← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

حُكْمٌ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَرْصِ. (١) وَقَالُوا: إِنَّ الْخَرْصَ الْوَارِدَ فِي بَعْضِ الأَْحَادِيثِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَعْلَمَ مِقْدَارَ مَا فِي نَخْلِهِمْ، ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الزَّكَاةُ وَقْتَ الصِّرَامِ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ فِيهَا. وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَل تَخْوِيفًا لِلْمُزَارِعِينَ لِئَلاَّ يَخُونُوا لاَ لِيَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ (٢) . (ر: خَرْصٌ) . خِبْرَةُ الْقَائِفِ: ١٣ - الْقَائِفُ مَنْ يَعْرِفُ الآْثَارَ وَيَتَتَبَّعُهَا، وَيَعْرِفُ شَبَهَ الرَّجُل بِأَخِيهِ وَأَبِيهِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُعْمَل بِقَوْل الْقَائِفِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ إِذَا كَانَ خَبِيرًا مُجَرَّبًا، وَلَمْ تُوجَدْ لإِِثْبَاتِ نَسَبِ الطِّفْل بَيِّنَةٌ، أَوْ تَسَاوَتْ بَيِّنَةُ الطَّرَفَيْنِ (٣) . وَقَدْ وَرَدَ فِي الأَْخْذِ بِقَوْل الْقَائِفِ أَحَادِيثُ مِنْهَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ فَقَال: يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَل عَلَيَّ فَرَأَى

стр. 11342

أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَال: إِنَّ هَذِهِ الأَْقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. (١) وَيَكْفِي قَائِفٌ وَاحِدٌ فِي إِلْحَاقِ النَّسَبِ لأَِنَّهُ كَحَاكِمٍ، فَيَكْفِي مُجَرَّدُ خَبَرِهِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ بِجَانِبِ سَائِرِ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا مُجَرَّبًا فِي الإِْصَابَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ حَكِيمَ إِلاَّ ذُو تَجْرِبَةٍ (٢) وَلأَِنَّهُ أَمْرٌ عِلْمِيٌّ فَلاَ بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ بِعِلْمِهِ لَهُ وَذَلِكَ لاَ يُعْرَفُ بِغَيْرِ التَّجْرِبَةِ فِيهِ. وَمِنْ طُرُقِ تَجْرِبَتِهِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ وَلَدٌ فِي نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ فِي نِسْوَةٍ هِيَ فِيهِنَّ، فَإِذَا أَصَابَ فِي كُلٍّ فَهُوَ مُجَرَّبٌ (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (قِيَافَةٌ) . الْخِبْرَةُ فِي التَّقْوِيمِ: ١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الأَْخْذِ بِقَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ مِنَ التُّجَّارِ، وَأَهْل الصَّنْعَةِ فِي قِيمَةِ الْمُتْلَفَاتِ

стр. 11343

وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ، وَقِيمَةِ الْعَرْضِ الْمَسْرُوقِ، وَقِيَمِ السِّلَعِ الْمَبِيعَةِ، أَوِ الْمَأْجُورَةِ لإِِثْبَاتِ الْعَيْبِ، أَوِ الْجَوْرِ، أَوِ الْغَرَرِ وَنَحْوِهَا. قَال فِي الدُّرِّ: لَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ شَيْئًا مِنْ مَال الْيَتِيمِ ثُمَّ طُلِبَ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ رَجَعَ فِيهِ الْقَاضِي إِلَى أَهْل الْبَصِيرَةِ، أَيْ أَهْل النَّظَرِ وَالْمَعْرِفَةِ فِي قِيمَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ (١) . وَنُصُوصُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الأُْمُورِ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: مَا ذُكِرَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ أَنَّ نُقْصَانَ الثَّمَنِ يَكُونُ مَعْلُومًا بِإِخْبَارِ أَهْل الْخِبْرَةِ الْخَالَيْنِ عَنِ الْغَرَضِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَوَّمَ الثَّوْبُ سَالِمًا ثُمَّ يُقَوَّمَ مَعِيبًا، فَمَا كَانَ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ (٢) . وَيَقُول ابْنُ فَرْحُونَ: يُرْجَعُ إِلَى قَوْل التَّاجِرِ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَيُقْبَل قَوْل الْوَاحِدِ إِلاَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْقِيمَةِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، كَتَقْوِيمِ الْعَرْضِ الْمَسْرُوقِ، هَل بَلَغَتْ قِيمَتُهُ النِّصَابَ أَوْ لاَ؟ فَهَاهُنَا لاَ بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ (٣) . لأَِنَّ الْمُقَوِّمَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَشْبَاهٍ: شَبَهُ الشَّهَادَةِ؛ لأَِنَّهُ إِلْزَامٌ لِمُعَيَّنٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَشَبَهُ الرِّوَايَةِ؛ لأَِنَّ الْمُقَوِّمَ مُتَصَدٍّ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لأَِنَّ الشَّاهِدَ كَذَلِكَ، وَشَبَهُ الْحَاكِمِ؛ لأَِنَّ حُكْمَهُ يَنْفُذُ فِي الْقِيمَةِ. فَإِنْ تَعَلَّقَ بِإِخْبَارِهِ حَدٌّ تَعَيَّنَ مُرَاعَاةُ الشَّهَادَةِ.

стр. 11344

وَقَال أَيْضًا: يُقْبَل قَوْل الْمُقَوِّمِ الْوَاحِدِ لأَِرْشِ الْجِنَايَاتِ. وَقَال الْخَرَشِيُّ: الْمُقَوِّمُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى تَقْوِيمِهِ قَطْعٌ، أَوْ غُرْمٌ فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّعَدُّدِ وَإِلاَّ فَيَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ. وَقَال ابْنُ فَرْحُونَ: وَيُرْجَعُ إِلَى أَهْل الْمَعْرِفَةِ مِنَ التِّجَارَةِ فِي تَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ وَعُيُوبِ الثِّيَابِ (١) . وَمِثْلُهُ مَا وَرَدَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مِنْ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ وَنَقْصِ الثَّمَنِ إِلَى الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ، وَتَقْوِيمُ أَهْل الْخِبْرَةِ مِنَ التُّجَّارِ وَأَهْل الصَّنْعَةِ. لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ التَّقْوِيمَ لاَ يَكُونُ بِالْوَاحِدِ بَل يَحْتَاجُ إِلَى اثْنَيْنِ؛ لأَِنَّهُ شَهَادَةٌ بِالْقِيمَةِ فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّعَدُّدِ (٢) . وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي أَبْوَابِهَا مِنَ الضَّمَانِ، وَخِيَارِ الْعَيْبِ، وَالشَّهَادَةِ وَالْغَرَرِ وَنَحْوِهَا. الْخِبْرَةُ فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ الْمُوجِبَةِ لِلْخِيَارِ: ١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ قَدِيمٌ لاَ يُمْكِنُ إِزَالَتُهُ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ. وَمَعَ تَفْصِيلِهِمْ وَخِلاَفِهِمْ فِي وَضْعِ ضَابِطٍ لِلْعَيْبِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ وَقِدَمِهِ قَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْمَجَلَّةِ: (الْعَيْبُ هُوَ مَا يُنْقِصُ ثَمَنَ

стр. 11345

الْمَبِيعِ عِنْدَ التُّجَّارِ وَأَرْبَابِ الْخِبْرَةِ. وَنُقْصَانُ الثَّمَنِ يَكُونُ مَعْلُومًا بِإِخْبَارِ أَهْل الْمَعْرِفَةِ) . وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ وَالزَّيْلَعِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (١) . وَنَحْوُهُ مَا جَاءَ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ مَعَ اخْتِلاَفٍ فِي الْعِبَارَةِ حَيْثُ قَالُوا: الْقَوْل فِي نَفْيِ الْعَيْبِ أَوْ نَفْيِ قِدَمِهِ لِلْبَائِعِ إِلاَّ بِشَهَادَةِ الْعَادَةِ أَيْ شَهَادَةِ أَهْل الْمَعْرِفَةِ لِلْمُشْتَرِي. وَقَال ابْنُ فَرْحُونَ: يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْل أَهْل الْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ مِنَ النَّخَّاسِينَ (٢) فِي مَعْرِفَةِ عُيُوبِ الْحَيَوَانَاتِ (٣) . كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَوِ اخْتَلَفَ الطَّرَفَانِ فِي الْمَوْجُودِ هَل هُوَ عَيْبٌ أَوْ لاَ؟ أَوِ اخْتَلَفَا فِي مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، رُجِعَ فِيهِ لأَِهْل الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَال أَهْل الْخِبْرَةِ: هُوَ عَيْبٌ، فَلَهُ الْفَسْخُ، وَإِلاَّ فَلاَ (٤) . يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (خِيَارُ الْعَيْبِ) . خِبْرَةُ الطَّبِيبِ وَالْبَيْطَارِ: ١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ إِلَى الأَْطِبَّاءِ مِمَّنْ لَهُمْ خِبْرَةٌ فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرِّجَال وَالنِّسَاءِ، وَفِي مَعْرِفَةِ الشِّجَاجِ وَالْجِرَاحِ وَتَحْدِيدِ

стр. 11346

أَسْمَائِهَا مِنَ الْمُوضِحَةِ، وَالدَّامِيَةِ، وَالدَّامِغَةِ وَنَحْوِهَا. كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى الأَْخْذِ بِقَوْل الْبَيَاطِرَةِ مِمَّنْ لَهُ خِبْرَةٌ فِي عُيُوبِ الدَّوَابِّ. وَفِيمَا يَأْتِي بَعْضُ النُّصُوصِ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْمَجَال: قَال ابْنُ فَرْحُونَ: يُرْجَعُ إِلَى أَهْل الطِّبِّ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْجِرَاحِ فِي مَعْرِفَةِ طُول الْجُرْحِ، وَعُمْقِهِ، وَعَرْضِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْقِصَاصَ فَيَشُقُّونَ فِي رَأْسِ الْجَانِي أَوْ فِي بَدَنِهِ مِثْل ذَلِكَ وَلاَ يَتَوَلَّى ذَلِكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (١) . وَجَاءَ فِي الْمُغْنِي: إِذَا اخْتُلِفَ فِي الشَّجَّةِ هَل هِيَ مُوضِحَةٌ أَوْ لاَ، أَوْ فِيمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالآْمَّةِ، وَالدَّامِغَةِ، أَوْ أَصْغَرَ مِنْهَا كَالْبَاضِعَةِ، وَالْمُتَلاَحِمَةِ، وَالسِّمْحَاقِ، أَوْ فِي الْجَائِفَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْجِرَاحِ الَّتِي لاَ يَعْرِفُهَا إِلاَّ الأَْطِبَّاءُ، أَوِ اخْتَلَفَا فِي دَاءٍ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الأَْطِبَّاءُ أَوْ فِي دَاءِ الدَّابَّةِ، يُؤْخَذُ بِقَوْل طَبِيبَيْنِ أَوْ بَيْطَارَيْنِ إِذَا وُجِدَا، فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى اثْنَيْنِ أَجْزَأَ وَاحِدٌ؛ لأَِنَّهُ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْل الْخِبْرَةِ مِنْ أَهْل الصَّنْعَةِ (٢) . وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مَوَاضِعِهَا (ر: شَهَادَةٌ، شِجَاجٌ، خِيَارُ الْعَيْبِ) . عَدَدُ أَهْل الْخِبْرَةِ: ١٧ - الأَْصْل أَنَّ قَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ إِنْ كَانَ عَلَى

стр. 11347

جِهَةِ الشَّهَادَةِ يَجِبُ فِيهِ اثْنَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ إِذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى اثْنَيْنِ. وَإِنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الإِْخْبَارِ وَالرِّوَايَةِ فَلاَ يَجِبُ فِيهِ التَّعَدُّدُ وَيَكْفِي فِيهِ الْمُخْبِرُ الْوَاحِدُ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُسْلِمٍ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل أَهْل الْمَعْرِفَةِ فِي الْعُيُوبِ، وَمِنْهُمُ الطَّبِيبُ وَالْبَيْطَارُ، وَالْخَارِصُ، وَالْقَائِفُ، وَالْقَسَّامُ، وَقَائِسُ الشِّجَاجِ وَنَحْوُهُمْ (١) . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ قَوْل الْوَاحِدِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى. قَال ابْنُ فَرْحُونَ: الْقِيمَةُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَدٌّ كَتَقْوِيمِ الْعَرْضِ الْمَسْرُوقِ، هَل بَلَغَتْ قِيمَتُهُ النِّصَابَ أَمْ لاَ؟ فَهَاهُنَا لاَ بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ. وَقَال نَقْلاً عَنِ الْمُدَوَّنَةِ: إِذَا اجْتَمَعَ عَدْلاَنِ مِنْ أَهْل الْبَصَرِ عَلَى أَنَّ قِيمَتَهَا ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ (٢) . وَقَال: وَيَكْفِي الْوَاحِدُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّؤَال، وَفِيمَا كَانَ عِلْمًا يُؤَدِّيهِ. وَمِثْلُهُ مَا قَال فِي قَائِسِ الْجِرَاحِ مِنَ الاِكْتِفَاءِ بِقَوْل الْوَاحِدِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ عَلَى جِهَةِ الشَّهَادَةِ. وَجَاءَ فِي مَعِينِ الْحُكَّامِ: مَا بَطَنَ مِنَ الْعُيُوبِ فِي حَيَوَانٍ - فَالطَّرِيقُ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى أَهْل الْبَصَرِ إِنْ أَخْبَرَ وَاحِدٌ عَدْلاً يَثْبُتُ الْعَيْبُ فِي الْخُصُومَةِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ الاِكْتِفَاءُ بِقَوْل الْقَائِفِ

стр. 11348

الْوَاحِدِ فِي النَّسَبِ، وَالتَّاجِرِ الْوَاحِدِ فِي قِيمَةِ الْمُتْلَفَاتِ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونَ. وَقَال الْخَرَشِيُّ: الْقَاسِمُ الْوَاحِدُ يَكْفِي؛ لأَِنَّ طَرِيقَهُ عَنْ عِلْمٍ يَخْتَصُّ بِهِ الْقَلِيل مِنَ النَّاسِ كَالْقَائِفِ، وَالْمُفْتِي، وَالطَّبِيبِ وَلَوْ كَافِرًا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ وَجَّهَهُ الْقَاضِي فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ (١) . وَمِثْلُهُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢) وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَةٌ) . اخْتِلاَفُ أَهْل الْخِبْرَةِ: ١٨ - إِذَا اخْتَلَفَ أَهْل الْخِبْرَةِ فِي التَّقْوِيمِ، أَوِ الْخَرْصِ، أَوِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي كُل مَسْأَلَةٍ آرَاءٌ تُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا، وَفِيمَا يَلِي أَمْثِلَةٌ مِنْهَا: أ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ التُّجَّارُ، أَوْ أَهْل الْخِبْرَةِ فِي وُجُودِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ عَيْبٌ، وَقَال الآْخَرُونَ لاَ، فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ، إِذْ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا بَيِّنًا عِنْدَ الْكُل. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي اخْتِلاَفِ شُهُودِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي تَعَيُّبِ السِّلْعَةِ وَقِدَمِ الْعَيْبِ فِيهَا رَأْيَانِ: الأَْخْذُ بِأَعْدَل الْبَيِّنَتَيْنِ، وَتَرْجِيحِ بَيِّنَةِ الْمُبْتَاعِ (٣) .

стр. 11349

قَال ابْنُ فَرْحُونَ نَقْلاً عَنِ الْمُتَيْطِيَّةِ: إِذَا أَثْبَتَ مُبْتَاعُ الدَّارِ تَشَقُّقَ الْحِيطَانِ، وَتَعَيُّبَهَا، وَأَنَّهَا مُتَهَيِّئَةٌ لِلسُّقُوطِ، وَإِنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ يَحُطُّ مِنْ ثَمَنِهَا كَثِيرًا، وَأَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْ أَمَدِ التَّبَايُعِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ مِنْ خَارِجِ الدَّارِ لاَ مِنْ دَاخِلِهَا، وَشَهِدَ لِلْبَائِعِ شُهُودٌ أَنَّ الدَّارَ سَالِمَةٌ مِمَّا ادَّعَى الْمُبْتَاعُ، مَأْمُونَةُ السُّقُوطِ لاِعْتِدَال حِيطَانِهَا وَسَلاَمَتِهَا مِنَ الْمَيْل الَّذِي هُوَ سَبَبُ التَّهَدُّمِ، وَأَنَّ التَّشَقُّقَ لاَ يَضُرُّهَا مَعَ أَنَّهُ لاَ يَخْفَى عَلَى مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا، وَثَبَتَ جَمِيعُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ: يُقْضَى بِأَعْدَل الْبَيِّنَتَيْنِ مِمَّنْ لَهُ بَصَرٌ بِعُيُوبِ الدُّورِ. وَقَال ابْنُ الْقَطَّانِ: بَيِّنَةُ الْمُبْتَاعِ أَوْلَى؛ لأَِنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ إِذَا قُبِلَتْ أَعْمَل مِنَ الَّتِي تَنْفِيهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى الأَْخْذِ بِقَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ فِيمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ وَقِدَمِهِ. فَلَوْ فُقِدَ أَهْل الْخِبْرَةِ أَوِ اخْتَلَفُوا، صُدِّقَ الْمُشْتَرِي لِتَحَقُّقِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، وَالشَّكِّ فِي مُسْقِطِ الرَّدِّ. وَمِثْلُهُ مَا فِي كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ فِي بَابِ الإِْجَارَاتِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (خِيَارُ الْعَيْبِ) . ب - إِذَا اخْتَلَفَ الْمُقَوِّمُونَ لِلسَّرِقَةِ فَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ تَبْلُغُ قِيمَتُهَا ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ، وَقَال غَيْرُهُمْ: قِيمَتُهَا

стр. 11350

ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ، قَال فِي الْمُدَوَّنَةِ: إِذَا اجْتَمَعَ عَدْلاَنِ مِنْ أَهْل الْبَصَرِ عَلَى أَنَّ قِيمَتَهَا ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ، وَكَذَا قَال مَالِكٌ فِي سَمَاعِ عِيسَى: إِذَا اجْتَمَعَ عَلَى السَّرِقَةِ رَجُلاَنِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى مَنْ خَالَفَهُمَا، ثُمَّ قَال فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ نَقْلاً عَنْ مَالِكٍ: إِنْ دُعِيَ أَرْبَعَةٌ فَاجْتَمَعَ رَجُلاَنِ عَلَى قِيمَةٍ قَال: يَنْظُرُ الْقَاضِي إِلَى أَقْرَبِ التَّقْوِيمِ إِلَى السَّدَادِ، بِأَنْ يَسْأَل مَنْ سِوَاهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ السَّدَادُ مِنْ ذَلِكَ. ج - إِنِ اخْتَلَفَ الْخَارِصُونَ فِي قَدْرِ التَّمْرِ الَّذِي خَرَصُوهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يُعْمَل بِتَخْرِيصِ الأَْعْرَفِ مِنْهُمْ، وَيُلْغَى تَخْرِيصُ مَا سِوَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَعْرَفُ، فَيُؤْخَذُ مِنْ كُل قَوْلٍ جُزْءٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ (١) . (ر: خَرْصٌ) .

стр. 11351

خِتَانٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْخِتَانُ وَالْخِتَانَةُ لُغَةً الاِسْمُ مِنَ الْخَتْنِ، وَهُوَ قَطْعُ الْقُلْفَةِ مِنَ الذَّكَرِ، وَالنَّوَاةُ مِنَ الأُْنْثَى، كَمَا يُطْلَقُ الْخِتَانُ عَلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ. يُقَال خَتَنَ الْغُلاَمَ وَالْجَارِيَةَ يَخْتِنُهُمَا وَيَخْتُنُهُمَا خَتْنًا. وَيُقَال: غُلاَمٌ مَخْتُونٌ وَجَارِيَةٌ مَخْتُونَةٌ وَغُلاَمٌ وَجَارِيَةٌ خَتِينٌ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْخَفْضُ وَالإِْعْذَارُ، وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْخَتْنَ بِالذَّكَرِ، وَالْخَفْضَ بِالأُْنْثَى، وَالإِْعْذَارُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا (١) . وَالْعُذْرَةُ: الْخِتَانُ، وَهِيَ كَذَلِكَ الْجِلْدَةُ يَقْطَعُهَا الْخَاتِنُ. وَعَذَرَ الْغُلاَمَ وَالْجَارِيَةَ يَعْذِرُهُمَا، عُذْرًا وَأَعْذَرَهُمَا خَتَنَهُمَا. وَالْعَذَارُ وَالإِْعْذَارُ وَالْعَذِيرَةُ وَالْعَذِيرُ طَعَامُ الْخِتَانِ (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلْمُصْطَلَحِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.

стр. 11352

حُكْمُ الْخِتَانِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْخِتَانِ عَلَى أَقْوَالٍ: الْقَوْل الأَْوَّل: ٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (١) وَالْمَالِكِيَّةُ (٢) وَهُوَ وَجْهٌ شَاذٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٣) ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٤) : إِلَى أَنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الرِّجَال وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَهُوَ مِنَ الْفِطْرَةِ وَمِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، فَلَوِ اجْتَمَعَ أَهْل بَلْدَةٍ عَلَى تَرْكِهِ حَارَبَهُمُ الإِْمَامُ، كَمَا لَوْ تَرَكُوا الأَْذَانَ. وَهُوَ مَنْدُوبٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي رِوَايَةٍ يُعْتَبَرُ خِتَانُهَا مَكْرُمَةً وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّهُ سُنَّةٌ فِي حَقِّهِنَّ كَذَلِكَ، وَفِي ثَالِثٍ: إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ (٥) . وَاسْتَدَلُّوا لِلسُّنِّيَّةِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا: الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَال مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ (٦) وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا خَمْسٌ مِنَ

стр. 11353

الْفِطْرَةِ الْخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِْبِطِ، وَتَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ. (١) وَقَدْ قُرِنَ الْخِتَانُ فِي الْحَدِيثِ بِقَصِّ الشَّارِبِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا. وَمِمَّا يَدُل عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ كَذَلِكَ أَنَّ الْخِتَانَ قَطْعُ جُزْءٍ مِنَ الْجَسَدِ ابْتِدَاءً فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ قِيَاسًا عَلَى قَصِّ الأَْظْفَارِ (٢) . الْقَوْل الثَّانِي: ٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (٣) وَالْحَنَابِلَةُ (٤) ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْل سَحْنُونٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (٥) : إِلَى أَنَّ الْخِتَانَ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَال وَالنِّسَاءِ. وَاسْتَدَلُّوا لِلْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٦) قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ (٧) وَأُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ

стр. 11354

أَمْرٌ لَنَا بِفِعْل تِلْكَ الأُْمُورِ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا فَكَانَتْ مِنْ شَرْعِنَا. وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ كَذَلِكَ: أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ (١) قَالُوا: وَلأَِنَّ الْخِتَانَ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمَا جَازَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَمَا جَازَ نَظَرُ الْخَاتِنِ إِلَيْهَا وَكِلاَهُمَا حَرَامٌ، وَمِنْ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ كَذَلِكَ أَنَّ الْخِتَانَ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ وَاجِبًا كَسَائِرِ شِعَارِهِمْ. وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْل (٢) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ؛ وَلأَِنَّ هُنَاكَ فَضْلَةً فَوَجَبَ إِزَالَتُهَا كَالرَّجُل. وَمِنَ الأَْدِلَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ أَنَّ بَقَاءَ الْقُلْفَةِ يَحْبِسُ النَّجَاسَةَ وَيَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلاَةِ فَتَجِبُ إِزَالَتُهَا. الْقَوْل الثَّالِثُ: ٤ - هَذَا الْقَوْل نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي، وَهُوَ أَنَّ الْخِتَانَ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَال، وَمَكْرُمَةٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِنَّ (٣) .

стр. 11355

مِقْدَارُ مَا يُقْطَعُ فِي الْخِتَانِ: ٥ - يَكُونُ خِتَانُ الذُّكُورِ بِقَطْعِ الْجِلْدَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ، وَتُسَمَّى الْقُلْفَةَ، وَالْغُرْلَةَ، بِحَيْثُ تَنْكَشِفُ الْحَشَفَةُ كُلُّهَا. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّهُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى أَخْذِ أَكْثَرِهَا جَازَ. وَفِي قَوْل ابْنِ كَجٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ يَكْفِي قَطْعُ شَيْءٍ مِنَ الْقُلْفَةِ وَإِنْ قَل بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْقَطْعُ تَدْوِيرَ رَأْسِهَا. وَيَكُونُ خِتَانُ الأُْنْثَى بِقَطْعِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاِسْمُ مِنَ الْجِلْدَةِ الَّتِي كَعُرْفِ الدِّيكِ فَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْل. وَالسُّنَّةُ فِيهِ أَنْ لاَ تُقْطَعَ كُلُّهَا بَل جُزْءٌ مِنْهَا (١) . وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بِالْمَدِينَةِ فَقَال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : لاَ تُنْهِكِي فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْل. (٢) وَقْتُ الْخِتَانِ: ٦ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَصِيرُ فِيهِ الْخِتَانُ وَاجِبًا هُوَ مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لأَِنَّ الْخِتَانَ مِنْ أَجْل الطَّهَارَةِ، وَهِيَ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَهُ.

стр. 11356

وَيُسْتَحَبُّ خِتَانُهُ فِي الصِّغَرِ إِلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ لأَِنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ؛ وَلأَِنَّهُ أَسْرَعُ بُرْءًا فَيَنْشَأُ عَلَى أَكْمَل الأَْحْوَال. وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي تَعْيِينِ وَقْتِ الاِسْتِحْبَابِ وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ أَنَّهُ يَوْمُ السَّابِعِ وَيُحْتَسَبُ يَوْمُ الْوِلاَدَةِ مَعَهُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ: عَقَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَخَتَنَهُمَا لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ (١) ، وَفِي مُقَابِلِهِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الأَْكْثَرُونَ أَنَّهُ الْيَوْمُ السَّابِعُ بَعْدَ يَوْمِ الْوِلاَدَةِ. وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْمُسْتَحَبَّ مَا بَيْنَ الْعَامِ السَّابِعِ إِلَى الْعَاشِرِ مِنْ عُمْرِهِ؛ لأَِنَّهَا السِّنُّ الَّتِي يُؤْمَرُ فِيهَا بِالصَّلاَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ وَقْتُ الإِْثْغَارِ، إِذَا سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ، وَالأَْشْبَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِطَاقَةِ الصَّبِيِّ إِذْ لاَ تَقْدِيرَ فِيهِ فَيُتْرَكُ تَقْدِيرُهُ إِلَى الرَّأْيِ، وَفِي قَوْلٍ: إِنَّهُ إِذَا بَلَغَ الْعَاشِرَةَ لِزِيَادَةِ الأَْمْرِ بِالصَّلاَةِ إِذَا بَلَغَهَا. وَكَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْخِتَانَ يَوْمَ السَّابِعِ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالْيَهُودِ (٢) .

стр. 11357

خِتَانُ مَنْ لاَ يَقْوَى عَلَى الْخِتَانِ: ٧ - مَنْ كَانَ ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ بِحَيْثُ لَوْ خُتِنَ خِيفَ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْتَنَ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِهِ، بَل يُؤَجَّل حَتَّى يَصِيرَ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سَلاَمَتُهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ تَعَبُّدَ فِيمَا يُفْضِي إِلَى التَّلَفِ؛ وَلأَِنَّ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ يَسْقُطُ بِخَوْفِ الْهَلاَكِ فَالسُّنَّةُ أَحْرَى، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يَقُول: إِنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ. وَلِلْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلٌ فِي مَذْهَبِهِمْ، مُلَخَّصُهُ أَنَّ وُجُوبَ الْخِتَانِ يَسْقُطُ عَمَّنْ خَافَ تَلَفًا، وَلاَ يَحْرُمُ مَعَ خَوْفِ التَّلَفِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، أَمَّا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتْلَفُ بِهِ وَجَزَمَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخِتَانُ (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) مَنْ مَاتَ غَيْرَ مَخْتُونٍ: ٨ - لاَ يُخْتَنُ الْمَيِّتُ الأَْقْلَفُ الَّذِي مَاتَ غَيْرَ مَخْتُونٍ. لأَِنَّ الْخِتَانَ كَانَ تَكْلِيفًا، وَقَدْ زَال بِالْمَوْتِ؛ وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْخِتَانِ التَّطْهِيرُ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ زَالَتِ الْحَاجَةُ بِمَوْتِهِ. وَلأَِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمَيِّتِ فَلاَ يُقْطَعُ، كَيَدِهِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ، أَوِ الْقِصَاصِ وَهِيَ لاَ تُقْطَعُ مِنَ الْمَيِّتِ، وَخَالَفَ الْخِتَانُ قَصَّ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ؛ لأَِنَّهُمَا يُزَالاَنِ فِي

стр. 11358

الْحَيَاةِ لِلزِّينَةِ، وَالْمَيِّتُ يُشَارِكُ الْحَيَّ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْخِتَانُ فَإِنَّهُ يُفْعَل لِلتَّكْلِيفِ بِهِ، وَقَدْ زَال بِالْمَوْتِ. وَفِي قَوْلٍ ثَانٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ يُخْتَنُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ لأَِنَّهُ كَالشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَهِيَ تُزَال مِنَ الْمَيِّتِ. وَالْقَوْل الثَّالِثُ عِنْدَهُمْ: إِنَّهُ يُخْتَنُ الْكَبِيرُ دُونَ الصَّغِيرِ؛ لأَِنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْبَالِغِ دُونَ الصَّغِيرِ (١) . مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا بِلاَ قُلْفَةٍ: ٩ - مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا بِلاَ قُلْفَةٍ فَلاَ خِتَانَ عَلَيْهِ لاَ إِيجَابًا وَلاَ اسْتِحْبَابًا، فَإِنْ وُجِدَ مِنَ الْقُلْفَةِ شَيْءٌ يُغَطِّي الْحَشَفَةَ أَوْ بَعْضَهَا، وَجَبَ قَطْعُهُ كَمَا لَوْ خُتِنَ خِتَانًا غَيْرَ كَامِلٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَكْمِيلُهُ ثَانِيًا حَتَّى يُبِينَ جَمِيعَ الْقُلْفَةِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِزَالَتِهَا فِي الْخِتَانِ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ تُجْرَى عَلَيْهِ الْمُوسَى، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يُقْطَعُ قُطِعَ (٢) . تَضْمِينُ الْخَاتِنِ: ١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَضْمِينِ الْخَاتِنِ إِذَا مَاتَ الْمَخْتُونُ بِسَبَبِ سِرَايَةِ جُرْحِ الْخِتَانِ، أَوْ إِذَا جَاوَزَ

стр. 11359

الْقَطْعُ إِلَى الْحَشَفَةِ أَوْ بَعْضِهَا أَوْ قُطِعَ فِي غَيْرِ مَحَل الْقَطْعِ. وَحُكْمُهُ فِي الضَّمَانِ حُكْمُ الطَّبِيبِ أَيْ أَنَّهُ يُضْمَنُ مَعَ التَّفْرِيطِ أَوِ التَّعَدِّي وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ بِالْخِتَانِ (١) . وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخَاتِنَ إِذَا خَتَنَ صَبِيًّا فَقَطَعَ حَشَفَتَهُ وَمَاتَ الصَّبِيُّ، فَعَلَى عَاقِلَةِ الْخَاتِنِ نِصْفُ دِيَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ كُلُّهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَوْتَ حَصَل بِفِعْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَأْذُونٌ فِيهِ وَهُوَ قَطْعُ الْقُلْفَةِ، وَالآْخَرُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَهُوَ قَطْعُ الْحَشَفَةِ، فَيَجِبُ نِصْفُ الضَّمَانِ. أَمَّا إِذَا بَرِئَ فَيُجْعَل قَطْعُ الْجِلْدَةِ وَهُوَ الْمَأْذُونُ فِيهِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَقَطْعُ الْحَشَفَةِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَوَجَبَ ضَمَانُ الْحَشَفَةِ كَامِلاً وَهُوَ الدِّيَةُ؛ لأَِنَّ الْحَشَفَةَ عُضْوٌ مَقْصُودٌ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي النَّفْسِ فَيُقَدَّرُ بَدَلُهُ بِبَدَل النَّفْسِ كَمَا فِي قَطْعِ اللِّسَانِ (٢) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْخَاتِنِ إِذَا كَانَ عَارِفًا مُتْقِنًا لِمِهْنَتِهِ وَلَمْ يُخْطِئْ فِي فِعْلِهِ كَالطَّبِيبِ؛ لأَِنَّ الْخِتَانَ فِيهِ تَغْرِيرٌ فَكَأَنَّ الْمَخْتُونَ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِمَا أَصَابَهُ. فَإِنْ كَانَ الْخَاتِنُ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ بِالْخِتَانِ

стр. 11360

وَأَخْطَأَ فِي فِعْلِهِ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ عُوقِبَ، وَفِي كَوْنِ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَوْ فِي مَالِهِ قَوْلاَنِ: فَلاِبْنِ الْقَاسِمِ إِنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ إِنَّهَا فِي مَالِهِ. لأَِنَّ فِعْلَهُ عَمْدٌ وَالْعَاقِلَةُ لاَ تَحْمِل عَمْدًا (١) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخَاتِنَ إِذَا تَعَدَّى بِالْجُرْحِ الْمُهْلِكِ، كَأَنْ خَتَنَهُ فِي سِنٍّ لاَ يَحْتَمِلُهُ لِضَعْفٍ وَنَحْوِهِ أَوْ شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَمَاتَ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، فَإِنْ ظَنَّ كَوْنَهُ مُحْتَمِلاً فَالْمُتَّجَهُ عَدَمُ الْقَوَدِ لاِنْتِفَاءِ التَّعَدِّي. وَيُسْتَثْنَى مِنْ حُكْمِ الْقَوَدِ الْوَالِدُ وَإِنْ عَلاَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُقْتَل بِوَلَدِهِ، وَتَلْزَمُهُ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ لأَِنَّهُ عَمْدٌ مَحْضٌ. فَإِنِ احْتَمَل الْخِتَانَ وَخَتَنَهُ وَلِيٌّ، أَوْ وَصِيٌّ، أَوْ قَيِّمٌ فَمَاتَ، فَلاَ ضَمَانَ فِي الأَْصَحِّ لإِِحْسَانِهِ بِالْخِتَانِ، إِذْ هُوَ أَسْهَل عَلَيْهِ مَا دَامَ صَغِيرًا بِخِلاَفِ الأَْجْنَبِيِّ لِتَعَدِّيهِ وَلَوْ مَعَ قَصْدِ إِقَامَةِ الشِّعَارِ. وَلَمْ يَرَ الزَّرْكَشِيُّ الْقَوَدَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ أَيْضًا لأَِنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ يُقِيمُ شَعِيرَةً (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْخَاتِنِ إِذَا عُرِفَ مِنْهُ حِذْقُ الصَّنْعَةِ، وَلَمْ تَجْنِ يَدُهُ؛ لأَِنَّهُ فَعَل فِعْلاً مُبَاحًا فَلَمْ يَضْمَنْ سِرَايَتَهُ كَمَا فِي الْحُدُودِ، وَكَذَلِكَ لاَ ضَمَانَ إِذَا كَانَ الْخِتَانُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، أَوْ وَلِيِّ غَيْرِهِ أَوِ الْحَاكِمِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِذْقٌ

стр. 11361

فِي الصَّنْعَةِ ضَمِنَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحِل لَهُ مُبَاشَرَةُ الْقَطْعِ، فَإِنْ قُطِعَ فَقَدْ فَعَل مُحَرَّمًا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ، لِقَوْلِهِ: ﷺ : مَنْ تَطَبَّبَ وَلاَ يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ (١) وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ إِذَا أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ وَكَانَ حَاذِقًا وَلَكِنْ جَنَتْ يَدُهُ وَلَوْ خَطَأً، مِثْل أَنْ جَاوَزَ قَطْعَ الْخِتَانِ فَقَطَعَ الْحَشَفَةَ أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ غَيْرَ مَحَل الْقَطْعِ، أَوْ قَطَعَ بِآلَةٍ يَكْثُرُ أَلَمُهَا، أَوْ فِي وَقْتٍ لاَ يَصْلُحُ الْقَطْعُ فِيهِ. وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ إِذَا قَطَعَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَلِيِّ (٢) . آدَابُ الْخِتَانِ: ١١ - تُشْرَعُ الْوَلِيمَةُ لِلْخِتَانِ وَتُسَمَّى الإِْعْذَارُ وَالْعَذَارُ، وَالْعُذْرَةُ، وَالْعَذِيرُ. وَالسُّنَّةُ إِظْهَارُ خِتَانِ الذَّكَرِ، وَإِخْفَاءُ خِتَانِ الأُْنْثَى. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهَا تُسْتَحَبُّ فِي الذَّكَرِ وَلاَ بَأْسَ بِهَا فِي الأُْنْثَى لِلنِّسَاءِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ (٣) ، وَالتَّفْصِيل فِي (وَلِيمَةٌ، وَدَعْوَةٌ) .

стр. 11362

خَدِيعَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْخَدِيعَةُ وَالْخُدْعَةُ مَصْدَرُ خَدَعَ يَخْدَعُ إِظْهَارُ الإِْنْسَانِ خِلاَفَ مَا يُخْفِيهِ. أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْخَتْل وَإِرَادَةِ الْمَكْرُوهِ. وَالْفَاعِل: الْخَادِعُ، وَخَدَّاعٌ وَخَدُوعٌ مُبَالَغَةٌ، وَالْخُدْعَةُ - بِالضَّمِّ - مَا يُخْدَعُ بِهِ الإِْنْسَانُ مِثْل اللُّعْبَةِ لِمَا يُلْعَبُ بِهِ وَالْحَرْبُ خُدْعَةٌ - مُثَلَّثَةُ الْخَاءِ - وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ. قَال ثَعْلَبٌ: بَلَغَنَا أَنَّهَا لُغَةُ النَّبِيِّ ﷺ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ هَذَا الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْغَدْرُ: ٢ - الْغَدْرُ، هُوَ تَرْكُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، أَوْ نَقْضُهُ. قَال: غَدَرَهُ وَغَدَرَ بِهِ غَدْرًا: أَيْ خَانَهُ، وَنَقَضَ عَهْدَهُ. ب - الْغَبْنُ: ٣ - هُوَ مِنْ غَبَنَهُ يَغْبِنُهُ غَبْنًا - بِتَسْكِينِ الْبَاءِ - فِي الْبَيْعِ أَيْ: خَدَعَهُ، وَغُبِنَ الرَّأْيَ وَغُبِنَ فِيهِ غَبْنًا

стр. 11363

وَغَبَنًا - بِفَتْحِ الْبَاءِ - غَلِطَ فِيهِ وَنَسِيَهُ وَأَغْفَلَهُ (١) . وَالْغَبْنُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ يَكُونُ فِي الْبَيْعِ خَاصَّةً. فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْخَدِيعَةِ. ج - الْخِيَانَةُ: ٤ - الْخِيَانَةُ: التَّفْرِيطُ فِي الْعَهْدِ وَالأَْمَانَةِ وَتَرْكُ النُّصْحِ فِيهَا (٢) . وَالْخَدِيعَةُ قَدْ تَكُونُ مَعَ خِيَانَةِ الأَْمَانَةِ وَقَدْ لاَ تَكُونُ. د - الْغُرُورُ، وَالتَّغْرِيرُ: ٥ - الْغُرُورُ مَصْدَرُ غَرَّهُ يَغُرُّهُ غُرُورًا، إِذَا خَدَعَهُ وَأَطْمَعَهُ بِالْبَاطِل (٣) . وَالتَّغْرِيرُ إِيقَاعُ الشَّخْصِ فِي الْغَرَرِ. وَالْغَرَرُ مَا انْطَوَتْ عَنْكَ عَاقِبَتُهُ، أَوْ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَغْلَبُهُمَا أَخْوَفُهُمَا (٤) . هـ - الْغِشُّ: ٦ - وَهُوَ مَصْدَرُ غَشَّهُ يَغُشُّهُ - بِالضَّمِّ - غِشًّا لَمْ يُمَحِّضْهُ النُّصْحَ، أَوْ أَظْهَرَ لَهُ خِلاَفَ مَا يُبْطِنُهُ، يُقَال: شَيْءٌ مَغْشُوشٌ (٥) .

стр. 11364

و - التَّدْلِيسُ: ٧ - التَّدْلِيسُ، كِتْمَانُ عَيْبِ الشَّيْءِ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْبَيْعِ (١) . فَالتَّدْلِيسُ نَوْعٌ مِنَ الْخَدِيعَةِ. ز - التَّوْرِيَةُ: ٨ - وَهِيَ مِنْ وَرَّى الْخَبَرَ تَوْرِيَةً: أَيْ سَتَرَهُ، وَأَظْهَرَ غَيْرَهُ (٢) فَهِيَ أَيْضًا نَوْعٌ مِنَ الْخَدِيعَةِ. ح - التَّزْوِيرُ: ٩ - هُوَ تَحْسِينُ الشَّيْءِ، وَوَصْفُهُ بِخِلاَفِ صِفَتِهِ حَتَّى يُخَيَّل إِلَى مَنْ يَسْمَعُهُ أَوْ يَرَاهُ أَنَّهُ بِخِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَهُوَ تَمْوِيهُ الْبَاطِل بِمَا يُوهِمُ أَنَّهُ حَقٌّ. وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَنَدَاتِ مِنَ الْوَثَائِقِ وَالشَّهَادَاتِ (٣) . ط - الْحِيلَةُ: ١٠ - هِيَ فِي اللُّغَةِ الْحِذْقُ وَجَوْدَةُ النَّظَرِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي تَدْبِيرِ الأُْمُورِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّهُ غَلَبَ فِي الْعُرْفِ عَلَى الْحِيلَةِ اسْتِعْمَالُهَا فِي سُلُوكِ الطُّرُقِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي يَتَوَصَّل بِهَا الرَّجُل إِلَى حُصُول غَرَضِهِ، بِحَيْثُ لاَ

стр. 11365

يَتَفَطَّنُ لَهُ إِلاَّ بِنَوْعٍ مِنَ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ (١) . وَقَال الرَّاغِبُ: وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا فِي تَعَاطِيهِ خَبَثٌ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِيمَا فِي اسْتِعْمَالِهِ حِكْمَةٌ (٢) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ١١ - الْخَدِيعَةُ بِمَعْنَى - إِظْهَارِ الإِْنْسَانِ خِلاَفَ مَا يُخْفِيهِ - حَرَامٌ إِذَا كَانَ فِيهَا خِيَانَةُ أَمَانَةٍ، أَوْ نَقْضُ عَهْدٍ. وَهَذَا لاَ يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ الأُْمَّةِ، وَتَوَاتَرَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ فِي النَّهْيِ عَنْهَا. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (٤) وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلاَل كُلِّهَا إِلاَّ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ. (٥) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَْعْيُنِ (٦)

стр. 11366

وَعَدَّهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ فَقَال: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ. (١) وَقَال النَّبِيُّ ﵊: إِنِّي لاَ أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلاَ أَحْبِسُ الْبُرُدَ. (٢) قَال الصَّنْعَانِيُّ فِي سُبُل السَّلاَمِ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حِفْظِ الْعَهْدِ، وَالْوَفَاءِ بِهِ. وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ : عَنْ عُقُودٍ مُعَيَّنَةٍ تَدْخُل فِيهَا الْخَدِيعَةُ مِنَ النَّجْشِ، وَالتَّصْرِيَةِ، وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ. وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمَخْدُوعِ فِيهَا حَقَّ خِيَارِ الْفَسْخِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: قَال: إِنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَال: إِذَا بَايَعْتَ فَقُل: لاَ خِلاَبَةَ أَيْ لاَ خَدِيعَةَ (٣) . (ر: نَجْشٌ، وَتَصْرِيَةٌ، وَتَدْلِيسٌ) . الْخَدِيعَةُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ: ١٢ - أَمَّا الْخَدِيعَةُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ، فَلاَ يَجُوزُ الْخُدَعُ، وَلاَ التَّبْيِيتُ بِالْهُجُومِ الْغَادِرِ، وَهُمْ آمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ إِلَى عَهْدٍ لَمْ يُنْقَضْ، وَلَمْ يُنْبَذْ،

стр. 11367

حَتَّى لَوْ كُنَّا نَخْشَى الْخِيَانَةَ مِنْ جَانِبِهِمْ (١) . قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) وَقَال: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (٣) وَقَال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (٤) وَأَمَّا إِذَا اسْتَشْعَرَ الإِْمَامُ عَزْمَهُمْ عَلَى الْخِيَانَةِ بِأَمَارَاتٍ تَدُل عَلَيْهَا لاَ بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمٍ، لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ، وَلاَ يَجُوزُ خَدْعُهُمْ وَلاَ تَبْيِيتُهُمْ بِهُجُومٍ غَادِرٍ، وَهُمْ آمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ إِلَى عَهْدٍ لَمْ يُنْقَضْ، وَلَمْ يُنْبَذْ. بَل يُنْبَذُ إِلَيْهِمُ الْعَهْدُ ثُمَّ يُقَاتِلُهُمْ (٥) . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ . (٦) قَال الشَّوْكَانِيُّ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ: إِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً: أَيْ غِشًّا، وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنَ الْقَوْمِ الْمُعَاهَدِينَ فَاطْرَحْ إِلَيْهِمُ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، عَلَى سَوَاءٍ أَيْ أَخْبِرْهُمْ إِخْبَارًا ظَاهِرًا مَكْشُوفًا بِالنَّقْضِ، وَلاَ تُنَاجِزْهُمُ الْحَرْبَ بَغْتَةً (٧) . ١٣ - فَأَمَّا بَعْدُ أَنْ نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وَصَارَ عِلْمُهُمْ وَعِلْمُ الْمُسْلِمِينَ بِنَقْضِهِ عَلَى سَوَاءٍ، وَبَعْدَ أَنْ أَخَذَ كُل خَصْمٍ حِذْرَهُ، فَإِنَّ كُل وَسَائِل

стр. 11368

الْخُدْعَةِ مُبَاحَةٌ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ غَادِرَةً، فَمَنْ جَازَتْ عَلَيْهِ الْخُدْعَةُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَهُوَ غَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْدُورٍ بِهِ. قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : الْحَرْبُ خُدْعَةٌ (١) وَجَاءَ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي الْحَدِيثِ: الأَْمْرُ بِاسْتِعْمَال الْحِيلَةِ فِي الْحَرْبِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَالنَّدْبُ إِلَى خِدَاعِ الْكُفَّارِ، قَال النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كُلَّمَا أَمْكَنَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ، أَوْ أَمَانٍ فَلاَ يَجُوزُ. (ر: أَمَانٌ، عَهْدٌ، هُدْنَةٌ) . وَفِيهِ الإِْشَارَةُ إِلَى اسْتِعْمَال الرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ بَل الاِحْتِيَاجُ إِلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الشَّجَاعَةِ (٢) . وَقَال ابْنُ الْمُنِيرِ: مَعَ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ الْحَرْبُ الْجَيِّدَةُ لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَةُ فِي مَقْصُودِهَا إِنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَةُ، لاَ الْمُوَاجَهَةُ، وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَةِ وَحُصُول الظَّفَرِ مَعَ الْمُخَادَعَةِ بِغَيْرِ خَطَرٍ (٣) . قَال النَّوَوِيُّ: قَال الْعُلَمَاءُ: إِذَا دَعَتْ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ رَاجِحَةٌ إِلَى خِدَاعِ الْمُخَاطَبِ، أَوْ حَاجَةٌ لاَ مَنْدُوحَةَ عَنْهَا إِلاَّ بِالْكَذِبِ، فَلاَ بَأْسَ بِالتَّوْرِيَةِ، وَالتَّعْرِيضِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَيْسَ بِحَرَامٍ إِلاَّ أَنْ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى أَخْذِ بَاطِلٍ، أَوْ دَفْعِ

стр. 11369

حَقٍّ فَيَصِيرُ عِنْدَئِذٍ حَرَامًا (١) . وَفِي التَّوْرِيَةِ قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ الأَْشْرَفِ بَعْدَ أَنِ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَقُول: كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: إِنَّ هَذَا أَيِ: النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَنَّانَا، وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، فَإِنَّا اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ (٢) وَكُل هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تَوْرِيَةٌ: وَقَصَدَ بِهَا إِلَى مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الْمُتَبَادَرِ مِنْهَا. وَمَعْنَى عَنَّانَا: كَلَّفَنَا بِالأَْوَامِرِ وَالنَّوَاهِي. وَمَعْنَى سَأَلَنَا الصَّدَقَةَ: طَلَبَهَا لِيَضَعَهَا فِي مَكَانِهَا الصَّحِيحِ. وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ: نَكْرَهُ أَنْ نُفَارِقَهُ (٣) . وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا (٤) . وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يُرِيدُ غَزْوَ جِهَةٍ فَلاَ يُظْهِرُهَا وَيُظْهِرُ غَيْرَهَا، كَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَغْزُوَ جِهَةَ الشَّرْقِ، فَيَسْأَل عَنْ أَمْرٍ فِي جِهَةِ الْغَرْبِ، فَيَتَجَهَّزُ لِلسَّفَرِ فَيَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ، وَيَسْمَعُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ جِهَةَ الْغَرْبِ (٥) . وَهَذَا فِي الْغَالِبِ فَقَدْ صَرَّحَ بِجِهَةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِلتَّأَهُّبِ لَهَا.

стр. 11370

خِدْمَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْخِدْمَةُ مَصْدَرُ خَدَمَ وَهِيَ الْمِهْنَةُ ، وَقِيل: وَهِيَ بِالْكَسْرِ الاِسْمُ، وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ. وَالْخَدَمُ وَالْخُدَّامُ جَمْعُ خَادِمٍ، وَالْخَادِمُ يَصْدُقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، لأَِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الأَْسْمَاءِ غَيْرِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الأَْفْعَال. وَيُقَال لِلأُْنْثَى فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ خَادِمَةٌ. وَاسْتَخْدَمَهُ وَاخْتَدَمَهُ جَعَلَهُ خَادِمًا، أَوْ سَأَلَهُ أَنْ يَخْدُمَهُ، وَأَخْدَمْتُ فُلاَنًا: أَيْ أَعْطَيْتَهُ خَادِمًا يَخْدُمُهُ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمِهْنَةُ: ٢ - الْمِهْنَةُ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا - الْحِذْقُ فِي الْخِدْمَةِ وَالْعَمَل، وَمَهَنَ يَمْهُنُ مِهَنًا إِذَا عَمِل فِي صَنْعَةٍ، وَمَهَنَهُمْ خَدَمَهُمْ وَامْتَهَنْتُهُ أَيِ: اسْتَخْدَمْتَهُ وَابْتَذَلْتَهُ.

стр. 11371

وَالْمَاهِنُ الْخَادِمُ، وَالأُْنْثَى مَاهِنَةٌ، وَالْجَمْعُ مُهَّانٌ، وَيُقَال: لِلأُْنْثَى بِالْخَرْقَاءِ لاَ تُحْسِنُ الْمِهْنَةَ، أَيْ لاَ تُحْسِنُ الْخِدْمَةَ. وَالْمِهْنَةُ الْخِدْمَةُ وَالاِبْتِذَال، وَالْمَهِينُ الضَّعِيفُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (١) وَخَرَجَ فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهِ أَيْ: فِي ثِيَابِ خِدْمَتِهِ الَّتِي يَلْبَسُهَا فِي أَشْغَالِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ (٢) . فَالْمِهْنَةُ أَخَصُّ؛ لأَِنَّ فِيهَا الْحِذْقَ، وَتُطْلَقُ عَلَى الصَّنْعَةِ. ب - الْعَمَل: ٣ - وَالْعَمَل هُوَ الْمِهْنَةُ وَالْفِعْل، وَالْجَمْعُ أَعْمَالٌ. وَالْعَامِل هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى أُمُورَ الرَّجُل فِي مَالِهِ، أَوْ مِلْكِهِ، أَوْ عَمَلِهِ، وَالْجَمْعُ عُمَّالٌ وَعَامِلُونَ. وَالْعُمْلَةُ وَالْعِمَالَةُ، أَجْرُ مَا عَمِل، أَوْ رِزْقُ الْعَامِل الَّذِي جُعِل لَهُ عَلَى مَا قُلِّدَ مِنَ الْعَمَل، وَالْعَمَلَةُ هُمُ الْقَوْمُ يَعْمَلُونَ بِأَيْدِيهِمْ ضُرُوبًا مِنَ الْعَمَل فِي طِينٍ أَوْ حَفْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (٣) . وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْعَمَل وَالْخِدْمَةِ أَنَّ الْعَمَل أَعَمُّ مِنَ الْخِدْمَةِ. الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْخِدْمَةِ: خِدْمَةُ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُل وَعَكْسُهُ: ٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ

стр. 11372

الرَّجُل الأَْعْزَبِ الْمَرْأَةَ الأَْجْنَبِيَّةَ الْبَالِغَةَ لِلْخِدْمَةِ فِي بَيْتِهِ، مَأْمُونًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْمُونٍ وَذَلِكَ اتِّقَاءٌ لِلْفِتْنَةِ، وَلأَِنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا مَعْصِيَةٌ إِلاَّ إِذَا كَانَ الرَّجُل مَحْرَمًا لَهَا، أَوْ صَغِيرًا، أَوْ شَيْخًا هَرِمًا، أَوْ مَمْسُوحًا أَوْ مَجْبُوبًا، أَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ الْخَادِمَةُ صَغِيرَةً لاَ تُشْتَهَى. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ وَبَيْنَ الأَْمَةِ، وَلاَ بَيْنَ الْجَمِيلَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَوْ كَانَتْ قَبِيحَةً يُؤْمَنُ مِنَ الرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ عَلَيْهَا، فَحِينَئِذٍ لاَ تَحْرُمُ خِدْمَتُهَا لَهُ فِي بَيْتِهِ لاِنْتِفَاءِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ. وَالْحُرْمَةُ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - إِذَا كَانَتِ الْخِدْمَةُ تَتَطَلَّبُ الْخَلْوَةَ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ تَتَطَلَّبُ الْخَلْوَةَ فَيَجُوزُ، وَكَذَا إِذَا كَانَ الرَّجُل مَرِيضًا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْدُمُهُ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ اسْتِخْدَامِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ الرَّجُل جَمِيلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ جَمِيلَةٍ مُتَجَالَّةً أَوْ غَيْرَ مُتَجَالَّةٍ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَجَالَّةِ وَغَيْرِ الْمُتَجَالَّةِ، كَمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الرَّجُل الْعَزَبِ الَّذِي لاَ نِسَاءَ عِنْدَهُ مِنْ قَرَابَاتٍ وَزَوْجَاتٍ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَدَيْهِ زَوْجَةٌ أَوْ قَرِيبَةٌ. قَال أَحْمَدُ: يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يَسْتَأْجِرَ الأَْمَةَ وَالْحُرَّةَ لِلْخِدْمَةِ، وَلَكِنْ يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ لَيْسَتِ الأَْمَةُ مِثْل الْحُرَّةِ وَلاَ يَخْلُو مَعَهَا فِي بَيْتٍ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مُتَجَرِّدَةً وَلاَ إِلَى شَعْرِهَا. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: أَكْرَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُل امْرَأَةً حُرَّةً يَسْتَخْدِمُهَا وَيَخْلُو بِهَا وَكَذَلِكَ الأَْمَةُ.

стр. 11373

قَال الْكَاسَانِيُّ: وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: أَمَّا الْخَلْوَةُ؛ فَلأَِنَّ الْخَلْوَةَ بِالْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ مَعْصِيَةٌ. وَأَمَّا الاِسْتِخْدَامُ فَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مَعَهُ الاِطِّلاَعُ عَلَيْهَا وَالْوُقُوعُ فِي الْمَعْصِيَةِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قِيل لاِبْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً تَخْدُمُهُ وَهُوَ عَزَبٌ أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لاَ؟ قَال: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِل عَنِ امْرَأَةٍ تُعَادِل الرَّجُل فِي الْمَحْمَل وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مَحْرَمٌ فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَالَّذِي يَسْتَأْجِرُ الْمَرْأَةَ تَخْدُمُهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مَحْرَمٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَهْلٌ، وَهُوَ يَخْلُو مَعَهَا أَشَدُّ عِنْدِي كَرَاهِيَةً مِنَ الَّذِي تُعَادِلُهُ الْمَرْأَةُ فِي الْمَحْمَل (١) . أَمَّا خَادِمُ الْمَرْأَةِ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَجُلاً كَبِيرًا مِمَّنْ لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا؛ لأَِنَّ الْخَادِمَ يَلْزَمُ الْمَخْدُومَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ، فَلاَ يَسْلَمُ مِنَ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْخَادِمُ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، أَوْ مَحْرَمًا لِلْمَرْأَةِ الْمَخْدُومَةِ، أَوْ عَبْدًا مَمْلُوكَهَا، أَوْ مَمْسُوحًا، أَوْ نَحْوَهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَخْدُمَهَا. وَهَذَا فِي الْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ، أَمَّا الْخِدْمَةُ الظَّاهِرَةُ

стр. 11374

مِثْل قَضَاءِ الْحَوَائِجِ مِنَ السُّوقِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلاَّهَا الرَّجُل الأَْجْنَبِيُّ. قَال الْحَطَّابُ: وَسُئِل عَنِ الْمَرْأَةِ الْعَزَبَةِ الْكَبِيرَةِ تَلْجَأُ إِلَى الرَّجُل، فَيَقُومُ لَهَا بِحَوَائِجِهَا وَيُنَاوِلُهَا الْحَاجَةَ، هَل تَرَى لَهُ ذَلِكَ جَائِزًا؟ قَال: لاَ بَأْسَ بِهِ وَلْيَدْخُل مَعَهُ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَلَوْ تَرَكَهَا النَّاسُ لَضَاعَتْ، وَهَذَا عَلَى مَا قَال إِنَّهُ جَائِزٌ لِلرَّجُل أَنْ يَقُومَ لِلْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ بِحَوَائِجِهَا وَيُنَاوِلَهَا الْحَاجَةَ إِذَا غَضَّ بَصَرَهُ عَمَّا لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ، مِمَّا لاَ يَظْهَرُ مِنْ زِينَتِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) وَذَلِكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْل التَّأْوِيل، فَجَائِزٌ لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى الدُّخُول عَلَيْهَا أَدْخَل غَيْرَهُ مَعَهُ لِيُبْعِدَ سُوءَ الظَّنِّ عَنْ نَفْسِهِ (٢) . خِدْمَةُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ: ٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا أَنْ يَخْدُمَ الْكَافِرَ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ بِإِجَارَةٍ أَوْ إِعَارَةٍ، وَلاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ وَلاَ الإِْعَارَةُ

стр. 11375

لِذَلِكَ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِهَانَةً لِلْمُسْلِمِ وَإِذْلاَلاً لَهُ، وَتَعْظِيمًا لِلْكَافِرِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (١) وَأَمَّا إِذَا أَجَّرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ لِلْكَافِرِ لِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ فِي الذِّمَّةِ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ قِصَارَتِهِ جَازَ؛ لأَِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لاَ يَتَضَمَّنُ إِذْلاَلاً وَلاَ اسْتِخْدَامًا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: بِغَيْرِ خِلاَفٍ نَعْلَمُهُ، لأَِنَّ عَلِيًّا ﵁ أَجَّرَ نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ يَسْتَقِي لَهُ كُل دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ (٢) . وَكَذَا إِنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ مِنْهُ لِعَمَلٍ غَيْرِ الْخِدْمَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً جَازَ أَيْضًا. وَكَذَا إِعَارَةُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ لِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ لاَ يَقْتَضِي الْخِدْمَةَ فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا. وَيُشْتَرَطُ فِيمَا جَازَ مِنَ الإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ الْعَمَل مِمَّا لاَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ، كَرَعْيِ الْخَنَازِيرِ أَوْ حَمْل الْخَمْرِ (٣) . خِدْمَةُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَعَكْسُهُ: ٦ - إِذَا قَامَ الْوَالِدُ بِنَفْسِهِ بِخِدْمَةِ وَلَدِهِ فَلاَ كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْخِدْمَةُ أَوِ الإِْخْدَامُ لِوَلَدِهِ

стр. 11376

الصَّغِيرِ أَوِ الْمَرِيضِ، أَوِ الْعَاجِزِ، إِذَا كَانَ فَقِيرًا. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ اسْتِخْدَامِ الْفَرْعِ لأَِصْلِهِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْهَانَةِ وَالإِْذْلاَل وَالاِسْتِخْفَافِ الَّذِي لاَ يَلِيقُ بِمَكَانَةِ الأُْبُوَّةِ. وَعَلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ وَالِدَهُ لِلاِسْتِخْدَامِ وَإِنْ عَلاَ، وَكَذَلِكَ وَالِدَتُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الْوَالِدُ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا؛ لأَِنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَعْظِيمِ وَالِدِهِ وَإِنِ اخْتَلَفَ الدِّينُ، وَفِي الاِسْتِخْدَامِ اسْتِخْفَافٌ بِهِ فَكَانَ حَرَامًا، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١) وَهَذَا الأَْمْرُ وَرَدَ فِي حَقِّ الأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ، لأَِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ (٢) الآْيَةَ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْوَلَدِ تَنْزِيهًا اسْتِخْدَامُ أَحَدِ أُصُولِهِ وَإِنْ عَلاَ لِصِيَانَتِهِمْ عَنِ الإِْذْلاَل. أَمَّا خِدْمَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، أَوِ اسْتِخْدَامُ الأَْبِ لِوَلَدِهِ فَجَائِزٌ بِلاَ خِلاَفٍ، بَل إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْبِرِّ الْمَأْمُورِ بِهِ شَرْعًا، وَيَكُونُ وَاجِبًا عَلَى الْوَلَدِ خِدْمَةُ أَوْ إِخْدَامُ وَالِدِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلِهَذَا فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً عَلَيْهَا، لأَِنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ وَمَنْ قَضَى

стр. 11377

حَقًّا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهِ (١) . مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَادِمِ مِنْ أَحْكَامٍ: أ - إِخْدَامُ الزَّوْجَةِ: ٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ إِخْدَامُ زَوْجَتِهِ الَّتِي لاَ يَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا بِأَنْ كَانَتْ تُخْدَمُ فِي بَيْتِ أَبِيهَا، أَوْ كَانَتْ مِنْ ذَوِي الأَْقْدَارِ، لِكَوْنِ هَذَا مِنْ حَقِّهَا فِي الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وَلأَِنَّ هَذَا مِنْ كِفَايَتِهَا وَمِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدَّوَامِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ. كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِْخْدَامَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ الْمَرِيضَةِ، وَالْمُصَابَةِ بِعَاهَةٍ لاَ تَسْتَطِيعُ مَعَهَا خِدْمَةَ نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يُخْدَمُ مِثْلُهَا؛ لأَِنَّ مِثْل هَذِهِ لاَ تَسْتَغْنِي عَنِ الْخِدْمَةِ. وَالْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا يَرَوْنَ وُجُوبَ إِخْدَامِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ، لَكِنْ قَالُوا: يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ ذَا سَعَةٍ وَهِيَ ذَاتُ قَدْرٍ لَيْسَ شَأْنَهَا الْخِدْمَةُ، أَوْ كَانَ هُوَ ذَا قَدْرٍ تَزْرِي خِدْمَةُ زَوْجَتِهِ بِهِ (٣) .

стр. 11378

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا امْتَنَعَتِ الْمَرْأَةُ عَنِ الطَّحْنِ وَالْخَبْزِ، إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يَخْدُمُ، أَوْ كَانَ بِهَا عِلَّةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامٍ مُهَيَّأٍ، وَإِلاَّ بِأَنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا وَتَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهَا أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا دِيَانَةً وَلَوْ شَرِيفَةً، لأَِنَّهُ ﵊ قَسَّمَ الأَْعْمَال بَيْنَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، فَجَعَل أَعْمَال الْخَارِجِ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ وَالدَّاخِل عَلَى فَاطِمَةَ ﵂ (١) مَعَ أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فَإِنْ كَانَ لَهَا خَادِمٌ فَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَتُهُ (٢) . ب - الإِْخْدَامُ بِأَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ: ٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِلْزَامِ الزَّوْجِ بِأَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ خَادِمٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ خِدْمَتُهَا فِي نَفْسِهَا وَيَحْصُل ذَلِكَ بِخَادِمٍ وَاحِدٍ (٣) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ

стр. 11379

الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ حَالُهَا وَمَنْصِبُهَا يَقْتَضِي، خَادِمَيْنِ أَوْ أَكْثَر فَلَهَا ذَلِكَ. قَال أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ غَنِيَّةً وَزُفَّتْ إِلَيْهِ بِخَدَمٍ كَثِيرٍ اسْتَحَقَّتْ نَفَقَةَ الْجَمِيعِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ يَجِل مِقْدَارُهَا عَنْ خِدْمَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ، فَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى مَنْ لاَ بُدَّ مِنْهُ مِنَ الْخَدَمِ مِمَّنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنَ الْخَادِمِ الْوَاحِدِ، أَوِ الاِثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْحَاصِل: أَنَّ الْمَذْهَبَ الاِقْتِصَارُ عَلَى الْوَاحِدِ مُطْلَقًا، وَالْمَأْخُوذُ بِهِ عِنْدَ الْمَشَايِخِ قَوْل أَبِي يُوسُفَ. فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لاَ يُخْدَمُ فِي بَيْتِ أَبِيهَا مَثَلاً، فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْخْدَامُ، بَل يَلْزَمُهَا أَنْ تَقُومَ بِخِدْمَةِ نَفْسِهَا الْبَاطِنَةِ (أَيْ فِي دَاخِل الْمَنْزِل) مِنْ عَجْنٍ وَطَبْخٍ، وَكَنْسٍ، وَفَرْشٍ، وَاسْتِقَاءِ مَاءٍ إِذَا كَانَ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا غَزْلٌ، وَلاَ نَسْجٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا مِنَ السُّوقِ مَا تَحْتَاجُهُ؛ لأَِنَّ هَذَا مِنْ تَمَّامِ الْكِفَايَةِ. ج - تَبْدِيل الْخَادِمِ: ٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَبْدِيل الزَّوْجِ خَادِمَهَا الَّذِي حَمَلَتْهُ مَعَهَا، أَوْ أَخْدَمَهَا إِيَّاهُ هُوَ (وَأَلِفَتْهُ) . فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ لَهُ لِتَضَرُّرِهَا بِقَطْعِ الْمَأْلُوفِ؛ وَلأَِنَّهَا قَدْ لاَ تَتَهَيَّأُ لَهَا الْخِدْمَةُ بِالْخَادِمِ

стр. 11380

الَّذِي يَجِيءُ بِهِ الزَّوْجُ بَدَل خَادِمِهَا إِلاَّ إِنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ رِيبَةٌ، أَوْ خِيَانَةٌ، أَوْ تَضَرَّرَ بِوُجُودِهِ. أَمَّا إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ رِيبَةٌ، أَوْ خِيَانَةٌ، أَوْ تَضَرَّرَ مِنْهُ بِأَنْ كَانَ يَخْتَلِسُ مِنْ ثَمَنِ مَا يَشْتَرِيهِ أَوْ أَمْتِعَةِ بَيْتِهِ فَلَهُ الإِْبْدَال، وَالإِْتْيَانُ بِخَادِمٍ أَمِينٍ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ هَذَا عَلَى رِضَاهَا إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا إِذَا لَمْ تَسْتَبْدِل غَيْرَهُ بِهِ. أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ إِبْدَال خَادِمٍ آخَرَ بِخَادِمِهَا إِذَا أَتَاهَا بِمَنْ يَصْلُحُ لِلْخِدْمَةِ لأَِنَّ تَعْيِينَ الْخَادِمِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ إِلَيْهَا (١) . د - إِخْرَاجُ الْخَادِمِ مِنَ الْبَيْتِ: ١٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إِخْرَاجِ الزَّوْجِ لِخَدَمِ الْمَرْأَةِ الزَّائِدِ عَنِ الْوَاحِدِ، أَوِ الزَّائِدِ عَنِ الْحَاجَةِ مِنْ بَيْتِهِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لَهُ إِخْرَاجَ الزَّائِدِ عَنِ الْحَاجَةِ وَمَنْعَهُ مِنْ دُخُول الْبَيْتِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَقَال: لاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ (٢) . هـ - إِخْدَامُ الْمُعْسِرِ: ١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الإِْخْدَامِ عَلَى
следующие страницы →