Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11376–11415 · переход к 11381.
стр. 11376
الصَّغِيرِ أَوِ الْمَرِيضِ، أَوِ الْعَاجِزِ، إِذَا كَانَ فَقِيرًا.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ اسْتِخْدَامِ الْفَرْعِ لأَِصْلِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْهَانَةِ وَالإِْذْلاَل وَالاِسْتِخْفَافِ الَّذِي لاَ يَلِيقُ بِمَكَانَةِ الأُْبُوَّةِ.
وَعَلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ وَالِدَهُ لِلاِسْتِخْدَامِ وَإِنْ عَلاَ، وَكَذَلِكَ وَالِدَتُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الْوَالِدُ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا؛ لأَِنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَعْظِيمِ وَالِدِهِ وَإِنِ اخْتَلَفَ الدِّينُ، وَفِي الاِسْتِخْدَامِ اسْتِخْفَافٌ بِهِ فَكَانَ حَرَامًا، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١) وَهَذَا الأَْمْرُ وَرَدَ فِي حَقِّ الأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ، لأَِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ (٢) الآْيَةَ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْوَلَدِ تَنْزِيهًا اسْتِخْدَامُ أَحَدِ أُصُولِهِ وَإِنْ عَلاَ لِصِيَانَتِهِمْ عَنِ الإِْذْلاَل.
أَمَّا خِدْمَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، أَوِ اسْتِخْدَامُ الأَْبِ لِوَلَدِهِ فَجَائِزٌ بِلاَ خِلاَفٍ، بَل إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْبِرِّ الْمَأْمُورِ بِهِ شَرْعًا، وَيَكُونُ وَاجِبًا عَلَى الْوَلَدِ خِدْمَةُ أَوْ إِخْدَامُ وَالِدِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلِهَذَا فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً عَلَيْهَا، لأَِنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ وَمَنْ قَضَى стр. 11377
حَقًّا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهِ (١) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَادِمِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أ - إِخْدَامُ الزَّوْجَةِ:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ إِخْدَامُ زَوْجَتِهِ الَّتِي لاَ يَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا بِأَنْ كَانَتْ تُخْدَمُ فِي بَيْتِ أَبِيهَا، أَوْ كَانَتْ مِنْ ذَوِي الأَْقْدَارِ، لِكَوْنِ هَذَا مِنْ حَقِّهَا فِي الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وَلأَِنَّ هَذَا مِنْ كِفَايَتِهَا وَمِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدَّوَامِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ.
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِْخْدَامَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ الْمَرِيضَةِ، وَالْمُصَابَةِ بِعَاهَةٍ لاَ تَسْتَطِيعُ مَعَهَا خِدْمَةَ نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يُخْدَمُ مِثْلُهَا؛ لأَِنَّ مِثْل هَذِهِ لاَ تَسْتَغْنِي عَنِ الْخِدْمَةِ.
وَالْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا يَرَوْنَ وُجُوبَ إِخْدَامِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ، لَكِنْ قَالُوا: يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ ذَا سَعَةٍ وَهِيَ ذَاتُ قَدْرٍ لَيْسَ شَأْنَهَا الْخِدْمَةُ، أَوْ كَانَ هُوَ ذَا قَدْرٍ تَزْرِي خِدْمَةُ زَوْجَتِهِ بِهِ (٣) . стр. 11378
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا امْتَنَعَتِ الْمَرْأَةُ عَنِ الطَّحْنِ وَالْخَبْزِ، إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يَخْدُمُ، أَوْ كَانَ بِهَا عِلَّةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامٍ مُهَيَّأٍ، وَإِلاَّ بِأَنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا وَتَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهَا أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا دِيَانَةً وَلَوْ شَرِيفَةً، لأَِنَّهُ ﵊ قَسَّمَ الأَْعْمَال بَيْنَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، فَجَعَل أَعْمَال الْخَارِجِ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ وَالدَّاخِل عَلَى فَاطِمَةَ ﵂ (١) مَعَ أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فَإِنْ كَانَ لَهَا خَادِمٌ فَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَتُهُ (٢) .
ب - الإِْخْدَامُ بِأَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ:
٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِلْزَامِ الزَّوْجِ بِأَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ خَادِمٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ خِدْمَتُهَا فِي نَفْسِهَا وَيَحْصُل ذَلِكَ بِخَادِمٍ وَاحِدٍ (٣) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ стр. 11379
الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ حَالُهَا وَمَنْصِبُهَا يَقْتَضِي، خَادِمَيْنِ أَوْ أَكْثَر فَلَهَا ذَلِكَ.
قَال أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ غَنِيَّةً وَزُفَّتْ إِلَيْهِ بِخَدَمٍ كَثِيرٍ اسْتَحَقَّتْ نَفَقَةَ الْجَمِيعِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ يَجِل مِقْدَارُهَا عَنْ خِدْمَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ، فَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى مَنْ لاَ بُدَّ مِنْهُ مِنَ الْخَدَمِ مِمَّنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنَ الْخَادِمِ الْوَاحِدِ، أَوِ الاِثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْحَاصِل: أَنَّ الْمَذْهَبَ الاِقْتِصَارُ عَلَى الْوَاحِدِ مُطْلَقًا، وَالْمَأْخُوذُ بِهِ عِنْدَ الْمَشَايِخِ قَوْل أَبِي يُوسُفَ.
فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لاَ يُخْدَمُ فِي بَيْتِ أَبِيهَا مَثَلاً، فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْخْدَامُ، بَل يَلْزَمُهَا أَنْ تَقُومَ بِخِدْمَةِ نَفْسِهَا الْبَاطِنَةِ (أَيْ فِي دَاخِل الْمَنْزِل) مِنْ عَجْنٍ وَطَبْخٍ، وَكَنْسٍ، وَفَرْشٍ، وَاسْتِقَاءِ مَاءٍ إِذَا كَانَ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا غَزْلٌ، وَلاَ نَسْجٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا مِنَ السُّوقِ مَا تَحْتَاجُهُ؛ لأَِنَّ هَذَا مِنْ تَمَّامِ الْكِفَايَةِ.
ج - تَبْدِيل الْخَادِمِ:
٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَبْدِيل الزَّوْجِ خَادِمَهَا الَّذِي حَمَلَتْهُ مَعَهَا، أَوْ أَخْدَمَهَا إِيَّاهُ هُوَ (وَأَلِفَتْهُ) .
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ لَهُ لِتَضَرُّرِهَا بِقَطْعِ الْمَأْلُوفِ؛ وَلأَِنَّهَا قَدْ لاَ تَتَهَيَّأُ لَهَا الْخِدْمَةُ بِالْخَادِمِ
стр. 11380
الَّذِي يَجِيءُ بِهِ الزَّوْجُ بَدَل خَادِمِهَا إِلاَّ إِنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ رِيبَةٌ، أَوْ خِيَانَةٌ، أَوْ تَضَرَّرَ بِوُجُودِهِ.
أَمَّا إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ رِيبَةٌ، أَوْ خِيَانَةٌ، أَوْ تَضَرَّرَ مِنْهُ بِأَنْ كَانَ يَخْتَلِسُ مِنْ ثَمَنِ مَا يَشْتَرِيهِ أَوْ أَمْتِعَةِ بَيْتِهِ فَلَهُ الإِْبْدَال، وَالإِْتْيَانُ بِخَادِمٍ أَمِينٍ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ هَذَا عَلَى رِضَاهَا إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا إِذَا لَمْ تَسْتَبْدِل غَيْرَهُ بِهِ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ إِبْدَال خَادِمٍ آخَرَ بِخَادِمِهَا إِذَا أَتَاهَا بِمَنْ يَصْلُحُ لِلْخِدْمَةِ لأَِنَّ تَعْيِينَ الْخَادِمِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ إِلَيْهَا (١) .
د - إِخْرَاجُ الْخَادِمِ مِنَ الْبَيْتِ:
١٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إِخْرَاجِ الزَّوْجِ لِخَدَمِ الْمَرْأَةِ الزَّائِدِ عَنِ الْوَاحِدِ، أَوِ الزَّائِدِ عَنِ الْحَاجَةِ مِنْ بَيْتِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لَهُ إِخْرَاجَ الزَّائِدِ عَنِ الْحَاجَةِ وَمَنْعَهُ مِنْ دُخُول الْبَيْتِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَقَال: لاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ (٢) .
هـ - إِخْدَامُ الْمُعْسِرِ:
١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الإِْخْدَامِ عَلَى стр. 11381
الْمُعْسِرِ لِلزَّوْجَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الْخِدْمَةَ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الإِْخْدَامِ عَلَى الزَّوْجِ الْمُوسِرِ فَقَطْ. أَمَّا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْخْدَامُ لأَِنَّ الضَّرَرَ لاَ يُزَال بِالضَّرَرِ.
وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ تَخْدُمَ نَفْسَهَا الْخِدْمَةَ الدَّاخِلِيَّةَ، وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَكْفِيَهَا الأَْعْمَال الْخَارِجِيَّةَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ الأَْعْمَال بَيْنَ عَلِيٍّ ﵁، وَبَيْنَ فَاطِمَةَ ﵄، فَجَعَل أَعْمَال الْخَارِجِ عَلَى عَلِيٍّ ﵁، وَأَعْمَال الدَّاخِل عَلَى فَاطِمَةَ ﵂ (١)
إِلاَّ أَنَّ مُحَمَّدًا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، يَرَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِلزَّوْجَةِ خَادِمٌ فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا؛ لأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهَا خَادِمٌ عُلِمَ أَنَّهَا لاَ تَرْضَى بِالْخِدْمَةِ بِنَفْسِهَا فَكَانَ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ خَادِمِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خَادِمٌ، فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ وُجُوبَ الإِْخْدَامِ لِلزَّوْجَةِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُوسِرُ، وَالْمُتَوَسِّطُ، وَالْمُعْسِرُ، وَالْحُرُّ، وَالْعَبْدُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَلأَِنَّ الْخِدْمَةَ وَاجِبٌ مِنَ الْوَاجِبَاتِ كَسَائِرِ الْمُؤَنِ (٢) .
- стр. 11382
وَ صِفَةُ الْخَادِمِ:
١٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخَادِمُ إِمَّا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، أَوْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، أَوْ مَحْرَمًا لِلزَّوْجَةِ الْمَخْدُومَةِ، أَوْ مَمْسُوحًا فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَجُلاً كَبِيرًا مِمَّنْ لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا؛ لأَِنَّ الْخَادِمَ يَلْزَمُ الْمَخْدُومَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ فَلاَ يَسْلَمُ مِنَ النَّظَرِ.
الْخَادِمَةُ الذِّمِّيَّةُ .
١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَرْأَةِ الذِّمِّيَّةِ هَل يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ خَادِمًا لاِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ؟ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لاَ تُؤْمَنُ عَدَاوَتُهَا الدِّينِيَّةُ؛ وَلأَِنَّ نَظَرَ الذِّمِّيَّةِ إِلَى الْمُسْلِمَةِ حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ إِلَى أَنْ قَال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (١)
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ مَنَعَ الْكِتَابِيَّاتِ دُخُول الْحَمَّامِ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ؛ لأَِنَّهَا رُبَّمَا تَحْكِيهَا لِلْكَافِرِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الذِّمِّيَّةَ لاَ تَتَعَفَّفُ مِنَ النَّجَاسَةِ.
وَالْوَجْهُ الآْخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، يُجِيزُ أَنْ تَخْدُمَ الذِّمِّيَّةُ الْمَرْأَةَ الْمُسْلِمَةَ؛ لأَِنَّ نَظَرَهَا إِلَى الْمُسْلِمَةِ عِنْدَهُمْ جَائِزًا (٢) .
وَهَذَا فِي الْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ стр. 11383
أَمَّا الظَّاهِرَةُ مِثْل قَضَاءِ الْحَوَائِجِ مِنَ السُّوقِ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلاَّهَا الرِّجَال وَغَيْرُهُمْ.
وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَيَخْدُمُ الْمَرْأَةَ بِأُنْثَى أَوْ بِذَكَرٍ لاَ يَتَأَتَّى مِنْهُ الاِسْتِمْتَاعُ: أَنَّهُمْ يُجِيزُونَ إِخْدَامَ الْمُسْلِمَةِ بِذِمِّيَّةٍ حَيْثُ أَطْلَقُوا الأُْنْثَى وَلَمْ يُقَيِّدُوهَا بِمُسْلِمَةٍ:
وَلاَ سِيَّمَا وَأَنَّ نَظَرَ الْكَافِرَةِ إِلَى الْمُسْلِمَةِ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ (١) .
ز - نَفَقَةُ الْخَادِمِ:
١٤ - نَفَقَةُ الْخَادِمِ تَشْمَل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الطَّعَامَ وَالْمَسْكَنَ وَالْمَلْبَسَ إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ نَفَقَةَ الْخَادِمِ لاَ تُقَدَّرُ بِالدَّرَاهِمِ كَنَفَقَةِ الْمَرْأَةِ بَل يُفْرَضُ لَهُ مَا يَكْفِيهِ بِالْمَعْرُوفِ، عَلَى أَنْ لاَ تَبْلُغَ نَفَقَتُهُ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ لأَِنَّهُ تَبَعٌ لَهَا (٢)
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ جِنْسَ طَعَامِ الْخَادِمِ هُوَ جِنْسُ طَعَامِ الْمَخْدُومَةِ، وَكَذَلِكَ لِلْخَادِمَةِ كِسْوَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهَا صَيْفًا وَشِتَاءً (٣) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ نَفَقَةَ الْخَادِمِ، وَمُؤْنَتَهُ، وَكِسْوَتَهُ تَكُونُ مِثْل مَا لاِمْرَأَةِ الْمُعْسِرِ (٤) .
ح - طَلَبُ الزَّوْجَةِ أُجْرَةَ الْخَادِمِ:
١٥ - لَوْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنَا أَخْدُمُ نَفْسِي стр. 11384
وَطَلَبَتِ الأُْجْرَةَ أَوْ نَفَقَةَ الْخَادِمِ لاَ يَلْزَمُهُ قَبُول ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ فِي إِخْدَامِهَا تَوْفِيرَهَا عَلَى حُقُوقِهِ وَتَرْفِيهَهَا، وَذَلِكَ يَفُوتُ بِخِدْمَتِهَا لِنَفْسِهَا.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهَا أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى خِدْمَتِهَا لِزَوْجِهَا أَوْ لِنَفْسِهَا؛ لأَِنَّهَا لَوْ أَخَذَتِ الأُْجْرَةَ عَلَى ذَلِكَ لأََخَذَتْهَا عَلَى عَمَلٍ وَاجِبٍ عَلَيْهَا فَكَانَ فِي مَعْنَى الرِّشْوَةِ.
وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّ هَذَا إِذَا كَانَ بِهَا عِلَّةٌ لاَ تَقْدِرُ عَلَى الطَّبْخِ وَالْخَبْزِ، أَوْ كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ الأَْشْرَافِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ مِمَّنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ قَال الزَّوْجُ: أَنَا أَخْدُمُكِ بِنَفْسِي لِيُسْقِطَ مُؤْنَةَ الْخَادِمِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهَا قَبُول ذَلِكَ.
لأَِنَّ فِي هَذَا غَضَاضَةً عَلَيْهَا لِكَوْنِ زَوْجِهَا خَادِمًا لَهَا وَتُعَيَّرُ بِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ أَحَدُ الأَْقْوَال الْمَرْجُوحَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ لِلرَّجُل أَنْ يَخْدُمَ زَوْجَتَهُ بِنَفْسِهِ وَيُلْزِمَهَا الرِّضَا بِهِ، لأَِنَّ الْكِفَايَةَ تَحْصُل بِهَذَا.
وَيَرَى بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَمِنْهُمُ الْقَفَّال أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَخْدُمَ زَوْجَتَهُ فِيمَا لاَ يَسْتَحِي مِنْهُ، كَغَسْل الثَّوْبِ، وَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ، وَكَنْسِ الْبَيْتِ وَالطَّبْخِ دُونَ
стр. 11385
مَا يَرْجِعُ إِلَى خِدْمَةِ نَفْسِهَا كَصَبِّ الْمَاءِ عَلَى يَدِهَا، وَحَمْلِهِ إِلَى الْمُسْتَحِمِّ وَنَحْوِهِمَا (١) .
ط - إِعْسَارُ الزَّوْجِ بِنَفَقَةِ الْخَادِمَةِ:
١٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَطْلُقُ الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا بِسَبَبِ إِعْسَارِهِ بِنَفَقَةِ الْخَادِمِ لأَِنَّهُ يُمْكِنُهَا الصَّبْرُ عَنْهَا.
وَلَكِنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهَا نَفَقَةٌ تَجِبُ عَلَى سَبِيل الْعِوَضِ، فَتَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لِلْمَرْأَةِ.
إِلاَّ أَنَّ الأَْذْرَعِيَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ يَرَى أَنَّ هَذَا إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ اسْتَحَقَّتِ الْخِدْمَةَ لِرُتْبَتِهَا وَقَدْرِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَتْ قَدِ اسْتَحَقَّتِ الْخِدْمَةَ لِمَرَضِهَا وَنَحْوِهِ فَالْوَجْهُ عَدَمُ ثُبُوتِ النَّفَقَةِ فِي الذِّمَّةِ وَتَسْقُطُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ عَنِ الزَّوْجِ بِإِعْسَارِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ (٢) وَهَذَا مُعْسِرٌ لَمْ يُؤْتِهِ شَيْئًا فَلاَ يُكَلَّفُ بِشَيْءٍ (٣) .
ي - زَكَاةُ فِطْرِ الْخَادِمِ:
١٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ стр. 11386
إِنْ كَانَ لاِمْرَأَتِهِ مَنْ يَخْدُمُهَا بِأُجْرَةٍ فَلَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ فِطْرَتُهُ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَقْتَضِي النَّفَقَةَ، وَالْفِطْرَةُ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَلاَ فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْحُرِّ وَغَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْخَادِمُ مَمْلُوكًا لَهَا نَظَرٌ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يَجِبُ لَهَا خَادِمٌ فَلَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ فِطْرَتُهُ كَذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا بِخَادِمِهَا فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ، لأَِنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ إِلاَّ أَنَّ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ يَرَى وُجُوبَهَا عَلَى الزَّوْجَةِ.
أَمَّا إِنْ أَخْدَمَهَا بِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْهُ بِسَبَبِ مِلْكِهِ لَهُ لاَ بِسَبَبِ خِدْمَتِهِ لِلزَّوْجَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَال الشَّافِعِيَّةِ فِي حُكْمِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي صَحِبَتِ الزَّوْجَةَ لِتَخْدُمَهَا بِنَفَقَتِهَا بِإِذْنِهِ، فَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ عَدَمُ لُزُومِ فِطْرَتِهَا عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُسْتَأْجَرَةِ.
وَذَهَبَ الإِْمَامُ الرَّافِعِيُّ إِلَى وُجُوبِ فِطْرَتِهَا؛ لأَِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ (١) . стр. 11387
خِدْمَةُ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا وَعَكْسُهُ:
١٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الزَّوْجَةَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْدُمَ زَوْجَهَا فِي الْبَيْتِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِمَّنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا أَوْ مِمَّنْ لاَ تَخْدُمُ نَفْسَهَا.
إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ هَذِهِ الْخِدْمَةِ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ) إِلَى أَنَّ خِدْمَةَ الزَّوْجِ لاَ تَجِبُ عَلَيْهَا لَكِنَّ الأَْوْلَى لَهَا فِعْل مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ خِدْمَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا دِيَانَةً لاَ قَضَاءً، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ الأَْعْمَال بَيْنَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ ﵄، فَجَعَل عَمَل الدَّاخِل عَلَى فَاطِمَةَ، وَعَمَل الْخَارِجِ عَلَى عَلِيٍّ. (١) وَلِهَذَا فَلاَ يَجُوزُ لِلزَّوْجَةِ - عِنْدَهُمْ - أَنْ تَأْخُذَ مِنْ زَوْجِهَا أَجْرًا مِنْ أَجْل خِدْمَتِهَا لَهُ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، إِلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ خِدْمَةَ زَوْجِهَا فِي الأَْعْمَال الْبَاطِنَةِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِقِيَامِ الزَّوْجَةِ بِمِثْلِهَا، لِقِصَّةِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ ﵂، حَيْثُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ، وَعَلَى عَلِيٍّ بِمَا كَانَ خَارِجَ الْبَيْتِ مِنَ الأَْعْمَال (٢) وَلِحَدِيثِ: لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَِحَدٍ لأََمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ стр. 11388
تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَنْقُل مِنْ جَبَلٍ أَحْمَرَ إِلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ، وَمِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَلٍ أَحْمَرَ لَكَانَ نَوْلُهَا أَنْ تَفْعَل (١) قَال الْجُوزَجَانِيُّ: فَهَذِهِ طَاعَتُهُ فِيمَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ فَكَيْفَ بِمُؤْنَةِ مَعَاشِهِ؟
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ نِسَاءَهُ بِخِدْمَتِهِ فَيَقُول: يَا عَائِشَةُ أَطْعِمِينَا، يَا عَائِشَةُ هَلُمِّي الْمُدْيَةَ وَاشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ (٢)
وَقَال الطَّبَرِيُّ: إِنَّ كُل مَنْ كَانَتْ لَهَا طَاقَةٌ مِنَ النِّسَاءِ عَلَى خِدْمَةِ بَيْتِهَا فِي خَبْزٍ، أَوْ طَحْنٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَلْزَمُ الزَّوْجَ، إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا أَنَّ مِثْلَهَا يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ (٣) .
١٩ - وَبِالنِّسْبَةِ لِخِدْمَةِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ خِدْمَةِ الرَّجُل الْحُرِّ لِزَوْجَتِهِ وَلَهَا أَنْ تَقْبَل مِنْهُ ذَلِكَ. стр. 11389
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجَةِ اسْتِخْدَامُ زَوْجِهَا الْحُرِّ بِجَعْلِهِ خِدْمَتَهُ لَهَا مَهْرًا، أَمَّا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَرْعَى غَنَمَهَا سَنَةً أَوْ يَزْرَعَ أَرْضَهَا فَتَسْمِيَةُ الْمَهْرِ صَحِيحَةٌ (١) .
وَتَجُوزُ خِدْمَتُهُ لَهَا تَطَوُّعًا: وَقَال الْكَاسَانِيُّ: لَوِ اسْتَأْجَرَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا لِيَخْدُمَهَا فِي الْبَيْتِ بِأَجْرٍ مُسَمًّى فَهُوَ جَائِزٌ؛ لأَِنَّ خِدْمَةَ الْبَيْتِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الزَّوْجِ، فَكَانَ هَذَا اسْتِئْجَارًا عَلَى أَمْرٍ غَيْرِ وَاجِبٍ عَلَى الأَْجِيرِ (٢) .
خِدْمَةُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ:
٢٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ خِدْمَةِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ.
وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى جَوَازِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ لِلْكَافِرِ فِي عَمَلٍ مُعَيَّنٍ فِي الذِّمَّةِ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبِنَاءِ دَارٍ، وَزِرَاعَةِ أَرْضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لأَِنَّ عَلِيًّا ﵁ أَجَّرَ نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ يَسْقِي لَهُ كُل دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، وَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ (٣) . وَلأَِنَّ الأَْجِيرَ فِي الذِّمَّةِ يُمْكِنُهُ تَحْصِيل الْعَمَل بِغَيْرِهِ.
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِلْكَافِرِ لِعَمَلٍ لاَ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، كَعَصْرِ الْخَمْرِ стр. 11390
وَرَعْيِ الْخَنَازِيرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ خِدْمَةِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ بِإِجَارَةٍ، أَوْ إِعَارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَجُوزُ كَالْبَيْعِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ خِدْمَةُ الْكَافِرِ؛ لأَِنَّ الاِسْتِخْدَامَ اسْتِذْلاَلٌ، فَكَانَ إِجَارَةُ الْمُسْلِمِ نَفْسَهُ مِنْهُ إِذْلاَلاً لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُذِل نَفْسَهُ بِخِدْمَةِ الْكَافِرِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ: أَنَّ إِجَارَةَ الْمُسْلِمِ نَفْسَهُ مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: جَائِزَةٌ، وَمَكْرُوهَةٌ، وَمَحْظُورَةٌ، وَحَرَامٌ. فَالْجَائِزَةُ - هِيَ - أَنْ يَعْمَل الْمُسْلِمُ لِلْكَافِرِ عَمَلاً فِي بَيْتِ نَفْسِهِ، كَالصَّانِعِ الَّذِي يَصْنَعُ لِلنَّاسِ. وَالْمَكْرُوهَةُ: أَنْ يَسْتَبِدَّ الْكَافِرُ بِجَمِيعِ عَمَل الْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ مِثْل أَنْ يَكُونَ مُقَارِضًا لَهُ، أَوْ مُسَاقِيًا، وَالْمَحْظُورَةُ: أَنْ يُؤَجِّرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ لِلْكَافِرِ فِي عَمَلٍ يَكُونُ فِيهِ تَحْتَ يَدِهِ كَأَجِيرِ الْخِدْمَةِ فِي بَيْتِهِ، وَإِجَارَةِ الْمَرْأَةِ لِتُرْضِعَ لَهُ ابْنَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ تُفْسَخُ إِنْ عُثِرَ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَاتَتْ مَضَتْ، وَكَانَ لَهُ الأُْجْرَةُ. وَالْحَرَامُ: أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ مِنْهُ فِيمَا لاَ يَحِل مِنْ عَمَل الْخَمْرِ، أَوْ رَعْيِ الْخَنَازِيرِ، فَهَذِهِ تُفْسَخُ قَبْل الْعَمَل، فَإِنْ فَاتَتْ تَصْدُقُ بِالأُْجْرَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ. (١) стр. 11391
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى حُرْمَةِ خِدْمَةِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ خِدْمَةً مُبَاشِرَةً، كَصَبِّ الْمَاءِ عَلَى يَدَيْهِ، وَتَقْدِيمِ نَعْلٍ لَهُ، وَإِزَالَةِ قَاذُورَاتِهِ، أَوْ غَيْرَ مُبَاشِرَةٍ كَإِرْسَالِهِ فِي حَوَائِجِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِعَقْدٍ أَوْ بِغَيْرِ عَقْدٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (١)
وَلِصِيَانَةِ الْمُسْلِمِ عَنِ الإِْذْلاَل وَالاِمْتِهَانِ. وَلَكِنْ يَجُوزُ إِعَارَةُ الْمُسْلِمِ أَوْ إِجَارَتُهُ لِلْكَافِرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَفِي إِجَارَةِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ يَدِهِ عَنْهُ بِأَنْ يُؤَجِّرَهُ لِغَيْرِهِ وَلاَ يُمَكَّنُ مِنَ اسْتِخْدَامِهِ
وَقِيل: بِحُرْمَةِ إِجَارَةِ الْمُسْلِمِ، أَوْ إِعَارَتِهِ لِلْكَافِرِ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ إِلَى حُرْمَةِ إِجَارَةِ الْمُسْلِمِ، أَوْ إِعَارَتِهِ لِلْكَافِرِ لأَِجْل الْخِدْمَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ .
وَلأَِنَّهُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ حَبْسَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْكَافِرِ وَإِذْلاَلَهُ لَهُ.
وَفِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى يَجُوزُ ذَلِكَ قِيل: مَعَ الْكَرَاهَةِ وَقِيل: بِدُونِهَا. (٢) стр. 11392
خَذْفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخَذْفُ لُغَةً: رَمْيُكَ بِحَصَاةٍ، أَوْ نَوَاةٍ تَأْخُذُهَا بَيْنَ سَبَّابَتَيْكَ، أَوْ تَجْعَل مِخْذَفَةً مِنْ خَشَبٍ تَرْمِي بِهَا بَيْنَ الإِْبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ.
قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْخَذْفُ: الرَّمْيُ بِالْحَصَى الصِّغَارِ بِأَطْرَافِ الأَْصَابِعِ، وَقَال مِثْلَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَال الْمُطَرِّزِيُّ، وَقِيل: أَنْ تَضَعَ طَرَفَ الإِْبْهَامِ عَلَى طَرَفِ السَّبَّابَةِ.
وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الْحَصَى، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمِقْلاَعِ أَيْضًا، وَقَال ابْنُ سِيدَهْ: خَذَفَ الشَّيْءَ يَخْذِفُ، فَارِسِيٌّ.
وَرَمْيُ الْجِمَارِ يَكُونُ بِمِثْل حَصَى الْخَذْفِ، وَهِيَ صِغَارٌ، وَفِي حَدِيثِ رَمْيِ الْجِمَارِ: عَلَيْكُمْ بِمِثْل حَصَى الْخَذْفِ، وَحَصَى الْخَذْفِ الصِّغَارِ مِثْل النَّوَى. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) . стр. 11393
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْحَذْفُ - الطَّرْحُ - الْقَذْفُ - الإِْلْقَاءُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي هَذِهِ الأَْلْفَاظِ الرَّمْيُ (١) فَهِيَ تَلْتَقِي مَعَ الْخَذْفِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، إِلاَّ أَنَّ الْخَذْفَ رَمْيٌ بِكَيْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - الأَْصْل فِي بَيَانِ حُكْمِ الْخَذْفِ، مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْخَذْفِ، قَال: إِنَّهُ لاَ يَقْتُل الصَّيْدَ، وَلاَ يَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ. (٢)
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْخَذْفِ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْخَذْفَ مُحَرَّمٌ عَلَى الإِْطْلاَقِ، قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: نَهَى عَنِ الْخَذْفِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ آلاَتِ الْحَرْبِ الَّتِي يُتَحَرَّزُ بِهَا، وَلاَ مِنْ آلاَتِ الصَّيْدِ لأَِنَّهَا تَرُضُّ، وَقَتِيلُهَا وَقِيذٌ، وَلاَ مِمَّا يَجُوزُ اللَّهْوُ بِهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ فَقْءِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ السِّنِّ. (٣)
وَمِنْهُمْ مَنْ نَظَرَ إِلَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةٍ - قَال النَّوَوِيُّ -: فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ الْخَذْفِ؛ لأَِنَّهُ لاَ مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَيُخَافُ стр. 11394
مَفْسَدَتُهُ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُل مَا شَارَكَهُ فِي هَذَا، ثُمَّ قَال: وَفِيهِ أَنَّ مَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَوْ حَاجَةٌ فِي قِتَال الْعَدُوِّ، وَتَحْصِيل الصَّيْدِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَمِنْ ذَلِكَ رَمْيُ الطُّيُورِ الْكِبَارِ بِالْبُنْدُقِ إِذَا كَانَ لاَ يَقْتُلُهَا غَالِبًا بَل تُدْرَكُ حَيَّةً وَتُذَكَّى فَهُوَ جَائِزٌ. (١)
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: صَرَّحَ مُجَلِّي فِي الذَّخَائِرِ بِمَنْعِ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقِيَّةِ، وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِحِلِّهِ؛ لأَِنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى الاِصْطِيَادِ، قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَالتَّحْقِيقُ التَّفْضِيل، فَإِنْ كَانَ الأَْغْلَبُ مِنْ حَال الرَّمْيِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَدِيثِ امْتَنَعَ، وَإِنْ كَانَ عَكْسُهُ جَازَ، وَلاَ سِيَّمَا إِنْ كَانَ الرَّمْيُ مِمَّا لاَ يَصِل إِلَيْهِ الرَّمْيُ إِلاَّ بِذَلِكَ ثُمَّ لاَ يَقْتُلُهُ غَالِبًا. (٢)
وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: كَرِهَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الرَّمْيَ بِبُنْدُقٍ مُطْلَقًا لِنَهْيِ عُثْمَانَ، قَال ابْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ: لاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُنْدُقِ يُرْمَى بِهَا الصَّيْدُ لاَ لِلَّعِبِ (٣) .
هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مَا يَدُل عَلَى جَوَازِ الرَّمْيِ بِالأَْحْجَارِ فِي حَال الْقِتَال، أَوْ فِي حَال التَّدْرِيبِ، أَوِ الْمُسَابَقَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ (٤) . стр. 11395
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْخَذْفِ:
أَوَّلاً: فِي رَمْيِ الْجِمَارِ:
٤ - رَمْيُ الْجِمَارِ بِالْحَصَى مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ (١) . وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْل بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ (٢) وَقَوْلُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: هَاتِ الْقُطْ لِي فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هِيَ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَال: بِأَمْثَال هَؤُلاَءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ (٣) . وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال: خَطَبَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا، حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ مَا يَقُول وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا، فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ، ثُمَّ قَال: بِحَصَى الْخَذْفِ. (٤) стр. 11396
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَقْصُودِ بِالْخَذْفِ فِي هَذِهِ الأَْحَادِيثِ.
هَل هُوَ بَيَانُ قَدْرِ الْحَصَاةِ، أَوْ هُوَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ الرَّمْيِ، أَوْ هُمَا مَعًا؟
٥ - أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِبَيَانِ الْكَيْفِيَّةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الرَّمْيَ يَصِحُّ بِطَرِيقَةِ الْخَذْفِ لَكِنَّ الأَْصَحَّ وَالأَْيْسَرَ أَنْ يَضَعَ الْحَصَاةَ بَيْنَ طَرَفَيِ السَّبَّابَةِ وَالإِْبْهَامِ مِنَ الْيَدِ الْيُمْنَى وَيَرْمِيَ.
وَأَوْرَدَ الْحَنَفِيَّةُ الْكَيْفِيَّاتِ التَّالِيَةَ:
أ - أَنْ يَضَعَ الإِْنْسَانُ طَرَفَ إِبْهَامِهِ الْيُمْنَى عَلَى وَسَطِ السَّبَّابَةِ، وَيَضَعَ الْحَصَاةَ عَلَى ظَهْرِ الإِْبْهَامِ كَأَنَّهُ عَاقِدٌ سَبْعِينَ فَيَرْمِيَ الْجَمْرَةَ.
ب - أَنْ يُحَلِّقَ سَبَّابَتَهُ وَيَضَعَهَا عَلَى مَفْصِل إِبْهَامِهِ كَأَنَّهُ عَاقِدٌ عَشَرَةً.
قَال فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ: وَهَذَا فِي التَّمَكُّنِ مِنَ الرَّمْيِ بِهِ مَعَ الزَّحْمَةِ عُسْرٌ.
ج - أَنْ يَأْخُذَ الْحَصَاةَ بِطَرَفَيْ إِبْهَامِهِ وَسَبَّابَتِهِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ عَنْ هَذِهِ الصُّورَةِ الأَْخِيرَةِ: هَذَا هُوَ الأَْصْل وَالأَْصَحُّ وَالأَْيْسَرُ الْمُعْتَادُ، قَالُوا: وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ (أَيِ الَّتِي فِيهَا خَذْفٌ) سِوَى قَوْلِهِ ﵊: ارْمُوا الْجَمْرَةَ بِمِثْل حَصَى الْخَذْفِ (١) وَهَذَا стр. 11397
لاَ يَدُل وَلاَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ كَيْفِيَّةِ الرَّمْيِ الْمَطْلُوبَةِ كَيْفِيَّةَ الْخَذْفِ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى تَعْيِينِ ضَابِطِ مِقْدَارِ الْحَصَاةِ إِذْ كَانَ مِقْدَارُ مَا يُخْذَفُ بِهِ مَعْلُومًا لَهُمْ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِي رِوَايَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ مِنْ قَوْلِهِ: وَيُشِيرُ بِيَدِهِ كَمَا يَخْذِفُ الإِْنْسَانُ، يَعْنِي عِنْدَمَا نَطَقَ بِقَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ أَشَارَ بِصُورَةِ الْخَذْفِ بِيَدِهِ، فَلَيْسَ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ كَوْنِ الرَّمْيِ بِصُورَةِ الْخَذْفِ، لِجَوَازِ كَوْنِهِ يُؤَكِّدُ كَوْنَ الْمَطْلُوبِ حَصَى الْخَذْفِ، كَأَنَّهُ قَال: خُذُوا حَصَى الْخَذْفِ الَّذِي هُوَ هَكَذَا، لِيُشِيرَ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ فِي كَوْنِهِ حَصَى الْخَذْفِ، وَهَذَا لأَِنَّهُ لاَ يُعْقَل فِي خُصُوصِ وَضْعِ الْحَصَاةِ فِي الْيَدِ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَجْهُ قُرْبَةٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ شَرْعِيٌّ، بَل بِمُجَرَّدِ صِغَرِ الْحَصَاةِ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَال: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَوْنِ الرَّمْيِ خَذْفًا، عَارَضَهُ كَوْنُهُ وَضْعًا غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ زَحْمَةٍ يُوجِبُ نَفْيَ غَيْرِ الْمُتَمَكِّنِ. (١) أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا التَّعْرِيفَ اللُّغَوِيَّ لِلْخَذْفِ، وَهُوَ كَمَا قَالُوا: كَانَتِ الْعَرَبُ تَرْمِي بِالْحَصَى فِي الصِّغَرِ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ تَجْعَلُهَا بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالإِْبْهَامِ مِنَ الْيُسْرَى ثُمَّ تَقْذِفُهَا بِسَبَّابَةِ الْيُمْنَى أَوْ تَجْعَلُهَا بَيْنَ سَبَّابَتَيْهَا.
ثُمَّ قَال الصَّاوِيُّ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْهَيْئَةُ مَطْلُوبَةً стр. 11398
فِي الرَّمْيِ، وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ أَخْذُ الْحَصَاةِ بِسَبَّابَتِهِ وَإِبْهَامِهِ مِنَ الْيَدِ الْيُمْنَى وَرَمْيُهَا. (١) وَهُمْ بِذَلِكَ يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ فِي الْكَيْفِيَّةِ.
وَاخْتَلَفَتِ الأَْقْوَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ ذَكَرُوا هَيْئَةَ الْخَذْفِ وَهِيَ: وَضْعُ الْحَصَى عَلَى بَطْنِ الإِْبْهَامِ وَرَمْيُهُ بِرَأْسِ السَّبَّابَةِ، ثُمَّ قَالُوا: إِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ وَهَذَا مَا جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ، وَحَاشِيَةِ الْجَمَل، وَحَوَاشِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ، وَاسْتَدَلُّوا لِلْكَرَاهَةِ بِالنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنِ الْخَذْفِ، وَهَذَا يَشْمَل الْحَجَّ وَغَيْرَهُ، قَالُوا: وَالأَْصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ أَنْ يَرْمِيَ الْحَصَى عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ الْخَذْفِ. لَكِنْ يَظْهَرُ أَنَّ مُقَابِل الأَْصَحِّ هُوَ مَا ذَكَرُوهُ عَنِ الرَّافِعِيِّ، فَقَدْ قَالُوا: وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ نَدْبَ هَيْئَةِ الْخَذْفِ. (٢) أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلَمْ يَذْكُرُوا لِلرَّمْيِ كَيْفِيَّةً خَاصَّةً. (٣)
هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْكَيْفِيَّةِ:
٦ - أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمِقْدَارِ الْحَصَاةِ الَّتِي تُرْمَى بِهَا الْجِمَارُ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ: ارْمُوا الْجَمْرَةَ بِمِثْل حَصَى الْخَذْفِ. (٤) وَنَحْوِهِ стр. 11399
مِنَ الأَْحَادِيثِ بَيَّنَتْ قَدْرَ الْحَصَاةِ بِأَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً كَالَّتِي يَخْذِفُهَا بِهَا، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ الصِّغَرِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا مِقْدَارُ الْبَاقِلاَّ، أَيْ قَدْرُ الْفُولَةِ، وَقِيل: قَدْرُ الْحِمَّصَةِ، أَوِ النَّوَاةِ، أَوِ الأُْنْمُلَةِ. قَال فِي النَّهْرِ:
وَهَذَا بَيَانُ الْمَنْدُوبِ، وَأَمَّا الْجَوَازُ فَيَكُونُ وَلَوْ بِالأَْكْبَرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ. (١) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: قَدْرُ الْفُول، أَوِ النَّوَاةِ، أَوْ دُونَ الأُْنْمُلَةِ، وَلاَ يُجْزِئُ الصَّغِيرُ جِدًّا كَالْحِمَّصَةِ، وَيُكْرَهُ الْكَبِيرُ خَوْفَ الأَْذِيَّةِ وَلِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ. (٢) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: حَصَاةُ الرَّمْيِ دُونَ الأُْنْمُلَةِ طُولاً وَعَرْضًا فِي قَدْرِ حَبَّةِ الْبَاقِلاَّ - وَيُجْزِئُ عِنْدَهُمُ الرَّمْيُ بِأَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ مَعَ الْكَرَاهَةِ. (٣)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَا كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ، وَإِنْ رَمَى بِحَجَرٍ أَكْبَرَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: لاَ يُجْزِئُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْحَصَى عَلَى مَا فَعَل النَّبِيُّ ﷺ وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ فِي قَوْلِهِ: بِأَمْثَال هَؤُلاَءِ. . . " (٤) وَنَهَى عَنْ تَجَاوُزِهِ، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ وَلأَِنَّ الرَّمْيَ بِالْكَبِيرِ مِنَ الْحَصَى رُبَّمَا آذَى مَنْ يُصِيبُهُ. قَال فِي الْمُغْنِي. وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تُجْزِئُهُ مَعَ تَرْكِهِ стр. 11400
لِلسُّنَّةِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ رَمَى بِالْحَجَرِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الصَّغِيرِ. (١)
وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ وَشَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: لاَ تُجْزِئُ حَصَاةٌ صَغِيرَةٌ جِدًّا، أَوْ كَبِيرَةٌ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ. (٢) كَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَوْعِ الْحَصَى وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (رَمْيٌ - جِمَارٌ - حَجٌّ) .
ثَانِيًا: فِي الصَّيْدِ:
٧ - لاَ يَحِل الصَّيْدُ بِحَصَى الْخَذْفِ لأَِنَّهُ وَقِيذٌ، وَفِي رَمْيِ الصَّيْدِ بِغَيْرِهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَيْدٌ) . стр. 11401
خَرَاجٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخَرَاجُ لُغَةً، مِنْ خَرَجَ يَخْرُجُ خُرُوجًا أَيْ بَرَزَ وَالاِسْمُ الْخَرَاجُ، وَأَصْلُهُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَْرْضِ. وَالْجَمْعُ أَخْرَاجٌ، وَأَخَارِيجُ، وَأَخْرِجَةٌ. (١)
وَيُطْلَقُ الْخَرَاجُ عَلَى الْغَلَّةِ الْحَاصِلَةِ مِنَ الشَّيْءِ كَغَلَّةِ الدَّارِ، وَالدَّابَّةِ، وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ. (٢)
وَيُطْلَقُ الْخَرَاجُ أَيْضًا عَلَى الأُْجْرَةِ، أَوِ الْكِرَاءِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَل نَجْعَل لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَل بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ . (٤) стр. 11402
وَالْخُرْجُ وَالْخَرَاجُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَاللَّيْثِ وَهُوَ الأُْجْرَةُ. وَفَرَّقَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلاَءِ بَيْنَهُمَا، فَقَال الْخُرْجُ مَا تَبَرَّعْتَ بِهِ أَوْ تَصَدَّقْتَ بِهِ، وَالْخَرَاجُ مَا لَزِمَكَ أَدَاؤُهُ. (١)
وَيُطْلَقُ الْخَرَاجُ أَيْضًا عَلَى الإِْتَاوَةِ، أَوِ الضَّرِيبَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَال النَّاسِ، فَيُقَال خَارَجَ السُّلْطَانُ أَهْل الذِّمَّةِ، إِذَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ ضَرِيبَةً يُؤَدُّونَهَا لَهُ كُل سَنَةٍ.
٢ - الْخَرَاجُ فِي الاِصْطِلاَحِ:
لِلْخَرَاجِ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ مَعْنَيَانِ عَامٌّ وَخَاصٌّ.
فَالْخَرَاجُ - بِالْمَعْنَى الْعَامِّ - هُوَ الأَْمْوَال الَّتِي تَتَوَلَّى الدَّوْلَةُ أَمْرَ جِبَايَتِهَا وَصَرْفِهَا فِي مَصَارِفِهَا. وَأَمَّا الْخَرَاجُ - بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ - فَهُوَ الْوَظِيفَةُ أَوِ (الضَّرِيبَةُ) الَّتِي يَفْرِضُهَا الإِْمَامُ عَلَى الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ النَّامِيَةِ.
وَعَرَّفَهُ كُلٌّ مِنَ الْمَاوَرْدِيِّ وَأَبِي يَعْلَى بِأَنَّهُ (مَا وُضِعَ عَلَى رِقَابِ الأَْرْضِ مِنْ حُقُوقٍ تُؤَدَّى عَنْهَا) . (٢) стр. 11403
الأَْلْفَاظُ الَّتِي تُطْلَقُ عَلَى الْخَرَاجِ:
أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْخَرَاجِ - بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ - عِدَّةَ أَلْفَاظٍ وَمُصْطَلَحَاتٍ مِنْهَا:
أ - جِزْيَةُ الأَْرْضِ:
٣ - يُطْلَقُ عَلَى الْخَرَاجِ جِزْيَةُ الأَْرْضِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِزْيَةِ خَرَاجُ الرَّأْسِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ اللَّفْظَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي مَعْنًى، وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ يُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ. (١)
ب - أُجْرَةُ الأَْرْضِ:
٤ - أَطْلَقَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْخَرَاجِ " أُجْرَةَ الأَْرْضِ " (٢) وَذَلِكَ لأَِنَّ الْخَرَاجَ الْمَفْرُوضَ عَلَى الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ النَّامِيَةِ بِمَثَابَةِ الأُْجْرَةِ لَهَا. فَالإِْمَامُ يَقِفُ الأَْرْضَ الْمَفْتُوحَةَ عَنْوَةً عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتْرُكُهَا فِي أَيْدِي أَهْلِهَا يَزْرَعُونَهَا بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ.
ج - الطَّسْقُ:
٥ - أَوَّل مَنِ اسْتَعْمَل هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي الإِْسْلاَمِ الإِْمَامُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ حَيْثُ стр. 11404
كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ فِي رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ أَسْلَمَا، كِتَابًا جَاءَ فِيهِ: (ارْفَعِ الْجِزْيَةَ عَنْ رُءُوسِهِمَا وَخُذِ الطَّسْقَ عَنْ أَرْضِيهِمَا) وَبَوَّبَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الأَْمْوَال بَابًا بِاسْمِ (أَرْضُ الْعَنْوَةِ تُقَرُّ فِي يَدِ أَهْلِهَا وَيُوضَعُ عَلَيْهَا الطَّسْقُ وَهُوَ الْخَرَاجُ) .
وَالطَّسْقُ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ يُرَادُ بِهَا الْوَظِيفَةُ الْمُقَرَّرَةُ عَلَى الأَْرْضِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْغَنِيمَةُ:
٦ - الْغَنِيمَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: اسْمٌ لِلْمَأْخُوذِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى سَبِيل الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَالْخَرَاجُ كَمَا تَقَدَّمَ، الْوَظِيفَةُ الَّتِي يَفْرِضُهَا الإِْمَامُ عَلَى الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ.
ب - الْفَيْءُ:
٧ - الْفَيْءُ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ كُل مَالٍ صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ (٢) . وَالْفَيْءُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا انْجَلُوا عَنْهُ أَيْ هَرَبُوا عَنْهُ: خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بَذَلُوهُ لِلْكَفِّ стр. 11405
عَنْهُمْ وَالثَّانِي: مَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ كَالْجِزْيَةِ، وَالْخَرَاجِ الصُّلْحِيِّ، وَالْعُشُورِ. (١) وَالْفَيْءُ أَعَمُّ مِنَ الْخَرَاجِ.
ج - الْجِزْيَةُ:
٨ - الْجِزْيَةُ مَالٌ يُوضَعُ عَلَى الرُّءُوسِ لاَ عَلَى الأَْرْضِ، وَالْخَرَاجُ يُوضَعُ عَلَى رَقَبَةِ الأَْرْضِ (٢) .
د - الْخُمُسُ:
٩ - الْخُمُسُ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ اسْمٌ لِلْمَأْخُوذِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَالرِّكَازِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُخَمَّسُ (٣) .
هـ - الْعُشْرُ:
١٠ - الْعُشْرُ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ اسْمٌ لِلْمَأْخُوذِ مِنَ الْمُسْلِمِ فِي زَكَاةِ الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ. وَالْعُشْرُ يَتَّفِقُ مَعَ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ فِي أَنَّهُمَا يَجِبَانِ فِي الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ.
وَيَخْتَلِفَانِ فِي مَحَلِّهِمَا، فَمَحَل الْعُشْرِ الأَْرْضُ الْعُشْرِيَّةُ الَّتِي يَمْلِكُهَا مُسْلِمٌ، وَمَحَل الْخَرَاجِ الأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ. (٤) стр. 11406
الْخَرَاجُ فِي الإِْسْلاَمِ:
١١ - لَمَّا آلَتِ الْخِلاَفَةُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَازْدَادَتِ الْفُتُوحَاتُ الإِْسْلاَمِيَّةُ، وَاتَّسَعَتْ رُقْعَةُ الدَّوْلَةِ، وَزَادَتْ نَفَقَاتُهَا، رَأَى عُمَرُ ﵁ أَنْ لاَ يَقْسِمَ الأَْرْضَ الْمَفْتُوحَةَ عَنْوَةً بَيْنَ الْفَاتِحِينَ، بَل يَجْعَلُهَا وَقْفًا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَيَضْرِبُ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِزِرَاعَتِهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا. فَوَافَقَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَخَالَفَهُ آخَرُونَ فِي بِدَايَةِ الأَْمْرِ.
قَال أَبُو يُوسُفَ (١) : وَشَاوَرَهُمْ فِي قِسْمَةِ الأَْرَضِينَ الَّتِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ فَتَكَلَّمَ قَوْمٌ فِيهَا، وَأَرَادُوا أَنْ يَقْسِمَ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ وَمَا فَتَحُوا. فَقَال عُمَرُ ﵁: فَكَيْفَ بِمَنْ يَأْتِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِدُونَ الأَْرْضَ بِعُلُوجِهَا قَدِ اقْتُسِمَتْ وَوُرِثَتْ عَنِ الآْبَاءِ وَحِيزَتْ، مَا هَذَا بِرَأْيٍ. فَقَال لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: فَمَا الرَّأْيُ؟ مَا الأَْرْضُ وَالْعُلُوجُ إِلاَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَقَال عُمَرُ: مَا هُوَ إِلاَّ كَمَا تَقُول، وَلَسْتُ أَرَى ذَلِكَ، وَاللَّهِ لاَ يُفْتَحُ بَعْدِي بَلَدٌ فَيَكُونُ فِيهِ كَبِيرُ نَيْلٍ، بَل عَسَى أَنْ يَكُونَ كُلًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا قُسِمَتْ أَرْضُ الْعِرَاقِ بِعُلُوجِهَا، (٢) وَأَرْضُ الشَّامِ стр. 11407
بِعُلُوجِهَا، فَمَا يُسَدُّ بِهِ الثُّغُورُ، وَمَا يَكُونُ لِلذُّرِّيَّةِ وَالأَْرَامِل بِهَذَا وَبِغَيْرِهِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ؟ فَأَكْثَرُوا عَلَى عُمَرَ ﵁، وَقَالُوا: أَتَقِفُ مَا أَفَاءَ اللَّهُ بِأَسْيَافِنَا عَلَى قَوْمٍ لَمْ يَحْضُرُوا وَلَمْ يَشْهَدُوا، وَلأَِبْنَاءِ الْقَوْمِ وَلآِبَاءِ أَبْنَائِهِمْ وَلَمْ يَحْضُرُوا؟ .
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ أَنَّ بِلاَل بْنَ رَبَاحٍ كَانَ مِنْ أَشَدِّ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرِهِمْ تَمَسُّكًا بِالرَّأْيِ الْمُخَالِفِ، حَتَّى قَال عُمَرُ ﵁: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلاَلاً وَأَصْحَابَهُ " (١) وَمَكَثُوا فِي ذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً أَوْ دُونَ ذَلِكَ وَعُمَرُ ﵁ يُحَاجُّهُمْ إِلَى أَنْ وَجَدَ مَا يُؤَيِّدُ رَأْيَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَال: قَدْ وَجَدْتُ حُجَّةً، قَال تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) حَتَّى فَرَغَ مِنْ شَأْنِ بَنِي النَّضِيرِ فَهَذِهِ عَامَّةٌ فِي الْقُرَى كُلِّهَا. ثُمَّ قَال تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ стр. 11408
الْعِقَابِ﴾ (١) ثُمَّ قَال ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ . (٢) ثُمَّ لَمْ يَرْضَ حَتَّى خُلِطَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ فَقَال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِْيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) فَهَذَا فِيمَا بَلَغَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِلأَْنْصَارِ خَاصَّةً، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ حَتَّى خُلِطَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ فَقَال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ وَلاَ تَجْعَل فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) فَكَانَتْ هَذِهِ عَامَّةً لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ، فَقَدْ صَارَ الْفَيْءُ بَيْنَ هَؤُلاَءِ جَمِيعًا فَكَيْفَ نَقْسِمُهُ لِهَؤُلاَءِ، وَنَدَعُ مَنْ تَخَلَّفَ بَعْدَهُمْ بِغَيْرِ قَسْمٍ؟ . قَالُوا: فَاسْتَشِرْ. فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ الأَْوَّلِينَ فَاخْتَلَفُوا، فَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ فَكَانَ رَأْيُهُ أَنْ يَقْسِمَ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ. وَرَأْيُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ رَأْيُ عُمَرَ. فَأَرْسَل إِلَى عَشَرَةٍ مِنَ الأَْنْصَارِ: خَمْسَةٍ مِنَ الأَْوْسِ، وَخَمْسَةٍ مِنَ стр. 11409
الْخَزْرَجِ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَال: إِنِّي لَمْ أُزْعِجْكُمْ إِلاَّ لأََنْ تَشْتَرِكُوا فِي أَمَانَتِي فِيمَا حُمِّلْتُ مِنْ أُمُورِكُمْ، فَإِنِّي وَاحِدٌ كَأَحَدِكُمْ، وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تُقِرُّونَ بِالْحَقِّ، خَالَفَنِي مَنْ خَالَفَنِي، وَوَافَقَنِي مَنْ وَافَقَنِي، وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَتَّبِعُوا هَذَا الَّذِي هُوَ هَوَايَ، مَعَكُمْ مِنَ اللَّهِ كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ نَطَقْتُ بِأَمْرٍ أُرِيدُهُ مَا أُرِيدُ بِهِ إِلاَّ الْحَقَّ ". قَالُوا: نَسْمَعُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَال: قَدْ سَمِعْتُمْ كَلاَمَ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنِّي أَظْلِمُهُمْ حُقُوقَهُمْ. وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَرْكَبَ ظُلْمًا، لَئِنْ كُنْتُ ظَلَمْتُهُمْ شَيْئًا هُوَ لَهُمْ وَأَعْطَيْتُهُ غَيْرَهُمْ لَقَدْ شَقِيتُ وَلَكِنْ رَأَيْتُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُفْتَحُ بَعْدَ كِسْرَى، وَقَدْ غَنَّمَنَا اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ، وَأَرْضَهُمْ، وَعُلُوجَهُمْ، فَقَسَمْتُ مَا غَنِمُوا مِنْ أَمْوَالٍ بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَخْرَجْتُ الْخُمُسَ فَوَجَّهْتُهُ عَلَى وَجْهِهِ وَأَنَا فِي تَوْجِيهِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَحْبِسَ الأَْرَضِينَ بِعُلُوجِهَا، وَأَضَعَ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْخَرَاجَ، وَفِي رِقَابِهِمُ الْجِزْيَةُ يُؤَدُّونَهَا فَتَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ وَلِمَنْ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِمْ. أَرَأَيْتُمْ هَذِهِ الثُّغُورَ لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ رِجَالٍ يَلْزَمُونَهَا، أَرَأَيْتُمْ هَذِهِ الْمُدُنَ الْعِظَامَ - كَالشَّامِّ، وَالْجَزِيرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَالْبَصْرَةِ، وَمِصْرَ - لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ أَنْ تُشْحَنَ بِالْجُيُوشِ، وَإِدْرَارِ الْعَطَاءِ عَلَيْهِمْ، فَمِنْ أَيْنَ يُعْطَى هَؤُلاَءِ إِذَا قُسِمَتِ الأَْرْضُونَ
стр. 11410
وَالْعُلُوجُ؟ فَقَالُوا جَمِيعًا: الرَّأْيُ رَأْيُكَ فَنِعْمَ مَا قُلْتَ وَمَا رَأَيْتَ إِنْ لَمْ تُشْحَنْ هَذِهِ الثُّغُورُ وَهَذِهِ الْمُدُنُ بِالرِّجَال وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ رَجَعَ أَهْل الْكُفْرِ إِلَى مُدُنِهِمْ فَقَال: قَدْ بَانَ لِي الأَْمْرُ، فَمِنْ رَجُلٍ لَهُ جَزَالَةٌ، وَعَقْلٌ، يَضَعُ الأَْرْضَ مَوَاضِعَهَا، وَيَضَعُ عَلَى الْعُلُوجِ مَا يَحْتَمِلُونَ؟ فَاجْتَمَعُوا عَلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ وَقَالُوا: تَبْعَثُهُ إِلَى أَهَمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ لَهُ بَصَرًا وَعَقْلاً وَتَجْرِبَةً فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَوَلاَّهُ مِسَاحَةَ أَرْضِ السَّوَادِ (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْخَرَاجِ:
١٢ - الْخَرَاجُ وَاجِبٌ عَلَى كُل مَنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ نَامِيَةٌ سَوَاءٌ أَكَانَ مُسْلِمًا، أَمْ كَافِرًا، صَغِيرًا أَمْ كَبِيرًا، عَاقِلاً، أَمْ مَجْنُونًا، رَجُلاً، أَمِ امْرَأَةً، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْخَرَاجَ مَئُونَةُ الأَْرْضِ النَّامِيَةِ، وَهُمْ فِي حُصُول النَّمَاءِ سَوَاءٌ. (٢)
أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْخَرَاجِ:
١٣ - يَسْتَنِدُ اجْتِهَادُ الإِْمَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ стр. 11411
فِي تَشْرِيعِ الْخَرَاجِ إِلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالْمَصْلَحَةِ.
١ - الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ:
بَيَّنَتِ الآْيَاتُ السَّابِقَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الإِْمَامُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، حُكْمَ مَسْأَلَةِ وَقْفِ أَرْضِ السَّوَادِ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
٢ - السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ:
أ - رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، (١) وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا (٢) وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا (٣) وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ (٤) شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ لإِِخْبَارِهِ بِمَا سَيَكُونُ مِنْ مُلْكِ الْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الأَْقَالِيمَ стр. 11412
وَوَضْعِهِمُ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ، ثُمَّ بُطْلاَنِ ذَلِكَ (١) وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ سَيَضَعُونَ الْخَرَاجَ عَلَى الأَْرْضِ وَلَمْ يُرْشِدْهُمْ إِلَى خِلاَفِ ذَلِكَ، بَل قَرَّرَهُ وَحَكَاهُ لَهُمْ، وَلِذَلِكَ قَال يَحْيَى بْنُ آدَمَ: يُرِيدُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الْقَفِيزَ وَالدِّرْهَمَ قَبْل أَنْ يَضَعَهُ عُمَرُ عَلَى الأَْرْضِ ". (٢)
ب - رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَال: قَسَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ، نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا. (٣)
فَالْحَدِيثُ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِمَا وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَأْنِ خَيْبَرَ حَيْثُ وَقَفَ نِصْفَهَا لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً.
٣ - الْمَصْلَحَةُ:
رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ стр. 11413
أَنَّ مِنَ الْمَصْلَحَةِ عَدَمَ تَقْسِيمِ الأَْرَاضِي الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً، وَوَقْفَهَا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَضَرْبَ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا. وَأَهَمُّ مَا تَقْضِي بِهِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ.
أ - تَأْمِينُ مَوْرِدٍ مَالِيٍّ ثَابِتٍ لِلأُْمَّةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ
بِأَجْيَالِهَا الْمُتَعَاقِبَةِ وَمُؤَسَّسَاتِهَا الْمُخْتَلِفَةِ:
نَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى مُسْتَقْبَل الأُْمَّةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ وَأَجْيَالِهَا الْقَادِمَةِ، فَرَأَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا سَيَقَعُ فِي شَظَفِ الْعَيْشِ وَالْحِرْمَانِ، إِذَا مَا قُسِمَتْ تِلْكَ الأَْرَاضِي الْمَفْتُوحَةُ عَنْوَةً وَوُزِّعَتْ عَلَى الْفَاتِحِينَ. وَلِهَذَا رَأَى عَدَمَ التَّقْسِيمِ، وَوَقَفَ الأَْرَضِينَ، وَضَرَبَ الْخَرَاجَ عَلَيْهَا لِيَكُونَ مَوْرِدًا مَالِيًّا ثَابِتًا لِلأَْجْيَال الْقَادِمَةِ.
وَقَال: لَوْلاَ أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا (١) لَيْسَ لَهُمْ مِنْ شَيْءٍ مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلاَّ قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، وَلَكِنْ أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ (٢) .
ب - تَوْزِيعُ الثَّرْوَةِ وَعَدَمُ حَصْرِهَا فِي فِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ:
كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (٣)
وَقَدْ أَشَارَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁ عَلَى стр. 11414
عُمَرَ ﵁، لَمَّا رَأَى إِصْرَارَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ عَلَى التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهِ إِذًا لَيَكُونَنَّ مَا تَكْرَهُ. إِنَّكَ إِنْ قَسَمْتَهَا صَارَ الرِّيعُ الْعَظِيمُ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ يُبِيدُونَهُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ إِلَى الرَّجُل الْوَاحِدِ، أَوِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، ثُمَّ يَأْتِي مَنْ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَسُدُّونَ مِنَ الإِْسْلاَمِ مَسَدًّا، فَلاَ يَجِدُونَ شَيْئًا، فَانْظُرْ أَمْرًا يَسَعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ (١) فَرَضِيَ عُمَرُ قَوْل مُعَاذٍ، فَوَقَفَ الأَْرْضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَضَرَبَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ، وَأَصْبَحَ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا بِمَا فِيهِمُ الْفُقَرَاءُ وَالأَْغْنِيَاءُ.
ج - عِمَارَةُ الأَْرْضِ بِالزِّرَاعَةِ وَعَدَمُ تَعْطِيلِهَا:
إِنَّ عِمَارَةَ الأَْرْضِ بِالزِّرَاعَةِ وَالاِنْتِفَاعَ بِمَا فِي بَاطِنِهَا مِنْ مَعَادِنَ مَطْلُوبٌ مِنَ النَّاسِ عَامَّةً، وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً، فَهُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الاِسْتِخْلاَفِ الْعَامِّ لِلنَّاسِ فِي الأَْرْضِ ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً﴾ . (٢)
وَكَانَ قَصْدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْ ضَرْبِ الْخَرَاجِ أَنْ تَبْقَى الأَْرْضُ عَامِرَةً بِالزِّرَاعَةِ فَأَهْلُهَا أَقْدَرُ مِنَ الْغَانِمِينَ عَلَى ذَلِكَ لِتَوَفُّرِ الْخِبْرَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الزِّرَاعَةِ، وَلِذَلِكَ قَال стр. 11415
فِي أَهْلِهَا: يَكُونُونَ عُمَّارَ الأَْرْضِ فَهُمْ أَعْلَمُ بِهَا وَأَقْوَى عَلَيْهَا ". (١)
وَقَدْ سَلَكَ عُمَرُ ﵁ فِي ذَلِكَ مَسْلَكَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ وَصَارَتِ الأَْرْضُ وَالأَْمْوَال الْمَغْنُومَةُ تَحْتَ يَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْعُمَّال مَا يَكْفُونَ عِمَارَةَ الأَْرْضِ وَزِرَاعَتَهَا، دَفَعَهَا إِلَى أَهْلِهَا عَلَى أَنْ يَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ نِصْفُ ثَمَرَتِهَا. وَبَقِيَتْ عَلَى ذَلِكَ طِيلَةَ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَيَاةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. حَتَّى أَجْلاَهُمْ عُمَرُ ﵁ إِلَى الشَّامِ (٢) .
أَنْوَاعُ الْخَرَاجِ:
قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْخَرَاجَ - بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ - إِلَى أَنْوَاعٍ:
فَقَسَمُوهُ - بِاعْتِبَارِ الْمَأْخُوذِ مِنَ الأَْرْضِ - إِلَى خَرَاجِ وَظِيفَةٍ، وَمُقَاسَمَةٍ.
وَقَسَمُوهُ - بِاعْتِبَارِ الأَْرْضِ الَّتِي تَخْضَعُ لِلْخَرَاجِ إِلَى خَرَاجٍ عَنْوِيٍّ، وَصُلْحِيٍّ
وَفِيمَا يَلِي هَذِهِ الأَْنْوَاعُ.
١ - خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ وَالْمُقَاسَمَةِ:
أ - خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ:
١٤ - يُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ أَيْضًا خَرَاجَ الْمُقَاطَعَةِ وَخَرَاجَ الْمِسَاحَةِ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ يَنْظُرُ إِلَى مِسَاحَةِ الأَْرْضِ وَنَوْعِ مَا يُزْرَعُ عِنْدَ تَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا. следующие страницы →