← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11061–11100 · переход к 11066.

стр. 11061

١٠١ - وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ فَسْخُهَا أَوْ إِبْطَالُهَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُشْرَطْ لَهُ الْخِيَارُ. (١) وَمُدَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَيَّةُ مُدَّةٍ تُعْلَمُ نِهَايَتُهَا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لِمَنْ يَجِبُ رِضَاهُ فِي الْحَوَالَةِ، وَهُوَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ فَحَسْبُ، كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ كَلاَمِ بَعْضِهِمْ. (٢) ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمُحَال أَوِ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ كِلَيْهِمَا، فَبَدَا لِهَذَا أَوْ ذَاكَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَنْ يَعْدِل عَنِ الْعَقْدِ فَذَلِكَ لَهُ، لأَِنَّ أَحَدَ الشَّخْصَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا قَدْ يَجْهَل صَاحِبُهُ بَعْضَ جَهَالَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ تَقَصِّي أَحْوَالِهِ يَبْدُو لَهُ أَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ لَيْسَتْ فِي مَصْلَحَتِهِ فَيُرَاجِعُ نَفْسَهُ قَبْل فَوَاتِ الأَْوَانِ. وَقَدْ لاَ يَجْهَل، وَلَكِنْ تَتَغَيَّرُ حَتَّى فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ الْقَصِيرَةِ، ظُرُوفُ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى أَسْوَأَ، أَوِ الْمُحِيل إِلَى أَفْضَل، أَوْ يَقَعُ التَّغَيُّرَانِ كِلاَهُمَا، فَيُؤْثِرُ الْمُحَال أَنْ يَعُودَ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ. أَمَّا الْمُحِيل فَشَرْطُ الْخِيَارِ لَهُ أَصَالَةً بَيِّنٌ جِدًّا، عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ، فَقَدْ يَأْنَفُ

стр. 11062

بَعْدَ شَيْءٍ مِنَ الرَّوِيَّةِ - أَنْ يَتَحَمَّل عَنْهُ فُلاَنٌ دَيْنَهُ، وَقَدْ يَكُونُ ذَا صِلَةٍ خَاصَّةٍ بِالْمُحَال عَلَيْهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ ضَعْفًا، وَأَنَّ مَكَانَ الْمُحَال سَيَثْقُل عَلَيْهِ فَتَأْخُذُهُ بِهِ رَأْفَةٌ، وَيُعِيدُ الدَّيْنَ إِلَى نَفْسِهِ كَرَّةً أُخْرَى، ثِقَةً بِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى مُعَالَجَةِ صَاحِبِهِ. (١) وَانْفِسَاخُ الْحَوَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِمْرٍ عَارِضٍ كَالتَّوَى وَمَوْتِ الْمُحِيل فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَوْ مُطْلَقًا - عَلَى الْخِلاَفِ عِنْدَهُمْ - لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ (ر: ف ١٣٨، ١٤١) . ١٠٢ - وَقَدْ أَفَادَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الْبَحْرِ نَقْلاً عَنِ الْخُلاَصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: لاَزِمَةٍ وَجَائِزَةٍ وَفَاسِدَةٍ. فَاللاَّزِمَةُ: أَنْ يُحِيل الْمَدِينُ دَائِنَهُ عَلَى آخَرَ وَيَقْبَل الْحَوَالَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُقَيَّدَةً أَمْ مُطْلَقَةً. وَالْجَائِزَةُ: أَنْ يُقَيِّدَهَا بِأَنْ يُعْطِيَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ (٢) مِنْ ثَمَنِ دَارِ نَفْسِهِ، فَلاَ يُجْبَرُ الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى الْبَيْعِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ عِنْدَ الْحَصَادِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ الْمَال قَبْل الأَْجَل. (٣)

стр. 11063

وَالْفَاسِدَةُ: أَنْ يُقَيِّدَ فِيهَا الْمُحَال عَلَيْهِ بِالأَْدَاءِ مِنْ ثَمَنِ دَارِ الْمُحِيل، لأَِنَّهَا حَوَالَةٌ بِمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ، وَهُوَ بَيْعُ دَارِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ بِهَذَا الشَّرْطِ لاَ تَكُونُ تَوْكِيلاً بِبَيْعِ دَارِ الْمُحِيل. (١) (أَيْ لِكَيْ يَكُونَ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ) . ب - الشُّرُوطُ اللاَّحِقَةُ: ١٠٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الشُّرُوطِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ - أَيًّا كَانَ هَذَا الْعَقْدُ - هَل تَلْحَقُهُ أَمْ لاَ؟ فَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِلَحَاقِ الشُّرُوطِ الَّتِي لَمْ تُشْرَطْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وُقُوعِهَا قَبْل لُزُومِ الْعَقْدِ. (٢) وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ: قَوْلٌ بِاللَّحَاقِ، وَيُعْزَى إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلٌ بِعَدَمِهِ وَيُعْزَى إِلَى الصَّاحِبَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْل بِاللِّحَاقِ: ١ - لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الشَّرْطُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَنْ يَقَعَ خَارِجَهُ، خِلاَفًا لِمَنْ شَرَطَ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ. (٣) ٢ - إِذَا كَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا يُفْسِدُ الْعَقْدَ لَحَاقُهُ إِلاَّ

стр. 11064

أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْوَعْدِ (وَلِنُسَمِّهِ شَرْطًا وَعْدِيًّا) لاَ يُفْسِدُهُ، بَل لاَ بَأْسَ حِينَئِذٍ بِأَنْ يَكُونَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ. ثُمَّ هَل يَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ الْوَعْدِيُّ مُلْزِمًا أَوْ غَيْرَ مُلْزِمٍ؟ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ مُصَحَّحَانِ فِي الْمَذْهَبِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الْوَعْدِيُّ فِي ذَاتِهِ لَيْسَ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. فَالْقَائِل بِعَدَمِ اللُّزُومِ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْوَعْدَ لاَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ قَضَاءً. وَالْقَائِل بِاللُّزُومِ مَلْحَظُهُ أَنَّ الْمَوَاعِيدَ قَدْ تَلْزَمُ، فَتُجْعَل هُنَا لاَزِمَةً لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى لُزُومِهَا. (١) هَذَا تَقْرِيرُ الْقَاعِدَةِ فِي ذَاتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى صَعِيدِ الْعَقْدِ بِوَجْهٍ عَامٍّ أَيًّا كَانَ نَوْعُهُ. فَإِذَا أُرِيدَ تَطْبِيقُهَا هُنَا عَلَى عَقْدِ الْحَوَالَةِ - بِوَجْهٍ خَاصٍّ يَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - كَمَا هُوَ وَاضِحٌ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّرُوطِ، وَنَوْعَيْنِ مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي تُصَاغُ بِهَا. النَّوْعُ الأَْوَّل مِنَ الشُّرُوطِ الْمُلْحَقَةِ: شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ: ١٠٤ - (١) كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ أَحَدُ الأَْطْرَافِ شَرْطًا مُلْحَقًا بَعْدَ الْعَقْدِ أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ عَقْدًا غَيْرَ لاَزِمٍ: بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ أَطْرَافِهَا، أَوْ

стр. 11065

لِطَرَفٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يَنْقُضَهَا مَتَى شَاءَ، دُونَ تَقَيُّدٍ بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ. (١) (٢) أَوْ يَشْتَرِطُ الْمُحِيل أَنَّ الْحَوَالَةَ مَاضِيَةً قَطْعِيَّةً قَطَعَتْ كُل عَلاَقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ تَتَأَثَّرُ بِمَوْتِ مُحِيلٍ، وَلاَ بِمَوْتِ مُحَالٍ عَلَيْهِ أَوْ إِفْلاَسِهِ، وَلاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ لِلْمُحَال سَوَاءٌ وُفِّيَتِ الْحَوَالَةُ أَمْ لاَ. (٣) أَوْ يُشْتَرَطُ مَا يُشْبِهُ الْمُقَامَرَةَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَنْ لاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَوْ تَلِفَ الْمَال الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ أَوِ اسْتُحِقَّ. وَوَاضِحٌ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الشُّرُوطِ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فِي قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ فَهِيَ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ فِي نَفْسِهَا. ثُمَّ إِنْ قُلْنَا بِلَحَاقِهَا بِعَقْدِ الْحَوَالَةِ إِذَا شُرِطَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّهَا تُفْسِدُهُ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ نَقُل يَلْحَقَاهَا اقْتَصَرَ فَسَادُهَا عَلَيْهَا بِذَوَاتِهَا، وَلَمْ يَتَعَدَّ إِلَى الْعَقْدِ نَفْسِهِ. عَلَى أَنَّهُ حِينَ يُصَاغُ الشَّرْطُ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَأَمْثَالِهَا بِصِيغَةِ الْوَعْدِ (كَأَنْ يَقُول الْمُحَال بَعْدَ الْعَقْدِ: إِنِّي مُلْتَزِمٌ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ أَبَدًا وَلَنْ أَرْجِعَ عَلَيْكَ بِحَالٍ مِنَ الأَْحْوَال، أَوْ يَقُول الْمُحِيل: إِنَّنَا مُلْتَزِمَانِ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ، وَلَكِنَّنِي سَأُذْعِنُ لإِِرَادَتِكَ إِنْ بَدَا لَكَ أَنْ تَفْسَخَهَا أَنْتَ

стр. 11066

فَالَّذِي يَبْدُو أَنَّ هَذَا لاَ يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. أَمَّا جَعْلُهُ أَمْرًا جَائِزًا بِطَرِيقِ الْعِدَةِ، فَهَذَا وَمَا إِلَيْهِ مِمَّا يَجِيءُ فِيهِ الْخِلاَفُ فِي لُزُومِ الْوَعْدِ وَعَدَمِ لُزُومِهِ. النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الشُّرُوطِ الْمُلْحَقَةِ: شُرُوطٌ صَحِيحَةٌ: ١٠٥ - (١) وَذَلِكَ كَاشْتِرَاطِ الْمُحَال أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ رَهْنًا أَوْ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا. (٢) أَوِ اشْتِرَاطُ الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَال عَلَى الأَْصِيل مُؤَجَّلاً عَلَيْهِ هُوَ. (٣) أَوْ أَنْ يُشْتَرَطَ لأَِحَدِ الأَْطْرَافِ الْخِيَارُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ مُدَّةً مَا مَعْلُومَةً عَلَى مَا سَلَفَ (ر: ف ١٠١) فَإِنَّ هَذِهِ مَصَالِحُ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حَظْرٌ شَرْعِيٌّ - إِذَا كَانَتِ الْمُعَامَلَةُ فِي الْمِثَالَيْنِ الأَْخِيرَيْنِ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيل الصَّرْفِ - فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الشُّرُوطِ لَوْ أَنَّ الْعَاقِدَ شَرَطَهَا فِي أَثْنَاءِ الْعَقْدِ لَصَحَّتْ وَتَمَّ الْعَقْدُ عَلَى وَفْقِ أَغْرَاضِهِ الصَّحِيحَةِ تِلْكَ، إِذْ هِيَ بَيْنَ شَرْطٍ مُلاَئِمٍ لِعَقْدِ الْحَوَالَةِ، أَوْ مَأْذُونٍ فِيهِ بِتَرْخِيصِ الشَّارِعِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ نَفْسِهِ - فَلَوْ نَسِيَ اشْتِرَاطَ شَيْءٍ مِنْهَا فِي أَثْنَاءِ الْعَقْدِ فَاتَّفَقَا عَلَى إِلْحَاقِهِ جَازَ إِلْحَاقًا، كَمَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُعْتَبَرُ اشْتِرَاطُ يَسَارِ الْمُحَال عَلَيْهِ مِنْ

стр. 11067

مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ، بِدَلِيل الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل إِذَا تَوِيَ الدَّيْنُ. حَتَّى إِنَّهُ لَوْ فَاتَهُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَأْسٍ فِي أَنْ يَتَدَارَكَ، وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، وَهْم قَدْ صَرَّحُوا بِمِثْل ذَلِكَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ الْمُتَعَلِّقِ بِعَقْدِ الْبَيْعِ، وَنَصُّ عِبَارَتِهِمْ: (لَوْ قَال أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْبَيْعِ، وَلَوْ بِأَيَّامٍ: جَعَلْتُكَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ صَحَّ إِجْمَاعًا) ، (١) وَمَجَال التَّيْسِيرِ فِي الْحَوَالَةِ أَوْسَعُ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ. وَلاَ خَفَاءَ فِي هَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْل اللَّحَاقِ بِالْعَقْدِ فِي الشُّرُوطِ الْمُتَرَاخِيَةِ عَنْهُ، أَمَّا عَلَى الْقَوْل الْمُقَابِل، فَلاَ يَسْتَقِيمُ. ١٠٥ م - أَمَّا الشَّرْطُ الْفَاسِدُ أَوِ الصَّحِيحُ فِي نَفْسِهِ، مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَفِيهَا التَّفْصِيل التَّالِي: (أ) إِنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل، إِذَا تَوِيَ الْمَال عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لَيْسَ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ فَاسِدًا، بَل هُوَ اشْتِرَاطُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَأَحَدُ لَوَازِمِهِ غَيْرِ الْمُنْفَكَّةِ عِنْدَ كَثِيرِينَ، بِحَيْثُ لَوْ شُرِطَ خِلاَفُهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لَخَرَجَ الْعَقْدُ عَنْ أَنْ يَكُونَ حَوَالَةً حَقِيقِيَّةً أَوْ لَبَطُل، وَالْبُطْلاَنُ حِينَئِذٍ هُوَ مُخْتَارُ الشَّافِعِيَّةِ. (ر: ف ٣١ و ١٥٦) وَإِنْ كَانَ الَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ سَحْنُونٍ صِحَّةَ الشَّرْطِ، وَلَعَلَّهُ أَحَدُ الأَْوْجُهِ الَّتِي

стр. 11068

أَشَارَ إِلَيْهَا الْخَطِيبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (١) (ب) إِذَا شُرِطَ فِي الْحَوَالَةِ تَقْدِيمُ رَهْنٍ بِالدَّيْنِ أَوْ كَفِيلٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ، وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ (ر: ف ٥٤ - ٥٥) (ج) اشْتِرَاطُ يَسَارِ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يُنَازِعُ أَحَدٌ أَنَّ هَذَا مِنْ مَصَالِحِ الْعَقْدِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُنَاكَ مَنْ يَرَى مَانِعًا مِنْ لُزُومِهِ لَوْ شُرِطَ، كَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ إِعْسَارَ الْمُحَال عَلَيْهِ نَقْصٌ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ (عَلَى أَسَاسِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ قَبِيل بَيْعِ الدَّيْنِ) فَلَوْ لَزِمَ شَرْطُ انْتِفَاءِ الإِْعْسَارِ بِحَيْثُ إِذَا اخْتَل كَانَ الْخِيَارُ الْمُحَال - فِي فَسْخِ الْحَوَالَةِ وَالإِْبْقَاءِ عَلَيْهَا - لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الإِْعْسَارِ عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، عَلَى قَاعِدَةِ خِيَارِ الْعَيْبِ، وَلَيْسَ الأَْمْرُ كَذَلِكَ. وَهُنَاكَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ شَرْطٌ لاَزِمٌ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ، وَعَلَى هَذَا الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَمُوَافِقُوهُ، أَمَّا الإِْعْسَارُ فَعَيْبٌ، وَاشْتِرَاطُ انْتِفَائِهِ غَيْرُ مُجْدٍ عَلَى مَا تَبَيَّنَ. وَلِذَا يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: (قَدْ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ مَا لاَ يَثْبُتُ بِإِطْلاَقِ الْعَقْدِ بِدَلِيل اشْتِرَاطٍ فِي الْمَبِيعِ) . وَمِنْ ثَمَّ لَجَأَ السُّيُوطِيُّ، أَوْ مَنْ نَقَل عَنْهُمْ فِي الأَْشْبَاهِ، إِلَى بِنَاءِ الْقَوْل بِعَدَمِ لُزُومِ شَرْطِ

стр. 11069

الْيَسَارِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ وَالْقَوْل بِلُزُومِهِ عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ. (١) (د) وَأَمَّا شَرْطُ الْمُحَال عَلَيْهِ تَأْجِيل الدَّيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا كَانَ حَالًّا عَلَى الْمُحِيل، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ يَمْنَعُونَ تَأْجِيل الْحَال، وَيَقُولُونَ: (الْحَال لاَ يَتَأَجَّل) أَيْ لاَ يُعْتَبَرُ تَأْجِيلُهُ مُلْزِمًا. وَلَكِنِ الْمَالِكِيَّةُ يَتَوَسَّعُونَ فِي قَابِلِيَّةِ الدَّيْنِ لِلتَّأْجِيل مَا لاَ يَتَوَسَّعُ غَيْرُهُمْ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيُجِيزُونَ تَأْجِيل دَيْنِ الْقَرْضِ، وَيُنَفِّذُونَ شَرْطَهُ. (٢) (ر: ف ٢٤) . أَحْكَامُ الْحَوَالَةِ: ١٠٦ - لِعَقْدِ الْحَوَالَةِ أَثَرَانِ رَئِيسِيَّانِ هُمَا بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُحِيل مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي أَحَال بِهِ، وَاشْتِغَال ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانٌ لِهَذَيْنِ الأَْثَرَيْنِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى: ١ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال . ٢ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ. ٣ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال عَلَيْهِ. ١ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال: وَيَظْهَرُ ذَلِكَ الأَْثَرُ فِيمَا يَلِي:

стр. 11070

بَرَاءَةُ الْمُحِيل مِنْ دَيْنِ الْمُحَال ثُمَّ مِنْ مُطَالَبَتِهِ: ١٠٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى صَحَّتِ الْحَوَالَةُ فَقَدْ فَرَغَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيل مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ لِدَائِنِهِ الَّذِي قَبِل الاِحْتِيَال بِهِ، وَبِالتَّالِي لاَ يَكُونُ لِهَذَا الدَّائِنِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ. لَكِنِ الْحَنَفِيَّةُ قَيَّدُوا بَرَاءَةَ ذِمَّةِ الْمُحِيل وَسُقُوطَ حَقِّ الْمُطَالِبِ بِعَدَمِ التَّوْيِ - عَلَى اخْتِلاَفٍ فِي تَفْسِيرِ الْتَوَى - إِلاَّ فِي حَالاَتٍ اسْتَثْنَوْهَا وَنَصُّوا عَلَيْهَا. (١) كَوْنُ الْحَوَالَةِ تَنْقُل الدَّيْنَ وَالْمُطَالَبَةَ: ١٠٨ - وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ الْحَوَالَةِ تَنْقُل الدَّيْنَ وَالْمُطَالَبَةَ مَعًا النَّتَائِجُ التَّالِيَةُ: (أ) مَتَى بَرِئَ الْمُحِيل وَكَانَ لَهُ كَفِيلٌ، بَرِئَ كَفِيلُهُ تَبَعًا، إِذْ لاَ مَعْنَى لِمُطَالَبَتِهِ بِدَيْنٍ لاَ وُجُودَ لَهُ. (ب) لَوْ أَحَال الْكَفِيل الْمَكْفُول لَهُ عَلَى غَيْرِ الْمَدِينِ الْمَكْفُول (الأَْصْل) بَرِئَ الْكَفِيل الْمُحِيل وَالْمَدِينُ الأَْصِيل مَعًا، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ بِإِطْلاَقِهَا تَنْصَرِفُ إِلَى الدَّيْنِ، وَهُوَ عَلَى الأَْصْل، فَيَبْرَأُ الأَْصِيل أَوَّلاً، ثُمَّ الْكَفِيل الْمُحِيل تَبَعًا، هَذَا مَا لَمْ يَنُصَّ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى بَرَاءَةِ الْكَفِيل الْمُحِيل وَحْدَهُ

стр. 11071

فَحَسْبُ، وَإِلاَّ بَرِئَ هُوَ وَحْدَهُ، قِيَاسًا عَلَى صُلْحِ الْكَفِيل مَعَ الطَّالِبِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ إِذَا تَوِيَ الْمَال عَادَ الدَّائِنُ الْمُحَال عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَفْقًا لِلْحُكْمِ الْعَامِّ فِي الْحَوَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَبَرَاءَةُ الْمَكْفُول وَالْكَفِيل مَعًا أَصَالَةً وَتَبَعًا إِذَا أَحَال أَحَدُهُمَا الدَّائِنَ لاَ يُنَازِعُ فِيهَا الشَّافِعِيَّةُ وَلاَ الْحَنَابِلَةُ. (١) أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُوَافِقُونَ عَلَى بَرَاءَتِهِمَا بِإِحَالَةِ الأَْصِيل، لأَِنَّ الْكَفِيل تَبَعٌ لَهُ، لَكِنَّهُمْ يُنَازِعُونَ فِي الْعَكْسِ: إِذْ لاَ يَبْرَأُ الأَْصِيل عِنْدَهُمْ بِحَالَةِ الْكَفِيل، وَإِنَّمَا يَبْرَأُ الْكَفِيل وَحْدَهُ لأَِنَّ الأَْصْل لاَ يَتْبَعُ الْفَرْعَ. (٢) وَمِمَّا يَتَّصِل بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ: ج - (إِنَّ الْكَفَالَةَ مَتَى انْعَقَدَتْ بِأَمْرِ الْمَكْفُول عَنْهُ فَإِنَّهَا تُوجِبُ دَيْنَيْنِ: دَيْنًا لِلطَّالِبِ عَلَى الْكَفِيل، وَدَيْنًا لِلْكَفِيل عَلَى الْمَكْفُول عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّ هَذَا الأَْخِيرَ مُؤَجَّلٌ إِلَى وَقْتِ الأَْدَاءِ) وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يَتَسَنَّى لِلْكَفِيل أَنْ يُحِيل الْمَكْفُول لَهُ عَلَى الأَْصِيل

стр. 11072

حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِدَيْنِهِ هَذَا عَلَيْهِ، فَإِذَا قَبِل الأَْصِيل وَالْمَكْفُول لَهُ بَرِئَ الْكَفِيل، لَكِنْ بَرَاءَةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِعَدَمِ التَّوَى - عَلَى قَاعِدَةِ بَرَاءَةِ الْمُحِيل - وَهِيَ مِنْ وَقَائِعِ الْفَتْوَى، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَحَال الْمُحَال عَلَيْهِ الطَّالِبَ عَلَى الْمُحِيل، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ بَرَاءَةً مُؤَبَّدَةً لاَ رُجُوعَ بَعْدَهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ تَوِيَ الْمَال الَّذِي عَلَى الأَْصِيل، لأَِنَّهُ هُوَ الْمُحِيل الأَْوَّل فَالْقَرَارُ عَلَيْهِ. (١) (ر: ف ١٧١) أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْكَفِيل الضَّامِنَ، وَلَوْ بِالأَْمْرِ، لاَ يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ، فَلاَ مَجَال لِلْقَوْل بِأَنَّهُ تَصِحُّ حَوَالَةُ الْكَفِيل أَوْ غَيْرُ حَوَالَتِهِ، وَلِذَا يَقُول الْخَطِيبُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: (لَوْ أَبْرَأَ الضَّامِنُ الأَْصِيل، أَوْ صَالَحَهُ، عَمَّا سَيَغْرَمُ فِي مَالِهِ، أَوْ رَهَنَهُ الأَْصِيل شَيْئًا بِمَا ضَمِنَهُ، أَوْ قَامَ بِهِ كَفِيلاً لَمْ يَصِحَّ، لاَ يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ) . (٢) د - إِنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ، أَوِ الإِْبْرَاءَ مِنْهُ، أَوْ أَخْذَ رَهْنٍ بِهِ، كَانَ قَبْل الْحَوَالَةِ حَقًّا لِلدَّائِنِ تُجَاهَ الْمَدِينِ دُونَ غَيْرِهِ، أَمَّا بَعْدَ الْحَوَالَةِ فَبِالْعَكْسِ، إِذْ يُصْبِحُ حَقًّا لِلدَّائِنِ تُجَاهَ الْمُحَال عَلَيْهِ دُونَ الْمُحِيل. (٣) هـ - لَوْ مَاتَ الْمُحِيل حَوَالَةً مُطْلَقَةً، لاَ يَأْخُذُ الْمُحَال الدَّيْنَ مِنْ تَرِكَتِهِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ بَاقِيَةٌ

стр. 11073

وَمُقْتَضَاهَا بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ كَفِيلاً مِنْ وَرَثَتِهِ أَوِ الْغُرَمَاءِ، لِئَلاَّ يَتْوَى حَقُّهُ. الْمُحِيل ضَامِنٌ لِدَيْنِ الْحَوَالَةِ: ١٠٩ - هَذَا الْحُكْمُ انْفَرَدَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ الْمُحَال عَنِ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِ مِنْ طَرِيقِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيل بِدَيْنِهِ، كَمَا كَانَ أَوَّلاً. وَلَوْلاَ هَذَا الضَّمَانُ لَمَا اسْتَقَامَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ ضَمَانٌ بِاعْتِبَارِ الْمَال لاَ بِاعْتِبَارِ الْحَال، وَلَوْ شَرَطَ ضَمَانَهُ فِي الْحَال لَصَارَتْ كَفَالَةً. (١) ٢ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ: ١١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَشْغَل ذِمَّةَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِحَقٍّ أَنْشَأَتْهُ الْحَوَالَةُ لِلْمُحَال، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَةِ هَذَا الاِشْتِغَال: هَل هُوَ انْتِفَاءُ الدَّيْنِ، أَوِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، أَوْ مُجَرَّدُ اشْتِغَال ذِمَّةٍ جَدِيدَةٍ دُونَ انْتِقَالٍ (كَمَا فِي الْكَفَالَةِ) . فَالْمُهِمُّ أَنَّ الْحَوَالَةَ كَمَا أَحْدَثَتْ بَرَاءَةً فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل عَلَى اخْتِلاَفٍ فِي نَوْعِ هَذِهِ الْبَرَاءَةِ وَدَرَجَتِهَا، قَدْ أَحْدَثَتْ شُغْلاً فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ. وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَا الشُّغْل مَا يَلِي: أ - ثُبُوتُ وِلاَيَةٍ لِلْمُحَال فِي مُطَالَبَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ: ١١١ - وَهِيَ مُطَالَبَةٌ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال

стр. 11074

عَلَيْهِ (عَلَى الْمُصَحَّحِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْحَوَالَةَ تَنْقُل الدَّيْنَ أَيْضًا، لاَ الْمُطَالَبَةَ وَحْدَهَا) أَوْ هِيَ مُطَالَبَةٌ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ وَلاَ تَنْقُل الدَّيْنَ، سَوَاءٌ أَنَقَلَتِ الْمُطَالَبَةَ أَمْ لاَ. وَعَلَى كُل حَالٍ فَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ لَيْسَتْ أَثَرًا مُبَاشِرًا لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بَل بِوَاسِطَةِ الأَْثَرِ السَّابِقِ: أَعْنِي اشْتِغَال ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ بِحَقِّ الْمُحَال. (وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ حِينَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ مُطَالَبَةِ الْمُحِيل أَيْضًا، بِسَبَبِ اشْتِرَاطِ عَدَمِ بَرَاءَتِهِ، تَكُونُ الْحَوَالَةُ قَدْ تَجَاوَزَتْ نِطَاقَهَا وَصَارَتْ كَفَالَةً) . ثُمَّ قَدْ تَسْقُطُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ قَبْل الإِْيفَاءِ - إِمَّا بِاخْتِيَارِ الْمُحَال، وَإِمَّا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. فَمِنَ الْحَالَةِ الأُْولَى - أَنْ يُبَرِّئَ الْمُحَال الْمُحَال عَلَيْهِ إِبْرَاءَ إِسْقَاطٍ، أَوْ إِبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ، وَتُعْتَبَرُ هَذِهِ الأَْخِيرَةُ إِقْرَارًا بِالْوَفَاءِ. وَمِنَ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ - أَنْ يُقَدِّمَ الْمُحِيل وَفَاءَ دَيْنِهِ، إِذْ الْمُحَال يُجْبَرُ حِينَئِذٍ عَلَى قَبُول هَذَا الْوَفَاءِ. وَأَمَّا إِجْبَارُ الْمُحَال عَلَى قَبُول إِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنَ الْمُحِيل، فَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا عَدَا الْمَالِكِيَّةِ، يُوَافِقُ عَلَيْهِ بِصَرِيحِ الْعِبَارَةِ أَوْ مَا يُشْبِهُ صَرِيحَهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ بِسُؤَالٍ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ نَائِبٌ عَنْهُ فِي إِقْبَاضِ الطَّالِبِ، أَمَّا الْمُبَادَرَةُ التِّلْقَائِيَّةُ، فَإِنَّ الْمُحِيل يَكُونُ بِهَا مُتَبَرِّعًا، حَتَّى إِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَى أَحَدٍ - خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ -

стр. 11075

فَهِيَ مِنْهُ مِنَّةٌ، وَلاَ يُوجِبُ أَحَدٌ قَبُول الْمِنَنِ إِذَا اسْتَثْنَيْنَا الْمَالِكِيَّةَ عِنْدَ اللُّجُوءِ إِلَى الْقَضَاءِ: فَهُمْ عِنْدَئِذٍ فَقَطْ يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى هَذَا الإِْجْبَارِ. (١) ب - ثُبُوتُ حَقٍّ لِلْمُحَال فِي مُلاَزَمَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ: ١١٢ - لاَ خِلاَفَ فِي هَذَا الْحَقِّ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَعْرِضُ الْخِلاَفُ فِي بَعْضِ النَّتَائِجِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ. فَمِنَ الْمُقَرَّرِ - مَثَلاً - أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِالدَّيْنِ أَكْثَرُ مِنْ ضَامِنٍ، وَأُحِيل عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَإِنَّ لِلْمُحَال - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - أَنْ يُطَالِبَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ: إِنْ شَاءَ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ بِبَعْضٍ مِنْهُ. (٢) وَإِذَنْ يَتَوَجَّهُ السُّؤَال التَّالِي: إِذَا أَحَال الدَّائِنُ بِدَيْنِهِ عَلَى اثْنَيْنِ كَفَلاَهُ لَهُ مَعًا، كَمَا لَوْ قَال أَحَدُهُمَا: ضَمِنْتُ لَكَ أَنَا، وَهَذَا، مَا لَكَ عَلَى فُلاَنٍ، وَقَال الآْخَرُ: نَعَمْ. فَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُطَالِبُ كُلًّا مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ - وَلِنَفْرِضَ أَنَّهُ أَلْفٌ - قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ رَهَنَا بِهِ بَيْتَهُمَا الْمُشْتَرَكَ، فَإِنَّ حِصَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا تَكُونُ رَهْنًا بِجَمِيعِ الأَْلْفِ.

стр. 11076

وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُطَالِبُ كُلًّا مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ لاَ غَيْرُ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوِ اشْتَرَيَا بَيْتًا بِأَلْفٍ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً. (١) ج - عَدَمُ جَوَازِ امْتِنَاعِ الْمُحَال عَلَيْهِ عَنِ الدَّفْعِ: ١١٣ - يَلُومُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالأَْدَاءِ إِلَى الْمُحَال بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْحَوَالَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الاِمْتِنَاعُ سَوَاءٌ أَوَقَعَ الْتِزَامُ الدَّفْعِ فِي الْحَوَالَةِ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ أَمْ بِمَا فِي مَعْنَاهَا. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّل الْمُحَال عَلَيْهِ بِعِلَّةٍ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْمُحِيل، لِيَبْرَأَ هُوَ بِذَلِكَ عَنِ الدَّفْعِ، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ: (الْحَالَةُ الأُْولَى) : حَالَةُ ادِّعَائِهِ أَمْرًا مُسْتَنْكَرًا، أَوْ وُقُوفِهِ مَوْقِفَ الْمُتَنَاقِضِ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ دَيْنَ الْحَوَالَةِ لاَ وُجُودَ لَهُ أَصْلاً عَلَى التَّحْقِيقِ، لأَِنَّهُ ثَمَنُ خَمْرٍ بَاعَهَا مُسْلِمٌ، أَوْ لأَِنَّهُ صَدَاقُ امْرَأَةٍ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ لِكَذَا وَكَذَا، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَيِّنَةٌ لاَ تُقْبَل، لأَِنَّهُ أَوَّلاً يَدَّعِي أَمْرًا نُكْرًا لَيْسَ بِالظَّاهِرِ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَلأَِنَّهُ ثَانِيًا مُتَنَاقِضٌ مَعَ نَفْسِهِ: إِذْ قَبُولُهُ الْحَوَالَةَ يُكَذِّبُ دَعْوَاهُ.

стр. 11077

(وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) : حَالَةُ عَدَمِ النَّكَارَةِ وَالتَّنَاقُضِ كِلَيْهِمَا. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَتُقْبَل بَيِّنَتُهُ، لأَِنَّهُ يَدَّعِي مُشَبَّهًا، وَيُبَرْهِنُ عَلَيْهِ، مِثَال ذَلِكَ، أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ دَيْنَ الْحَوَالَةِ صَدَاقُ امْرَأَةٍ كَانَتْ أَبْرَأَتْ مِنْهُ زَوْجَهَا الْمُحِيل، أَوْ أَنَّ الزَّوْجَ قَدْ نَقَدَهَا إِيَّاهُ بَعْدُ، أَوْ بَاعَهَا بِهِ شَيْئًا وَأَقْبَضَهَا. وَهَكَذَا إِذَا كَانَ الْمُحِيل نَفْسُهُ حَاضِرًا، وَادَّعَى مُبَرِّئًا، لِيَبْرَأَ هُوَ أَوَّلاً، ثُمَّ يَبْرَأَ الْمُحَال عَلَيْهِ تَبَعًا، أَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى النَّحْوَيْنِ الآْنِفَيْنِ: إِمَّا مَرْفُوضُ الدَّعْوَى، أَوْ مَقْبُول الْبَيِّنَةِ. (١) د - الضَّمَانَاتُ وَالدُّفُوعُ: ١١٤ - الْحَقُّ الَّذِي اشْتَغَلَتْ بِهِ ذِمَّةُ الْمُحَال عَلَيْهِ هُوَ الدَّيْنُ الَّذِي كَانَ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ حُقُوقٍ، لَكِنِ الْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا: ١ - هَل يَنْتَقِل الدَّيْنُ بِضَمَانَاتِهِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، أَمْ لاَ؟ ١١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى بَقَاءِ الضَّمَانَاتِ الَّتِي هِيَ لِمَصْلَحَةِ الْمَدِينِ - كَالأَْجَل، وَأَسْبَابِ سُقُوطِ الدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ أَصَالَةً أَوْ إِيفَاءً - وَإِلَى سُقُوطِ الضَّمَانَاتِ الَّتِي هِيَ لِمَصْلَحَةِ الدَّائِنِ كَالرَّهْنِ، وَالْكَفَالَةِ، بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ الْمُوَثَّقِ عَلَيْهِ، لأَِنَّهَا كَالْقَبْضِ، وَيُسْتَدَلُّونَ عَلَى أَنَّهَا

стр. 11078

كَالْقَبْضِ، بِسُقُوطِ حَبْسِ الْبَائِعِ الْمَبِيعِ إِذَا أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَسُقُوطِ حَبْسِ الزَّوْجَةِ نَفْسَهَا إِذَا أَحَالَهَا الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ. بَل نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ بَقَاءَ الرَّهْنِ بَطَلَتْ، إِنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، وَوَثِيقَةٌ بِغَيْرِ دَيْنٍ. (١) ١١٦ - وَفِي كَلاَمِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ مَا قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الدَّيْنَ يَنْتَقِل بِضَمَانَاتِهِ، لأَِنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ انْتِقَالِهِ صِيَغَ عُمُومٍ تَشْمَل تِلْكَ الضَّمَانَاتِ: فَهُمْ مَثَلاً حِينَ يُعَلِّلُونَ لِمَاذَا تَكُونُ الْحَوَالَةُ بِدَيْنٍ حَالٍّ عَلَى الْمُحَال حَالَّةً، كَذَلِكَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، وَبِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ مُؤَجَّلَةً؟ يَقُولُونَ: لأَِنَّ الْحَوَالَةَ لِتَحْوِيل الدَّيْنِ مِنَ الأَْصِيل، وَإِنَّمَا يَتَحَوَّل بِالصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الأَْصِيل. وَلَكِنْ يَبْدُو أَنَّ هَذَا التَّعْمِيمَ غَيْرُ مَقْصُودٍ إِلاَّ فِيمَا يُشْبِهُ الأَْجَل مِنْ وُجُوهِ الدَّفْعِ وَالتَّبَرِّي الَّتِي كَانَتْ لِلْمَدِينِ. وَلِذَا حِينَ يُعَالِجُونَ مَسَائِل التَّأْمِينَاتِ وَالضَّمَانَاتِ، نَجِدُهُمْ قَاطِعِينَ بِنَفْيِ انْتِقَالِهَا، بَل بِانْقِضَائِهَا بِمُجَرَّدِ إِبْرَامِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ. (٢)

стр. 11079

وَالاِتِّجَاهُ الْغَالِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الضَّمَانَاتِ. (النَّوْعُ الأَْوَّل) - ضَمَانَاتٌ لِمَصْلَحَةِ الدَّائِنِ: ١١٧ - كَالْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ، وَحَقِّ الْبَائِعِ فِي حَبْسِ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ، وَحَقِّ الْمَرْأَةِ فِي حَبْسِ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مُعَجَّل مَهْرِهَا وَثِيقَةً بِهِ. وَهَذِهِ لاَ تَنْتَقِل مَعَ الدَّيْنِ بِمَعْنَى أَنَّهَا لاَ تَسْتَمِرُّ ضَمَانًا بِهِ مَحَلُّهُ الْجَدِيدُ، بَل تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّ انْتِقَال الدَّيْنِ عَنْ ذِمَّةِ الْمَدِينِ الْمُحِيل هُوَ بَرَاءَةٌ لِذِمَّتِهِ، فَلاَ مَسَاغَ لِلتَّوَثُّقِ عَلَيْهَا بَعْدَ بَرَاءَتِهَا، وَإِذَنْ فَالدَّيْنُ بِانْتِقَالِهِ يَتَجَرَّدُ مِنْ ضَمَانَاتِهِ تِلْكَ، وَيَكُونُ فِي مَحَلِّهِ الْجَدِيدِ غَيْرَ مَضْمُونٍ بِهَا. وَلِلدَّائِنِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِوَثِيقَةٍ جَدِيدَةٍ يُنْشِئَانِهَا مَعًا - فَإِنْ وَافَقَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَبَى فَلاَ سَبِيل عَلَيْهِ، وَلِذَا جَاءَ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ: (جَازَ لِلْمُحَال أَنْ يَسْتَرْهِنَ مِنْهُ، أَيِ الْمُحَال عَلَيْهِ) . (١) (النَّوْعُ الثَّانِي) - ضَمَانَاتٌ لِمَصْلَحَةِ الْمَدِينِ: ١١٨ - وَهِيَ الأَْسْبَابُ وَالْحُجَجُ الَّتِي تَكُونُ لِلْمَدِينِ التَّعَلُّقُ بِهَا، لِدَفْعِ دَعَاوَى دَائِنِيهِ، وَلِذَا تُسَمَّى فِي الْعُرْفِ الْحَاضِرِ بِالدُّفُوعِ، كَالأَْجَل

стр. 11080

يُتَعَلَّقُ بِهِ لِدَفْعِ الْمُطَالَبَةِ قَبْل حُلُول الدَّيْنِ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ، أَوْ عَدَمِ تَقَوُّمِهِ، لِدَفْعِ الْمُطَالَبَةِ بِثَمَنِهِ، وَسَبَقَ الْوَفَاءُ أَوِ التَّقَاصُّ، لِدَفْعِ دَعْوَى بَقَاءِ الذِّمَّةِ مَشْغُولَةً، وَهَذِهِ حَيْثُ لاَ مَانِعَ تَنْسَحِبُ عَلَى الدَّيْنِ فِي مَحَلِّهِ الْجَدِيدِ. وَلاَ يَنْتَقِل مُجَرَّدًا عَنْهَا، إِذْ يَكُونُ لِلْمُحَال عَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِهَا، كَمَا كَانَ هَذَا التَّمَسُّكُ لِلْمُحِيل، وَمَا يَزَال، فَيُمْكِنُ الْقَوْل: إِنَّ الدَّيْنَ يَنْتَقِل بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الضَّمَانَاتِ، لأَِنَّهَا تُسْنَدُ إِلَى مَدْيُونِيَّةِ الْمُحِيل الَّتِي هِيَ أَسَاسُ الْحَوَالَةِ، وَإِنْ بَقِيَتْ أَيْضًا فِي مَحَلِّهِ الأَْوَّل، فَهِيَ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ. إِلاَّ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يَتَوَلَّى الدَّفْعَ بِغَيْرِ الأَْجَل مِمَّا ذُكِرَ إِلاَّ نِيَابَةً عَنِ الأَْصِيل، فَمَا لَمْ تَثْبُتْ تِلْكَ النِّيَابَةُ، بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ، لاَ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ. (١) لَكِنْ فِي حَالَةِ غَيْبَةِ الأَْصِيل لَهُ التَّعَلُّقُ بِهَذِهِ الدُّفُوعِ دُونَ نِيَابَةٍ، وَلِذَا جَاءَ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ: (غَابَ الْمُحِيل، وَزَعَمَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَنَّ مَال الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل كَانَ ثَمَنَ خَمْرٍ) لاَ تَصِحُّ دَعْوَاهُ، وَإِنْ بَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فِي الْكَفَالَةِ. وَلَوْ أَحَال امْرَأَتَهُ بِصَدَاقِهَا عَلَى رَجُلٍ، وَقَبِل الْحَوَالَةَ، ثُمَّ غَابَ الزَّوْجُ، فَأَقَامَ الْمُحَال عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ نِكَاحَهَا كَانَ فَاسِدًا، وَبَيَّنَ لِذَلِكَ وَجْهًا، لاَ تُقْبَل بَيِّنَتُهُ، وَلَوِ

стр. 11081

ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ أَبْرَأَتْ زَوْجَهَا عَنْ صَدَاقِهَا، أَوْ أَنَّ الزَّوْجَ أَعْطَاهَا الْمَهْرَ، أَوْ بَاعَ بِصَدَاقِهَا مِنْهَا شَيْئًا وَقَبَضَتْهُ، قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ غَيْرَ مَقْبُوضٍ لاَ تُقْبَل بَيِّنَتُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ مُدَّعِيَ فَسَادِ النِّكَاحِ مُتَنَاقِضٌ، أَوْ لأَِنَّهُ يَدَّعِي أَمْرًا مُسْتَنْكَرًا فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، بِخِلاَفِ دَعْوَى الإِْبْرَاءِ أَوِ الْبَيْعِ - أَيْ بَيْعِ الزَّوْجِ لاِمْرَأَتِهِ شَيْئًا بِصَدَاقِهَا - لأَِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، وَكَذَا فِي الْكَفَالَةِ. فَعَلَى هَذَا لَوِ ادَّعَى الْمُحِيل أَنَّهُ أَوْفَاهُ الدَّيْنَ بَعْدَهَا تُسْمَعُ وَتُقْبَل بَيِّنَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ (١) وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ النَّوْعِيَّةِ مِنَ الضَّمَانِ فِي الْحُكْمِ هُوَ الاِتِّجَاهُ الْغَالِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَخَالَفَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ قَائِلٌ كَأَبِي يُوسُفَ بِانْتِقَال الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ الْمُطَالَبَةِ فَقَطْ - لأَِنَّهُ يَرَى أَنَّ النَّوْعَ الأَْوَّل مِنَ الضَّمَانَاتِ يَنْتَقِل أَيْضًا مَعَ الدَّيْنِ، وَيَكُونُ وَثِيقَةً بِهِ فِي مَحَلِّهِ الْجَدِيدِ، لاَ تَنْفَكُّ إِلاَّ بِسُقُوطِهِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْهُ. ٣ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال عَلَيْهِ: أ - حَقُّ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي مُلاَزَمَةِ الْمُحِيل: ١١٩ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مُلاَزَمَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ لِلْمُحِيل خَاصَّةً بِالْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ. أَمَّا مُلاَزَمَةُ

стр. 11082

الْمُحَال لِلْمُحَال عَلَيْهِ فَهِيَ حُكْمٌ عَامٌّ يَثْبُتُ فِي كُل حَوَالَةٍ. وَهَذَانِ الْحَقَّانِ فِي اللاَّزِمَةِ أَحَدُهُمَا - وَهُوَ حَقُّ الْمُحَال عَلَيْهِ - تَبَعٌ لِلآْخَرِ - وَهُوَ حَقُّ الْمُحَال - مَا دَامَ الْوَفَاءُ لَمْ يَتِمَّ بَعْدُ. (١) فَإِنَّ الْمُحَال إِذَا لاَزَمَ الْمُحَال عَلَيْهِ، كَانَ لِلْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يُلاَزِمَ الْمُحِيل، لِيُخَلِّصَهُ وَإِذَا حَبَسَهُ الْمُحَال، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمُحِيل، لِهَذَا الْغَرَضِ نَفْسِهِ، لَكِنْ بِشَرِيطَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ: ١ - أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ بِإِذْنِ الْمُحِيل، أَعْنِي الْمَدِينَ الأَْصْلِيَّ. ٢ - وَأَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، لأَِنَّهُ عِنْدَ تَوَافُرِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ، يَكُونُ الْمُحِيل هُوَ الَّذِي جَرَّ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ هَذِهِ التَّبَعَةَ، فَعُهْدَةُ تَخْلِيصِهِ عَلَيْهِ جَزَاءً وِفَاقًا. أَمَّا إِذَا لَمْ يُلاَزِمْهُ الْمُحَال أَوْ يَحْبِسْهُ، فَبِأَيِّ حَقٍّ يُلاَزِمُ هُوَ الْمُحِيل أَوْ يَحْبِسُهُ، وَالْفَرْضُ أَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْحَوَالَةُ بِإِذْنِ الْمُحِيل يَكُونُ الْمُحَال عَلَيْهِ مُتَبَرِّعًا بِالْتِزَامِهَا، فَلاَ يَتَوَجَّهُ لَهُ عَلَى الْمُحِيل حَقٌّ، وَإِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً لَمْ تَكُنْ مُلاَزَمَتُهُ لِلْمُحِيل، أَوْ حَبْسُهُ بِأَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، فَيَمْتَنِعَانِ إِذْ لَوِ اسْتَعْمَل هُوَ حَقَّهُ فِي ذَلِكَ لَعَامَلَهُ الْمُحِيل بِالْمِثْل، فَلاَ تَكُونُ ثَمَّ جَدْوَى. (٢)

стр. 11083

١٢٠ - وَوَاضِحٌ أَنَّ الشَّرَائِطَ الَّتِي شَرَطَهَا الْحَنَفِيَّةُ لِمُلاَزَمَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ الْمُحِيل، يَسْتَغْنِي غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ مِنْهَا عَنْ شَرِيطَةِ رِضَا الْمُحِيل، إِذِ الْحَوَالَةُ عِنْدَهُمْ لاَ تَكُونُ إِلاَّ بِرِضَاهُ (ر: ف ٣٣) كَمَا يَسْتَغْنُونَ - بِاسْتِثْنَاءِ مُثْبِتِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ مِنْهُمْ - عَنْ شَرِيطَةِ الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَهُمْ لاَ تَكُونُ إِلاَّ مُقَيَّدَةً (ر: ف ٢٥) . ب - حَقُّ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ: أَوَّلاً - حَالَةُ الأَْدَاءِ الْفِعْلِيِّ: ١٢١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ رُجُوعِ الْمُحَال عَلَيْهِ بَعْدَ أَدَائِهِ دَيْنَ الْحَوَالَةِ، لاَ يُتَصَوَّرُ فِي حَوَالَةٍ صَحِيحَةٍ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ نُفَاةِ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ، لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ هُوَ مَدِينٌ لِلْمُحِيل، فَمَا يُؤَدِّيهِ بِحُكْمِ الْحَوَالَةِ إِنَّمَا يُوَفِّي بِهِ ذِمَّتَهُ الْمُحَال عَلَيْهَا، فَلاَ رُجُوعَ لَهُ (ر: ف ٢٥ و ٦٦) ١٢٢ - وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ مَتَى أَدَّى الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى الْمُحَال اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل إِذَا تَوَافَرَتْ شَرَائِطُ الرُّجُوعِ التَّالِيَةُ: (١) - أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ بِرِضَا الْمُحِيل: لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إِذَا أَدَّى لاَ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا، بَل يَكُونُ فِي حَقِيقَةِ الأَْمْرِ قَدِ اشْتَرَى مِنَ الْمُحَال الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِمَا أَدَّاهُ هُوَ إِلَيْهِ، وَحَيْثُ مَلَكَ الدَّيْنَ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَى

стр. 11084

الْمَدِينِ، كَمَا لَوْ وَرِثَهُ أَوْ وَهَبَ مِنْهُ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ بِغَيْرِ رِضَا الْمَدِينِ، كَمَا لَوْ قَال قَائِلٌ لِلطَّالِبِ: لَكَ عَلَى فُلاَنٍ أَلْفٌ فَاحْتَل بِهَا عَلَيَّ فَقَبِل الطَّالِبُ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ حِينَئِذٍ صَحِيحَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَكِنْ لاَ تَثْبُتُ لِلْمُحَال عَلَيْهِ وِلاَيَةُ الرُّجُوعِ عَلَى الْمَدِينِ إِذَا أَدَّى، لأَِنَّهُ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِالأَْدَاءِ، لاَ مَالِكًا لِلدَّيْنِ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ حَذَرًا مِنْ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ. وَإِنَّ الرُّجُوعَ فِي الْحَوَالَةِ يَكُونُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ. (١) (٢) أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَال الْحَوَالَةِ إِلَى الْمُحَال: لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ لَمْ يَمْلِكَ الدَّيْنَ، وَهُوَ إِنَّمَا يَرْجِعُ بِحُكْمِ مِلْكِهِ. (٣) أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدِينًا لِلْمُحِيل بِمِثْل دَيْنِهِ: لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ مَدِينًا لاَلْتَقَى الدَّيْنَانِ وَوَقَعَ التَّقَاصُّ، وَمِنْ ثَمَّ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ، لأَِنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيل، لَرَجَعَ الْمُحِيل عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَبَثًا. (٢) ١٢٣ - وَيَرْجِعُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالْمُحَال بِهِ، إِلاَّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، هِيَ مَا إِذَا صَالَحَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْمُحَال عَنْ حَقِّهِ بِأَقَل مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى.

стр. 11085

فَمَثَلاً لَوْ كَانَ حَقُّهُ مِائَةَ دِينَارٍ فَصَالَحَهُ عَنْهَا بِثَمَانِينَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ إِلاَّ بِالثَّمَانِينَ الَّتِي أَدَّاهَا. وَالْمُحَال عَلَيْهِ بِعَيْنٍ لِلْمُحِيل عِنْدَهُ، كَوَدِيعَةٍ إِذَا لَمْ يُعْطِ الْمُحَال تِلْكَ الْعَيْنَ نَفْسَهَا، وَإِنَّمَا قَضَى الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ هُوَ، يُعَدُّ مُتَبَرِّعًا لاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُحِيل قِيَاسًا، لَكِنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا، وَمَنَحُوهُ حَقَّ الرُّجُوعِ بِمَا أَدَّى، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ غُرَمَاءُ فَإِنَّهُ يُحَاصُّهُمْ. (١) ثَانِيًا: حَالَةُ الأَْدَاءِ الْحُكْمِيِّ: ١٢٤ - يَقُومُ مَقَامَ الأَْدَاءِ الْفِعْلِيِّ الأَْدَاءُ الْحُكْمِيُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢) وَفِي حَالَةِ الأَْدَاءِ الْحُكْمِيِّ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ، أَيْ إِذَا أَحَال الْمُحَال عَلَيْهِ الطَّالِبَ عَلَى غَيْرِ الْمُحِيل، لاَ يَمْلِكُ الْمُحَال عَلَيْهِ الأَْوَّل حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل، إِلاَّ بَعْدَ قَبْضِ الطَّالِبِ فِعْلاً مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ الثَّانِي، وَعَلَّلَهُ السَّرَخْسِيُّ بِقَوْلِهِ: (لأَِنَّهُ بِعُرْضَةِ الْعَوْدِ عَلَى الأَْصِيل، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا) . (٣)

стр. 11086

ج - حَقُّ الْمُحِيل فِي مُطَالَبَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ: ١٢٥ - يُقَرِّرُ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَدِينًا لِلْمُحِيل أَوْ عِنْدَهُ لَهُ عَيْنٌ، وَإِمَّا أَنْ لاَ يَكُونَ: (أ) فَإِنْ كَانَ: طُولِبَ بَعْدَ الْحَوَالَةِ بِدَيْنَيْنِ، أَوْ دَيْنٍ وَعَيْنٍ. ١ - دَيْنُ الْحَوَالَةِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِمُقْتَضَاهَا وَنَشَأَ مَعَهُ لِلْمُحَال حَقُّ مُطَالَبَةٍ لَمْ تَكُنْ. ٢ - وَدَيْنُ الْمُحِيل الْقَائِمُ بِذِمَّتِهِ مِنْ قَبْل، أَوْ مَالُهُ الَّذِي عِنْدَهُ، مُقْتَرِنًا بِحَقِّ مُطَالَبَةٍ قَدِيمَةٍ، فَإِنَّ هَذَا الْحَقَّ الْقَدِيمَ لاَ يَنْقَطِعُ بِسَبَبِ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّهَا لَمْ تُقَيَّدْ بِالدَّيْنِ السَّابِقِ وَلاَ بِالْعَيْنِ فَبَقِيَا كَمَا كَانَا بِحُقُوقِهِمَا كَامِلَةً، وَمِنْهَا حَقُّ الْمُحِيل فِي مُطَالَبَتِهِ وَالْقَبْضِ مِنْهُ. وَيَظَل الْمُحَال عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى الْمُحَال، فَإِذَا أَدَّى سَقَطَ مَا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ لَكِنَّهَا مُقَاصَّةُ دَيْنٍ لِلْمُحَال عَلَيْهِ بِعَيْنٍ لِلْمُحِيل فَتَتَوَقَّفُ عَلَى التَّرَاضِي. (ب) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيل عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ دَيْنُ الْحَوَالَةِ لاَ غَيْرَهُ، ثُمَّ إِذَا أَدَّاهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل إِنْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ بِرِضَاهُ، وَإِلاَّ فَلاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ. (١)

стр. 11087

وَالطَّالِبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هُوَ الْمُحَال وَحْدَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الْحَوَالَةِ الْمُؤَجَّلَةِ لاَ تُسْتَحَقُّ مُطَالَبَتُهُ أَثْنَاءَ الأَْجَل، فَهِيَ إِذَنْ لاَ تَحِل عَلَيْهِ إِلاَّ بِمَوْتِهِ هُوَ، لاَ بِمَوْتِ الْمُحِيل - وَإِنْ كَانَ تَأْجِيلُهُ تَابِعًا لِتَأْجِيل الْمُحِيل - لأَِنَّ حُلُول الأَْجَل فِي حَقِّ الأَْصِيل، إِنَّمَا هُوَ لاِسْتِغْنَائِهِ عَنِ الأَْجَل بِمَوْتِهِ، فَإِذَا مَاتَ هُوَ فَإِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مَا زَال عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، وَفِي حَاجَةٍ إِلَى الأَْجَل، فَلاَ وَجْهَ لِحُلُولِهِ عَلَيْهِ بِحُلُولِهِ عَلَى الأَْصِيل، لأَِنَّ الأَْصِيل بَرِئَ عَنِ الدَّيْنِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْتَحَقَ بِالأَْجَانِبِ. وَبَقَاءُ الْمُحِيل عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي حُلُول الأَْجَل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ هُوَ، لأَِنَّهُ اسْتَغْنَى عَنِ الأَْجَل بِمَوْتِهِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تَرِكَتِهِ وَفَاءٌ بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ، اسْتَحَقَّ الطَّالِبُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل إِلَى أَجَلِهِ الأَْصْلِيِّ، لأَِنَّ هَذَا الأَْجَل لَمْ يَكُنْ سَقَطَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا سَقَطَ فِي ضِمْنِ الْحَوَالَةِ حُكْمًا، وَقَدِ انْتُقِضَتِ الْحَوَالَةُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا فَيُنْتَقَضُ مَا تَضَمَّنَتْهُ، أَعْنِي سُقُوطَ الأَْجَل. نَظِيرُهُ: مَا لَوْ أَنَّ الْمَدِينَ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ بَاعَ بِهِ سِلْعَةً مِنْ دَائِنِهِ ثُمَّ اسْتُحِقَّتِ السِّلْعَةُ، فَإِنَّ الأَْجَل يَعُودُ، لأَِنَّ سُقُوطَهُ إِنَّمَا كَانَ بِحُكْمِ الْبَيْعِ، وَقَدِ انْتُقِضَ الْبَيْعُ. نَعَمْ إِنْ كَانَ الأَْجَل بَاقِيًا لَكِنْ الْمُحَال عَلَيْهِ نَزَل عَنْهُ فَذَاكَ، إِذْ الأَْجَل حَقُّهُ فَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ. (نَظِيرُهُ مَا لَوْ أَسْقَطَ الأَْصِيل الأَْجَل قَبْل الْحَوَالَةِ) ثُمَّ إِنْ أَدَّى قَبْل الْمَوْعِدِ الأَْصْلِيِّ لِحُلُول الأَْجَل

стр. 11088

فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيل حَتَّى يَحِل ذَاكَ الْمَوْعِدُ، إِذْ إِسْقَاطُ الأَْجَل صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ، لاَ فِي حَقِّ الْمُحِيل. (١) ١٢٦ - وَيُقَرِّرُ الْحَنَفِيَّةُ كَذَلِكَ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَنَّ الْمُحِيل لاَ يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالْمَال الَّذِي قُيِّدَ وَفَاؤُهَا بِهِ، لأَِنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُحَال، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِنَقْل حَقِّهِ إِلَى الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ حَقَّهُ مِمَّا لِلْمُحِيل عِنْدَهُ، فَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اسْتِيفَائِهِ، فَلَوْ أَخَذَهُ الْمُحِيل لَبَطَل هَذَا الْحَقُّ، فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَى أَخْذِهِ، وَإِلاَّ فَاتَ الرِّضَا، وَبَطُلَتِ الْحَوَالَةُ. وَبِعِبَارَةٍ أَوْجَزَ: لَمَّا قُيِّدَتِ الْحَوَالَةُ بِشَيْءٍ تَعَلَّقَ حَقُّ الاِسْتِيفَاءِ بِهِ كَالرَّهْنِ، فَلاَ يُزَاحِمُ فِيهِ الْمُسْتَحِقَّ، وَلاَ يَدْفَعُ إِلَى غَيْرِهِ. فَإِذَا اتَّفَقَ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ دَفَعَهُ إِلَى الْمُحِيل وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِلْمُحَال، لأَِنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ، كَمَا لَوِ اسْتَهْلَكَ الرَّهْنَ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِصَاحِبِ حَقِّ الاِسْتِيفَاءِ مِنْهُ وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ. (٢) ١٢٧ - وَهَذَانِ الأَْثَرَانِ لَيْسَا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ مُجَرَّدَ سُقُوطِ مُطَالَبَةِ الْمُحِيل وَمَنْعِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، لأَِنَّ حَقَّهُ صَارَ كَالْمَرْهُونِ، بَل عِنْدَ

стр. 11089

الْجَمَاهِيرِ يَبْرَأُ الْمُحَال عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْمُحِيل، وَمِنْ ثَمَّ يَمْتَنِعُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، لأَِنَّ حَقَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُحَال، وَلِذَا إِذَا تَوِيَ فَإِنَّمَا يَتْوَى عَلَى الْمُحَال نَفْسِهِ. (١) انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ: ١٢٨ - انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ قَدْ يَكُونُ بِأَدَاءِ مَالِهَا إِلَى الْمُحَال، وَقَدْ يَكُونُ بِمَا يُسَاوِي هَذَا الأَْدَاءَ، وَقَدْ يَكُونُ بِدُونِ هَذَا وَذَاكَ، وَيُمْكِنُ تَرْتِيبُ ذَلِكَ. فِي فَرْعَيْنَ٥٠ أَوَّلاً - انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ بِالتَّنْفِيذِ: ١٢٩ - إِذَا أَدَّى الْمُحَال عَلَيْهِ مَال الْحَوَالَةِ - بِعَيْنِهِ إِنْ كَانَ عَيْنًا، وَبِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ دَيْنًا - إِلَى الْمُحَال أَوْ مَنْ يَنُوبُ مَنَابَهُ فَهَذِهِ هِيَ غَايَتُهَا الْمَنْشُودَةُ. وَمَتَى انْتَهَتْ إِلَى غَايَتِهَا فَلاَ بَقَاءَ لَهَا. بَل لَوْ تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْغَايَةُ لاَ عَنْ طَرِيقِ الْمُحَال عَلَيْهِ مُبَاشَرَةً، بَل عَنْ طَرِيقِ مُتَبَرِّعٍ بِالْوَفَاءِ - وَهُوَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُتَبَرِّعًا عَنِ الْمُحَال عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِخِلاَفِهِ - فَإِنَّ هَذَا الْوَفَاءَ وَالَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءٌ، مِنْ حَيْثُ إِنْهَاءُ الْحَوَالَةِ. (٢) وَقَدْ لاَ يُؤَدِّي الْمُحَال عَلَيْهِ الْعَيْنَ نَفْسَهَا الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا الْحَوَالَةُ، وَلاَ مِثْل دَيْنِهَا - مُطْلَقَةً كَانَتْ أَوْ مُقَيَّدَةً - وَمَعَ ذَلِكَ تَنْتَهِي الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهُ قَدْ وَقَعَ مَا يُسَاوِي هَذَا الأَْدَاءَ، كَمَا فِي الْحَالَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ:

стр. 11090

(أ) أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُحَال عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ عَنْ تَرَاضٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَال: كَمَا لَوْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً بِوَدِيعَةٍ - كَكِتَابٍ أَوْ أَكْثَرَ - فَيُؤْثِرُ الْمُحَال عَلَيْهِ الاِحْتِفَاظَ لِنَفْسِهِ بِالْوَدِيعَةِ لِرَغْبَتِهِ فِيهَا وَيُعِيضُ الْمُحَال مِنْهَا قِيمَتَهَا نَقْدًا، أَوْ كَانَ الْمُحَال بِهِ دَيْنًا عَلَى الْمُحِيل، مِقْدَارُهُ أَلْفُ دِينَارٍ مَثَلاً، فَيَرْغَبُ الْمُحَال عَلَيْهِ وَهُوَ تَاجِرٌ أَنْ يُبَايِعَ بِهَا الْمُحَال فَيَعْرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيضَهُ مِنْ دَنَانِيرِهِ، بَضَائِعَ كَثِيَابٍ أَوْ غَيْرِهَا. (ب) أَنْ يَمُوتَ الْمُحَال، وَيَرِثَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَال الْحَوَالَةِ: لأَِنَّ الإِْرْثَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَلْكِ فَيَمْلِكُ الْمُحَال عَلَيْهِ الدَّيْنَ فِي هَذِهِ الْحَال. (١) وَهَذَا يُعَادِل تَمَامًا مَا لَوْ كَانَ قَدْ وَفَّاهُ دَيْنَهُ قَبْل وَفَاتِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ الْمَال بِطَرِيقِ الْمِيرَاثِ. وَفِي مَعْنَى الإِْرْثِ أَنْ يَهَبَ الْمُحَال الْمُحَال عَلَيْهِ دَيْنَ الْحَوَالَةِ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَيَقْبَل أَوْ لاَ يَرُدُّ. ثَانِيًا: انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ دُونَ تَنْفِيذٍ: ١٣٠ - تَنْتَهِي الْحَوَالَةُ دُونَ تَنْفِيذٍ فِي حَالَتَيْنِ: الأُْولَى: الاِنْتِهَاءُ الرِّضَائِيُّ . الثَّانِيَةُ: الاِنْتِهَاءُ غَيْرُ الرِّضَائِيِّ. الأُْولَى الاِنْتِهَاءُ الرِّضَائِيُّ: وَذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ:

стр. 11091

(الأَْوَّل) الاِنْتِهَاءُ بِطَرِيقِ التَّقَايُل (التَّرَاضِي عَلَى الْفَسْخِ) . (الثَّانِي) الاِنْتِهَاءُ بِطَرِيقِ الإِْبْرَاءِ. أ - الاِنْتِهَاءُ بِطَرِيقِ التَّقَايُل (التَّرَاضِي عَلَى الْفَسْخِ) . ١٣١ - الْفَسْخُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ إِنْهَاءُ الْعَقْدِ قَبْل أَنْ يَبْلُغَ غَايَتَهُ، وَعِبَارَةُ ابْنِ نُجَيْمٍ: (الْفَسْخُ حَل ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ) . فَإِذَا أَرَادَ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَطْرَافِ الْحَوَالَةِ - دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُ خِيَارُ الشَّرْطِ - أَنْ يَرْجِعَ فِي الْحَوَالَةِ، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: (إِنَّ الْمُحِيل وَالْمُحَال يَمْلِكَانِ النَّقْضَ) أَيْ نَقْضَ الْحَوَالَةِ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ بَيْنَهُمَا، لاَ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الإِْرَادَةِ الْمُنْفَرِدَةِ. (١) وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُحِيل لاَ يَمْلِكُ إِبْطَال الْحَوَالَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّتِهَا. أَمَّا الْمُحَال عَلَيْهِ، فَإِذَا تَرَاضَى مَعَ بَقِيَّةِ أَطْرَافِ الْعَقْدِ عَلَى نَقْضِهِ فَذَاكَ. وَإِذَا تَرَاضَى الطَّرَفَانِ الآْخَرَانِ وَاعْتَرَضَ هُوَ، فَلاَ قِيمَةَ لاِعْتِرَاضِهِ هَذَا، لأَِنَّ الْعَقْدَ حَقُّهُمَا، وَلِصَاحِبِ الْعَقْدِ إِسْقَاطُهُ. أَمَّا أَنْ يَسْتَبِدَّ هُوَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ فَهَذَا مَا لاَ سَبِيل إِلَيْهِ. (٢)

стр. 11092

١٣٢ - وَمُفَادُ مَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَقْبَل التَّفَاسُخَ وَالتَّقَايُل بِرِضَا الطَّرَفَيْنِ الأَْوَّلَيْنِ فِيهِ وَالْمُحِيل وَالْمُحَال فَقَطْ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ. وَقَدْ نَقَل الْخَطِيبُ عَنِ الرَّافِعِيِّ (عَدَمَ صِحَّةِ التَّقَايُل فِي الْحَوَالَةِ، كَمَا أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ، وَأَنَّهَا لَوْ فُسِخَتْ لاَ تَنْفَسِخُ) . وَالَّذِي ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْبُلْقِينِيَّ حَكَى فِي صِحَّةِ إِقَالَتِهَا خِلاَفًا، نَقْلاً عَنِ الْخُوَارَزْمِيِّ، وَكُل مَا فَعَلَهُ أَنَّهُ رَجَّحَ الصِّحَّةَ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهَا بَيْعٌ، كَمَا أَنَّهُ يُوجَدُ بِإِزَاءِ نَصِّ الْمُتَوَلِّي الْعَامِّ نَصٌّ عَامٌّ يُقَابِلُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: (فَسْخُ الْحَوَالَةِ انْقِطَاعٌ مِنْ حِينِهِ) وَإِذَنْ فَالْخِلاَفُ ثَابِتٌ فِي الْمَذْهَبِ. (١) ١٣٣ - وَيَسْتَوِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ التَّرَاضِي عَلَى الْفَسْخِ إِلَى غَيْرِ بَدِيلٍ، أَوْ إِلَى بَدِيلٍ. وَمِنَ النَّوْعِ الثَّانِي تَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّ (الْحَوَالَةَ إِذَا تَعَدَّدَتْ عَلَى رَجُلَيْنِ كَانَتِ الثَّانِيَةُ نَقْضًا لِلأُْولَى) فَهَذِهِ كَأَنَّهَا اسْتِعَاضَةٌ عَنْ حَوَالَةٍ بِحَوَالَةٍ. فَإِذَا كَانَ الرَّجُلاَنِ الْمُحَال عَلَيْهِمَا بِمَثَابَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لأَِنَّهُمَا أَصِيلٌ وَكَفِيلُهُ، وَإِنَّمَا التَّعَدُّدُ الْحَقِيقِيُّ فِي جَانِبِ الْمُحَال، فَإِنَّ الثَّانِيَةَ لاَ تَكُونُ نَقْضًا لِلأُْولَى، بَل إِمَّا أَنْ تَصِحَّ الْحَوَالَتَانِ، وَإِمَّا

стр. 11093

أَنْ تَصِحَّ الأُْولَى، وَتَلْغُوَ الثَّانِيَةُ. وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى الْكَفِيل لاَ تَقْتَضِي بَرَاءَةَ الأَْصِيل مِنْ حَقِّ الْمُحِيل، فَيَتَسَنَّى لِلْمُحِيل أَنْ يُحِيل عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَحَال عَلَى الْكَفِيل، بِخِلاَفِ الْعَكْسِ، إِذْ إِنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى الأَْصِيل تَقْتَضِي بَرَاءَتَهُ وَبَرَاءَةَ الْكَفِيل كِلَيْهِمَا مِنْ حَقِّ الْمُحِيل بَرَاءَةَ مُرَاعَاةٍ - وَسَمَّاهَا بَعْضُهُمْ: تَأْخِيرُ الْمُطَالَبَةِ - فَلاَ يَسَعُهُ بَعْدَ أَنْ أَحَال عَلَى الأَْوَّل أَنْ يُحِيل عَلَى الثَّانِي، وَقَدْ أَصْبَحَ بَرِيئًا. (١) ب - الاِنْتِهَاءُ بِطَرِيقِ الإِْبْرَاءِ: ١٣٤ - إِبْرَاءُ الْمُحَال لِلْمُحَال عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْحَوَالَةِ يَقَعُ تَحْتَ احْتِمَالَيْنِ فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ، أَوْ إِبْرَاءَ إِسْقَاطٍ. ١٣٥ - (أ) فَإِذَا كَانَ إِبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى الإِْقْرَارِ بِالْقَبْضِ. وَعِنْدَئِذٍ تَنْتَهِي الْحَوَالَةُ بِمَا دَل عَلَيْهِ هَذَا الإِْبْرَاءُ مِنْ وُقُوعِ الْوَفَاءِ فِعْلاً. وَتُصْبِحُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ قَبِيل النِّهَايَةِ بِطَرِيقِ الأَْدَاءِ، وَيَتَرَتَّبُ فِيهَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى أَدَاءِ الْحَوَالَةِ مِنْ حَقِّ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمُحِيل إِنْ لَمْ يَكُنْ مَدِينًا لَهُ بِمِثْلِهِ. فَإِنْ كَانَ مَدِينًا لَهُ وَقَعَ التَّقَاصُّ بَيْنَهُمَا. ١٣٦ - (ب) وَأَمَّا إِذَا كَانَ إِبْرَاءُ الْمُحَال لِلْمُحَال عَلَيْهِ إِبْرَاءَ إِسْقَاطٍ قَبْل الْوَفَاءِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ

стр. 11094

الْمُحَال عَلَيْهِ مِنَ الْحَوَالَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ (١) وَغَيْرُهُ. وَعِنْدَئِذٍ يَسْقُطُ حَقُّ الْمُحَال فِي دَيْنِ الْحَوَالَةِ سُقُوطًا نِهَائِيًّا، وَلَوْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى كَفِيل الْمَدِينِ وَمُقَيَّدَةً بِدَيْنِ الْكَفَالَةِ. ذَلِكَ لأَِنَّ حَقَّ الْمُحَال قَدْ تَحَوَّل عَنِ الْمُحِيل بِمُقْتَضَى الْحَوَالَةِ نَفْسِهَا حَيْثُ يَبْرَأُ بِهَا الْمُحِيل وَيَحِل مَحَلَّهُ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْتِزَامِ الأَْدَاءِ. فَإِذَا أُبْرِئَ الْمُحَال عَلَيْهِ لَمْ يَبْقَ لِلْمُحَال حَقٌّ تُجَاهَ أَحَدٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدِينًا أَصْلِيًّا لِلْمُحِيل أَمْ كَفِيلاً أَمْ غَيْرَ مَدِينٍ أَصْلاً، بِأَنْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُطْلَقَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. ١٣٧ - (ج) وَقَدْ يَقَعُ هَذَا الإِْبْرَاءُ - إِبْرَاءُ الإِْسْقَاطِ - مِنَ الْمُحَال لِلْمُحَال عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَدَّى هَذَا إِلَيْهِ دَيْنَ الْحَوَالَةِ، وَيَكُونُ هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِبْرَاءً صَحِيحًا، بِنَاءً عَلَى نَظَرِيَّتِهِمْ فِي أَنَّ إِيفَاءَ الدُّيُونِ لاَ يُسْقِطُهَا مِنَ الذِّمَمِ، وَإِنَّمَا يُؤَدِّي إِلَى الْمُقَاصَّةِ وَامْتِنَاعِ الْمُطَالَبَةِ: فَإِنَّ الدَّيْنَ قَبْل الْوَفَاءِ يَكُونُ قَائِمًا بِذِمَّةِ الْمَدِينِ، وَبِالأَْدَاءِ يَقُومُ دَيْنُ نَظِيرِهِ فِي ذِمَّةِ الدَّائِنِ الْمُسْتَوْفِي، أَيْ يُصْبِحَ الْمَدِينُ دَائِنًا أَيْضًا لِدَائِنِهِ فَيَصِيرُ كُلٌّ مِنْهُمَا دَائِنًا وَمَدِينًا لِلآْخَرِ، فَتَمْتَنِعُ الْمُطَالَبَةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ لِعَدَمِ فَائِدَتِهَا، وَهَذِهِ هِيَ الْمُقَاصَّةُ. (٢)

стр. 11095

فَالإِْبْرَاءُ بَعْدَ الأَْدَاءِ الأَْصْل فِيهِ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ، لَكِنْ إِذَا صَرَّحَ الْمُبَرِّئُ أَوْ دَلَّتِ الْقَرَائِنُ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الإِْسْقَاطُ فَإِنَّهُ يُصَادِفُ دَيْنًا قَائِمًا فَيُسْقِطُهُ، وَلَكِنْ هَذَا لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْحَوَالَةِ الَّتِي تَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ الأَْدَاءِ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ أَثَرُهُ عَلَى أَنْ يُصْبِحَ لِلَّذِي أُبْرِئَ - أَيِ الْمُحَال عَلَيْهِ - حَقُّ مُطَالَبَةِ الْمُحَال الَّذِي أَبْرَأهُ بِمَا كَانَ قَدْ أَدَّاهُ إِلَيْهِ، لأَِنَّهُ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ أَصْبَحَ الْمَقْبُوضُ بِلاَ مُقَابِلٍ، فَتُنْتَقَضُ الْمُقَاصَّةُ السَّابِقَةُ التَّقْدِيرِ. هَذَا، وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلْمِ وَالاِجْتِهَادِ يَقُول بِمَا يَقُول بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذَا الشَّأْنِ، أَيْ بِصِحَّةِ الإِْبْرَاءِ بَعْدَ الْوَفَاءِ، بِنَاءً عَلَى نَظَرِيَّتِهِمُ الآْنِفَةِ الذِّكْرِ. الثَّانِيَةُ - الاِنْتِهَاءُ غَيْرُ الرِّضَائِيِّ: وَذَلِكَ فِي أَرْبَعِ حَالاَتٍ: ١ - الاِنْتِهَاءُ بِمَوْتِ الْمُحِيل: ١٣٨ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَدَمَ انْفِسَاخِ الْحَوَالَةِ بِمَوْتِ الْمُحِيل، لأَِنَّ الْمَال قَدْ تَحَوَّل مِنْ مِلْكِ الْمُحِيل إِلَى مِلْكِ الْمُحَال (ر: ف ١٢٧) وَمَا تَأْثِيرُ مَوْتِ الْمُحِيل فِي الْحَوَالَةِ بَعْدَ صِحَّتِهَا وَلُزُومِهَا إِلاَّ كَتَأْثِيرِ مَوْتِ بَائِعِ السِّلْعَةِ بَعْدَ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَلُزُومِهِ، بَل بَعْدَ إِقْبَاضِهِ إِيَّاهَا فَضْلاً عَنِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَهُمْ بِمَثَابَةِ الإِْقْبَاضِ وَالتَّسْلِيمِ. نَعَمْ تَتَأَثَّرُ الْحَوَالَةُ بِمَوْتِ

стр. 11096

الْمُحَال عَلَيْهِ، إِذْ يَحِل بِهِ دَيْنُهَا الْمُؤَجَّل، وَفِي ذَلِكَ يَقُول صَاحِبُ نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: (لَوْ أَحَال بِمُؤَجَّلٍ عَلَى مِثْلِهِ حَلَّتِ الْحَوَالَةُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلاَ تَحِل بِمَوْتِ الْمُحِيل، لِبَرَاءَتِهِ بِالْحَوَالَةِ) . وَيُؤْخَذُ مِثْلُهُ مِنْ نَصِّ الْمَالِكِيَّةِ فِي الضَّمَانِ، وَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلْحَنَابِلَةِ: (فَإِنْ مَاتَ الْمُحِيل أَوِ الْمُحَال فَالأَْجَل بَاقٍ بِحَالِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ انْبَنَى عَلَى (قَاعِدَةِ) حُلُول الدَّيْنِ بِالْمَوْتِ - أَيْ بِمَوْتِ الْمَدِينِ) - وَفِيهِ رِوَايَتَانِ (وَلاَ يُعْلَمُ فِي حُلُول الدَّيْنِ بِمَوْتِ الْمَدِينِ خِلاَفٌ لأَِحَدٍ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ سِوَى أَحْمَدَ فِي إِحْدَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ) . (١) وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَا قَبَضَهُ الْمُحَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ - قَبْل مَوْتِ الْمُحِيل أَوْ بَعْدَهُ، فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ - كُل ذَلِكَ هُوَ لَهُ خَاصَّةً لاَ يَشْرَكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ غُرَمَاءِ الْمُحِيل، كَمَا لاَ يَشْرَكُونَهُ فِي سِلْعَةٍ كَانَ اشْتَرَاهَا فِي حَال الصِّحَّةِ. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الْمُحِيل حَوَالَةً مُطْلَقَةً لاَ تَنْفَسِخُ هَذِهِ الْحَوَالَةُ. ثُمَّ إِنْ كَانَ لَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ مَالٌ (بِالْمَعْنَى الشَّامِل لِلدَّيْنِ تَوَسُّعًا، فَإِنَّهُ مَالٌ حُكْمِيٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) فَلاَ شَأْنَ لِلْمُحَال بِهَذَا الْمَال وَلاَ تَعَلُّقَ

стр. 11097

لأَِنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَال تَرِكَةٌ لِلْمُحِيل، فَيَئُول إِلَى وَرَثَتِهِ، بَعْدَ أَنْ تُقْضَى مِنْهُ الْحُقُوقُ الْمُقَدَّمَةُ، كَالدُّيُونِ الأُْخْرَى غَيْرِ دَيْنِ الْمُحَال، لأَِنَّهُ لاَ يَعُودُ عَلَى الْمُحِيل مَا دَامَتِ الْحَوَالَةُ قَائِمَةً، وَمَوْتُ الْمُحِيل لاَ يُبْطِل الْحَوَالَةَ الْمُطْلَقَةَ. (١) ١٣٩ - وَأَمَّا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، فَقَدْ يَمُوتُ الْمُحِيل قَبْل اسْتِيفَاءِ دَيْنِهَا، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَنْفَسِخُ الْحَوَالَةُ، لأَِنَّ الْمَال الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ قَدِ اسْتُحِقَّ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَدَخَل فِي تَرِكَةِ الْمُحِيل، وَعَلَى هَذِهِ التَّرِكَةِ يَعُودُ الْمُحَال بِدَيْنِهِ، وَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، هَكَذَا عَلَّل صَاحِبُ - الْبَدَائِعِ - ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالرَّهْنِ، بِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ اخْتَصَّ بِغُرْمِ الرَّهْنِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، لأَِنَّهُ إِذَا هَلَكَ سَقَطَ دَيْنُهُ خَاصَّةً، وَلَمَّا اخْتَصَّ بِغُرْمِهِ اخْتَصَّ بِغُنْمِهِ، لأَِنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ. وَأَمَّا الْمُحَال فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِغُرْمِ ذَلِكَ الْمَال، لأَِنَّهُ لَوْ تَوِيَ لاَ يَسْقُطُ دَيْنُهُ عَنِ الْمُحِيل. فَلَمَّا لَمْ يَخْتَصَّ بِغُرْمِهِ لَمْ يَخْتَصَّ بِغُنْمِهِ، وَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ. (٢) ١٤٠ - وَمِنْ نَتَائِجِ الْقَوْل بِالاِنْفِسَاخِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: (أ) إِنَّ الْمُحَال إِذَا رَجَعَ إِلَى تَرِكَةِ الْمُحِيل وَعَرَفَ نَصِيبَهُ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ نَصِيبَهُ هَذَا مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ بَدَلاً مِنَ التَّرِكَةِ

стр. 11098

لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ مَا عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ. (ب) لَوْ نَقَصَتْ حِصَّةُ الْمُحَال فِي الْمُقَاسَمَةِ عَنِ الْوَفَاءِ بِدَيْنِهِ، لاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِمَا بَقِيَ لَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ صَارَ تَاوِيًا فَلاَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ. (ج) إِنْ كَانَ الْمُحَال قَدْ قَبَضَ شَيْئًا مِنْ دَيْنِ الْحَوَالَةِ قَبْل مَوْتِ الْمُحِيل - وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ مَرَضِهِ - فَلَهُ مَا قَبَضَهُ، ثُمَّ يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ فِي الْبَاقِي. لَكِنْ فِي حَالَةِ الْقَبْضِ، وَالْمُحِيل مَرِيضٌ مَرَضَ الْمَوْتِ، يُوجَدُ فِي كَلاَمِ بَعْضِهِمْ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ قَبْضِ الدَّيْنِ وَقَبْضِ الْعَيْنِ. ١ - فَفِي قَبْضِ الدَّيْنِ يُسَلَّمُ لِلْمُحَال مَا أَخَذَهُ، وَلاَ سَبِيل لِلْغُرَمَاءِ عَلَيْهِ، لَكِنْ يَكُونُ الْمُحَال عَلَيْهِ - بِأَدَائِهِ الدَّيْنَ - غَرِيمًا لِلْمُحِيل يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَلاَ يَمْلِكُ الاِسْتِئْثَارَ بِمَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ لِيَقَعَ التَّقَاصُّ، بَل يُشَارِكُهُ فِيهِ الْغُرَمَاءُ، وَلاَ يُسَلَّمُ لَهُ مِنْهُ إِلاَّ حِصَّتُهُ فِي الْمُحَاصَّةِ. ٢ - أَمَّا فِي قَبْضِ الْعَيْنِ - كَالْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ - فَبِالْعَكْسِ: أَيْ لاَ سَبِيل حِينَئِذٍ لِغُرَمَاءِ الْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لَكِنْ لاَ تُسَلَّمُ الْعَيْنُ الْمَأْخُوذَةُ لِلْمُحَال، بَل يُحَاصُّهُ فِيهَا الْغُرَمَاءُ. (١)

стр. 11099

٢ - الاِنْتِهَاءُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ: ١٤١ - نَصَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَنْتَهِي بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ لاَ تَنْتَهِي بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ سَوَاءٌ مَاتَ مَدِينًا أَمْ غَيْرَ مَدِينٍ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ مُفْلِسًا، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ حِينَئِذٍ تَنْتَهِي فِي الدَّيْنِ كُلِّهِ - إِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً بِشَيْءٍ مِنْهُ - أَوْ تَنْتَهِيَ فِي بَاقِيهِ، إِنْ تَرَكَ وَفَاءً بِبَعْضِهِ، وَيَرْجِعُ الْبَاقِي إِنْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَسَيَجِيءُ فِي التَّوَى (ر: ف ١٦٤) : ذَلِكَ أَنَّ التَّرِكَةَ خَلَفٌ عَنْ صَاحِبِهَا فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ. (١) ٣ - الاِنْتِهَاءُ بِفَوَاتِ الْمَحَل: (أ) ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَصَالَةً: ١٤٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحَال الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى ثَالِثٍ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، تَبْطُل الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُحِيل - وَهُوَ الْمُشْتَرِي - غَيْرَ مَدِينٍ لِلْمُحَال - الْبَائِعِ - وَمَدْيُونِيَّةُ الْمُحِيل لِلْمُحَال شَرِيطَةٌ لاِنْعِقَادِ الْحَوَالَةِ لاَ تَقُومُ بِدُونِهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (ف (٥٩)) . (ب) ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ أَصَالَةً: ١٤٣ - فِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ: لَوْ كَانَ لِلْمُحِيل عَلَى

стр. 11100

الْمُحَال عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ عَيْنٌ هِيَ أَمَانَةٌ أَوْ مَضْمُونَةٌ، فَاسْتُحِقَّتْ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَجِبْ أَصْلاً فِي حَقِيقَةِ الأَْمْرِ، كَمَا لَوْ كَانَ ثَمَنُ مَبِيعٍ فَاسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَبْقَى كَمَا هِيَ صَحِيحَةً نَافِذَةً، لاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا بُطْلاَنٌ أَوِ انْفِسَاخٌ، لأَِنَّ دَيْنَ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ - كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ - وَفِي الذِّمَّةِ سَعَةٌ، فَلاَ يَتَأَثَّرُ بِمِثْل هَذِهِ الْعَوَارِضِ، وَقَدْ سَبَقَ بَحْثُ ذَلِكَ (ر: ف) . ١٤٤ - أَمَّا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ: فَيُقَرِّرُ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ الْمَال الَّذِي تُقَيَّدُ الْحَوَالَةُ بِإِيفَاءِ دَيْنِهَا بِهِ أَوْ مِنْهُ، إِذَا كَانَ عَيْنًا - أَمَانَةً كَانَتْ أَوْ مَضْمُونَةً كَالْمَغْصُوبَةِ - ثُمَّ تَبَيَّنَ اسْتِحْقَاقُهَا لِغَيْرِ الْمُحِيل، أَوْ كَانَ دَيْنًا ثُمَّ تَبَيَّنَ انْعِدَامُهُ مِنَ الأَْصْل لاَ بِسَبَبٍ عَارِضٍ، أَيْ إِنَّ الذِّمَّةَ لَمْ تُشْغَل بِهِ أَصْلاً، لاَ أَنَّهَا شُغِلَتْ ثُمَّ فَرَغَتْ بِسَبَبٍ طَارِئٍ: فَهُنَا يَتَبَيَّنُ بُطْلاَنُ الْحَوَالَةِ، بِمَعْنَى عَدَمِ انْعِقَادِهَا بَتَاتًا. مِثَال ذَلِكَ فِي الأَْعْيَانِ: رَجُلٌ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ أَلْفُ دِينَارٍ. بِطَرِيقِ الْوَدِيعَةِ أَوِ الْغَصْبِ، فَأَحَال عَلَيْهِ بِهَا دَائِنًا لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ لَيْسَتْ مِلْكًا لِلْمُحِيل، وَلاَ لَهُ عَلَيْهَا وِلاَيَةٌ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ بِطَرِيقِ السَّرِقَةِ، أَوْ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَبْطُل لأَِنَّهَا عَلِقَتْ بِمَعْدُومٍ حُكْمًا. وَمِثَالُهُ فِي الدُّيُونِ: رَجُلٌ بَاعَ آخَرَ مَنْزِلاً أَوْ خَلًّا، فَأَحَال عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ دَائِنًا لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ
следующие страницы →