Полный текст (31 949 стр.). Показаны 16731–16770 · переход к 16736.
стр. 16731
النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (١) . وَقَدِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الصَّلاَةِ (٢) . وَلاَ بُدَّ فِي النِّيَّةِ مِنْ تَعْيِينِ الْفَرْضِيَّةِ وَنَوْعِيَّةِ الصَّلاَةِ، هَل هِيَ ظُهْرٌ أَمْ عَصْرٌ؟
وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنِ النِّيَّةِ فِي مُصْطَلَحِ (نِيَّةٌ) .
ب - تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ:
١٧ - وَدَلِيل فَرْضِيَّتِهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ (٣) وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ (٤) وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ يَرْفَعُهُ قَال: مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (٥) стр. 16732
وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل الْكَلاَمِ عَلَى تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ فِي مُصْطَلَحِ (تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ ١٣ ٢١٧) .
ج - الْقِيَامُ لِلْقَادِرِ فِي الْفَرْضِ:
١٨ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (١) ﴾ وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ؟ فَقَال: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (٢) وَقَدْ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ الْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ وَلَوْ بِمُعِينٍ بِأُجْرَةٍ فَاضِلَةٍ عَنْ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ يَعُولُهُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ.
وَيُقَسِّمُ الْمَالِكِيَّةُ رُكْنَ الْقِيَامِ إِلَى رُكْنَيْنِ:
الْقِيَامِ لِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَالْقِيَامِ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ. قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ الْقِيَامُ اسْتِقْلاَلاً، فَلاَ يُجْزِئُ إِيقَاعُ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ فِي الْفَرْضِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ جَالِسًا أَوْ مُنْحَنِيًا، وَلاَ قَائِمًا مُسْتَنِدًا لِعِمَادٍ، بِحَيْثُ لَوْ أُزِيل الْعِمَادُ لَسَقَطَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: شَرْطُهُ نَصْبُ فَقَارِهِ لِلْقَادِرِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَفَ مُنْحَنِيًا أَوْ مَائِلاً بِحَيْثُ لاَ يُسَمَّى قَائِمًا لَمْ يَصِحَّ، وَالاِنْحِنَاءُ стр. 16733
السَّالِبُ لِلاِسْمِ: أَنْ يَصِيرَ إِلَى الرُّكُوعِ أَقْرَب.
قَالُوا: لَوِ اسْتَنَدَ إِلَى شَيْءٍ كَجِدَارٍ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَكَذَا لَوْ تَحَامَل عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَوْ رُفِعَ مَا اسْتَنَدَ إِلَيْهِ لَسَقَطَ؛ لِوُجُودِ اسْمِ الْقِيَامِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَرْفَعُ قَدَمَيْهِ إِنْ شَاءَ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى قَائِمًا بَل مُعَلِّقًا نَفْسَهُ. وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ مُتَّكِئًا عَلَى شَيْءٍ أَوِ الْقِيَامُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ مَيْسُورُهُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: حَدُّ الْقِيَامِ مَا لَمْ يَصِرْ رَاكِعًا، وَرُكْنُهُ الاِنْتِصَابُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى، وَفِيمَا بَعْدَهَا بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ (١) .
وَرُكْنُ الْقِيَامِ خَاصٌّ بِالْفَرْضِ مِنَ الصَّلَوَاتِ دُونَ النَّوَافِل؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَل، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ (٢) وَقَدْ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ تَطَوُّعٌ ف ١٦ (١٢ ١٥٧) وَأَمَّا بَقِيَّةُ تَفْصِيلاَتِ الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ فَتَأْتِي فِي مُصْطَلَحِ (قِيَامٌ) . стр. 16734
د - قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ:
١٩ - وَهِيَ رُكْنٌ فِي كُل رَكْعَةٍ مِنْ كُل صَلاَةٍ فَرْضًا أَوْ نَفْلاً جَهْرِيَّةً كَانَتْ أَوْ سِرِّيَّةً. لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (١) وَفِي رِوَايَةٍ لاَ تُجْزِئُ صَلاَةٌ لاَ يَقْرَأُ الرَّجُل فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (٢) وَلِفِعْلِهِ ﷺ وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٣) .
وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَرْضٌ فِي صَلاَةِ الإِْمَامِ وَالْفَذِّ دُونَ الْمَأْمُومِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بِفَرْضِيَّتِهَا فِي الْجَمِيعِ (٤) .
تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قِرَاءَةٌ) .
هـ - الرُّكُوعُ:
٢٠ - وَقَدِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى رُكْنِيَّتِهِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا (٥) ﴾ . стр. 16735
وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل الْمَسْجِدَ فَدَخَل رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ﵇ ثُمَّ قَال: ارْجِعْ فَصَل، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَل. فَعَل ذَلِكَ ثَلاَثًا.
ثُمَّ قَال: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي. فَقَال: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ. ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِل قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَل ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا (١) . فَدَل عَلَى أَنَّ الأَْفْعَال الْمُسَمَّاةَ فِي الْحَدِيثِ لاَ تَسْقُطُ بِحَالٍ، فَإِنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ لَسَقَطَتْ عَنِ الأَْعْرَابِيِّ لِجَهْلِهِ بِهَا (٢)
وَتَفْصِيل مَبَاحِثِ الرُّكُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (رُكُوعٌ) .
و الاِعْتِدَال:
٢١ - هُوَ الْقِيَامُ مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَهُوَ رُكْنٌ فِي الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ؛ стр. 16736
لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُسِيءِ صَلاَتَهُ ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِل قَائِمًا، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَاوَمَ عَلَيْهِ. لِقَوْل أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ : فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُل فَقَارٍ مَكَانَهُ (١) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي.
وَيَدْخُل فِي رُكْنِ الاِعْتِدَال الرَّفْعُ مِنْهُ لاِسْتِلْزَامِهِ لَهُ، وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بَيْنَهُمَا فَعَدُّوا كُلًّا مِنْهُمَا رُكْنًا. قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَتَبْطُل الصَّلاَةُ بِتَعَمُّدِ تَرْكِ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَأَمَّا إِنْ تَرَكَهُ سَهْوًا فَيَرْجِعُ مُحْدَوْدِبًا حَتَّى يَصِل لِحَالَةِ الرُّكُوعِ ثُمَّ يَرْفَعُ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلاَمِ إِلاَّ الْمَأْمُومَ فَلاَ يَسْجُدُ لِحَمْل الإِْمَامِ لِسَهْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ مُحْدَوْدِبًا وَرَجَعَ قَائِمًا لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ مُرَاعَاةً لِقَوْل ابْنِ حَبِيبٍ: إِنَّ تَارِكَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ سَهْوًا يَرْجِعُ قَائِمًا لاَ مُحْدَوْدِبًا كَتَارِكِ الرُّكُوعِ.
ثُمَّ إِنَّ أَكْثَرَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَفْيِ رُكْنِيَّةِ الاِعْتِدَال، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالُوا: فَيَسْجُدُ لِتَرْكِهِ سَهْوًا، وَتَبْطُل الصَّلاَةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا قَطْعًا؛ لأَِنَّهُ سُنَّةٌ شُهِرَتْ فَرْضِيَّتُهَا.
قَال الدُّسُوقِيُّ: قَال شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَدَوِيُّ - هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ стр. 16737
كَلاَمِ الْحَطَّابِ، وَحَدُّ الاِعْتِدَال عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنْ لاَ يَكُونَ مُنْحَنِيًا، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَا لَمْ يَصِرْ رَاكِعًا، قَالُوا: وَالْكَمَال مِنْهُ الاِسْتِقَامَةُ حَتَّى يَعُودَ كُل عُضْوٍ إِلَى مَحَلِّهِ، وَعَلَى هَذَا فَلاَ يَضُرُّ بَقَاؤُهُ مُنْحَنِيًا يَسِيرًا حَال اعْتِدَالِهِ وَاطْمِئْنَانِهِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ لاَ تُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ قَائِمًا، وَسَبَقَ حَدُّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي رُكْنِ الْقِيَامِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الاِعْتِدَال.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الطُّمَأْنِينَةُ فِي الاِعْتِدَال: أَنْ تَسْتَقِرَّ أَعْضَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ قَبْل رُكُوعِهِ، بِحَيْثُ يَنْفَصِل ارْتِفَاعُهُ عَنْ عَوْدِهِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لاَ يَقْصِدَ غَيْرَ الاِعْتِدَال، فَلَوْ رَفَعَ فَزِعًا مِنْ شَيْءٍ كَحَيَّةٍ لَمْ يُحْسَبْ رَفْعُهُ اعْتِدَالاً لِوُجُودِ الصَّارِفِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لاَ يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ شَيْئًا آخَرَ (١) .
ز - السُّجُودُ:
٢٢ - مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ السُّجُودُ فِي كُل رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ. وَقَدِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا (٢) ﴾ وَلِحَدِيثِ стр. 16738
الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا (١) ، وَحَدَّ الْمَالِكِيَّةُ السُّجُودَ بِأَنَّهُ مَسُّ الأَْرْضِ، أَوْ مَا اتَّصَل بِهَا مِنْ ثَابِتٍ بِالْجَبْهَةِ، فَلاَ يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى نَحْوِ السَّرِيرِ الْمُعَلَّقِ، وَيَتَحَقَّقُ السُّجُودُ عِنْدَهُمْ بِوَضْعِ أَيْسَرِ جُزْءٍ مِنَ الْجَبْهَةِ بِالأَْرْضِ أَوْ مَا اتَّصَل بِهَا، وَيُشْتَرَطُ اسْتِقْرَارُهَا عَلَى مَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، فَلاَ يَصِحُّ عَلَى تِبْنٍ أَوْ قُطْنٍ. وَأَمَّا وَضْعُ الأَْنْفِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، لَكِنْ تُعَادُ الصَّلاَةُ لِتَرْكِهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فِي الظُّهْرَيْنِ لِلاِصْفِرَارِ، وَفِي غَيْرِهِمَا لِلطُّلُوعِ مُرَاعَاةً لِلْقَوْل بِوُجُوبِهِ. وَوَضْعُ بَقِيَّةِ الأَْعْضَاءِ - الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ - فَهُوَ سُنَّةٌ. قَال الدُّسُوقِيُّ. قَال فِي التَّوْضِيحِ:
وَكَوْنُ السُّجُودِ عَلَيْهَا سُنَّةً لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْمَذْهَبِ. غَايَتُهُ أَنَّ ابْنَ الْقَصَّارِ قَال: الَّذِي يَقْوَى فِي نَفْسِي أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الْمَذْهَبِ. وَقِيل:
إِنَّ السُّجُودَ عَلَيْهَا وَاجِبٌ، وَصَرَّحُوا بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ ارْتِفَاعِ الْعَجِيزَةِ عَنِ الرَّأْسِ بَل يُنْدَبُ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّ أَقَل السُّجُودِ يَتَحَقَّقُ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مَكْشُوفَةَ مُصَلاَّهُ؛ لِحَدِيثِ خَبَّابِ بْنِ الأَْرَتِّ قَال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ شِدَّةَ الرَّمْضَاءِ فِي стр. 16739
جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا (١) أَيْ لَمْ يُزِل شَكْوَانَا.
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ كَشْفُ الْجَبْهَةِ لأََرْشَدَهُمْ إِلَى سَتْرِهَا، وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ كَشْفُهَا دُونَ بَقِيَّةِ الأَْعْضَاءِ لِسُهُولَتِهِ فِيهَا دُونَ الْبَقِيَّةِ؛ وَلِحُصُول مَقْصُودِ السُّجُودِ وَهُوَ غَايَةُ التَّوَاضُعِ بِكَشْفِهَا. وَيَجِبُ - أَيْضًا - وَضْعُ جُزْءٍ مِنَ الرُّكْبَتَيْنِ، وَمِنْ بَاطِنِ الْكَفَّيْنِ، وَمِنْ بَاطِنِ الْقَدَمَيْنِ عَلَى مُصَلاَّهُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ (٢) وَلاَ يَجِبُ كَشْفُ هَذِهِ الأَْعْضَاءِ، بَل يُكْرَهُ كَشْفُ الرُّكْبَتَيْنِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ. وَقِيل: يَجِبُ كَشْفُ بَاطِنِ الْكَفَّيْنِ.
ثُمَّ إِنَّ مَحَل وُجُوبِ الْوَضْعِ إِذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ وَضْعُ شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِلاَّ فَيَسْقُطُ الْفَرْضُ، فَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنَ الزَّنْدِ لَمْ يَجِبْ وَضْعُهُ؛ لِفَوْتِ مَحَل الْفَرْضِ. стр. 16740
وَيَجِبُ - أَيْضًا - أَنْ يَنَال مَحَل سُجُودِهِ ثِقَل رَأْسِهِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا سَجَدْتَ فَأَمْكِنْ جَبْهَتَكَ (١) قَالُوا: وَمَعْنَى الثِّقَل أَنْ يَتَحَامَل بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ تَحْتَهُ قُطْنٌ أَوْ حَشِيشٌ لاَنْكَبَسَ وَظَهَرَ أَثَرُهُ فِي يَدِهِ لَوْ فُرِضَتْ تَحْتَ ذَلِكَ، وَلاَ يُشْتَرَطُ التَّحَامُل فِي غَيْرِ الْجَبْهَةِ مِنَ الأَْعْضَاءِ.
وَيَجِبُ كَذَلِكَ أَنْ لاَ يَهْوِيَ لِغَيْرِ السُّجُودِ، فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ مِنَ الاِعْتِدَال وَجَبَ الْعَوْدُ إِلَى الاِعْتِدَال لِيُهْوِيَ مِنْهُ؛ لاِنْتِفَاءِ الْهُوِيِّ فِي السُّقُوطِ. وَإِنْ سَقَطَ مِنَ الْهَوِيِّ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَوْدُ بَل يُحْسَبُ ذَلِكَ سُجُودًا.
وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ - عَجِيزَتُهُ وَمَا حَوْلَهَا - عَلَى أَعَالِيهِ لِخَبَرِ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٢) فَلاَ يَكْتَفِي بِرَفْعِ أَعَالِيهِ عَلَى أَسَافِلِهِ وَلاَ بِتَسَاوِيهِمَا، لِعَدَمِ اسْمِ السُّجُودِ كَمَا لَوْ أَكَبَّ وَمَدَّ رِجْلَيْهِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ لاَ يُمْكِنُهُ السُّجُودُ إِلاَّ كَذَلِكَ فَيَصِحُّ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ السُّجُودُ عَلَى وِسَادَةٍ بِتَنْكِيسٍ لَزِمَهُ؛ لِحُصُول هَيْئَةِ السُّجُودِ بِذَلِكَ، وَلاَ يَلْزَمُهُ بِلاَ تَنْكِيسٍ.
وَإِذَا صَلَّى فِي سَفِينَةٍ مَثَلاً وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ стр. 16741
ارْتِفَاعِ ذَلِكَ لِمَيَلاَنِهَا صَلَّى عَلَى حَالِهِ وَلَزِمَهُ الإِْعَادَةُ؛ لأَِنَّ هَذَا عُذْرٌ نَادِرٌ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الأَْعْضَاءِ السَّبْعَةِ: الْجَبْهَةِ مَعَ الأَْنْفِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ، رُكْنٌ مَعَ الْقُدْرَةِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ (١) .
ثُمَّ إِنَّهُ يُجْزِئُ بَعْضُ كُل عُضْوٍ فِي السُّجُودِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ فِي الْحَدِيثِ الْكُل، وَلَوْ كَانَ سُجُودُهُ عَلَى ظَهْرِ كَفٍّ، وَظَهْرِ قَدَمٍ، وَأَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْنِ، وَلاَ يُجْزِئُهُ إِنْ كَانَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ كَوَضْعِ جَبْهَتِهِ عَلَى يَدَيْهِ؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَدَاخُل أَعْضَاءِ السُّجُودِ.
وَمَتَى عَجَزَ الْمُصَلِّي عَنِ السُّجُودِ بِجَبْهَتِهِ سَقَطَ عَنْهُ لُزُومُ بَاقِي الأَْعْضَاءِ؛ لأَِنَّ الْجَبْهَةَ هِيَ الأَْصْل فِي السُّجُودِ، وَغَيْرُهَا تَبَعٌ لَهَا، فَإِذَا سَقَطَ الأَْصْل سَقَطَ التَّبَعُ، وَدَلِيل التَّبَعِيَّةِ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ стр. 16742
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ، فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا (١) وَبَاقِي الأَْعْضَاءِ مِثْلُهُمَا فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ الْفَارِقِ، وَأَمَّا إِنْ قَدَرَ عَلَى السُّجُودِ بِالْجَبْهَةِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهَا الْبَاقِي مِنَ الأَْعْضَاءِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ السُّجُودُ مَعَ عَدَمِ اسْتِعْلاَءِ الأَْسَافِل إِنْ خَرَجَ عَنْ صِفَةِ السُّجُودِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعَدُّ سَاجِدًا، وَأَمَّا الاِسْتِعْلاَءُ الْيَسِيرُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ - بِأَنْ عَلاَ مَوْضِعُ رَأْسِهِ عَلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ بِلاَ حَاجَةٍ يَسِيرًا - وَيُكْرَهُ الْكَثِيرُ (٢) .
ح - الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ:
٢٣ - مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ أَمِ النَّفْل؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُسِيءِ صَلاَتَهُ: ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا (٣) وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا (٤) . стр. 16743
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ قَبْل هَذَا الرُّكْنِ رُكْنًا آخَرَ وَهُوَ الرَّفْعُ مِنَ السُّجُودِ. وَمَا سَبَقَ مِنْ نَفْيِ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ الاِعْتِدَال مِنَ الرُّكُوعِ يَجْرِي - أَيْضًا - فِي الاِعْتِدَال مِنَ السُّجُودِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِصِحَّةِ صَلاَةِ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ عَنِ الأَْرْضِ حَال الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لاَ يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَ الْجُلُوسِ، كَمَا فِي الرُّكُوعِ. فَلَوْ رَفَعَ فَزَعًا مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَكْفِ، وَيَجِبُ أَنْ يَعُودَ إِلَى السُّجُودِ.
وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، قَالُوا: وَيُشْتَرَطُ فِي نَحْوِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَرَفْعٍ مِنْهُمَا: أَنْ لاَ يَقْصِدَ غَيْرَهُ، فَلَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، أَوْ رَفَعَ خَوْفًا مِنْ شَيْءٍ لَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقْصِدَهُ؛ اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الصَّلاَةِ الْمُسْتَصْحِبِ حُكْمَهَا.
قَال الشَّيْخُ الرَّحِيبَانِيُّ: بَل لاَ بُدَّ مِنْ قَصْدِ ذَلِكَ وُجُوبًا (١) .
ط - الْجُلُوسُ لِلتَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ:
٢٤ - وَهُوَ رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِمُدَاوَمَةِ الرَّسُول ﷺ عَلَيْهِ، وَقَوْلِهِ ﷺ : ﴿ стр. 16744
صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (١) وَلأَِنَّ التَّشَهُّدَ فَرْضٌ وَالْجُلُوسُ لَهُ مَحَلُّهُ فَيَتْبَعُهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّ الرُّكْنَ هُوَ الْجُلُوسُ لِلسَّلاَمِ فَقَطْ. فَالْجُزْءُ الأَْخِيرُ مِنَ الْجُلُوسِ الَّذِي يُوقِعُ فِيهِ السَّلاَمَ فَرْضٌ، وَمَا قَبْلَهُ سُنَّةٌ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَاعْتَدَل جَالِسًا وَسَلَّمَ كَانَ ذَلِكَ الْجُلُوسُ هُوَ الْوَاجِبَ، وَفَاتَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَوْ جَلَسَ ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ كَانَ آتِيًا بِالْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ، وَلَوْ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ اسْتَقَل قَائِمًا وَسَلَّمَ كَانَ آتِيًا بِالسُّنَّةِ تَارِكًا لِلْفَرْضِ (٢) .
ى - التَّشَهُّدُ الأَْخِيرُ:
٢٥ - وَيَقُول بِرُكْنِيَّتِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَقُل: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ (٣) . . .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: ﴿
كُنَّا نَقُول فِي الصَّلاَةِ قَبْل أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ السَّلاَمُ عَلَى جِبْرِيل وَمِيكَائِيل. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ :
لاَ تَقُولُوا هَذَا. فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ، وَلَكِنْ стр. 16745
قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ (١) . . . الْحَدِيثَ، وَقَال عُمَرُ ﵁ لاَ تُجْزِئُ صَلاَةٌ إِلاَّ بِتَشَهُّدٍ.
وَأَقَل التَّشَهُّدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ. سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ. وَهُوَ أَقَلُّهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَيْضًا - بِدُونِ لَفْظِ: " وَبَرَكَاتُهُ ". مَعَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ " وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ " " وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " لاِتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ عَلَى ذَلِكَ.
وَالتَّشَهُّدُ الأَْخِيرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ (٢) .
ك - الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ:
٢٦ - هِيَ رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٣) ﴾ ، وَلِحَدِيثِ: قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَال: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ стр. 16746
حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (١) .
وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْوِتْرِ (٢) . وَقَال: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٣) .
وَأَقَل الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : (اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ) قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَنَحْوُهُ كَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ عَلَى النَّبِيِّ أَوْ عَلَيْهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، فَلَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْل التَّشَهُّدِ لَمْ تُجْزِئْهُ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ يَعُدُّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رُكْنًا مُسْتَقِلًّا، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهَا مِنْ جُمْلَةِ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ (٤) .
ل - السَّلاَمُ:
٢٧ - اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى стр. 16747
رُكْنِيَّتِهِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (١) وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْتِمُ الصَّلاَةَ بِالتَّسْلِيمِ (٢) .
وَلَفْظُهُ الْمُجْزِئُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ " السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ".
قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَلاَ يُجْزِئُ سَلاَمُ اللَّهِ، أَوْ سَلاَمِي، أَوْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، وَلاَ بُدَّ - أَيْضًا - مِنْ تَأَخُّرِ " عَلَيْكُمْ " وَأَنْ يَكُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ تَقَدُّمَ " عَلَيْكُمْ " فَيُجْزِئُ عِنْدَهُمْ " عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ " مَعَ الْكَرَاهَةِ. قَالُوا: وَلاَ يُجْزِئُ السَّلاَمُ عَلَيْهِمْ، وَلاَ تَبْطُل بِهِ الصَّلاَةُ؛ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ لِلْغَائِبِ، وَلاَ عَلَيْكَ وَلاَ عَلَيْكُمَا، وَلاَ سَلاَمِي عَلَيْكُمْ، وَلاَ سَلاَمُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَلاَ تُجْزِئُ - أَيْضًا - سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ صِيغَتَهُ الْمُجْزِئَةَ:
السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَقُل " وَرَحْمَةُ اللَّهِ " فِي غَيْرِ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ. وَقَال: ﴿ стр. 16748
صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَهُوَ سَلاَمٌ فِي صَلاَةِ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ فَلَمْ يُجْزِئْهُ بِدُونِهَا كَالسَّلاَمِ فِي التَّشَهُّدِ. فَإِنْ نَكَّرَ السَّلاَمَ، كَقَوْلِهِ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، أَوْ عَرَّفَهُ بِغَيْرِ اللاَّمِ، كَسَلاَمِي، أَوْ سَلاَمُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أَوْ نَكَّسَهُ فَقَال عَلَيْكُمْ سَلاَمٌ أَوْ عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ، أَوْ قَال: السَّلاَمُ عَلَيْكَ لَمْ يُجْزِئْهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّهُ يُغَيِّرُ السَّلاَمَ الْوَارِدَ، وَيُخِل بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الاِسْتِغْرَاقَ.
وَالْوَاجِبُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: بِوُجُوبِ التَّسْلِيمَتَيْنِ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنْ يَنْوِيَ بِالسَّلاَمِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلاَةِ، فَلاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاَةِ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ؛ وَلأَِنَّ النِّيَّةَ السَّابِقَةَ مُنْسَحِبَةٌ عَلَى جَمِيعِ الصَّلاَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُجَدِّدَ نِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاَةِ بِالسَّلاَمِ لأَِجْل أَنْ يَتَمَيَّزَ عَنْ جِنْسِهِ كَافْتِقَارِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ إِلَيْهَا لِتَمَيُّزِهَا عَنْ غَيْرِهَا، فَلَوْ سَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ، قَال سَنَدٌ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
الثَّانِي: لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُنْدَبُ فَقَطْ؛ لاِنْسِحَابِ النِّيَّةِ الأُْولَى. قَال
стр. 16749
ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ: هُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَلاَمُ ابْنِ عَرَفَةَ يُفِيدُ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ (١) .
م - الطُّمَأْنِينَةُ:
٢٨ - هِيَ: اسْتِقْرَارُ الأَْعْضَاءِ زَمَنًا مَا. قَال الشَّافِعِيَّةُ: أَقَلُّهَا أَنْ تَسْتَقِرَّ الأَْعْضَاءُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: حُصُول السُّكُونِ وَإِنْ قَل. وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَالثَّانِي: بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ. وَفَائِدَةُ الْوَجْهَيْنِ: إِذَا نَسِيَ التَّسْبِيحَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ، أَوِ التَّحْمِيدَ فِي اعْتِدَالِهِ، أَوْ سُؤَال الْمَغْفِرَةِ فِي جُلُوسِهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ لِعُجْمَةٍ أَوْ خَرَسٍ، أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ وَقُلْنَا هُوَ سُنَّةٌ وَاطْمَأَنَّ قَدْرًا لاَ يَتَّسِعُ لَهُ، فَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الأَْوَّل، وَلاَ تَصِحُّ عَلَى الثَّانِي.
وَهِيَ رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَصَحَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَرْضِيَّتَهَا.
وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَلِذَا قَال زَرُّوقٌ: مَنْ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيل: إِنَّهَا فَضِيلَةٌ،
وَدَلِيل رُكْنِيَّةِ الطُّمَأْنِينَةِ حَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ الْمُتَقَدِّمُ. وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلاَ السُّجُودَ فَقَال لَهُ:
مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ стр. 16750
الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا ﷺ (١) وَهِيَ رُكْنٌ فِي جَمِيعِ الأَْرْكَانِ (٢) .
ن - تَرْتِيبُ الأَْرْكَانِ:
٢٩ - لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهَا مُرَتَّبَةً، مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٣) وَعَلَّمَهَا لِلْمُسِيءِ صَلاَتَهُ مُرَتَّبَةً " بِثُمَّ " وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ تَبْطُل بِالْحَدَثِ كَانَ التَّرْتِيبُ فِيهَا رُكْنًا كَغَيْرِهِ. وَالتَّرْتِيبُ وَاجِبٌ فِي الْفَرَائِضِ فِي أَنْفُسِهَا فَقَطْ. وَأَمَّا تَرْتِيبُ السُّنَنِ فِي أَنْفُسِهَا، أَوْ مَعَ الْفَرَائِضِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ (٤) .
أَرْكَانُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
أَرْكَانُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سِتَّةٌ:
أ - الْقِيَامُ:
٣٠ - وَهُوَ رُكْنٌ فِي فَرْضٍ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ، وَيَشْمَل التَّامَّ مِنْهُ وَهُوَ: الاِنْتِصَابُ مَعَ الاِعْتِدَال، وَغَيْرَ التَّامِّ وَهُوَ: الاِنْحِنَاءُ الْقَلِيل بِحَيْثُ لاَ تَنَال يَدَاهُ رُكْبَتَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنَ الْعَاجِزِ عَنْهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَالْعَجْزُ الْحُكْمِيُّ هُوَ: كَمَا لَوْ حَصَل لَهُ بِهِ أَلَمٌ شَدِيدٌ، أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ стр. 16751
أَوْ جُرْحِهِ إِذَا قَامَ، أَوْ يَسْلُسُ بَوْلُهُ، أَوْ يَبْدُو رُبُعُ عَوْرَتِهِ، أَوْ يَضْعُفُ عَنِ الْقِرَاءَةِ أَصْلاً - أَمَّا لَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِرَاءَةِ إِذَا قَامَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْرَأَ مِقْدَارَ قُدْرَتِهِ، وَالْبَاقِي قَاعِدًا، أَوْ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ، فَيَتَحَتَّمُ الْقُعُودُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِل لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ حُكْمًا إِذْ لَوْ قَامَ لَزِمَ فَوْتُ الطَّهَارَةِ أَوِ السَّتْرِ أَوِ الْقِرَاءَةِ أَوِ الصَّوْمِ بِلاَ خُلْفٍ.
ب - الْقِرَاءَةُ:
٣١ - وَيَتَحَقَّقُ رُكْنُ الْقِرَاءَةِ بِقِرَاءَةِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَحَلُّهَا رَكْعَتَانِ فِي الْفَرْضِ وَجَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْل وَالْوِتْرِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ. فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَدَّرَ أَدْنَى الْمَفْرُوضِ بِالآْيَةِ التَّامَّةِ طَوِيلَةً كَانَتْ أَوْ قَصِيرَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (١) ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢) ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٣) ﴾ .
وَفِي رِوَايَةٍ: الْفَرْضُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، بَل هُوَ عَلَى أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاِسْمُ سَوَاءٌ كَانَتْ آيَةً أَوْ مَا دُونَهَا بَعْدَ أَنْ قَرَأَهَا عَلَى قَصْدِ الْقِرَاءَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَدْرُ الْفَرْضِ بِآيَةٍ طَوِيلَةٍ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدَّيْنِ، أَوْ ثَلاَثِ آيَاتٍ قِصَارٍ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ. стр. 16752
وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (١) ﴾ فَهُمَا يَعْتَبِرَانِ الْعُرْفَ، وَيَقُولاَنِ: مُطْلَقُ الْكَلاَمِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْمُتَعَارَفِ، وَأَدْنَى مَا يُسَمَّى الْمَرْءُ بِهِ قَارِئًا فِي الْعُرْفِ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً طَوِيلَةً، أَوْ ثَلاَثَ آيَاتٍ قِصَارٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَحْتَجُّ بِالآْيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ أَمَرَ بِمُطْلَقِ الْقِرَاءَةِ، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ قَصِيرَةٍ قِرَاءَةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَمَرَ بِقِرَاءَةِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَعَسَى أَنْ لاَ يَتَيَسَّرَ إِلاَّ هَذَا الْقَدْرُ.
وَقَدْ أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ لاَ يُحْسِنُ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ يُحْسِنُ لاَ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ يَجُوزُ، وَإِلَى قَوْلِهِمَا رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا جَاءَ فِي ابْنِ عَابِدِينَ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَسَيَأْتِي أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ.
ج - الرُّكُوعُ:
٣٢ - وَأَقَلُّهُ طَأْطَأَةُ الرَّأْسِ مَعَ انْحِنَاءِ الظَّهْرِ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ مَوْضُوعِ اللُّغَةِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا﴾ ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: هُوَ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَيْهِ نَال رُكْبَتَيْهِ.
د - السُّجُودُ:
٣٣ - وَيَتَحَقَّقُ بِوَضْعِ جُزْءٍ مِنْ جَبْهَتِهِ وَإِنْ قَل، وَوَضْعُ أَكْثَرِهَا وَاجِبٌ لِلْمُوَاظَبَةِ، كَمَا стр. 16753
يَجِبُ وَضْعُ الأَْنْفِ مَعَ الْجَبْهَةِ، وَفِي وَضْعِ الْقَدَمَيْنِ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ:
الأُْولَى: فَرْضِيَّةُ وَضْعِهِمَا.
وَالثَّانِيَةُ: فَرْضِيَّةُ إِحْدَاهُمَا. وَالثَّالِثَةُ: عَدَمُ الْفَرْضِيَّةِ: أَيْ أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْمَشْهُورَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ اعْتِمَادُ الْفَرْضِيَّةِ، وَالأَْرْجَحُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيل وَالْقَوَاعِدُ عَدَمُ الْفَرْضِيَّةِ، وَلِذَا قَال فِي الْعِنَايَةِ وَالدُّرَرِ: إِنَّهُ الْحَقُّ، ثُمَّ الأَْوْجَهُ حَمْل عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ.
هـ - الْقَعْدَةُ الأَْخِيرَةُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ:
٣٤ - وَهِيَ مَحَل خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ. فَقَال بَعْضُهُمْ: هِيَ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ. وَقَال بَعْضُهُمْ:
إِنَّهَا وَاجِبَةٌ لاَ فَرْضٌ، لَكِنِ الْوَاجِبُ - هُنَا - فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي الْعَمَل كَالْوِتْرِ. وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ: إِنَّهَا فَرْضٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ بَل هِيَ شَرْطٌ لِلتَّحْلِيل.
و الْخُرُوجُ بِصُنْعِهِ:
٣٥ - أَيْ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي - فِعْلُهُ الاِخْتِيَارِيُّ - بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَالْوَاجِبُ الْخُرُوجُ بِلَفْظِ السَّلاَمِ وَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا الْخُرُوجُ بِغَيْرِهِ كَأَنْ يَضْحَكَ قَهْقَهَةً، أَوْ يُحْدِثَ عَمْدًا، أَوْ يَتَكَلَّمَ، أَوْ يَذْهَبَ، وَاحْتُرِزَ (بِصُنْعِهِ) عَمَّا لَوْ كَانَ سَمَاوِيًّا كَأَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ (١) . стр. 16754
٣٦ - قَال الْحَصْكَفِيُّ شَارِحُ تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ: وَبَقِيَ مِنَ الْفُرُوضِ: تَمْيِيزُ الْمَفْرُوضِ، وَتَرْتِيبُ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ، وَالرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ، وَالْقُعُودِ الأَْخِيرِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَإِتْمَامُ الصَّلاَةِ، وَالاِنْتِقَال مِنْ رُكْنٍ إِلَى آخَرَ، وَمُتَابَعَتُهُ لإِِمَامِهِ فِي الْفُرُوضِ، وَصِحَّةُ صَلاَةِ إِمَامِهِ فِي رَأْيِهِ، وَعَدَمُ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ، وَعَدَمُ مُخَالَفَتِهِ فِي الْجِهَةِ، وَعَدَمُ تَذَكُّرِ فَائِتَةٍ، وَعَدَمُ مُحَاذَاةِ امْرَأَةٍ بِشَرْطِهِمَا، وَتَعْدِيل الأَْرْكَانِ عِنْدَ الثَّانِي (وَهُوَ أَبُو يُوسُفَ) .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ تَمْيِيزِ الْمَفْرُوضِ، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: بِأَنْ يُمَيِّزَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ عَنِ الأُْولَى، بِأَنْ يَرْفَعَ وَلَوْ قَلِيلاً أَوْ يَكُونَ إِلَى الْقُعُودِ أَقْرَب، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّمْيِيزِ تَمْيِيزُ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ عَمَّا لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَرْضِيَّةَ الْخَمْسِ، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا لاَ يُجْزِيهِ.
وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْبَعْضَ فَرْضٌ وَالْبَعْضَ سُنَّةٌ وَنَوَى الْفَرْضَ فِي الْكُل، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَنَوَى صَلاَةَ الإِْمَامِ عِنْدَ اقْتِدَائِهِ فِي الْفَرْضِ جَازَ، وَلَوْ عَلِمَ الْفَرْضَ دُونَ مَا فِيهِ مِنْ فَرَائِض وَسُنَنٍ جَازَتْ صَلاَتُهُ أَيْضًا؛ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَفْرُوضَ مِنْ أَجْزَاءِ كُل صَلاَةٍ، أَيْ كَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ
стр. 16755
فِيهَا فَرْضٌ وَأَنَّ التَّسْبِيحَ سُنَّةٌ وَهَكَذَا. وَالْمُرَادُ بِتَرْتِيبِ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ، وَالرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ، وَالْقُعُودِ الأَْخِيرِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ رَكَعَ ثُمَّ قَامَ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ الرُّكُوعُ، فَإِنْ رَكَعَ ثَانِيًا صَحَّتْ صَلاَتُهُ؛ لِوُجُودِ التَّرْتِيبِ الْمَفْرُوضِ، وَلَزِمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ لِتَقْدِيمِهِ الرُّكُوعَ الْمَفْرُوضَ، وَكَذَا تَقْدِيمُ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ، وَأَمَّا الْقُعُودُ الأَْخِيرُ فَيُفْتَرَضُ إِيقَاعُهُ بَعْدَ جَمِيعِ الأَْرْكَانِ، حَتَّى لَوْ تَذَكَّرَ بَعْدَهُ سَجْدَةً صُلْبِيَّةً سَجَدَهَا وَأَعَادَ الْقُعُودَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ تَذَكَّرَ رُكُوعًا قَضَاهُ مَعَ مَا بَعْدَهُ مِنَ السُّجُودِ، أَوْ قِيَامًا أَوْ قِرَاءَةً صَلَّى رَكْعَةً.
٣٧ - وَمِنَ الْفَرَائِضِ - أَيْضًا - إِتْمَامُ الصَّلاَةِ، وَالاِنْتِقَال مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ؛ لأَِنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلصَّلاَةِ يُوجِبُ ذَلِكَ، إِذْ لاَ وُجُودَ لِلصَّلاَةِ بِدُونِ إِتْمَامِهَا وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي الأَْمْرَيْنِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالإِْتْمَامِ عَدَمُ الْقَطْعِ. وَبِالاِنْتِقَال الاِنْتِقَال عَنَ الرُّكْنِ لِلإِْتْيَانِ بِرُكْنٍ بَعْدَهُ إِذْ لاَ يَتَحَقَّقُ مَا بَعْدَهُ إِلاَّ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الاِنْتِقَال مِنْ رُكْنٍ إِلَى آخَرَ بِلاَ فَاصِلٍ بَيْنَهُمَا فَوَاجِبٌ حَتَّى لَوْ رَكَعَ ثُمَّ رَكَعَ يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْتَقِل مِنَ الْفَرْضِ وَهُوَ الرُّكُوعُ إِلَى السُّجُودِ، بَل
стр. 16756
أَدْخَل بَيْنَهُمَا أَجْنَبِيًّا، وَهُوَ الرُّكُوعُ الثَّانِي.
وَالنِّيَّةُ عِنْدَهُمْ شَرْطٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (نِيَّة) .
وَكَذَا تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ، فَهِيَ عِنْدَهُمْ شَرْطٌ فِي الصَّلاَةِ عُمُومًا غَيْرَ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، أَمَّا فِي الْجِنَازَةِ فَهِيَ رُكْنٌ اتِّفَاقًا (١) . تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ) ف ٣ (١٣ ٢١٨) .
وَاجِبَاتُ الصَّلاَةِ:
قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَمْ يَقُل بِوَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ سِوَى الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ، وَ وَاجِبَاتُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَخْتَلِفُ عَنْ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
أ - وَاجِبَاتُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
٣٨ - قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ. وَهِيَ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ لِثُبُوتِهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الزَّائِدِ عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (٢) ﴾ وَالزِّيَادَةُ وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَجُوزُ لَكِنْ يَجِبُ الْعَمَل بِهَا.
وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ قَالُوا بِوُجُوبِهَا. وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ стр. 16757
مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ (١) وَلَوْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ رُكْنًا لَعَلَّمَهُ إِيَّاهَا لِجَهْلِهِ بِالأَْحْكَامِ وَحَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (٢) مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ.
ثُمَّ إِنَّ كُل آيَةٍ مِنْهَا وَاجِبَةٌ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بِتَرْكِهَا. وَهَذَا عَلَى قَوْل الإِْمَامِ الْقَائِل إِنَّهَا وَاجِبَةٌ بِتَمَامِهَا، وَأَمَّا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ: فَالْوَاجِبُ أَكْثَرُهَا، فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بِتَرْكِ أَكْثَرِهَا لاَ أَقَلِّهَا. قَال الْحَصْكَفِيُّ: وَهُوَ - أَيْ قَوْل الإِْمَامِ - أَوْلَى، وَعَلَيْهِ فَكُل آيَةٍ وَاجِبَةٌ.
٣٩ - ضَمُّ أَقْصَرِ سُورَةٍ إِلَى الْفَاتِحَةِ - كَسُورَةِ الْكَوْثَرِ - أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ ثَلاَثِ آيَاتٍ قِصَارٍ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٣) ﴾ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ تَعْدِل ثَلاَثَ آيَاتٍ قِصَارٍ، وَقَدَّرُوهَا بِثَلاَثِينَ حَرْفًا.
وَمَحَل هَذَا الضَّمِّ فِي الأُْولَيَيْنِ مِنَ الْفَرْضِ، وَجَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْل وَالْوِتْرِ.
٤٠ - وَيَجِبُ تَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ فِي الأُْولَيَيْنِ عَيْنًا стр. 16758
مِنَ الْفَرْضِ مِنَ الثُّلاَثِيَّةِ وَالرُّبَاعِيَّةِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُتُونُ، وَهُوَ الْمُصَحَّحُ. وَقِيل: إِنَّ مَحَل الْقِرَاءَةِ رَكْعَتَانِ مِنَ الْفَرْضِ غَيْرُ عَيْنٍ، وَكَوْنُهُمَا فِي الأُْولَيَيْنِ أَفْضَل. وَثَمَرَةُ الْخِلاَفِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ إِذَا تَرَكَهَا فِي الأُْولَيَيْنِ أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا سَهْوًا لِتَأْخِيرِ الْوَاجِبِ سَهْوًا عَنْ مَحَلِّهِ، وَعَلَى الْقَوْل بِالسُّنِّيَّةِ لاَ يَجِبُ.
٤١ - وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْفَاتِحَةِ عَلَى كُل السُّورَةِ، حَتَّى قَالُوا: لَوْ قَرَأَ حَرْفًا مِنَ السُّورَةِ سَاهِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ السُّورَةَ وَيَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ، وَقَيَّدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنْ يَكُونَ مِقْدَارَ مَا يَتَأَدَّى بِهِ رُكْنٌ. وَهُوَ مَا مَال إِلَيْهِ ابْنُ عَابِدِينَ قَال: لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ تَأْخِيرُ الاِبْتِدَاءِ بِالْفَاتِحَةِ، وَالتَّأْخِيرُ الْيَسِيرُ وَهُوَ مَا دُونَ رُكْنٍ مَعْفُوٍّ عَنْهُ.
وَكَذَا يَجِبُ تَرْكُ تَكْرِيرِهَا قَبْل سُورَةِ الأُْولَيَيْنِ، فَلَوْ قَرَأَهَا فِي رَكْعَةٍ مِنَ الأُْولَيَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَجَبَ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِتَأْخِيرِ الْوَاجِبِ وَهُوَ السُّورَةُ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَرَأَ أَكْثَرَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا. أَمَّا لَوْ قَرَأَهَا قَبْل السُّورَةِ مَرَّةً وَبَعْدَهَا مَرَّةً فَلاَ تَجِبُ؛ لِعَدَمِ التَّأْخِيرِ؛ لأَِنَّ الرُّكُوعَ لَيْسَ وَاجِبًا بِإِثْرِ السُّورَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ سُوَرٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
стр. 16759
وَلاَ يَجِبُ تَرْكُ التَّكْرَارِ فِي الأُْخْرَيَيْنِ؛ لأَِنَّ الاِقْتِصَارَ عَلَى مَرَّةٍ فِي الأُْخْرَيَيْنِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ حَتَّى لاَ يَلْزَمَهُ - سُجُودُ السَّهْوِ بِتَكْرَارِ الْفَاتِحَةِ فِيهَا سَهْوًا، وَلَوْ تَعَمَّدَهُ لاَ يُكْرَهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى التَّطْوِيل عَلَى الْجَمَاعَةِ، أَوْ إِطَالَةِ الرَّكْعَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا.
٤٢ - رِعَايَةُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَفِيمَا يَتَكَرَّرُ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ وَاجِبًا: أَنَّهُ لَوْ رَكَعَ قَبْل الْقِرَاءَةِ صَحَّ رُكُوعُ هَذِهِ الرَّكْعَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الرُّكُوعِ أَنْ يَكُونَ مُتَرَتِّبًا عَلَى قِرَاءَةٍ فِي كُل رَكْعَةٍ، بِخِلاَفِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَثَلاً فَإِنَّهُ فَرْضٌ حَتَّى لَوْ سَجَدَ قَبْل الرُّكُوعِ لَمْ يَصِحَّ سُجُودُ هَذِهِ الرَّكْعَةِ؛ لأَِنَّ أَصْل السُّجُودِ يُشْتَرَطُ تَرَتُّبُهُ عَلَى الرُّكُوعِ فِي كُل رَكْعَةٍ كَتَرَتُّبِ الرُّكُوعِ عَلَى الْقِيَامِ كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْقِرَاءَةَ لَمْ تُفْرَضْ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ الْفَرْضِ بَل فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهُ بِلاَ تَعْيِينٍ. أَمَّا الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَإِنَّهَا مُعَيَّنَةٌ فِي كُل رَكْعَةٍ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِيمَا يَتَكَرَّرُ: السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ كُل رَكْعَةٍ وَعَدَدُ الرَّكَعَاتِ. أَمَّا السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ كُل رَكْعَةٍ: فَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا بَعْدَهَا وَاجِبٌ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا فِيمَا بَعْدَهَا مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا، وَلاَ يَقْضِي مَا فَعَلَهُ قَبْل قَضَائِهَا مِمَّا هُوَ بَعْدَ رَكْعَتِهَا مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ
стр. 16760
سُجُودٍ، بَل يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ فَقَطْ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي لُزُومِ قَضَاءِ مَا إِذَا تَذَكَّرَهَا فَقَضَاهَا فِيهِ، كَمَا لَوْ تَذَكَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّهُ يَسْجُدُهَا، وَهَل يُعِيدُ الرُّكُوعَ أَوِ السُّجُودَ الْمُتَذَكَّرَ فِيهِ؟ .
فَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لاَ تَجِبُ إِعَادَتُهُ بَل تُسْتَحَبُّ مُعَلِّلاً بِأَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِفَرْضٍ بَيْنَ مَا يَتَكَرَّرُ مِنَ الأَْفْعَال، وَفِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ يُعِيدُهُ وَإِلاَّ فَسَدَتْ صَلاَتُهُ؛ مُعَلِّلاً بِأَنَّهُ ارْتُفِضَ بِالْعَوْدِ إِلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الأَْرْكَانِ، لأَِنَّهُ قَبْل الرَّفْعِ مِنْهُ يَقْبَل الرَّفْضَ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ تَذَكَّرَ السَّجْدَةَ بَعْدَمَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ؛ لأَِنَّهُ بَعْدَمَا تَمَّ بِالرَّفْعِ لاَ يَقْبَل الرَّفْضَ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْهِدَايَةِ، وَلَوْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنَ الرَّكْعَةِ الأُْولَى قَضَاهَا وَلَوْ بَعْدَ السَّلاَمِ قَبْل إِتْيَانِهِ بِمُفْسِدٍ، لَكِنَّهُ يَتَشَهَّدُ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ؛ لِبُطْلاَنِ التَّشَهُّدِ وَالْقَعْدَةِ الأَْخِيرَةِ بِالْعَوْدِ إِلَى السَّجْدَةِ؛ لاِشْتِرَاطِهَا التَّرْتِيبَ، وَالتَّقْيِيدُ بِالتَّرْتِيبِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا بَعْدَهَا لِلاِحْتِرَازِ عَمَّا قَبْلَهَا مِنْ رَكْعَتِهَا، فَإِنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنْ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَرْطٌ.
وَأَمَّا الرَّكَعَاتُ فَإِنَّ التَّرْتِيبَ فِيهَا وَاجِبٌ إِلاَّ لِضَرُورَةِ الاِقْتِدَاءِ حَيْثُ يَسْقُطُ بِهِ التَّرْتِيبُ، فَإِنَّ الْمَسْبُوقَ يُصَلِّي آخِرَ الرَّكَعَاتِ قَبْل أَوَّلِهَا.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَإِنْ قُلْتَ وُجُوبُ
стр. 16761
الشَّيْءِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا أَمْكَنَ ضِدُّهُ، وَعَدَمُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ كُل رَكْعَةٍ أَتَى بِهَا أَوَّلاً فَهِيَ الأُْولَى، وَثَانِيًا فَهِيَ الثَّانِيَةُ وَهَكَذَا. فَإِنَّهُ يُمْكِنُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ مِنَ الأُْمُورِ الاِعْتِبَارِيَّةِ الَّتِي يُبْتَنَى عَلَيْهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ إِذَا وُجِدَ مَعَهَا مَا يَقْتَضِيهَا، فَإِذَا صَلَّى مِنَ الْفَرْضِ الرُّبَاعِيِّ رَكْعَتَيْنِ، وَقَصَدَ أَنْ يَجْعَلَهُمَا الأَْخِيرَتَيْنِ فَهُوَ لَغْوٌ، إِلاَّ إِذَا حَقَّقَ قَصْدَهُ بِأَنْ تَرَكَ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ، وَقَرَأَ فِيمَا بَعْدَهُمَا فَحِينَئِذٍ يُبْتَنَى عَلَيْهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ وَهِيَ وُجُوبُ الإِْعَادَةِ وَالإِْثْمِ؛ لِوُجُودِ مَا يَقْتَضِي تِلْكَ الأَْحْكَامَ وَلِهَذَا اعْتَبَرَ الشَّارِعُ صَلاَةَ الْمَسْبُوقِ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ مِنْ حَيْثُ الأَْقْوَال، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ عَكْسَ التَّرْتِيبِ بِأَنْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَفْعَل مَا يُبْتَنَى عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَةٍ وَجَهْرٍ.
كَذَلِكَ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالتَّرْتِيبِ بِأَنْ يَفْعَل مَا يَقْتَضِيَهُ بِأَنْ يَقْرَأَ أَوَّلاً وَيَجْهَرَ أَوْ يُسِرَّ، وَإِذَا خَالَفَ يَكُونُ قَدْ عَكَسَ التَّرْتِيبَ حُكْمًا.
تَعْدِيل الأَْرْكَانِ:
٤٣ - وَهُوَ: تَسْكِينُ الْجَوَارِحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، وَأَدْنَاهُ قَدْرُ تَسْبِيحَةٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ شُرِعَ لِتَكْمِيل رُكْنٍ فَيَكُونُ وَاجِبًا كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ. وَفِي تَخْرِيجِ الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهُ سُنَّةٌ لأَِنَّهُ شُرِعَ لِتَكْمِيل الأَْرْكَانِ وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ
стр. 16762
لِذَاتِهِ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ فَرْضٌ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ أَخَفَّ الصَّلاَةَ: صَل فَإِنَّكَ لَمْ تُصَل (١) وَقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ: إِنَّهَا لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ : فَيَغْسِل وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهَ وَيَحْمَدَهُ، ثُمَّ يَقْرَأَ مِنَ الْقُرْآنِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَتَيَسَّرَ، ثُمَّ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَرْكَعَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَقُول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ. قَال:
ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْجُدَ فَيُمَكِّنَ وَجْهَهُ - أَوْ جَبْهَتَهُ - مِنَ الأَْرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدِهِ، وَيُقِيمَ صُلْبَهُ فَوَصْفُ الصَّلاَةِ هَكَذَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ حَتَّى تَفْرُغَ لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَل ذَلِكَ (٢) .
وَاسْتَدَل عَلَى الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَ: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا (٣) ﴾ حَيْثُ أَمَرَ بِالرُّكُوعِ، وَهُوَ: الاِنْحِنَاءُ لُغَةً، وَبِالسُّجُودِ، وَهُوَ: стр. 16763
الاِنْخِفَاضُ لُغَةً، فَتَتَعَلَّقُ الرُّكْنِيَّةُ بِالأَْدْنَى مِنْهُمَا.
وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ سَمَّاهُ صَلاَةً. فَقَال لَهُ: إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُكَ، وَإِنِ انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا انْتَقَصْتَ مِنْ صَلاَتِكَ (١) وَلاَ حُجَّةَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي - أَيْضًا - لأَِنَّ فِيهِ وَضْعَ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَالثَّنَاءَ وَالتَّسْمِيعَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الأَْشْيَاءُ فَرْضًا بِالإِْجْمَاعِ.
وَكَذَا تَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَكَذَا نَفْسُ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ حَتَّى قَال: إِنَّهُ الصَّوَابُ؛ لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلِلأَْمْرِ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ، وَلِمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ مِنْ لُزُومِ سُجُودِ السَّهْوِ بِتَرْكِ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ سَاهِيًا.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْحَاصِل أَنَّ الأَْصَحَّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً وُجُوبُ تَعْدِيل الأَْرْكَانِ، وَأَمَّا الْقَوْمَةُ وَالْجِلْسَةُ وَتَعْدِيلُهَا فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ السُّنِّيَّةُ، وَرُوِيَ وُجُوبُهَا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلأَْدِلَّةِ وَعَلَيْهِ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ بِفَرْضِيَّةِ الْكُل، стр. 16764
وَاخْتَارَهُ فِي الْمَجْمَعِ وَالْعَيْنِيُّ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلاَثَةِ. وَقَال فِي الْفَيْضِ: إِنَّهُ الأَْحْوَطُ.
٤٤ - الْقُعُودُ الأَْوَّل: يَجِبُ الْقُعُودُ الأَْوَّل قَدْرَ التَّشَهُّدِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي ذَوَاتِ الأَْرْبَعِ وَالثَّلاَثِ، وَلَوْ فِي النَّفْل فِي الأَْصَحِّ خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ فِي افْتِرَاضِهِ قَعْدَةَ كُل شَفْعٍ نَفْلاً، وَلِلطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ أَنَّهَا فِي غَيْرِ النَّفْل سُنَّةٌ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قَال فِي الْبَدَائِعِ:
وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ اسْمَ السُّنَّةِ، إِمَّا لأَِنَّ وُجُوبَهُ عُرِفَ بِهَا، أَوْ لأَِنَّ الْمُؤَكَّدَةَ فِي مَعْنَى الْوَاجِبِ، وَهَذَا يَقْتَضِي رَفْعَ الْخِلاَفِ.
٤٥ - التَّشَهُّدَانِ: أَيْ تَشَهُّدُ الْقَعْدَةِ الأُْولَى وَتَشَهُّدُ الأَْخِيرَةِ، وَيَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِ بَعْضِهِ؛ لأَِنَّهُ ذِكْرٌ وَاحِدٌ مَنْظُومٌ فَتَرْكُ بَعْضِهِ كَتَرْكِ كُلِّهِ، وَأَفْضَل صِيَغِ التَّشَهُّدِ هِيَ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَتَأْتِي فِي سُنَنِ الصَّلاَةِ.
٤٦ - السَّلاَمُ: وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِهِ وَعَدَمِ فَرْضِيَّتِهِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ ﵊ قَال لَهُ حِينَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ: إِذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ قَضَيْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلاَتَكَ (١) . стр. 16765
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَحْدَث الرَّجُل وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلاَتُهُ (١) .
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: إِذَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ أَحْدَث فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِير، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (٢) فَإِنَّهُ إِنْ صَحَّ لاَ يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ. ثُمَّ إِنَّهُ يَجِبُ مَرَّتَيْنِ، وَالْوَاجِبُ مِنْهُ لَفْظُ " السَّلاَمُ " فَقَطْ دُونَ " عَلَيْكُمْ ".
٤٧ - إِتْيَانُ كُل فَرْضٍ أَوْ وَاجِبٍ فِي مَحَلِّهِ، فَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْ مَحَلِّهِ سَهْوًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَمِثَال تَأْخِيرِ الْفَرْضِ: مَا لَوْ أَتَمَّ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ مَكَثَ مُتَفَكِّرًا سَهْوًا ثُمَّ رَكَعَ.
وَمِثَال تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ: مَا لَوْ تَذَكَّرَ السُّورَةَ стр. 16766
وَهُوَ رَاكِعٌ فَضَمَّهَا قَائِمًا وَأَعَادَ الرُّكُوعَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَكَذَا يَجِبُ تَرْكُ تَكْرِيرِ الرُّكُوعِ وَتَثْلِيثِ السُّجُودِ - لأَِنَّ فِي زِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ، لأَِنَّ الْوَاجِبَ فِي كُل رَكْعَةٍ رُكُوعٌ وَاحِدٌ وَسَجْدَتَانِ فَقَطْ، فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَيْضًا تَرْكُ وَاجِبٍ آخَرَ، وَهُوَ إِتْيَانُ الْفَرْضِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لأَِنَّ تَكْرِيرَ الرُّكُوعِ فِيهِ تَأْخِيرُ السُّجُودِ عَنْ مَحَلِّهِ وَتَثْلِيثُ السُّجُودِ فِيهِ تَأْخِيرُ الْقِيَامِ أَوِ الْقَعْدَةِ، وَكَذَا الْقَعْدَةُ فِي آخِرِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى أَوِ الثَّالِثَةِ فَيَجِبُ تَرْكُهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهَا - أَيْضًا - تَأْخِيرُ الْقِيَامِ إِلَى الثَّانِيَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ عَنْ مَحَلِّهِ.
وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْقَعْدَةُ طَوِيلَةً، أَمَّا الْجِلْسَةُ الْخَفِيفَةُ الَّتِي اسْتَحَبَّهَا الشَّافِعِيَّةُ فَتَرْكُهَا غَيْرُ وَاجِبٍ، بَل هُوَ الأَْفْضَل.
وَهَكَذَا كُل زِيَادَةٍ بَيْنَ فَرْضَيْنِ أَوْ بَيْنَ فَرْضٍ وَوَاجِبٍ يَكُونُ فِيهَا تَرْكُ وَاجِبٍ بِسَبَبِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهَا تَرْكُ وَاجِبٍ آخَرَ، وَهُوَ تَأْخِيرُ الْفَرْضِ الثَّانِي عَنْ مَحَلِّهِ. وَيَدْخُل فِي الزِّيَادَةِ السُّكُوتُ، حَتَّى لَوْ شَكَّ فَتَفَكَّرَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ تَرْكَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَاجِبٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ إِتْيَانُ كُل وَاجِبٍ أَوْ فَرْضٍ فِي مَحَلِّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْوَاجِبَ
стр. 16767
لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِتَرْكِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، فَكَانَ تَرْكُهَا وَاجِبًا لِغَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الإِْخْلاَل بِهَذَا الْوَاجِبِ الإِْخْلاَل بِذَاكَ الْوَاجِبِ فَهُوَ نَظِيرُ عَدِّهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ الاِنْتِقَال مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ فَإِنَّهُ فَرْضٌ لِغَيْرِهِ.
وَبَقِيَ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ: قِرَاءَةُ قُنُوتِ الْوِتْرِ، وَتَكْبِيرَاتُ الْعِيدَيْنِ، وَالْجَهْرُ وَالإِْسْرَارُ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَيُسَرُّ (١) .
وَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.
ب - وَاجِبَاتُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ:
٤٨ - تَكْبِيرَاتُ الاِنْتِقَال فِي مَحَلِّهَا: وَمَحَلُّهَا مَا بَيْنَ بَدْءِ الاِنْتِقَال وَانْتِهَائِهِ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: فَإِذَا كَبَّرَ يَعْنِي الإِْمَامَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا. . .، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا (٢) وَهَذَا أَمْرٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَوْ شَرَعَ الْمُصَلِّي فِي التَّكْبِيرِ قَبْل انْتِقَالِهِ كَأَنْ يُكَبِّرَ لِلرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ قَبْل هُوِيِّهِ إِلَيْهِ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَ انْتِهَائِهِ بِأَنْ كَبَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ وَهُوَ سَاجِدٌ بَعْدَ انْتِهَاءِ هُوِيِّهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ التَّكْبِيرُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ стр. 16768
يَأْتِ بِهِ فِي مَحَلِّهِ.
وَإِنْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَهُ أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ فَوَقَعَ بَعْضُهُ خَارِجًا مِنْهُ فَهُوَ كَتَرْكِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُكْمِلْهُ فِي مَحَلِّهِ فَأَشْبَهَ مَنْ تَعَمَّدَ قِرَاءَتَهُ رَاكِعًا أَوْ أَخَذَ فِي التَّشَهُّدِ قَبْل قُعُودِهِ.
قَال الْبُهُوتِيُّ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ التَّحَرُّزَ يَعْسُرُ، وَالسَّهْوُ بِهِ يَكْثُرُ فَفِي الإِْبْطَال بِهِ وَالسُّجُودِ لَهُ مَشَقَّةٌ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَةُ رُكُوعِ مَسْبُوقٍ أَدْرَكَ إِمَامَهُ رَاكِعًا، فَكَبَّرَ لِلإِْحْرَامِ ثُمَّ رَكَعَ مَعَهُ فَإِنَّ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ رُكْنٌ، وَتَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ هُنَا سُنَّةٌ لِلاِجْتِزَاءِ عَنْهَا بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ. قَالُوا: وَإِنْ نَوَى تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلاَتُهُ.
٤٩ - التَّسْمِيعُ: وَهُوَ قَوْل: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ، وَهُوَ وَاجِبٌ لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ دُونَ الْمَأْمُومِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُول ذَلِكَ (١) . ﴿
وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِبُرَيْدَةَ يَا بُرَيْدَةُ، إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَقُل: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (٢) وَيَجِبُ أَنْ стр. 16769
يَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّبَةً، فَلَوْ قَال: مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنَّهُ يَحْمَدُ فَقَطْ فِي حَال رَفْعِهِ مِنَ الرُّكُوعِ وَلاَ يُسْمِعْ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا قَال يَعْنِي الإِْمَامَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (١) . ٥٠ - التَّحْمِيدُ: وَهُوَ قَوْل: " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ. لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَيُجْزِئُهُ أَنْ يَقُول: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ بِلاَ وَاوٍ. وَبِالْوَاوِ أَفْضَل، كَمَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَقُول: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ " بِلاَ وَاوٍ. وَأَفْضَل مِنْهُ مَعَ الْوَاوِ، فَيَقُول: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ".
٥١ - التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ: وَهُوَ قَوْل: " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ " وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَقُول فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ. وَفِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَْعْلَى (٢) . стр. 16770
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَال النَّبِيُّ ﷺ : اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ. فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى﴾ قَال: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ (١) .
٥٢ - التَّسْبِيحُ فِي السُّجُودِ: وَهُوَ قَوْل: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى "، وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
٥٣ - قَوْل: " رَبِّ اغْفِرْ لِي " فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: وَهُوَ وَاجِبٌ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُول بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي (٢) قَالُوا: وَإِنْ قَال: " رَبِّ اغْفِرْ لَنَا " أَوِ " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا " فَلاَ بَأْسَ. следующие страницы →