ يَصُبَّ صَبًّا مُتَعَارَفًا مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ. (١) طَهَارَةُ مَاءِ الْحَمَّامِ ١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ الْغُسْل وَالْوُضُوءُ بِمَاءِ الْحَمَّامِ، وَيُجْعَل بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي، لأَِنَّ الأَْصْل الطَّهَارَةُ فَلاَ تَزُول بِالشَّكِّ. (٢) وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ أَدْخَل يَدَهُ فِي حَوْضِ الْحَمَّامِ وَعَلَيْهَا نَجَاسَةٌ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ سَاكِنًا لاَ يَدْخُل فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الأُْنْبُوبِ، وَلاَ يَغْتَرِفُ النَّاسُ بِالْقَصْعَةِ، يَتَنَجَّسُ مَاءُ الْحَوْضِ، وَإِنْ كَانُوا يَغْتَرِفُونَ مِنَ الْحَوْضِ بِقِصَاعِهِمْ، وَلاَ يَدْخُل مِنَ الأُْنْبُوبِ مَاءٌ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُنَجِّسُ مَاءَ الْحَوْضِ. وَإِنْ كَانَ النَّاسُ يَغْتَرِفُونَ بِقِصَاعِهِمْ،

стр. 10949

وَيَدْخُل الْمَاءُ مِنَ الأُْنْبُوبِ، اخْتَلَفُوا فِيهِ: وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَنْجُسُ. وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي صُبَّ عَلَى وَجْهِ الْحَمَّامِ (أَيْ أَرْضِهِ) فَالأَْصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ طَاهِرٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ فِيهِ خَبَثًا، حَتَّى لَوْ خَرَجَ إِنْسَانٌ مِنَ الْحَمَّامِ وَقَدْ أَدْخَل رِجْلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُمَا بَعْدَ الْخُرُوجِ وَصَلَّى جَازَ. وَإِذَا تَنَجَّسَ حَوْضُ الْحَمَّامِ فَدَخَل فِيهِ الْمَاءُ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَطْهُرُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ مِثْل مَا كَانَ فِيهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا خَرَجَ مِنْهُ مِثْل مَا كَانَ فِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً يَطْهُرُ، لِغَلَبَةِ الْمَاءِ الْجَارِي عَلَيْهِ، وَالأَْوَّل أَحْوَطُ. (١) السَّلاَمُ فِي الْحَمَّامِ: ١١ - لاَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ فِي الْحَمَّامِ لأَِنَّ أَحْوَالَهُ لاَ تُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلاَ يَجِبُ الرَّدُّ، وَقِيل: لاَ يَرُدُّ. وَقَال أَحْمَدُ: لاَ أَعْلَمُ أَنَّنِي سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا، وَيَرَى بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الأَْوْلَى جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ (٢) وَلأَِنَّهُ لَمْ يَرِدُ فِيهِ نَصٌّ، وَالأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ. (٣)

стр. 10950

قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرُ فِي الْحَمَّامِ: ١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الْحَمَّامِ تُكْرَهُ، لأَِنَّهُ مَحَلٌّ لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَيُفْعَل فِيهِ مَا لاَ يَحْسُنُ فِي غَيْرِهِ، فَيُصَانُ الْقُرْآنُ عَنْهُ. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَيَّدُوا الْكَرَاهَةَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ لاَ يُكْرَهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ، وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ الْكَرَاهَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَبِهِ قَال أَبُو وَائِلٍ، وَالشَّعْبِيُّ وَمَكْحُولٌ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، وَأَمَّا إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ خَارِجَ الْحَمَّامِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ غُسَالَةُ النَّاسِ نَحْوِ مَجْلِسِ الْحَمَّامِيِّ وَالثِّيَابِيِّ فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُكْرَهُ. وَيُكْرَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ كَرَاهِيَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْحَمَّامِ وَبِهِ قَال النَّخَعِيُّ. (١) ١٣ - وَأَمَّا الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ فِي الْحَمَّامِ فَلاَ بَأْسَ لِلْمُسْتَتِرِ فِيهِ، فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ حَسَنٌ فِي كُل مَكَان مَا لَمْ يَرِدِ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ دَخَل الْحَمَّامَ فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. (٢) وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ كَانَ

стр. 10951

يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُل أَحْيَانِهِ. (١) الصَّلاَةُ فِي الْحَمَّامِ وَعَلَيْهِ وَإِلَيْهِ ١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ فِي الْحَمَّامِ صَحِيحَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ نَجَسًا، لِقَوْلِهِ ﵊: جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا (٢) وَفِي لَفْظٍ: أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ فَصَل فَهُوَ مَسْجِدٌ. (٣) وَلأَِنَّهُ مَوْضِعٌ طَاهِرٌ فَصَحَّتِ الصَّلاَةُ فِيهِ كَالصَّحْرَاءِ. وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَهِيَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الصَّلاَةَ فِي الْحَمَّامِ لاَ تَصِحُّ بِحَالٍ، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ : الأَْرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ، (٤) وَلأَِنَّهُ مَظِنَّةُ النَّجَاسَاتِ، فَعَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ دُونَ حَقِيقَتِهِ. وَيُصَلَّى فِيهِ لِعُذْرٍ، كَأَنْ حُبِسَ فِيهِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ، ثُمَّ

стр. 10952

لاَ يُعِيدُ صَلاَتَهُ وَلَوْ زَال الْعُذْرُ فِي الْوَقْتِ وَخَرَجَ مِنْهَا، لِصِحَّةِ صَلاَتِهِ. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي الْحَمَّامِ بَيْنَ مَكَانِ الْغُسْل وَصَبِّ الْمَاءِ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُنْزَعُ فِيهِ الثِّيَابُ وَالأَْتُونُ، وَكُل مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُ الْحَمَّامِ، لِتَنَاوُل الاِسْمِ لَهُ. (١) وَعَلَى هَذَا الْخِلاَفِ الصَّلاَةُ عَلَى سَطْحِ الْحَمَّامِ، لأَِنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ. ١٥ - وَفِي الصَّلاَةِ إِلَى الْحَمَّامِ قَال مُحَمَّدٌ: أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ إِلَى الْحَمَّامِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْل مُحَمَّدٍ هَذَا فَقَال بَعْضُهُمْ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَائِطَ الْحَمَّامِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْمَحَمُّ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُصَبُّ فِيهِ الْحَمِيمُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ، لأَِنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ الأَْنْجَاسِ. وَاسْتِقْبَال الأَْنْجَاسِ فِي الصَّلاَةِ مَكْرُوهٌ. وَأَمَّا إِنِ اسْتَقْبَل حَائِطَ الْحَمَّامِ فَلَمْ يَسْتَقْبِل الأَْنْجَاسَ وَإِنَّمَا اسْتَقْبَل الْحَجَرَ وَالْمَدَرَ، فَلاَ يُكْرَهُ. (٢) قَطْعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ حَمَّامٍ: ١٦ - فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ: فَإِذَا سَرَقَ مِنَ الْحَمَّامِ لَيْلاً قُطِعَ، لأَِنَّهُ بُنِيَ لِلْحِرْزِ، وَإِذَا

стр. 10953

سَرَقَ مِنْهُ نَهَارًا لاَ يُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ عِنْدَهُ، لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ بِالدُّخُول فِيهِ نَهَارًا، فَاخْتَل الْحِرْزُ، وَمَا اعْتَادَ النَّاسُ مِنْ دُخُول الْحَمَّامِ بَعْضَ اللَّيْل فَهُوَ كَالنَّهَارِ. (١) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ حَمَّامٍ نِصَابًا مِنْ آلاَتِهِ أَوْ مِنْ ثِيَابِ الدَّاخِلِينَ يُقْطَعُ: إِنْ كَانَ دَخَلَهُ لِلسَّرِقَةِ لاَ لِلاِسْتِحْمَامِ، أَوْ نَقَبَ حَائِطَهُ وَدَخَل مِنَ النَّقْبِ أَوْ تَسَوَّرَ وَسَرَقَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ لِلْحَمَّامِ حَارِسٌ أَمْ لاَ. أَمَّا إِنْ سَرَقَ الْحَمَّامَ مِنْ بَابِهِ أَوْ دَخَلَهُ مُغْتَسِلاً فَسَرَقَ لَمْ يُقْطَعْ لأَِنَّهُ خَائِنٌ. (٢) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُقْطَعُ سَارِقُ الْحَمَّامِ إِنْ كَانَ لِلْمَتَاعِ حَافِظٌ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ الثِّيَابِ الْمَسْرُوقَةِ أَوْ غَيْرَهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَافِظٌ فَلاَ يُقْطَعُ، لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ، فَجَرَى مَجْرَى سَرِقَةِ الضَّيْفِ مِنَ الْبَيْتِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي دُخُولِهِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لأَِنَّهُ مَتَاعٌ لَهُ حَافِظٌ. (٣) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " سَرِقَةٌ ".

стр. 10954

حَمْوٌ التَّعْرِيفُ: ١ - حَمْوُ الْمَرْأَةِ وَحَمُوهَا وَحَمُهَا وَحَمَاهَا، أَبُو زَوْجِهَا أَوْ أَخُو زَوْجِهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَل الزَّوْجِ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ فَهُمْ أَحْمَاءُ الْمَرْأَةِ، وَحَمَاةُ الْمَرْأَةِ أُمُّ زَوْجِهَا، وَحَكَى النَّوَوِيُّ إِجْمَاعَ أَهْل اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ. (١) وَقَال ابْنُ فَارِسٍ: الْحَمْءُ: أَبُو الزَّوْجِ، وَأَبُو امْرَأَةِ الرَّجُل. وَقَال الْمُحْكَمُ: وَحَمْءُ الرَّجُل أَبُو زَوْجَتِهِ أَوْ أَخُوهَا أَوْ عَمُّهَا. فَحَصَل مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَمْءَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ كَالصِّهْرِ، وَهَكَذَا نَقَلَهُ الْخَلِيل عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ. (٢) وَقَالُوا كُل شَيْءٍ مِنْ قِبَل الْمَرْأَةِ فَهُمُ الأَْخْتَانُ وَقَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: الْحَمَاةُ أُمُّ الزَّوْجِ، وَالْخَتَنَةُ أُمُّ الْمَرْأَةِ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُبَدِّل مَكَانَ الأَْخْتَانِ الأَْصْهَارَ - وَالْعَكْسُ - وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُهُمْ كُلَّهُمْ أَصْهَارًا، (٣) وَهَذَا عَلَى سَبِيل الْغَلَبَةِ.

стр. 10955

وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَعْدُو الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - النَّظَرُ وَالْخَلْوَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَمْوِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ أَحْوَال الْحَمْوِ. فَالْحَمْوُ الْمَحْرَمُ: كَأَبِي الزَّوْجِ وَإِنْ عَلاَ، وَابْنُ الزَّوْجِ وَإِنْ نَزَل، يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَالْخَلْوَةُ بِهَا، وَكَذَلِكَ أُمُّ الزَّوْجَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّوْجِ وَابْنَتُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ إِلَى آخِرِ الآْيَةِ. (١) وَلِقَوْلِهِ ﷺ أَلاَ لاَ يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ (٢) وَإِنَّمَا خَصَّ فِيهِ الثَّيِّبَ بِالذِّكْرِ لأَِنَّهَا يُدْخَل عَلَيْهَا غَالِبًا، وَأَمَّا الْبِكْرُ فَمَصُونَةٌ فِي الْعَادَةِ، فَهِيَ أَوْلَى بِذَلِكَ. وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِالأَْجْنَبِيَّةِ، وَإِبَاحَةِ الْخَلْوَةِ بِالْمَحَارِمِ. وَالْمَحْرَمُ: هِيَ كُل مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ. (٣) انْظُرْ (مَحْرَمٌ) . ٣ - الْحَمْوُ غَيْرُ الْمَحْرَمِ كَأَخِي الزَّوْجِ وَكُل مَنْ

стр. 10956

يَمُتُّ بِقَرَابَةٍ إِلَى الزَّوْجِ، مَا عَدَا الْمَذْكُورِينَ فِي السَّابِقِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الأَْجْنَبِيِّ فِي النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ، وَالسَّكَنِ، وَاسْتِمَاعِ الصَّوْتِ، وَقَال فِي الإِْنْصَافِ: وَحَرُمَ نَظَرٌ بِشَهْوَةٍ أَوْ مَعَ خَوْفِ ثَوَرَانِهَا لأَِحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا. (١) وَأَمَّا الْمَسُّ فَالْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى حَرُمَ النَّظَرُ حَرُمَ الْمَسُّ، لأَِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي اللَّذَّةِ وَإِثَارَةِ الشَّهْوَةِ. وَلاَ يَلْزَمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ حِل النَّظَرِ حِل الْمَسِّ وَالْخَلْوَةِ كَالشَّاهِدِ وَنَحْوِهِ. (٢) خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ فَمَسُّ الْمَحْرَمِ لِمَا يَحِل لَهُ نَظَرُهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ جَائِزٌ كَالنَّظَرِ. (٣) وَالْخَلْوَةُ كَذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الدُّخُول عَلَى النِّسَاءِ أَوِ السُّكْنَى لِحَدِيثِ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُول عَلَى النِّسَاءِ. فَقَال رَجُلٌ مِنَ الأَْنْصَارِ: يَا رَسُول اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَال: الْحَمْوُ الْمَوْتُ. (٤) وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ مِنَ الأَْحْمَاءِ، وَقَدْ خَرَجَ هَذَا الْكَلاَمُ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ،

стр. 10957

لأَِنَّهُ ﷺ فَهِمَ مِنَ السَّائِل طَلَبَ التَّرْخِيصِ بِدُخُول مِثْل هَؤُلاَءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِمَحَارِمَ. (١) وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ رَاجِعْ بَحْثَ: (أَجْنَبِيٌّ، قَرَابَةٌ، اسْتِمْتَاعٌ، اشْتِهَاءٌ - وَمَحْرَمٌ) . حَمِيلٌ ر: حَمَالَةٌ، كَفَالَةٌ

стр. 10958

حِمْيَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحِمْيَةُ - وَالْحَمْوَةُ أَيْضًا - فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ، وَحَمَى الْمَرِيضَ مَا يَضُرُّهُ: أَيْ مَنَعَهُ إِيَّاهُ فَاحْتَمَى هُوَ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - الْحِمْيَةُ نَوْعٌ مِنَ التَّدَاوِي وَهُوَ مَشْرُوعٌ. لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ: قَالَتِ الأَْعْرَابُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَلاَ نَتَدَاوَى؟ قَال: نَعَمْ عِبَادَ اللَّهِ، تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً إِلاَّ دَاءً وَاحِدًا. (٢) قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَال: الْهَرَمُ. وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الأَْصْل فِي الْحِمْيَةِ: قَوْله تَعَالَى

стр. 10959

: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١) ، فَحَمَى الْمَرِيضَ مِنَ اسْتِعْمَال الْمَاءِ لأَِنَّهُ يَضُرُّهُ. (٢) وَعَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ سَلْمَى بِنْتِ قَيْسٍ الأَْنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: دَخَل عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلِيٌّ نَاقِهٌ مِنْ مَرَضٍ، وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلَّقَةٌ، فَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَأْكُل مِنْهَا وَقَامَ عَلِيٌّ يَأْكُل مِنْهَا فَطَفِقَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول لِعَلِيٍّ: إِنَّكَ نَاقِهٌ حَتَّى كَفَّ، قَالَتْ وَصَنَعْتُ شَعِيرًا وَسَلْقًا فَجِئْتُ بِهِ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: مِنْ هَذَا أَصِبْ، فَإِنَّهُ أَوْفَقُ لَكَ. (٣) وَقَال زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: حَمَى عُمَرُ ﵁ مَرِيضًا حَتَّى أَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ مَا حَمَاهُ كَانَ يَمْتَصُّ النَّوَى. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: " وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْحِمْيَةُ مِنْ أَنْفَعِ الأَْدْوِيَةِ قَبْل الدَّاءِ فَتَمْنَعُ حُصُولَهُ، وَإِذَا حَصَل فَتَمْنَعُ تَزَايُدَهُ، وَانْتِشَارَهُ. (٤)

стр. 10960

وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الْحِمْيَةَ يُرَاعَى فِيهَا أُصُول الطِّبِّ أَوِ التَّجْرِبَةُ الصَّحِيحَةُ لِيَعْرِفَ الْمَرِيضُ مَا يَحْتَمِي مِنْهُ مِنَ الأَْطْعِمَةِ وَمَا يَحْتَمِي لأَِجْلِهِ مِنَ الأَْمْرَاضِ. وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: " تَدَاوِي ". حَنْتَمٌ انْظُرْ: آنِيَةٌ: أَشْرِبَةٌ.
следующие страницы →