← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.

стр. 10956

يَمُتُّ بِقَرَابَةٍ إِلَى الزَّوْجِ، مَا عَدَا الْمَذْكُورِينَ فِي السَّابِقِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الأَْجْنَبِيِّ فِي النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ، وَالسَّكَنِ، وَاسْتِمَاعِ الصَّوْتِ، وَقَال فِي الإِْنْصَافِ: وَحَرُمَ نَظَرٌ بِشَهْوَةٍ أَوْ مَعَ خَوْفِ ثَوَرَانِهَا لأَِحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا. (١) وَأَمَّا الْمَسُّ فَالْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى حَرُمَ النَّظَرُ حَرُمَ الْمَسُّ، لأَِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي اللَّذَّةِ وَإِثَارَةِ الشَّهْوَةِ. وَلاَ يَلْزَمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ حِل النَّظَرِ حِل الْمَسِّ وَالْخَلْوَةِ كَالشَّاهِدِ وَنَحْوِهِ. (٢) خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ فَمَسُّ الْمَحْرَمِ لِمَا يَحِل لَهُ نَظَرُهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ جَائِزٌ كَالنَّظَرِ. (٣) وَالْخَلْوَةُ كَذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الدُّخُول عَلَى النِّسَاءِ أَوِ السُّكْنَى لِحَدِيثِ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُول عَلَى النِّسَاءِ. فَقَال رَجُلٌ مِنَ الأَْنْصَارِ: يَا رَسُول اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَال: الْحَمْوُ الْمَوْتُ. (٤) وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ مِنَ الأَْحْمَاءِ، وَقَدْ خَرَجَ هَذَا الْكَلاَمُ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ،

стр. 10957

لأَِنَّهُ ﷺ فَهِمَ مِنَ السَّائِل طَلَبَ التَّرْخِيصِ بِدُخُول مِثْل هَؤُلاَءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِمَحَارِمَ. (١) وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ رَاجِعْ بَحْثَ: (أَجْنَبِيٌّ، قَرَابَةٌ، اسْتِمْتَاعٌ، اشْتِهَاءٌ - وَمَحْرَمٌ) . حَمِيلٌ ر: حَمَالَةٌ، كَفَالَةٌ

стр. 10958

حِمْيَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحِمْيَةُ - وَالْحَمْوَةُ أَيْضًا - فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ، وَحَمَى الْمَرِيضَ مَا يَضُرُّهُ: أَيْ مَنَعَهُ إِيَّاهُ فَاحْتَمَى هُوَ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - الْحِمْيَةُ نَوْعٌ مِنَ التَّدَاوِي وَهُوَ مَشْرُوعٌ. لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ: قَالَتِ الأَْعْرَابُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَلاَ نَتَدَاوَى؟ قَال: نَعَمْ عِبَادَ اللَّهِ، تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً إِلاَّ دَاءً وَاحِدًا. (٢) قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَال: الْهَرَمُ. وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الأَْصْل فِي الْحِمْيَةِ: قَوْله تَعَالَى

стр. 10959

: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١) ، فَحَمَى الْمَرِيضَ مِنَ اسْتِعْمَال الْمَاءِ لأَِنَّهُ يَضُرُّهُ. (٢) وَعَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ سَلْمَى بِنْتِ قَيْسٍ الأَْنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: دَخَل عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلِيٌّ نَاقِهٌ مِنْ مَرَضٍ، وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلَّقَةٌ، فَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَأْكُل مِنْهَا وَقَامَ عَلِيٌّ يَأْكُل مِنْهَا فَطَفِقَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول لِعَلِيٍّ: إِنَّكَ نَاقِهٌ حَتَّى كَفَّ، قَالَتْ وَصَنَعْتُ شَعِيرًا وَسَلْقًا فَجِئْتُ بِهِ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: مِنْ هَذَا أَصِبْ، فَإِنَّهُ أَوْفَقُ لَكَ. (٣) وَقَال زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: حَمَى عُمَرُ ﵁ مَرِيضًا حَتَّى أَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ مَا حَمَاهُ كَانَ يَمْتَصُّ النَّوَى. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: " وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْحِمْيَةُ مِنْ أَنْفَعِ الأَْدْوِيَةِ قَبْل الدَّاءِ فَتَمْنَعُ حُصُولَهُ، وَإِذَا حَصَل فَتَمْنَعُ تَزَايُدَهُ، وَانْتِشَارَهُ. (٤)

стр. 10960

وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الْحِمْيَةَ يُرَاعَى فِيهَا أُصُول الطِّبِّ أَوِ التَّجْرِبَةُ الصَّحِيحَةُ لِيَعْرِفَ الْمَرِيضُ مَا يَحْتَمِي مِنْهُ مِنَ الأَْطْعِمَةِ وَمَا يَحْتَمِي لأَِجْلِهِ مِنَ الأَْمْرَاضِ. وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: " تَدَاوِي ". حَنْتَمٌ انْظُرْ: آنِيَةٌ: أَشْرِبَةٌ.

стр. 10961

حِنْثٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحِنْثُ بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَةِ: الذَّنْبُ الْعَظِيمُ، وَالإِْثْمُ. يُقَال: بَلَغَ الْغُلاَمُ الْحِنْثَ أَيْ جَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، بِالْبُلُوغِ. (١) وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ . (٢) وَالْحِنْثُ وَالْخُلْفُ فِي الْيَمِينِ، فَفِي الأَْثَرِ: فِي الْيَمِينِ حِنْثٌ أَوْ مَنْدَمَةٌ. (٣) وَالْمَعْنَى أَنْ يَنْدَمَ الْحَالِفُ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، أَوْ يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ فَتَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ.

стр. 10962

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - النَّقْضُ: ٢ - النَّقْضُ ضِدُّ الإِْبْرَامِ، يُقَال: نَقَضَ الْعَهْدَ، وَالْيَمِينَ، وَالْبِنَاءَ وَالْحَبْل: أَبْطَلَهُ، وَفِي الْمُحْكَمِ: النَّقْضُ هُوَ: إِفْسَادُ مَا أُبْرِمَ مِنْ عَهْدٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ عَقْدٍ أَوْ بِنَاءٍ. (١) قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا الأَْيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٢) وَقَال جَل شَأْنُهُ: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ . (٣) ب - النَّكْثُ: ٣ - هُوَ مِنْ نَكَثَ الْيَمِينَ، وَالْعَهْدَ نَكْثًا: إِذَا نَقَضَهُ، وَنَبَذَهُ، (٤) وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ (٥) ج - الْبِرُّ: ٤ - هُوَ فِي اللُّغَةِ: الْخَيْرُ وَالْفَضْل، يُقَال: بَرَّ الرَّجُل يَبَرُّ بِرًّا فَهُوَ بَرٌّ وَبَارٌّ: أَيْ صَادِقٌ، وَتَقِيٌّ،

стр. 10963

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْمُوَافَقَةُ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَبَرَّ فِي الْقَوْل وَالْيَمِينِ صَدَقَ فِيهِمَا. (١) د - الْخُلْفُ: ٥ - هُوَ مِنْ أَخْلَفَ الرَّجُل وَعْدَهُ: لَمْ يُعْرَفْ بِهِ، وَفِي الأَْثَرِ آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ. (&# x٦٦٢ ;) الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٦ - لاَ يُغَيِّرُ الْيَمِينُ حَال الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل الْيَمِينِ: وُجُوبًا، وَتَحْرِيمًا، وَنَدْبًا، وَكَرَاهَةً، وَإِبَاحَةً، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: إِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل وَاجِبٍ، أَوْ تَرْكِ حَرَامٍ فَيَمِينُهُ طَاعَةٌ، وَالإِْقَامَةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ، وَالْحِنْثُ مَعْصِيَةٌ، وَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْل حَرَامٍ، فَيَمِينُهُ مَعْصِيَةٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْنَثَ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (أَيْمَانٌ ف ١٢٢) وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل نَفْلٍ، فَالإِْقَامَةُ عَلَى ذَلِكَ طَاعَةٌ، وَالْمُخَالَفَةُ مَكْرُوهَةٌ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ بِالْحِنْثِ لِخَبَرِ: إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ

стр. 10964

فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. (١) وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ نَفْلٍ، فَالْيَمِينُ مَكْرُوهَةٌ وَالإِْقَامَةُ عَلَيْهَا مَكْرُوهَةٌ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مُبَاحٍ كَدُخُول دَارٍ، وَلُبْسِ ثَوْبٍ أَوْ تَرْكِهِمَا فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى الْيَمِينِ وَلَهُ أَنْ يَحْنَثَ، وَالأَْفْضَل - عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَفِي الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - الإِْقَامَةُ عَلَى الْيَمِينِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا الأَْيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ . (٢) وَفِي الْجُمْلَةِ إِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ (٣) لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَل (٤) وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. (٥) مَا يَقَعُ فِيهِ الْحِنْثُ مِنَ الأَْيْمَانِ . ٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحِنْثَ لاَ يَقَعُ

стр. 10965

إِلاَّ فِي الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، فَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ عَلَى الْمُسْتَقْبَل كَوَاللَّهِ: لاَ أَفْعَل كَذَا، أَوْ لأََفْعَلَنَّ كَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ بِمُخَالَفَتِهَا فِي الْمُسْتَقْبَل، أَمَّا عَلَى الْمَاضِي، كَأَنْ يَقُول كَاذِبًا، وَهُوَ عَالِمٌ: وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ انْعِقَادِهَا، لأَِنَّ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ هِيَ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ، وَالْحِنْثُ وَلاَ يُتَصَوَّرُ الْبِرُّ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمَاضِي، لأَِنَّ الْيَمِينَ لِلْحَثِّ وَالْمَنْعِ، وَلاَ يُتَصَوَّرُ حَثٌّ، وَلاَ مَنْعٌ عَلَى مَاضٍ. فَلاَ يَكُونُ الْحِنْثُ إِلاَّ فِي الْيَمِينِ الَّتِي قُصِدَ عَقْدُهَا عَلَى الْمُسْتَقْبَل. أَمَّا يَمِينُ الْمَاضِي، وَهِيَ مَا يُسَمَّى الْيَمِينَ الْغَمُوسَ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلاَ كَفَّارَةَ فِيهَا، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَنْعَقِدُ عَلَى الْمَاضِي وَيَحْنَثُ فِي الْحَال، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لأَِنَّهُ حَلَفَ بِاللَّهِ وَهُوَ مُخْتَارٌ كَاذِبٌ، فَصَارَ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ. (١) أَمَّا يَمِينُ اللَّغْوِ: فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ حِنْثَ فِيهَا: وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي صُورَتِهَا: فَقِيل هِيَ: مَا يَسْبِقُ عَلَى لِسَانِ الرَّجُل مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، كَأَنْ يَقُول: لاَ، وَاللَّهِ، بَلَى، وَاللَّهِ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَانٌ) .

стр. 10966

سَبَبُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ: ٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى مَنْ حَنِثَ فِي الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ هُوَ الْيَمِينُ، وَأَمَّا الْحِنْثُ فِيهَا فَلَيْسَ سَبَبًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ إِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ هُوَ الْيَمِينُ، وَالْحِنْثُ جَمِيعًا. (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (أَيْمَانٌ - كَفَّارَةٌ) . الْكَفَّارَةُ قَبْل الْحِنْثِ: ٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْكَفَّارَةِ قَبْل الْحِنْثِ، فَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّكْفِيرِ عَنِ الْحِنْثِ، وَيَجُوزُ التَّكْفِيرُ قَبْل الْحِنْثِ، وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِمَا لَوْ كَفَّرَ بِغَيْرِ الصَّوْمِ وَلَمْ يَكُنِ الْحِنْثُ مَعْصِيَةً. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ التَّقْدِيمُ، وَإِنْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ صَوْمًا، وَيَسْتَوِي التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الْفَضِيلَةِ، وَقَال ابْنُ أَبِي مُوسَى: التَّأْخِيرُ أَفْضَل، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُعْتَمَدِ لِلْمَالِكِيَّةِ

стр. 10967

لاَ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ. (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ (أَيْمَانٌ، وَكَفَّارَةٌ) . مَا يَقَعُ فِيهِ الْحِنْثُ: ١٠ - الأَْصْل الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ، فِي الْبِرِّ وَالْحِنْثِ هُوَ اتِّبَاعُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ الَّذِي تَعَلَّمَتْ بِهِ الْيَمِينُ، وَقَدْ يُقَيَّدُ بِنِيَّةٍ تَقْتَرِنُ بِهِ، أَوْ بِاصْطِلاَحٍ خَاصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَيْمَانٌ) . وَقْتُ وُقُوعِ الْحِنْثِ: ١١ - لاَ يَقَعُ الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ إِذَا كَانَتْ عَلَى الإِْثْبَاتِ، إِلاَّ بَعْدَ الْيَأْسِ مِنَ الْبِرِّ بِهَا، وَأَمَّا الَّتِي عَلَى النَّفْيِ فَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْل عِنْدَ الْجُمْهُورِ، أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ. أَمَّا الْمُؤَقَّتَةُ، فَيَقَعُ الْحِنْثُ بِآخِرِ وَقْتِهَا، (٣) وَالتَّفْصِيل فِي (أَيْمَانٌ) . حِنْثُ النَّاسِي، وَالْمُكْرَهِ، وَالْجَاهِل ١٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَالِفَ إِنْ فَعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا

стр. 10968

فَلاَ حِنْثَ، إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِغَيْرِ الطَّلاَقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالْجَاهِل عِنْدَهُمْ كَالنَّاسِي فَلاَ يَحْنَثُ بِفِعْلِهِ، أَمَّا الْمُكْرَهُ فَيَحْنَثُ فِي الإِْكْرَاهِ غَيْرِ الْمُلْجِئِ وَلاَ يَحْنَثُ فِي الإِْكْرَاهِ الْمُلْجِئِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الْقَوْل، أَوِ الْفِعْل الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الإِْكْرَاهِ أَوِ النِّسْيَانِ، أَوِ الْجَهْل فَلاَ يَحْنَثُ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْيَمِينُ بِاللَّهِ، أَمْ بِالطَّلاَقِ لِخَبَرِ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (١) وَالتَّفْصِيل فِي (إِكْرَاهٌ) (وَأَيْمَانٌ) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالْمُخَالَفَةِ مَعَ النِّسْيَانِ وَلَوْ مَعَ الإِْكْرَاهِ، أَوِ الإِْغْمَاءِ، أَوِ الْجُنُونِ وَنَحْوِهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالْمُخَالَفَةِ مَعَ النِّسْيَانِ. (٢)

стр. 10969

حَوَالَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَوَالَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ حَال الشَّيْءُ حَوْلاً وَحُؤُولاً: تَحَوَّل. وَتَحَوَّل مِنْ مَكَانِهِ انْتَقَل عَنْهُ وَحَوَّلْتُهُ تَحْوِيلاً نَقَلْتُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ. وَالْحَوَالَةُ بِالْفَتْحِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ هَذَا، فَإِذَا أَحَلْتَ شَخْصًا بِدَيْنِكَ فَقَدْ نَقَلْتَهُ إِلَى ذِمَّةٍ غَيْرِ ذِمَّتِكَ. (١) ٢ - وَالْحَوَالَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: نَقْل الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ. فَمَتَى تَمَّ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول تَحْمِيلاً وَتَحَمُّلاً لأَِدَاءِ الدَّيْنِ مِنَ الْمُحْتَمِل إِلَى الدَّائِنِ، بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنَ الثَّلاَثَةِ الأَْطْرَافِ الْمَعْنِيَّةِ، الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ وَالْمُلْتَزِمِ بِالأَْدَاءِ، مَعَ الاِسْتِيفَاءِ لِسَائِرِ الشَّرَائِطِ الَّتِي سَتَأْتِي، فَقَدْ تَمَّ هَذَا النَّقْل مِنَ الْوِجْهَةِ الشَّرْعِيَّةِ. مِثَال ذَلِكَ أَنْ يَقُول لِلدَّائِنِ قَائِلٌ: لَكَ عَلَى فُلاَنٍ دَيْنٌ مِقْدَارُهُ كَذَا فَاقْبَل حَوَالَتَهُ عَلَيَّ، فَيَقُول الدَّائِنُ: قَبِلْتُ أَوْ يَبْتَدِئُ الدَّائِنُ فَيَقُول لِصَاحِبِهِ: لِي عَلَى فُلاَنٍ كَذَا، فَاقْبَل دَيْنَهُ عَلَيْكَ حَوَالَةً، فَيُجِيبُ: قَدْ فَعَلْتُ (٢)

стр. 10970

٣ - بَعْدَ هَذَا التَّعْرِيفِ يَتَبَيَّنُ مَا يَلِي: أ - أَنَّ الْمُحِيل هُوَ الْمَدِينُ، وَقَدْ يَكُونُ دَائِنًا أَيْضًا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ (كَمَا سَنَرَى) ، وَهُوَ طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ إِذَا بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَجَازَهُ. ب - وَأَمَّا الْمُحَال، فَهُوَ الدَّائِنُ، وَهُوَ أَبَدًا طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ، إِمَّا بِمُبَاشَرَتِهِ، وَإِمَّا بِإِجَازَتِهِ. وَيُقَال لَهُ أَيْضًا: حَوِيلٌ، وَمُحْتَالٌ (بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِل) . وَلاَ يُقَال: مُحَالٌ لَهُ، أَوْ مُحْتَالٌ لَهُ، لأَِنَّ هَذِهِ الصِّلَةَ لَغْوٌ - كَمَا قَال فِي الْمُغْرِبِ - وَإِنْ أَثْبَتَهَا الْبَعْضُ، وَتَكَلَّفَ ابْنُ عَابِدِينَ تَصْحِيحَهَا. (١) ج - وَأَمَّا الْمُحَال عَلَيْهِ (وَيُقَال لَهُ أَيْضًا: حَوِيلٌ، بِزِنَةِ " كَفِيلٍ "، وَمُحْتَالٌ عَلَيْهِ) فَهُوَ الَّذِي الْتَزَمَ لأَِحَدِ الآْخَرَيْنِ بِدِيَتِهِ عَلَى ثَانِيهِمَا، وَهُوَ أَيْضًا أَبَدًا طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ، عَلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُحَال. د - وَأَمَّا الْمُحَال بِهِ، (وَيُقَال: الْمُحْتَال بِهِ) فَهُوَ الدَّيْنُ نَفْسُهُ الَّذِي لِلْمُحْتَال عَلَى الْمُحِيل، وَهُوَ هُنَا مَحَل عَقْدِ الْحَوَالَةِ.

стр. 10971

أَلْفَاظٌ ذَاتُ صِلَةٍ: أ - الْكَفَالَةُ أَوِ الضَّمَانُ: ٤ - الْكَفَالَةُ أَوِ الضَّمَانُ لُغَةً: الاِلْتِزَامُ بِالشَّيْءِ. (١) وَفِي الاِصْطِلاَحِ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ . (٢) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ أَوِ الضَّمَانِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ نَقْلٌ لِلدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى، أَمَّا الْكَفَالَةُ أَوِ الضَّمَانُ فَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ فِي الاِلْتِزَامِ بِالْحَقِّ فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، لأَِنَّ بِالْحَوَالَةِ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحِيل، وَفِي الْكَفَالَةِ لاَ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَكْفُول. ب - الإِْبْرَاءُ: ٥ - الإِْبْرَاءُ لُغَةً: التَّنْزِيهُ وَالتَّخْلِيصُ وَالْمُبَاعَدَةُ عَنِ الشَّيْءِ. وَاصْطِلاَحًا: إِسْقَاطُ الشَّخْصِ حَقًّا لَهُ فِي ذِمَّةِ آخَرَ أَوْ قِبَلَهُ. (٣) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالإِْبْرَاءِ، أَنَّ الْحَوَالَةَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ، وَالإِْبْرَاءُ إِسْقَاطٌ لِلْحَقِّ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٦ - الْحَوَالَةُ بِالدَّيْنِ مَشْرُوعَةٌ يَدُل لِذَلِكَ مَا يَأْتِي: أ - السُّنَّةُ: ٧ - رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ

стр. 10972

رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (١) ، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الأَْوْسَطِ: وَمَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (٢) وَفِي آخَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَمَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَل (٣) وَقَدْ يُرْوَى بِفَاءِ التَّفْرِيعِ: وَإِذَا أُحِلْتَ عَلَى مَلِيءٍ فَاتْبَعْهُ (٤) ، فَيُفِيدُ أَنَّ مَا قَبْلَهُ عِلَّتُهُ، أَيْ أَنَّ مَطْل أَهْل الْمُلاَءَةِ وَالْيَسَارِ ظُلْمٌ مُحَرَّمٌ فِي الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَخْشَيَنَّهُ مُسْلِمٌ فَيَأْبَى مِنْ خَشْيَتِهِ قَبُول الْحَوَالَةِ عَلَى مَلِيءٍ بَل إِنَّهُ لَمَأْمُورٌ بِقَبُولِهَا (٥) .

стр. 10973

ب - الإِْجْمَاعُ: ٨ - انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَوَالَةِ (١) . ج - الْقِيَاسُ: ٩ - الْحَوَالَةُ مَقِيسَةٌ عَلَى الْكَفَالَةِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ وَالْكَفِيل قَدِ الْتَزَمَ مَا هُوَ أَهْلٌ لاِلْتِزَامِهِ وَقَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَكِلاَهُمَا طَرِيقٌ لِتَيْسِيرِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، فَلاَ تَمْتَنِعُ هَذِهِ كَمَا لَمْ تَمْتَنِعْ تِلْكَ. وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إِلَى الْحَوَالَةِ، وَالدِّينُ يُسْرٌ. وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِقِيَاسِ الْمَجْمُوعِ عَلَى آحَادِهِ: ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْ نَوْعَيِ الْحَوَالَةِ (الْمُطْلَقَةِ أَوِ الْمُقَيَّدَةِ) يَتَضَمَّنُ تَبَرُّعَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالاِلْتِزَامِ وَالإِْيفَاءِ، وَأَمْرَهُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الْمُحَال، وَتَوْكِيل الْمُحَال بِالْقَبْضِ مِنْهُ. وَمَا مِنْهَا خَصْلَةٌ إِلاَّ وَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَى الاِنْفِرَادِ، فَلْتَكُنْ كَذَلِكَ عِنْدَ الاِجْتِمَاعِ، بِجَامِعِ عَدَمِ الْفَرْقِ (٢) . ١٠ - وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُول الْمُحَال لِلْحَوَالَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ، هَل هُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ، أَمْ نَدْبٍ أَمْ إِبَاحَةٍ؟ قَال بِالأَْوَّل أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ جَرِيرٍ. لأَِنَّهُ الأَْصْل فِي صِيغَةِ الأَْمْرِ، وَقَال بِالثَّانِي: أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَرِّحُ بِتَقْيِيدِهِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَلِيءُ لَيْسَ فِي مَالِهِ شُبْهَةُ حَرَامٍ.

стр. 10974

وَإِنَّمَا صَرَفُوا الْكَلاَمَ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلْحَاقًا لِلْحَوَالَةِ بِسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، لأَِنَّهَا لاَ تَخْلُو مِنْ شَوْبِ مُعَاوَضَةٍ. وَاسْتَظْهَرَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ أَنَّهُ أَمْرُ إِبَاحَةٍ، لأَِنَّ أَهْل الْمُلاَءَةِ قَدْ يَكُونُ فِيهِمُ اللَّدَدُ فِي الْخُصُومَةِ وَالْمَطْل بِالْحُقُوقِ، وَهُوَ ضَرَرٌ لاَ يَأْمُرُ الشَّارِعُ بِتَحَمُّلِهِ، بَل بِالتَّبَاعُدِ عَنْهُ وَاجْتِنَابِهِ. فَمَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ بِحُسْنِ الْقَضَاءِ اسْتُحِبَّ اتِّبَاعُهُ، تَفَادِيًا لِلْمِسَاسِ بِمَشَاعِرِهِ، وَتَنْفِيسًا عَنِ الْمَدِينِ نَفْسِهِ، وَمَنْ جُهِل حَالُهُ فَعَلَى الإِْبَاحَةِ، إِذْ لاَ تَرْجِيحَ بِلاَ مُرَجِّحٍ (١) . وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَجْعَل الْمُلاَءَةَ شَيْئًا، وَكُلًّا مِنِ الإِْقْرَارِ بِالدَّيْنِ وَعَدَمِ الْمُمَاطَلَةِ شَيْئًا آخَرَ. وَذَلِكَ إِذْ يَقُول: (يُسَنُّ قَبُولُهَا عَلَى مَلِيءٍ، مُقِرٍّ، بَاذِلٍ، لاَ شُبْهَةَ فِي مَالِهِ) . (٢) حَقِيقَةُ عَقْدِ الْحَوَالَةِ وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا: ١١ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٣) وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ الْحَوَالَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَنُسِبَ النَّصُّ عَلَيْهِ إِلَى الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ

стр. 10975

لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مَلَكَ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ، فَكَأَنَّمَا الْمُحَال قَدْ بَاعَ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل بِمَا لِهَذَا فِي ذِمَّةِ مَدِينِهِ. وَعِبَارَةُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: (الْحَوَالَةُ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ: لأَِنَّ الْمُحْتَال يَبِيعُ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل بِمَا لِلْمُحِيل فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّ الْمُحِيل يَبِيعُ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ) . وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَوَّل كَلاَمِهِ، إِذْ يَقُول بِإِطْلاَقٍ: (وَالْحَوَالَةُ مُعَامَلَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) . فَالْحَوَالَةُ، عَلَى هَذَا، بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، أَوْ كَمَا يَقُول فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ: (هِيَ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ) ، وَالْقِيَاسُ امْتِنَاعُهُ، وَلَكِنَّهُ جَوَّزَ لِلْحَاجَةِ، رُخْصَةً مِنَ الشَّارِعِ وَتَيْسِيرًا. فَكَثِيرًا مَا يَكُونُ الْمَدِينُ مُمَاطِلاً، يُؤْذِي دَائِنِيهِ بِتَسْوِيفِهِ وَكَذُوبِ وُعُودِهِ، أَوْ بِمُشَاغَبَاتِهِ وَضِيقِ ذَاتِ يَدِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ هُوَ أَلْيَنُ عَرِيكَةً، وَأَحْسَنُ مُعَامَلَةً، وَأَوْفَرُ رِزْقًا، فَيَرْغَبُ دَائِنُو الأَْوَّل فِي التَّحَوُّل إِلَى هَذَا تَوْفِيرًا لِلْجَهْدِ وَالْوَقْتِ، وَاتِّقَاءً لأَِخْطَارِ الْخُصُومَاتِ، وَتَحْصِيلاً لِجُزْءٍ مِنَ الْمَال عَاطِلٍ، يُمْكِنُ أَنْ تُنَمَّى بِهِ ثَرْوَةٌ، أَوْ تُسَدُّ بِهِ خَلَّةٌ. فَرَخَّصَ فِي الْحَوَالَةِ مِنْ أَجْل هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ، إِذْ لَوْ لَمْ تُشْرَعْ لَفَاتَتْ كُل هَذِهِ الأَْغْرَاضِ الصَّحِيحَةِ، وَلَحَاقَتْ بِالدَّائِنِينَ أَضْرَارٌ جَمَّةٌ، وَلاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ فِي الإِْسْلاَمِ. وَالْعَكْسُ

стр. 10976

صَحِيحٌ أَيْضًا: فَرُبَّمَا كَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُمَاطِلاً، وَكَانَ الْمُحَال أَقْدَرَ مِنَ الْمُحِيل عَلَى اسْتِخْلاَصِ الْحَقِّ مِنْهُ، وَلَوْلاَ الْحَوَالَةُ لَطَال عَنَاءُ الدَّائِنِ الضَّعِيفِ، أَوْ لَضَاعَ مَالُهُ. وَلَيْسَ فِي كُل وَقْتٍ يُتَاحُ الْوَكِيل الصَّالِحُ، وَإِنْ أُتِيحَ فَقَلَّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ أَجْرٍ. عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تُغْنِي فِي الْحَالَةِ الأُْولَى، لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ: فَقَدْ يُوَكِّل الْمَدِينُ الْمُمَاطِل دَائِنَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَيُسَلِّطُهُ عَلَى تَمَلُّكِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ، تَحْتَ ضَغْطِ ظُرُوفٍ خَاصَّةٍ، ثُمَّ لاَ يَلْبَثُ أَنْ يَعْزِلَهُ قَبْل قَبْضِهِ، فَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ (١) . ١٢ - وَلاَ يَبْعُدُ كَثِيرًا عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ مِنَ الرَّأْيِ رَأْيُ الذَّاهِبِينَ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعُ عَيْنٍ بِعَيْنٍ تَقْدِيرًا. وَقَدْ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدَّيْنِ هُوَ الْمَاصَدَقَ (٢) الْخَارِجِيُّ لَهُ، إِذِ الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةُ الْقَائِمَةُ بِالذِّمَّةِ، كَمِائَةِ ثَوْبٍ أَوْ دِينَارٍ، لاَ تَعْنِي لِذَاتِهَا - وَكَذَا لاَ يَبْعُدُ عَنْهُمُ الرَّأْيُ الْقَائِل بِأَنَّهَا

стр. 10977

بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ - وَهَذَا قَدْ يَقْرُبُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً عَلَى مَا قَرَّرَهُ الزَّاهِدِيُّ، إِذِ الْمَقْصُودُ عِنْدَهُمْ بِالْمَبِيعِ عَيْنُهُ، لِتَعَلُّقِ الْحَاجَةِ بِمَنْفَعَتِهَا الذَّاتِيَّةِ، أَمَّا الْمَقْصُودُ بِالثَّمَنِ فَمَالِيَّتُهُ. وَلِذَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي تَسْلِيمُ مِثْلِهِ مَعَ بَقَائِهِ، وَلَوْ تَلِفَ أَوِ اسْتُحِقَّ لاَ يَبْطُل الْعَقْدُ، وَيُسَلَّمُ الْمِثْل، نَعَمْ فِي الْحَوَالَةِ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا الْحَنَفِيَّةُ لاَ يُتَصَوَّرُ مَعْنَى الْبَيْعِ عَلَى حَالٍ، وَهِيَ بِالْحَمَالَةِ (الْكَفَالَةِ) أَشْبَهُ (١) . ١٣ - عَلَى أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذَهُ ابْنَ الْقَيِّمِ لاَ يُسَلِّمَانِ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ وَارِدَةٌ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَفِي ذَلِكَ يُقَرِّرُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ أَنَّ امْتِنَاعَ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَامٌّ، وَلاَ إِجْمَاعٌ. وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَالْكَالِئُ هُوَ الشَّيْءُ الْمُؤَخَّرُ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ شَيْئًا فِي شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ، وَكِلاَهُمَا مُؤَخَّرٌ، فَهَذَا لاَ يَجُوزُ بِالاِتِّفَاقِ، وَهُوَ بَيْعُ كَالِئٍ بِكَالِئٍ. وَأَمَّا بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:

стр. 10978

إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْعَ وَاجِبٍ بِوَاجِبٍ كَالصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَهُوَ الْمَمْنُوعُ، أَوْ يَكُونَ بَيْعَ سَاقِطٍ بِسَاقِطٍ (كَمَا فِي صُوَرِ الْمُقَاصَّةِ) (١) ، أَوْ يَكُونَ بَيْعَ سَاقِطٍ بِوَاجِبٍ (كَمَا لَوْ بَاعَهُ دَيْنًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، بِدَيْنٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) ، فَقَدْ سَقَطَ الدَّيْنُ الْمَبِيعُ وَوَجَبَ عِوَضُهُ، أَوْ يَكُونُ بَيْعَ وَاجِبٍ بِسَاقِطٍ (كَمَا لَوِ اشْتَرَى مِنْ مَدْيُونِهِ قَمْحًا عَلَى سَبِيل السَّلَمِ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فَقَدْ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَسَقَطَ عَنْهُ غَيْرُهُ) . وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمُ الإِْجْمَاعَ عَلَى امْتِنَاعِ هَذَا شَرْعًا، وَلاَ إِجْمَاعَ فِيهِ. وَنَقَل تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْهُ اخْتِيَارَ جَوَازِهِ، ثُمَّ قَال: وَهُوَ الصَّوَابُ، إِذْ لاَ مَحْذُورَ فِيهِ، وَلَيْسَ بَيْعَ كَالِئٍ بِكَالِئٍ فَيَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ بِلَفْظِهِ، وَلاَ فِي مَعْنَاهُ فَيَتَنَاوَلُهُ بِعُمُومِ الْمَعْنَى. فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ قَدْ شُغِلَتْ فِيهِ الذِّمَّتَانِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَجَّل أَحَدُهُمَا مَا يَأْخُذُهُ فَيَنْتَفِعُ بِتَعْجِيلِهِ، وَيَنْتَفِعُ صَاحِبُ الْمُؤَخَّرِ بِرِبْحِهِ، بَل كِلاَهُمَا شُغِلَتْ ذِمَّتُهُ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ. وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنَ الصُّوَرِ الثَّلاَثِ فَلِكُلٍّ مِنْهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَمَنْفَعَةٌ مَطْلُوبَةٌ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي مَسْأَلَةِ التَّقَاصِّ: فَإِنَّ ذِمَّتَهُمَا تَبْرَأُ مِنْ أَسْرِهَا، وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مَطْلُوبٌ لَهُمَا وَلِلشَّارِعِ. وَأَمَّا فِي الصُّورَتَيْنِ الآْخِرَتَيْنِ: فَأَحَدُهُمَا يُعَجِّل

стр. 10979

بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ وَالآْخَرُ يَنْتَفِعُ بِرِبْحِهِ، يَعْنِي فَثَمَّ نَفْعٌ فِي مُقَابَلَةِ نَفْعٍ، فَتَجُوزُ، كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ بِالدَّيْنِ سَوَاءٌ اتَّحَدَتِ الذِّمَّةُ أَمِ اخْتَلَفَتْ (١) . ١٤ - وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ أَجْمَلَهَا السُّيُوطِيُّ فِي سِتَّةٍ (٢) : ١ - بَيْعٌ. ٢ - اسْتِيفَاءٌ. ٣ - بَيْعٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى اسْتِيفَاءٍ. ٤ - اسْتِيفَاءٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَيْعٍ. ٥ - إِسْقَاطٌ بِعِوَضٍ. ٦ - ضَمَانٌ بِإِبْرَاءٍ. ١٥ - وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَقْدُ إِرْفَاقٍ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَتِ الْحَوَالَةُ بَيْعًا، لأَِنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَكَانَتْ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَمَا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْل الْقَبْضِ، وَلَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ لِعَدَمِ الْعَيْنِ فِيهَا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِذْ يَقُولُونَ: (الْحَوَالَةُ مَا وُضِعَتْ لِلتَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِلنَّقْل) ، أَوْ لِقَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ: (إِذَا أَحَال بِالدَّيْنِ انْتَقَل الْحَقُّ إِلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيل، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ تَحْوِيل حَقٍّ، أَوْ بَيْعَ حَقٍّ،

стр. 10980

وَأَيُّهُمَا كَانَ وَجَبَ أَنْ تَبْرَأَ بِهِ ذِمَّةُ الْمُحِيل) . (١) وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ صَرِيحُ كَلاَمِهِمْ فِي تَعْلِيل شَرِيطَةَ تَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ قَدْرًا وَصِفَةً: هَذَا ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ نَفْسُهُ - عَلَى خِلاَفِ مَا تَقَدَّمَ لَهُ - يَعُودُ فَيَقُول: (لأَِنَّهُ إِنِ اخْتَلَفَا فِي أَحَدِهِمَا كَانَ بَيْعًا وَلَمْ يَكُنْ حَوَالَةً) فَخَرَجَ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ إِلَى بَابِ الْبَيْعِ، وَإِذَا خَرَجَ إِلَى بَابِ الْبَيْعِ دَخَلَهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيل كَلاَمِهِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: (إِنَّ الْحَوَالَةَ مِنْ أَصْلِهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، فَهُوَ لاَزِمٌ لَهَا، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا اسْتُوْفِيَتْ شَرَائِطُ الصِّحَّةِ كَانَ ذَلِكَ هُوَ مَحَل الرُّخْصَةِ) وَإِذَنْ يَظَل الْمَالِكِيَّةُ - قَوْلاً وَاحِدًا - مَعَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ. وَلَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ الْخِلاَفَ ثَابِتٌ عِنْدَهُمْ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (٢) . ١٦ - وَإِلَيْكَ مَا قَالَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الْوَجْهُ الثَّانِي: (يَعْنِي مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ) أَنَّ الْحَوَالَةَ مِنْ جِنْسِ إِيفَاءِ الْحَقِّ،

стр. 10981

لاَ مِنْ جِنْسِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ إِذَا اسْتَوْفَى مِنَ الْمَدِينِ مَالَهُ كَانَ هَذَا اسْتِيفَاءً، فَإِذَا أَحَالَهُ عَلَى غَيْرِهِ كَانَ قَدِ اسْتَوْفَى ذَلِكَ الدَّيْنَ عَنِ الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، وَلِهَذَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَوَالَةَ فِي مَعْرِضِ الْوَفَاءِ، فَقَال فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (١) : فَأَمَرَ الْمَدِينَ بِالْوَفَاءِ، وَنَهَاهُ عَنِ الْمَطْل، وَبَيَّنَ أَنَّهُ ظَالِمٌ إِذَا مَطَل، وَأَمَرَ الْغَرِيمَ بِقَبُول الْوَفَاءِ إِذَا أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ . (٢) أَمَرَ الْمُسْتَحِقَّ أَنْ يُطَالِبَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَمَرَ الْمَدِينَ أَنْ يُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ. وَوَفَاءُ الْمَدِينِ لَيْسَ هُوَ الْبَيْعَ الْخَاصَّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَوْبُ مُعَاوَضَةٍ (٣) . تَقْسِيمُ الْحَوَالَةِ وَبَيَانُ أَنْوَاعِهَا: ١٧ - تَتَنَوَّعُ الْحَوَالَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى نَوْعَيْنِ أَصْلِيَّيْنِ: ١ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ. ٢ - وَحَوَالَةٌ مُطْلَقَةٌ. ثُمَّ تَتَنَوَّعُ الْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ، بِدَوْرِهَا، إِلَى نَوْعَيْنِ فَرْعِيَّيْنِ:

стр. 10982

١ - حَوَالَةٌ حَالَّةٌ. ٢ - وَحَوَالَةٌ مُؤَجَّلَةٌ. وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ تَتَنَوَّعَ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ إِلَى أَنْوَاعٍ فَرْعِيَّةٍ: ١ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِدَيْنٍ خَاصٍّ. ٢ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ هِيَ أَمَانَةٌ، كَالْوَدِيعَةِ. ٣ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، كَالْمَغْصُوبَةِ. هَذَا، وَتُوجَدُ حَالَةٌ خَاصَّةٌ لِلْحَوَالَةِ لاَ تَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، هِيَ السَّفْتَجَةُ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا. وَالسَّفْتَجَةُ وَرَقَةٌ تُكْتَبُ لِلْمُقْرِضِ فِي بَلَدٍ لِيَسْتَوْفِيَ نَظِيرَ قَرْضِهِ فِي بَلَدٍ آخَرَ اتِّقَاءً لِخَطَرِ الطَّرِيقِ الْمُحْتَمَل، لَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْمَال سَافَرَ بِمَالِهِ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي يَقْصِدُهُ، فَيَلْتَمِسُ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَال هُنَا وَلَهُ مَالٌ أَوْ دَيْنٌ فِي الْبَلَدِ الآْخَرِ، فَيُقْرِضُهُ الْمَال هُنَا عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ هُنَاكَ مِنْ وَكِيل الْمُقْتَرِضِ، أَوْ مِنْ مَدِينِهِ فِي ذَاكَ الْبَلَدِ. وَنَظَرًا لأَِنَّ بَعْضَ صُوَرِ السَّفْتَجَةِ قَرْضٌ مَحْضٌ مَشْرُوطُ الْوَفَاءِ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَبَعْضُهَا يَتَوَافَرُ فِيهَا مَعْنَى الْحَوَالَةِ، فَقَدْ أُفْرِدَ لَهَا بَحْثٌ فِي آخِرِ مَوْضُوعِ الْحَوَالَةِ. أَوَّلاً - النَّوْعَانِ الأَْصْلِيَّانِ لِلْحَوَالَةِ: ١٨ - قَدْ يُقَيَّدُ قَضَاءُ دَيْنِ الْحَوَالَةِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ مَال الْمُحِيل الَّذِي عِنْدَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ. وَقَدْ لاَ يُقَيَّدُ بِذَلِكَ. فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى، تَكُونُ

стр. 10983

الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً، وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ، تَكُونُ حَوَالَةً مُطْلَقَةً. وَفِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ قَدْ لاَ يَكُونُ لِلْمُحِيل عِنْدَ الْمُحَال عَلَيْهِ عَيْنٌ - بِغَصْبٍ أَوْ إِيدَاعٍ أَوْ نَحْوِهِمَا - أَوْ لاَ يَكُونُ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ بِسَبَبٍ مَا - كَمُعَاوَضَةٍ أَوْ إِتْلاَفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا - فَيَقْبَل الْحَوَالَةَ مُتَبَرِّعٌ لَمْ تَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ لِلْمُحِيل أَيَّةُ حُقُوقٍ. وَقَدْ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ الْحَوَالَةُ أُرْسِلَتْ إِرْسَالاً، وَلَمْ تُقَيَّدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (١) . وَإِذَنْ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ كُلٍّ مِنَ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ كَمَا يَلِي: ١٩ - الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ: هِيَ الَّتِي تُقَيَّدُ بِدَيْنٍ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ بِعَيْنٍ لَهُ عِنْدَهُ، أَمَانَةً كَانَتْ أَمْ مَضْمُونَةً. مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَقُول الْمَدِينُ لآِخَرَ: أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِالأَْلْفِ الَّتِي لِي فِي ذِمَّتِكَ، فَيَقْبَل (الْمُحَال عَلَيْهِ) ، أَوْ يَقُول لَهُ: أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِالأَْلْفِ الَّتِي لَهُ عَلَيَّ، عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا إِلَيْهِ مِنَ الدَّنَانِيرِ الَّتِي أَوْدَعْتُكَهَا. أَوْ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا إِلَيْهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ الَّتِي اغْتَصَبْتَهَا مِنِّي، فَيَقْبَل (الْمُحَال عَلَيْهِ) ، وَيُجِيزُ الْمُحَال فِي الأَْحْوَال كُلِّهَا. ٢٠ - وَالْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ: هِيَ الَّتِي لَمْ تُقَيَّدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لِلْمُحِيل لَدَى الْمُحَال عَلَيْهِ شَيْءٌ تُمْكِنُ التَّأْدِيَةُ مِنْهُ. مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَرَى رَجُل خَيْرٍ دَائِنًا وَمَدِينَهُ يَتَشَاجَرَانِ فَيَقُول لِلدَّائِنِ: دَيْنُكَ عَلَيَّ، وَلاَ شَأْنَ لَكَ بِهَذَا

стр. 10984

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، فَيَقْبَل الدَّائِنُ. أَوْ يَقُول الْمَدِينُ لِغَاصِبِهِ - سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بَاقِيَةً أَمْ تَالِفَةً - أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِالأَْلْفِ الَّتِي لَهُ عَلَيَّ (وَلَمْ يَقُل: عَلَى أَنْ تَقْتَضِيَهُ مِمَّا أَسْتَحِقُّهُ عَلَيْكَ) فَيَقْبَل الْغَاصِبُ، وَيُجِيزُ الْمُحَال. وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ ذَاتِ الأَْهَمِّيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا بَاعَ الْمَدِينُ الرَّاهِنُ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ دُونَ إِذْنٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّ هَذَا الْبَيْعَ لاَ يَسْلُبُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي حَبْسِ الْمَرْهُونِ إِلاَّ أَنْ يُجِيزَ هَذَا الْبَيْعَ فَيَكُونُ عِنْدَئِذٍ قَدْ تَنَازَل عَنْ حَقِّهِ فِي حَبْسِهِ بِمُقْتَضَى الرَّهْنِ، أَمَّا إِذَا تَمَسَّكَ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ وَلَمْ يُجِزِ الْبَيْعَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَفُكَّ الرَّهْنَ، أَوْ يَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيَفْسَخَ لَهُ الْبَيْعَ، بِسَبَبِ الْعَجْزِ عَنِ التَّسْلِيمِ (١) . فَإِذَا آثَرَ الاِنْتِظَارَ فَقَدْ يَطُول أَمَدُهُ وَحِينَئِذٍ رُبَّمَا بَدَا لَهُ أَنَّ خَيْرَ وَسِيلَةٍ لِحَل الْمُشْكِلَةِ أَنْ يَنْقُل الدَّيْنَ عَلَى نَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ، ثُمَّ يَفُكَّ الرَّهْنَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ عَنِ الرَّاهِنِ وَيَتَسَلَّمُ الْمَبِيعَ الْمَرْهُونَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا دَفَعَ عَنْ ذِمَّتِهِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ. ثَانِيًا - الأَْنْوَاعُ الْفَرْعِيَّةُ لِلْحَوَالَةِ: أَنْوَاعُ الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ: ٢١ - تَبَيَّنَ مِمَّا سَلَفَ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، أَنَّهَا عِنْدَ

стр. 10985

الْحَنَفِيَّةِ - بِالتَّفْصِيل - أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ: ١ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِدَيْنٍ خَاصٍّ. ٢ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ هِيَ أَمَانَةٌ: كَالْعَارِيَّةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ - إِذَا تَرَاضَيَا عَلَى رَدِّهَا، أَوْ قَضَى الْقَاضِي بِهِ - أَوِ الْمَأْجُورُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ. ٣ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ. وَالْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ - كَمَا هُنَا - إِنَّمَا تَنْصَرِفُ إِلَى الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا، أَيِ الَّتِي إِذَا هَلَكَتْ وَجَبَ مِثْلُهَا، إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَقِيمَتُهَا إِنْ كَانَتْ قِيَمِيَّةً - كَالْمَغْصُوبِ، وَبَدَل الْخُلْعِ، وَالْمَهْرِ، وَبَدَل الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ (وَالْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ بِنَفْسِهَا هَذِهِ مُلْحَقَةٌ بِالدُّيُونِ فَتُكْفَل) . أَمَّا الْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ بِغَيْرِهَا، فَإِنَّهَا لاَ يَجْرِي ضَمَانُهَا عَلَى قَوَاعِدِ الضَّمَانِ الْعَامَّةِ، بَل يَكُونُ لَهَا ضَمَانٌ خَاصٌّ: وَذَلِكَ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ - وَلَوْ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ تَسْلِيمِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي، إِذْ لاَ يَصِيرُ بِذَلِكَ غَاصِبًا - وَكَالرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّهُ إِذَا هَلَكَ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِمِثْلٍ وَلاَ قِيمَةٍ، لَكِنَّ هَلاَكَ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ يُسْقِطُ الثَّمَنَ عَنِ الْمُشْتَرِي، وَبِهَلاَكِ الرَّهْنِ يَسْقُطُ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الدَّيْنِ عَنِ الرَّاهِنِ. وَمَا زَادَ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى

стр. 10986

الدَّيْنِ يَهْلِكُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى حُكْمِ الأَْمَانَةِ، وَلِذَا سُمِّيَ مَضْمُونًا بِغَيْرِهِ (١) . أَنْوَاعُ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ: ٢٢ - الْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ نَوْعَانِ: أ - حَوَالَةٌ حَالَّةٌ: ٢٣ - وَهِيَ حَوَالَةُ الطَّالِبِ بِدَيْنٍ حَالٍّ عَلَى الْمُحِيل: إِذْ يَكُونُ الدَّيْنُ حَالًّا كَذَلِكَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ. لأَِنَّ الدَّيْنَ يَتَحَوَّل فِي الْحَوَالَةِ، بِالصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَدَى الْمُحِيل، كَمَا أَنَّ الْكَفِيل يَتَحَمَّل مَا عَلَى الأَْصِيل، بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَ (٢) . ب - حَوَالَةٌ مُؤَجَّلَةٌ: ٢٤ - وَهِيَ حَوَالَةٌ اشْتُرِطَ فِيهَا أَجَلٌ مُعَيَّنٌ، أَوْ كَانَتْ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ عَلَى الْمُحِيل، أَوِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِالأَْجَل كَشَرْطٍ. إِذْ يَكُونُ الْمَال عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، إِلَى ذَلِكَ الأَْجَل

стр. 10987

السَّابِقِ، أَوْ الَّذِي اسْتُحْدِثَ بِالشَّرْطِ، لأَِنَّ الْفَرْضَ فِي حَالَةِ الشَّرْطِ، أَوِ الْعِلْمِ بِالتَّأْجِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ أَنَّ الْحَوَالَةَ كَذَلِكَ قُبِلَتْ. وَفِي حَالَةِ سَبْقِ الأَْجَل فِي جَانِبِ الْمُحِيل إِنَّمَا يَتَحَوَّل الدَّيْنُ بِالْوَصْفِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، اعْتِبَارًا بِالْكَفَالَةِ (١) . عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ تَفْتَرِقَانِ فِي بَعْضِ جَوَانِبِ الأَْجَل: فَفِي الْكَفَالَةِ، إِذَا أَجَّل الطَّالِبُ الدَّيْنَ، وَلَمْ يُضِفِ الأَْجَل إِلَى الْكَفِيل، يَصِيرُ الأَْجَل مَشْرُوطًا لِلأَْصِيل - حَتَّى لَوْ مَاتَ الْكَفِيل، يَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى الأَْصِيل مُؤَجَّلاً. وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْحَوَالَةِ، وَلَمْ يُضِفِ الأَْجَل إِلَى الْمُحَال عَلَيْهِ - وَبِالأَْوْلَى إِذَا أَضَافَهُ - لاَ يَصِيرُ الأَْجَل مَشْرُوطًا فِي حَقِّ الأَْصِيل - فَلَوْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا عَادَ الدَّيْنُ عَلَى الأَْصِيل حَالًّا. ثُمَّ تُغْتَفَرُ فِي الأَْجَل الْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ. فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ إِلَى الْحَصَادِ، لاَ يُجْبَرُ عَلَى الأَْدَاءِ قَبْلَهُ. وَسَوَاءٌ هُنَا فِي لُزُومِ التَّأْجِيل دَيْنُ الْقَرْضِ وَغَيْرُهُ (وَإِنْ كَانَ الأَْصْل فِي دَيْنِ الْقَرْضِ عَدَمَ لُزُومِ التَّأْجِيل فِيهِ، إِذِ الْمُقْرِضُ مُتَبَرِّعٌ، فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى عَدَمِ الْمُطَالَبَةِ) فَقَدْ جَاءَ فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ مَا خُلاَصَتُهُ: (رَجُلٌ مَدِينٌ بِأَلْفٍ قَرْضًا، وَدَائِنٌ بِمِثْلِهَا، لَهُ أَنْ يُحِيل

стр. 10988

دَائِنَهُ عَلَى مَدِينِهِ إِلَى أَجَلٍ مُعَيَّنٍ كَسَنَةٍ. ثُمَّ لَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنْ يَأْخُذَ مَدِينَهُ بِدَيْنِهِ، أَوْ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْهُ، أَوْ يَهَبَهُ لَهُ) . (١) وَمِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّلَهُ بِهِ شَارِحُهُ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ: (إِنَّ حَقَّ الطَّالِبِ تَعَلُّقٌ بِالْمَال الْمُحَال بِهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْحَجْرَ عَلَى الْمُحِيل عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَإِلاَّ بَطَل حَقُّ الطَّالِبِ: لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مَا الْتَزَمَ الْحَوَالَةَ مُطْلَقَةً، وَإِنَّمَا مُقَيَّدَةً بِذَلِكَ الْمَال، فَإِذَا سَقَطَ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ مُطَالَبَةٌ بِشَيْءٍ. أَلاَ تَرَى أَنَّ الْحَوَالَةَ لَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِوَدِيعَةٍ، فَهَلَكَتْ تِلْكَ الْوَدِيعَةُ، بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ) . وَلِذَا نُقِل عَنْهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: إِنَّ الْحِيلَةَ فِي تَأْجِيل الْقَرْضِ أَنْ يُحَال بِهِ الدَّائِنُ عَلَى ثَالِثٍ، فَيُؤَجَّل ذَلِكَ الثَّالِثُ مُدَّةً مَعْلُومَةً. إِذْ هَذَا صَحِيحٌ، وَمِنْ لَوَازِمِهِ أَلاَّ يُطَالِبَ الْمُحِيل، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ مُبَرِّئَةٌ مِنْ مُطَالَبَتِهِ، وَلاَ الْمُحَال عَلَيْهِ قَبْل حُلُول أَجَلِهِ بِسَبَبٍ مَا، وَلَوْ بِمَوْتِهِ أَوْ إِسْقَاطِهِ (٢) . ثَالِثًا: أَقْسَامُ الْحَوَالَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: ٢٥ - لاَ يُوجَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هَذَا التَّنْوِيعُ لِلْحَوَالَةِ إِلَى مُطْلَقَةٍ وَمُقَيَّدَةٍ. وَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَائِزِ (عَلَى الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) حَوَالَةٌ عَلَى غَيْرِ

стр. 10989

مَدِينٍ - بِشَرْطِ رِضَاهُ - تَتَرَتَّب عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا عِنْدَهُمْ وَفِي مُقَدِّمَتِهَا سُقُوطُ دَيْنِ الْمُحِيل وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ (بِصُورَةٍ نِهَائِيَّةٍ غَيْرِ مَوْقُوتَةٍ) ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا حَوَالَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَمُّوهَا هُمْ بِهَذَا الاِسْمِ. عَلَى أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ - وَهُوَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْل الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - قَدِ اشْتَرَطَ أَنْ تَقَعَ الْحَوَالَةُ بِلَفْظِهَا وَإِلاَّ فَهِيَ حَمَالَةٌ، أَيْ ضَمَانٌ (١) (كَفَالَةٌ) . وَالَّذِي رَجَّحَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيل الضَّمَانِ، وَلَيْسَ مِنَ الْحَوَالَةِ فِي شَيْءٍ، وَلَوِ اسْتُعْمِل لَفْظُهَا (٢) . وَيُفَرِّعُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى هَذَا الَّذِي رَجَّحُوهُ قَائِلِينَ: (لَوْ أَعْدَمَ - أَيْ أَفْلَسَ - الْمُحَال عَلَيْهِ لَرَجَعَ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل - إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ الْمُحَال أَنَّهُ لاَ شَيْءَ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ - وَيَشْتَرِطُ الْمُحِيل بَرَاءَتَهُ مِنَ الدَّيْنِ، فَلاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ) . وَلَيْسَ الإِْعْدَامُ، أَيِ الْفَقْرُ، شَرِيطَةً حَتْمِيَّةً عِنْدَهُمْ لِيَثْبُتَ حَقُّ الرُّجُوعِ، بَل مِثْلُهُ الْمَوْتُ وَكُل سَبَبٍ يَتَعَذَّرُ بِهِ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، كَامْتِنَاعِ ذِي سَطْوَةٍ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَشْهَبَ، وَعَلَيْهَا تَعْوِيلُهُمْ فِي هَذَا الْحُكْمِ خِلاَفًا

стр. 10990

لاِبْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنَّهُ يَرَى عَدَمَ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا (١) . الْحَوَالَةُ عَلَى عَيْنٍ: ٢٦ - وَالْحَوَالَةُ عَلَى عَيْنٍ - أَيًّا كَانَ نَوْعُ الْعَيْنِ - لاَ تُعْرَفُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. إِذْ هُمْ جَمِيعًا شَارِطُونَ فِي الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا. كَمَا أَطْبَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ فِي جَانِبِ الْمَال الْمُحَال بِهِ. عَلَى أَنَّ التَّحْقِيقَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْفُسِهِمْ يَرُدُّهُمْ إِلَى وِفَاقِ الآْخَرِينَ. فَقَدْ قَال السَّرَخْسِيُّ: (حَقِيقَةُ الْحَوَالَةِ هِيَ الْمُطْلَقَةُ، فَأَمَّا الْمُقَيَّدَةُ مِنْ وَجْهٍ فَتَوْكِيلٌ بِالأَْدَاءِ وَالْقَبْضِ) . (٢) حُلُول الْحَوَالَةِ وَتَأْجِيلُهَا ٢٧ - فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُلُول الْحَوَالَةِ وَتَأْجِيلِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ سَيَأْتِي بَيَانُهُ. أَرْكَانُ الْحَوَالَةِ وَشُرُوطُهَا: ٢٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ مِنَ الآْتِي: ١ - الصِّيغَةُ.

стр. 10991

٢ - الْمُحِيل. ٣ - الْمُحَال. ٤ - الْمُحَال عَلَيْهِ. ٥ - الْمُحَال بِهِ (دَيْنُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل) . كَمَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ مِنْ وُجُودِ دَيْنٍ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ. وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَنَفِيَّةُ لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ وُجُودَ هَذَا الدَّيْنِ. وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ مَا سَبَقَ أَرْكَانًا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اعْتِبَارِهَا كُلِّهَا أَرْكَانًا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ الصِّيغَةِ وَحْدَهَا رُكْنًا، أَمَّا الْمُحِيل وَالْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ فَهُمْ أَطْرَافُ الْحَوَالَةِ. وَالْمُحَال بِهِ هُوَ مَحَلُّهَا (١) . الْمُرَادُ بِالصِّيغَةِ: ٢٩ - الصِّيغَةُ تَتَأَلَّفُ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ. الْمُرَادُ بِالإِْيجَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: كُل مَا يَدُل عَلَى

стр. 10992

النَّقْل وَالتَّحْوِيل كَأَحَلْتُكَ، وَأَتْبَعْتُكَ، وَبِالْقَبُول: كُل مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا بِهَذَا النَّقْل وَالتَّحْوِيل، نَحْوُ رَضِيتُ، وَقَبِلْتُ، وَفَعَلْتُ. وَمِنَ الْقَبُول: أَحِلْنِي، أَوْ لِتُحِلْنِي (بِلاَمِ الأَْمْرِ) ، عَلَى الأَْصَحِّ مِنْ خِلاَفٍ فِقْهِيٍّ عَامٍّ، لِدَلاَلَتِهِ عَلَى الرِّضَا، وَيُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ مُرَّةً أُخْرَى بَعْدَ الإِْيجَابِ. وَالإِْيجَابُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ قَوْل الطَّرَفِ الْبَادِئِ بِالْعَقْدِ، وَالْقَبُول هُوَ الْقَوْل الْمُتَمِّمُ لَهُ مِنَ الطَّرَفِ الآْخَرِ بِأَيَّةِ أَلْفَاظٍ تَدُل عَلَى مَعْنَى الْحَوَالَةِ. وَيَقُومُ مَقَامَ الأَْلْفَاظِ كُل مَا يَدُل دَلاَلَتَهَا، كَالْكِتَابَةِ، وَإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ، وَلَوْ كَانَ الأَْخْرَسُ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا اعْتَمَدُوهُ. فَالإِْيجَابُ أَنْ يَقُول كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا: قَبِلْتُ، أَوْ رَضِيتُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُل عَلَى الرِّضَا (١) . وَيَكْفِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَجْرِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول بَيْنَ اثْنَيْنِ فَحَسْبُ أَيًّا كَانَا مِنَ الأَْطْرَافِ الثَّلاَثَةِ لِتَنْعَقِدَ الْحَوَالَةُ، لَكِنَّهَا عِنْدَئِذٍ قَدْ تَنْعَقِدُ نَاجِزَةً أَوْ مَوْقُوفَةً عَلَى رِضَا الثَّالِثِ بِحَسَبِ كَوْنِ الثَّالِثِ أَيَّ الثَّلاَثَةِ هُوَ:

стр. 10993

أ - فَإِنْ جَرَى الإِْيجَابُ وَالْقَبُول بَيْنَ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ وَكَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحِيل، انْعَقَدَتِ الْحَوَالَةُ نَاجِزَةً دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى إِجَازَتِهِ، بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، وَخِلاَفًا لِرِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ الَّتِي اشْتَرَطَتْ رِضَاهُ، وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ. ب - وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحَال عَلَيْهِ انْعَقَدَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَتِهِ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ. ج - وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحَال، انْعَقَدَتْ مَوْقُوفَةً أَيْضًا عَلَى إِجَازَتِهِ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، أَخْذًا بِمَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ الَّذِي اعْتَمَدَتْهُ الْمَجَلَّةُ (م ٦٨٣) تَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ، وَإِنْ شَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ قَبُولَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَاعْتَبَرَهُ شُيُوخُ الْحَنَفِيَّةِ الْمُصَحَّحَ فِي الْمَذْهَبِ (١) . تَغَيُّرُ الْحَوَالَةِ بِأَلْفَاظٍ مُعَيَّنَةٍ: ٣٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَقَيُّدَ بِأَلْفَاظٍ مُعَيَّنَةٍ فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ، شَأْنُهَا فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، إِذْ الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ بِالْمَعَانِي لاَ بِالأَْلْفَاظِ.

стр. 10994

وَلِذَا قَالُوا: إِنَّ الْكَفَالَةَ بِشَرْطِ أَنْ يَبْرَأَ الأَْصِيل، حَوَالَةٌ، وَالْحَوَالَةُ بِشَرْطِ أَلاَّ يَبْرَأَ كَفَالَةٌ فَيَتْبَعُ الْمَعْنَى جَرَيَانَ أَحْكَامِ الْحَوَالَةِ أَوِ الْكَفَالَةِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ. فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الأَْطْرَافُ الْمَعْنِيَّةُ وَلاَ بَيِّنَةَ: أَهِيَ كَفَالَةٌ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَْصِيل - أَيْ حَوَالَةٌ مَعْنًى - أَمْ بِدُونِ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ؟ فَالْمُصَدَّقُ هُوَ الدَّائِنُ الطَّالِبُ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ حَقِّهِ فِي مُطَالَبَةِ الأَْصِيل، فَلاَ يَنْتَقِل إِلاَّ بِإِقْرَارِهِ. فَتَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ بِكُل مَا يُفِيدُ مَعْنَاهَا، كَنَقَلْتُ حَقَّكَ إِلَى فُلاَنٍ، أَوْ جَعَلْتُ مَا أَسْتَحِقُّهُ عَلَى فُلاَنٍ لَكَ بِحَقِّكَ عَلَيَّ، أَوْ مَلَّكْتُكَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِحَقِّكَ عَلَيَّ، أَوْ أَتْبَعْتُكَ دَيْنَاكَ عَلَى فُلاَنٍ، أَوْ اقْبِضْ دَيْنِي عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ، أَوْ خُذْ - أَوِ اطْلُبْ - دَيْنَكَ مِنْهُ (١) . وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ لَفْظُ الْحَوَالَةِ، وَاعْتَمَدَهُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَاشْتَرَطَ لَفْظُهُ الْحَوَالَةَ دُونَ بَدِيلٍ، وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ (٢) . ٣١ - وَلاَ تَنْعَقِدُ الْحَوَالَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ

стр. 10995

مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ، وَقِيل: تَنْعَقِدُ مُرَاعَاةً لِلْمَعْنَى، كَالْبَيْعِ بِلَفْظِ السَّلَمِ (١) . وَالْمَالِكِيَّةُ يَتَوَسَّعُونَ مَا لاَ يَتَوَسَّعُ غَيْرُهُمْ، وَهْم بِصَدَدِ صِيغَةِ الْحَوَالَةِ فَيَقُولُونَ: إِنَّهَا تَحْصُل (وَلَوْ بِإِشَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ) وَيُطْلِقُونَ ذَلِكَ إِطْلاَقًا يَتَنَاوَل الْقَادِرَ - عَلَى النُّطْقِ - وَالْعَاجِزَ، ثُمَّ يُعَقِّبُونَ بِمُقَابِلٍ ضَعِيفٍ عِنْدَهُمْ - وَإِنْ اعْتَمَدَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ - قَائِلِينَ: وَقِيل: لاَ تَكْفِي الإِْشَارَةُ وَالْكِتَابَةُ إِلاَّ مِنَ الأَْخْرَسِ (٢) . الصِّيغَةُ: ٣٢ - الصِّيغَةُ تَدُل عَلَى التَّرَاضِي وَيَتَنَاوَل بَحْثُ التَّرَاضِي الْعَنَاصِرَ الثَّلاَثَةَ التَّالِيَةَ: ١ - رِضَا الْمُحِيل ٢ - رِضَا الْمُحَال ٣ - رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ. وَيُلاَحَظُ أَنَّ رِضَا الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ مُخْتَلَفٌ فِي اعْتِبَارِهِمَا مِنْ شَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ أَوْ مِنْ شَرَائِطِ النَّفَاذِ. أَوَّلاً: رِضَا الْمُحِيل: ٣٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى
следующие страницы →