← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لِلشَّرْعِ (١) . وَمَعْنَى كَوْنِهِ ذَا وَجْهَيْنِ أَنَّهُ يَقَعُ تَارَةً مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ، لاِشْتِمَالِهِ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ، وَيَقَعُ تَارَةً أُخْرَى مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ. وَالإِْبَاحَةُ الَّتِي فِيهَا تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْفِعْل وَالتَّرْكِ مُغَايِرَةٌ لِلصِّحَّةِ. وَهُمَا وَإِنْ كَانَا مِنَ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الإِْبَاحَةَ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، وَالصِّحَّةَ حُكْمٌ وَضْعِيٌّ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرُدُّ الصِّحَّةَ إِلَى الإِْبَاحَةِ فَيَقُول: إِنَّ الصِّحَّةَ إِبَاحَةُ الاِنْتِفَاعِ. (٢) وَالْفِعْل الْمُبَاحُ قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ الْفِعْل الصَّحِيحِ، فَصَوْمُ يَوْمٍ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ مُبَاحٌ، أَيْ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنَ الشَّرْعِ، وَهُوَ صَحِيحٌ إِنِ اسْتَوْفَى أَرْكَانَهُ وَشُرُوطَهُ. وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْل مُبَاحًا فِي أَصْلِهِ وَغَيْرَ صَحِيحٍ لاِخْتِلاَل شَرْطِهِ، كَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ. وَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا غَيْرَ مُبَاحٍ كَالصَّلاَةِ فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ إِذَا اسْتَوْفَتْ أَرْكَانَهَا وَشُرُوطَهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الأَْئِمَّةِ. التَّخْيِيرُ: ٥ - الإِْبَاحَةُ تَخْيِيرٌ مِنَ الشَّارِعِ بَيْنَ فِعْل الشَّيْءِ وَتَرْكِهِ، مَعَ اسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ بِلاَ تَرَتُّبِ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ، أَمَّا التَّخْيِيرُ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيل الإِْبَاحَةِ، أَيْ بَيْنَ فِعْل الْمُبَاحِ وَتَرْكِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ بَعْضِهَا وَبَعْضٍ، وَهِيَ وَاجِبَاتٌ لَيْسَتْ عَلَى التَّعْيِينِ، كَمَا فِي خِصَال الْكَفَّارَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ

стр. 177

أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١) فَإِنَّ فِعْل أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُسْقِطُ الْمُطَالَبَةَ، لَكِنَّ تَرْكَهَا كُلَّهَا يَقْتَضِي الإِْثْمَ. وَقَدْ يَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْمَنْدُوبَاتِ كَالتَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الْعَصْرِ، فَالْمُصَلِّي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتَنَفَّل بِرَكْعَتَيْنِ أَوْ بِأَرْبَعٍ. (٢) وَالْمَنْدُوبُ نَفْسُهُ فِي مَفْهُومِهِ تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْفِعْل وَالتَّرْكِ، وَإِنْ رُجِّحَ جَانِبُ الْفِعْل، وَفِيهِ ثَوَابٌ، بَيْنَمَا التَّخْيِيرُ فِي الإِْبَاحَةِ لاَ يُرَجَّحُ فِيهِ جَانِبٌ عَلَى جَانِبٍ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ وَلاَ عِقَابٌ. الْعَفْوُ: ٦ - مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَل الْعَفْوَ الَّذِي رُفِعَتْ فِيهِ الْمُؤَاخَذَةُ، وَنُفِيَ فِيهِ الْحَرَجُ، مُسَاوِيًا لِلإِْبَاحَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَعَفَا عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا (٣) . وَهُوَ مَا يَدُل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّل الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ (٤) . فَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يُكَلِّفْنَا بِهِ فِعْلاً أَوْ تَرْكًا،

стр. 178

وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ مَثُوبَةً وَلاَ عِقَابًا. وَهُوَ بِهَذَا مُسَاوٍ لِلْمُبَاحِ. أَلْفَاظُ الإِْبَاحَةِ: ٧ - الإِْبَاحَةُ إِمَّا بِلَفْظٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ مِنَ الْعِبَادِ. فَمِثَال غَيْرِ اللَّفْظِ مِنَ الشَّارِعِ أَنْ يَرَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِعْلاً مِنَ الأَْفْعَال، أَوْ يَسْمَعُ قَوْلاً، فَلاَ يُنْكِرُهُ، فَيَكُونُ هَذَا تَقْرِيرًا يَدُل عَلَى الإِْبَاحَةِ. وَمِثَالُهُ مِنَ الْعِبَادِ أَنْ يَضَعَ الشَّخْصُ مَائِدَةً عَامَّةً لِيَأْكُل مِنْهَا مَنْ يَشَاءُ. وَأَمَّا اللَّفْظُ فَقَدْ يَكُونُ صَرِيحًا، وَمِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الْجُنَاحِ وَنَفْيُ الإِْثْمِ أَوِ الْحِنْثِ أَوِ السَّبِيل أَوِ الْمُؤَاخَذَةِ. وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ صَرِيحٍ، وَهُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ فِي دَلاَلَتِهِ عَلَى الإِْبَاحَةِ إِلَى قَرِينَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ: الأَْمْرُ بَعْدَ الْحَظْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١) وَمِنْهُ الأَْمْرُ الْمُقْتَرِنُ بِالْمَشِيئَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْحِل، أَوْ نَفْيُ التَّحْرِيمِ، أَوِ الاِسْتِثْنَاءُ مِنَ التَّحْرِيمِ. مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْبَاحَةِ: الشَّارِعُ: ٨ - الأَْصْل أَنَّ حَقَّ الإِْبَاحَةِ لِلشَّارِعِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إِذْنٍ مِنْ أَحَدٍ، وَقَدْ تَكُونُ الإِْبَاحَةُ مُطْلَقَةً كَالْمُبَاحَاتِ الأَْصْلِيَّةِ، وَقَدْ تَكُونُ مُقَيَّدَةً إِمَّا بِشَرْطٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ (٢) فِي شَأْنِ مَا يُبَاحُ أَكْلُهُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَوْ مُقَيَّدَةً بِوَقْتٍ كَإِبَاحَةِ أَكْل الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ

стр. 179

الْعِبَادُ: ٩ - الإِْبَاحَةُ مِنَ الْعِبَادِ لاَ بُدَّ فِيهَا أَنْ تَكُونَ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَأْبَاهُ الشَّرْعُ، وَأَلاَّ تَكُونَ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ، وَإِلاَّ كَانَتْ هِبَةً أَوْ إِعَارَةً. وَإِذَا كَانَتِ الإِْبَاحَةُ مِنْ وَلِيِّ الأَْمْرِ فَالْمَدَارُ فِيهَا - بَعْدَ الشَّرْطَيْنِ السَّابِقَيْنِ - أَنْ تَكُونَ مَنُوطَةً بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ. وَهَذِهِ الإِْبَاحَةُ قَدْ تَكُونُ فِي وَاجِبٍ يَسْقُطُ بِهَا عَنْهُ، كَمَنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَاخْتَارَ التَّكْفِيرَ بِالإِْطْعَامِ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى تَنَاوُلِهِ إِبَاحَةٌ تُسْقِطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةَ، إِذْ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا بَيْنَ التَّمْلِيكِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ، وَبَيْنَ الإِْبَاحَةِ. وَهَذَا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ كَالْحَنَفِيَّةِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الإِْطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ يَجِبُ فِيهِ التَّمْلِيكُ (١) . وَالإِْنْسَانُ يَعْرِفُ إِذْنَ غَيْرِهِ إِمَّا بِنَفْسِهِ، وَإِمَّا بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ يَقَعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ. فَلَوْ قَال مَمْلُوكٌ مَثَلاً: هَذِهِ هَدِيَّةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْكَ سَيِّدِي، أَوْ قَال صَبِيٌّ: هَذِهِ هَدِيَّةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْكَ وَالِدِي، قُبِل قَوْلُهُمَا فِي حِلِّهَا؛ لأَِنَّ الْهَدَايَا تُبْعَثُ فِي الْعَادَةِ عَلَى أَيْدِي هَؤُلاَءِ. (٢) دَلِيل الإِْبَاحَةِ وَأَسْبَابُهَا: ١٠ - قَدْ يُوجَدُ فِعْلٌ مِنَ الأَْفْعَال لَمْ يَدُل الدَّلِيل السَّمْعِيُّ عَلَى حُكْمِهِ بِخُصُوصِهِ، وَذَلِكَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ: الأُْولَى عَدَمُ وُرُودِ دَلِيلٍ لِهَذَا الْفِعْل أَصْلاً، وَالثَّانِيَةُ وُرُودُهُ وَلَكِنَّهُ جُهِل. وَأَكْثَرُ الأَْفْعَال دَل الدَّلِيل السَّمْعِيُّ عَلَيْهَا وَعُرِفَ حُكْمُهَا، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

стр. 180

أ - الْبَقَاءُ عَلَى الأَْصْل: ١١ - وَهَذَا مَا يُعْرَفُ بِالإِْبَاحَةِ الأَْصْلِيَّةِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ أَوْ فَعَلَهُ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ قَبْل الْبَعْثَةِ. وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْكَلاَمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ، أَوْ فِي كُتُبِ عِلْمِ الْكَلاَمِ. وَهَذَا الْخِلاَفُ لاَ مُحَصِّل لَهُ الآْنَ بَعْدَ وُرُودِ الْبَعْثَةِ، إِذْ دَل النَّصُّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ. قَال تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) ب - مَا جُهِل حُكْمُهُ: ١٢ - قَدْ يَكُونُ الْجَهْل مَعَ وُجُودِ الدَّلِيل، وَلَكِنَّ الْمُكَلَّفَ - مُجْتَهِدًا أَوْ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، أَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ وَلَمْ يَسْتَطِعْ اسْتِنْبَاطَ الْحُكْمِ. وَالْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْجَهْل بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ عُذْرًا إِذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الاِطِّلاَعُ عَلَى الدَّلِيل، وَكُل مَنْ كَانَ فِي إِمْكَانِهِ الاِطِّلاَعُ عَلَى الدَّلِيل وَقَصَّرَ فِي تَحْصِيلِهِ لاَ يَكُونُ مَعْذُورًا. وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوَاطِنِهَا. وَمَنْ عُذِرَ بِجَهْلِهِ فَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِحُكْمِ الْفِعْل، فَلاَ يُوصَفُ فِعْلُهُ بِالإِْبَاحَةِ بِالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ الَّذِي فِيهِ خِطَابٌ بِالتَّخْيِيرِ. وَإِنْ كَانَ الإِْثْمُ مَرْفُوعًا عَنْهُ بِعُذْرِ الْجَهْل. (٢)

стр. 181

وَتُفَصَّل هَذِهِ الأَْحْكَامُ فِي مَوَاطِنِهَا فِي بَحْثِ (الْجَهْل) . وَيُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. طُرُقُ مَعْرِفَةِ الإِْبَاحَةِ: ١٣ - طُرُقُ مَعْرِفَةِ الإِْبَاحَةِ كَثِيرَةٌ، مِنْ أَهَمِّهَا: النَّصُّ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ عَلَيْهِ تَفْصِيلاً. بَعْضُ أَسْبَابِ الرُّخَصِ: وَالرُّخْصَةُ هِيَ مَا شُرِعَ لِعُذْرٍ شَاقٍّ اسْتِثْنَاءً مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ، مَعَ الاِقْتِصَارِ عَلَى مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ فِيهِ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ الأَْصْل. وَذَلِكَ كَالإِْفْطَارِ فِي رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، عَلَى تَفْصِيلٍ لِلْفُقَهَاءِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوَاطِنِهِ. النَّسْخُ: وَهُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِنَصٍّ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ. وَالَّذِي يُهِمُّنَا هُنَا هُوَ نَسْخُ الْحَظْرِ بِنَصٍّ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ فِيمَا كَانَ مُبَاحًا قَبْل الْحَظْرِ، مِثْل جَوَازِ الاِنْتِبَاذِ فِي الأَْوْعِيَةِ بَعْدَ حَظْرِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَْوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا وَاجْتَنِبُوا كُل مُسْكِرٍ (١) فَالأَْمْرُ بِالنَّبْذِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ يُفِيدُ رَفْعَ الْحَرَجِ، وَهُوَ مَعْنَى الإِْبَاحَةِ. الْعُرْفُ . وَالْمُخْتَارُ فِي تَعْرِيفِهِ أَنَّهُ مَا اسْتَقَرَّ فِي النُّفُوسِ مِنْ جِهَةِ الْعُقُول، وَتَلَقَّتْهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ

стр. 182

بِالْقَبُول (١) . وَهُوَ دَلِيلٌ كَاشِفٌ إِذَا لَمْ يُوجَدْ نَصٌّ وَلاَ إِجْمَاعٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ أَوْ إِلْغَائِهِ، كَالاِسْتِئْجَارِ بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ لاَ يُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ. الاِسْتِصْلاَحُ (الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ) : هِيَ كُل مَصْلَحَةٍ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَلاَ مُلْغَاةٍ بِنَصٍّ مِنَ الشَّارِعِ بِخُصُوصِهَا، يَكُونُ فِي الأَْخْذِ بِهَا جَلْبُ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعُ ضَرَرٍ ، كَمُشَاطَرَةِ عُمَرَ ﵁ أَمْوَال الَّذِينَ اتَّهَمَهُمْ بِالإِْثْرَاءِ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ لِلدَّوْلَةِ، وَهَذَا حَتَّى يَضَعَ مَبْدَأً لِلْعُمَّال أَلاَّ يَسْتَغِلُّوا مَرَاكِزَهُمْ لِصَالِحِ أَنْفُسِهِمْ. مُتَعَلَّقُ الإِْبَاحَةِ: ١٤ - مُتَعَلِّقُ الإِْبَاحَةِ اهْتَمَّ بِهِ الْفُقَهَاءُ وَتَحَدَّثُوا عَنْ أَقْسَامِهِ وَفُرُوعِهِ، فَقَسَّمُوهُ مِنْ حَيْثُ مَصْدَرُ الإِْبَاحَةِ إِلَى قِسْمَيْنِ: مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ، وَمَا أَذِنَ فِيهِ الْعِبَادُ. وَمِنْ حَيْثُ نَوْعُ الإِْبَاحَةِ إِلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا: مَا فِيهِ تَمَلُّكٌ وَاسْتِهْلاَكٌ وَانْتِفَاعٌ، وَمَا فِيهِ اسْتِهْلاَكٌ وَانْتِفَاعٌ دُونَ تَمَلُّكٍ. وَلِكُل قِسْمٍ حُكْمُهُ، وَبَيَانُهُ فِيمَا يَأْتِي. الْمَأْذُونُ بِهِ مِنَ الشَّارِعِ: ١٥ - الْمَأْذُونُ بِهِ مِنَ الشَّارِعِ مَا وَرَدَ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَتِهِ مِنْ نَصٍّ أَوْ مِنْ مَصْدَرٍ مِنْ مَصَادِرِ التَّشْرِيعِ الأُْخْرَى. وَالْحَدِيثُ هُنَا سَيَكُونُ عَنِ الْمَأْذُونِ فِيهِ إِذْنًا عَامًّا لاَ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الأَْفْرَادِ دُونَ بَعْضِهِمُ الآْخَرِ. وَفِي ذَلِكَ مَطْلَبَانِ: مَطْلَبٌ لِلْمَأْذُونِ فِيهِ عَلَى وَجْهِ

стр. 183

التَّمَلُّكِ وَالاِسْتِهْلاَكِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِالْمَال الْمُبَاحِ، وَمَطْلَبٌ لِلْمَأْذُونِ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الاِنْتِفَاعِ فَقَطْ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ. الْمَطْلَبُ الأَْوَّل مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ وَالاِسْتِهْلاَكِ ١٦ - الْمَال الْمُبَاحُ هُوَ كُل مَا خَلَقَهُ اللَّهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ عَلَى وَجْهٍ مُعْتَادٍ، وَلَيْسَ فِي حِيَازَةِ أَحَدٍ، مَعَ إِمْكَانِ حِيَازَتِهِ، وَلِكُل إِنْسَانٍ حَقُّ تَمَلُّكِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ حَيَوَانًا أَمْ نَبَاتًا أَمْ جَمَادًا. وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ . مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ (١) . وَهَذَا التَّمَلُّكُ لاَ يَسْتَقِرُّ إِلاَّ عِنْدَ الاِسْتِيلاَءِ الْحَقِيقِيِّ، الَّذِي ضَبَطُوهُ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُبَاحِ، أَيْ الاِسْتِيلاَءِ الْفِعْلِيِّ، أَوْ كَوْنِهِ فِي مُتَنَاوَل الْيَدِ، وَهُوَ الاِسْتِيلاَءُ بِالْقُوَّةِ. وَقَدْ قَال الْعُلَمَاءُ: إِنَّ هَذَا الاِسْتِيلاَءَ بِإِحْدَى صُورَتَيْهِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ وَقَصْدٍ فِي اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِيَّةِ، كَمَا قَالُوا: إِنَّ الاِسْتِيلاَءَ بِوَسَاطَةِ آلَةٍ وَحِرْفَةٍ وَمَهَارَةٍ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَصْدِ لِيَكُونَ اسْتِيلاَءً حَقِيقِيًّا، وَإِلاَّ كَانَ اسْتِيلاَءً حُكْمِيًّا. جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ فِيمَنْ عَلَّقَ كُوزَهُ، أَوْ وَضَعَهُ فِي سَطْحِهِ، فَأَمْطَرَ السَّحَابُ وَامْتَلأََ الْكُوزُ مِنْ الْمَطَرِ،

стр. 184

فَأَخَذَهُ إِنْسَانٌ، فَالْحُكْمُ هُوَ اسْتِرْدَادُ الْكُوزِ؛ لأَِنَّهُ مِلْكُ صَاحِبِهِ، وَأَمَّا الْمَاءُ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْكُوزِ قَدْ وَضَعَهُ مِنْ أَجْل جَمْعِ الْمَاءِ فَيَسْتَرِدُّ الْمَاءَ أَيْضًا، لأَِنَّ مِلْكَهُ حَقِيقِيٌّ حِينَئِذٍ، فَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ لِذَلِكَ لَمْ يَسْتَرِدُّهُ. (١) وَمِنْ أَمْثِلَةِ الأَْمْوَال الْمُبَاحَةِ الْمَاءُ وَالْكَلأَُ وَالنَّارُ وَالْمَوَاتُ وَالرِّكَازُ وَالْمَعَادِنُ وَالْحَيَوَانَاتُ غَيْرُ الْمَمْلُوكَةِ. وَلِكُلٍّ أَحْكَامُهُ الْمَطْلَبُ الثَّانِي مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ عَلَى وَجْهِ الاِنْتِفَاعِ ١٧ - وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ، الَّتِي جَعَل اللَّهُ إِبَاحَتَهَا تَيْسِيرًا عَلَى عِبَادِهِ، لِيَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ فِيهَا، أَوْ لِيُمَارِسُوا أَعْمَالَهُمْ فِي الْحَيَاةِ مُسْتَعِينِينَ بِهَا، كَالْمَسَاجِدِ، وَالطُّرُقِ. وَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ تَفْصِيل أَحْكَامِهِمَا إِلَى مُصْطَلَحَيْهِمَا. الْمَأْذُونُ فِيهِ مِنَ الْعِبَادِ ١٨ - إِبَاحَةُ الْعِبَادِ كَذَلِكَ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَكُونُ التَّسْلِيطُ فِيهِ عَلَى الْعَيْنِ لاِسْتِهْلاَكِهَا، وَنَوْعٌ يَكُونُ التَّسْلِيطُ فِيهِ عَلَى الْعَيْنِ لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا فَقَطْ. إِبَاحَةُ الاِسْتِهْلاَكِ: ١٩ - لِهَذِهِ الإِْبَاحَةِ جُزْئِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ نَكْتَفِي مِنْهَا بِمَا يَأْتِي: أ - الْوَلاَئِمُ بِمُنَاسَبَاتِهَا الْمُتَعَدِّدَةِ وَالْمُبَاحُ فِيهَا الأَْكْل وَالشُّرْبُ دُونَ الأَْخْذِ.

стр. 185

ب - الضِّيَافَةُ. وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل أَحْكَامِهِمَا إِلَى مُصْطَلَحَيْهِمَا. إِبَاحَةُ الاِنْتِفَاعِ: ٢٠ - هَذَا النَّوْعُ مِنَ الإِْبَاحَةِ قَدْ يَكُونُ مَعَ مِلْكِ الآْذِنِ لِعَيْنِ مَا أُذِنَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ كَإِذْنِ مَالِكِ الدَّابَّةِ أَوِ السَّيَّارَةِ لِغَيْرِهِ بِرُكُوبِهَا، وَإِذْنِ مَالِكِ الْكُتُبِ لِلاِطِّلاَعِ عَلَيْهَا. وَقَدْ يَكُونُ الإِْذْنُ فِيمَا لاَ يُمْلَكُ عَيْنُهُ، وَلَكِنْ يُمْلَكُ مَنْفَعَتُهُ بِمِثْل الإِْجَارَةِ أَوِ الإِْعَارَةِ، إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِمَا أَنْ يَكُونَ الاِنْتِفَاعُ شَخْصِيًّا لِلْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ. تَقْسِيمَاتُ الإِْبَاحَةِ: ٢١ - لِلإِْبَاحَةِ تَقْسِيمَاتٌ شَتَّى بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَكْثَرُهَا. وَبَقِيَ الْكَلاَمُ عَنْ تَقْسِيمِهَا مِنْ حَيْثُ مَصْدَرُهَا وَمِنْ حَيْثُ الْكُلِّيَّةُ وَالْجُزْئِيَّةُ: أ - تَقْسِيمُهَا مِنْ حَيْثُ مَصْدَرُهَا: ٢٢ - تُقَسَّمُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ إِلَى إِبَاحَةٍ أَصْلِيَّةٍ ، بِأَلاَّ يَرِدَ فِيهَا نَصٌّ مِنَ الشَّارِعِ، وَبَقِيَتْ عَلَى الأَْصْل، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا. وَإِبَاحَةٌ شَرْعِيَّةٌ: بِمَعْنَى وُرُودِ نَصٍّ مِنَ الشَّارِعِ بِالتَّخْيِيرِ، وَذَلِكَ إِمَّا ابْتِدَاءً كَإِبَاحَةِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ، وَإِمَّا بَعْدَ حُكْمٍ سَابِقٍ مُخَالِفٍ، كَمَا فِي النَّسْخِ أَوِ الرُّخَصِ، وَقَدْ سَبَقَ. عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي مُلاَحَظَتُهُ أَنَّهُ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَصْبَحَتِ الإِْبَاحَةُ الأَْصْلِيَّةُ إِبَاحَةً شَرْعِيَّةً لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا﴾ (١)

стр. 186

وَقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (١) فَإِنَّ هَذَا النَّصَّ يَدُل عَلَى أَنَّ كُل مَا خَلَقَهُ اللَّهُ يَكُونُ مُبَاحًا إِلاَّ مَا وَرَدَ دَلِيلٌ يُثْبِتُ لَهُ حُكْمًا آخَرَ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. (٢) وَقَدْ يَكُونُ مَصْدَرُ الإِْبَاحَةِ إِذْنَ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلَى مَا سَبَقَ. (ف ٩) . (٣) ب - تَقْسِيمُهَا بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ: ٢٣ - تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: ١ - إِبَاحَةٌ لِلْجُزْءِ مَعَ طَلَبِ الْكُل عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، كَالأَْكْل مَثَلاً، فَيُبَاحُ أَكْل نَوْعٍ وَتَرْكُ آخَرَ مِمَّا أَذِنَ بِهِ الشَّرْعُ، وَلَكِنَّ الاِمْتِنَاعَ عَنِ الأَْكْل جُمْلَةً حَرَامٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْهَلاَكِ. ٢ - إِبَاحَةٌ لِلْجُزْءِ مَعَ طَلَبِ الْكُل عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، كَالتَّمَتُّعِ بِمَا فَوْقَ الْحَاجَةِ مِنْ طَيِّبَاتِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ، فَذَلِكَ مُبَاحٌ يَجُوزُ تَرْكُهُ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّمَتُّعَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْكُل، عَلَى مَعْنَى أَنَّ تَرْكَهُ جُمْلَةً يُخَالِفُ مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ مِنَ التَّحَدُّثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَالتَّوْسِعَةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ (٤) وَكَمَا قَال عُمَرُ بْنُ

стр. 187

الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ (١) . ٣ - إِبَاحَةٌ لِلْجُزْءِ مَعَ التَّحْرِيمِ بِاعْتِبَارِ الْكُل، كَالْمُبَاحَاتِ الَّتِي تَقْدَحُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا فِي الْعَدَالَةِ، كَاعْتِيَادِ الْحَلِفِ، وَشَتْمِ الأَْوْلاَدِ، فَذَلِكَ مُبَاحٌ فِي الأَْصْل، لَكِنَّهُ مُحَرَّمٌ بِالاِعْتِيَادِ. ٤ - إِبَاحَةٌ لِلْجُزْءِ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِاعْتِبَارِ الْكُل، كَاللَّعِبِ الْمُبَاحِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا بِالأَْصْل إِلاَّ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ مَكْرُوهَةٌ. آثَارُ الإِْبَاحَةِ: ٢٤ - إِذَا ثَبَتَتِ الإِْبَاحَةُ ثَبَتَ لَهَا مِنَ الآْثَارِ مَا يَلِي: ١ - رَفْعُ الإِْثْمِ وَالْحَرَجِ . وَذَلِكَ مَا يَدُل عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الإِْبَاحَةِ بِأَنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْفِعْل الْمُبَاحِ إِثْمٌ. ٢ - التَّمْكِينُ مِنَ التَّمَلُّكِ الْمُسْتَقِرِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَيْنِ، وَالاِخْتِصَاصُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَنْفَعَةِ: وَذَلِكَ لأَِنَّ الإِْبَاحَةَ طَرِيقٌ لِتَمَلُّكِ الْعَيْنِ الْمُبَاحَةِ. هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْعَيْنِ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ فَإِنَّ

стр. 188

أَثَرَ الإِْبَاحَةِ فِيهَا اخْتِصَاصُ الْمُبَاحِ لَهُ بِالاِنْتِفَاعِ، وَعِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ تَتَّفِقُ فِي أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي طَعَامِ الْوَلِيمَةِ قَبْل وَضْعِهِ فِي فَمِهِ لاَ يَجُوزُ بِغَيْرِ الأَْكْل، إِلاَّ إِذَا أَذِنَ لَهُ صَاحِبُ الْوَلِيمَةِ أَوْ دَل عَلَيْهِ عُرْفٌ أَوْ قَرِينَةٌ. وَبِهَذَا تُفَارِقُ الإِْبَاحَةُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ بِأَنَّ فِيهِمَا تَمْلِيكًا، كَمَا أَنَّهَا تُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ حَيْثُ تَكُونُ هَذِهِ مُضَافَةً إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ إِذْنِ الدَّائِنِينَ وَالْوَرَثَةِ أَحْيَانًا، كَمَا لاَ بُدَّ مِنْ صِيغَةٍ فِي الْوَصِيَّةِ. (١) ٢٥ - هَذِهِ هِيَ آثَارُ الإِْبَاحَةِ لِلأَْعْيَانِ فِي إِذْنِ الْعِبَادِ. أَمَّا آثَارُ الإِْبَاحَةِ لِلْمَنَافِعِ فَإِنَّ إِبَاحَتَهَا لاَ تُفِيدُ إِلاَّ حِل الاِنْتِفَاعِ فَقَطْ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ. فَحَقُّ الاِنْتِفَاعِ الْمُجَرَّدِ مِنْ قَبِيل التَّرْخِيصِ بِالاِنْتِفَاعِ الشَّخْصِيِّ دُونَ الاِمْتِلاَكِ، وَمِلْكُ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ اخْتِصَاصٌ حَاجِزٌ لِحَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ مَنَافِعِ الْمُؤَجِّرِ، فَهُوَ أَقْوَى وَأَشْمَل؛ لأَِنَّ فِيهِ حَقَّ الاِنْتِفَاعِ وَزِيَادَةً. وَآثَارُ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ عَلَيْهَا. الإِْبَاحَةُ وَالضَّمَانُ: ٢٦ - الإِْبَاحَةُ لاَ تُنَافِي الضَّمَانَ فِي الْجُمْلَةِ؛ لأَِنَّ إِبَاحَةَ اللَّهِ - وَإِنْ كَانَ فِيهَا رَفْعُ الْحَرَجِ وَالإِْثْمِ - إِلاَّ أَنَّهَا قَدْ يَكُونُ مَعَهَا ضَمَانٌ، فَإِبَاحَةُ الاِنْتِفَاعِ تَقْتَضِي صِيَانَةَ الْعَيْنِ الْمُبَاحَةِ عَنِ التَّخْرِيبِ وَالضَّرَرِ، وَمَا حَدَثَ مِنْ ذَلِكَ لاَ بُدَّ مِنْ ضَمَانِهِ. وَإِبَاحَةُ الأَْعْيَانِ

стр. 189

كَأَخْذِ الْمُضْطَرِّ طَعَامَ غَيْرِهِ لاَ تَمْنَعُ ضَمَانَ قِيمَتِهِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ جَعَل لِلْعَبْدِ حَقًّا فِي مِلْكِهِ، فَلاَ يُنْقَل الْمِلْكُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ مِنْهُ إِلاَّ بِإِسْقَاطِهِ، كَمَا يَقُول الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ (١) . وَحَكَى الْقَرَافِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لاَ يُضْمَنُ؛ لأَِنَّ الدَّفْعَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمَالِكِ، وَالْوَاجِبُ لاَ يُؤْخَذُ لَهُ عِوَضٌ. وَالْقَوْل الثَّانِي: يَجِبُ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ وَالأَْشْهَرُ؛ لأَِنَّ إِذْنَ الْمَالِكِ لَمْ يُوجَدْ، وَإِنَّمَا وُجِدَ إِذْنُ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَهُوَ لاَ يُوجِبُ سُقُوطَ الضَّمَانِ، وَإِنَّمَا يَنْفِي الإِْثْمَ وَالْمُؤَاخَذَةَ بِالْعِقَابِ. أَمَّا إِبَاحَةُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ عَلَيْهَا مُفَصَّلاً. مَا تَنْتَهِي بِهِ الإِْبَاحَةُ: ٢٧ - أَوَّلاً: إِبَاحَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لاَ تَنْتَهِي مِنْ جِهَتِهِ هُوَ؛ لأَِنَّهُ سُبْحَانَهُ حَيٌّ بَاقٍ، وَالْوَحْيُ قَدِ انْقَطَعَ، فَلاَ وَحْيَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنَّمَا تَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ دَوَاعِيهَا، كَمَا فِي الرُّخَصِ، فَإِذَا وُجِدَ السَّفَرُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مَثَلاً وُجِدَتِ الإِْبَاحَةُ بِالتَّرْخِيصِ فِي الْفِطْرِ، فَإِذَا انْتَهَى السَّفَرُ انْتَهَتِ الرُّخْصَةُ. ٢٨ - ثَانِيًا: وَإِبَاحَةُ الْعِبَادِ تَنْتَهِي بِأُمُورٍ: أ - انْتِهَاءُ مُدَّتِهَا إِنْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِزَمَنٍ، فَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، وَإِذَا فُقِدَ الشَّرْطُ فُقِدَ الْمَشْرُوطُ. ب - رُجُوعُ الآْذِنِ فِي إِذْنِهِ، حَيْثُ إِنَّهُ لَيْسَ وَاجِبًا

стр. 190

عَلَيْهِ، فَهُوَ تَبَرُّعٌ مِنْهُ، كَمَا قَال جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَهِيَ لاَ تَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ الرُّجُوعِ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ عِلْمِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِهِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ (١) قَوْلاً آخَرَ لِلشَّافِعِيِّ، يُفِيدُ أَنَّ الإِْبَاحَةَ تَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ رُجُوعِ الآْذِنِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الْمَأْذُونُ لَهُ. ج - مَوْتُ الآْذِنِ؛ لِبُطْلاَنِ الإِْذْنِ بِمَوْتِهِ، فَتَنْتَهِي آثَارُهُ. د - مَوْتُ الْمَأْذُونِ لَهُ؛ لأَِنَّ حَقَّ الاِنْتِفَاعِ رُخْصَةٌ شَخْصِيَّةٌ لَهُ لاَ تَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ إِلاَّ إِذَا نَصَّ الآْذِنُ عَلَى خِلاَفِهِ. إِبَاق التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْبَاقُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَبَقَ الْعَبْدُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ - يَأْبِقُ وَيَأْبُقُ، بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا، أَبْقًا وَإِبَاقًا، بِمَعْنَى الْهَرَبِ (٢) . وَالإِْبَاقُ خَاصٌّ بِالإِْنْسَانِ سَوَاءٌ أَكَانَ عَبْدًا أَمْ حُرًّا. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: انْطِلاَقُ الْعَبْدِ تَمَرُّدًا مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ كَدٍّ فِي الْعَمَل. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ إِمَّا هَارِبٌ، وَإِمَّا ضَالٌّ وَإِمَّا فَارٌّ (٣) .

стр. 191

لَكِنْ قَدْ يُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَفْظَ الآْبِقِ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مُخْتَفِيًا مُطْلَقًا لِسَبَبٍ أَوْ غَيْرِهِ (١) . صِفَةُ الإِْبَاقِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : ٢ - الإِْبَاقُ مُحَرَّمٌ شَرْعًا بِالاِتِّفَاقِ، وَهُوَ عَيْبٌ فِي الْعَبْدِ، وَقَدْ عَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ وَالذَّهَبِيُّ مِنَ الْكَبَائِرِ (٢) ، وَوَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنْهُ عِدَّةُ أَحَادِيثَ: مِنْهَا مَا رَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَيُّمَا عَبْدٌ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ أَيُّمَا عَبْدٌ أَبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ. (٣) بِمَ يَتَحَقَّقُ الإِْبَاقُ: ٣ - الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ وَالْعَقْل فِي الْعَبْدِ إِذَا هَرَبَ لِيُمْكِنَ اعْتِبَارُهُ آبِقًا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ (٤) ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَعْقِل مَعْنَى الإِْبَاقِ - وَهُوَ غَيْرُ الْعَاقِل الْبَالِغِ - فَلاَ يَكُونُ آبِقًا، وَيُسَمَّى ضَالًّا، أَوْ لُقَطَةً. (٥)

стр. 192

أَخْذُ الآْبِقِ: ٤ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ أَخْذُ الآْبِقِ إِنْ خُشِيَ ضَيَاعُهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَلَفُهُ عَلَى مَوْلاَهُ إِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ، مَعَ قُدْرَةٍ تَامَّةٍ عَلَيْهِ. وَيَحْرُمُ عِنْدَهُمْ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ. (١) أَمَّا إِذَا لَمْ يَخْشَ ضَيَاعَهُ وَقَوِيَ عَلَى أَخْذِهِ فَذَلِكَ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: يُنْدَبُ لِمَنْ وَجَدَ آبِقًا وَعَرَفَ رَبَّهُ، أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ حِفْظِ الأَْمْوَال، إِذَا لَمْ يَخْشَ ضَيَاعَهُ. أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يَعْرِفُ رَبَّهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَخْذُهُ لاِحْتِيَاجِهِ إِلَى الإِْنْشَادِ وَالتَّعْرِيفِ. (٢) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَخْذُ الآْبِقِ - بِدُونِ رِضَا الْمَالِكِ - غَيْرُ جَائِزٍ، وَيَجُوزُ بِإِذْنِهِ. (٣) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَخْذُ الآْبِقِ جَائِزٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ لَحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَارْتِدَادُهُ وَاشْتِغَالُهُ بِالْفَسَادِ، بِخِلاَفِ الضَّوَال الَّتِي تَحْتَفِظُ بِنَفْسِهَا. (٤) صِفَةُ يَدِ الآْخِذِ لِلآْبِقِ: ٥ - الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الآْبِقَ يُعْتَبَرُ أَمَانَةً بِيَدِ آخِذِهِ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلاَ يَضْمَنَهُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَيِّدَهُ دَفَعَهُ إِلَى الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ. (٥)

стр. 193

الإِْنْفَاقُ عَلَى الآْبِقِ أَثْنَاءَ إِبَاقِهِ: ٦ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ آخِذَ الآْبِقِ إِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِدُونِ إِذْنِ الْحَاكِمِ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا، فَلاَ يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا أَنْفَقَ (١) فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ. وَيُشْتَرَطُ فِي الإِْذْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَقُول: عَلَى أَنْ تَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقْتُ عَلَيْهِ. (٢) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَجِدِ الْحَاكِمَ أَشْهَدَ أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ. (٣) وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ: أَنَّ نَفَقَةَ الآْبِقِ فِي رَقَبَتِهِ، لاَ فِي ذَمِّهِ سَيِّدِهِ. (٤) وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ إِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ آخِذُهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ، فَإِنَّ نَفَقَتَهُ تَكُونُ عَلَى سَيِّدِهِ يَأْخُذُهَا مِنْهُ عِنْدَ رَدِّهِ. (٥) ضَمَانُ مَا يُتْلِفُهُ الآْبِقُ: ٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ الآْبِقِ عَلَى شَيْءٍ كَجِنَايَتِهِ قَبْل الإِْبَاقِ؛ لأَِنَّهُ فِي حَال الإِْبَاقِ لاَ يَزَال فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ. وَجِنَايَتُهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ إِتْلاَفًا لِنَفْسٍ، أَوْ لِجُزْءٍ مِنْ آدَمِيٍّ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ إِتْلاَفًا لِمَالٍ. فَإِنْ قَتَل نَفْسًا عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، إِلاَّ إِذَا رَضِيَ وَلِيُّ الدَّمِ بِالْعَفْوِ عَنِ الْعَبْدِ وَتَصَالَحَ عَلَى مَالٍ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ الْمَال الْمُصَالَحَ

стр. 194

عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ بِهِ إِلَى أَوْلِيَاءِ الدَّمِ أَوْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ. (١) أَمَّا إِذَا أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ أَتْلَفَ مَالاً، فَلِكُل مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ رَأْيُهُ فِي بَيَانِ هَذَا الْحُكْمِ، يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي بَابِ الضَّمَانِ. دِيَةُ الآْبِقِ لِمَنْ تَكُونُ ؟ ٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الآْبِقَ لاَ يَزَال مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهِ، فَإِذَا قُتِل عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوْجِبُ الدِّيَةَ، أَوْ أُتْلِفَ مِنْ بَدَنِهِ مَا يَسْتَوْجِبُ الأَْرْشَ، فَدِيَتُهُ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ. (٢) بَيْعُ الآْبِقِ وَمَتَى يَجُوزُ ؟ ٩ - يَجُوزُ - اتِّفَاقًا - لِلْمَالِكِ بَيْعُ عَبْدِهِ الآْبِقِ إِذَا قَدَرَ عَلَى تَسْلِيمِهِ لِلْمُشْتَرِي، كَمَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي بَيْعُ الآْبِقِ إِذَا دُفِعَ إِلَيْهِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْبِسَهُ، عَلَى خِلاَفٍ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ (٣) . وَلَيْسَ لآِخِذِ الآْبِقِ أَنْ يَبِيعَهُ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِمَنْعِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَلأَِنَّ الْمَالِكَ مَجْهُولٌ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِصِحَّةِ بَيْعِهِ. اعْتِبَارُ الإِْبَاقِ عَيْبًا فِي الْعَبْدِ: ١٠ - الإِْبَاقُ فِي الْعَبْدِ وَالأَْمَةِ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ،

стр. 195

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ. إِبَاقُ الْعَبْدِ مِنْ آخِذِهِ: ١١ - تَقَدَّمَ الْقَوْل (ف ٥) أَنَّ يَدَ آخِذِ الآْبِقِ يَدُ أَمَانَةٍ. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِذَا هَرَبَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلاَ تَفْرِيطٍ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. عِتْقُ الآْبِقِ قَبْل رَدِّهِ: ١٢ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَوْلَى الْعَبْدِ الآْبِقِ لَوْ أَعْتَقَهُ حَال إِبَاقِهِ وَقَبْل تَسَلُّمِهِ مِنْ آخِذِهِ نَفَذَ عِتْقُهُ. (١) رَدُّ الآْبِقِ وَالْجُعْل فِيهِ: ١٣ - يُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِ الْجُعْل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ مِقْدَارٌ مِنَ الْمَال يَسْتَحِقُّهُ مَنْ رَدَّ آبِقًا أَوْ ضَالَّةً نَظِيرَ قِيَامِهِ بِهَذَا الْعَمَل. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْجُعْل: فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ مِقْدَارَ الْجُعْل الْمُسْتَحَقِّ لِرَادِّ الآْبِقِ هُوَ مَا سَمَّاهُ الْجَاعِل، أَوْ مَا تَمَّ الاِتِّفَاقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الآْذِنِ بِالْعَمَل وَالْعَامِل. (٢) غَيْرَ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَقَل مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ وَهُوَ دِينَارٌ أَوِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، فَلِرَادِّ الآْبِقِ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ، (٣) عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَالْقَوْل الآْخَرُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْمُسَمَّى بَالِغًا مَا بَلَغَ. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ أَصْبَحَ مِمَّا لاَ حَاجَةَ إِلَيْهِ. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ أَقْصَى مِقْدَارِ الْجُعْل هُوَ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ وَهُوَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، إِذَا كَانَ مِنْ مَسَافَةِ قَصْرٍ

стр. 196

فَأَكْثَرَ، لِوُرُودِ أَثَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ. (١) تَصَرُّفَاتُ الآْبِقِ: ١٤ - تَصَرُّفَاتُ الآْبِقِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِمَّا تَنْفُذُ عَلَيْهِ فِي الْحَال، كَالطَّلاَقِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا اتِّصَالٌ بِالْمَال وَحُقُوقِ الْغَيْرِ، كَالزَّوَاجِ وَالإِْقْرَارِ وَالْهِبَةِ. فَالَّتِي تَنْفُذُ عَلَيْهِ فِي الْحَال صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ. وَأَمَّا تَصَرُّفَاتُهُ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْتِزَامَاتٌ مَالِيَّةٌ، كَالنِّكَاحِ وَالإِْقْرَارِ وَالْهِبَةِ. . إِلَخْ، فَإِنَّهَا تَقَعُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِذْنِ السَّيِّدِ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَوْلِيَّةً أَمْ فِعْلِيَّةً (٢) . إِبَاقُ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ مَالِكِهِ وَآخِذِهِ: ١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوِ الْوَصِيِّ فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ؛ لأَِنَّ يَدَ كُل وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ يَدُ أَمَانَةٍ. (٣) وَلَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ مِنْ غَاصِبِهِ فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَكُونُ ضَامِنًا، لِتَعَدِّيهِ، فَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ غَصَبَهُ. أَمَّا إِنْ أَبَقَ مِنْ مُرْتَهِنِهِ، فَإِنْ كَانَ بِتَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَلاَ تَفْرِيطٍ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ لأَِنَّ الرَّهْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ، فَهُوَ مَضْمُونٌ

стр. 197

عِنْدَهُمْ بِالأَْقَل مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنَ الدَّيْنِ (١) . نِكَاحُ زَوْجَةِ الآْبِقِ: ١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْعَبْدِ الآْبِقِ لاَ يَصِحُّ زَوَاجُهَا حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ أَوْ طَلاَقُهُ أَوْ يُحْكَمَ بِتَطْلِيقِهَا مِنْهُ لِلْغَيْبَةِ أَوْ لِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ أَحْكَامُ الْمَفْقُودِ وَالطَّلاَقِ (٢) . إِبَاقُ الْعَبْدِ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْل الْقِسْمَةِ: ١٧ - مِنَ الأُْصُول الْعَامَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْغَنِيمَةَ قَبْل الْقِسْمَةِ أَمْوَالٌ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَدْخُل فِي مِلْكِيَّةِ الْغَانِمِينَ إِلاَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ أَبَقَ عَبْدٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْل الْقِسْمَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَبُ فِي مَظَانِّهِ وَيُبْحَثُ عَنْهُ، وَيُعْلَنُ عَنْ جُعْلٍ لِمَنْ يَرُدُّهُ يُصْرَفُ مِنْ بَيْتِ الْمَال أَوْ مِنَ الْغَنِيمَةِ نَفْسِهَا. فَإِذَا عَادَ الآْبِقُ تُجْرَى عَلَيْهِ الْقِسْمَةُ كَبَاقِي الأَْمْوَال (٣) . ادِّعَاءُ مِلْكِيَّةِ الآْبِقِ وَمَتَى تَثْبُتُ . ١٨ - إِذَا جَاءَ مَنْ يَدَّعِي مِلْكِيَّةَ الآْبِقِ فَلاَ يَخْلُو الْحَال: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الآْبِقُ تَحْتَ يَدِ الْقَاضِي أَوْ تَحْتَ يَدِ مُلْتَقِطِهِ وَآخِذِهِ. فَإِنْ كَانَ تَحْتَ يَدِ الْقَاضِي، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَرَوْنَ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يُسَلِّمُهُ لِمُدَّعِيهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ قَاطِعَةٍ تَصِفُ الْعَبْدَ وَتُقَرِّرُ أَنَّهُ عَبْدٌ لِمُدَّعِيهِ وَلَمْ يَهَبْهُ وَلَمْ يَبِعْهُ، أَوْ لاَ يُعْلَمُ أَنَّهُ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ. فَإِنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ سَلَّمَهُ الْقَاضِي

стр. 198

لِمُدَّعِيهِ (١) . وَزَادَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِحْلاَفَهُ. أَمَّا إِذَا كَانَ الآْبِقُ فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَدْفَعُهُ إِلَى مُدَّعِيهِ إِلاَّ بِأَمْرِ الْقَاضِي (٢) وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ (٣) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ جَوَازَ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى مُدَّعِيهِ بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا الْمُدَّعِي، أَوِ اعْتِرَافِ الْعَبْدِ أَنَّهُ سَيِّدُهُ، لَكِنَّ الأَْحْوَطَ أَلاَّ يَدْفَعَهُ إِلاَّ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ (٤) . زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنِ الْعَبْدِ الآْبِقِ: ١٩ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ عَبْدِهِ الآْبِقِ (٥) . وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ (٦) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَنِ الْعَبْدِ الآْبِقِ، عَلَى تَفْصِيلٍ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، مَوْطِنُهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ (٧) . وَأَوْجَبَهَا كَذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالزُّهْرِيُّ إِذَا عَلِمَ مَكَانَهُ، وَالأَْوْزَاعِيُّ إِنْ كَانَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ. (٨) عُقُوبَةُ الإِْبَاقِ: ٢٠ - تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ فِي أَنَّ الإِْبَاقَ مُحَرَّمٌ شَرْعًا، وَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْكَبَائِرِ (ر: ف ٢) ، وَبِمَا أَنَّهُ لاَ حَدَّ فِيهِ، يُعَزَّرُ فَاعِلُهُ، وَيَكُونُ التَّعْزِيرُ هُنَا مِنَ الْحَاكِمِ أَوِ السَّيِّدِ.

стр. 199

إِبَانَة التَّعْرِيفُ ١ - الإِْبَانَةُ مَصْدَرُ أَبَانَ، وَمِنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ الإِْظْهَارُ وَالْفَصْل. وَقَال صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الْقَطْعُ إِبَانَةُ أَجْزَاءِ الْجِرْمِ. وَالإِْبَانَةُ بِمَعْنَى الْفَصْل، مُرَادِفَةٌ لِلتَّفْرِيقِ. (١) وَأَغْلَبُ تَنَاوُل الْفُقَهَاءِ لَهَا بِمَعْنَى الْفَصْل وَالْقَطْعِ. وَإِبَانَةُ الزَّوْجَةِ تَكُونُ بِالطَّلاَقِ الْبَائِنِ أَوِ الْخُلْعِ، وَحِينَئِذٍ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَلاَ يَحِقُّ لِلزَّوْجِ مُرَاجَعَتُهَا إِلاَّ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - مِنْ أَحْكَامِ الإِْبَانَةِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ - غَيْرَ الصُّوفِ وَالشَّعْرِ مِنْ الْمَأْكُول - فَهُوَ كَمَيْتَتِهِ، لِخَبَرِ: مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ (٢) .

стр. 200

وَمَا قُطِعَ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ وَقَبْل الْمَوْتِ يَحِل تَنَاوُلُهُ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فِي الْجُمْلَةِ. (١) مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - الْكَلاَمُ فِي الإِْبَانَةِ ذُكِرَ فِي مَبْحَثِ النَّجَاسَةِ، وَفِي الْعَوْرَةِ (لَمْسُ الْعُضْوِ الْمُبَانِ وَالنَّظَرُ إِلَيْهِ) وَفِي الدَّفْنِ (٢) ، وَفِي الطَّلاَقِ، وَالْخُلْعِ (٣) ، وَفِي الْجِنَايَاتِ (الْجِنَايَةُ عَلَى الأَْطْرَافِ،) (٤) وَفِي اللِّعَانِ، وَفِي الذَّبَائِحِ (كَيْفِيَّةُ الذَّبْحِ) ، وَفِي الصَّيْدِ (٥) . ابْتِدَاع انْظُرْ: بِدْعَةً.

стр. 201

إِبْدَال التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْبْدَال لُغَةً: جَعْل شَيْءٍ مَكَانَ شَيْءٍ آخَرَ، وَالاِسْتِبْدَال مِثْلُهُ، فَلاَ فَرْقَ عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فِي الْمَعْنَى (١) . وَكَذَلِكَ الأَْمْرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، فَهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ اللَّفْظَيْنِ أَحَدَهُمَا مَكَانَ الآْخَرِ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - الإِْبْدَال أَوِ الاِسْتِبْدَال نَوْعٌ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، الأَْصْل فِيهِ الْجَوَازُ إِذَا كَانَ صَادِرًا مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ، فِيمَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، إِلاَّ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ. (٣) وَقَدْ يَطْرَأُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ مَا يَجْعَل الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ بَيْنَ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَالْوُجُوبِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلاً اخْتِلاَفُهُمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ، كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ غَالِبًا مَا يَمْنَعُونَ إِبْدَال الْوَاجِبِ إِخْرَاجُهُ فِيهِمَا بِالْقِيمَةِ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ عَلَّقَهُ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ، فَلاَ يَجُوزُ

стр. 202

نَقْل ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، بَيْنَمَا يُجِيزُ الْحَنَفِيَّةُ إِبْدَال الْوَاجِبِ إِخْرَاجُهُ فِيهَا بِالْقِيمَةِ، لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى الْمَال، وَهُوَ الْمَالِيَّةُ وَالْقِيمَةُ (١) . ٣ - وَفِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، كَالْبَيْعِ، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِبْدَال الأَْثْمَانِ فَالْحَنَفِيَّةُ يُجِيزُونَ إِبْدَال الأَْثْمَانِ قَبْل الْقَبْضِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَلأَِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَنْفَسِخُ بِهَلاَكِهَا، بِدَلِيل مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ قَال: كُنَّا نَبِيعُ الإِْبِل بِالْبَقِيعِ بِالدَّرَاهِمِ، فَنَأْخُذُ بَدَل الدَّرَاهِمِ الدَّنَانِيرَ، وَنَبِيعُهَا بِالدَّنَانِيرِ فَنَأْخُذُ بَدَلَهَا الدَّرَاهِمَ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: لاَ بَأْسَ إِذَا تَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ (٢) وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ الْعَيْنُ لاَ الدَّيْنُ، بَيْنَمَا يَقُول الشَّافِعِيُّ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُتَعَيِّنًا، نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُ، فَلاَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ جَازَ إِبْدَالُهُ قَبْل الْقَبْضِ. وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ إِبْدَال الثَّمَنِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بَل هُوَ فِي الذِّمَّةِ. وَقَرِيبٌ مِنْ

стр. 203

هَذَا رَأْيُ الْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. أَمَّا الْمَبِيعُ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجُوزُ إِبْدَال الْمَبِيعِ الْمَنْقُول قَبْل قَبْضِهِ. وَفِي الْعَقَارِ خِلاَفٌ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَجُوزُ إِبْدَال الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْل الْقَبْضِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ لِمَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضٍ، أَمَّا مَا يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضٍ فَلاَ يَجُوزُ إِبْدَالُهُ قَبْل الْقَبْضِ. وَالْمَالِكِيَّةُ يُجِيزُونَ التَّصَرُّفَ فِي الْبَيْعِ قَبْل الْقَبْضِ، إِلاَّ طَعَامَ الْمُعَاوَضَةِ. وَكُل مَا مَرَّ إِنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَفِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِيهَا الإِْبْدَال. (١) وَقَدْ يَكُونُ الإِْبْدَال وَاجِبًا، كَمَا إِذَا تَعَيَّبَتِ الدَّابَّةُ، أَوْ بَانَتْ مُسْتَحَقَّةً، فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، فَلاَ تَنْفَسِخُ الإِْجَارَةُ، بَل يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ إِبْدَالُهَا. (٢) وَقَدْ يَكُونُ لِلإِْبْدَال أَحْوَالٌ وَشُرُوطٌ خَاصَّةٌ، كَمَا فِي الْوَقْفِ. (٣) وَهُوَ أَحَدُ الشُّرُوطِ الْعَشَرَةِ الَّتِي اعْتَادَ الْوَاقِفُونَ ذِكْرَهَا فِي حُجَجِ أَوْقَافِهِمْ. وَيَقْرِنُونَ الإِْبْدَال بِالاِسْتِبْدَال، مِمَّا جَعَل الْمُوَثِّقِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا،

стр. 204

فَيُطْلِقُونَ الإِْبْدَال عَلَى جَعْل عَيْنٍ مَكَانَ أُخْرَى، وَالاِسْتِبْدَال عَلَى بَيْعِ عَيْنِ الْوَقْفِ بِالنَّقْدِ. مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٤ - تَأْتِي أَحْكَامُ الإِْبْدَال وَالاِسْتِبْدَال عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي مَسَائِل مُتَعَدِّدَةِ الْمَوَاطِنِ مُفَصَّلَةٍ فِيهَا أَحْكَامُ كُل مَسْأَلَةٍ، جَوَازًا أَوْ مَنْعًا أَوْ إِيجَابًا، وَمِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ وَالأُْضْحِيَّةُ وَالْكَفَّارَةُ وَالْبَيْعُ وَالشُّفْعَةُ وَالإِْجَارَةُ وَالْوَقْفُ وَغَيْرُ ذَلِكَ. إِبْرَاء التَّعْرِيفُ بِالإِْبْرَاءِ: ١ - مِنْ مَعَانِي الإِْبْرَاءِ فِي اللُّغَةِ: التَّنْزِيهُ وَالتَّخْلِيصُ وَالْمُبَاعَدَةُ عَنِ الشَّيْءِ. قَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: بَرِئَ: تَخَلَّصَ وَتَنَزَّهَ وَتَبَاعَدَ، فَالإِْبْرَاءُ عَلَى هَذَا: جَعْل الْمَدِينِ - مَثَلاً - بَرِيئًا مِنَ الدَّيْنِ أَوِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ. وَالتَّبْرِئَةُ: تَصْحِيحُ الْبَرَاءَةِ، وَالْمُبَارَأَةُ: الْمُصَالَحَةُ عَلَى الْفِرَاقِ. وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَهُوَ إِسْقَاطُ الشَّخْصِ حَقًّا لَهُ فِي ذِمَّةِ آخَرَ أَوْ قِبَلَهُ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ وَلاَ تُجَاهَهُ، كَحَقِّ الشُّفْعَةِ وَحَقِّ السُّكْنَى الْمُوصَى بِهِ، فَتَرْكُهُ لاَ يُعْتَبَرُ إِبْرَاءً، بَل هُوَ إِسْقَاطٌ مَحْضٌ. وَقَدِ اخْتِيرَ لَفْظُ (إِسْقَاطٍ) فِي التَّعْرِيفِ - بِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ فِي الإِْبْرَاءِ مَعْنَيَيْنِ، هُمَا الإِْسْقَاطُ

стр. 205

وَالتَّمْلِيكُ - تَغْلِيبًا لأَِحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَخْلُو مِنْ وَجْهِ إِسْقَاطٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي. (١) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْبَرَاءَةُ، وَالْمُبَارَأَةُ، وَالاِسْتِبْرَاءُ: ٢ - (الْبَرَاءَةُ) : هِيَ أَثَرُ الإِْبْرَاءِ، وَهِيَ مَصْدَرُ بَرِئَ. فَهِيَ مُغَايِرَةٌ لَهُ فِي الْفِقْهِ، غَيْرَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ كَمَا تَحْصُل بِالإِْبْرَاءِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِفِعْل الدَّائِنِ، تَحْصُل بِأَسْبَابٍ أُخْرَى غَيْرِهِ، كَالْوَفَاءِ وَالتَّسْلِيمِ مِنَ الْمَدِينِ أَوِ الْكَفِيل، وَتَحْصُل الْبَرَاءَةُ بِالاِشْتِرَاطِ، كَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالتَّبَرُّؤِ أَيْضًا، وَتَفْصِيلُهُ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، وَالْكَفَالَةِ. وَقَدْ تَحْصُل الْبَرَاءَةُ بِإِزَالَةِ سَبَبِ الضَّمَانِ، أَوْ بِمَنْعِ صَاحِبِ التَّضْمِينِ مِنْ إِزَالَتِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ إِنْ أَرَادَ رَدْمَهَا فَمَنَعَهُ الْمَالِكُ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ صِيغَةُ إِبْرَاءٍ (٢) . وَمِمَّا يُؤَكِّدُ التَّبَايُنَ بَيْنَهُمَا مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل مِنْ تَقْيِيدِ الْبَرَاءَةِ بِالإِْبْرَاءِ أَوِ الإِْسْقَاطِ لِتَمْيِيزِهَا عَنِ الْبَرَاءَةِ بِالاِسْتِيفَاءِ. وَفِي ذَلِكَ يَقُول ابْنُ الْهُمَامِ: الْبَرَاءَةُ بِالإِْبْرَاءِ لاَ تَتَحَقَّقُ بِفِعْل الْكَفِيل، بَل بِفِعْل

стр. 206

الطَّالِبِ - أَيْ الدَّائِنِ - فَلاَ تَكُونُ حِينَئِذٍ مُضَافَةً إِلَى الْكَفِيل. وَنَحْوَهُ بَحَثَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي تَلْفِيقِ شَهَادَتَيْ الإِْبْرَاءِ وَالْبَرَاءَةِ، كَأَنْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ أَبْرَأَهُ، وَآخَرُ بِأَنَّهُ بَرِئَ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَرَجَّحُوا جَوَازَهُ وَاعْتِبَارَ الشَّهَادَةِ مُسْتَكْمِلَةَ النِّصَابِ (١) ٣ - أَمَّا (الْمُبَارَأَةُ) فَهِيَ مُفَاعَلَةٌ وَتَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْبَرَاءَةِ (٢) . وَهِيَ فِي الاِصْطِلاَحِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْخُلْعِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَهُوَ بَذْل الْمَرْأَةِ الْعِوَضَ عَلَى طَلاَقِهَا. لَكِنَّهَا تَخْتَصُّ بِإِسْقَاطِ الْمَرْأَةِ عَنِ الزَّوْجِ حَقًّا لَهَا عَلَيْهِ. فَالْمُبَارَأَةُ صُورَةٌ خَاصَّةٌ لِلإِْبْرَاءِ تَقَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لإِِيقَاعِ الزَّوْجِ الطَّلاَقَ - إِجَابَةً لِطَلَبِ الزَّوْجَةِ غَالِبًا - مُقَابِل عِوَضٍ مَالِيٍّ تَبْذُلُهُ لِلزَّوْجِ، هُوَ تَرْكُهَا مَا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقٍ مَالِيَّةٍ، كَالْمَهْرِ الْمُؤَجَّل، أَوِ النَّفَقَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي الْعِدَّةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَسْقُطُ بِهَا أَيُّ حَقٍّ إِلاَّ بِالتَّسْمِيَةِ، خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْقَائِلَيْنِ بِسُقُوطِ جَمِيعِ حُقُوقِهَا الزَّوْجِيَّةِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْطِنُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ (الْخُلْعِ (٣)) . وَلاِبْنِ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ رِسَالَةٌ فِي الطَّلاَقِ الْمُوَقَّعِ فِي مُقَابَلَةِ الإِْبْرَاءِ، حَقَّقَ فِيهَا أَنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا لِوُقُوعِهِ بِعِوَضٍ، وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: مَتَى ظَهَرَ كَذَا وَأَبْرَأْتِنِي مِنْ

стр. 207

مَهْرِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَيْسَ بَائِنًا؛ لأَِنَّهُ جَعَل الطَّلاَقَ مُعَلَّقًا بِالإِْبْرَاءِ، فَالإِْبْرَاءُ شَرْطٌ لِلطَّلاَقِ وَلَيْسَ عِوَضًا (١) . ٤ - وَأَمَّا (الاِسْتِبْرَاءُ) فَهُوَ يَأْتِي بِمَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هُوَ تَعَرُّفُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، أَيْ طَهَارَتُهُ مِنْ مَاءِ الْغَيْرِ. وَهُوَ حَيْثُ لاَ تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ عِدَّةٌ. وَأَحْكَامُهُ مُفَصَّلَةٌ فِي مُصْطَلَحِهِ. وَالْمَعْنَى الآْخَرُ: هُوَ طَلَبُ نَقَاءِ الْمَخْرَجَيْنِ مِمَّا يُنَافِي التَّطَهُّرَ، وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءِ الْحَاجَةِ) . (٢) ب - الإِْسْقَاطُ: ٥ - الإِْسْقَاطُ لُغَةً: الإِْزَالَةُ، وَاصْطِلاَحًا: إِزَالَةُ الْمِلْكِ أَوِ الْحَقِّ لاَ إِلَى مَالِكٍ أَوْ مُسْتَحِقٍّ. وَهُوَ قَدْ يَقَعُ عَلَى حَقٍّ فِي ذِمَّةِ آخَرَ أَوْ قِبَلَهُ، عَلَى سَبِيل الْمَدْيُونِيَّةِ (كَالْحَال فِي الإِْبْرَاءِ) كَمَا قَدْ يَقَعُ عَلَى حَقٍّ ثَابِتٍ بِالشَّرْعِ لَمْ تُشْغَل بِهِ الذِّمَّةُ (كَحَقِّ الشُّفْعَةِ) وَيَكُونُ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ، فَالإِْبْرَاءُ أَخَصُّ مِنَ الإِْسْقَاطِ، فَكُل إِبْرَاءٍ إِسْقَاطٌ، وَلاَ عَكْسَ (٣) . وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ نَوْعٌ مِنَ الإِْسْقَاطِ تَقْسِيمُ الْقَرَافِيِّ الإِْسْقَاطَ إِلَى نَوْعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: بِعِوَضٍ، كَالْخُلْعِ. وَالآْخَرُ: بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَمَثَّل لَهُ بِالإِْبْرَاءِ مِنَ الدُّيُونِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ. (٤)

стр. 208

وَالإِْسْقَاطُ مُتَمَحِّضٌ لِسُقُوطِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، فِي حِينِ أَنَّ الإِْبْرَاءَ مُخْتَلِفٌ فِي أَنَّهُ إِسْقَاطٌ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، أَوْ تَمْلِيكٌ مَحْضٌ، أَوْ إِسْقَاطٌ مَحْضٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. هَذَا وَإِنَّ الْقَلْيُوبِيَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَفَادَ أَنَّ غَيْرَ الْقِصَاصِ لاَ يُسَمَّى تَرْكُهُ إِسْقَاطًا، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ: إِبْرَاءٌ (١) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَأْلُوفِ الْمَذْهَبِ. وَقَدْ يُسْتَعْمَل الإِْبْرَاءُ فِي مَوْطِنِ الإِْسْقَاطِ، كَمَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، فَالإِْبْرَاءُ مِنَ الْعَيْبِ كِنَايَةٌ عَنْ إِسْقَاطِ الْخِيَارِ. ج - الْهِبَةُ: ٦ - الْهِبَةُ لُغَةً: الْعَطِيَّةُ الْخَالِيَةُ عَنِ الأَْعْوَاضِ وَالأَْغْرَاضِ، أَوِ التَّبَرُّعُ بِمَا يَنْفَعُ الْمَوْهُوبَ لَهُ مُطْلَقًا. وَهِيَ شَرْعًا: تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِلاَ عِوَضٍ (٢) . وَالَّذِي يُوَافِقُ الإِْبْرَاءَ مِنَ الْهِبَةِ هُوَ هِبَةُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ، فَهِيَ وَالإِْبْرَاءُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ لاَ يُجِيزُونَ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْجُمْلَةِ فَالإِْبْرَاءُ مُخْتَلِفٌ عَنْ هِبَةِ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ، لِلاِتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الإِْبْرَاءِ بَعْدَ قَبُولِهِ لأَِنَّهُ إِسْقَاطٌ، وَالسَّاقِطُ لاَ يَعُودُ كَمَا تَنُصُّ عَلَى ذَلِكَ الْقَاعِدَةُ الْمَشْهُورَةُ. (٣)

стр. 209

أَمَّا هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ - عَلَى الْخِلاَفِ وَالتَّفْصِيل الَّذِي مَوْطِنُهُ الْهِبَةُ وَالدَّيْنُ - فَلاَ صِلَةَ لَهُ بِالإِْبْرَاءِ. د - الصُّلْحُ: ٧ - الصُّلْحُ لُغَةً: التَّوْفِيقُ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْمُصَالَحَةِ. وَهُوَ شَرْعًا: عَقْدٌ بِهِ يُرْفَعُ النِّزَاعُ وَتُقْطَعُ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْمُتَصَالِحَيْنِ بِتَرَاضِيهِمَا (١) . وَمِنَ الْمُقَرَّرِ فِقْهًا أَنَّ الصُّلْحَ يَكُونُ عَنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ. فَإِذَا كَانَ عَنْ إِقْرَارٍ، وَكَانَتِ الْمُصَالَحَةُ عَلَى إِسْقَاطِ جُزْءٍ مِنَ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَأَدَاءِ الْبَاقِي، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُشْبِهُ الصُّلْحُ الإِْبْرَاءَ؛ لأَِنَّهَا أَخْذٌ لِبَعْضِ الْحَقِّ وَإِبْرَاءٌ عَنْ بَاقِيهِ. أَمَّا إِنْ كَانَ الصُّلْحُ هُنَا عَلَى أَخْذِ بَدَلٍ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ. وَكَذَلِكَ الْحَال إِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ وَتَضَمَّنَ إِسْقَاطَ الْجُزْءِ مِنْ حَقِّهِ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُدَّعِي إِبْرَاءٌ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ، فِي حِينِ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ افْتِدَاءٌ لِلْيَمِينِ وَقَطْعٌ لِلْمُنَازَعَةِ. وَقَدْ جَعَل ابْنُ جُزَيٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ الصُّلْحَ عَلَى نَوْعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِسْقَاطٌ وَإِبْرَاءٌ، وَقَال: هُوَ جَائِزٌ مُطْلَقًا، وَالآْخَرُ: صُلْحٌ عَلَى عِوَضٍ، وَقَال فِيهِ: هُوَ جَائِزٌ إِلاَّ إِنْ أَدَّى إِلَى حَرَامٍ (٢) .

стр. 210

هـ - الإِْقْرَارُ: ٨ - مِنْ مَعَانِي الإِْقْرَارِ فِي اللُّغَةِ: الإِْيقَانُ وَالاِعْتِرَافُ. وَأَمَّا تَعْرِيفُهُ فِي الاِصْطِلاَحِ فَهُوَ: الإِْخْبَارُ بِحَقِّ الْغَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ (١) . وَالإِْقْرَارُ قَدْ يَرِدُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ إِقْرَارًا بِالْبَرَاءَةِ؛ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِمَّا إِبْرَاءُ اسْتِيفَاءٍ، وَإِمَّا إِبْرَاءُ إِسْقَاطٍ كَمَا سَيَأْتِي. وَكُلٌّ مِنَ الإِْقْرَارِ بِالاِسْتِيفَاءِ وَالإِْبْرَاءِ عَلَى إِطْلاَقِهِ يَقْطَعُ النِّزَاعَ وَيَفْصِل الْخُصُومَةَ. فَالْمُرَادُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَلِذَا عُبِّرَ بِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الآْخَرِ وَإِنْ اخْتَلَفَا مَفْهُومًا. (٢) وَدَعْوَى الإِْبْرَاءِ تَتَضَمَّنُ إِقْرَارًا، فَإِذَا قَال: أَبْرَأْتَنِي مِنْ كَذَا، أَوْ: أَبْرِئْنِي، فَهُوَ إِقْرَارٌ وَاعْتِرَافٌ بِشَغْل الذِّمَّةِ وَادِّعَاءٌ لِلإِْسْقَاطِ، وَالأَْصْل عَدَمُهُ. وَعَلَيْهِ بَيِّنَةُ الإِْبْرَاءِ أَوِ الْقَضَاءُ. (٣) و الضَّمَانُ: ٩ - الضَّمَانُ لُغَةً: الْكَفَالَةُ وَالاِلْتِزَامُ بِالشَّيْءِ. وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: الْتِزَامُ حَقٍّ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ أَوْ إِحْضَارُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَالضَّمَانُ عَكْسُ الإِْبْرَاءِ، فَهُوَ يُفِيدُ انْشِغَال الذِّمَّةِ فِي حِينِ يُطْلَقُ الإِْبْرَاءُ عَلَى خُلُوِّهَا، وَلِصِلَةِ الضِّدِّيَّةِ هَذِهِ وَضَعَ الشَّافِعِيَّةُ أَكْثَرَ أَحْكَامِ الإِْبْرَاءِ فِي بَابِ الضَّمَانِ. (٤)

стр. 211

هَذَا وَإِنَّ لِلإِْبْرَاءِ صِلَةً بِالضَّمَانِ، وَهِيَ أَنَّهُ أَحَدُ الأَْسْبَابِ لِسُقُوطِهِ، بَل إِنَّ لَهُ مَدْخَلاً إِلَى أَكْثَرِ الاِلْتِزَامَاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَتَطَرَّقُ لَهُ فِي سُقُوطِهَا؛ لأَِنَّهَا إِمَّا أَنْ تَسْقُطَ بِالْوَفَاءِ - أَيْ الأَْدَاءِ - أَوِ الْمُقَاصَّةِ أَوِ الإِْبْرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (١) ز - الْحَطُّ: ١٠ - الْحَطُّ لُغَةً: الْوَضْعُ، أَوِ الإِْسْقَاطُ (٢) . وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: إِسْقَاطُ بَعْضِ الدَّيْنِ أَوْ كُلِّهِ. فَالْحَطُّ إِبْرَاءٌ مَعْنًى، وَلِذَا قَدْ يُطْلَقُ الْحَطُّ عَلَى الإِْبْرَاءِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِالْكُل أَوِ الْجُزْءِ. وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَال الْحَطِّ لِلإِْبْرَاءِ عَنْ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ، أَمَّا الإِْبْرَاءُ فَهُوَ عَنْ كُلِّهِ (٣) . وَقَدْ جَاءَ فِي كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ تَسْمِيَةُ وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ إِبْرَاءً، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إِبْرَاءٌ جُزْئِيٌّ. وَقَال الْقَاضِي زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: صُلْحُ الْحَطِيطَةِ إِبْرَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لأَِنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يُشْعِرُ بِقَنَاعَةِ الْمُسْتَحِقِّ بِالْقَلِيل عَنِ الْكَثِيرِ. (٤) ح - التَّرْكُ: ١١ - مِنْ مَعَانِي التَّرْكِ فِي اللُّغَةِ: الإِْسْقَاطُ، يُقَال: تَرَكَ حَقَّهُ: إِذَا أَسْقَطَهُ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ (٥) .

стр. 212

وَمِنْ صِلَتِهِ بِالإِْبْرَاءِ مَا جَاءَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ إِنْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ (التَّرْكِ) كَأَنْ يَقُول: تَرَكْتُ الدَّيْنَ، أَوْ: لاَ آخُذُهُ مِنْكَ، فَهِيَ كِنَايَةُ إِبْرَاءٍ. وَلَكِنْ نَقَل الْقَاضِي زَكَرِيَّا الْقَوْل بِأَنَّ ذَلِكَ إِبْرَاءٌ صَرِيحٌ. وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَالْمُقْرِي (١) . وَالتَّرْكُ يُسْتَعْمَل لِلإِْسْقَاطِ عُمُومًا بِحَيْثُ يَحْصُل بِهِ مَا يَحْصُل بِلَفْظِ الإِْسْقَاطِ وَيُعْطَى أَحْكَامَهُ، وَلِذَا أَوْرَدَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي عِدَادِ الأَْلْفَاظِ الَّتِي لاَ يَحْتَاجُ الإِْسْقَاطُ فِيهَا إِلَى قَبُولٍ - كَالإِْبْرَاءِ عِنْدَهُمْ - فِي حِينِ يَحْتَاجُ لَفْظُ الصُّلْحِ إِلَى الْقَبُول (٢) . وَقَدْ يُطْلَقُ التَّرْكُ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنِ اسْتِعْمَال الْحَقِّ دُونَ إِسْقَاطِهِ، كَتَرْكِ الزَّوْجَةِ حَقَّهَا فِي الْقَسْمِ وَمَنْحِهِ لِلزَّوْجَةِ الأُْخْرَى، فَإِنَّ لَهَا الرُّجُوعَ وَطَلَبَ الْقَسْمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَل. وَالْغَالِبُ أَنْ يُسْتَعْمَل لَفْظُ التَّرْكِ فِي الدَّعْوَى، فَالْمُدَّعِي فِي أَشْهَرِ تَعْرِيفَاتِهِ " مَنْ إِذَا تَرَكَ (أَيْ دَعْوَاهُ) تُرِكَ " وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَصْدُرْ دَفْعٌ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِدَعْوَاهُ، فَإِنْ حَصَل لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي التَّرْكُ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِهِ الْكَيْدَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيُلْزَمُ بِالاِسْتِمْرَارِ فِي الدَّعْوَى لِلْفَصْل فِيهَا. وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ هُنَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُدَّعِيًا أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لَهُ فِي كَذَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُ طَلَبُ دَفْعِ التَّعَرُّضِ (٣) .

стр. 213

صِفَةُ الإِْبْرَاءِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : ١٢ - الإِْبْرَاءُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَعْرِضُ لَهُ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْخَمْسَةُ الْمَعْرُوفَةُ: فَيَكُونُ وَاجِبًا إِذَا سَبَقَهُ اسْتِيفَاءٌ؛ لأَِنَّ فِيهِ اعْتِرَافًا بِالْبَرَاءَةِ لِمُسْتَحِقِّهَا، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْعَدْل الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل﴾ (١) وَالْمُؤَكَّدِ بِالْحَدِيثِ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ (٢) وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي بَابِ السَّلَمِ: إِذَا أَحْضَرَ الْمُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَال السَّلَمِ الْحَال لِغَرَضِ الْبَرَاءَةِ أُجْبِرَ الْمُسَلِّمُ عَلَى الْقَبُول أَوِ الإِْبْرَاءِ. فَهَذَا وَاجِبٌ تَخْيِيرِيٌّ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُفْلِسِ فَلَهُ إِجْبَارُ الْغُرَمَاءِ عَلَى أَخْذِ الْعَيْنِ إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمْ، أَوْ إِبْرَائِهِ. (٣) وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا، كَمَا لَوْ جَاءَ ضِمْنَ عَقْدٍ بَاطِلٍ، لأَِنَّ اسْتِبْقَاءَ الْبَاطِل حَرَامٌ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بُطْلاَنِ الإِْبْرَاءِ. وَتَعْرِضُ لَهُ الْكَرَاهَةُ فِيمَا إِذَا أَبْرَأَ وَارِثَهُ أَوْ غَيْرَهُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حَيْثُ أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ، وَمُسْتَنَدُ الْكَرَاهَةِ مَا فِي ذَلِكَ الإِْبْرَاءِ مِنْ تَضْيِيعِ وَرَثَتِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حِينَ هَمَّ بِالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَالِهِ: إِنَّكَ أَنْ

стр. 214

تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (١) . أَمَّا الثُّلُثُ فَقَدْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ. ١٣ - عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْغَالِبَ لَهُ النَّدْبُ، وَلِذَا يَقُول الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: " الإِْبْرَاءُ مَطْلُوبٌ، فَوُسِّعَ فِيهِ، بِخِلاَفِ الضَّمَانِ " (٢) ذَلِكَ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الإِْحْسَانِ؛ لأَِنَّهُ فِي الْغَالِبِ يَتَضَمَّنُ إِسْقَاطَ الْحَقِّ عَنِ الْمُعْسِرِ الَّذِي يُثْقِل الدَّيْنُ كَاهِلَهُ. وَحَتَّى إِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ لِمَنْ لاَ يَعْسُرُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ، فَإِنَّهُ مِمَّا يَزِيدُ الْمَوَدَّةَ بَيْنَ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ، فَلاَ يَخْلُو عَنْ مَعْنَى الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ حِينَ قَامَ بِوَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِ، وَخَبَرُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، حِينَ أَعْسَرَا، حَيْثُ ثَبَتَ حَضُّهُ ﵊ الدَّائِنِينَ عَلَى إِسْقَاطِ كُل الدَّيْنِ أَوْ بَعْضِهِ عَنْهُمْ (٤) .

стр. 215

وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الإِْبْرَاءَ لِلْمُعْسِرِ أَفْضَل مِنَ الْقَرْضِ، وَأَنَّ الْقَرْضَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ أَفْضَل مِنْهُ. (١) وَالإِْبْرَاءُ فِي غَيْرِ الأَْحْوَال الْمُشَارِ إِلَيْهَا هُوَ عَلَى أَصْل الإِْبَاحَةِ الْجَارِيَةِ فِي مُعْظَمِ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَ بِهَا فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا، وَلاَ سِيَّمَا فِي حَالَةِ عَجْزِ الْمُبْرِئِ عَنْ تَحْصِيل حَقِّهِ مِنْ مُنْكِرِهِ؛ لأَِنَّ الإِْحْسَانَ هُنَا غَيْرُ وَارِدٍ، لِفُقْدَانِ مَحَلِّهِ. أَقْسَامُ الإِْبْرَاءِ: ١٤ - يُقَسِّمُ بَعْضُ الْمُؤَلِّفِينَ الإِْبْرَاءَ إِلَى قِسْمَيْنِ: إِبْرَاءُ الإِْسْقَاطِ، وَإِبْرَاءُ الاِسْتِيفَاءِ. وَيَعْتَبِرُونَ الأَْوَّل مِنْهُمَا هُوَ الْجَدِيرُ بِالْبَحْثِ تَحْتَ هَذَا الاِسْمِ، فِي حِينِ أَنَّ الثَّانِيَ (الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الاِعْتِرَافِ بِالْقَبْضِ وَالاِسْتِيفَاءِ لِلْحَقِّ الثَّابِتِ لِشَخْصٍ فِي ذِمَّةِ آخَرَ) هُوَ نَوْعٌ مِنَ الإِْقْرَارِ. وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ هَذَا التَّقْسِيمِ فِي صُورَةِ الإِْبْرَاءِ فِي الْكَفَالَةِ الْوَاقِعِ مِنَ الطَّالِبِ (الدَّائِنِ) إِنْ جَاءَ بِلَفْظِ " بَرِئْتَ إِلَيَّ مِنَ الْمَال " بَرِئَ الْكَفِيل وَالْمَدِينُ كِلاَهُمَا مِنَ الْمُطَالِبِ، وَرَجَعَ الْكَفِيل بِالْمَال عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لأَِنَّهُ بَرَاءَةُ قَبْضٍ وَاسْتِيفَاءٍ، كَأَنَّهُ قَال: دَفَعْتَ إِلَيَّ. أَمَّا إِنْ قَال: بَرِئْتَ مِنَ الْمَال، أَوْ: أَبْرَأْتُكَ، بِدُونِ لَفْظِ (إِلَيَّ) فَلاَ رُجُوعَ لَهُ؛ لأَِنَّهُ إِبْرَاءُ
следующие страницы →