← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

الْمُحَال عَلَيْهِ بَيِّنَةً عَلَى الْمُحِيل بِذَلِكَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ. وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً بَل كَانَتْ مُطْلَقَةً - بِأَنْ قَال الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ - لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ، وَإِنْ أَثْبَتَ الْمُشْتَرَى عَلَى الْمُحِيل أَنَّ الأَْلْفَ الَّتِي عَلَيْهِ كَانَتْ ثَمَنَ خَمْرٍ. أَمَّا غَيْرُ الْقَائِلِينَ بِالْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ فَيَشْتَرِطُونَ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَدِينًا لِلْمُحِيل بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ (١) . ٦٧ - وَالَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ مَدْيَنٌ تَظَل ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً بِدَيْنِهِ حَتَّى يُؤَدَّى عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ لاَ يَسْقُطُ دَيْنُهُ مِنْ ذِمَّتِهِ مَا لَمْ يَتَبَرَّعْ مُتَبَرِّعٌ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِدَائِنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُحِيل بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ، لاَ عَلَى تَرِكَتِهِ، لأَِنَّهَا مِنْ نَاحِيَةٍ لَيْسَتْ شَخْصًا، وَلاَ تَحَقُّقَ لِلْحَوَالَةِ إِلاَّ عَلَى شَخْصٍ يُسَمَّى مُحَالاً عَلَيْهِ، وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى هِيَ إِمَّا عَيْنٌ، وَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى عَيْنٍ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِمَّا دَيْنٌ لَهُ وَهَذَا يَنْتَقِل لِلْوَارِثِ، وَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ مِمَّا وَرِثَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. أَمَّا الأَْصْل الْمُقَرَّرُ مِنْ أَنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ تَخْرَبُ بِمَوْتِهِ - أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: إِنَّ الْمَيِّتَ لاَ ذِمَّةَ لَهُ - فَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْتَقْبَل، لاَ الْمَاضِي. هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ.

стр. 11027

وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَدَيْنُ الْمُحِيل أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَيْنَ حَوَالَةٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا (ر: ف ٥٨) . وَمِثْلُهُ فِي هَذَا التَّعْمِيمِ الدَّيْنُ الَّذِي يُحَال عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ. وَمِنَ الْمَسَائِل الْوَارِدَةِ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الأَْصْل: مَا إِذَا أَقْرَضَ شَخْصٌ اثْنَيْنِ مِائَةَ دِينَارٍ - عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسُونَ - وَتَضَامَنَا، ثُمَّ أَحَال عَلَى أَحَدِهِمَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا، هَل تَنْصَرِفُ الْحَوَالَةُ إِلَى الْخَمْسِينَ الأَْصْلِيَّةِ الَّتِي عَلَيْهِ - حَتَّى يَنْفَكَّ رَهْنُهَا إِنْ كَانَ فِيهَا رَهْنٌ - أَمْ تُوَزَّعُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْخَمْسِينَ الأُْخْرَى الَّتِي ضَمِنَهَا عَنْ رَفِيقِهِ، أَمْ يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَةِ الْمُحِيل؟ رَجَّحُوا الرُّجُوعَ إِلَى إِرَادَةِ الْمُحِيل، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ، كَانَ بِالْخِيَارِ يَصْرِفُهَا إِلَى مَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ بِإِرَادَةٍ جَدِيدَةٍ مُحْدَثَةٍ، هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ (١) . مَحَل الْحَوَالَةِ وَشَرَائِطُهُ (الْمَال الْمُحَال بِهِ وَالْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ) : يَتَفَرَّعُ الْكَلاَمُ فِي نَوْعِيَّةِ الْمَال الْمُحَال بِهِ وَالْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

стр. 11028

١ - حَوَالَةُ الدَّيْنِ. ٢ - حَوَالَةُ الْعَيْنِ. ٣ - حَوَالَةُ الْمَنْفَعَةِ. ٤ - حَوَالَةُ الْحَقِّ. أَوَّلاً: حَوَالَةُ الدَّيْنِ: ٦٨ - لاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَال الْمُحَال بِهِ دَيْنًا. وَكَذَلِكَ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ - عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ وُجُودَهُ - فَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا. ثَانِيًا: حَوَالَةُ الْعَيْنِ: ٦٩ - الْحَوَالَةُ بِعَيْنٍ - مُطْلَقَةً كَانَتْ أَوْ مُقَيَّدَةً - لاَ تَصِحُّ، إِذْ لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهَا النَّقْل الْحُكْمِيُّ. أَمَّا الْحَوَالَةُ عَلَى الْعَيْنِ - أَيْ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ - أَيًّا كَانَ نَوْعُ الْعَيْنِ، فَلاَ تُعْرَفُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ. إِذْ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ جَمِيعًا شَارِطُونَ فِي الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا. فَالْعَيْنُ لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَمَانَةً أَمْ مَضْمُونَةً، كَوَدِيعَةٍ، وَمَالٍ مُضَارَبَةً أَوْ شَرِكَةً، وَمَرْهُونٍ بَعْدَ فِكَاكِهِ، وَمَوْرُوثٍ، وَبَاقٍ فِي يَدِ وَلِيٍّ بَعْدَ رَفْعِ الْحَجْرِ عَنْ قَاصِرِهِ، وَعَارِيَّةٍ، وَمَغْصُوبٍ، وَمَأْخُوذٍ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (١) .

стр. 11029

ثَالِثًا: حَوَالَةُ الْمَنْفَعَةِ: ٧٠ - لاَ تَصِحُّ كَذَلِكَ، إِذِ الْمَنْفَعَةُ كَالْعَيْنِ، لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهَا النَّقْل الْحُكْمِيُّ. أَمَّا الْحَوَالَةُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ نَجِدْ فِي نُصُوصِ الْفُقَهَاءِ مَا يُشْعِرُ بِجَوَازِ كَوْنِهَا مَالاً مُحَالاً عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَنَافِعِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا إِنْسَانٌ بِسَبَبٍ مَا، إِنَّمَا تُسْتَوْفَى شَخْصِيًّا مِنْ قِبَل صَاحِبِهَا، وَهِيَ دَائِمًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ. رَابِعًا: حَوَالَةُ الْحَقِّ: لاَ تَصِحُّ كَذَلِكَ حَوَالَةُ الْحَقِّ. وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِدَيْنٍ (١) . شَرَائِطُ الْمَال الْمُحَال بِهِ وَالْمُحَال عَلَيْهِ: أَوَّلاً: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ لاَزِمًا: ٧١ - يُشْتَرَطُ فِي الْمَال الْمُحَال بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا لاَزِمًا. قِيَاسًا عَلَى الْكَفَالَةِ: بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ عَقْدُ الْتِزَامٍ بِمَا عَلَى مَدِينٍ. فَالأَْصْل أَنَّ كُل دَيْنٍ تَصِحُّ بِهِ الْكَفَالَةُ تَصِحُّ بِهِ الْحَوَالَةُ وَمَا لاَ فَلاَ. وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَلاَّ تَصِحَّ حَوَالَةُ الزَّوْجَةِ بِنَفَقَتِهَا الْمَفْرُوضَةِ - بِالْقَضَاءِ أَوْ بِالتَّرَاضِي - غَيْرِ الْمُسْتَدَانَةِ، لأَِنَّهَا دَيْنٌ ضَعِيفٌ يَسْقُطُ بِالطَّلاَقِ

стр. 11030

وَبِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ. لَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى صِحَّةِ الْكَفَالَةِ بِهَا اسْتِحْسَانًا. وَمِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ كُل دَيْنٍ تَصِحُّ كَفَالَتُهُ تَصِحُّ حَوَالَتُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ مَجْهُولاً. وَإِذَنْ فَتَصِحُّ حَوَالَةُ دَيْنِ النَّفَقَةِ هَذَا، بَل تَصِحُّ بِالنَّفَقَةِ غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ - رَغْمَ أَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ شَهْرٍ - إِذَا تَمَّتِ الْحَوَالَةُ قَبْل سُقُوطِهَا، وَإِلاَّ فَلاَ تَصِحُّ، لأَِنَّهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا فِي الْكَفَالَةِ بِهَا، وَأَوَّلُوا بِهِ قَوْل مَنْ نَفَى صِحَّةَ الْكَفَالَةِ بِهَا، مُعَلِّلاً بِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَيْنًا أَصْلاً. أَمَّا مَهْرُ الزَّوْجَةِ فَدَيْنٌ قَوِيٌّ صَحِيحٌ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لاَ يَنْقَطِعُ اسْتِمْرَارُ وُجُوبِهِ إِلاَّ بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ مَا يُبْطِل حُكْمَ الْعَقْدِ نَفْسِهِ، كَالطَّلاَقِ الْمُنَصِّفِ لِلْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِالْمَهْرِ بِلاَ نِزَاعٍ (١) . وَأَمَّا دَيْنُ الزَّكَاةِ فَلَيْسَ دَيْنًا حَقِيقَةً بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ مِنْ كُل وَجْهٍ - وَلِذَا لاَ يُسْتَوْفَى مِنْ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى - فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا غَيْرُهُمْ فَلاَ يَشْتَرِطُونَ اللُّزُومَ بِإِطْلاَقِ الْفُقَهَاءِ عَدَا الْمَالِكِيَّةَ، وَبَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضَ الْحَنَابِلَةِ. وَمِمَّا فَرَّعَهُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى اشْتِرَاطِ اللُّزُومِ أَنَّ الْحَوَالَةَ لاَ تَصِحُّ بِالدَّيْنِ الَّذِي يَسْتَدِينُهُ صَبِيٌّ أَوْ

стр. 11031

سَفِيهٌ وَيَصْرِفُهُ فِيمَا لَهُ عَنْهُ غِنًى، لأَِنَّ الْوَلِيَّ لاَ يُقِرُّهُ. وَالَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيَّةُ، أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ لاَزِمًا، أَوْ آيِلاً إِلَى اللُّزُومِ بِنَفْسِهِ: فَاللاَّزِمُ هُوَ الَّذِي لاَ خِيَارَ فِيهِ، وَالآْيِل إِلَى اللُّزُومِ كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْبَيْعِ لُزُومُ الثَّمَنِ، وَأَنَّ الْخِيَارَ عَارِضٌ فِي طَرِيقِ اللُّزُومِ، وَبِزَوَال الْعَارِضِ يَعُودُ الأَْصْل تِلْقَائِيًّا. ثُمَّ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ يَبْطُل خِيَارُ الطَّرَفَيْنِ، لأَِنَّ تَرَاضِيَهُمَا بِالْحَوَالَةِ إِجَازَةٌ لِلْعَقْدِ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ، وَلأَِنَّ بَقَاءَ الْخِيَارِ فِي الثَّمَنِ يُنَافِي اللُّزُومَ الَّذِي فِي طَبِيعَةِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ (١) . وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الْجُعْل الْمَشْرُوطَ لِلْعَامِل فِي الْجَعَالَةِ، لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَبْل تَمَامِ الْعَمَل، لأَِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ بَعْدُ، وَقَدْ لاَ يَلْزَمُ قَطُّ، ثُمَّ هُوَ إِذَا لَزِمَ فَلَيْسَ لُزُومُهُ بِنَفْسِهِ، بَل بِوَاسِطَةِ الْعَمَل. أَمَّا الْكَثْرَةُ الْغَالِبَةُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فَقَدْ جَرَوْا عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ أَصْلاً. وَلِذَا فَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِمَال الْكِتَابَةِ، وَبِجُعْل الْعَامِل فِي الْجَعَالَةِ حَتَّى قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل. وَمِنْهُمْ مَنْ يُضِيفُ إِيضَاحًا لِوِجْهَةِ نَظَرِهِمْ أَنَّ

стр. 11032

الْحَوَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَفَاءِ. وَكَذَلِكَ يُجِيزُونَ الْحَوَالَةَ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، بَل هَذَا أَوْلَى لأَِنَّهُ آيِلٌ إِلَى اللُّزُومِ (١) . ثَانِيًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ: أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ: ٧٢ - اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ صِحَّةَ الاِعْتِيَاضِ عَنِ الْمَال الْمُحَال بِهِ، وَرَأَوْا أَنَّهَا تُغْنِي عَنْ شَرِيطَةِ اللُّزُومِ أَوِ الأَْيْلُولَةِ إِلَيْهِ. فَمَا لاَ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ - كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَكُل مَبِيعٍ قَبْل قَبْضِهِ، وَدَيْنُ الزَّكَاةِ - لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ بِرَغْمِ لُزُومِهِ. وَالْمَالِكِيَّةُ، وَجَمَاهِيرُ الْحَنَابِلَةِ، يُصَرِّحُونَ بِهَذِهِ الْمُوَافَقَةِ، كُلٌّ عَلَى طَرِيقَتِهِ. وَمِمَّا يُسْتَدَل بِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الاِعْتِيَاضِ عَنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ ﷺ قَال: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلاَ يَصْرِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ (٢) لَكِنْ قَالُوا إِنَّ فِي إِسْنَادِهِ عَطِيَّةَ بْنَ سَعْدٍ الْعَوْفِيَّ، قَال

стр. 11033

الْمُنْذِرِيُّ: لاَ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَيُغْنِي عَنْهُ النَّهْيُ الثَّابِتُ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ (١) . وَقَدْ نَصَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ بِهِ أَيْضًا، إِذْ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ كُل دَيْنٍ صَحَّ ضَمَانُهُ صَحَّتْ حَوَالَتُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَجْهُولاً. وَصَرَّحَ بِهِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ تَنْزِيلاً لَهُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ لِصِحَّةِ الإِْبْرَاءِ مِنْهُ. لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَمُوَافِقِيهِمْ يُفَرِّقُونَ فِي دَيْنِ السَّلَمِ مِنْ حَيْثُ تَصْحِيحُهُمْ ضَمَانَهُ دُونَ الْحَوَالَةِ بِهِ بِأَنَّ دَيْنَ السَّلَمِ لاَ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَأَنَّ الْحَوَالَةَ اعْتِيَاضٌ، لأَِنَّهَا بَيْعٌ بِخِلاَفِ الضَّمَانِ. وَظَاهِرٌ أَنَّ كُل مَنْ يُجِيزُ أَخْذَ الْقِيمَةِ عَنِ الزَّكَاةِ، لاَ يُسَلِّمُ بِهَذَا التَّعْلِيل (عَدَمُ صِحَّةِ الاِعْتِيَاضِ) لِمَنْعِ الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ الزَّكَاةِ، فَالَّذِي لاَ يَرَى عِلَّةً مَانِعَةً أُخْرَى يُصَرِّحُ بِجَوَازِ الْحَوَالَةِ بِهِ. وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْفُسِهِمْ مَنْ يُصَرِّحُ أَيْضًا بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ الزَّكَاةِ، عَلَى أَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ لاَ بَيْعٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الثَّمَنَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ عِنْدَ كَثِيرِينَ، كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ،

стр. 11034

لأَِنَّ الْحَوَالَةَ مُتَسَامَحٌ فِيهَا اسْتِثْنَاءً لأَِنَّهَا إِرْفَاقٌ كَمَا تَقَدَّمَ (١) . ٧٣ - وَلاِعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ - خِلاَفًا لأَِشْهَبَ - عَلَى امْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنَانِ (الْمُحَال بِهِ وَالْمُحَال عَلَيْهِ) طَعَامَيْنِ مِنْ بَيْعِ (سَلَمٍ) . بَل هُمْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ فِي صِيَاغَةِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، لأَِنَّ الَّذِي يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ إِنَّمَا هُوَ طَعَامُ الْمُعَاوَضَةِ لاَ غَيْرَ (٢) . (وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنْ تَمْتَنِعَ عِنْدَهُمْ أَيْضًا الْحَوَالَةُ بِدَيْنٍ عَلَى دَيْنٍ، وَأَحَدُهُمَا طَعَامٌ مِنْ بَيْعٍ وَالآْخَرُ مِنْ قَرْضٍ) . وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ (٣) . وَقَدْ جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي الْبُيُوعِ، وَلَكِنَّهُ جَرَى هُنَا فِي الْحَوَالَةِ عَلَى عَدَمِ امْتِنَاعِ هَذِهِ الصُّورَةِ، مَتَى كَانَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ حَالًّا - كَمَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ عَدَا ابْنَ الْقَاسِمِ - رُكُونًا إِلَى قَوْل

стр. 11035

ابْنِ يُونُسَ: إِنَّ هَذَا هُوَ الأَْصْوَبُ، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الدَّيْنِ الآْخَرِ الَّذِي لَيْسَ بِطَعَامٍ مُعَاوَضَةً. أَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَلَمْ يُصَحِّحْهَا إِلاَّ بِشَرِيطَةِ حُلُول الدَّيْنَيْنِ كِلَيْهِمَا فَهُوَ تَنْزِيلٌ لِلْحُلُول مَنْزِلَةَ الْقَبْضِ (١) . ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ: ٧٤ - الَّذِينَ اشْتَرَطُوا صِحَّةَ الاِعْتِيَاضِ عَنِ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ هُمُ الَّذِينَ اشْتَرَطُوا مِثْلَهَا فِي الْمُحَال بِهِ، فَعَلَى مَا هُنَاكَ لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِرَأْسِ مَال السَّلَمِ، وَعَلَى مَا هُنَا لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ وَكَذَا الْمُسْلَمُ فِيهِ، وَكُل مَبِيعٍ قَبْل قَبْضِهِ، وَدَيْنُ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي كُلٍّ مِنْ دَيْنِ السَّلَمِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَرَأْسِ مَالِهِ وَجْهٌ بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ وَبِهِ (٢) . وَوَاضِحٌ بِنَاءُ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعٌ وَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ ذَلِكَ قَبْلاً (ر: ف ١١) . ثَالِثًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مُسْتَقِرًّا أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ: ٧٥ - الدَّيْنُ الْمُسْتَقِرُّ هُوَ الَّذِي لاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ انْفِسَاخٌ بِتَلَفِ مُقَابِلِهِ، أَوْ فَوَاتِهِ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ كَتَعَذُّرِ الْمَال الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي عَقْدِ السَّلَمِ.

стр. 11036

فَالْمَهْرُ قَبْل الدُّخُول وَقَبْل الْمَوْتِ، وَالأُْجْرَةُ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، أَوْ قَبْل مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَالثَّمَنُ قَبْل قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَمَا شَاكَل ذَلِكَ، كُلُّهَا دُيُونٌ لاَزِمَةٌ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهَا، وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ لأَِنَّهَا عُرْضَةٌ لِلسُّقُوطِ بِفَوَاتِ مُقَابِلِهَا، كَرِدَّةِ الزَّوْجَةِ، وَمَوْتِ الأَْجِيرِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَتَلَفِ الْمَبِيعِ فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهَا، وَبِالأَْوْلَى إِذَا اخْتَلَّتْ شَرِيطَةٌ أُخْرَى، كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لاِنْتِفَاءِ لُزُومِهِ. وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ يَجْزِمُ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا جُمْهُورَهُمْ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ الأَْشْهَرُ عِنْدَهُمْ (١) . ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ: ٧٦ - لَمْ يُصَرِّحْ بِاشْتِرَاطِ اسْتِقْرَارِهِ سِوَى الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا نَقْلاً عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ، وَفِي التَّفْرِيعِ عَلَى ذَلِكَ يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: (دَيْنُ السَّلَمِ لَيْسَ بِمُسْتَقَرٍّ، لِكَوْنِهِ بِعَرْضِ الْفَسْخِ، لاِنْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ) ثُمَّ يَقُول: (وَإِنْ أَحَالَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا بِصَدَاقِهَا قَبْل الدُّخُول لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَإِنْ أَحَالَهَا الزَّوْجُ بِهِ صَحَّ، لأَِنَّ لَهُ تَسْلِيمَهُ إِلَيْهَا، وَحَوَالَتُهُ بِهِ تَقُومُ مَقَامَ تَسْلِيمِهِ،

стр. 11037

وَإِنْ أَحَالَتْ بِهِ بَعْدَ الدُّخُول صَحَّ لأَِنَّهُ مُسْتَقِرٌّ، وَإِنْ أَحَال الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَصِحَّ فِي قِيَاسِ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي بِهِ صَحَّ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَفَاءِ، وَلَهُ الْوَفَاءُ قَبْل الاِسْتِقْرَارِ) . وَيُلْحَظُ هُنَا أَنَّ ابْنَ قُدَامَةَ فِي كَلاَمِهِ هَذَا يَجْرِي عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الدَّيْنِ غَيْرِ اللاَّزِمِ كَمَال الْكِتَابَةِ، وَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَبَيْنَ الدَّيْنِ اللاَّزِمِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرِّ كَدَيْنِ السَّلَمِ، وَالْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول، كَمَا أَنَّهُ جَرَى عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الاِسْتِقْرَارِ إِلاَّ فِي الدَّيْنِ الْمُحَال عَلَيْهِ دُونَ الْمُحَال بِهِ، فَصَحَّحَ إِحَالَةَ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ بِمَهْرِهَا قَبْل الدُّخُول، وَمَنَعَ الإِْحَالَةَ مِنْهَا عَلَيْهِ، لأَِنَّ لَهُ الإِْحَالَةَ بِهِ حَيْثُ يَصِحُّ مِنْهُ التَّسْلِيمُ. وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي الْحَنَابِلَةِ مَنْ يُنَازِعُ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، فَالْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي " الْمُحَرَّرِ " لَمْ يَسْتَثْنِ مِنَ الدُّيُونِ الَّتِي تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهَا وَعَلَيْهَا سِوَى دَيْنَ السَّلَمِ - فَمَنَعَ الْحَوَالَةَ بِهِ وَعَلَيْهِ - وَهَذَا الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مُنَازَعٌ فِي مَنْعِهِ عِنْدَهُمْ: فَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الإِْنْصَافِ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ السَّلَمِ وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا (١) . رَابِعًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ نَاشِئًا عَنْ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ: ٧٧ - وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ شَرِيطَةُ لُزُومٍ. فَالَّذِي يُخَالِعُ

стр. 11038

زَوْجَتَهُ عَلَى مَالٍ، ثُمَّ يُحِيل عَلَى هَذَا الْمَال، فَتَمُوتُ الزَّوْجَةُ وَلَوْ مُوسِرَةً قَبْل أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُحَال، أَوْ تُفْلِسُ - كَمَا اسْتَظْهَرُوهُ - يَكُونُ لِلْمُحَال الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ. هَذِهِ حَوَالَةٌ صَحِيحَةٌ وَلاَزِمَةٌ ابْتِدَاءً، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَتَحَوَّل عَنْ هَذَا اللُّزُومِ كَمَا رَأَيْنَا. هَكَذَا قَرَّرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (١) . خَامِسًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مَعْلُومًا: أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ: ٧٨ - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْمَعْلُومِيَّةَ وَذَلِكَ لِمَا فِي الْجَهَالَةِ مِنَ الْغَرَرِ الْمُفْسِدِ لِكُل مُعَاوَضَةٍ، وَالْحَوَالَةُ لاَ تَخْلُو مِنْ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، كَمَا سَلَفَ، فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِمَجْهُولٍ، كَالْحَوَالَةِ بِمَا سَيَثْبُتُ عَلَى فُلاَنٍ (٢) . وَلاَ نِزَاعَ فِي هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، سَوَاءٌ أَقُلْنَا: إِنَّ الْحَوَالَةَ اعْتِيَاضٌ، أَمْ قُلْنَا إِنَّهَا اسْتِيفَاءٌ، لأَِنَّ الْمَجْهُول يَمْتَنِعُ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، كَمَا يَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاؤُهُ وَإِيفَاؤُهُ لِمَا يُثِيرُهُ مِنْ نِزَاعٍ مُشْكِلٍ يَحْتَجُّ فِيهِ كُلٌّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ بِالْجَهَالَةِ

стр. 11039

احْتِجَاجًا مُتَعَادِلاً حَتَّى لَوْ كَانَتْ عَلَى شَخْصٍ مَا دُيُونٌ كَثِيرَةٌ لاَ يَعْلَمُ مِقْدَارَهَا، فَقَال لِدَائِنِهِ: أَحَلْتُكَ عَلَى فُلاَنٍ بِكُل مَا لَكَ عَلَيَّ، لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ. ٧٩ - وَكَثِيرُونَ يُحَدِّدُونَ بِوُضُوحٍ كَيْفَ يَكُونُ الْمَال مَعْلُومًا هُنَا. وَمِنْ هَؤُلاَءِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِذْ يَقُولُونَ: (كُل مَا لاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ) : فَهُمْ إِذَنْ يَشْرِطُونَ مَعْلُومِيَّةَ قَدْرِهِ كَمِائَةِ ثَوْبٍ، وَمَعْلُومِيَّةَ جِنْسِهِ، كَقُطْنٍ أَوْ صُوفٍ، وَمَعْلُومِيَّةَ صِفَاتِهِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِهَا الأَْغْرَاضُ اخْتِلاَفًا بَيِّنًا، أَيْ صِفَاتُهُ الضَّابِطَةُ، أَوْ كَمَا قَالُوا: (صِفَاتُهُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي السَّلَمِ) كَالطُّول وَالْعَرْضِ، وَالرِّقَّةِ، وَالصَّفَاقَةِ، وَالنُّعُومَةِ وَالْخُشُونَةِ، وَاللَّوْنِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ (١) . وَذَلِكَ يَعْنِي عَدَمَ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِإِبِل الدِّيَةِ، لأَِنَّهَا لاَ تُعْلَمُ إِلاَّ بِالسِّنِّ وَالْعَدَدِ وَهَذَا لاَ يَكْفِي لِضَبْطِهَا الْمُعْتَبَرِ فِي السَّلَمِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ فِيهَا الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَإِنْ كَانَ هُنَالِكَ مَنْ يَقُول بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِهَا وَعَلَيْهَا، كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ، وَعَلَيْهِ، خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل أَرْشُ مُوضِحَةٍ (٢) ، فَيُحِيل بِهَذِهِ عَلَى تِلْكَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ،

стр. 11040

وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ، اكْتِفَاءً بِالْعِلْمِ بِسِنِّهَا وَعَدَدِهَا، فَلَيْسَ الضَّبْطُ بِالصِّفَاتِ الْمَطْلُوبَةِ فِي السَّلَمِ إِذَنْ بِحَتْمٍ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْعِلْمِ بِالْمُحَال بِهِ، وَلِحَسْمِ مَا عَسَاهُ يَنْشَأُ مِنْ نِزَاعٍ يُعْتَبَرُ أَقَل مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاِسْمُ فِي السِّنِّ وَالْقِيمَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ، كَمَا قَرَّرَهُ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ (وَإِنْ كَانَ قِيَاسُ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الضَّمَانِ أَنْ يُرَاعَى فِيمَا وَرَاءَ السِّنِّ وَالْعَدَدِ حَال غَالِبِ إِبِل الْبَلَدِ) . (١) ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ: ٨٠ - يُصَرِّحُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِاشْتِرَاطِ مَعْلُومِيَّةِ الدَّيْنَيْنِ (الْمُحَال بِهِ، وَالْمُحَال عَلَيْهِ) لَدَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْمُحِيل وَالْمُحَال. (٢) وَلَمْ نَجِدْ فِي كَلاَمِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَصْرِيحًا بِاشْتِرَاطِ مَعْلُومِيَّةِ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَال الْمُحَال بِهِ، وَلَكِنْ يُسْتَنْتَجُ مِنْ قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا الاِشْتِرَاطُ (٣) .

стр. 11041

سَادِسًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ ثَابِتًا قَبْل الْحَوَالَةِ: أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ: ٨١ - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ ثُبُوتِ الْمَال الْمُحَال بِهِ فِي الذِّمَّةِ قَبْل الْحَوَالَةِ. وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَنْ يُسْلِفَ (يُقْرِضَ) شَخْصٌ آخَرَ نُقُودًا أَوْ طَعَامًا مَثَلاً، عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُسْلِفُ مِمَّنْ هُوَ مَدِينٌ لِلْمُسْتَلِفِ بِمِثْل ذَلِكَ، إِذْ مِنَ الْوَاضِحِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّ الدَّيْنَ الْمُحَال بِهِ لَمْ يَثْبُتْ إِلاَّ مَعَ الْحَوَالَةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يُصَرِّحُونَ، بِأَنْ لاَ بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ دَارَهُ بِدَيْنٍ لَكَ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ، وَتُحِيلَهُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُحِيل إِذَا أَحَال شَخْصًا غَيْرَ مَدِينٍ لَهُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلْمُحِيل فَهِيَ وَكَالَةٌ جَرَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ (١) . ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ: ٨٢ - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، ثُبُوتَ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ قَبْل الْحَوَالَةِ، وَفَرَّعَ الْبَاجِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ أَنَّ الْمَدِينَ لَوْ أَحَال عَلَى غَيْرِ مَدِينِهِ ثُمَّ أَعْطَى الْمُحَال عَلَيْهِ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَ الْحَوَالَةِ، فَأَفْلَسَ هَذَا أَوْ مَاتَ قَبْل أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ

стр. 11042

يَكُونُ لِلْمُحَال الْحَقُّ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل بِدَيْنِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ هَذَا بِدَوْرِهِ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ بِمَا كَانَ أَعْطَاهُ، لَكِنْ هَذَا هُوَ حُكْمُ الْحَمَالَةِ عِنْدَهُمْ، وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ هِيَ مِنَ الْحَمَالَةِ وَإِعْطَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَقْضِي بِهِ لاَ تَتَحَوَّل بِهِ هَذِهِ الْحَمَالَةُ إِلَى حَوَالَةٍ. وَلَكِنْ الشَّافِعِيَّةُ يَنُصُّونَ عَلَى خِلاَفِ هَذَا. فَقَدْ قَال الْخَطِيبُ: (فَإِنْ قِيل: إِنَّ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ - أَيْ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي - زَمَنَ الْخِيَارِ مُشْكِلٌ، إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا يَعْنِي الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ) ، لأَِنَّ الثَّمَنَ لَمْ يَنْتَقِل عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي، أُجِيبَ بِأَنَّ الْبَائِعَ إِذَا أَحَال فَقَدْ أَجَازَ، فَوَقَعَتِ الْحَوَالَةُ مُقَارِنَةً لِلْمِلْكِ وَذَلِكَ كَافٍ ". (١) سَابِعًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ حَالًّا: أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ: ٨٣ - لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِدَيْنٍ لَمْ يَحِل أَجَلُهُ بَعْدُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ الْمُحَال عَلَيْهِ قَدْ حَل، إِذْ لَوْ لَمْ يَحِل هُوَ أَيْضًا فَلاَ أَقَل مِنْ أَنْ يَلْزَمَ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَيَنْضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُورٌ آخَرُ هُوَ رِبَا النَّسَاءِ، إِنْ جَمَعَتِ الدَّيْنَيْنِ عِلَّةٌ رِبَوِيَّةٌ وَاحِدَةٌ. هَكَذَا قَرَّرَ الْمَالِكِيَّةُ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ بِإِطْلاَقِهَا هَذَا، عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ (٢) .

стр. 11043

وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَسْتَمِرَّ حُلُول الْمَال الْمُحَال بِهِ إِنْ كَانَ حَالًّا، فِي الْحَوَالَةِ بِمَال الْقَاصِرِ وَمَا شَاكَلَهَا مِنْ كُل مَنْ تَجِبُ فِيهِ رِعَايَةُ الأَْصْلَحِ لِصَاحِبِهِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ بِهِ إِلَى أَجَلٍ إِبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَلاَ يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالإِْبْرَاءِ الْمُؤَبَّدِ الَّذِي لاَ يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ فِي مَال الْقَاصِرِ، وَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو يُوسُفَ هُنَا، وَلَمْ يُفَصِّل تَفْصِيل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ بَيْنَ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ بِعَقْدِ الأَْبِ أَوِ الْوَصِيِّ، فَيَجُوزُ تَأْجِيلُهُ، وَالدَّيْنُ الْوَاجِبُ بِغَيْرِ عَقْدِهِمَا - كَالإِْرْثِ وَالإِْتْلاَفِ - فَلاَ يَجُوزُ. (نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْمُحِيطِ) ثُمَّ قَال: وَكَذَا قَبُول الْحَوَالَةِ مِنَ الْمُتَوَلِّي أَيْ (نَاظِرِ الْوَقْفِ) فَهِيَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيل (١) . وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ لَيْسَتْ إِلاَّ تَطْبِيقًا جُزْئِيًّا لِلأَْصْل الْعَامِّ، الَّذِي لاَ يُخْتَلَفُ عَلَيْهِ، فِي تَصَرُّفَاتِ الْوَلِيِّ مِنْ أَنَّهَا مَنُوطَةٌ بِالْمَصْلَحَةِ (ر: ف ٩٦) . ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ: ٨٤ - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ حُلُول الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الدَّيْنُ الْمُحَال بِهِ حَالًّا. ثَامِنًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مِثْلِيًّا: ٨٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ

стр. 11044

بِالدَّيْنِ أَوِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الْمَال مِثْلِيًّا، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ الْقِيَمِيِّ أَوِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ مَا لَهُ صِفَاتٌ ضَابِطَةٌ فَفِي ضَبْطِهِ بِهَا بَلاَغٌ، كَمَا لاَ يُجَادِل فِي ذَلِكَ أَحَدٌ فِي بَابِ السَّلَمِ، فَيُقَاسُ الْقِيَمِيُّ الْمُنْضَبِطُ عَلَى الْمِثْلِيِّ مَا دَامَ كِلاَهُمَا دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ لَهُ صِفَاتٌ تَضْبِطُهُ تُضَافُ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّوْعِ وَالْقَدْرِ: كَالثِّيَابِ، وَالدَّوَابِّ - عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْخِلاَفِ الْمَعْرُوفِ - وَالصُّوفِ، وَالْقُطْنِ، وَالشَّعْرِ، وَالأَْخْشَابِ، وَالأَْحْجَارِ، وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالْبَلُّورِ، وَالزُّجَاجِ، وَالْفَخَّارِ (١) ، وَالْوَرِقِ، وَالْكُتُبِ وَالآْلاَتِ مَا دَامَتْ ذَاتَ صِفَاتٍ ضَابِطَةٍ كَإِنْتَاجِ مَصْنَعٍ بِعَيْنِهِ. بَل لِمُجْتَهِدٍ أَنْ يَعْتَبِرَ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ

стр. 11045

الأَْخِيرَةَ حِينَئِذٍ مِنْ قَبِيل الْمِثْلِيِّ الَّذِي لاَ تَفَاوُتَ فِيهِ يُذْكَرُ. وَذَهَبَ قِلَّةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مِثْلِيًّا، بَل مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مَنْ يَشْتَرِطُ خُصُوصَ الثَّمَنِيَّةِ وَلاَ يَكْتَفِي بِمُطْلَقِ الْمِثْلِيَّةِ، فَلاَ حَوَالَةَ عَلَى هَذَا الْقَوْل إِلاَّ بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُمَا فِي التَّعَامُل النَّقْدِيِّ. وَالْمُرَادُ عِنْدَ هَؤُلاَءِ جَمِيعًا بِالْمِثْلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ مَا يُكَال أَوْ يُوزَنُ وَيَضْبِطُهُ الْوَصْفُ، كَالنُّقُودِ وَالْحُبُوبِ وَالأَْدْهَانِ، فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِالْقِيَمِيِّ، وَهُوَ مَا خَرَجَ عَنْ هَذَا النَّمَطِ كَالثِّيَابِ الْمُتَفَاوِتَةِ، وَالْحَيَوَانِ، فَقَدْ يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ فِي الذِّمَّةِ، كَمَا لَوْ بِيعَ بِوَصْفٍ، أَوِ الْتَزَمَ صَدَاقًا، أَوْ بَدَل خُلْعٍ، وَلَكِنْ لاَ يُحَال بِهِ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ دُونَ تَفَاوُتٍ، وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْمِثْلِيَّاتِ (١) . تَاسِعًا: كَوْنُ الْمَالَيْنِ الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مُتَسَاوِيَيْنِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً: ٨٦ - لَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ التَّسَاوِيَ بَيْنَ الْمَالَيْنِ الْمُحَال بِهِ وَالْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ جِنْسًا أَوْ

стр. 11046

قَدْرًا أَوْ صِفَةً، وَإِنَّمَا الْكَلاَمُ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ يَجْرِي عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِهِمْ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ: ٨٧ - الْمُرَادُ بِالصِّفَةِ مَا يَشْمَل الْجُودَةَ وَالرَّدَاءَةَ، وَالْحُلُول وَالتَّأْجِيل، وَقَدْرَ الأَْجَل، لاَ صِفَةَ التَّوَثُّقِ بِرَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ، بَل هَذِهِ تَسْقُطُ عَنْ كِلاَ الدَّيْنَيْنِ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّهَا بِمَثَابَةِ الْقَبْضِ، فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِنُقُودٍ فِضِّيَّةٍ عَلَى ذَهَبِيَّةٍ، أَوْ ذَهَبِيَّةٍ عَلَى فِضِّيَّةٍ، وَلاَ بِقَمْحٍ عَلَى شَعِيرٍ، وَلاَ بِضَأْنٍ عَلَى مَعْزٍ، وَلاَ عَكْسِهِ، وَلاَ بِخَمْسَةِ أَثْوَابٍ، مَثَلاً عَلَى عَشَرَةٍ، وَلاَ بِعَشَرَةٍ عَلَى خَمْسَةٍ (نَعَمْ إِذَا كَانَ لَهُ عَشَرَةٌ عَلَى آخَرَ، فَأَحَال عَلَى خَمْسَةٍ مِنْهَا بِخَمْسَةٍ صَحَّتِ الْحَوَالَةُ لِتَحَقُّقِ الشَّرِيطَةِ) ، وَلاَ بِالْمَغْشُوشِ عَلَى الْخَالِصِ وَلاَ بِالْخَالِصِ عَلَى الْمَغْشُوشِ، وَلاَ بِحَالٍّ عَلَى مُؤَجَّلٍ، وَلاَ بِمُؤَجَّلٍ عَلَى حَالٍّ، وَلاَ بِمُؤَجَّلٍ إِلَى شَهْرٍ عَلَى مُؤَجَّلٍ إِلَى شَهْرَيْنِ وَلاَ عَكْسِهِ. وَلَكِنَّهَا تَصِحُّ بِمِائَةِ دِينَارٍ ذَهَبِيَّةٍ مِنْ نُقُودِ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ مِائَةِ إِرْدَبٍّ مِنَ الْقَمْحِ الْهِنْدِيِّ، أَوْ مِائَةِ شَاةٍ مِنَ الضَّأْنِ التُّرْكِيِّ مَضْبُوطَةِ الْوَصْفِ سِنًّا وَلَوْنًا - وَمَا إِلَيْهَا - عَلَى مِائَةٍ مِثْلِهَا، وَالدَّيْنَانِ حَالاَّنِ، أَوْ مُؤَجَّلاَنِ إِلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ كَسَنَةٍ مَثَلاً.

стр. 11047

وَالْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، أَنَّ الْحَوَالَةَ - سَوَاءٌ جَرَيْنَا عَلَى أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ - عَقْدُ إِرْفَاقٍ يُقْصَدُ بِهِ الإِْيفَاءُ وَالاِسْتِيفَاءُ، لاَ الاِسْتِرْبَاحُ وَالاِسْتِكْثَارُ، فَلَوْ أَذِنَ بِالتَّفَاوُتِ فِيهَا لَتَبَارَى الْمُتَعَامِلُونَ بِهَا، كُلٌّ يُرِيدُ أَنْ يَغْبِنَ الآْخَرَ، وَيُصِيبَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتْرُكُ لَهُ، وَهَذَا خِلاَفُ مَوْضُوعِهَا. ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لاَ يَشْتَرِطُونَ رِضَا الْمُحَال، كَيْفَ يُعْقَل إِجْبَارُهُ مَعَ اخْتِلاَفِ الدَّيْنَيْنِ؟ وَمُبَالَغَةً فِي اتِّقَاءِ التَّفَاوُتِ مَنَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ بِأَلْفٍ عَلَى شَخْصَيْنِ، كُلٌّ مِنْهُمَا مَدِينٌ لِلْمُحِيل بِأَلْفٍ عَلَى التَّضَامُنِ، عَلَى أَنْ يُطَالِبَ الْمُحَال أَيَّهُمَا شَاءَ، وَعُلِّل الْمَنْعُ بِأَنَّ الْمُحَال يَسْتَفِيدُ زِيَادَةً فِي الْمُطَالَبَةِ، إِذْ كَانَ قَبْل الْحَوَالَةِ يُطَالِبُ وَاحِدًا، فَصَارَ بَعْدَهَا يُطَالِبُ اثْنَيْنِ. وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا يُخَالِفُهُ، وَيُصَحِّحُ هَذِهِ الْحَوَالَةَ، لأَِنَّ الْمُحَال، مَهْمَا اسْتَفَادَ مِنْ زِيَادَةِ مُطَالَبَةٍ، فَلَنْ يَأْخُذَ إِلاَّ قَدْرَ حَقِّهِ، وَمَا يَزَال الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مُتَأَرْجِحِينَ بَيْنَ هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ: فَبَيْنَا يُصَحِّحُ الْبُلْقِينِيُّ وَالسُّبْكِيُّ الأَْوَّل، يَأْخُذُ الرَّمْلِيُّ الْكَبِيرُ بِالثَّانِي. هَكَذَا قَرَّرَ الشَّافِعِيَّةُ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ، وَفْقَ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُنَازِعُ فِي شَرِيطَةِ التَّسَاوِي فِي الصِّفَةِ إِذَا كَانَ التَّفَاوُتُ

стр. 11048

لِمَصْلَحَةِ الْمُحَال، لأَِنَّ الْمُحِيل إِذَنْ مُتَبَرِّعٌ بِالزِّيَادَةِ عَلَى سَبِيل إِحْسَانِ الْقَضَاءِ (١) . ٨٨ - وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ يُقَرِّرُهَا أَيْضًا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، (ر: ف ٨٣) ، بِاسْتِثْنَاءِ مَا تَفَرَّدَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَنَّ مَحَل الْمَنْعِ عِنْدَ الاِخْتِلاَفِ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، أَوِ الْقِلَّةِ، وَالْكَثْرَةِ إِذَا لَمْ يَقْبِضَ الْمُحَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ قَبْل تُفَرِّقْهُمَا. وَهَؤُلاَءِ جَمِيعًا يُحَاذُونَ الشَّافِعِيَّةَ فِي تَقْرِيرَاتِهِمُ الآْنِفَةِ الذِّكْرِ، حَتَّى إِنَّ الْخِلاَفَ فِيمَا إِذَا كَانَ التَّفَاوُتُ لِمَصْلَحَةِ الْمُحَال يَنُصُّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى بَقَائِهِ كَمَا هُوَ، وَإِنْ كَانَ الْمَالِكِيَّةُ يَعْكِسُونَ الْمَوْقِفَ: فَيَمْنَعُونَ التَّحَوُّل عَلَى الأَْعْلَى صِفَةً أَوِ الأَْكْثَرِ قَدْرًا، قَوْلاً وَاحِدًا، وَيَتَرَدَّدُونَ وَيَخْتَلِفُونَ فِي التَّحَوُّل عَلَى الأَْدْنَى أَوِ الأَْقَل. وَيَنُصُّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنْ لاَ خِلاَفَ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ مَعَ التَّفَاوُتِ فِي الْقَدْرِ، إِذَا وَقَعَتْ بِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالْحَوَالَةِ بِالْبَاقِي، كَمَا لَوْ قَال الدَّائِنُ بِأَلْفٍ: أَبْرَأْتُكَ مِنْ ثَلاَثِمِائَةٍ، وَأَحِلْنِي عَلَى مَدِينِكَ فُلاَنٍ بِالْبَاقِي، فَيَقُول: أَحَلْتُكَ وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا (٢) . الاِسْتِعَاضَةُ فِي الْحَوَالَةِ: ٨٩ - الْمُرَادُ بِالاِسْتِعَاضَةِ أَنْ يَتَرَاضَى الْمُحَال

стр. 11049

وَالْمُحَال عَلَيْهِ بَعْدَ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِدَفْعِ عِوَضٍ عَنِ الْمُحَال بِهِ. وَالاِسْتِعَاضَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَلاَ نَصَّ فِيهَا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلاَ عَنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ. وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ. وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْجَوَازَ بِأَنْ لاَ يَكُونَ الْعِوَضَانِ رِبَوِيَّيْنِ، فَإِنْ كَانَا كَذَلِكَ وَجَبَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ (١) . ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ: ٩٠ - سَلَفَ الْكَلاَمُ فِي هَذِهِ الشَّرِيطَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ الْكَلاَمُ هُنَا فَلاَ حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ، بَيْدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ هُنَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ تُفَسَّرُ فِي كَلاَمِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْوَاقِعِ، وَفِي اعْتِبَارِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (الْمُحِيل وَالْمُحَال) - أَيْ فِي رَأْيِهِمَا وَمَبْلَغِ عِلْمِهِمَا - وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَسَاوَى الدَّيْنَانِ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الأَْمْرِ، وَلَكِنَّهُمَا جَهِلاَ هَذَا التَّسَاوِيَ أَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ الْحَوَالَةُ بَاطِلَةً إِذَا اعْتُقِدَ التَّسَاوِي، وَلاَ تَسَاوِيَ، فِي الْحَقِيقَةِ (٢) .

стр. 11050

عَاشِرًا: قَبْضُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ (إِنْ كَانَ رَأْسُ مَال سَلَمٍ أَوْ رِبَوِيًّا يُوَافِقُ الْمُحَال بِهِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا) . ٩١ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ قَبْضِ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ إِنْ كَانَ رَأْسَ مَال سَلَمٍ أَوْ رِبَوِيًّا يُوَافِقُ الْمُحَال بِهِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا، وَنَصُّ عِبَارَةِ السَّرَخْسِيِّ فِي مَبْسُوطِهِ: (وَلأَِنَّهُ - أَيْ دَيْنَ الْحَوَالَةِ - يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، حَتَّى لَوْ كَانَ بَدَل صَرْفٍ أَوْ سَلَمٍ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِبْدَال بِهِ مَعَ الْمُحَال عَلَيْهِ) كَمَا لاَ يَجُوزُ مَعَ الْمُحِيل، وَيَبْطُل عَقْدُ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ بِافْتِرَاقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْل الْقَبْضِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَالِكِيَّةُ الْقَبْضَ هُنَا فِي حَوَالَةِ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ، لَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى ضَرُورَتِهِ فِي حَالَةِ الصَّرْفِ خَاصَّةً وَعِبَارَتُهُمْ فِي عَقْدِ حَوَالَتِهِ: (لاَ بُدَّ مِنَ الْقَبْضِ قَبْل افْتِرَاقِ كَلاَمِهِمْ، وَقَبْل طُول مَجْلِسِهِمْ، وَإِلاَّ فَسَدَ) . وَلَمْ يَتَرَدَّدِ الشَّافِعِيَّةُ فِي رَفْضِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ وَلَوْ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، لأَِنَّ الْمُعَاوَضَةَ فِي الْحَوَالَةِ - بَعْدَ الْقَوْل بِهَا - لَيْسَ عَلَى سُنَنِ سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ. وَنَصُّ عِبَارَةِ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا يَلِي: (هِيَ - أَيِ الْحَوَالَةُ - بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرِ

стр. 11051

التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ رِبَوِيَّيْنِ) (١) أَمَّا فِي رَأْسِ مَال السَّلَمِ، فَيَقُول الْبُجَيْرِمِيُّ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ الْمُعْتَمَدَةِ: (لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِمَا لاَ يُعْتَاضُ عَنْهُ، (٢) وَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ، كَدَيْنِ السَّلَمِ) ، أَيْ مُسْلَمًا فِيهِ وَرَأْسُ مَال (أَيَّهُمَا كَانَ) . مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْحَوَالَةِ: ٩٢ - لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْحَوَالَةِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، بِأَنْ يَكُونَ كِلاَهُمَا مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ ضَمَانٍ مَثَلاً، فَلاَ مَانِعَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ دَيْنَيِ الْحَوَالَةِ مِنْ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، وَالآْخَرُ دَيْنَ إِتْلاَفٍ مَثَلاً. أَوْ أَحَدُهُمَا صَدَاقًا، وَالآْخَرُ بَدَل خُلْعٍ، أَوْ بَدَل قَرْضٍ، أَوْ أُجْرَةٍ. (٣) كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَال بِهِ ثَابِتًا عَلَى الْمُحِيل ثُبُوتًا أَصْلِيًّا. فَالدَّيْنُ الَّذِي يَكُونُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ الأَْصِيل، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ حَوَالَةٍ أَوْ كَفَالَةٍ، تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ، بِأَنْ يُحِيل

стр. 11052

الْمُحَال عَلَيْهِ أَوِ الْكَفِيل عَلَى مَدِينٍ لَهُ هُوَ. بَل يَجُوزُ أَيْضًا لِلْمُحَال أَنْ يُحِيل دَائِنَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلِلْمَكْفُول لَهُ أَنْ يُحِيل دَائِنَهُ عَلَى الْكَفِيل. (١) وَهَذَا فِي الأَْصْل مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ، مَعَ زِيَادَةِ تَعَدُّدِ الْمُحَالِينَ مَعَ بَقَاءِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَاحِدًا. وَنَصُّ عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ هَكَذَا: (إِذَا أَحَلْتَ زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ أَحَال عَمْرٌو زَيْدًا عَلَى بَكْرٍ، ثُمَّ أَحَال بَكْرٌ عَلَى آخَرَ، جَازَ. وَقَدْ تَعَدَّدَ الْمُحَال عَلَيْهِمْ وَزَيْدٌ الْمُحَال وَاحِدٌ. وَلَوْ أَحَلْتَ زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ أَحَال زَيْدٌ بَكْرًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ أَحَال بَكْرٌ آخَرَ عَلَى عَمْرٍو جَازَ، وَالتَّعَدُّدُ هَاهُنَا فِي الْمُحْتَالِينَ، وَعَمْرٌو الْمُحَال عَلَيْهِ وَاحِدٌ. وَلَوْ أَحَلْتَ زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ ثَبَتَ لِعَمْرٍو عَلَيْكَ مِثْل ذَلِكَ الدَّيْنِ فَأَحَال زَيْدًا عَلَيْكَ جَازَ) . (٢) الْجَزَاءُ عَلَى تَخَلُّفِ إِحْدَى شَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ (بُطْلاَنُ الْحَوَالَةِ) : ٩٣ - إِذَا عَدِمَتْ شَرَائِطُ انْعِقَادِ الْحَوَالَةِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا فَالنَّتِيجَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِقْهًا هِيَ بُطْلاَنُهَا، أَيْ عَدَمُ انْعِقَادِهَا، جَزَاءً لِمُخَالَفَةِ تِلْكَ الشَّرَائِطِ.

стр. 11053

وَهَذَا مَبْدَأٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الشَّرِيعَةِ وَلاَ مَجَال لِلْخِلاَفِ فِيهِ، وَإِلاَّ لَمْ يَبْقَ أَيَّةُ ثَمَرَةٍ لِشَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ (وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي الأَْحْكَامِ الْعَامَّةِ لِلتَّعَاقُدِ مِمَّا يُسَمَّى الْيَوْمَ: نَظَرِيَّةَ الْعَقْدِ) . وَلَكِنْ قَدْ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ بَعْضِ الشَّرَائِطِ لاِنْعِقَادِ الْحَوَالَةِ، فَمَنْ يَشْتَرِطُ لاِنْعِقَادِ شَرِيطَةٍ مَا، يَحْكُمُ بِبُطْلاَنِ الْحَوَالَةِ عِنْدَ فَقْدِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، وَيُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ مَنْ لاَ يَشْتَرِطُهَا. وَمِنَ الْمُقَرَّرِ فِي الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِي النَّتِيجَةِ تَخَلُّفُ جَمِيعِ الْمُقَوِّمَاتِ وَشَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ وَتَخَلُّفُ بَعْضِهَا فَقَطْ، فَإِنَّ تَخَلُّفَ بَعْضِ الْعَنَاصِرِ الأَْسَاسِيَّةِ، كَتَخَلُّفِ الْكُل مِنْ حَيْثُ النَّتِيجَةُ وَهِيَ الْبُطْلاَنُ. وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهُ حَيْثُمَا يَتَقَرَّرُ بُطْلاَنُ الْحَوَالَةِ فَإِنَّ هَذَا الْبُطْلاَنَ يَسْتَتْبِعُ آثَارًا، إِذْ يَجِبُ فِيهِ عِنْدَئِذٍ نَقْضُ مَا قَدْ تَمَّ تَنْفِيذُهُ مِنَ الْعَقْدِ قَبْل تَقْرِيرِ بُطْلاَنِهِ، ثُمَّ رَدُّ مَا يَسْتَلْزِمُ هَذَا النَّقْضُ رَدَّهُ مِمَّا قُبِضَ دُونَ حَقٍّ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الأَْحْكَامِ الْعَامَّةِ فِي التَّعَاقُدِ. وَسَيَأْتِي فِي آثَارِ الْحَوَالَةِ وَالأَْحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا أَنَّ الْحَوَالَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي نَفَذَتْ بِدَفْعِ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى الْمُحَال دَيْنَ الْحَوَالَةِ يَتَرَتَّبُ فِيهَا لِلْمُحَال عَلَيْهِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل. غَيْرَ أَنَّهُمْ فِي الْحَوَالَةِ الْبَاطِلَةِ أَوِ الْفَاسِدَةِ قَدْ أَعْطَوُا الْمُحَال عَلَيْهِ الْخِيَارَ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل

стр. 11054

أَوْ عَلَى الْمُحَال الْقَابِضِ، لأَِنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ نَظَرًا لِبُطْلاَنِ الْحَوَالَةِ. شَرَائِطُ النَّفَاذِ: أَوَّلاً: بُلُوغُ الْمُحِيل وَالْمُحَال، وَالْمُحَال عَلَيْهِ بِحَسَبِ الأَْحْوَال: ٩٤ - أ - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِنَفَاذِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل بَالِغًا، لأَِنَّ فِي الْحَوَالَةِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَمُعَاوَضَاتُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لاَ تَنْفُذُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ وَلِيِّهِ. فَحَوَالَتُهُ مُنْعَقِدَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الإِْجَازَةِ. (١) وَالْبُلُوغُ شَرْطُ صِحَّةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. فَإِذَا كَانَ الْمُحِيل مُمَيِّزًا غَيْرَ بَالِغٍ فَفِيهِ الْخِلاَفُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَصَرُّفَاتِ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ إِذَا بَاشَرَهَا بِنَفْسِهِ: أَتَكُونُ بَاطِلَةً، أَمْ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ وَلِيِّهِ، إِنْ رَآهَا وَفْقَ مَصْلَحَتِهِ؟ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَهْلِيَّةٌ) وَ (صِغَرٌ) . ب - وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِنَفَاذِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحَال بَالِغًا، لِمَا قُلْنَاهُ فِي الْمُحِيل، وَلِذَا يَنْعَقِدُ احْتِيَال الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَلَكِنَّهُ لاَ يَنْفُذُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ وَلِيِّهِ، وَهَذِهِ الإِْجَازَةُ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يَكُونَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَمْلأََ مِنَ الْمُحِيل. وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ يُوَافِقُ عَلَيْهَا الْمَالِكِيَّةُ

стр. 11055

وَالشَّافِعِيَّةُ، وَيُخَالِفُ فِيهَا الْحَنَابِلَةُ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَشْتَرِطُونَ رِضَا الْمُحَال، إِلاَّ عَلَى احْتِمَالٍ ضَعِيفٍ لِلْحَنَابِلَةِ. (١) ج - أَمَّا شَرِيطَةُ بُلُوغِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَسَبَقَ بَحْثُهَا كَشَرِيطَةِ انْعِقَادٍ أَثْنَاءَ بَحْثِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَشَرَائِطِهِ (ر: ف ٦٢) . ثَانِيًا: وِلاَيَةُ الْمُحَال عَلَى الْمَال الْمُحَال بِهِ: ٩٥ - يُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْحَوَالَةِ أَنْ تَكُونَ لِلْمُحَال عَلَى الْمَال الْمُحَال بِهِ وِلاَيَةٌ. فَالْفُضُولِيُّ لاَ يَكُونُ مُحَالاً إِلاَّ بِإِجَازَةِ مَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ، أَمَّا الْوَكِيل فَإِنْ كَانَ وَكِيلاً بِالْقَبْضِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَال أَصْلاً، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ وَكَالَتِهِ الاِسْتِيفَاءُ لاَ الإِْبْرَاءُ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلاً فِي الْعَقْدِ فَفِي قَبُولِهِ حَوَالَةُ الثَّمَنِ خِلاَفٌ مَشْهُورٌ: جَوَّزَهَا مِنْهُ الطَّرَفَانِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، عَلَى الأَْمْلأَِ وَالأَْفْلَسِ مُطْلَقًا - وَيَضْمَنُ لِلْمُوَكِّل لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَتُعْتَبَرُ بِالْمُطْلَقِ - وَمَنَعَهَا أَبُو يُوسُفَ. وَقَدْ أَجْرَى الْخِلاَفَ فِي الْبَدَائِعِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ مُجَوِّزًا، وَالصَّاحِبَيْنِ مَانِعَيْنِ. وَاسْتَدَل لَهُمَا: بِأَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ هِيَ تَصَرُّفٌ فِي

стр. 11056

مِلْكِ الْمُوَكِّل مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، فَلاَ يَنْفُذُ عَلَيْهِ كَتَصَرُّفِ الأَْجْنَبِيِّ. وَاسْتَدَل لأَِبِي حَنِيفَةَ: بِأَنَّ الْوَكِيل بِقَبُولِهِ الْحَوَالَةَ إِنَّمَا تَصَرَّفَ بِالإِْبْرَاءِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (وَهُوَ قَبْضُ الثَّمَنِ) بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْوَكَالَةِ لأَِنَّ قَبْضَ الثَّمَنِ مِنْ حُقُوقِ الْعَبْدِ الَّتِي تَعُودُ لِلْوَكِيل بِالْبَيْعِ، فَإِبْرَاؤُهُ الْمُشْتَرِيَ عَنِ الثَّمَنِ أَوْ قَبُولُهُ الْحَوَالَةَ بِهِ إِسْقَاطٌ لِحَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ كَالإِْبْرَاءِ تَمْنَعُ مُطَالَبَةَ الْمُحِيل، وَيَسْقُطُ بِذَلِكَ الثَّمَنُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي تَبَعًا لِسُقُوطِ حَقِّ الْقَبْضِ، وَلَكِنْ لاَ يَسْقُطُ حَقُّ الْمُوَكِّل فِي الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ عِوَضُ مِلْكِهِ. وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي تَبَعًا، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ مَعَ سُقُوطِ حَقِّ الْوَكِيل فِي قَبْضِهِ لَبَقِيَ دَيْنًا غَيْرَ قَابِلٍ لِلْقَبْضِ، وَهَذَا لاَ نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، كَمَا أَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ. فَلِذَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي تَبَعًا لِسُقُوطِ حَقِّ الْوَكِيل فِي قَبْضِهِ، وَلَكِنْ يَضْمَنُهُ الْوَكِيل لِلْبَائِعِ الْمُوَكِّل، لأَِنَّ الْوَكِيل بِتَصَرُّفِهِ هَذَا قَدْ تَجَاوَزَ إِلَى حَقِّ غَيْرِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ نَفْسُهُ حَيْثُ أَتْلَفَهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِالإِْبْرَاءِ أَوْ قَبُول الْحَوَالَةِ بِهِ. وَقَدْ لَخَصَّهُ فِي مَجْمَعِ الأَْنْهُرِ بِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ لِلْعَاقِدِ، وَالْحَوَالَةُ مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ. وَاحْتِيَال الْوَكِيل فِي الْبَيْعِ، بِثَمَنِ الْمَبِيعِ بِالصُّورَةِ الْمَشْرُوحَةِ لَمْ نَجِدْ حُكْمَهُ مَنْصُوصًا عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ. أَمَّا النَّائِبُ الشَّرْعِيُّ عَنِ الصَّغِيرِ، وَلِيًّا كَانَ كَالأَْبِ أَوْ وَصِيًّا، فَلاَ يَمْلِكُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حَقَّ

стр. 11057

الاِحْتِيَال بِمَال هَذَا الصَّغِيرِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ بِإِطْلاَقِهِ، عَلَى خِلاَفِ عَامَّةِ الْكُتُبِ. وَنَصُّ عِبَارَتِهِ: لَوِ احْتَال بِمَال ابْنِهِ الصَّغِيرِ، أَوِ الْيَتِيمِ الَّذِي تَحْتَ وِصَايَتِهِ، لَمْ يَجُزْ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِبْرَاءُ الأَْصِيل، وَهُوَ لاَ يَمْلِكُهُ فِي مَال الْقَاصِرِينَ. (١) ٩٦ - وَأَمَّا احْتِيَال وَلِيِّ الْقَاصِرِ، كَأَبِيهِ أَوْ وَصِيِّهِ بِدَيْنِهِ، فَلَمْ نَرَ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى إِطْلاَقَ عَدَمِ جَوَازِهِ، كَمَا فَعَل السَّرَخْسِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. بَل فِي كَلاَمِ بَعْضِهِمْ - كَمَا هُوَ مُقْتَضَى إِطْلاَقِ حَدِيثِ الْحَوَالَةِ - التَّصْرِيحُ بِصِحَّتِهَا بِشَرِيطَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنْ تَقْتَضِيَهَا مَصْلَحَةُ الْقَاصِرِ نَفْسِهِ - أَخْذًا مِنْ نَصِّ التَّنْزِيل الْحَكِيمِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٢) - دُونَ تَقَيُّدٍ بِأَيِّ قَيْدٍ آخَرَ. وَلِذَا أَبْطَلُوا احْتِيَالَهُ عَلَى مُفْلِسٍ سَوَاءٌ أَعُلِمَ إِفْلاَسُهُ أَمْ جُهِل، وَكَذَا احْتِيَالُهُ بِدَيْنٍ مُوَثَّقٍ عَلَيْهِ بِرَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ، لِمَا فِي انْفِكَاكِ الْوَثِيقَةِ مِنَ الضَّرَرِ الْبَيِّنِ بِالْقَاصِرِ. وَقَدْ سُئِل السُّيُوطِيُّ عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَمَاتَ الدَّائِنُ وَلَهُ وَرَثَةٌ فَأَخَذَ الأَْوْصِيَاءُ مِنَ الْمَدِينِ بَعْضَ الدَّيْنِ، وَأَحَالَهُمْ عَلَى آخَرَ بِالْبَاقِي فَقَبِلُوا الْحَوَالَةَ وَضَمِنَهَا لَهُمْ آخَرُ، فَمَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَهَل لَهُمُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل أَمْ لاَ

стр. 11058

فَأَجَابَ: يُطَالِبُونَ الضَّامِنَ وَتَرِكَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ إِفْلاَسُهُمَا فَقَدْ بَانَ فَسَادُ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّهَا لَمْ تَقَعْ عَلَى وَفْقِ الْمَصْلَحَةِ لِلأَْيْتَامِ، فَيَرْجِعُونَ عَلَى الْمُحِيل. (١) وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل بِمَال الْيَتِيمِ فَقِيرًا أَوْ مُمَاطِلاً، أَوْ مَخُوفَ الاِمْتِنَاعِ بِسَطْوَةٍ أَوْ هَرَبٍ، أَوْ سَيِّئَ الْقَضَاءِ عَلَى أَيَّةِ صُورَةٍ، وَالْمُحَال عَلَيْهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ حِينَئِذٍ، لأَِنَّهَا أَصْلَحُ لِلْقَاصِرِ. ٩٧ - وَكَوْنُ احْتِيَال الْفُضُولِيِّ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ مَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى دَيْنِ الْحَوَالَةِ، هُوَ اتِّجَاهٌ فِقْهِيٌّ يُوجَدُ أَيْضًا عِنْدَ كَثِيرِينَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، كَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ. وَلَكِنِ الَّذِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ حَوَالَةَ الْفُضُولِيِّ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ بَاطِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا، فَلاَ تَعُودُ بِالإِْجَازَةِ صَحِيحَةً. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ، أُخِذَتْ مِنْ حَدِيثٍ ثَابِتٍ فِي بِيَاعَاتِ الْفُضُولِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ (الَّذِي اعْتَبَرَهُ حَسَنًا) وَنَصُّهُ: لاَ بَيْعَ إِلاَّ فِيمَا تَمْلِكُ. وَطَرَدُوا هَذَا فِيمَا عَدَا الْبَيْعَ فَأَصْبَحَ (٢)

стр. 11059

قَاعِدَةً. وَمِثْلُهُ حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّهُ ﷺ قَال: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. . (١) ثَالِثًا: قَبُول الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ: ٩٨ - (أ) قَبُول الْمُحَال - إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ الْمُنْشِئَيْنِ لِلْعَقْدِ - لَيْسَ شَرِيطَةَ انْعِقَادٍ إِلاَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَيَكْتَفِي بِرِضَا الْمُحَال، وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ إِذْنَ شَرِيطَةِ نَفَاذٍ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَخَذَتْ بِهِ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ فِي الْمَادَّةِ ٦٨٣ (ب) وَرِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ كَذَلِكَ - وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ - شَرِيطَةَ نَفَاذٍ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ الثَّلاَثَةِ. هَذَا، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ بِالتَّفْصِيل عَلَى فِقْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْخِلاَفِ الاِجْتِهَادِيِّ فِيهَا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ. أَحْكَامُ الْحَوَالَةِ: ٩٩ - إِذَا تَمَّتِ الْحَوَالَةُ بِأَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا تَرَتَّبَتْ

стр. 11060

عَلَيْهَا آثَارُهَا الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَتْ، وَاعْتَرَتْهَا عَلَى الْجُمْلَةِ أَحْكَامٌ عِدَّةٌ وَهِيَ: أ - لُزُومُ الْحَوَالَةِ: ١٠٠ - الْحَوَالَةُ عَقْدٌ لاَزِمٌ دُونَ خِلاَفٍ، وَلَكِنْ قَبُولُهَا لِلْخِيَارَاتِ مَحَل اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُقِرُّونَ أَنَّهَا لاَ تَقْبَل الْخِيَارَاتِ إِلاَّ أَنَّ مِنْ أَهْل الْمَذْهَبَيْنِ مَنْ أَجَازَ فِيهَا خِيَارَ الْمَجْلِسِ - وَفِي ذَلِكَ يَقُول صَاحِبُ " الْمُهَذَّبِ " مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: (لاَ يَجُوزُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِيهِ - أَيْ عَقْدِ الْحَوَالَةِ) - لأَِنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى الْمُغَابَنَةِ، فَلاَ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ. وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَثْبُتُ، لأَِنَّهُ بَيْعٌ، فَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ كَالصُّلْحِ. الثَّانِي: (وَهُوَ الأَْصَحُّ) لاَ يَثْبُتُ، لأَِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الإِْبْرَاءِ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَهُوَ جَازِمٌ - كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِهِ - بِعَدَمِ قَبُول الْحَوَالَةِ خِيَارَ الشَّرْطِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (١) وَالْمَالِكِيَّةُ يَشْتَرِطُونَ لِلُزُومِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَال عَلَيْهِ عَنْ عِوَضٍ مَالِيٍّ، فَإِذَا اخْتَلَّتِ الشَّرِيطَةُ لَمْ تَكُنِ الْحَوَالَةُ لاَزِمَةً، وَعَنْهُمْ فِي بَعْضِ تَفْسِيرَاتِ الْمَذْهَبِ، أَنَّ يَسَارَ الْمُحَال عَلَيْهِ كَذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْعَقْدِ.

стр. 11061

١٠١ - وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ فَسْخُهَا أَوْ إِبْطَالُهَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُشْرَطْ لَهُ الْخِيَارُ. (١) وَمُدَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَيَّةُ مُدَّةٍ تُعْلَمُ نِهَايَتُهَا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لِمَنْ يَجِبُ رِضَاهُ فِي الْحَوَالَةِ، وَهُوَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ فَحَسْبُ، كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ كَلاَمِ بَعْضِهِمْ. (٢) ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمُحَال أَوِ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ كِلَيْهِمَا، فَبَدَا لِهَذَا أَوْ ذَاكَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَنْ يَعْدِل عَنِ الْعَقْدِ فَذَلِكَ لَهُ، لأَِنَّ أَحَدَ الشَّخْصَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا قَدْ يَجْهَل صَاحِبُهُ بَعْضَ جَهَالَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ تَقَصِّي أَحْوَالِهِ يَبْدُو لَهُ أَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ لَيْسَتْ فِي مَصْلَحَتِهِ فَيُرَاجِعُ نَفْسَهُ قَبْل فَوَاتِ الأَْوَانِ. وَقَدْ لاَ يَجْهَل، وَلَكِنْ تَتَغَيَّرُ حَتَّى فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ الْقَصِيرَةِ، ظُرُوفُ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى أَسْوَأَ، أَوِ الْمُحِيل إِلَى أَفْضَل، أَوْ يَقَعُ التَّغَيُّرَانِ كِلاَهُمَا، فَيُؤْثِرُ الْمُحَال أَنْ يَعُودَ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ. أَمَّا الْمُحِيل فَشَرْطُ الْخِيَارِ لَهُ أَصَالَةً بَيِّنٌ جِدًّا، عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ، فَقَدْ يَأْنَفُ

стр. 11062

بَعْدَ شَيْءٍ مِنَ الرَّوِيَّةِ - أَنْ يَتَحَمَّل عَنْهُ فُلاَنٌ دَيْنَهُ، وَقَدْ يَكُونُ ذَا صِلَةٍ خَاصَّةٍ بِالْمُحَال عَلَيْهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ ضَعْفًا، وَأَنَّ مَكَانَ الْمُحَال سَيَثْقُل عَلَيْهِ فَتَأْخُذُهُ بِهِ رَأْفَةٌ، وَيُعِيدُ الدَّيْنَ إِلَى نَفْسِهِ كَرَّةً أُخْرَى، ثِقَةً بِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى مُعَالَجَةِ صَاحِبِهِ. (١) وَانْفِسَاخُ الْحَوَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِمْرٍ عَارِضٍ كَالتَّوَى وَمَوْتِ الْمُحِيل فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَوْ مُطْلَقًا - عَلَى الْخِلاَفِ عِنْدَهُمْ - لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ (ر: ف ١٣٨، ١٤١) . ١٠٢ - وَقَدْ أَفَادَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الْبَحْرِ نَقْلاً عَنِ الْخُلاَصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: لاَزِمَةٍ وَجَائِزَةٍ وَفَاسِدَةٍ. فَاللاَّزِمَةُ: أَنْ يُحِيل الْمَدِينُ دَائِنَهُ عَلَى آخَرَ وَيَقْبَل الْحَوَالَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُقَيَّدَةً أَمْ مُطْلَقَةً. وَالْجَائِزَةُ: أَنْ يُقَيِّدَهَا بِأَنْ يُعْطِيَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ (٢) مِنْ ثَمَنِ دَارِ نَفْسِهِ، فَلاَ يُجْبَرُ الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى الْبَيْعِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ عِنْدَ الْحَصَادِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ الْمَال قَبْل الأَْجَل. (٣)

стр. 11063

وَالْفَاسِدَةُ: أَنْ يُقَيِّدَ فِيهَا الْمُحَال عَلَيْهِ بِالأَْدَاءِ مِنْ ثَمَنِ دَارِ الْمُحِيل، لأَِنَّهَا حَوَالَةٌ بِمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ، وَهُوَ بَيْعُ دَارِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ بِهَذَا الشَّرْطِ لاَ تَكُونُ تَوْكِيلاً بِبَيْعِ دَارِ الْمُحِيل. (١) (أَيْ لِكَيْ يَكُونَ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ) . ب - الشُّرُوطُ اللاَّحِقَةُ: ١٠٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الشُّرُوطِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ - أَيًّا كَانَ هَذَا الْعَقْدُ - هَل تَلْحَقُهُ أَمْ لاَ؟ فَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِلَحَاقِ الشُّرُوطِ الَّتِي لَمْ تُشْرَطْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وُقُوعِهَا قَبْل لُزُومِ الْعَقْدِ. (٢) وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ: قَوْلٌ بِاللَّحَاقِ، وَيُعْزَى إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلٌ بِعَدَمِهِ وَيُعْزَى إِلَى الصَّاحِبَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْل بِاللِّحَاقِ: ١ - لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الشَّرْطُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَنْ يَقَعَ خَارِجَهُ، خِلاَفًا لِمَنْ شَرَطَ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ. (٣) ٢ - إِذَا كَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا يُفْسِدُ الْعَقْدَ لَحَاقُهُ إِلاَّ

стр. 11064

أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْوَعْدِ (وَلِنُسَمِّهِ شَرْطًا وَعْدِيًّا) لاَ يُفْسِدُهُ، بَل لاَ بَأْسَ حِينَئِذٍ بِأَنْ يَكُونَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ. ثُمَّ هَل يَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ الْوَعْدِيُّ مُلْزِمًا أَوْ غَيْرَ مُلْزِمٍ؟ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ مُصَحَّحَانِ فِي الْمَذْهَبِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الْوَعْدِيُّ فِي ذَاتِهِ لَيْسَ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. فَالْقَائِل بِعَدَمِ اللُّزُومِ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْوَعْدَ لاَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ قَضَاءً. وَالْقَائِل بِاللُّزُومِ مَلْحَظُهُ أَنَّ الْمَوَاعِيدَ قَدْ تَلْزَمُ، فَتُجْعَل هُنَا لاَزِمَةً لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى لُزُومِهَا. (١) هَذَا تَقْرِيرُ الْقَاعِدَةِ فِي ذَاتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى صَعِيدِ الْعَقْدِ بِوَجْهٍ عَامٍّ أَيًّا كَانَ نَوْعُهُ. فَإِذَا أُرِيدَ تَطْبِيقُهَا هُنَا عَلَى عَقْدِ الْحَوَالَةِ - بِوَجْهٍ خَاصٍّ يَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - كَمَا هُوَ وَاضِحٌ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّرُوطِ، وَنَوْعَيْنِ مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي تُصَاغُ بِهَا. النَّوْعُ الأَْوَّل مِنَ الشُّرُوطِ الْمُلْحَقَةِ: شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ: ١٠٤ - (١) كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ أَحَدُ الأَْطْرَافِ شَرْطًا مُلْحَقًا بَعْدَ الْعَقْدِ أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ عَقْدًا غَيْرَ لاَزِمٍ: بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ أَطْرَافِهَا، أَوْ

стр. 11065

لِطَرَفٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يَنْقُضَهَا مَتَى شَاءَ، دُونَ تَقَيُّدٍ بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ. (١) (٢) أَوْ يَشْتَرِطُ الْمُحِيل أَنَّ الْحَوَالَةَ مَاضِيَةً قَطْعِيَّةً قَطَعَتْ كُل عَلاَقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ تَتَأَثَّرُ بِمَوْتِ مُحِيلٍ، وَلاَ بِمَوْتِ مُحَالٍ عَلَيْهِ أَوْ إِفْلاَسِهِ، وَلاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ لِلْمُحَال سَوَاءٌ وُفِّيَتِ الْحَوَالَةُ أَمْ لاَ. (٣) أَوْ يُشْتَرَطُ مَا يُشْبِهُ الْمُقَامَرَةَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَنْ لاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَوْ تَلِفَ الْمَال الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ أَوِ اسْتُحِقَّ. وَوَاضِحٌ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الشُّرُوطِ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فِي قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ فَهِيَ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ فِي نَفْسِهَا. ثُمَّ إِنْ قُلْنَا بِلَحَاقِهَا بِعَقْدِ الْحَوَالَةِ إِذَا شُرِطَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّهَا تُفْسِدُهُ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ نَقُل يَلْحَقَاهَا اقْتَصَرَ فَسَادُهَا عَلَيْهَا بِذَوَاتِهَا، وَلَمْ يَتَعَدَّ إِلَى الْعَقْدِ نَفْسِهِ. عَلَى أَنَّهُ حِينَ يُصَاغُ الشَّرْطُ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَأَمْثَالِهَا بِصِيغَةِ الْوَعْدِ (كَأَنْ يَقُول الْمُحَال بَعْدَ الْعَقْدِ: إِنِّي مُلْتَزِمٌ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ أَبَدًا وَلَنْ أَرْجِعَ عَلَيْكَ بِحَالٍ مِنَ الأَْحْوَال، أَوْ يَقُول الْمُحِيل: إِنَّنَا مُلْتَزِمَانِ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ، وَلَكِنَّنِي سَأُذْعِنُ لإِِرَادَتِكَ إِنْ بَدَا لَكَ أَنْ تَفْسَخَهَا أَنْتَ
следующие страницы →