← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

٢ - الْمُحِيل. ٣ - الْمُحَال. ٤ - الْمُحَال عَلَيْهِ. ٥ - الْمُحَال بِهِ (دَيْنُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل) . كَمَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ مِنْ وُجُودِ دَيْنٍ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ. وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَنَفِيَّةُ لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ وُجُودَ هَذَا الدَّيْنِ. وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ مَا سَبَقَ أَرْكَانًا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اعْتِبَارِهَا كُلِّهَا أَرْكَانًا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ الصِّيغَةِ وَحْدَهَا رُكْنًا، أَمَّا الْمُحِيل وَالْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ فَهُمْ أَطْرَافُ الْحَوَالَةِ. وَالْمُحَال بِهِ هُوَ مَحَلُّهَا (١) . الْمُرَادُ بِالصِّيغَةِ: ٢٩ - الصِّيغَةُ تَتَأَلَّفُ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ. الْمُرَادُ بِالإِْيجَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: كُل مَا يَدُل عَلَى

стр. 10992

النَّقْل وَالتَّحْوِيل كَأَحَلْتُكَ، وَأَتْبَعْتُكَ، وَبِالْقَبُول: كُل مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا بِهَذَا النَّقْل وَالتَّحْوِيل، نَحْوُ رَضِيتُ، وَقَبِلْتُ، وَفَعَلْتُ. وَمِنَ الْقَبُول: أَحِلْنِي، أَوْ لِتُحِلْنِي (بِلاَمِ الأَْمْرِ) ، عَلَى الأَْصَحِّ مِنْ خِلاَفٍ فِقْهِيٍّ عَامٍّ، لِدَلاَلَتِهِ عَلَى الرِّضَا، وَيُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ مُرَّةً أُخْرَى بَعْدَ الإِْيجَابِ. وَالإِْيجَابُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ قَوْل الطَّرَفِ الْبَادِئِ بِالْعَقْدِ، وَالْقَبُول هُوَ الْقَوْل الْمُتَمِّمُ لَهُ مِنَ الطَّرَفِ الآْخَرِ بِأَيَّةِ أَلْفَاظٍ تَدُل عَلَى مَعْنَى الْحَوَالَةِ. وَيَقُومُ مَقَامَ الأَْلْفَاظِ كُل مَا يَدُل دَلاَلَتَهَا، كَالْكِتَابَةِ، وَإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ، وَلَوْ كَانَ الأَْخْرَسُ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا اعْتَمَدُوهُ. فَالإِْيجَابُ أَنْ يَقُول كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا: قَبِلْتُ، أَوْ رَضِيتُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُل عَلَى الرِّضَا (١) . وَيَكْفِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَجْرِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول بَيْنَ اثْنَيْنِ فَحَسْبُ أَيًّا كَانَا مِنَ الأَْطْرَافِ الثَّلاَثَةِ لِتَنْعَقِدَ الْحَوَالَةُ، لَكِنَّهَا عِنْدَئِذٍ قَدْ تَنْعَقِدُ نَاجِزَةً أَوْ مَوْقُوفَةً عَلَى رِضَا الثَّالِثِ بِحَسَبِ كَوْنِ الثَّالِثِ أَيَّ الثَّلاَثَةِ هُوَ:

стр. 10993

أ - فَإِنْ جَرَى الإِْيجَابُ وَالْقَبُول بَيْنَ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ وَكَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحِيل، انْعَقَدَتِ الْحَوَالَةُ نَاجِزَةً دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى إِجَازَتِهِ، بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، وَخِلاَفًا لِرِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ الَّتِي اشْتَرَطَتْ رِضَاهُ، وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ. ب - وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحَال عَلَيْهِ انْعَقَدَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَتِهِ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ. ج - وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحَال، انْعَقَدَتْ مَوْقُوفَةً أَيْضًا عَلَى إِجَازَتِهِ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، أَخْذًا بِمَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ الَّذِي اعْتَمَدَتْهُ الْمَجَلَّةُ (م ٦٨٣) تَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ، وَإِنْ شَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ قَبُولَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَاعْتَبَرَهُ شُيُوخُ الْحَنَفِيَّةِ الْمُصَحَّحَ فِي الْمَذْهَبِ (١) . تَغَيُّرُ الْحَوَالَةِ بِأَلْفَاظٍ مُعَيَّنَةٍ: ٣٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَقَيُّدَ بِأَلْفَاظٍ مُعَيَّنَةٍ فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ، شَأْنُهَا فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، إِذْ الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ بِالْمَعَانِي لاَ بِالأَْلْفَاظِ.

стр. 10994

وَلِذَا قَالُوا: إِنَّ الْكَفَالَةَ بِشَرْطِ أَنْ يَبْرَأَ الأَْصِيل، حَوَالَةٌ، وَالْحَوَالَةُ بِشَرْطِ أَلاَّ يَبْرَأَ كَفَالَةٌ فَيَتْبَعُ الْمَعْنَى جَرَيَانَ أَحْكَامِ الْحَوَالَةِ أَوِ الْكَفَالَةِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ. فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الأَْطْرَافُ الْمَعْنِيَّةُ وَلاَ بَيِّنَةَ: أَهِيَ كَفَالَةٌ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَْصِيل - أَيْ حَوَالَةٌ مَعْنًى - أَمْ بِدُونِ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ؟ فَالْمُصَدَّقُ هُوَ الدَّائِنُ الطَّالِبُ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ حَقِّهِ فِي مُطَالَبَةِ الأَْصِيل، فَلاَ يَنْتَقِل إِلاَّ بِإِقْرَارِهِ. فَتَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ بِكُل مَا يُفِيدُ مَعْنَاهَا، كَنَقَلْتُ حَقَّكَ إِلَى فُلاَنٍ، أَوْ جَعَلْتُ مَا أَسْتَحِقُّهُ عَلَى فُلاَنٍ لَكَ بِحَقِّكَ عَلَيَّ، أَوْ مَلَّكْتُكَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِحَقِّكَ عَلَيَّ، أَوْ أَتْبَعْتُكَ دَيْنَاكَ عَلَى فُلاَنٍ، أَوْ اقْبِضْ دَيْنِي عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ، أَوْ خُذْ - أَوِ اطْلُبْ - دَيْنَكَ مِنْهُ (١) . وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ لَفْظُ الْحَوَالَةِ، وَاعْتَمَدَهُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَاشْتَرَطَ لَفْظُهُ الْحَوَالَةَ دُونَ بَدِيلٍ، وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ (٢) . ٣١ - وَلاَ تَنْعَقِدُ الْحَوَالَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ

стр. 10995

مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ، وَقِيل: تَنْعَقِدُ مُرَاعَاةً لِلْمَعْنَى، كَالْبَيْعِ بِلَفْظِ السَّلَمِ (١) . وَالْمَالِكِيَّةُ يَتَوَسَّعُونَ مَا لاَ يَتَوَسَّعُ غَيْرُهُمْ، وَهْم بِصَدَدِ صِيغَةِ الْحَوَالَةِ فَيَقُولُونَ: إِنَّهَا تَحْصُل (وَلَوْ بِإِشَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ) وَيُطْلِقُونَ ذَلِكَ إِطْلاَقًا يَتَنَاوَل الْقَادِرَ - عَلَى النُّطْقِ - وَالْعَاجِزَ، ثُمَّ يُعَقِّبُونَ بِمُقَابِلٍ ضَعِيفٍ عِنْدَهُمْ - وَإِنْ اعْتَمَدَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ - قَائِلِينَ: وَقِيل: لاَ تَكْفِي الإِْشَارَةُ وَالْكِتَابَةُ إِلاَّ مِنَ الأَْخْرَسِ (٢) . الصِّيغَةُ: ٣٢ - الصِّيغَةُ تَدُل عَلَى التَّرَاضِي وَيَتَنَاوَل بَحْثُ التَّرَاضِي الْعَنَاصِرَ الثَّلاَثَةَ التَّالِيَةَ: ١ - رِضَا الْمُحِيل ٢ - رِضَا الْمُحَال ٣ - رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ. وَيُلاَحَظُ أَنَّ رِضَا الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ مُخْتَلَفٌ فِي اعْتِبَارِهِمَا مِنْ شَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ أَوْ مِنْ شَرَائِطِ النَّفَاذِ. أَوَّلاً: رِضَا الْمُحِيل: ٣٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى

стр. 10996

اشْتِرَاطِ رِضَا الْمُحِيل، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي جِهَاتِ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَلاَ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جِهَةٌ قَهْرًا، كَجِهَةِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ (١) . ٣٤ - وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ تَقَعَ الْحَوَالَةُ عَنْ رِضًا مِنَ الْمُحِيل لأَِنَّهَا إِبْرَاءٌ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، فَيُفْسِدُهَا الإِْكْرَاهُ كَسَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ (٢) . وَفِي اشْتِرَاطِ رِضَاهُ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ رِوَايَتَيِ الْقُدُورِيِّ وَالزِّيَادَاتِ: وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ الْمُوجِبَةِ: أَنَّ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ قَدْ يَأْنَفُونَ مِنْ أَنْ يَحْمِل عَنْهُمْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ دُيُونِهِمْ، فَلاَ بُدَّ مِنْ رِضَاهُمْ، ثُمَّ يَطَّرِدُ الْبَابُ كُلُّهُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ النَّافِيَةِ: أَنَّ الْتِزَامَ الدَّيْنِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَالْمُحِيل لاَ يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ، بَل فِيهِ نَفْعُهُ عَاجِلاً وَآجِلاً: أَمَّا عَاجِلاً فَلأَِنَّهُ سَيَكْفِي الْمُطَالَبَةُ بِدَيْنِهِ فِي الْحَال، وَأَمَّا آجِلاً فَلأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ قَدْ قَبِل حَوَالَةَ دَيْنِهِ، فَلَمْ يَبْقَ مَعْنًى لاِشْتِرَاطِ رِضَاهُ. لَكِنْ كَثِيرًا مِنْ مُحَقِّقِي الْمَذْهَبِ لاَ يَرَوْنَ أَنَّ هُنَاكَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلاَفًا: فَإِنَّ الْقُدُورِيَّ لَمْ يُوجِبْ رِضَا الْمُحِيل لِنَفَاذِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ، بَل لِيَسْقُطَ بِالْوَفَاءِ دَيْنُ الْمُحِيل فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ - إِنْ كَانَ - وَلِيَرْجِعَ هَذَا إِلَى الْمُحِيل بِمَا أَدَّى عَنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَدِينًا لَهُ.

стр. 10997

فَإِنَّهُ لاَ رُجُوعَ عَلَى الْمُحِيل وَلاَ سُقُوطَ لِدَيْنِهِ مَا لَمْ يَرْضَ (١) ثَانِيًا: رِضَا الْمُحَال: ٣٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ رِضَا الْمُحَال لِلْمَعْنَى نَفْسِهِ الآْنِفِ فِي رِضَا الْمُحِيل، وَلأَِنَّ الدَّيْنَ حَقُّهُ، فَلاَ يَنْتَقِل مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ إِلاَّ بِرِضَاهُ، إِذِ الذِّمَمُ تَتَفَاوَتُ يَسَارًا وَإِعْسَارًا، وَبَذْلاً وَمَطْلاً، وَتَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ قِيمَةُ الدَّيْنِ نَفْسِهِ، وَلاَ سَبِيل إِلَى إِلْزَامِهِ بِتَحَمُّل ضَرَرٍ لَمْ يَلْتَزِمْهُ (٢) . وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرِّضَا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، حَتَّى إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ بَلَغَهُ خَبَرُ الْحَوَالَةِ فَأَجَازَهَا، لَمْ تَنْفُذِ الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ أَصْلاً إِذْ أَنَّ رِضَا الْمُحَال عِنْدَهُمَا رُكْنٌ فِي انْعِقَادِهَا. أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَيُكْتَفَى مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الرِّضَا، أَيْنَمَا كَانَ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، فَيَكُونُ شَرِيطَةَ نَفَاذٍ. وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلاَ يُوجِبُونَ رِضَا الْمُحَال، إِلاَّ

стр. 10998

عَلَى احْتِمَالٍ ضَعِيفٍ عِنْدَهُمْ. بَل يُجْبَرُ الْمُحَال عَلَى الْقَبُول، إِذَا كَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَلِيئًا غَيْرَ جَاحِدٍ وَلاَ مُمَاطِلٍ. وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: يُسْتَغْنَى بَتَاتًا عَنْ قَبُول الْمُحَال، فَإِنْ قَبِل فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَل فَلاَ بَأْسَ، وَالْحَوَالَةُ نَافِذَةٌ بِرَغْمِهِ (١) . قَال صَاحِبُ الإِْنْصَافِ: فِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: لاَ يَبْرَأُ الْمُحِيل إِلاَّ بِرِضَا الْمُحَال. فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ، لَكِنْ تَنْقَطِعُ الْمُطَالَبَةُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ. وَقِيل: يَتَوَجَّهُ أَنَّ لِلْمُحَال مُطَالَبَةُ الْمُحِيل قَبْل إِجْبَارِ الْحَاكِمِ. وَمَبْنَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ هَل هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ أَوْ تَقْبِيضٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ، لَمْ يُعْتَبَرْ لَهَا قَبُولٌ. وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ تَقْبِيضٌ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْقَبْضِ بِالْقَوْل، وَهُوَ قَبُولُهَا. فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمُحَال. اهـ. وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ: قَال ﷺ : مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ. وَيُفَسِّرُهُ لَفْظُ

стр. 10999

أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَمَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَل (١) . فَقَدْ أَمَرَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ الدَّائِنَ بِقَبُول الْحَوَالَةِ أَوِ الاِلْتِزَامِ بِمُقْتَضَاهَا، وَالأَْمْرُ بِأَصْل وَضْعِهِ لِلْوُجُوبِ، وَلَيْسَ هُنَا مَا يَصْرِفُهُ عَنْ هَذَا الأَْصْل. كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول: فَإِنَّ الدَّائِنَ الَّذِي يُهَيِّئُ لَهُ مَدِينُهُ مِثْل دَيْنِهِ عَدًّا وَنَقْدًا مِنْ يَدٍ أُخْرَى فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيُصِرُّ عَلَى أَنْ يَنْقُدَهُ إِيَّاهُ مَدِينُهُ بِالذَّاتِ، لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُتَعَنِّتًا مُعَانِدًا (٢) . ثَالِثًا: رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ: ٣٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ لِقَوْل الرَّسُول ﷺ مَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (٣) وَلَمْ يَقُل عَلَى مَلِيءٍ رَاضٍ ". (٤) وَلأَِنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيل فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ وَكَّل غَيْرَهُ بِالاِسْتِيفَاءِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى اشْتِرَاطِ رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَدِينًا أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَتَسَاوَى الدَّيْنَانِ أَمْ لاَ، لأَِنَّ النَّاسَ

стр. 11000

يَتَفَاوَتُونَ فِي تَقَاضِي دُيُونِهِمْ رِفْقًا وَعُنْفًا، وَيُسْرًا وَعُسْرًا، فَلاَ يُلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ. وَقِيَاسًا عَلَى الْمُحَال فَإِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي أَنَّهُ طَرَفٌ فِي الْحَوَالَةِ لاَ تَمَامَ لَهَا بِدُونِهِ فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ فِي اشْتِرَاطِ رِضَاهُ (١) . اخْتِلاَفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ وَكَالَةٌ: ٣٧ - قَدْ يَخْتَلِفُ الْمُحِيل وَالْمُحَال فِي حَقِيقَةِ الْعَقْدِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمَا: هَل كَانَ حَوَالَةً أَوْ وَكَالَةً عَنِ الْمُحِيل بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ. ٣٨ - وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ احْتِمَالاَنِ: أ - إِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَل بَيْنَهُمَا نَفْسِهِ: هَل كَانَ لَفْظَ الْحَوَالَةِ أَوِ الْوَكَالَةِ؟ ب - وَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَل بَيْنَهُمَا كَانَ لَفْظَ الْحَوَالَةِ وَلَكِنَّ الْمُحِيل يَقُول: إِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ وَكَالَةً بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ عَلَى الثَّالِثِ، أَمَّا الْمُحَال فَيَدَّعِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ مَعْنَاهَا الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ الْحَقِيقِيُّ وَلَيْسَ الْوَكَالَةَ. فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: يَكُونُ مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْقَوْل لِلْمُحِيل فِي عَدَمِ الْحَوَالَةِ لأَِنَّهَا عَقْدٌ مُلْزِمٌ، فَلاَ يَثْبُتُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، إِذِ الأَْصْل عَدَمُهُ وَعَلَى مُدَّعِيهِ إِثْبَاتُهُ. وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ: يُقْبَل فِي الْقَضَاءِ زَعْمُ الْمُحِيل بِيَمِينِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْوَكَالَةَ، لأَِنَّ لَفْظَ

стр. 11001

الْحَوَالَةِ صَالِحٌ لِمَعْنَى الْوَكَالَةِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَمُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنَاهَا فِي الْعُرْفِ الْفِقْهِيِّ، كَمَا وَقَعَ فِي كَلاَمِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْحَوَالَةِ وَبَقَاءُ حَقِّ الْمُحِيل دَيْنًا، فَإِذَا أَنْكَرَ الْمُحِيل وَلاَ بَيِّنَةَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلاَّ الْيَمِينُ، لِنَصِّ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. (١) وَلاَ يَكُونُ اسْتِعْمَال لَفْظِ الْحَوَالَةِ بِمَثَابَةِ إِقْرَارٍ مِنَ الْمُحِيل بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لِلْمُحَال مَا دَامَ لَفْظُهَا صَالِحًا لِمَعْنَى الْوَكَالَةِ. وَبِهَذَا الأَْصْل يُتَمَسَّكُ لِقَوْل مُحَمَّدٍ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ - أَنَّ لِلْمُحِيل أَنْ يَقْبِضَ الْمَال فِي غَيْبَةِ الْمُحَال، وَأَنْ يُنْهَى عَنْ دَفْعِهِ إِلَيْهِ بِدَعْوَى أَنَّهُ حِينَ أَحَالَهُ إِنَّمَا أَرَادَ تَوْكِيلَهُ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي رَوَاهُ بِشْرٌ - وَاعْتَمَدُوهُ وَيُعْزَى إِلَى أَبِي يُوسُفَ - خِلاَفَ ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَصْدِيقَهُ فِي دَعْوَاهُ هَذِهِ هُوَ مِنْ قَبِيل الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ. نَعَمْ إِذَا كَانَ فِي صِيغَةِ التَّعَاقُل نَفْسِهَا - وَرَاءَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ - مَا يُكَذِّبُ هَذَا الاِدِّعَاءَ، فَلاَ سَبِيل إِلَى قَبُولِهِ، وَلِذَا يَنُصُّونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْحَوَالَةُ بِصِيغَةِ: اضْمَنْ عَنِّي كَذَا مِنَ الْمَال لِفُلاَنٍ، كَانَتْ دَعْوَى الْوَكَالَةِ كَذِبًا مَرْفُوضًا، لأَِنَّ الصِّيغَةَ لاَ تَحْتَمِلُهَا. (٢)

стр. 11002

٣٩ - وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ قَبُول قَوْل الْمُحِيل بِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا وَكَالَةً، وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّ كَلِمَةَ الْحَوَالَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْوَكَالَةِ، فَلاَ يَكُونُ إِقْرَارًا بِدَيْنِ الْمُحَال، لاَ يَسْتَقِيمُ إِلاَّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ الْحَوَالَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَعْنَيَيْنِ (مَعْنَى الْحَوَالَةِ، وَمَعْنَى الْوَكَالَةِ) عَلَى سَوَاءٍ، لِتَكُونَ مِنْ قَبِيل اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، وَلاَ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْوَكَالَةِ مِنْ قَبِيل الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ - إِلاَّ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ - لأَِنَّ الْحَقِيقَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَجَازِ عِنْدَ الإِْمَامِ، وَلِذَا تَكَلَّفَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فَحَمَل الْمَسْأَلَةَ عَلَى: مَا إِذَا ادَّعَى الْمُحَال أَنَّ مَا عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ لَيْسَ إِلاَّ ثَمَنَ مَالٍ لَهُ هُوَ، وَأَنَّ الْمُحِيل كَانَ وَكِيلاً عَنْهُ فِي بَيْعِهِ. فَالدَّيْنُ دَيْنُهُ هُوَ، وَقَدْ وَصَل إِلَيْهِ حَقُّهُ. وَإِذَنْ يَكُونُ الْقَوْل لِلْمُحِيل، لأَِنَّ أَصْل الْمُنَازَعَةِ وَقَعَ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكِ ذَلِكَ الْمَال، وَالْيَدُ كَانَتْ لِلْمُحِيل فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَهُ. وَعَلَّقَ عَلَيْهِ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ بِقَوْلِهِ: (ظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ الْمَسْأَلَةِ بِنَحْوِ هَذِهِ الصُّورَةِ) ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَل جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ مُطْلَقٌ فِي سَائِرِ الأُْمَّهَاتِ، وَالْحَقُّ أَنْ لاَ حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ تَجْوِيزِ كَوْنِ اللَّفْظِ: (أَحَلْتُكَ بِأَلْفٍ) يُرَادُ بِهِ أَلْفٌ لِلْمُحِيل، لأَِنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ عَلَى الإِْنْسَانِ لاَ يُمْكِنُ بِمِثْل هَذِهِ الدَّلاَلَةِ، بَل لاَ بُدَّ مِنَ الْقَطْعِ بِهَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَوْ دَلاَلَتِهِ، مِثْل: لَهُ عَلَيَّ أَوْ فِي ذِمَّتِي، لأَِنَّ فَرَاغَ الذِّمَّةِ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلاَ يَلْزَمُ

стр. 11003

فِيهِ ضَرَرُ شَغْل ذِمَّتِهِ إِلاَّ بِمِثْلِهِ مِنَ اللَّفْظِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: اتَّزِنْهَا، فِي جَوَابِ: " لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ " لِلتَّيَقُّنِ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ فِي اتَّزِنْهَا عَلَى الأَْلْفِ الْمُدَّعَاةِ بِخِلاَفِ مُجَرَّدِ (قَوْلِهِ: أَحَلْتُكَ) . (١) ٤٠ - وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ: أ - أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُحَال قَدْ قَبَضَ بِالْفِعْل دَيْنَ الْحَوَالَةِ، الَّتِي أَنْكَرَ الْمُحِيل حَقِيقَتَهَا، بِدَعْوَى أَنَّهَا وَكَالَةٌ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَدِّ مَا قَبَضَهُ إِلَى الْمُحِيل، إِذْ قَدْ سَقَطَ - بِسُقُوطِ دَعْوَاهُ - حَقُّهُ فِيهِ. ب - إِذَا كَانَ الْمُحِيل صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ - وَلَيْسَ كَاذِبًا يُرِيدُ الْحِيلَةَ - فَإِنَّ الْحَوَالَةَ لاَ يَكُونُ قَدْ طَرَأَ عَلَيْهَا أَيُّ تَغْيِيرٍ، إِلاَّ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْحَال، وَهِيَ إِذَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ مِنَ الأَْصْل حَوَالَةً حَقِيقِيَّةً، بَل وَكَالَةً (٢) . ٤١ - رَأْيُ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ: الَّذِي قَرَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، هُوَ قَوْل الْمُزَنِيِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ اعْتَمَدُوهُ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ الدَّيْنِ فِي مَحَلِّهِ، وَلَكِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ سُرَيْجٍ مِنْهُمْ يُنَازِعُ فِيهِ، وَعِنْدَهُ أَنَّ مُدَّعِيَ الْحَوَالَةِ هُوَ الَّذِي يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ اسْتِعْمَال صِيغَةِ الْحَوَالَةِ بِلَفْظِهَا يُؤَيِّدُهُ، فَالظَّاهِرُ مَعَهُ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ عَلَى مِلْكِ دَارٍ، وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَسَيَأْتِي الْفَصْل فِي الْمَوْضُوعِ وَفْقَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ (ر: ف ٤٢) . وَوَاضِحٌ أَنَّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ يَبْقَى كَمَا هُوَ، إِذَا

стр. 11004

كَانَ النِّزَاعُ مُنْصَبًّا عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي اسْتُعْمِل: أَكَانَ لَفْظَ الْحَوَالَةِ أَمْ لَفْظَ الْوَكَالَةِ. وَالْفَرْضُ أَنْ لاَ بَيِّنَةَ لأَِحَدِهِمَا، وَإِلاَّ عُمِل بِهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الأَْخِيرَةِ لإِِمْكَانِهَا، وَهَذَا مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ، كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّ مُنْكَرَ الْحَوَالَةِ هُوَ فِي مُعْتَمَدِهِمُ الصِّدْقُ عَلَى كُل حَالٍ - لأَِنَّ الأَْصْل مَعَهُ - وَلَوْ كَانَ مُنْكِرُهَا وَزَاعِمُ الْوَكَالَةِ هُوَ الْمُحَال نَفْسُهُ لأَِمْرٍ مَا، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ إِفْلاَسُ الْمُحَال عَلَيْهِ. وَمِنْ أَهَمِّ مَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا أَنَّ مَحَل الْخِلاَفِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُحِيل مُقِرًّا بِدَيْنِ الْمُحَال، وَإِلاَّ فَلاَ يُتَّجَهُ سِوَى تَصْدِيقِ الْمُحِيل، وَلِلْمُحَال تَحْلِيفُهُ عَلَى نَفْيِ دَيْنِهِ، لأَِنَّهُ، أَيِ الْمُحِيل، مُتَمَسِّكٌ عِنْدَئِذٍ بِنَفْسِ الأَْصْل الأَْوَّل الَّذِي لاَ تَتَحَقَّقُ حَوَالَةٌ إِلاَّ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَدِينًا لِلْمُحَال. وَكَمَا وَافَقَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الْمُعْتَمَدِ لَدَيْهِمُ - الْحَنَفِيَّةَ فِي الأَْصْل، وَافَقُوهُمْ فِي الاِسْتِثْنَاءِ أَيْضًا - إِذْ هُوَ مِمَّا لاَ يَقْبَل النِّزَاعَ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي صِيغَةِ التَّعَاقُدِ مَا يُكَذِّبُ الْمُحِيل - كَمَا لَوْ قَال: أَحَلْتُكَ بِالْمِائَةِ الَّتِي لَكَ فِي ذِمَّتِي عَلَى فُلاَنٍ مَدِينِي - فَالْقَوْل قَوْل الْمُحَال عِنْدَئِذٍ، لأَِنَّ هَذَا لاَ يَحْتَمِل غَيْرَ الْحَوَالَةِ وَكُل مَا قَرَّرَهُ الشَّافِعِيَّةُ، أَصْلاً وَاسْتِثْنَاءً وَوِفَاقًا وَخِلاَفًا وَتَرْجِيحًا، ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ. ٤٢ - وَالْقَوْلاَنِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّافِعِيَّةُ يُوجَدَانِ

стр. 11005

أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. فَابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى رَأْيَ الْمُزَنِيِّ، وَابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَرَى رَأْيَ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُوجَدُ لِكُلٍّ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ نُصُوصٌ جُزْئِيَّةٌ قَامَ أَصْحَابُهُمَا بِتَخْرِيجِ نَظَائِرِهَا عَلَيْهَا، وَقَدْ جَرَى خَلِيلٌ عَلَى الثَّانِي، وَلَكِنَّهُمْ نَقَدُوهُ وَآثَرُوا الأَْوَّل (١) . وَمِنْ آثَارِ هَذَا الْخِلاَفِ: فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ حَالاَتٌ وَاحْتِمَالاَتٌ تَخْتَلِفُ فِي الأَْحْكَامِ تَبَعًا لِمَا إِذَا كَانَ مُنْكِرُ الْحَوَالَةِ وَمُدَّعِي الْوَكَالَةِ هُوَ الْمُحِيل أَوِ الْمُحَال. وَتَفْصِيل ذَلِكَ كَمَا يَلِي: ٤٣ - الْحَالَةُ الأُْولَى - حِينَ يَكُونُ الْمُحِيل هُوَ مُنْكَرَ الْحَوَالَةِ: أ - فَعِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ مُثْبِتِهَا (وَهُوَ الْمُحَال) تَثْبُتُ الْحَوَالَةُ بِيَمِينِهِ وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا آثَارُهَا، وَفِي طَلِيعَةِ هَذِهِ الآْثَارِ بَرَاءَةُ الْمُحِيل، وَمُطَالَبَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ. ب - وَعِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ مُنْكِرِهَا (وَهُوَ الْمُحِيل) تَنْتَفِي الْحَوَالَةُ وَتَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ تَبْرُزُ بَعْدَ ذَلِكَ احْتِمَالاَتٌ ثَلاَثَةٌ: لأَِنَّ الْمُحَال إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ الْمَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ

стр. 11006

يَقْبِضْهُ، وَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَال بَاقِيًا عِنْدَهُ أَوْ هَالِكًا. ٤٤ - الاِحْتِمَال الأَْوَّل: أَنَّ الْمُحَال لَمْ يَقْبِضِ الْمَال: فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَنْعَزِل الْوَكِيل مِنَ الْوَكَالَةِ بِإِنْكَارِهِ إِيَّاهَا، فَلاَ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فِي الْقَبْضِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَهَل يَرْجِعُ بِدَيْنِهِ عَلَى الْمُحِيل؟ الصَّوَابُ: نَعَمْ، لأَِنَّ الْمُحِيل يُنْكِرُ الْحَوَالَةَ، وَقِيل: لاَ يَرْجِعُ، مُؤَاخَذَةً لَهُ بِقَوْل نَفْسِهِ لأَِنَّ مُقْتَضَى الْحَوَالَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا بَرَاءَةُ الْمُحِيل، وَثُبُوتُ حَقِّهِ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ - وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُحِيل مِنْهُ - لأَِنَّهُ فِي نَظَرِهِ وَزَعْمِهِ لَيْسَ إِلاَّ قَبْضَ ظَالِمٍ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ. ٤٥ - الاِحْتِمَال الثَّانِي: أَنَّ الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَمَا زَال عِنْدَهُ . فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ عَلَى الْمُحَال رَدُّ مَا قَبَضَهُ إِلَى الْمُحِيل، وَلِلْمُحِيل اسْتِرْدَادُهُ مِنْهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْمُحِيل بِدَيْنِهِ، لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ مُحَالاً فَقَدِ اسْتَرَدَّ مِنْهُ الْمُحِيل مَا قَبَضَهُ عَلَى أَسَاسِ الْحَوَالَةِ فَعَلَى الْمُحِيل أَنْ يَفِيَهُ دَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلاً فَحَقُّهُ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل. هَكَذَا قَالُوا، مَعَ تَسْلِيمِهِمْ بِأَنَّهُ دَائِنٌ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالْمُقَاصَّةِ، لأَِنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عَيْنٌ وَالَّذِي لَهُ دَيْنٌ، وَالْمُقَاصَّةُ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ دَيْنَيْنِ

стр. 11007

مُتَسَاوِيَيْنِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً: فَلَيْسَ لَهَا هُنَا مَوْضِعٌ. نَعَمْ إِنْ خَشِيَ ضَيَاعَ حَقِّهِ كَانَ لَهُ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، أَخْذُ مَا مَعَهُ عَلَى سَبِيل الظَّفَرِ بِالْحَقِّ. وَهُنَاكَ مَنْ يَقُول: لَيْسَ لِلْمُحَال حَقُّ الرُّجُوعِ بِدَيْنِهِ، مُؤَاخَذَةً لَهُ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ، لأَِنَّهُ بِإِقْرَارِهِ بِالْحَوَالَةِ مُقِرٌّ بِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُحِيل مِنْ هَذَا الدَّيْنِ. ٤٦ - الاِحْتِمَال الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَلَكِنَّهُ هَلَكَ عِنْدَهُ: فَلاَ حَقَّ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال، وَلاَ لِلْمُحَال عَلَى الْمُحِيل، سَوَاءٌ أَكَانَ التَّلَفُ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ أَمْ بِدُونِ تَفْرِيطٍ. فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ، فَلأَِنَّهُ إِمَّا مَالُهُ قَدْ تَلِفَ بِيَدِهِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الْوَاقِعِ صَادِقًا فِي زَعْمِهِ الْحَوَالَةَ، وَإِمَّا مَالٌ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، فَيَثْبُتُ عَلَيْهِ مِثْل مَا لَهُ عِنْدَ الْمُحِيل وَيَتَقَاصَّانِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلأَِنَّ الْمُحِيل مُقِرٌّ بِأَنَّ الْمَال إِنَّمَا تَلِفَ فِي يَدِ أَمِينِهِ، أَيْ وَكِيلِهِ بِمُقْتَضَى دَعْوَاهُ، وَالْفَرْضُ أَنْ لاَ تَعَدِّيَ. وَإِنْ كَانَ الْبَغَوِيُّ مِنْ كِبَارِ الشَّافِعِيَّةِ، يُنَازِعُ فِي هَذَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَخْذَ الْوَكِيل لِنَفْسِهِ يُوجِبُ ضَمَانَهُ وَيَقُول: إِنَّهُ يَضْمَنُ لِثُبُوتِ وَكَالَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ، أَيِ الْمُحَال، مُقِرٌّ بِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَتَلِفَ عِنْدَهُ (١) .

стр. 11008

٤٧ - (الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) : حِينَ يَكُونُ الْمُحَال هُوَ مُنْكِرُ الْحَوَالَةِ: أ - فَعِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ مُثْبِتِهَا (وَهُوَ الْمُحِيل) : تَثْبُتُ الْحَوَالَةُ بِيَمِينِهِ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا، فَيَبْرَأُ الْمُحِيل، وَيُطَالِبُ الْمُحَال عَلَيْهِ، ثُمَّ مَا قُبِضَ مِنْهُ يَكُونُ لِلْمُحَال، لأَِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى جَانِبِ الْمُحِيل، فَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الْحَوَالَةِ الَّتِي أَقَرَّ هُوَ بِهَا، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى جَانِبِ الْمُحَال، فَإِنَّهُ ظَافِرٌ بِجِنْسِ حَقِّهِ الَّذِي يَأْبَى الْمُحِيل تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ. ب - أَمَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ نَافِيهَا (وَهُوَ الْمُحَال) فَتَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِيَمِينِهِ وَيُعْتَبَرُ وَكِيلاً بِالْقَبْضِ، عَنِ الْمُحِيل، كَمَا أَنَّ الْمُحِيل فِي تَمَسُّكِهِ بِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ حَوَالَةً يَكُونُ مُعْتَرِفًا بِدَيْنِ الْمُحَال فِي ذِمَّتِهِ. ثُمَّ الاِحْتِمَالاَتُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاَثَةٌ: لأَِنَّ الْمُحَال إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ الْمَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَال بَاقِيًا عِنْدَهُ أَوْ هَالِكًا. ٤٨ - (الاِحْتِمَال الأَْوَّل) أَنَّ الْمُحَال لَمْ يَقْبِضِ الْمَال: وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَأْخُذُ الْمُحَال حَقَّهُ مِنَ الْمُحِيل، ثُمَّ يَكُونُ لِلْمُحِيل مُطَالَبَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ، لأَِنَّ الْوَاقِعَ إِنْ كَانَ وَكَالَةً - كَمَا ثَبَتَ ظَاهِرًا - فَدَيْنُهُ مَا زَال فِي ذِمَّةِ مَدِينِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ

стр. 11009

الْوَكِيل بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْوَاقِعِ حَوَالَةً، فَإِنَّ الْمُحَال لَمْ يَعْمَل بِمُقْتَضَاهَا لأَِنَّهَا اعْتُبِرَتْ فِي الظَّاهِرِ وَكَالَةً، وَبَدَلاً مِنْ أَنْ يَأْخُذَ الْمُحَال حَقَّهُ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَخَذَهُ مِنَ الْمُحِيل ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، فَيَكُونُ لَهُ - رَغْمَ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ هُوَ لِلْمُحِيل - أَنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ وَفَاءً بِمَا أَخَذَهُ الْمُحَال مِنْهُ، كَالظَّافِرِ بِجِنْسِ حَقِّهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِيِّ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِهِ، وُقُوفًا عِنْدَ مُؤَاخَذَتِهِ بِإِقْرَارِهِ هَذَا. ٤٩ - (الاِحْتِمَال الثَّانِي) أَنَّ الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَمَا زَال عِنْدَهُ: فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فِي تَمَلُّكِ مَا قَبَضَ. لأَِنَّهُ مَعَ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ يُعْتَبَرُ ظَافِرًا بِجِنْسِ حَقِّهِ الَّذِي يَأْبَى الْمُحِيل تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ تَمَسُّكًا بِالْحَوَالَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إِقْرَارَ الْمُحِيل لَهُ بِدَيْنِهِ. ٥٠ - (الاِحْتِمَال الثَّالِثُ) الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَلَكِنَّهُ هَلَكَ عِنْدَهُ: وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ - تَفْرِيعًا عَلَى الْوَكَالَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ - إِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ مِثْل مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، فَيَتَقَاصَّانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَقَدْ هَلَكَ عَلَى صَاحِبِهِ وَهُوَ الْمُحِيل، وَيَرْجِعُ هُوَ بِدَيْنِهِ

стр. 11010

عَلَيْهِ، وَعَلَى كُل حَالٍ يَبْرَأُ الْمُحَال عَلَيْهِ، بِالدَّفْعِ إِلَى الْمُحَال، لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ مُحَالاً، فَذَاكَ حَقُّهُ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلاً، فَقَدْ دَفَعَ إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْوَكَالَةِ. ٥١ - تَنْبِيهٌ: عَدَمُ تَضْمِينِ الْمُحَال فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الأَْخِيرَةِ عِنْدَمَا يَتْلَفُ الْمَال بِيَدِهِ دُونَ تَفْرِيطٍ - وَلَهَا نَظَائِرُ - مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا انْتَفَتِ الْحَوَالَةُ فِي هَذَا التَّنَازُعِ الْمَشْرُوعِ ثَبَتَتِ الْوَكَالَةُ، وَقَدْ عَبَّرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُهَذَّبِ بِذَلِكَ فِعْلاً: فَهُوَ يَقُول فِي هَذَا الشِّقِّ مِنَ الْقَضِيَّةِ (وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْل الْمُزَنِيِّ، وَحَلَفَ الْمُحَال ثَبَتَ أَنَّهُ وَكِيلٌ) ، كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْبَغَوِيُّ فِي خِلاَفِيَّتِهِ الآْنِفَةِ الذِّكْرِ (ر: ف ٤٢) . وَلَكِنَّ الْجُوَيْنِيَّ يَحْكِي وَجْهًا آخَرَ بِتَضْمِينِ الْمُحَال، وَيُعَلِّلُهُ بِأَنَّ الأَْصْل فِيمَا يَتْلَفُ فِي يَدِ إِنْسَانٍ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ هُوَ الضَّمَانُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ تَصْدِيقِهِ فِي نَفْيِ الْحَوَالَةِ، لِيَبْقَى حَقُّهُ، تَصْدِيقُهُ فِي إِثْبَاتِ الْوَكَالَةِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الضَّمَانُ. كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قِدَمِ الْعَيْبِ وَحُدُوثِهِ، وَصَدَّقْنَا الْبَائِعَ بِيَمِينِهِ فِي مَنْعِ الرَّدِّ بِذَا الْعَيْبِ، ثُمَّ وَقَعَ الْفَسْخُ، بِتَحَالُفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُمَكَّنُ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِأَرْشِ ذَلِكَ الْعَيْبِ، ذَهَابًا إِلَى أَنَّهُ حَادِثٌ بِمُقْتَضَى يَمِينِهِ (١) . وَلَعَل مِثْل هَذَا الْمَلْحَظِ هُوَ الَّذِي حَدَا

стр. 11011

بِالْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى الْعُدُول عَنْ عِبَارَتَيْ الشِّيرَازِيِّ وَالْبَغَوِيِّ إِلَى مِثْل قَوْلِهِمْ: (وَبِالْحَلِفِ تَنْدَفِعُ الْحَوَالَةُ) ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُعَوِّلُوا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، بَل وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الإِْشَارَةِ - إِنْ صَحَّ - أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ وَمَضَوْا فِي التَّفْرِيعِ عَلَى أَسَاسِ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ. مَجْلِسُ الْعَقْدِ: ٥١ م - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَنْعَقِدُ بِالإِْيجَابِ مِنَ الْمُحِيل، وَالْقَبُول مِنَ الْمُحَال. وَلاَ يَكُونُ قَبُولاً بِمَعْنَاهُ الْمُتَبَادِرِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، بِلاَ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ إِلاَّ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَهُوَ مَجْلِسُ عِلْمِ الْمُحَال بِالإِْيجَابِ غَيْرِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَيُجْبَرُ الْمُحَال عَلَى الْقَبُول عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِذَا أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ. أَمَّا الْمُحَال عَلَيْهِ فَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَاهُ، لاَ فِي الْعَقْدِ وَلاَ خَارِجَهُ، لأَِنَّهُ مَدِينٌ لِلْمُحِيل، فَلاَ شَأْنَ لَهُ بِمَنْ هُوَ مُكَلَّفٌ بِالتَّأْدِيَةِ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى مَنْ يَخْتَارُهُ. لَكِنَّ الإِْيجَابَ مِنَ الْمُحِيل كَافٍ وَحْدَهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَهُمْ يَكْتَفُونَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ بِإِيجَابِ الْمُحِيل فَقَطْ. وَيَشْتَرِطُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ حُضُورَ الْمُحَال عَلَيْهِ وَإِقْرَارَهُ، أَوْ حُضُورَهُ وَعِلْمَهُ (١) .

стр. 11012

وَاشْتَرَطَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ حُضُورَ الْمُحَال عَلَيْهِ وَإِقْرَارَهُ أَوْ حُضُورَهُ وَعِلْمَهُ، وَوَافَقَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ كَابْنِ يُونُسَ وَابْنِ عَرَفَةَ وَأَبِي الْحَسَنِ، حَتَّى لَقَدِ اسْتَنْبَطَ ابْنُ سَوْدَةَ فِي شَرْحِ التُّحْفَةِ مِنَ اجْتِمَاعِ كُل هَؤُلاَءِ أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ تُفْسَخُ الْحَوَالَةُ عَلَى الْغَائِبِ. وَبِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فَالَّذِي جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَالْقَرَافِيُّ وَابْنُ سَلْمُونَ - وَاشْتُهِرَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - عَدَمُ اشْتِرَاطِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ وَهُوَ فِي الأَْصْل قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيُنْسَبُ إِلَى مَالِكٍ نَفْسِهِ (١) ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمُوَثَّقِينَ وَالأَْنْدَلُسِيِّينَ (٢) . وَهُوَ قَوْل مَنْ عَدَا الْمَالِكِيَّةَ مِنَ الْفُقَهَاءِ (٣) . ٥٢ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ شَرِيطَةَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول أَنْ يَكُونَا بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ هُوَ مَجْلِسُ

стр. 11013

الْعَقْدِ، وَقَدْ يُسَمَّى: مَحَل الإِْيجَابِ، وَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الاِبْتِدَاءِ وَالتَّعْقِيبِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْطْرَافِ الثَّلاَثَةِ لِكُل حَوَالَةٍ، وَبِذَلِكَ تَنْعَقِدُ الْحَوَالَةُ إِلاَّ أَنَّهَا تَكُونُ نَاجِزَةً أَوْ مَوْقُوفَةً، نَحْوَ مَا أَسْلَفْنَاهُ (ر: ف ٢٩) . وَقَدْ لَخَّصَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - بِقَوْلِهِ: (الشَّرْطُ قَبُول الْمُحْتَال فِي الْمَجْلِسِ، وَرِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ وَلَوْ غَائِبًا) . (١) الشُّرُوطُ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا الأَْطْرَافُ: ٥٣ - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ كَمَا سَبَقَ (ر: ف ٢٤) فِي صِيغَةِ الْحَوَالَةِ عَدَمَ وُجُودِ شَرْطٍ غَيْرِ جَائِزٍ، مِنْ مُبْطِلٍ، كَالتَّعْلِيقِ وَالتَّأْقِيتِ، أَوْ مُفْسِدٍ كَالتَّأْجِيل إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ جَهَالَةً فَاحِشَةً. فَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: (إِنَّ تَعْلِيقَ التَّمْلِيكَاتِ وَالتَّقْيِيدَاتِ لاَ يَجُوزُ، فَالتَّمْلِيكُ، كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِجَارَةٍ، وَأَمَّا التَّقْيِيدُ فَكَعَزْل الْوَكِيل وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ) . (٢)

стр. 11014

وَهَذَا النَّصُّ يَنْطَبِقُ عَلَى الْحَوَالَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَالتَّقْيِيدِ أَيْضًا، إِذْ كُلٌّ مِنَ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ بِهَا الْتِزَامَاتٍ جَدِيدَةً. ٥٤ - أَمَّا التَّأْقِيتِ، وَالتَّأْجِيل إِلَى الأَْجَل الْمَجْهُول جَهَالَةً فَاحِشَةً: فَلأَِنَّ التَّأْقِيتَ يُنَافِي طَبِيعَةَ الْحَوَالَةِ - أَعْنِي نَقْل الدَّيْنِ - فَلَوْ قِيل الْحَوَالَةُ قَابِلٌ لِمُدَّةِ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، مَثَلاً، فَلاَ حَوَالَةَ أَصْلاً، وَلأَِنَّ التَّأْجِيل بِالأَْجَل الْمَجْهُول جَهَالَةً فَاحِشَةً يُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ الْمُشْكِل، مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَقُول الْمُلْتَزِمُ: قَبِلْتُ حَوَالَةَ الدَّيْنِ الَّذِي لَكَ عَلَى فُلاَنٍ، عَلَى أَنْ أُؤَدِيَهُ إِلَيْكَ عِنْدَ هُطُول الْمَطَرِ، أَوْ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ، وَهَذَا شَرْطٌ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ فَيَلْغُو، وَتَكُونُ الْحَوَالَةُ حَالَّةً بِخِلاَفِ التَّأْجِيل بِالأَْجَل الْمَعْلُومِ كَغَايَةِ شَهْرِ كَذَا، أَوِ الْمَجْهُول جَهَالَةً مُحْتَمَلَةً كَمَوْسِمِ حَصَادِ الْقَمْحِ هَذَا الْعَامَ، فَإِنَّهُ تَأْجِيلٌ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ، وَلاَ غَرَرَ فِيهِ أَصْلاً، أَوْ لاَ غَرَرَ يُذْكَرُ. وَصَرَّحَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْحَوَالَةِ بِأَنَّ تَأْجِيل عَقْدِهَا لاَ يَصِحُّ، وَلَكِنَّ تَأْجِيل الدَّيْنِ فِيهَا يَصِحُّ، فَلَوْ قَال لآِخَرَ: ضَمِنْتُ بِمَا لَكَ عَلَى فُلاَنٍ عَلَى أَنْ أُحِيلَكَ بِهِ عَلَى فُلاَنٍ إِلَى شَهْرٍ، انْصَرَفَ التَّأْجِيل إِلَى الدَّيْنِ لأَِنَّ تَأْجِيل عَقْدِهَا لاَ يَصِحُّ (١) . ٥٥ - وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَالِكِيَّةِ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ أَنْ

стр. 11015

يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيل عَلَيْهِ دَائِنُهُ، وَهَذَا عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونِسِيُّ الْمَالِكِيُّ مِنَ الاِكْتِفَاءِ بِأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ فِي الْحَوَالَةِ مُقَارِنًا لِثُبُوتِهَا وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْعَاقِدُ فِي الْحَوَالَةِ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَقَالُوا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ: أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ فِي عَقْدِهَا لأَِنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى الْمُغَابَنَةِ. وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْحَوَالَةَ لاَ يَدْخُلُهَا خِيَارٌ وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَيَرَوْنَ كَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ عَلَى الْمُحْتَال أَنْ يُؤَخِّرَ حَقَّهُ أَوْ يُؤَخِّرَ بَعْضَهُ إِلَى أَجَلٍ وَلَوْ مَعْلُومًا لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ، لأَِنَّ الْحَال لاَ يَتَأَجَّل بِالتَّأْجِيل (١) . أَطْرَافُ الْحَوَالَةِ: أَوَّلاً - الْمُحِيل وَشَرَائِطُهُ: ٥٦ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُحِيل عِدَّةُ شَرَائِطَ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَشَرِيطَةٌ وَاحِدَةٌ لِنَفَاذِهِ (ر: ف ٩٤) . فَشَرَائِطُ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ فِي الْمُحِيل نَوْعَانِ: النَّوْعُ الأَْوَّل: شَرَائِطُ تَتَعَلَّقُ بِأَهْلِيَّةِ الْمُحِيل: ٥٧ - أ - الْعَقْل: يُشْتَرَطُ فِي الْمُحِيل أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، فَلاَ تَنْعَقِدُ حَوَالَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ اللَّذَيْنِ لاَ تَمْيِيزَ لَدَيْهِمَا. إِذِ الْعَقْل مِنْ شَرَائِطِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفَاتِ كُلِّهَا

стр. 11016

ب - نَفَاذُ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ: ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَصِحُّ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ بِشَرِيطَتَيْنِ: إِذْنُ الْقَاضِي، وَعَدَمُ ظُهُورِ دَائِنٍ آخَرَ. وَعَلَيْهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ. وَلَكِنَّهُمْ ضَعَّفُوهُ، لأَِنَّ الْحَجْرَ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ بِعَامَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ ثَمَّ دَائِنٌ آخَرُ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الأَْمْرِ. وَالرَّأْيَانِ يَرِدَانِ فِي حَوَالَةِ السَّفِيهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، إِلاَّ أَنَّ الْقَوْل بِالْجَوَازِ هُنَا فِي حَالَةِ الْحَجْرِ لِلسَّفَهِ أَقْوَى، حَتَّى لَقَدْ قَطَعَ بِهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَيَرَى كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الإِْجَازَةَ اللاَّحِقَةَ لِتَصَرُّفِ السَّفِيهِ كَالإِْذْنِ السَّابِقِ. وَمِنْ هَؤُلاَءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ. فَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ عَلَى اثْنَيْنِ فَأَحَالاَ بِهِ، وَأَحَدُهُمَا نَافِذُ التَّصَرُّفِ وَالآْخَرُ بِخِلاَفِهِ - أَوْ كَانَا هُمَا الْمُحَال عَلَيْهِمَا مَعًا، وَأَحَدُهُمَا غَيْرُ نَافِذِ التَّصَرُّفِ - فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلاَفُ الْمَعْرُوفُ فِي نَتِيجَةِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (١) . النَّوْعُ الثَّانِي: مَدْيُونِيَّةُ الْمُحِيل لِلْمُحَال: ٥٨ - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْحَوَالَةِ، أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل مَدِينًا لِلْمُحَال وَلَوْ بِدَيْنِ حَوَالَةٍ سَابِقَةٍ، أَوْ دَيْنِ كَفَالَةٍ، أَوْ بِدَيْنٍ مُرَكَّبٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ. وَعَلَّلُوهُ بِأَنْ لَيْسَ مِنَ الْمُتَصَوَّرِ حَوَالَةُ دَيْنٍ لاَ وُجُودَ لَهُ. وَيَثْبُتُ الدَّيْنُ بِطُرُقِ الإِْثْبَاتِ الْمُقَرَّرَةِ فِقْهًا، وَيَنُصُّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِإِقْرَارِ الْمُحَال بِثُبُوتِهِ.

стр. 11017

وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل مَدِينًا لِلْمُحَال. وَإِلاَّ كَانَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى مَدِينٍ وَكَالَةً بِالْقَبْضِ، أَوْ هِبَةَ دَيْنٍ، أَوْ بَيْعَ دَيْنٍ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْهِبَةُ وَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلاَنِ عِنْدَهُمْ (١) . ثَانِيًا: الْمُحَال وَشَرَائِطُهُ: ٥٩ - يَشْتَرِطُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) فِي الْمُحَال لاِنْعِقَادِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، لأَِنَّ قَبُولَهُ الْحَوَالَةَ شَرِيطَةٌ أَوْ رُكْنٌ فِيهَا، وَغَيْرُ الْعَاقِل لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقَبُول، فَلاَ يَصِحُّ احْتِيَال مَجْنُونٍ وَلاَ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ. وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَابِلَةُ لِهَذَا الشَّرْطِ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَشْتَرِطُونَ رِضَا الْمُحَال - إِلاَّ عَلَى احْتِمَالٍ ضَعِيفٍ لَهُمْ - بَل الْمُحَال عِنْدَهُمْ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُول إِذَا أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ (٢) . ثَالِثًا: الْمُحَال عَلَيْهِ وَشَرَائِطُهُ: ٦٠ - أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ عَلَى الأَْصَحِّ - عَنْ

стр. 11018

عَقْدِ الْحَوَالَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ مُنْكِرِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ - وَإِذَنْ فَلَيْسَ يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشَّرَائِطِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْحَنَفِيَّةُ سِوَى مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ، لأَِنَّهُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ إِلاَّ مَحَل اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ كَالدَّارِ يَكُونُ فِيهَا الْمَتَاعُ، أَوِ الْكِيسِ تَكُونُ فِيهِ النُّقُودُ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا بِأَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ الْكَامِلَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَتَوَافَرَ فِيهِ الصِّفَتَانِ التَّالِيَتَانِ: الأُْولَى: الأَْهْلِيَّةُ: ٦١ - أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمُحَال، فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى مَجْنُونٍ أَوْ صَبِيٍّ لاَ تَمْيِيزَ لَهُ. كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، فَلاَ يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ قَبُولُهَا بِحَالٍ، قِيَاسًا عَلَى الْكَفَالَةِ، وَمَا دَامَ لَيْسَ فِي ذِمَّتِهِ وَلاَ عِنْدَهُ لِلْمُحِيل مَا يَفِي بِالدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ، لأَِنَّ قَبُول هَذِهِ الْحَوَالَةِ حِينَئِذٍ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً، إِنْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ بِأَمْرِ الْمُحِيل، وَتَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً إِنْ لَمْ تَكُنْ بِأَمْرِهِ، إِذْ لاَ يَمْلِكُ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الأَْخِيرَةِ، سَوَاءٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَكَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ أَمْ غَيْرَ مَأْذُونٍ، بَل وَسَوَاءٌ قَبُولُهُ بِنَفْسِهِ وَقَبُول وَلِيِّهِ لَهُ، لأَِنَّهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ، فَلاَ يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ. وَالتَّقْيِيدُ - بِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي ذِمَّتِهِ وَلاَ عِنْدَهُ لِلْمُحِيل مَا يَكْفِي - لَيْسَ فِي كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ. وَلَكِنَّ ابْنَ عَابِدِينَ اسْتَظْهَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ

стр. 11019

عَلَى الْبَحْرِ فَإِذَا اخْتَل هَذَا الْقَيْدُ - بِأَنْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ عِنْدَهُ لِلْمُحِيل مَا يَكْفِي سَدَادَ دَيْنِهِ - فَيَنْبَغِي أَلاَّ يُشْتَرَطَ بُلُوغُهُ لأَِصْل انْعِقَادِ الْحَوَالَةِ، بَل لِنَفَاذِهَا، فَتَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ وَلِيِّهِ إِنْ كَانَ دُونَ الْبُلُوغِ. وَعِنْدَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ شَرِيطَةُ الْبُلُوغِ هَذِهِ شَرِيطَةَ نَفَاذٍ مَطْلُوبَةً فِي الْمُحَال عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، لأَِنَّ فِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ انْتِهَاءً، حَيْثُ يُقْضَى فِيهَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ بِطَرِيقِ التَّقَاصِّ، فَتَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ إِجَازَتِهِ. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُطْلَقَةً فَإِنَّ بُلُوغَ الْمُحَال عَلَيْهِ عِنْدَئِذٍ شَرِيطَةُ انْعِقَادٍ لاَ بُدَّ مِنْهَا، لأَِنَّهَا كَمَا قَال صَاحِبُ الْبَحْرِ هُنَا: إِنْ كَانَتْ بِأَمْرِ الْمُحِيل كَانَتْ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً، مُعَاوَضَةً انْتِهَاءً، وَإِنْ كَانَتْ بِدُونِ أَمْرِهِ كَانَتْ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فَهِيَ مِنَ الْمَضَارِّ الَّتِي لاَ يَمْلِكُهَا عَلَى الصَّغِيرِ وَلِيُّهُ كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، فَلاَ تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْبَالِغِ وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ إِجَازَتِهِ. وَكَوْنُ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدِينًا لِلْمُحِيل أَوْ عِنْدَهُ مَالٌ لَهُ لاَ يَمْنَعُ إِطْلاَقَ الْحَوَالَةِ دُونَ ارْتِبَاطِهَا بِالدَّيْنِ أَوِ الْمَال الَّذِي لِلْمُحِيل عِنْدَهُ، إِلاَّ أَنْ يُقَال: إِنَّهَا عِنْدَئِذٍ تُعْقَدُ مُقَيَّدَةً حُكْمًا بِهَذَا الْمَال أَوِ الدَّيْنِ وَلَوْ صَدَرَتْ بِصِيغَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً

стр. 11020

عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ، فَلْيُتَأَمَّل (١) . الثَّانِيَةُ: قُدْرَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ بِهِ: ٦٢ - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَنْفِيذِ الْحَوَالَةِ، فَلَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ مُقَيَّدَةً بِشَرْطِ الإِْعْطَاءِ مِنْ ثَمَنِ دَارِ الْمُحِيل، فَهِيَ حَوَالَةٌ فَاسِدَةٌ، لأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِ دَارٍ لَيْسَتْ لَهُ. فَإِنْ كَانَ ثَمَّ إِذْنٌ سَابِقٌ مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ بِبَيْعِهَا صَحَّتِ الْحَوَالَةُ، لاِنْتِفَاءِ الْمَانِعِ، لَكِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ وُجُوبُ الأَْدَاءِ فِي الْحَوَالَةِ مُتَوَقِّفًا عَلَيْهِ، فَإِذَا بَاعَ الدَّارَ مُخْتَارًا يُجْبَرُ عَلَى الأَْدَاءِ، كَمَا لَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ إِلَى الْحَصَادِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى الأَْدَاءِ قَبْلَهُ. وَكَذَا لَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْ ثَمَنِ دَارِهِ هُوَ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى الأَْدَاءِ حَتَّى يَبِيعَ مُخْتَارًا، لَكِنْ إِنْ شَرَطَ قِيَامَهُ بِهَذَا الْبَيْعِ فِي صُلْبِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ، قِيَاسًا عَلَى الرَّهْنِ، إِذَا شَرَطَ فِيهِ بَيْعَ الْمَرْهُونِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَفَاءِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ شَرْطًا مُلْزَمًا، لاَ يَمْلِكُ الرَّاهِنُ الرُّجُوعَ فِيهِ. هَكَذَا جَمَعَ صَاحِبُ الظَّهِيرِيَّةِ بَيْنَ قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) إِطْلاَقُ الإِْجْبَارِ، (وَالثَّانِي) إِطْلاَقُ عَدَمِهِ، فَحُمِل الأَْوَّل عَلَى حَالَةِ الاِشْتِرَاطِ، وَالثَّانِي عَلَى عَدَمِهِ (٢) .

стр. 11021

مَلاَءَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ: ٦٣ - لَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ، وَلاَ الشَّافِعِيَّةُ، مَلاَءَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ حَقَّ الْمُحْتَال يَتَحَوَّل عَلَى الْمُحَال، بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ، وَإِنْ أَفْلَسَ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ جَحَدَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوَالَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَلَسُ سَابِقًا عَلَى عَقْدِ الْحَوَالَةِ، أَوْ طَارِئًا عَلَيْهَا إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ الْمُحِيل وَحْدَهُ بِإِفْلاَسِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُحَال لاَ يَتَحَوَّل عَلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَلاَ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحِيل بِذَلِكَ. وَيَرَى الرَّهُونِيُّ اشْتِرَاطَ مَلاَءَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ لِلُزُومِ الْحَوَالَةِ إِذَا لَمْ يَرْضَ الْمُحَال بِالْحَوَالَةِ. وَيَرَى الْخَرَشِيُّ بُطْلاَنَ الْحَوَالَةِ فِي حَالَةِ جَهْل الْمُحَال عَدَمَ مَلاَءَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَعِلْمِ الْمُحِيل ذَلِكَ. أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَشْتَرِطُونَ مَلاَءَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ لِلُزُومِ الْحَوَالَةِ إِذَا لَمْ يَرْضَ الْمُحَال بِالْحَوَالَةِ، عَلَى مُعْتَمَدِ الْحَنَابِلَةِ، أَوْ إِذَا جَهِل حَال الْمُحَال عَلَيْهِ، عَلَى رِوَايَةٍ عِنْدَهُمْ، وَيَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَبِل الْحَوَالَةَ عَلَى مَلِيءٍ بَعْدَمَا أَفْلَسَ (١) كَانَ رِضَاهُ

стр. 11022

مَعِيبًا فَلاَ يُعْتَبَرُ، بَل يَحِقُّ لَهُ فَسْخُ الْحَوَالَةِ. وَقَدِ اعْتَبَرَ أَحْمَدُ فِي الْمَلِيءِ الَّذِي يَجِبُ قَبُول الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ مَلاَءَتَهُ بِمَالِهِ، وَبِقَوْلِهِ، وَبِبَدَنِهِ، أَيْ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ، غَيْرَ جَاحِدٍ، وَلاَ مُمَاطِلٍ، كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ، وَكَمَا فَهِمَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي. وَلَكِنْ مُتَأَخِّرِي الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ الْمَلاَءَةَ بِالْقَوْل تَعْنِي عَدَمَ الْجَحْدِ وَعَدَمَ الْمُمَاطَلَةِ، وَيُفَسِّرُونَ الْمَلاَءَةَ بِالْبَدَنِ بِإِمْكَانِ إِحْضَارِ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ. وَلِذَا لاَ يَجِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُحَال قَبُول الْحَوَالَةِ عَلَى أَبِيهِ، دُونَ رِضَاهُ، وَلاَ عَلَى مَنْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ إِحْضَارُهُمَا إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَبِالتَّالِي لاَ يُجْبَرُ الْمُحَال عَلَى هَذَا الْقَبُول. وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ أَنْ تَكُونَ نَاجِزَةً، فَذُو الْمَال الَّذِي لاَ تَصِل إِلَيْهِ يَدُهُ الآْنَ لأَِمْرٍ مَا، هُوَ مَلِيءٌ مَا دَامَ عَلَى مَا سَبَقَ وَصْفُهُ (١) . ٦٤ - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ إِذَا كَانَ الْمُحَال وَلِيُّ قَاصِرٍ كَوَصِيِّ يَتِيمٍ، أَوْ كَانَ صَغِيرًا مُمَيِّزًا، أَجَازَ وَلِيُّهُ الإِْحَالَةَ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُحَال عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَمْلأََ مِنَ الْمَدِينِ الأَْوَّل صِيَانَةً لِحَقِّ الصَّغِيرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وَالصَّغِيرُ بِمَثَابَةِ

стр. 11023

الْيَتِيمِ. لَكِنَّ ابْنَ عَابِدِينَ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الْبَحْرِ نَقَل نُصُوصًا مَذْهَبِيَّةً تُنَافِيهِ: وَذَلِكَ إِذْ يَقُول - نَقْلاً عَنْ كِتَابِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ - (ذَكَرَ فَخْرُ الدِّينِ فِي بُيُوعِ فَتَاوَاهُ: الأَْبُ وَالْوَصِيُّ إِذْ قَبِلاَ الْحَوَالَةَ عَلَى شَخْصٍ دُونَ الْمُحِيل فِي الْمَلاَءَةِ) - إِنْ وَجَبَ - أَيِ الدَّيْنُ - بِعَقْدِهِمَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِعَقْدِهِمَا (كَالإِْرْثِ) لاَ يَصِحُّ فِي قَوْلِهِمْ. وَذَكَرَ صَدْرُ الإِْسْلاَمِ أَبُو الْيُسْرِ فِي بَابِ الْخُلْعِ مِنَ الْمَبْسُوطِ - فِي حِيلَةِ هِبَةِ صَدَاقِ الصَّغِيرَةِ - أَنَّ الأَْبَ يَحْتَال عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا، فَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الزَّوْجِ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَلَوْ كَانَ الأَْبُ مِثْل الزَّوْجِ فِي الْمَلاَءَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ أَيْضًا، وَقَدِ اكْتَفَى ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الْبَحْرِ بِحِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْمَلاَءَةِ (١) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِصِحَّةِ احْتِيَال وَلِيِّ الْقَاصِرِ بِشَرِيطَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنْ تَقْتَضِيَ ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الْقَاصِرِ نَفْسِهِ، أَخْذًا مِنْ نَصِّ التَّنْزِيل الْحَكِيمِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ

стр. 11024

خَيْرٌ﴾ (١) دُونَ تَقْيِيدٍ بِأَيِّ قَيْدٍ آخَرَ. وَلِذَا أَبْطَلُوا احْتِيَالَهُ عَلَى مُفْلِسٍ، عَلِمَ إِفْلاَسَهُ أَمْ جَهِل، وَاحْتِيَالُهُ بِدَيْنٍ مُوَثَّقٍ عَلَيْهِ بِرَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ، لِمَا فِي انْفِكَاكِ الْوَثِيقَةِ مِنَ الضَّرَرِ الْبَيِّنِ. وَقَدْ سُئِل السُّيُوطِيُّ عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَمَاتَ الدَّائِنُ وَلَهُ وَرَثَةٌ، فَأَخَذَ الأَْوْصِيَاءُ مِنَ الْمَدِينِ بَعْضَ الدَّيْنِ، وَأَحَالَهُمْ عَلَى آخَرَ بِالْبَاقِي، فَقَبِلُوا الْحَوَالَةَ وَضَمِنَ لَهُمْ آخَرُ فَمَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَهَل لَهُمُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل أَمْ لاَ؟ فَأَجَابَ - يُطَالِبُونَ الضَّامِنَ وَتَرِكَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ - فَإِنْ تَبَيَّنَ إِفْلاَسُهُمَا تَبَيَّنَ فَسَادُ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّهَا لَمْ تَقَعْ عَلَى وَفْقِ الْمَصْلَحَةِ لِلأَْيْتَامِ، فَيَرْجِعُونَ عَلَى الْمُحِيل ". (٢) وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل بِمَال الْيَتِيمِ فَقِيرًا، أَوْ مُمَاطِلاً، أَوْ مَخُوفَ الاِمْتِنَاعِ بِسَطْوَةٍ، أَوْ هَرَبَ أَوْ سَيِّئَ الْقَضَاءِ عَلَى أَيَّةِ صُورَةٍ، وَالْمُحَال عَلَيْهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَتَكُونُ الْحَوَالَةُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ. إِمْكَانُ إِحْضَارِ الْمُحَال عَلَيْهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ: ٦٥ - تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الشَّرِيطَةِ الْحَنَابِلَةُ، وَقَدْ فَسَّرَ الزَّرْكَشِيُّ (فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ) الْقُدْرَةَ بِالْبَدَنِ - فِي صَدَدِ بَحْثِ الْمَلِيءِ الَّذِي يُجْبَرُ الْمُحَال عَلَى إِتْبَاعِهِ -

стр. 11025

بِإِمْكَانِ حُضُورِهِ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ: أ - فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ أَنْ يُحِيل وَلَدٌ عَلَى أَبِيهِ إِلاَّ بِرِضَا الأَْبِ، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ طَلَبَ أَبِيهِ. قَال ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الأَْصْحَابِ. وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ عَلَى أُمِّهِ وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهَا. ب - كَمَا لاَ يُلْزَمُ بِقَبُول الْحَوَالَةِ عَلَى أَبِيهِ (أَيْ أَبِ الْمُحَال) . ج - وَلاَ يَلْزَمُ الْمُحَال بِقَبُول الْحَوَالَةِ عَلَى مَنْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ. د - وَلاَ يُلْزَمُ الْمُحَال كَذَلِكَ بِقَبُول الْحَوَالَةِ عَلَى ذِي شَوْكَةٍ (١) . مَدْيُونِيَّةُ الْمُحَال عَلَيْهِ لِلْمُحِيل عِنْدَ مَنْ لاَ يُجِيزُ الْحَوَالَةَ الْمُطْلَقَةَ: ٦٦ - لاَ يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ، لإِِجَازَتِهِمِ الْحَوَالَةَ الْمُطْلَقَةَ، وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الأَْصْل مَا نَقَلُوهُ فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنِ الْمُحِيطِ وَنَصُّهُ: لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا بَاعَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ إِنَّ الْبَائِعَ أَحَال مُسْلِمًا عَلَى الْمُشْتَرِي حَوَالَةً مُقَيَّدَةً - بِأَنْ قَال: أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِالأَْلْفِ الَّتِي لِي عَلَيْكَ - ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَقَال الْمُحَال عَلَيْهِ (وَهُوَ الْمُشْتَرِي) : الأَْلْفُ كَانَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، وَقَال الْمُحِيل (وَهُوَ الْبَائِعُ) : كَانَ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ، فَالْقَوْل قَوْل الْبَائِعِ الْمُحِيل، فَإِنْ أَقَامَ

стр. 11026

الْمُحَال عَلَيْهِ بَيِّنَةً عَلَى الْمُحِيل بِذَلِكَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ. وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً بَل كَانَتْ مُطْلَقَةً - بِأَنْ قَال الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ - لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ، وَإِنْ أَثْبَتَ الْمُشْتَرَى عَلَى الْمُحِيل أَنَّ الأَْلْفَ الَّتِي عَلَيْهِ كَانَتْ ثَمَنَ خَمْرٍ. أَمَّا غَيْرُ الْقَائِلِينَ بِالْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ فَيَشْتَرِطُونَ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَدِينًا لِلْمُحِيل بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ (١) . ٦٧ - وَالَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ مَدْيَنٌ تَظَل ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً بِدَيْنِهِ حَتَّى يُؤَدَّى عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ لاَ يَسْقُطُ دَيْنُهُ مِنْ ذِمَّتِهِ مَا لَمْ يَتَبَرَّعْ مُتَبَرِّعٌ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِدَائِنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُحِيل بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ، لاَ عَلَى تَرِكَتِهِ، لأَِنَّهَا مِنْ نَاحِيَةٍ لَيْسَتْ شَخْصًا، وَلاَ تَحَقُّقَ لِلْحَوَالَةِ إِلاَّ عَلَى شَخْصٍ يُسَمَّى مُحَالاً عَلَيْهِ، وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى هِيَ إِمَّا عَيْنٌ، وَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى عَيْنٍ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِمَّا دَيْنٌ لَهُ وَهَذَا يَنْتَقِل لِلْوَارِثِ، وَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ مِمَّا وَرِثَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. أَمَّا الأَْصْل الْمُقَرَّرُ مِنْ أَنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ تَخْرَبُ بِمَوْتِهِ - أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: إِنَّ الْمَيِّتَ لاَ ذِمَّةَ لَهُ - فَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْتَقْبَل، لاَ الْمَاضِي. هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ.

стр. 11027

وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَدَيْنُ الْمُحِيل أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَيْنَ حَوَالَةٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا (ر: ف ٥٨) . وَمِثْلُهُ فِي هَذَا التَّعْمِيمِ الدَّيْنُ الَّذِي يُحَال عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ. وَمِنَ الْمَسَائِل الْوَارِدَةِ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الأَْصْل: مَا إِذَا أَقْرَضَ شَخْصٌ اثْنَيْنِ مِائَةَ دِينَارٍ - عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسُونَ - وَتَضَامَنَا، ثُمَّ أَحَال عَلَى أَحَدِهِمَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا، هَل تَنْصَرِفُ الْحَوَالَةُ إِلَى الْخَمْسِينَ الأَْصْلِيَّةِ الَّتِي عَلَيْهِ - حَتَّى يَنْفَكَّ رَهْنُهَا إِنْ كَانَ فِيهَا رَهْنٌ - أَمْ تُوَزَّعُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْخَمْسِينَ الأُْخْرَى الَّتِي ضَمِنَهَا عَنْ رَفِيقِهِ، أَمْ يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَةِ الْمُحِيل؟ رَجَّحُوا الرُّجُوعَ إِلَى إِرَادَةِ الْمُحِيل، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ، كَانَ بِالْخِيَارِ يَصْرِفُهَا إِلَى مَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ بِإِرَادَةٍ جَدِيدَةٍ مُحْدَثَةٍ، هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ (١) . مَحَل الْحَوَالَةِ وَشَرَائِطُهُ (الْمَال الْمُحَال بِهِ وَالْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ) : يَتَفَرَّعُ الْكَلاَمُ فِي نَوْعِيَّةِ الْمَال الْمُحَال بِهِ وَالْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

стр. 11028

١ - حَوَالَةُ الدَّيْنِ. ٢ - حَوَالَةُ الْعَيْنِ. ٣ - حَوَالَةُ الْمَنْفَعَةِ. ٤ - حَوَالَةُ الْحَقِّ. أَوَّلاً: حَوَالَةُ الدَّيْنِ: ٦٨ - لاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَال الْمُحَال بِهِ دَيْنًا. وَكَذَلِكَ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ - عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ وُجُودَهُ - فَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا. ثَانِيًا: حَوَالَةُ الْعَيْنِ: ٦٩ - الْحَوَالَةُ بِعَيْنٍ - مُطْلَقَةً كَانَتْ أَوْ مُقَيَّدَةً - لاَ تَصِحُّ، إِذْ لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهَا النَّقْل الْحُكْمِيُّ. أَمَّا الْحَوَالَةُ عَلَى الْعَيْنِ - أَيْ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ - أَيًّا كَانَ نَوْعُ الْعَيْنِ، فَلاَ تُعْرَفُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ. إِذْ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ جَمِيعًا شَارِطُونَ فِي الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا. فَالْعَيْنُ لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَمَانَةً أَمْ مَضْمُونَةً، كَوَدِيعَةٍ، وَمَالٍ مُضَارَبَةً أَوْ شَرِكَةً، وَمَرْهُونٍ بَعْدَ فِكَاكِهِ، وَمَوْرُوثٍ، وَبَاقٍ فِي يَدِ وَلِيٍّ بَعْدَ رَفْعِ الْحَجْرِ عَنْ قَاصِرِهِ، وَعَارِيَّةٍ، وَمَغْصُوبٍ، وَمَأْخُوذٍ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (١) .

стр. 11029

ثَالِثًا: حَوَالَةُ الْمَنْفَعَةِ: ٧٠ - لاَ تَصِحُّ كَذَلِكَ، إِذِ الْمَنْفَعَةُ كَالْعَيْنِ، لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهَا النَّقْل الْحُكْمِيُّ. أَمَّا الْحَوَالَةُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ نَجِدْ فِي نُصُوصِ الْفُقَهَاءِ مَا يُشْعِرُ بِجَوَازِ كَوْنِهَا مَالاً مُحَالاً عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَنَافِعِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا إِنْسَانٌ بِسَبَبٍ مَا، إِنَّمَا تُسْتَوْفَى شَخْصِيًّا مِنْ قِبَل صَاحِبِهَا، وَهِيَ دَائِمًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ. رَابِعًا: حَوَالَةُ الْحَقِّ: لاَ تَصِحُّ كَذَلِكَ حَوَالَةُ الْحَقِّ. وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِدَيْنٍ (١) . شَرَائِطُ الْمَال الْمُحَال بِهِ وَالْمُحَال عَلَيْهِ: أَوَّلاً: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ لاَزِمًا: ٧١ - يُشْتَرَطُ فِي الْمَال الْمُحَال بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا لاَزِمًا. قِيَاسًا عَلَى الْكَفَالَةِ: بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ عَقْدُ الْتِزَامٍ بِمَا عَلَى مَدِينٍ. فَالأَْصْل أَنَّ كُل دَيْنٍ تَصِحُّ بِهِ الْكَفَالَةُ تَصِحُّ بِهِ الْحَوَالَةُ وَمَا لاَ فَلاَ. وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَلاَّ تَصِحَّ حَوَالَةُ الزَّوْجَةِ بِنَفَقَتِهَا الْمَفْرُوضَةِ - بِالْقَضَاءِ أَوْ بِالتَّرَاضِي - غَيْرِ الْمُسْتَدَانَةِ، لأَِنَّهَا دَيْنٌ ضَعِيفٌ يَسْقُطُ بِالطَّلاَقِ

стр. 11030

وَبِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ. لَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى صِحَّةِ الْكَفَالَةِ بِهَا اسْتِحْسَانًا. وَمِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ كُل دَيْنٍ تَصِحُّ كَفَالَتُهُ تَصِحُّ حَوَالَتُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ مَجْهُولاً. وَإِذَنْ فَتَصِحُّ حَوَالَةُ دَيْنِ النَّفَقَةِ هَذَا، بَل تَصِحُّ بِالنَّفَقَةِ غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ - رَغْمَ أَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ شَهْرٍ - إِذَا تَمَّتِ الْحَوَالَةُ قَبْل سُقُوطِهَا، وَإِلاَّ فَلاَ تَصِحُّ، لأَِنَّهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا فِي الْكَفَالَةِ بِهَا، وَأَوَّلُوا بِهِ قَوْل مَنْ نَفَى صِحَّةَ الْكَفَالَةِ بِهَا، مُعَلِّلاً بِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَيْنًا أَصْلاً. أَمَّا مَهْرُ الزَّوْجَةِ فَدَيْنٌ قَوِيٌّ صَحِيحٌ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لاَ يَنْقَطِعُ اسْتِمْرَارُ وُجُوبِهِ إِلاَّ بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ مَا يُبْطِل حُكْمَ الْعَقْدِ نَفْسِهِ، كَالطَّلاَقِ الْمُنَصِّفِ لِلْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِالْمَهْرِ بِلاَ نِزَاعٍ (١) . وَأَمَّا دَيْنُ الزَّكَاةِ فَلَيْسَ دَيْنًا حَقِيقَةً بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ مِنْ كُل وَجْهٍ - وَلِذَا لاَ يُسْتَوْفَى مِنْ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى - فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا غَيْرُهُمْ فَلاَ يَشْتَرِطُونَ اللُّزُومَ بِإِطْلاَقِ الْفُقَهَاءِ عَدَا الْمَالِكِيَّةَ، وَبَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضَ الْحَنَابِلَةِ. وَمِمَّا فَرَّعَهُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى اشْتِرَاطِ اللُّزُومِ أَنَّ الْحَوَالَةَ لاَ تَصِحُّ بِالدَّيْنِ الَّذِي يَسْتَدِينُهُ صَبِيٌّ أَوْ
следующие страницы →