Полный текст (31 949 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
هَذَا وَإِنَّ لِلإِْبْرَاءِ صِلَةً بِالضَّمَانِ، وَهِيَ أَنَّهُ أَحَدُ الأَْسْبَابِ لِسُقُوطِهِ، بَل إِنَّ لَهُ مَدْخَلاً إِلَى أَكْثَرِ الاِلْتِزَامَاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَتَطَرَّقُ لَهُ فِي سُقُوطِهَا؛ لأَِنَّهَا إِمَّا أَنْ تَسْقُطَ بِالْوَفَاءِ - أَيْ الأَْدَاءِ - أَوِ الْمُقَاصَّةِ أَوِ الإِْبْرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (١)
ز - الْحَطُّ:
١٠ - الْحَطُّ لُغَةً: الْوَضْعُ، أَوِ الإِْسْقَاطُ (٢) . وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: إِسْقَاطُ بَعْضِ الدَّيْنِ أَوْ كُلِّهِ. فَالْحَطُّ إِبْرَاءٌ مَعْنًى، وَلِذَا قَدْ يُطْلَقُ الْحَطُّ عَلَى الإِْبْرَاءِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِالْكُل أَوِ الْجُزْءِ. وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَال الْحَطِّ لِلإِْبْرَاءِ عَنْ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ، أَمَّا الإِْبْرَاءُ فَهُوَ عَنْ كُلِّهِ (٣) .
وَقَدْ جَاءَ فِي كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ تَسْمِيَةُ وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ إِبْرَاءً، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إِبْرَاءٌ جُزْئِيٌّ. وَقَال الْقَاضِي زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: صُلْحُ الْحَطِيطَةِ إِبْرَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لأَِنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يُشْعِرُ بِقَنَاعَةِ الْمُسْتَحِقِّ بِالْقَلِيل عَنِ الْكَثِيرِ. (٤)
ح - التَّرْكُ:
١١ - مِنْ مَعَانِي التَّرْكِ فِي اللُّغَةِ: الإِْسْقَاطُ، يُقَال: تَرَكَ حَقَّهُ: إِذَا أَسْقَطَهُ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ (٥) . стр. 212
وَمِنْ صِلَتِهِ بِالإِْبْرَاءِ مَا جَاءَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ إِنْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ (التَّرْكِ) كَأَنْ يَقُول: تَرَكْتُ الدَّيْنَ، أَوْ: لاَ آخُذُهُ مِنْكَ، فَهِيَ كِنَايَةُ إِبْرَاءٍ. وَلَكِنْ نَقَل الْقَاضِي زَكَرِيَّا الْقَوْل بِأَنَّ ذَلِكَ إِبْرَاءٌ صَرِيحٌ. وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَالْمُقْرِي (١) .
وَالتَّرْكُ يُسْتَعْمَل لِلإِْسْقَاطِ عُمُومًا بِحَيْثُ يَحْصُل بِهِ مَا يَحْصُل بِلَفْظِ الإِْسْقَاطِ وَيُعْطَى أَحْكَامَهُ، وَلِذَا أَوْرَدَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي عِدَادِ الأَْلْفَاظِ الَّتِي لاَ يَحْتَاجُ الإِْسْقَاطُ فِيهَا إِلَى قَبُولٍ - كَالإِْبْرَاءِ عِنْدَهُمْ - فِي حِينِ يَحْتَاجُ لَفْظُ الصُّلْحِ إِلَى الْقَبُول (٢) .
وَقَدْ يُطْلَقُ التَّرْكُ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنِ اسْتِعْمَال الْحَقِّ دُونَ إِسْقَاطِهِ، كَتَرْكِ الزَّوْجَةِ حَقَّهَا فِي الْقَسْمِ وَمَنْحِهِ لِلزَّوْجَةِ الأُْخْرَى، فَإِنَّ لَهَا الرُّجُوعَ وَطَلَبَ الْقَسْمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَل.
وَالْغَالِبُ أَنْ يُسْتَعْمَل لَفْظُ التَّرْكِ فِي الدَّعْوَى، فَالْمُدَّعِي فِي أَشْهَرِ تَعْرِيفَاتِهِ " مَنْ إِذَا تَرَكَ (أَيْ دَعْوَاهُ) تُرِكَ " وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَصْدُرْ دَفْعٌ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِدَعْوَاهُ، فَإِنْ حَصَل لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي التَّرْكُ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِهِ الْكَيْدَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيُلْزَمُ بِالاِسْتِمْرَارِ فِي الدَّعْوَى لِلْفَصْل فِيهَا. وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ هُنَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُدَّعِيًا أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لَهُ فِي كَذَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُ طَلَبُ دَفْعِ التَّعَرُّضِ (٣) . стр. 213
صِفَةُ الإِْبْرَاءِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
١٢ - الإِْبْرَاءُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَعْرِضُ لَهُ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْخَمْسَةُ الْمَعْرُوفَةُ:
فَيَكُونُ وَاجِبًا إِذَا سَبَقَهُ اسْتِيفَاءٌ؛ لأَِنَّ فِيهِ اعْتِرَافًا بِالْبَرَاءَةِ لِمُسْتَحِقِّهَا، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْعَدْل الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل﴾ (١) وَالْمُؤَكَّدِ بِالْحَدِيثِ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ (٢) وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي بَابِ السَّلَمِ: إِذَا أَحْضَرَ الْمُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَال السَّلَمِ الْحَال لِغَرَضِ الْبَرَاءَةِ أُجْبِرَ الْمُسَلِّمُ عَلَى الْقَبُول أَوِ الإِْبْرَاءِ. فَهَذَا وَاجِبٌ تَخْيِيرِيٌّ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُفْلِسِ فَلَهُ إِجْبَارُ الْغُرَمَاءِ عَلَى أَخْذِ الْعَيْنِ إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمْ، أَوْ إِبْرَائِهِ. (٣)
وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا، كَمَا لَوْ جَاءَ ضِمْنَ عَقْدٍ بَاطِلٍ، لأَِنَّ اسْتِبْقَاءَ الْبَاطِل حَرَامٌ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بُطْلاَنِ الإِْبْرَاءِ.
وَتَعْرِضُ لَهُ الْكَرَاهَةُ فِيمَا إِذَا أَبْرَأَ وَارِثَهُ أَوْ غَيْرَهُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حَيْثُ أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ، وَمُسْتَنَدُ الْكَرَاهَةِ مَا فِي ذَلِكَ الإِْبْرَاءِ مِنْ تَضْيِيعِ وَرَثَتِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حِينَ هَمَّ بِالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَالِهِ: إِنَّكَ أَنْ стр. 214
تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (١) . أَمَّا الثُّلُثُ فَقَدْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ.
١٣ - عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْغَالِبَ لَهُ النَّدْبُ، وَلِذَا يَقُول الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: " الإِْبْرَاءُ مَطْلُوبٌ، فَوُسِّعَ فِيهِ، بِخِلاَفِ الضَّمَانِ " (٢) ذَلِكَ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الإِْحْسَانِ؛ لأَِنَّهُ فِي الْغَالِبِ يَتَضَمَّنُ إِسْقَاطَ الْحَقِّ عَنِ الْمُعْسِرِ الَّذِي يُثْقِل الدَّيْنُ كَاهِلَهُ. وَحَتَّى إِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ لِمَنْ لاَ يَعْسُرُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ، فَإِنَّهُ مِمَّا يَزِيدُ الْمَوَدَّةَ بَيْنَ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ، فَلاَ يَخْلُو عَنْ مَعْنَى الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ حِينَ قَامَ بِوَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِ، وَخَبَرُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، حِينَ أَعْسَرَا، حَيْثُ ثَبَتَ حَضُّهُ ﵊ الدَّائِنِينَ عَلَى إِسْقَاطِ كُل الدَّيْنِ أَوْ بَعْضِهِ عَنْهُمْ (٤) . стр. 215
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الإِْبْرَاءَ لِلْمُعْسِرِ أَفْضَل مِنَ الْقَرْضِ، وَأَنَّ الْقَرْضَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ أَفْضَل مِنْهُ. (١)
وَالإِْبْرَاءُ فِي غَيْرِ الأَْحْوَال الْمُشَارِ إِلَيْهَا هُوَ عَلَى أَصْل الإِْبَاحَةِ الْجَارِيَةِ فِي مُعْظَمِ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَ بِهَا فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا، وَلاَ سِيَّمَا فِي حَالَةِ عَجْزِ الْمُبْرِئِ عَنْ تَحْصِيل حَقِّهِ مِنْ مُنْكِرِهِ؛ لأَِنَّ الإِْحْسَانَ هُنَا غَيْرُ وَارِدٍ، لِفُقْدَانِ مَحَلِّهِ.
أَقْسَامُ الإِْبْرَاءِ:
١٤ - يُقَسِّمُ بَعْضُ الْمُؤَلِّفِينَ الإِْبْرَاءَ إِلَى قِسْمَيْنِ: إِبْرَاءُ الإِْسْقَاطِ، وَإِبْرَاءُ الاِسْتِيفَاءِ. وَيَعْتَبِرُونَ الأَْوَّل مِنْهُمَا هُوَ الْجَدِيرُ بِالْبَحْثِ تَحْتَ هَذَا الاِسْمِ، فِي حِينِ أَنَّ الثَّانِيَ (الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الاِعْتِرَافِ بِالْقَبْضِ وَالاِسْتِيفَاءِ لِلْحَقِّ الثَّابِتِ لِشَخْصٍ فِي ذِمَّةِ آخَرَ) هُوَ نَوْعٌ مِنَ الإِْقْرَارِ. وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ هَذَا التَّقْسِيمِ فِي صُورَةِ الإِْبْرَاءِ فِي الْكَفَالَةِ الْوَاقِعِ مِنَ الطَّالِبِ (الدَّائِنِ) إِنْ جَاءَ بِلَفْظِ " بَرِئْتَ إِلَيَّ مِنَ الْمَال " بَرِئَ الْكَفِيل وَالْمَدِينُ كِلاَهُمَا مِنَ الْمُطَالِبِ، وَرَجَعَ الْكَفِيل بِالْمَال عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لأَِنَّهُ بَرَاءَةُ قَبْضٍ وَاسْتِيفَاءٍ، كَأَنَّهُ قَال: دَفَعْتَ إِلَيَّ. أَمَّا إِنْ قَال: بَرِئْتَ مِنَ الْمَال، أَوْ: أَبْرَأْتُكَ، بِدُونِ لَفْظِ (إِلَيَّ) فَلاَ رُجُوعَ لَهُ؛ لأَِنَّهُ إِبْرَاءُ стр. 216
إِسْقَاطٍ، لاَ إِقْرَارٌ بِالْقَبْضِ. عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ الْكَفَالَةُ. (١)
وَوَجْهُ اعْتِبَارِهِمَا قِسْمَيْنِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الإِْبْرَاءِ وَالإِْقْرَارِ يُرَادُ بِهِ قَطْعُ النِّزَاعِ وَفَصْل الْخُصُومَةِ وَعَدَمُ جَوَازِ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَهُمَا. فَالْمُرَادُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ. وَلِذَا عَبَّرُوا بِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الآْخَرِ وَإِنِ اخْتَلَفَا مَفْهُومًا. (٢)
وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ لَيْسَ لِلإِْبْرَاءِ فِي ذَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِثَمَرَةِ الإِْبْرَاءِ وَمَقْصُودِهِ، وَإِلاَّ فَإِنَّ الإِْقْرَارَ - وَمِنْهُ الإِْقْرَارُ بِالاِسْتِيفَاءِ - غَيْرُ الإِْبْرَاءِ فِي الشُّرُوطِ وَالأَْرْكَانِ وَالآْثَارِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فِي حِينِ يَخْتَصُّ إِبْرَاءُ الإِْسْقَاطِ بِالدُّيُونِ، كَمَا سَيَأْتِي، وَسَيَقْتَصِرُ الْكَلاَمُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ؛ لأَِنَّ تَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِإِبْرَاءِ الاِسْتِيفَاءِ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (إِقْرَار) .
وَلَمْ نَقِفْ فِي غَيْرِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهَذَا التَّقْسِيمِ لِلإِْبْرَاءِ. وَإِنْ كَانَتْ لِسَائِرِ الْمَذَاهِبِ صُوَرٌ يُمَيِّزُونَ فِيهَا بَيْنَ بَرَاءَةِ الاِسْتِيفَاءِ وَبَرَاءَةِ الإِْسْقَاطِ.
وَهُنَاكَ تَقْسِيمٌ آخَرُ لِلإِْبْرَاءِ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ، تَبَعًا لِلصِّيغَةِ الَّتِي يَرِدُ بِهَا، وَيَظْهَرُ أَثَرُهَا فَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الإِْبْرَاءُ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ تَحْتَ عُنْوَانِ (أَنْوَاع الإِْبْرَاءِ) بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الأَْرْكَانِ.
الإِْبْرَاءُ لِلإِْسْقَاطِ أَوِ التَّمْلِيكِ:
١٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الإِْبْرَاءِ، هَل هُوَ стр. 217
لِلإِْسْقَاطِ أَوِ التَّمْلِيكِ. وَتَبَايَنَتْ أَقْوَال الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِتَوْجِيهِ الأَْحْكَامِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ كَانَ لِكُل مَذْهَبٍ رَأْيٌ غَالِبٌ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِكُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ لِلإِْسْقَاطِ. قَال السُّبْكِيُّ: لَوْ كَانَ الإِْبْرَاءُ تَمْلِيكًا لَصَحَّ الإِْبْرَاءُ مِنَ الأَْعْيَانِ.
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: مَا نَقَلَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ مُفْلِحٍ الْحَنْبَلِيُّ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل، أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهٍ. قَال الْقَاضِي زَكَرِيَّا: الإِْبْرَاءُ، وَإِنْ كَانَ تَمْلِيكًا، الْمَقْصُودُ مِنْهُ الإِْسْقَاطُ. (١)
الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: مَا نَقَلَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ أَيْضًا، أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْحَنَابِلَةِ جَزَمُوا بِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ، وَقَالُوا: إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ إِسْقَاطٌ، فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إِيَّاهُ ثُمَّ سَقَطَ (٢) .
وَهُنَاكَ اتِّجَاهٌ آخَرُ ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، هُوَ أَنَّ الإِْبْرَاءَ - فِي غَيْرِ مُقَابَلَتِهِ لِلطَّلاَقِ - تَمْلِيكٌ مِنَ الْمُبْرِئِ، إِسْقَاطٌ عَنِ الْمُبْرَأِ؛ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ تَمْلِيكًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ مَالاً فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ، فَإِنَّ أَحْكَامَ الْمَالِيَّةِ إِنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّهِ، بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اشْتِرَاطُ عِلْمِ الأَْوَّل دُونَ الثَّانِي (٣) . стр. 218
غَلَبَةِ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ أَوْ تَسَاوِيهِمَا:
١٦ - الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ اشْتِمَال الإِْبْرَاءِ عَلَى كِلاَ الْمَعْنَيَيْنِ: الإِْسْقَاطِ وَالتَّمْلِيكِ، وَفِي كُل مَسْأَلَةٍ تَكُونُ الْغَلَبَةُ لأَِحَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ يَتَعَيَّنُ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ تَبَعًا لِلْمَوْضُوعِ، كَالإِْبْرَاءِ عَنِ الأَْعْيَانِ، فَهُوَ لِلتَّمْلِيكِ؛ لأَِنَّ الأَْعْيَانَ لاَ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ. أَمَّا فِي الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ فَيَجْرِي الْمَعْنَيَانِ كِلاَهُمَا. فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ مِنْ أَنَّ الإِْبْرَاءَ عَنِ الدَّيْنِ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَمَعْنَى الإِْسْقَاطِ، وَمَثَّل لِمَا غَلَبَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ بِأَنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ، وَيَرْتَدُّ بِالرَّدِّ. (١)
وَمَثَّل بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ لِمَا غَلَبَ فِيهِ مَعْنَى الإِْسْقَاطِ بِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لاَ يَهَبُهُ، فَأَبْرَأَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ، وَهَذَا إِسْقَاطٌ. وَأَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ الإِْبْرَاءُ عَنِ الزَّكَاةِ، لاِنْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ.
وَنَقَل الْقَاضِي زَكَرِيَّا عَنِ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ قَوْلَهُ: " الْمُخْتَارُ أَنَّ كَوْنَ الإِْبْرَاءِ تَمْلِيكًا أَوْ إِسْقَاطًا مِنَ الْمَسَائِل الَّتِي لاَ يُطْلَقُ فِيهَا تَرْجِيحٌ، بَل يَخْتَلِفُ الرَّاجِحُ بِحَسَبِ الْمَسَائِل، لِقُوَّةِ الدَّلِيل وَضَعْفِهِ؛ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ تَمْلِيكًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ مَالاً فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ، فَإِنَّ أَحْكَامَ الْمَالِيَّةِ إِنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّهِ.
وَمِمَّا غَلَبَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَرْجِيحُهُمْ اشْتِرَاطَ الْقَبُول فِي الإِْبْرَاءِ، كَمَا سَيَأْتِي. (٢) стр. 219
عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَا يَصْلُحُ بِالاِعْتِبَارَيْنِ (الإِْسْقَاطِ وَالتَّمْلِيكِ بِالتَّسَاوِي) . وَمِنْهُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَ الْوَارِثُ مَدِينَ مُوَرِّثِهِ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَوْتِهِ، ثُمَّ بَانَ مَيِّتًا، فَبِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّهُ إِسْقَاطٌ يَصِحُّ، وَكَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهِ تَمْلِيكًا؛ لأَِنَّ الْوَارِثَ لَوْ بَاعَ عَيْنًا قَبْل الْعِلْمِ بِمَوْتِ الْمُوَرِّثِ ثُمَّ ظَهَرَ مَوْتُهُ صَحَّ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَهُنَا بِالأَْوْلَى (١) .
اخْتِلاَفُ الْحُكْمِ بِاخْتِلاَفِ الاِعْتِبَارِ:
١٧ - قَدْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلاَفِ اعْتِبَارِ الإِْبْرَاءِ، هَل هُوَ إِسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا لَوْ وَكَّل الدَّائِنُ الْمَدِينَ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ صَحَّ التَّوْكِيل، نَظَرًا إِلَى جَانِبِ الإِْسْقَاطِ، وَلَوْ نَظَرَ إِلَى جَانِبِ التَّمْلِيكِ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ. (٢)
أَرْكَانُ الإِْبْرَاءِ
تَمْهِيدٌ:
١٨ - لِلإِْبْرَاءِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، بِحَسَبِ الإِْطْلاَقِ الْوَاسِعِ لِلرُّكْنِ، لِيَشْمَل كُل مَا هُوَ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الشَّيْءِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ مَاهِيَّتِهِ أَمْ خَارِجًا عَنْهَا، كَالأَْطْرَافِ وَالْمَحَل، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. فَالأَْرْكَانُ عِنْدَهُمْ هُنَا: الصِّيغَةُ وَالْمُبْرِئُ (صَاحِبُ الْحَقِّ أَوِ الدَّائِنُ) وَالْمُبْرَأُ (الْمَدِينُ) وَالْمُبْرَأُ مِنْهُ (مَحَل الإِْبْرَاءِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ)
وَرُكْنُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ الصِّيغَةُ فَقَطْ، أَمَّا الْمُتَعَاقِدَانِ وَالْمَحَل فَهِيَ أَطْرَافُ الْعَقْدِ وَلَيْسَتْ رُكْنًا، لِمَا سَبَقَ. стр. 220
الصِّيغَةُ:
١٩ - الأَْصْل فِي الصِّيغَةِ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول مَعًا فِي الْعَقْدِ، وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَرَى تَوَقُّفَ الإِْبْرَاءِ عَلَى الْقَبُول. أَمَّا مَنْ لاَ يَرَى حَاجَةَ الإِْبْرَاءِ إِلَيْهِ فَالصِّيغَةُ هِيَ الإِْيجَابُ فَقَطْ.
الإِْيجَابُ:
٢٠ - يَحْصُل إِيجَابُ الإِْبْرَاءِ بِجَمِيعِ الأَْلْفَاظِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِهَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَهُوَ التَّخَلِّي عَمَّا لِلدَّائِنِ عِنْدَ الْمَدِينِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ وَاضِحَ الدَّلاَلَةِ عَلَى الأَْثَرِ (سُقُوطُ الْحَقِّ وَالْمُبْرَأِ مِنْهُ) ، فَيَحْصُل بِكُل لَفْظٍ يَدُل عَلَيْهِ صَرَاحَةً أَوْ كِنَايَةً مَحْفُوفَةً بِالْقَرِينَةِ، سَوَاءٌ أُورِدَ مُسْتَقِلًّا أَمْ تَبَعًا ضِمْنَ عَقْدٍ آخَرَ. (١)
وَلاَ بُدَّ أَنْ يَنْتَفِيَ احْتِمَال الْمُعَاوَضَةِ، أَوْ قَصْدُ مُجَرَّدِ التَّأْخِيرِ، كَمَا لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا، فَهُوَ صُلْحٌ بِمَالٍ، عَلَى خِلاَفٍ سَيَأْتِي فِيمَا بَعْدُ. وَكَذَا لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ مِنْ حُلُول الدَّيْنِ، فَهُوَ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ، لاَ لِسُقُوطِهَا.
وَالإِْبْرَاءُ الْمُطْلَقُ هُوَ مِنَ الإِْسْقَاطَاتِ عَلَى التَّأْبِيدِ اتِّفَاقًا. فَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ الْمُؤَقَّتُ، كَأَنْ يَقُول: أَبْرَأْتُكَ مِمَّا لِي عَلَيْكَ سَنَةً، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ. وَهُوَ مُسْتَفَادُ عِبَارَاتِ غَيْرِهِمْ فِي حَال الإِْطْلاَقِ. أَمَّا تَقْيِيدُ стр. 221
الإِْبْرَاءِ بِأَنَّهُ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ فَهُوَ لَيْسَ مِنَ الإِْبْرَاءِ الْمُطْلَقِ وَإِنْ سَمَّاهُ ابْنُ الْهُمَامِ تَجَوُّزًا (إِبْرَاءً مُؤَقَّتًا) . (١)
وَمِثْل الْقَوْل فِي ذَلِكَ الْكِتَابَةُ الْمَرْسُومَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ، أَوِ الإِْشَارَةُ الْمَعْهُودَةُ، بِشُرُوطِهِمَا الْمُفَصَّلَةِ فِي مَوْطِنِهِمَا.
٢١ - وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ - بِالإِْضَافَةِ إِلَى لَفْظِ الإِْبْرَاءِ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَى حُصُول الإِْيجَابِ بِهِ - أَمْثِلَةً عَدِيدَةً لِمَا يُؤَدِّي مَعْنَى الإِْبْرَاءِ. وَلَمْ يَنُصَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى انْحِصَارِ الصِّيغَةِ فِيمَا أَشَارُوا إِلَيْهِ، وَمِنْ تِلْكَ الأَْلْفَاظِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا صِيغَتُهُ: الإِْسْقَاطُ، وَالتَّمْلِيكُ، وَالإِْحْلاَل، وَالتَّحْلِيل، وَالْوَضْعُ، وَالْعَفْوُ، وَالْحَطُّ، وَالتَّرْكُ، وَالتَّصَدُّقُ، وَالْهِبَةُ، وَالْعَطِيَّةُ. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَإِنَّمَا صَحَّ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَطِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ انْصَرَفَ إِلَى مَعْنَى الإِْبْرَاءِ. ثُمَّ نَقَل عَنِ الْحَارِثِيِّ قَوْلَهُ: لَوْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ هِبَةً حَقِيقِيَّةً لَمْ يَصِحَّ، لاِنْتِفَاءِ مَعْنَى الإِْسْقَاطِ وَانْتِفَاءِ شَرْطِ الْهِبَةِ. (٢) كَمَا اسْتَدَل مِنْ مَثَّل بِلَفْظِ الْعَفْوِ أَوِ التَّصَدُّقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الْمَهْرِ ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وقَوْله تَعَالَى فِي شَأْنِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الدِّيَةِ ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ وقَوْله تَعَالَى فِي شَأْنِ إِبْرَاءِ الْمُعْسِرِ ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وَبِقَوْلِهِ ﵊ стр. 222
دَاعِيًا لإِِبْرَاءِ الَّذِي أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ (١) وَقَدْ يَحْصُل الإِْبْرَاءُ بِصِيغَةٍ يَدُل تَرْكِيبُهَا عَلَيْهِ، كَأَنْ يَقُول: لَيْسَ لِي عِنْدَ فُلاَنٍ حَقٌّ، أَوْ: مَا بَقِيَ لِي عِنْدَهُ حَقٌّ، أَوْ: لَيْسَ لِي مَعَ فُلاَنٍ دَعْوَى، أَوْ: فَرَغْتُ مِنْ دَعْوَايَ الَّتِي هِيَ مَعَ فُلاَنٍ، أَوْ: تَرَكْتُهَا. (٢)
٢٢ - وَيُسْتَفَادُ مِمَّا أَوْرَدَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ مِنْ تَعْقِيبٍ عَلَى مَا جَاءَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ أَنَّ هُنَاكَ صِيَغًا مُخَصِّصَةٌ لِلإِْبْرَاءِ مِنَ الأَْمَانَاتِ أَوِ الدُّيُونِ، وَأُخْرَى لاَ يَحْصُل عُمُومُ الإِْبْرَاءِ إِلاَّ بِهَا - يُسْتَفَادُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْعُرْفِ فِيمَا يَحْصُل بِهِ الإِْبْرَاءُ أَصْلاً، أَوْ تَعْمِيمًا، أَوْ تَخْصِيصًا بِمَوْضُوعٍ دُونَ آخَرَ، كَمَا يُنْظَرُ إِلَى الْقَرَائِنِ فِي الْعِبَارَاتِ الَّتِي لَهَا أَكْثَرُ مِنْ إِطْلاَقٍ. وَمِنْ ذَلِكَ عِبَارَةُ " بَرِئْتُ مِنْ فُلاَنٍ " الَّتِي تَحْتَمِل نَفْيَ الْمُوَالاَةِ وَالْبَرَاءَةَ مِنَ الْحُقُوقِ. فَإِذَا جَرَى الْعُرْفُ، أَوْ دَلَّتِ الْقَرَائِنُ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا هِيَ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لَمْ يُمَثِّلُوا بِهِ لِلإِْيجَابِ عَنِ الإِْبْرَاءِ، كَعِبَارَةِ " التَّنَازُل " أَوِ " التَّخَلِّي عَنِ الْحَقِّ ". فَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِالْعُرْفِ (٣) . стр. 223
الْقَبُول:
٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الإِْبْرَاءَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُول أَوْ لاَ، عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَدَمُ حَاجَةِ الإِْبْرَاءِ إِلَى الْقَبُول، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةِ) وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لأَِشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَهَؤُلاَءِ يَرَوْنَ أَنَّ الإِْبْرَاءَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِسْقَاطٌ لِلْحَقِّ، وَالإِْسْقَاطَاتُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ، كَالطَّلاَقِ، وَالْعِتْقِ، وَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ وَالْقِصَاصِ، بَل قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: هُوَ الْمَذْهَبُ، سَوَاءٌ أَقُلْنَا: الإِْبْرَاءُ إِسْقَاطٌ أَمْ تَمْلِيكٌ. (١)
الاِتِّجَاهُ الآْخَرُ: حَاجَةُ الإِْبْرَاءِ إِلَى الْقَبُول، وَهُوَ الْقَوْل الرَّاجِحُ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ. وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ، أَيْ تَمْلِيكُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ لَهُ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيل الْهِبَةِ، وَهِيَ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ الْقَبُول. (٢) قَال الْقَرَافِيُّ: стр. 224
يَتَأَكَّدُ ذَلِكَ - أَيْ الاِفْتِقَارُ لِلْقَبُول - بِأَنَّ الْمِنَّةَ قَدْ تَعْظُمُ فِي الإِْبْرَاءِ، وَذَوُو الْمُرُوءَاتِ وَالأَْنَفَاتِ يَضُرُّ ذَلِكَ بِهِمْ، لاَ سِيَّمَا مِنَ السَّفَلَةِ، فَجَعَل صَاحِبُ الشَّرْعِ لَهُمْ قَبُول ذَلِكَ أَوْ رَدَّهُ، نَفْيًا لِلضَّرَرِ الْحَاصِل مِنَ الْمِنَنِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. (١) وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَرْبِطُونَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْل وَبَيْنَ الْخِلاَفِ فِي مَعْنَى الإِْبْرَاءِ، عَلَى مَا سَبَقَ.
٢٤ - وَلاَ فَرْقَ فِي الْحَاجَةِ إِلَى الْقَبُول أَوْ عَدَمِهَا بَيْنَ التَّعْبِيرِ بِالإِْبْرَاءِ، أَوِ التَّعْبِيرِ بِهِبَةِ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ، وَإِثْبَاتُ الْفَرْقِ هُوَ مَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِذْ قَالُوا فِيهَا بِالْحَاجَةِ لِلْقَبُول لِمَا فِي اللَّفْظِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَالْمَالِكِيَّةُ يَرَوْنَهَا آكَدَ فِي الاِفْتِقَارِ لِلْقَبُول - عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي الإِْبْرَاءِ عُمُومًا - لأَِنَّهَا نَصٌّ فِي التَّمْلِيكِ، وَهُوَ خِلاَفُ مَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، لِنَظَرِهِمْ إِلَى وَحْدَةِ الْمَقْصُودِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الإِْبْرَاءِ.
هَذَا، وَبِالرَّغْمِ مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مِنِ اعْتِبَارِ الْقَبُول مَحْدُودًا بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ مَا دَامَ قَائِمًا فَقَدِ اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ الْفَوْرِيَّةَ فِي الْقَبُول فِي صُورَةِ مَنْ يُوَكِّل فِي إِبْرَاءِ نَفْسِهِ. (٢)
وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ، وَلَوْ بِالسُّكُوتِ عَنِ الْقَبُول زَمَانًا، فَلَهُ стр. 225
الْقَبُول بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَال الْقَرَافِيُّ: إِنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. (١)
٢٥ - وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ عَدَمِ التَّوَقُّفِ عَلَى الْقَبُول: الْعُقُودَ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، كَالصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ (أَيْ عَنْ رَأْسِ مَال السَّلَمِ) فَيَتَوَقَّفُ فِيهَا الإِْبْرَاءُ عَلَى الْقَبُول؛ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ عَنْ بَدَل الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ يَفُوتُ بِهِ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ، وَفَوَاتُهُ يُوجِبُ بُطْلاَنَ الْعَقْدِ، وَنَقْضُ الْعَقْدِ لاَ يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ، بَل يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُول الآْخَرِ، فَإِنْ قَبِلَهُ بَرِئَ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ لاَ يَبْرَأُ. وَهَذَا بِخِلاَفِ سَائِرِ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْفَسْخِ لِعَقْدٍ ثَابِتٍ وَإِنَّمَا فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ مِنْ وَجْهٍ، وَمَعْنَى الإِْسْقَاطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. أَمَّا الإِْبْرَاءُ عَنِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ أَوْ عَنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ فَهُوَ جَائِزٌ بِدُونِ قَبُولٍ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِسْقَاطُ شَرْطٍ. (٢)
رَدُّ الإِْبْرَاءِ:
٢٦ - يَنْبَنِي اخْتِلاَفُ النَّظَرِ الْفِقْهِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْخِلاَفِ فِي أَنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ. وَالَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حَاجَتُهُ لِلْقَبُول أَوْ عَدَمُ حَاجَتِهِ. فَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَرْجُوحِ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ حَاجَتِهِ لِلْقَبُول، ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لاَ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لأَِنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ كَالْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْخِيَارِ وَالطَّلاَقِ، لاَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ، كَالْهِبَةِ. стр. 226
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُول (وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلِهِمُ الآْخَرِ وَمَعَهُمْ فِي هَذَا الْحَنَفِيَّةُ الَّذِينَ رَاعَوْا مَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ بِالرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى الْقَبُول عِنْدَهُمْ لأَِنَّهُ إِسْقَاطٌ) يَرَوْنَ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ. وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ هَل يَتَقَيَّدُ الرَّدُّ بِمَجْلِسِ الإِْبْرَاءِ، أَوْ هُوَ عَلَى إِطْلاَقِهِ. وَالَّذِي فِي الْبَحْرِ وَالْحَمَوِيِّ عَلَى الأَْشْبَاهِ إِطْلاَقُ صِحَّةِ الرَّدِّ فِي مَجْلِسِ الإِْبْرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَالرَّدُّ الْمُعْتَبَرُ هُوَ مَا يَصْدُرُ مِنَ الْمُبْرِئِ، أَوْ مِنْ وَارِثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَخَالَفَ فِي الثَّانِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (١) .
وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَسَائِل لاَ يَرْتَدُّ فِيهَا الإِْبْرَاءُ بِالرَّدِّ وَهِيَ:
١، ٢ - الإِْبْرَاءُ فِي الْحَوَالَةِ (وَالْكَفَالَةِ عَلَى الأَْرْجَحِ) لأَِنَّهُمَا مُتَمَحِّضَانِ لِلإِْسْقَاطِ، لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ مَحْضٌ فِي حَقِّ الْكَفِيل، لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ مَالٍ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ، وَالإِْسْقَاطُ الْمَحْضُ لاَ يَحْتَمِل الرَّدَّ لِتَلاَشِي السَّاقِطِ، بِخِلاَفِ التَّأْخِيرِ، لِعَوْدِهِ بَعْدَ الأَْجَل.
٣ - إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى الإِْبْرَاءِ طَلَبٌ مِنَ الْمُبْرَأِ بِأَنْ قَال: أَبْرِئْنِي، فَأَبْرَأَهُ فَرَدَّ، لاَ يَرْتَدُّ. стр. 227
٤ - إِذَا سَبَقَ لِلْمُبْرَأِ أَنْ قَبِلَهُ ثُمَّ رَدَّهُ لاَ يَرْتَدُّ. (١)
الْمُبْرِئُ وَشُرُوطُهُ:
٢٧ - الإِْبْرَاءُ كَغَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَصَرِّفِ بِهِ الأَْهْلِيَّةُ التَّامَّةُ لِلتَّعَاقُدِ، مِنْ عَقْلٍ وَبُلُوغٍ، وَتَفْصِيلُهُ فِي الْكَلاَمِ عَنِ الأَْهْلِيَّةِ وَالْعَقْدِ. وَلَكِنَّ الأَْهْلِيَّةَ الْمَطْلُوبَةَ هُنَا هِيَ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ، بِأَنْ يَكُونَ رَشِيدًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ أَوِ الْمَدْيُونِيَّةِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ (الْحَجْرِ) .
وَتُشْتَرَطُ الْوِلاَيَةُ؛ لأَِنَّ كُل إِبْرَاءٍ لاَ يَخْلُو مِنْ حَقٍّ يَجْرِي التَّنَازُل عَنْهُ (بِإِسْقَاطِهِ أَوْ تَمْلِيكِهِ) ، لِذَا لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ التَّنَازُل مِنْ قِبَل صَاحِبِ الْحَقِّ نَفْسِهِ أَوْ مَنْ يَتَصَرَّفُ عَنْهُ، فَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ إِلاَّ بِأَنْ يَكُونَ لِلْمُبْرِئِ وِلاَيَةٌ عَلَى الْحَقِّ الْمُبْرَأِ مِنْهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهُ أَوْ مُوَكَّلاً بِالإِْبْرَاءِ مِنْهُ، أَوْ مُتَصَرِّفًا بِالْفُضَالَةِ عَنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَحِقَتْهُ الإِْجَازَةُ مِنَ الْمَالِكِ، عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (فُضُولِيّ) .
وَالْعِبْرَةُ فِي وِلاَيَةِ الْمُبْرِئِ عَلَى الْحَقِّ الْمُبْرَأِ مِنْهُ هُوَ بِمَا فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الأَْمْرِ لاَ بِمَا فِي الظَّنِّ. فَلَوْ أَبْرَأَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَال أَبِيهِ ظَانًّا بَقَاءَ أَبِيهِ حَيًّا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا حِينَ الإِْبْرَاءِ صَحَّ؛ لأَِنَّ الْمُبْرَأَ مِنْهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ حِينَ الإِْبْرَاءِ فِي الْوَاقِعِ.
وَيُشْتَرَطُ الرِّضَا، فَإِبْرَاءُ الْمُكْرَهِ لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ стр. 228
لاَ يَصِحُّ مَعَ الْهَزْل لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْقْرَارِ بِفَرَاغِ الذِّمَّةِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الإِْكْرَاهُ. (١)
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ مِمَّا يَشُوبُ شَرِيطَةَ الرِّضَا أَنْ يَعْلَمَ الْمَدِينُ وَحْدَهُ مِقْدَارَ الدَّيْنِ، فَيَكْتُمُهُ عَنِ الدَّائِنِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْتَكْثِرَهُ فَلاَ يُبْرِئَهُ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ صَادِرٌ حِينَئِذٍ عَنْ إِرَادَةٍ غَيْرِ مُعْتَبَرَةٍ. (٢)
التَّوْكِيل بِالإِْبْرَاءِ:
٢٨ - يَصِحُّ التَّوْكِيل بِالإِْبْرَاءِ وَلَكِنْ لاَ بُدَّ مِنَ الإِْذْنِ الْخَاصِّ بِهِ، وَلاَ يَكْفِي لَهُ إِذْنُ الْوَكَالَةِ بِعَقْدٍ مَا (٣) ، وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ بِشَأْنِ السَّلَمِ أَنَّهُ إِذَا أَبْرَأَ وَكِيل الْمُسَلَّمِ الْمُسَلَّمَ إِلَيْهِ بِلاَ إِذْنٍ لَمْ يَبْرَأْ الْمُسَلَّمُ إِلَيْهِ. فَلَوْ قَال لَهُ الْمُسَلَّمُ إِلَيْهِ: لَسْتَ وَكِيلاً وَالسَّلَمُ لَكَ وَأَبْرَأْتَنِي مِنْهُ، نَفَذَ الإِْبْرَاءُ ظَاهِرًا، وَتَعَطَّل بِذَلِكَ حَقُّ الْمُسَلِّمِ، وَغَرِمَ لَهُ الْوَكِيل قِيمَةَ رَأْسِ الْمَال لِلْحَيْلُولَةِ، فَلاَ يَغْرَمُ بَدَل الْمُسَلَّمِ فِيهِ كَيْلاَ يَكُونَ اعْتِيَاضًا عَنْهُ. كَمَا خَصَّ الْحَنَفِيَّةُ إِبْرَاءَ الْوَكِيل وَالْوَصِيِّ فِيمَا وَجَبَ بِعَقْدِهِمَا، وَيَضْمَنَانِ. وَلاَ يَصِحُّ فِيمَا لَمْ يَجِبْ بِعَقْدِهِمَا، كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَكِيل مَأْذُونًا بِالإِْبْرَاءِ فَوَكَّل غَيْرَهُ بِهِ فَأَجْرَاهُ فِي حُضُورِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ، لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ. (٤) стр. 229
وَإِنْ وَكَّلَهُ بِإِبْرَاءِ غُرَمَائِهِ، وَكَانَ الْوَكِيل مِنْهُمْ لَمْ يُبْرِئْ نَفْسَهُ؛ لأَِنَّ الْمُخَاطَبَ لاَ يَدْخُل فِي عُمُومِ أَمْرِ الْمُخَاطِبِ لَهُ عَلَى الأَْصَحِّ، فَإِنْ قَال: وَإِنْ شِئْتَ فَأَبْرِئْ نَفْسَكَ، فَلَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ وَكَّل الْمَدِينَ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ. (١)
إِبْرَاءُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ:
٢٩ - يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُبْرِئُ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ بِحَسَبِ الْمُبْرَأِ، فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَالدَّيْنُ يُجَاوِزُ ثُلُثَ التَّرِكَةِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ؛ لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ لَهُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ. وَإِذَا كَانَ الْمُبْرَأُ وَارِثًا تَوَقَّفَ الإِْبْرَاءُ كُلُّهُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ. وَإِذَا أَبْرَأَ الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ أَحَدَ مَدْيُونِيهِ، وَالتَّرِكَةُ مُسْتَغْرَقَةٌ بِالدُّيُونِ، لَمْ يَنْفُذْ إِبْرَاؤُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ (مَرَضِ الْمَوْتِ) .
الْمُبْرَأُ وَشُرُوطُهُ:
٣٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْمُبْرَأِ، فَلاَ يَصِحُّ. الإِْبْرَاءُ لِمَجْهُولٍ.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، فَلَوْ أَبْرَأَ أَحَدَ مَدِينِيهِ عَلَى التَّرَدُّدِ لَمْ يَصِحَّ، خِلاَفًا لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ. (٣)
فَلاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْمُبْرَأِ تَعْيِينًا كَافِيًا. كَمَا أَنَّ الإِْقْرَارَ стр. 230
بِبَرَاءَةِ كُل مَدِينٍ لَهُ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ إِذَا كَانَ يَقْصِدُ مَدِينًا مُعَيَّنًا أَوْ أُنَاسًا مَحْصُورِينَ. (١)
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمُبْرَأِ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِالْحَقِّ، بَل يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ لِلْمُنْكِرِ أَيْضًا، بَل حَتَّى لَوْ جَرَى تَحْلِيفُ الْمُنْكِرِ يَصِحُّ إِبْرَاؤُهُ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ الْمُبْرِئَ يَسْتَقِل بِالإِْبْرَاءِ - لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إِلَى الْقَبُول - فَلاَ حَاجَةَ فِيهِ إِلَى تَصْدِيقِ الْغَرِيمِ. (٢)
الْمُبْرَأُ مِنْهُ (الْمَحَل) وَشُرُوطُهُ:
٣١ - يَخْتَلِفُ الْمُبْرَأُ مِنْهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحُقُوقِ أَوِ الدُّيُونِ أَوِ الأَْعْيَانِ. وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَنْ ذَلِكَ فِي (مَوْضُوعِ الإِْبْرَاءِ) . وَتَبَعًا لِلاِخْتِلاَفِ السَّابِقِ بَيَانُهُ، فِي أَنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ أَوِ الْغَالِبُ فِيهِ أَحَدُهُمَا، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الْمَجْهُول، فَمَنْ نَظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى مَعْنَى التَّمْلِيكِ اشْتَرَطَ الْعِلْمَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ تَمْلِيكُ الْمَجْهُول، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مَعْنَى الإِْسْقَاطِ ذَهَبَ إِلَى الصِّحَّةِ.
فَالاِتِّجَاهُ الأَْوَّل الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) أَنَّ الإِْبْرَاءَ مِنَ الْمَجْهُول صَحِيحٌ، بَل صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّوْكِيل بِالإِْبْرَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الْمُبْرَأُ مِنْهُ مَجْهُولاً لِكُلٍّ مِنَ الثَّلاَثَةِ (الْمُوَكِّل، وَالْوَكِيل، وَمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ) لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ - كَمَا قَالُوا - هِبَةٌ، وَهِبَةُ الْمَجْهُول جَائِزَةٌ. وَمَثَّلُوا لِذَلِكَ بِمَا لَوْ أَبْرَأَ ذِمَّةَ غَرِيمِهِ، стр. 231
وَهُمَا لاَ يَعْلَمَانِ بِكَمْ هِيَ مَشْغُولَةٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّ جَهَالَةَ السَّاقِطِ لاَ تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ.
وَيَقْرَبُ مِنْهُ الاِتِّجَاهُ الثَّانِي، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، وَهُوَ صِحَّةُ الإِْبْرَاءِ مَعَ الْجَهْل إِنْ تَعَذَّرَ عِلْمُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَوْ كَتَمَهُ طَالِبُ الإِْبْرَاءِ خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَهُ الْمُبْرِئُ لَمْ يُبْرِئْهُ، لَمْ يَصِحَّ.
أَمَّا الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ عَنِ الْمَجْهُول مُطْلَقًا. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَجْهُول بَيْنَ مَجْهُول الْجِنْسِ أَوِ الْقَدْرِ أَوِ الصِّفَةِ، حَتَّى الْحُلُول وَالتَّأْجِيل وَمِقْدَارِ الأَْجَل. كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الإِْبْرَاءُ ضِمْنَ مُعَاوَضَةٍ كَالْخُلْعِ، اشْتُرِطَ عِلْمُ الطَّرَفَيْنِ بِالْمُبْرَأِ عَنْهُ، أَمَّا فِي غَيْرِ الْمُعَاوَضَةِ فَيَكْفِي عِلْمُ الْمُبْرِئِ وَحْدَهُ، وَلاَ أَثَرَ لِجَهْل الشَّخْصِ الْمُبْرَأِ. (١)
٣٢ - وَمِمَّا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَجْهُول مَا لاَ تَسْهُل مَعْرِفَتُهُ، بِخِلاَفِ مَا تَسْهُل مَعْرِفَتُهُ، كَإِبْرَائِهِ مِنْ حِصَّتِهِ فِي تَرِكَةِ مُوَرِّثِهِ، لأَِنَّهُ وَإِنْ جَهِل قَدْرَ حِصَّتِهِ، لَكِنْ يَعْلَمُ قَدْرَ تَرِكَتِهِ، فَتَسْهُل مَعْرِفَةُ الْحِصَّةِ. وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ضَمَانِ الْمَجْهُول، فَلاَ يَصِحُّ وَإِنْ أَمْكَنَتْ مَعْرِفَتُهُ؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ يُحْتَاطُ لَهُ؛ لأَِنَّهُ إِثْبَاتُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ، فِي حِينِ أَنَّ الإِْبْرَاءَ يَغْلِبُ فِيهِ مَعْنَى الإِْسْقَاطِ. وَلاَ يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّفْصِيل لَيْسَ مَوْضِعَ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْجَهَالَةَ صُورِيَّةٌ. стр. 232
وَقَدِ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الْمَجْهُول صُورَتَيْنِ، هُمَا: الإِْبْرَاءُ مِنْ الدِّيَةِ الْمَجْهُولَةِ، وَمَا إِذَا ذَكَرَ غَايَةً يَتَيَقَّنُ أَنَّ حَقَّهُ دُونَهَا، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ لِلإِْبْرَاءِ مِنَ الْمَجْهُول، بِأَنْ يُبْرِئَهُ عَمَّا يَتَأَكَّدُ أَنَّهُ أَزْيَدُ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَضَافَ الرَّمْلِيُّ إِلَى هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ مَا لَوْ أَبْرَأَ إِنْسَانًا مِمَّا عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْل؛ لأَِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصِيَّةِ. (١)
وَمِنْ صُوَرِ الْمَجْهُول: الإِْبْرَاءُ مِنْ أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ، قَال الْحَلْوَانِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَصِحُّ، وَيُؤْخَذُ بِالْبَيَانِ، كَمَا فِي الطَّلاَقِ لإِِحْدَى زَوْجَتَيْهِ. قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: يَعْنِي ثُمَّ يُقْرِعُ عَلَى الْمَذْهَبِ. (٢)
شُرُوطٌ لِلإِْبْرَاءِ فِي ذَاتِهِ:
أ - شَرْطُ عَدَمِ مُنَافَاتِهِ لِلشَّرْعِ:
٣٣ - مِمَّا هُوَ مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَدُل عَلَيْهِ الْقَوَاعِدُ الْعَامَّةُ لِلشَّرِيعَةِ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الإِْبْرَاءِ أَنْ لاَ يُؤَدِّيَ إِلَى تَغْيِيرِ حُكْمِ الشَّرْعِ، كَإِبْرَاءِ مَنْ شَرَطَ التَّقَابُضَ فِي الصَّرْفِ، وَالإِْبْرَاءِ مِنْ حَقِّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ أَوِ الْوَصِيَّةِ (عَلَى خِلاَفٍ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ) وَالإِْبْرَاءِ مِنْ حَقِّ السُّكْنَى فِي بَيْتِ الْعِدَّةِ، стр. 233
وَحَقِّ الْوِلاَيَةِ عَلَى الصَّغِيرِ. (١) لأَِنَّ كُل مَا يُؤَدِّي إِلَى تَغَيُّرِ الْمَشْرُوعِ بَاطِلٌ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ تَغْيِيرَ حُكْمِ اللَّهِ. (٢)
كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يُؤَدِّيَ الإِْبْرَاءُ إِلَى ضَيَاعِ حَقِّ الْغَيْرِ، كَالإِْبْرَاءِ مِنَ الأُْمِّ الْمُطَلَّقَةِ عَنْ حَقِّ الْحَضَانَةِ؛ لأَِنَّهُ حَقُّ الصَّغِيرِ مَعَ وُجُودِ حَقٍّ لِلْحَاضِنَةِ أَيْضًا، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ. (٣)
ب - شَرْطُ سَبْقِ الْمِلْكِ:
٣٤ - يُشْتَرَطُ سَبْقُ مِلْكِ الْمُبْرِئِ لِلْحَقِّ الْمُبْرَأِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَصَرُّفُ الإِْنْسَانِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ دُونَ إِنَابَةٍ مِنْهُ، أَوْ فَضَالَةٍ عَنْهُ (عِنْدَ مَنْ يُصَحِّحُ تَصَرُّفَ الْفُضُولِيِّ) . وَهَذَا الشَّرْطُ مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي حَالَةِ الظُّهُورِ بِمَظْهَرِ الْمَالِكِ، حَتَّى عِنْدَ الَّذِينَ يُجِيزُونَ تَصَرُّفَ الْفُضُولِيِّ؛ لأَِنَّ الْفُضُولِيَّ هُوَ مَنْ يَتَصَرَّفُ فِيمَا تَظْهَرُ مِلْكِيَّةُ غَيْرِهِ لَهُ، وَإِلاَّ كَانَ مِنْ بَيْعِ مَا لاَ يَمْلِكُ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. . . وَتَدُل عَلَى هَذَا الشَّرْطِ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ مِمَّا تَفْصِيلُهُ فِي (الأَْهْلِيَّة) (وَالْعَقْد) وَمَا قَرَّرُوهُ فِي الْمُقَاصَّةِ بَيْنَ الدُّيُونِ مِنْ أَنَّهَا تَقُومُ عَلَى стр. 234
أَسَاسِ مِلْكِ الدَّائِنِ لِلدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ، وَأَنَّ الْمَدِينَ عِنْدَ الإِْيفَاءِ يَمْلِكُ مِثْل الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الدَّائِنِ، فَتُقْضَى الدُّيُونُ بِأَمْثَالِهَا لاَ بِأَعْيَانِهَا. وَمِثْل الإِْيفَاءِ: الإِْبْرَاءُ فِي وُرُودِهِ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ الْمُبْرِئُ فِي ذِمَّةِ الشَّخْصِ الْمُبْرَأِ. (١)
وَمِمَّا يَدُل عَلَيْهِ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ الْخِلاَفُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي إِبْرَاءِ الْمُحَال الْمُحِيل عَنِ الدَّيْنِ، حَيْثُ لاَ يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لاِنْتِقَال الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيل، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ نَقْل الدَّيْنِ وَالْمُطَالَبَةِ، خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ الْقَائِل بِأَنَّهَا نَقْل الْمُطَالَبَةِ فَقَطْ وَبَقَاءُ الدَّيْنِ، فَيُصَادِفُ الإِْبْرَاءُ ذِمَّةً مَشْغُولَةً بِالدَّيْنِ. (٢)
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْبُلْقِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، بِقَوْلِهِ:
" فِي مَسْأَلَةِ الإِْبْرَاءِ يَمْلِكُ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ، وَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ، وَقَدْ نَفَذَ الإِْبْرَاءُ لِحُصُولِهِ فِي مِلْكِ الْمَدْيُونِ قَهْرًا مِمَّنْ كَانَ يَمْلِكُهُ عَلَيْهِ " أَيْ عِنْدَ مَنْ لاَ يَشْتَرِطُ الْقَبُول كَمَا سَبَقَ. وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْل عَمِيرَةَ: " إِنَّ صِحَّةَ الإِْبْرَاءِ تَتَوَقَّفُ عَلَى سَبْقِ الْمِلْكِ " (٣) وَمِنْهُ قَوْل ابْنِ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ عَقِبَ حَدِيثِ لاَ طَلاَقَ وَلاَ عِتْقَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ وَالإِْبْرَاءُ فِي مَعْنَاهُمَا " (٤) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْ تَصْرِيحِ الدَّرْدِيرِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْهِبَةِ وَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ فِي مَال غَيْرِهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سَبْقُ مِلْكِ الْمُبْرِئِ لِمَا أَبْرَأَ مِنْهُ. (٥) стр. 235
بَل صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا بِضَرُورَةِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ حَيْثُ عَلَّل الْمَاوَرْدِيُّ مِنْهُمْ عَدَمَ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ عَنْ بَدَل الصَّرْفِ قَبْل التَّقَابُضِ بِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ. (١)
وَهَل يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُبْرِئِ بِمِلْكِهِ مَا يُبْرِئُ مِنْهُ، أَمْ يَكْفِي تَحَقُّقُ مِلْكِهِ إِيَّاهُ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ وَلَوْ اعْتَقَدَ عَدَمَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ لِلأَْبِ دَيْنٌ عَلَى شَخْصٍ، فَأَبْرَأَهُ مِنْهُ الاِبْنُ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَوْتَ أَبِيهِ، فَبَانَ مَيِّتًا، أَيْ فَظَهَرَ أَنَّ الاِبْنَ الْمُبْرِئَ يَمْلِكُهُ فِي الْوَاقِعِ، فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ سَوَاءٌ اعْتُبِرَ الإِْبْرَاءُ إِسْقَاطًا أَوْ تَمْلِيكًا، كَمَا سَبَقَ، أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا بَيْنَ كَوْنِ الإِْبْرَاءِ إِسْقَاطًا فَيَصِحُّ، أَوْ تَمْلِيكًا فَلاَ يَصِحُّ (٢) . وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى تَصْرِيحٍ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
الإِْبْرَاءُ بَعْدَ سُقُوطِ الْحَقِّ أَوْ دَفْعِهِ:
٣٥ - الإِْبْرَاءُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّ السَّاقِطَ بِقَضَائِهِ الْمُطَالَبَةُ، لاَ أَصْل الدَّيْنِ، وَلِذَا قَالُوا: الدَّيْنَانِ يَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا (أَيْ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ) وَذَلِكَ لأَِنَّهُ تُقْضَى الدُّيُونُ بِأَمْثَالِهَا فَتَسْقُطُ مُطَالَبَةُ كُلٍّ لِلآْخَرِ لاِنْشِغَال ذِمَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدَيْنِ الآْخَرِ. فَإِذَا أَبْرَأَ الدَّائِنُ الْمَدِينَ بَعْدَ الْقَضَاءِ كَانَ لِلْمَدِينِ الرُّجُوعُ بِمَا أَدَّاهُ إِذَا أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ إِسْقَاطٍ. أَمَّا إِذَا أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ فَلاَ رُجُوعَ. وَيُعْرَفُ ذَلِكَ مِنَ الصِّيغَةِ عَلَى стр. 236
مَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَقْسَامِ الإِْبْرَاءِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا أَطْلَقَ الْبَرَاءَةَ، فَاخْتَارَ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا تُحْمَل عَلَى الاِسْتِيفَاءِ لِعَدَمِ فَهْمِ غَيْرِهَا فِي عَصْرِهِ.
وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي الإِْطْلاَقِ هُوَ الْعُرْفُ.
وَعَلَيْهِ لَوْ عَلَّقَ طَلاَقَ الْمَرْأَةِ بِإِبْرَائِهَا لَهُ مِنَ الْمَهْرِ ثُمَّ دَفَعَهُ لَهَا، لاَ يَبْطُل التَّعْلِيقُ، فَإِذَا أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةَ إِسْقَاطٍ صَحَّتْ وَوَقَعَ الطَّلاَقُ وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا دَفَعَهُ.
وَمِثْلُهُ مَا لَوْ تَبَرَّعَ بِقَضَاءِ دَيْنٍ عَنْ إِنْسَانٍ ثُمَّ أَبْرَأَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ عَلَى وَجْهِ الإِْسْقَاطِ فَلِلْمُتَبَرِّعِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا تَبَرَّعَ بِهِ. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِيمَا يُشْبِهُ هَذِهِ الصُّوَرَ إِلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِأَنَّ الضَّامِنَ لَوْ قَضَى الدَّيْنَ ثُمَّ أَبْرَأَهُ عَنْهُ الْغَرِيمُ بَعْدَ قَبْضِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ إِنْ وَهَبَهُ بَعْضَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ. (٢)
وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى رَأْيٍ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ.
ج - وُجُوبُ الْحَقِّ، أَوْ وُجُودُ سَبَبِهِ:
٣٦ - الأَْصْل أَنْ يَقَعَ الإِْبْرَاءُ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ الْمُبْرَأِ مِنْهُ، لأَِنَّهُ لإِِسْقَاطِ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ انْشِغَالِهَا. وَلَكِنَّهُ قَدْ يَأْتِي قَبْل وُجُوبِ الْحَقِّ، وَهُنَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ الَّذِي يَنْشَأُ بِهِ الْوُجُوبُ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ.
وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ قَبْل وُجُودِ السَّبَبِ، فَوُجُودُهُ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الاِسْتِحْقَاقِ فِيهِ سَاقِطٌ أَصْلاً стр. 237
بِالْكُلِّيَّةِ، فَلاَ مَعْنَى لإِِسْقَاطِ مَا هُوَ سَاقِطٌ فِعْلاً، وَيَكُونُ الإِْبْرَاءُ مِنْهُ مُجَرَّدَ امْتِنَاعٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُلْزِمٍ، لأَِنَّهُ وَعْدٌ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَالْمُطَالَبَةُ بِمَا أَبْرَأَ مِنْهُ، عَلَى مَا سَبَقَ. (١)
٣٧ - وَأَمَّا بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ فَفِي اشْتِرَاطِ وُجُوبِ الْحَقِّ وَحُصُولِهِ فِعْلاً خِلاَفٌ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ، وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ شَرْطٌ، فَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ قَبْل الْوُجُوبِ وَإِنْ انْعَقَدَ السَّبَبُ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِيمَا لاَ يُمْلَكُ (٢) . وَالإِْبْرَاءُ فِي مَعْنَاهُمَا، وَقَدِ اعْتَبَرُوا مَا لَمْ يَجِبْ سَاقِطًا فَلاَ مَعْنَى لإِِسْقَاطِهِ. (٣)
وَقَدْ مَثَّل الْحَنَفِيَّةُ لِذَلِكَ بِالإِْبْرَاءِ عَنْ نَفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ قَبْل فَرْضِهَا (أَيْ الْقَضَاءِ بِتَقْدِيرِهَا) فَلاَ يَصِحُّ، لأَِنَّهُ إِبْرَاءٌ قَبْل الْوُجُوبِ - بِالرَّغْمِ مِنْ وُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ الاِحْتِبَاسُ - وَإِسْقَاطُ الشَّيْءِ قَبْل وُجُوبِهِ لاَ يَصِحُّ. وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي أَوْرَدُوهَا الإِْبْرَاءُ فِي بَابِ الْغَصْبِ وَفَرَّقُوا فِي الْحُكْمِ بَيْنَ حَالَتَيْنِ فِيهِ تَبَعًا لِوُجُوبِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الإِْبْرَاءُ، وَذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَبْرَأَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ стр. 238
مِنَ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِ رَدِّهَا (أَيْ تُصْبِحُ لَدَيْهِ وَدِيعَةً) لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ تَعَلَّقَ بِضَمَانِ الرَّدِّ وَهُوَ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ. أَمَّا إِنِ اسْتَهْلَكَهَا الْغَاصِبُ، أَوْ مَنَعَهَا مِنَ الْمَالِكِ بَعْدَ طَلَبِهَا، فَلاَ أَثَرَ لِلإِْبْرَاءِ، وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ قِيمَتَهَا. فَلَمْ يَتَعَلَّقِ الإِْبْرَاءُ بِالْقِيمَةِ لِعَدَمِ وُجُوبِهَا حَال قِيَامِ الْعَيْنِ. (١)
كَمَا صَرَّحُوا بِعَدَمِ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ عَنِ الْكَفَالَةِ بِالدَّرَكِ (فِيمَا لَوْ تَكَفَّل بِأَدَاءِ مَا يَمُوتُ فُلاَنٌ وَلَمْ يُؤَدِّهِ) لأَِنَّ الْكَفَالَةَ عَمَّا يَجِبُ مِنْ مَالٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَال لَمْ يَجِبْ لِلْكَفِيل عَلَى الأَْصِيل، فَلاَ يَصِحُّ إِبْرَاؤُهُ قَبْل الْوُجُوبِ. وَنَحْوُهُ لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ عَنْ ثَمَنِ مَا تَشْتَرِيهِ مِنِّي غَدًا فَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ أَيْضًا.
وَمَثَّل لَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِإِبْرَاءِ الْمُفَوِّضَةِ عَنْ مَهْرِهَا قَبْل الْفَرْضِ (التَّقْدِيرِ) وَالدُّخُول، وَمِثْلُهُ الإِْبْرَاءُ عَنِ الْمُتْعَةِ قَبْل الطَّلاَقِ، لِعَدَمِ الْوُجُوبِ. وَاسْتَثْنَوْا صُورَةً يَصِحُّ فِيهَا الإِْبْرَاءُ قَبْل الْوُجُوبِ. وَهِيَ مَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلاَ إِذْنٍ، وَأَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ، أَوْ رَضِيَ بِبَقَائِهَا، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ حَافِرُهَا مِمَّا يَقَعُ فِيهَا. (٢)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الاِكْتِفَاءِ بِوُجُودِ السَّبَبِ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ أَوِ الْوَاقِعَةُ الَّتِي يَنْشَأُ بِهَا الْحَقُّ الْمُبْرَأُ مِنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَجِبِ الْحَقُّ بَعْدُ، وَقَدْ تَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ الْحَطَّابُ فِي (الاِلْتِزَامَاتِ) فَعَقَدَ فَصْلاً لإِِسْقَاطِ الْحَقِّ стр. 239
قَبْل وُجُوبِهِ، وَتَعَرَّضَ لِلْمَسَائِل الْمَشْهُورَةِ، وَكَرَّرَ الإِْشَارَةَ لِلْخِلاَفِ، وَاسْتَظْهَرَ الاِكْتِفَاءَ بِالسَّبَبِ. وَمِمَّا قَال: " إِذَا أَبْرَأَتِ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا مِنْ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ قَبْل الْبِنَاءِ وَقَبْل أَنْ يَفْرِضَ لَهَا، فَقَال ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ: يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الإِْبْرَاءِ مِمَّا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ قَبْل حُصُول الْوُجُوبِ (وَذَكَرَ عِبَارَاتٍ شَتَّى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إِلَى تَقَدُّمِ سَبَبِ الْوُجُوبِ أَوْ حُصُول الْوُجُوبِ) ثُمَّ قَال: فَهُوَ إِسْقَاطٌ لِلْحَقِّ قَبْل وُجُوبِهِ بَعْدَ سَبَبِهِ ". (١)
ثُمَّ أَشَارَ الْحَطَّابُ إِلَى مَسْأَلَةِ إِسْقَاطِ الْمَرْأَةِ عَنْ زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَل فَقَال: فِي لُزُومِ ذَلِكَ قَوْلاَنِ: هَل يَلْزَمُهَا؛ لأَِنَّ سَبَبَ وُجُوبِهَا قَدْ وُجِدَ، أَوْ لاَ يَلْزَمُهَا؛ لأَِنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ؟ قَوْلاَنِ حَكَاهُمَا ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ " ثُمَّ قَال آخِرَ الْمَسْأَلَةِ: " وَالَّذِي تَحَصَّل مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْقَطَتْ عَنْ زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَل لَزِمَهَا ذَلِكَ عَلَى الْقَوْل الرَّاجِحِ ". (٢)
٣٨ - وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي وُجُوبِ الْحَقِّ الْمُبْرَأِ مِنْهُ إِنَّمَا هِيَ لِلْوَاقِعِ لاَ لِلاِعْتِقَادِ، فَلَوْ أَبْرَأَهُ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنْ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، صَحَّ الإِْبْرَاءُ لِمُصَادَفَتِهِ الْحَقَّ الْوَاجِبَ. وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى تَصْرِيحٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ سِوَى الاِسْتِئْنَاسِ بِمَا سَبَقَ стр. 240
فِي شَرْطِ (سَبْقِ الْمِلْكِ) مِنَ اكْتِفَائِهِمْ بِالْوَاقِعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ، أَوْ عَدَمُهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ. (١)
كَمَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِصِحَّةِ الإِْبْرَاءِ قَبْل حُلُول الدَّيْنِ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ عِبَارَاتِ غَيْرِهِمْ، لِجَعْلِهِمْ مُتَعَلِّقَ الإِْبْرَاءِ هُوَ الْحَقُّ الْوَاجِبُ لاَ وَقْتُ وُجُوبِهِ، وَلاِعْتِبَارِهِمُ الْحُلُول وَالتَّأْجِيل صِفَتَيْنِ، وَالإِْبْرَاءُ يَتَّصِل بِأَصْل وُجُوبِ الْحَقِّ لاَ بِصِفَاتِهِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الإِْبْرَاءَ هُوَ لِسُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ مُطْلَقًا، فَالْحَقُّ يُعْتَبَرُ وَاجِبًا وَلَوْ تَأَخَّرَ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِهِ. (٢)
مَوْضُوعُ الإِْبْرَاءِ
٣٩ - الإِْبْرَاءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُهُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، أَوْ عَيْنًا (مَالاً مُعَيَّنًا) أَوْ حَقًّا مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي تَقْبَل الإِْسْقَاطَ، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
الإِْبْرَاءُ عَنِ الدَّيْنِ:
٤٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الدُّيُونَ الثَّابِتَةَ فِي الذِّمَمِ يَجْرِي فِيهَا الإِْبْرَاءُ، لِلأَْدِلَّةِ السَّابِقَةِ فِي بَيَانِ حُكْمِهِ التَّكْلِيفِيِّ، لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ مَدَارُهُ إِسْقَاطُ مَا فِي الذِّمَمِ.
الإِْبْرَاءُ عَنِ الْعَيْنِ:
٤١ - الإِْبْرَاءُ عَنِ الْعَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ دَعْوَى الْعَيْنِ، أَوْ عَنِ الْعَيْنِ نَفْسِهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَنِ الإِْبْرَاءِ عَنِ الدَّعْوَى بِصَدَدِ الْحُقُوقِ.
أَمَّا الإِْبْرَاءُ عَنِ الْعَيْنِ نَفْسِهَا بِمَعْنَى الإِْسْقَاطِ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّ الأَْعْيَانَ لاَ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ، стр. 241
فَلاَ تُوصَفُ بِالْبَرَاءَةِ، فَإِذَا أُطْلِقَ هَذَا التَّعْبِيرُ فَالْمُرَادُ الصَّحِيحُ مِنْهُ الإِْبْرَاءُ عَنْ عُهْدَتِهَا أَوْ دَعْوَاهَا وَالْمُطَالَبَةِ بِهَا، كَمَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (أَوْ هُوَ ثُبُوتُ الْبَرَاءَةِ بِالنَّفْيِ مِنَ الأَْصْل، أَوْ بِرَدِّ الْعَيْنِ إِلَى صَاحِبِهَا فِي إِبْرَاءِ الاِسْتِيفَاءِ الَّذِي عُنِيَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ) أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا أَنَّ الْمُرَادَ سُقُوطُ الطَّلَبِ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ إِذَا فَوَّتَهَا الْمُبْرَأُ، وَسُقُوطُ الطَّلَبِ بِرَفْعِ الْيَدِ عَنْهَا إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً. (١)
وَلِلْحَنَفِيَّةِ هُنَا تَفْصِيلٌ بَيْنَ الإِْبْرَاءِ عَنِ الْعَيْنِ صَرَاحَةً، وَبَيْنَ الإِْبْرَاءِ عَنْهَا ضِمْنًا، أَوْ مِنْ خِلاَل الإِْبْرَاءِ الْعَامِّ، فَإِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ ضِمْنِيًّا كَمَا لَوْ جَاءَ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ، فَعَلَى جَوَابِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالإِْبْرَاءُ، وَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ هَذَا بِمَعْنَى الإِْبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى الْعَيْنِ لاَ عَنِ الْعَيْنِ نَفْسِهَا. وَعَلَى جَوَابِ الْهِدَايَةِ لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ الصُّلْحَ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى بِهِ إِسْقَاطٌ لِلْبَاقِي، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الإِْبْرَاءِ عَنِ الْعَيْنِ مُبَاشَرَةً.
وَإِنْ كَانَ الإِْبْرَاءُ عَامًّا فَإِنَّهُ يَشْمَل الأَْعْيَانَ وَغَيْرَهَا، فَالْخِلاَفُ لَيْسَ فِي هَذَا. فَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ كَالْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّ الإِْبْرَاءَ مَتَى стр. 242
لاَقَى عَيْنًا لاَ يَصِحُّ، مَحْمُولٌ - كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ - عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الإِْبْرَاءُ الْمُقَيَّدُ بِالْعَيْنِ.
ثُمَّ قَال: وَمَعْنَى بُطْلاَنِ الإِْبْرَاءِ عَنِ الأَْعْيَانِ أَنَّهَا لاَ تَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى دَعْوَاهُ، بَل تَسْقُطُ فِي الْحُكْمِ. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى لاِبْنِ عَابِدِينَ: مَعْنَاهُ أَنَّ لِلْمُبْرِئِ أَخْذَ الْعَيْنِ مَا دَامَتْ قَائِمَةً، فَلَوْ هَلَكَتْ سَقَطَ (أَيْ ضَمَانُهَا) لأَِنَّهَا بِالإِْبْرَاءِ صَارَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ، أَيْ أَمَانَةً. (١)
وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ عَدَمِ تَصْحِيحِ الإِْبْرَاءِ عَنِ الْعَيْنِ نَفْسِهَا مَا لَوْ كَانَتِ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً، كَالدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّ الإِْبْرَاءَ عَنْهَا صَحِيحٌ سَوَاءٌ أَكَانَتْ هَالِكَةً أَمْ قَائِمَةً، لأَِنَّ الْهَالِكَةَ كَالدَّيْنِ، وَالْقَائِمَةَ يُرَادُ الْبَرَاءَةُ عَنْ ضَمَانِهَا لَوْ هَلَكَتْ، فَتَصِيرُ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ كَالْوَدِيعَةِ، وَالإِْبْرَاءُ عَنِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ أَمَانَةٌ يَصِحُّ قَضَاءً لاَ دِيَانَةً.
الإِْبْرَاءُ عَنِ الْحُقُوقِ:
٤٢ - الْحُقُوقُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَقًّا خَالِصًا لِلَّهِ ، أَوْ حَقًّا خَالِصًا لِلْعَبْدِ، أَوْ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهَا حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ مَعَ غَلَبَةِ أَحَدِهِمَا. وَهِيَ إِمَّا مَالِيَّةٌ كَالْكَفَالَةِ، أَوْ غَيْرُ مَالِيَّةٍ، كَحَدِّ الْقَذْفِ.
وَالإِْبْرَاءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُهُ حَقًّا بِعَيْنِهِ، أَوْ جَمِيعَ الْحُقُوقِ، بِحَسَبِ الصِّيغَةِ، كَمَا لَوْ قَال: لاَ حَقَّ لِي قِبَل فُلاَنٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا يَقْتَضِي الْعُرْفُ اسْتِيعَابَهُ جَمِيعَ الْحُقُوقِ، عَلَى الرَّاجِحِ الْمُصَرَّحِ بِهِ عِنْدَ стр. 243
الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ مِنِ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ وَعَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأَْلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الدَّلاَلَةِ بِحَسَبِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، كَمَا قِيل مِنْ أَنَّ (عِنْدَ) وَ (مَعَ) لِلأَْمَانَاتِ، وَ (عَلَى) لِلدُّيُونِ، عَلَى مَا سَبَقَ.
وَقَدْ تَوَسَّعَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُرَادِ بِالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ حَتَّى جَعَلُوهَا تَشْمَل " الدُّيُونَ وَالْقَرْضَ وَالْقِرَاضَ وَالْوَدَائِعَ وَالرُّهُونَ وَالْمِيرَاثَ، وَكَذَلِكَ الْحَقُّ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الإِْتْلاَفِ كَالْغُرْمِ لِلْمَال " وَهُوَ إِطْلاَقٌ اصْطِلاَحِيٌّ لَيْسَ خَاصًّا بِهِمْ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ قَال: لاَ حَقَّ لِي قِبَل فُلاَنٍ، يَدْخُل الْعَيْنُ وَالدَّيْنُ وَالْكَفَالَةُ وَالْجِنَايَةُ. (١)
فَالإِْبْرَاءُ عَنِ الْحُقُوقِ الْخَالِصَةِ لِلْعَبْدِ، كَالْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ، صَحِيحٌ بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. أَمَّا الْحُقُوقُ الْخَالِصَةُ لِلَّهِ ، كَحَدِّ الزِّنَى فَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ عَنْهَا. وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ بَعْدَ طَلَبِهِ، وَحَدِّ السَّرِقَةِ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ. وَأَمَّا الْحُقُوقُ الَّتِي غَلَبَ فِيهَا حَقُّ الْعَبْدِ، كَالتَّعْزِيرِ فِي قَذْفٍ لاَ حَدَّ فِيهِ، فَيَصِحُّ الإِْبْرَاءُ عَنْهُ. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ مَوْطِنُهُ الأَْبْوَابُ الَّتِي يُفَصَّل فِيهَا ذَلِكَ الْحَقُّ.
الإِْبْرَاءُ عَنْ حَقِّ الدَّعْوَى:
٤٣ - الإِْبْرَاءُ عَنِ الدَّعْوَى إِمَّا أَنْ يَرِدَ عَامًّا أَوْ خَاصًّا، وَكَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَحْصُل أَصَالَةً أَوْ تَبَعًا، وَبَيَانُهُ فِيمَا يَلِي: стр. 244
يَكُونُ الإِْبْرَاءُ عَنِ الدَّعْوَى عَامًّا مُطْلَقًا إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الْمُخَاصَمَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ تُجَاهَ شَخْصٍ مَا، فَهَذَا لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ يَتَنَاوَل الْمَوْجُودَ وَمَا لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، وَالإِْبْرَاءُ عَمَّا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ وُجُوبِهِ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا. (١)
وَمِنَ الْعَامِّ نِسْبِيًّا الإِْبْرَاءُ عَنْ جَمِيعِ الدَّعَاوَى الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَخْصٍ إِلَى تَارِيخِ الإِْبْرَاءِ، فَهَذَا الإِْبْرَاءُ صَحِيحٌ، وَلاَ تُسْمَعُ بَعْدَ ذَلِكَ دَعْوَاهُ بِحَقٍّ قَبْل الإِْبْرَاءِ. (٢)
وَالْخَاصُّ مَا كَانَ عَنْ دَعْوَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اتِّفَاقًا، وَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ عَنْ تِلْكَ الْعَيْنِ. (٣)
وَحَقَّقَ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي الإِْبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى الْعَيْنِ فِي صُورَةِ التَّغْمِيمِ بَيْنَ الإِْخْبَارِ وَالإِْنْشَاءِ، خِلاَفًا لِمَنْ أَبْطَل إِنْشَاءَ الإِْبْرَاءِ عَنْ جَمِيعِ الدَّعَاوَى، وَقَصَرَ الصِّحَّةَ عَلَى الإِْخْبَارِ أَوِ الإِْبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى مَخْصُوصَةٍ. (٤) стр. 245
هَذَا عَنِ الدَّعْوَى أَصَالَةً. أَمَّا الإِْبْرَاءُ عَنْهَا تَبَعًا فَهُوَ مَال الإِْبْرَاءِ عَنِ الْعَيْنِ إِذْ يَنْصَرِفُ إِلَى الإِْبْرَاءِ عَنْ ضَمَانِهَا أَوْ عَنْ دَعْوَاهَا، لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ عَنِ الْعَيْنِ نَفْسِهَا بَاطِلٌ، وَهِيَ لاَ تُوصَفُ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى مَا سَبَقَ.
أَنْوَاعُ الإِْبْرَاءِ:
٤٤ - الإِْبْرَاءُ عَلَى نَوْعَيْنِ: عَامٌّ وَخَاصٌّ. وَالْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ هُنَا بِالنِّسْبَةِ لأَِصْل الصِّيغَةِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
أَمَّا الْعَامُّ فَهُوَ مَا يُبْرَأُ بِهِ عَنْ كُل عَيْنٍ وَدَيْنٍ وَحَقٍّ، وَأَلْفَاظُهُ كَثِيرَةٌ وَلِلْعُرْفِ فِيهَا مَدْخَلٌ، عَلَى مَا سَبَقَ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِتَفْصِيلٍ لِفِكْرَةِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ لَمْ نَقِفْ عَلَى مِثْلِهِ صَرِيحًا عِنْدَ غَيْرِهِمْ، إِذْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَسْتَوِي فِي الْعُمُومِ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيل الإِْخْبَارِ، كَمَا لَوْ قَال: هُوَ بَرِيءٌ مِنْ حَقِّي. وَأَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيل الإِْنْشَاءِ، كَقَوْلِهِ: أَبْرَأْتُكَ مِنْ حَقِّي، عَلَى مَا بَحَثَهُ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ الْحَنَفِيُّ. (١)
أَمَّا الإِْبْرَاءُ الْخَاصُّ، فَلَهُ عِدَّةُ صُوَرٍ فِيهَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ تَبَعًا لِمَوْضُوعِ الإِْبْرَاءِ:
أ - إِبْرَاءٌ خَاصٌّ بِدَيْنٍ خَاصٍّ، كَأَبْرَأْتُهُ مِنْ دَيْنِ كَذَا، أَوْ بِدَيْنٍ عَامٍّ، كَأَبْرَأْتُهُ مِمَّا لِي عَلَيْهِ. فَيَبْرَأُ عَنِ стр. 246
الدَّيْنِ الْخَاصِّ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى وَعَنْ كُل دَيْنٍ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، دُونَ التَّعَيُّنِ.
ب - إِبْرَاءٌ خَاصٌّ بِعَيْنٍ خَاصَّةٍ، كَأَبْرَأْتُهُ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ بِكُل عَيْنٍ، أَوْ خَاصٌّ بِالأَْمَانَاتِ دُونَ الْمَضْمُونَاتِ. (١) (ثُمَّ هَذَا الإِْبْرَاءُ عَنِ الْعَيْنِ إِمَّا عَنْهَا نَفْسِهَا وَإِمَّا عَنْ دَعْوَاهَا وَهُوَ مَا عَلَى سَبِيل الإِْنْشَاءِ أَوِ الإِْخْبَارِ، وَأَثَرُ هَذَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَوْضُوعِ الإِْبْرَاءِ) .
وَالإِْبْرَاءُ يَتَّبِعُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَصْل الصِّيغَةِ أَوْ فِي الْمَوْضُوعِ، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُدَّعِي الْمُبْرِئِ فِيمَا تَنَاوَل الإِْبْرَاءَ. فَالإِْبْرَاءُ الْعَامُّ يَدْخُل فِيهِ الْبَرَاءَةُ عَنْ كُل حَقٍّ، وَلَوْ غَيْرَ مَالِيٍّ كَالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ. كَمَا يَدْخُل مَا هُوَ بَدَلٌ عَمَّا هُوَ مَالٌ كَالثَّمَنِ وَالأُْجْرَةِ، أَوْ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، كَالْمَهْرِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَمَا هُوَ مَضْمُونٌ كَالْمَغْصُوبِ، أَوْ أَمَانَةٌ كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ، عَلَى مَا حَقَّقَهُ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ (٢) .
شُمُول الإِْبْرَاءِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَنُ وَالْمِقْدَارُ:
٤٥ - الإِْبْرَاءُ لاَ يَشْمَل مَا بَعْدَ تَارِيخِهِ مِنْ دُيُونٍ أَوْ حُقُوقٍ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا قَبْلَهُ، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُبْرِئِ، بَعْدَ إِبْرَائِهِ الْعَامِّ بِشَيْءٍ سَابِقٍ لِتَارِيخِهِ، وَذَلِكَ لِلاِتِّفَاقِ عَلَى اشْتِرَاطِ وُجُودِ سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ لِصِحَّةِ الإِْبْرَاءِ عَلَى مَا سَبَقَ. стр. 247
عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ خَاصًّا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِهِ أَصْلاً، وَهَذَا إِذَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، أَمَّا لَوِ ادَّعَاهُ لِغَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِصَايَةٍ فَإِنَّ دَعْوَاهُ تُسْمَعُ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ لِغَيْرِهِ، فَكَمَا لاَ يَمْلِكُ أَنْ يَدَّعِيَهَا لِنَفْسِهِ لاَ يَمْلِكُ أَنْ يَدَّعِيَهَا لِغَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِصَايَةٍ.
وَلاَ يَشْمَل الإِْبْرَاءُ ضَمَانَ الاِسْتِحْقَاقِ، لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ ذَلِكَ الضَّمَانَ الْحَادِثَ بَعْدَ الاِسْتِحْقَاقِ وَبَعْدَ الْحُكْمِ بِالرُّجُوعِ بِهِ، وَكُل ذَلِكَ لاَحِقٌ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ. وَقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذَا الشُّمُول وَحُدُودِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ بِقَوْلِهِ: " الْبَرَاءَةُ السَّابِقَةُ لاَ تَعْمَل فِي الدَّيْنِ اللاَّحِقِ ". (١)
وَمِمَّا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ هُنَا أَنَّهُ لاَ تُقْبَل دَعْوَى الْمُبْرِئِ أَنَّ الإِْبْرَاءَ إِنَّمَا كَانَ مِمَّا وَقَعَتْ فِيهِ الْخُصُومَةُ فَقَطْ، وَكَذَا إِذَا قَال: لَيْسَ قَصْدِي عُمُومَ الإِْبْرَاءِ بَل تَعَلُّقَهُ بِشَيْءٍ خَاصٍّ، وَهُوَ كَذَا، فَلاَ يُقْبَل مِنْهُ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، فَفِي ادِّعَاءِ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ بِقَلْبِهِ يُقْبَل، وَلِخَصْمِهِ تَحْلِيفُهُ.
وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِْثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْحَقَّ الْمُدَّعَى بِهِ حَصَل بَعْدَ الإِْبْرَاءِ لِتُقْبَل دَعْوَاهُ بِهِ، كَمَا لاَ تُقْبَل دَعْوَاهُ الْجَهْل بِقَدْرِ الْمُبْرَأِ مِنْهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، وَكَذَلِكَ دَعْوَى النِّسْيَانِ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ فَصَّلُوا فِي الْجَهْل بَيْنَ مَا إِذَا بَاشَرَ سَبَبَ الدَّيْنِ بِنَفْسِهِ، أَوْ رُوجِعَ إِلَيْهِ عِنْدَ السَّبَبِ стр. 248
فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَل، وَإِلاَّ فَيُقْبَل، وَفِي دَعْوَى النِّسْيَانِ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ. (١)
سَرَيَانُهُ مِنْ حَيْثُ الأَْشْخَاصُ:
٤٦ - لِلإِْبْرَاءِ - عَدَا شُمُولِهِ الزَّمَنِيِّ - سَرَيَانٌ لِغَيْرِ الْمُبْرَأِ أَحْيَانًا. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا لَوْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ بَعْضِ الثَّمَنِ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَفِيدُ مِنْ ذَلِكَ الإِْبْرَاءِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ مِقْدَارُ مَا حَطَّهُ الْبَائِعُ عَنِ الْمُشْتَرِي. وَنَحْوُهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهُوَ أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ إِنْ كَانَ يَصْلُحُ ثَمَنًا (بِأَنْ كَانَ الإِْبْرَاءُ عَنِ الأَْقَل) اسْتَفَادَ الشَّفِيعُ مِنَ الإِْبْرَاءِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ كَانَ الإِْبْرَاءُ عَنِ الأَْكْثَرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى كُلِّهِ قَبْل الْحَطِّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ يَصِحُّ وَلاَ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ سِوَى الْمُشْتَرِي، أَمَّا الشَّفِيعُ فَيَأْخُذُ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ أَوْ يَتْرُكُ. (٢)
وَمِنْ ذَلِكَ الْكَفَالَةُ، فَإِنَّ إِبْرَاءَ الأَْصِيل يَسْرِي إِلَى الْكَفِيل، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَبْرَأَ الْكَفِيل فَإِنَّهُ يَبْرَأُ وَحْدَهُ؛ لأَِنَّ إِبْرَاءَهُ إِسْقَاطٌ لِلْوَثِيقَةِ، وَهِيَ لاَ تَقْتَضِي سُقُوطَ أَصْل الدَّيْنِ، وَهَذَا إِنْ أَبْرَأَهُ مِنَ الضَّمَانِ، أَمَّا إِنْ стр. 249
أَبْرَأَهُ مِنَ الدَّيْنِ فَيَنْبَغِي عَلَى مَا قَال الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ بَرَاءَةُ الأَْصِيل؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا تَعَدَّدَتْ مَحَالُّهُ. وَكَذَلِكَ إِنْ تَكَرَّرَ الْكُفَلاَءُ وَتَتَابَعُوا، فَإِنَّ إِبْرَاءَ غَيْرِ الأَْصِيل مِنَ الْمُلْتَزِمِينَ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ مَنْ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّهُمْ فَرْعُهُ، لاَ مَنْ قَبْلَهُ؛ لأَِنَّ الأَْصِيل لاَ يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ فَرْعِهِ.
وَفِي الْغَصْبِ إِنْ أَبْرَأَ غَاصِبَ الْغَاصِبِ بَرِئَ الأَْوَّل أَيْضًا، أَمَّا إِنْ أَبْرَأَ الْغَاصِبَ الأَْوَّل فَقَطْ فَلاَ يَبْرَأُ الثَّانِي. (١)
التَّعْلِيقُ وَالتَّقْيِيدُ وَالإِْضَافَةُ فِي الإِْبْرَاءِ:
٤٧ - مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ التَّعْلِيقَ هُوَ رَبْطُ وُجُودِ الشَّيْءِ بِوُجُودِ غَيْرِهِ، فَهُوَ مَانِعٌ لِلاِنْعِقَادِ مَا لَمْ يَحْصُل الشَّرْطُ.
أَمَّا التَّقْيِيدُ فَلاَ صِلَةَ لَهُ بِالاِنْعِقَادِ، بَل هُوَ لِتَعْدِيل آثَارِ الْعَقْدِ الأَْصْلِيَّةِ، وَيُسَمَّى الاِقْتِرَانَ بِالشَّرْطِ. وَأَمَّا الإِْضَافَةُ فَهِيَ لِتَأْخِيرِ بَدْءِ الْحُكْمِ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ. (٢)
وَقَدْ جَاءَتْ بَعْضُ الصُّوَرِ الْمُتَشَابِهَةِ مَعَ اخْتِلاَفِ حُكْمِهَا بِسَبَبِ اعْتِبَارِهَا تَعْلِيقًا أَوْ تَقْيِيدًا لِلتَّجَوُّزِ فِي стр. 250
تَسْمِيَتِهَا عَلَى الْحَالَيْنِ تَعْلِيقًا عَلَى الشَّرْطِ نَظَرًا لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِيهِمَا. (١)
أ - التَّعْلِيقُ عَلَى شَرْطٍ:
٤٨ - تَعْلِيقُ الإِْبْرَاءِ إِنْ كَانَ عَلَى شَرْطٍ كَائِنٍ بِالْفِعْل فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُنَجَّزِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَوْتِ فَهُوَ كَالإِْضَافَةِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا. وَإِنْ كَانَ عَلَى شَرْطٍ مُلاَئِمٍ كَقَوْلِهِ: إِنْ كَانَ لِي عَلَيْكَ دَيْنٌ، أَوْ: إِنْ مِتُّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ، فَهَذَا جَائِزٌ اتِّفَاقًا. وَقَدِ احْتُجَّ لِجَوَازِهِ بِأَنَّ أَبَا الْيُسْرِ الصَّحَابِيَّ قَال لِغَرِيمِهِ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ، وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ. قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهَذَا مُتَّجِهٌ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا (يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ) . (٢)
وَأَمَّا التَّعْلِيقُ عَلَى شَرْطٍ مِنْ غَيْرِ مَا سَبَقَ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ الإِْبْرَاءِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ آرَاءٌ:
أَحَدُهَا: عَدَمُ الْجَوَازِ وَلَوْ كَانَ الشَّرْطُ مُتَعَارَفًا عَلَيْهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الْمَنْصُوصَةُ عَنْ أَحْمَدَ، لِمَا فِي الإِْبْرَاءِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَالتَّعْلِيقُ مَشْرُوعٌ فِي الإِْسْقَاطَاتِ الْمَحْضَةِ لاَ فِي التَّمْلِيكَاتِ، فَإِنَّهَا لاَ تَقْبَل التَّعْلِيقَ.
الثَّانِي: جَوَازُ التَّعْلِيقِ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مُتَعَارَفًا عَلَيْهِ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ فِي عَكْسِهِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. следующие страницы →