← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

ثَانِيًا: بِالنِّسْبَةِ لِلصَّيْدِ: ٣ - يُشْتَرَطُ لإِِبَاحَةِ مَا قَتَلَهُ الْحَيَوَانُ الْجَارِحُ إِرْسَال الصَّائِدِ لَهُ. فَإِذَا اسْتَرْسَل مِنْ نَفْسِهِ دُونَ إِرْسَال الصَّائِدِ فَلاَ يَحِل مَا قَتَلَهُ، إِلاَّ إِذَا وَجَدَهُ غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِل فَذَكَّاهُ. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) ، إِلاَّ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا إِذَا أَشْلاَهُ الصَّائِدُ - أَيْ أَغْرَاهُ - أَوْ زَجَرَهُ أَثْنَاءَ اسْتِرْسَالِهِ، هَل يَحِل أَوْ لاَ؟ عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (صَيْد - وَإِرْسَال) . ثَالِثًا: بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلاَءِ: ٤ - إِذَا تَزَوَّجَ الْمَمْلُوكُ حُرَّةً مَوْلاَةً لِقَوْمٍ أَعْتَقُوهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلاَدًا فَهُمْ مَوَالٍ لِمَوَالِي أُمِّهِمْ، مَا دَامَ الأَْبُ رَقِيقًا مَمْلُوكًا، فَإِذَا عَتَقَ الأَْبُ اسْتُرْسِل الْوَلاَءُ (انْجَرَّ وَانْسَحَبَ) مِنْ مَوَالِي الأُْمِّ إِلَى مَوَالِي الْعَبْدِ. أَمَّا لَوْ وَلَدَتْ الأَْمَةُ قَبْل عِتْقِهَا، ثُمَّ عَتَقَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ يَنْسَحِبُ الْوَلاَءُ؛ لأَِنَّ الْوَلَدَ مَسَّهُ رِقٌّ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (٢) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٥ - يُنْظَرُ تَفْصِيل هَذِهِ الْمَوَاضِيعِ فِي بَابِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ، وَفِي بَابِ الْوَلاَءِ، وَفِي شُرُوطِ حِل الصَّيْدِ فِي بَابِ الصَّيْدِ (٣) .

стр. 1927

اسْتِرْقَاقٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِرْقَاقُ لُغَةً: الإِْدْخَال فِي الرِّقِّ، وَالرِّقُّ (١) : كَوْنُ الآْدَمِيِّ مَمْلُوكًا مُسْتَعْبَدًا. وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ عَنْ ذَلِكَ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الأَْسْرُ وَالسَّبْيُ: ، ٢ - الأَْسْرُ هُوَ: الشَّدُّ بِالإِْسَارِ، وَالإِْسَارُ: مَا يُشَدُّ بِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ الأَْسْرُ عَلَى الأَْخْذِ ذَاتِهِ. وَالسَّبْيُ هُوَ: الأَْسْرُ أَيْضًا، وَلَكِنْ يَغْلِبُ إِطْلاَقُ السَّبْيِ عَلَى أَخْذِ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ. وَالأَْسْرُ وَالسَّبْيُ مَرْحَلَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الاِسْتِرْقَاقِ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَدْ يَتْبَعُهَا اسْتِرْقَاقٌ أَوْ لاَ يَتْبَعُهَا، إِذْ قَدْ يُؤْخَذُ الْمُحَارِبُ، ثُمَّ يُمَنُّ عَلَيْهِ، أَوْ يُفْدَى، أَوْ يُقْتَل وَلاَ يُسْتَرَقُّ (٢) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلاِسْتِرْقَاقِ: ٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِرْقَاقِ بِاخْتِلاَفِ الْمُسْتَرَقِّ (بِالْفَتْحِ) ، فَإِنْ كَانَ الأَْسِيرُ مِمَّنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْحَرْبِ فَلاَ يَجِبُ اسْتِرْقَاقُهُ، بَل يَجُوزُ، وَيَكُونُ النَّظَرُ فِيهِ إِلَى

стр. 1928

الإِْمَامِ، إِنْ رَأَى فِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ، وَإِنْ رَأَى فِي اسْتِرْقَاقِهِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ اسْتَرَقَّهُ، كَمَا يَجُوزُ الْمَنُّ وَالْفِدَاءُ أَيْضًا. أَمَّا إِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْحَرْبِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ اسْتِرْقَاقِهِ، بَل إِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ يُسْتَرَقُّ بِنَفْسِ الأَْسْرِ (١) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِ، حَيْثُ يُخَيَّرُ الإِْمَامُ بَيْنَ الاِسْتِرْقَاقِ وَغَيْرِهِ، كَجَعْلِهِمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْمُفَادَاةِ بِهِمْ (٢) ، أَوِ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ - كَمَا فَعَل الرَّسُول ﷺ فِي فَتْحِ مَكَّةَ - عَلَى مَا يَرَى مِن الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ. وَلِلتَّفْصِيل (ر: أَسْرَى) حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الاِسْتِرْقَاقِ: ٤ - قَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبُخَارِيُّ شَيْخُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: " الرِّقُّ إِنَّمَا ثَبَتَ فِي بَنِي آدَمَ لاِسْتِنْكَافِهِمْ مِنْ عُبُودِيَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَكُلُّهُمْ عَبِيدُهُ وَأَرِقَّاؤُهُ، فَإِنَّهُ خَلَقَهُمْ وَكَوَّنَهُمْ، فَلَمَّا اسْتَنْكَفُوا عَنْ عُبُودِيَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى جَزَاهُمْ بِرِقِّهِمْ لِعِبَادِهِ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ فَقَدْ أَعَادَهُ الْمُعْتِقُ إِلَى رِقِّهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا، فَعَسَى يَرَى هَذِهِ الْمِنَّةَ: أَنَّهُ لَوِ اسْتَنْكَفَ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لاَبْتُلِيَ بِرِقٍّ لِعَبِيدِهِ، فَيُقِرُّ لِلَّهِ تَعَالَى

стр. 1929

بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَيَفْتَخِرُ بِعُبُودِيَّتِهِ (١) ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ . (٢) ٥ - وَكَانَ طَرِيقُ التَّخَلُّصِ مِنَ الرِّقِّ الَّذِي انْتَهَجَهُ الإِْسْلاَمُ يَتَلَخَّصُ فِي أَمْرَيْنِ: الأَْمْرُ الأَْوَّل: حَصْرِ مَصَادِرِ الاِسْتِرْقَاقِ بِمَصْدَرَيْنِ اثْنَيْنِ لاَ ثَالِثَ لَهُمَا، وَإِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ أَيُّ مَصْدَرٍ غَيْرُهُمَا مَصْدَرًا مَشْرُوعًا لِلاِسْتِرْقَاقِ: أَحَدُهُمَا: الأَْسْرَى وَالسَّبْيُ مِنْ حَرْبٍ لِعَدُوٍّ كَافِرٍ إِذَا رَأَى الإِْمَامُ أَنَّ مِنَ الْمَصْلَحَةِ اسْتِرْقَاقَهُمْ. وَثَانِيهُمَا: مَا وُلِدَ مِنْ أُمٍّ رَقِيقَةٍ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا، أَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ سَيِّدِهَا فَهُوَ حُرٌّ. الأَْمْرُ الثَّانِي: فَتْحُ أَبْوَابِ تَحْرِيرِ الرَّقِيقِ عَلَى مَصَارِيعِهَا، كَالْكَفَّارَاتِ، وَالنُّذُورِ، وَالْعِتْقِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُكَاتَبَةِ، وَالاِسْتِيلاَدِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالْعِتْقِ بِمِلْكِ الْمَحَارِمِ، وَالْعِتْقِ بِإِسَاءَةِ الْمُعَامَلَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. ٦ - مَنْ لَهُ حَقُّ الاِسْتِرْقَاقِ: اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الَّذِي لَهُ حَقُّ الاِسْتِرْقَاقِ أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ هُوَ الإِْمَامُ الأَْعْظَمُ لِلْمُسْلِمِينَ، بِحُكْمِ وِلاَيَتِهِ الْعَامَّةِ، أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ، وَلِذَلِكَ جُعِل إِلَيْهِ أَمْرُ الْخِيَارِ فِي الاِسْتِرْقَاقِ وَعَدَمِهِ (٣) .

стр. 1930

أَسْبَابُ الاِسْتِرْقَاقِ: أَوَّلاً - مَنْ يُضْرَبُ عَلَيْهِ الرِّقُّ: ٧ - لاَ يَجُوزُ ضَرْبُ الرِّقِّ عَلَى النِّسَاءِ إِلاَّ إِذَا تَوَفَّرَتْ فِيمَنْ يُسْتَرَقُّ صِفَتَانِ: الصِّفَةُ الأُْولَى الْكُفْرُ، وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ الْحَرْبُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُحَارِبًا بِنَفْسِهِ، أَمْ تَابِعًا لِمُحَارِبٍ، عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: أ - الأَْسْرَى مِن الَّذِينَ اشْتَرَكُوا فِي حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ فِعْلاً . ٨ - وَهَؤُلاَءِ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، أَوْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، أَوْ مِنَ الْبُغَاةِ. (١) فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ: جَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ بِالاِتِّفَاقِ، وَالْمَجُوسُ يُعَامَلُونَ مِثْلَهُمْ فِي هَذَا. (٢) أَمَّا إِنْ كَانُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ. وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ. أَمَّا إِنْ كَانُوا مِنَ الْعَرَبِ: فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الْقُرَشِيِّينَ، فَقَالُوا: لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ، بَل لاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ، فَإِنْ رَفَضُوهُ قُتِلُوا؛ وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ هَذَا التَّفْرِيقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَالْقُرْآنَ نَزَل بِلُغَتِهِمْ، فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ، فَكَانَ

стр. 1931

كُفْرُهُمْ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - أَغْلَظَ مِنْ كُفْرِ الْعَجَمِ (١) . (٣) وَأَمَّا إِنْ كَانُوا مِنَ الْمُرْتَدِّينَ: فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ بِالاِتِّفَاقِ، وَلاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ، فَإِنْ رَفَضُوهُ قُتِلُوا لِغِلَظِ كُفْرِهِمْ (٢) . (٤) وَأَمَّا إِنْ كَانُوا مِنَ الْبُغَاةِ: فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ بِالاِتِّفَاقِ؛ لأَِنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَالإِْسْلاَمُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرِّقِّ (٣) . ب - الأَْسْرَى مِنَ الَّذِينَ أُخِذُوا فِي الْحَرْبِ مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، كَالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ: ٩ - وَهَؤُلاَءِ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ بِالاِتِّفَاقِ، إِنْ كَانُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، أَوْ مِنَ الْوَثَنِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ (٤) ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الرُّهْبَانَ الْمُنْقَطِعِينَ عَنِ النَّاسِ فِي الْجِبَال،

стр. 1932

إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَأْيٌ فِي الْحَرْبِ (١) ، وَإِنَّمَا كَانَ الاِسْتِرْقَاقُ لِهَؤُلاَءِ دُونَ الْقَتْل لِلتَّوَسُّل إِلَى إِسْلاَمِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْحَرْبِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ أَهْل الْكِتَابِ بِاسْتِرْقَاقِ رَسُول اللَّهِ نِسَاءَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ سَبْيِ الْمُرْتَدِّينَ بِاسْتِرْقَاقِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نِسَاءَ الْمُرْتَدِّينَ مِنَ الْعَرَبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ سَبْيِ الْمُشْرِكِينَ بِاسْتِرْقَاقِ رَسُول اللَّهِ نِسَاءَ هَوَازِنَ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَهُمْ مِنْ صَمِيمِ الْعَرَبِ (٢) . أَمَّا مَنْ يُؤْخَذُ مِنْ نِسَاءِ الْبُغَاةِ وَذَرَارِيِّهِمْ، فَلاَ يُسْتَرَقُّونَ بِالاِتِّفَاقِ؛ لأَِنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَالإِْسْلاَمُ يَمْنَعُ ضَرْبَ الرِّقِّ ابْتِدَاءً (٣) . ج - اسْتِرْقَاقُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الأَْسْرَى أَوِ السَّبْيِ: ١٠ - مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الأَْسْرَى بَعْدَ الأَْخْذِ فَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ لاَ يُنَافِي الرِّقَّ جَزَاءً عَلَى الْكُفْرِ الأَْصْلِيِّ، وَقَدْ وُجِدَ الإِْسْلاَمُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِ الْمِلْكِ، وَهُوَ الأَْخْذُ (٤) . د - الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ: ١١ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا ارْتَدَّتْ، وَأَصَرَّتْ عَلَى رِدَّتِهَا لاَ تُسْتَرَقُّ، بَل تُقْتَل كَالْمُرْتَدِّ، مَا دَامَتْ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ. وَعَنِ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ: تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ

стр. 1933

الإِْسْلاَمِ أَيْضًا. قِيل: لَوْ أُفْتِيَ بِهَذِهِ لاَ بَأْسَ بِهِ فِيمَنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، حَسْمًا لِقَصْدِهَا السَّيِّئِ بِالرِّدَّةِ مِنْ إِثْبَاتِ الْفُرْقَةِ (١) . هـ - اسْتِرْقَاقُ الذِّمِّيِّ النَّاقِضِ لِلذِّمَّةِ: ١٢ - إِذَا أَتَى الذِّمِّيُّ مَا يُعْتَبَرُ نَقْضًا لِلذِّمَّةِ - عَلَى اخْتِلاَفِ الاِجْتِهَادَاتِ فِيمَا يُعْتَبَرُ نَقْضًا لِلذِّمَّةِ وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ (ر: ذِمَّة) - فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ وَحْدَهُ، دُونَ نِسَائِهِ وَذَرَارِيِّهِ؛ لأَِنَّهُ بِنَقْضِهِ الذِّمَّةَ قَدْ عَادَ حَرْبِيًّا، فَيُطَبَّقُ عَلَيْهِ مَا يُطَبَّقُ عَلَى الْحَرْبِيِّينَ. أَمَّا نِسَاؤُهُ وَذَرَارِيُّهُ فَيَبْقَوْنَ عَلَى الذِّمَّةِ، إِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ نَقْضٌ لَهَا. (٢) و الْحَرْبِيُّ الَّذِي دَخَل إِلَيْنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ . ١٣ - إِذَا دَخَل الْحَرْبِيُّ بِلاَدَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَمُقْتَضَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ (٣) ، وَالشَّافِعِيَّةِ (٤) ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْجُمْلَةِ: أَنَّهُ يَصِيرُ فَيْئًا بِالدُّخُول، وَيَجُوزُ عِنْدَئِذٍ اسْتِرْقَاقُهُ، إِلاَّ الرُّسُل فَإِنَّهُمْ لاَ يُرَقُّونَ بِالاِتِّفَاقِ (ر: رَسُول) . وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ إِنَّمَا دَخَل لِيَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ، وَلِيَتَعَرَّفَ عَلَى شَرِيعَةِ الإِْسْلاَمِ فَإِنَّهُ لاَ يَصِيرُ فَيْئًا (٥) .

стр. 1934

ز - التَّوَلُّدُ مِنَ الرَّقِيقَةِ: ١٤ - مِنَ الْمُقَرَّرِ فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا كَانَتِ الأُْمُّ حُرَّةً كَانَ وَلَدُهَا حُرًّا، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً كَانَ وَلَدُهَا رَقِيقًا، وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١) . وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ التَّوَلُّدُ مِنْ سَيِّدِ الأَْمَةِ، إِذْ يُولَدُ حُرًّا وَيَنْعَقِدُ لأُِمِّهِ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ، فَتُصْبِحُ حُرَّةً بِمَوْتِ سَيِّدِهَا. انْتِهَاءُ الاِسْتِرْقَاقِ: ١٥ - يَنْتَهِي الاِسْتِرْقَاقُ بِالْعِتْقِ. وَالْعِتْقُ قَدْ يَكُونُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، كَمَنْ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ، وَكَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ. وَقَدْ يَكُونُ الْعِتْقُ بِالإِْعْتَاقِ لِمُجَرَّدِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِسَبَبٍ مُوجِبٍ لِلْعِتْقِ، كَأَنْ يُعْتِقَهُ فِي كَفَّارَةٍ (ر: كَفَّارَة) ، أَوْ نَذْرٍ (ر: نَذْر) . كَمَا تَنْتَهِي بِالتَّدْبِيرِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ حُرًّا دُبُرَ وَفَاتِهِ أَيْ بَعْدَهَا (ر: تَدْبِير) ، أَوْ بِالْمُكَاتَبَةِ، أَوْ إِجْبَارِ وَلِيِّ الأَْمْرِ سَيِّدًا عَلَى إِعْتَاقِ عَبْدِهِ لإِِضْرَارِهِ بِهِ (ر: عِتْق) . آثَارُ الاِسْتِرْقَاقِ: ١٦ - أ - يَتَرَتَّبُ عَلَى الاِسْتِرْقَاقِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَسْنُونَةِ إِذَا كَانَتْ مُخِلَّةً بِحَقِّ السَّيِّدِ، كَصَلاَةِ الْجَمَاعَةِ مَثَلاً (ر: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) ، أَوِ الْوَاجِبَاتِ الْكِفَائِيَّةِ؛ لإِِخْلاَلِهَا بِحَقِّ السَّيِّدِ أَيْضًا، أَوْ لأَِمْرٍ آخَرَ كَالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ يُرَخِّصُ

стр. 1935

لِلْعَبْدِ فِي تَرْكِهَا. وَمِنْهَا جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ عَنِ الْمَرْءِ بِاسْتِرْقَاقِهِ، لأَِنَّ الْعَبْدَ لاَ يَمْلِكُ الْمَال، كَالزَّكَاةِ، وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَالصَّدَقَاتِ وَالْحَجِّ. ١٧ - ب - الْوَاجِبَاتُ الْمَالِيَّةُ عَلَى مَنِ اسْتُرِقَّ إِنْ كَانَ لَهَا بَدَلٌ بَدَنِيٌّ، فَإِنَّهُ يُصَارُ إِلَى بَدَلِهَا، كَالْكَفَّارَاتِ، فَالرَّقِيقُ لاَ يُكَفِّرُ فِي الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ وَلاَ بِالإِْطْعَامِ وَلاَ بِالْكِسْوَةِ، وَلَكِنَّهُ يُكَفِّرُ بِالصِّيَامِ. أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ بَدَلٌ بَدَنِيٌّ، فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمُسْتَرَقِّ، فَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ عَلَى يَدِ إِنْسَانٍ فَقَطَعَهَا خَطَأً، وَكَانَتْ دِيَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، لَمْ يُكَلَّفِ الْمَالِكُ بِأَكْثَرَ مِنْ دَفْعِ الْعَبْدِ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، كَمَا يُذْكَرُ فِي أَبْوَابِ الْجِنَايَاتِ. وَكَذَا إِذَا اسْتَدَانَ مِنْ شَخْصٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنَّ هَذَا الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ، وَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَلاَ يُكَلَّفُ سَيِّدُهُ بِوَفَائِهِ. فَإِنِ اسْتُرِقَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَمْ يَسْقُطِ الدَّيْنُ عَنْهُ؛ لأَِنَّ شَغْل ذِمَّتِهِ قَدْ حَصَل، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ لِحَرْبِيٍّ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ؛ لِعَدَمِ احْتِرَامِ الْحَرْبِيِّ (١) . ١٨ - ج - وَالاِسْتِرْقَاقُ يَمْنَعُ الْمُسْتَرَقَّ مِنْ سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. ١٩ - د - كَمَا يَمْنَعُ الاِسْتِرْقَاقُ مِنْ سَائِرِ الاِسْتِحْقَاقَاتِ الْمَالِيَّةِ، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْهَا اسْتَحَقَّهُ الْمَالِكُ لاَ الرَّقِيقُ، فَالرَّقِيقُ لاَ يَرِثُ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ. وَإِنْ اسْتُرِقَّ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، فَإِنَّ سَيِّدَهُ هُوَ الَّذِي يُطَالَبُ بِهَذَا الدَّيْنِ، أَمَّا إِنْ كَانَ

стр. 1936

الدَّيْنُ عَلَى حَرْبِيٍّ فَيَسْقُطُ (١) . ٢٠ - هـ - وَإِذَا سُبِيَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ دُونَ وَالِدَيْهِ، حُكِمَ بِإِسْلاَمِهِ تَبَعًا لِلسَّابِي؛ لأَِنَّ لَهُ عَلَيْهِ وِلاَيَةً، وَلَيْسَ مَعَهُ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْهُ فَيَتْبَعُهُ (٢) . ٢١ - وَ - وَالاِسْتِرْقَاقُ يَمْنَعُ الرَّجُل مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الرَّقِيقَ لاَ يَكُونُ أَمِيرًا وَلاَ قَاضِيًا؛ لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَمَانُ الرَّقِيقِ، وَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ أَيْضًا، عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ. ٢٢ - ز - وَالاِسْتِرْقَاقُ مُخَفِّضٌ لِلْعُقُوبَةِ، فَتُنَصَّفُ الْحُدُودُ فِي حَقِّ الرَّقِيقِ، إِنْ كَانَتْ قَابِلَةً لِلتَّنْصِيفِ. ٢٣ - ح - وَلِلاِسْتِرْقَاقِ أَثَرٌ فِي النِّكَاحِ، إِذِ الْعَبْدُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْحُرَّةِ، وَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ إِذْنِ السَّيِّدِ، وَلاَ يَمْلِكُ الْعَبْدُ نِكَاحَ أَكْثَرَ مِنِ امْرَأَتَيْنِ، وَلاَ تُنْكَحُ أَمَةٌ عَلَى حُرَّةٍ. ٢٤ - ط - وَلَهُ أَثَرٌ فِي الطَّلاَقِ أَيْضًا، إِذْ لاَ يَمْلِكُ الرَّقِيقُ مِنَ الطَّلاَقِ أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَتَيْنِ، وَإِذَا نَكَحَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَالطَّلاَقُ بِيَدِ سَيِّدِهِ. ٢٥ - ي - وَلَهُ أَثَرٌ فِي الْعِدَّةِ، إِذْ عِدَّةُ الأَْمَةِ فِي الطَّلاَقِ حَيْضَتَانِ، لاَ ثَلاَثُ حِيَضٍ، وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهِ.

стр. 1937

اسْتِسْعَاءٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِسْعَاءُ لُغَةً: سَعْيُ الرَّقِيقِ فِي فِكَاكِ مَا بَقِيَ مِنْ رِقِّهِ إِذَا عَتَقَ بَعْضُهُ، فَيَعْمَل وَيَكْسِبُ، وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ إِلَى مَوْلاَهُ. وَاسْتَسْعَيْتُهُ فِي قِيمَتِهِ: طَلَبْتُ مِنْهُ السَّعْيَ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ (٢) وَإِعْتَاقُ الْمُسْتَسْعَى غَيْرُ الإِْعْتَاقِ بِالْكِتَابَةِ، فَالْمُسْتَسْعَى لاَ يُرَدُّ إِلَى الرِّقِّ (٣) ، لأَِنَّهُ إِسْقَاطٌ لاَ إِلَى أَحَدٍ، وَالإِْسْقَاطُ لاَ إِلَى أَحَدٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، بِخِلاَفِ الْمُكَاتَبِ؛ لأَِنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ تَرِدُ عَلَيْهِ الإِْقَالَةُ وَالْفَسْخُ (٤) ، لَكِنَّهُ يُشْبِهُ الْكِتَابَةَ فِي أَنَّهُ إِعْتَاقٌ بِعِوَضٍ. وَمَحَل الاِسْتِسْعَاءِ: مَنْ أُعْتِقَ بَعْضُهُ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - أَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ فَإِنَّهُ يَسْرِي الْعِتْقُ إِلَى بَاقِيهِ، وَلاَ يُسْتَسْعَى؛

стр. 1938

لأَِنَّ الْعِتْقَ لاَ يَتَبَعَّضُ ابْتِدَاءً (١) ، وَلِحَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ غُلاَمٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ، وَأَجَازَ عِتْقَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي لَفْظٍ: هُوَ حُرٌّ كُلُّهُ، لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ. (٢) وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَسْعَى فِي الْبَاقِي. ٣ - أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا، وَأَعْتَقَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَقَدْ خَيَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ الشَّرِيكَ الآْخَرَ بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ: الْعِتْقُ، أَوْ تَضْمِينُ الشَّرِيكِ الْمُعْتِقِ، أَوِ اسْتِسْعَاءُ الْعَبْدِ. وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ، بَيْنَ الإِْعْتَاقِ وَبَيْنَ الاِسْتِسْعَاءِ فَقَطْ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هُنَا: لَيْسَ لَهُ إِلاَّ الضَّمَانُ مَعَ الْيَسَارِ، وَالسِّعَايَةُ مَعَ الإِْعْسَارِ، وَقَوْلُهُمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٣) ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلاَّ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ (٤) أَيْ لاَ يُغْلِي عَلَيْهِ الثَّمَنُ (٥) . وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَظَاهِرُ

стр. 1939

مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ مَعَ الْيَسَارِ يَسْرِي الْعِتْقُ إِلَى الْبَاقِي، وَيَغْرَمُ الْمُعْتِقُ قِيمَةَ حِصَّةِ الشُّرَكَاءِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلاَ سِرَايَةَ وَلاَ اسْتِسْعَاءَ (١) . ٤ - وَيَقَعُ الْخِلاَفُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ كَذَلِكَ إِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ دَبَّرَ، أَوْ أَوْصَى بِعَبِيدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ، فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ جُزْءٌ مِنْ كُل وَاحِدٍ، وَيُسْتَسْعَى فِي بَاقِيهِ، وَقَال غَيْرُهُ: يُعْتَقُ ثُلُثُهُمْ بِالاِقْتِرَاعِ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ الْمُسْتَسْعَى دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، يُقَدِّرُهَا عَدْلٌ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الأَْحْرَارِ، وَقَال الْبَعْضُ: لاَ يَأْخُذُ حُكْمَ الْحُرِّ إِلاَّ بَعْدَ الأَْدَاءِ. وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الإِْعْتَاقِ؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ الإِْتْلاَفِ. مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٥ - الْكَلاَمُ عَنِ الاِسْتِسْعَاءِ مَنْثُورٌ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَأَغْلَبُ ذِكْرِهِ مَعَ السِّرَايَةِ، وَفِي بَابِ (الْعَبْدُ يُعْتَقُ بَعْضُهُ) (وَالإِْعْتَاقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ) كَمَا يُذْكَرُ فِي الْكَفَّارَةِ.

стр. 1940

اسْتِسْقَاءٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِسْقَاءُ لُغَةً: طَلَبُ السُّقْيَا، أَيْ طَلَبُ إِنْزَال الْغَيْثِ عَلَى الْبِلاَدِ وَالْعِبَادِ. وَالاِسْمُ: السُّقْيَا بِالضَّمِّ، وَاسْتَسْقَيْتُ فُلاَنًا: إِذَا طَلَبْتَ مِنْهُ أَنْ يَسْقِيَكَ (١) . وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلاِسْتِسْقَاءِ هُوَ: طَلَبُ إِنْزَال الْمَطَرِ مِنَ اللَّهِ بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ (٢) . صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : ٢ - قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الاِسْتِسْقَاءُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِالدُّعَاءِ وَالصَّلاَةِ أَمْ بِالدُّعَاءِ فَقَطْ، فَعَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَصَحَابَتُهُ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَال بِسُنِّيَّةِ الدُّعَاءِ فَقَطْ، وَبِجَوَازِ غَيْرِهِ (٣) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ الثَّلاَثَةُ التَّالِيَةُ: الأَْوَّل: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، إِذَا كَانَ لِلْمَحَل وَالْجَدْبِ، أَوْ لِلْحَاجَةِ إِلَى الشُّرْبِ لِشِفَاهِهِمْ، أَوْ لِدَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ، سَوَاءٌ أَكَانُوا فِي حَضَرٍ، أَمْ سَفَرٍ فِي صَحْرَاءَ، أَوْ سَفِينَةٍ فِي بَحْرٍ مَالِحٍ. الثَّانِي: مَنْدُوبٌ، وَهُوَ الاِسْتِسْقَاءُ مِمَّنْ كَانَ فِي خِصْبٍ لِمَنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ وَجَدْبٍ؛ لأَِنَّهُ مِنَ التَّعَاوُنِ

стр. 1941

عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. وَلِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَل الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى. (١) وَصَحَّ: دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَِخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لأَِخِيهِ بِخَيْرٍ قَال الْمَلَكُ الْمُوَكَّل بِهِ: آمِينَ وَلَك بِمِثْلٍ. (٢) وَلَكِنَّ الأَْوْزَاعِيَّ وَالشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوهُ بِأَلاَّ يَكُونَ الْغَيْرُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَوْ ضَلاَلَةٍ وَبَغْيٍ. وَإِلاَّ لَمْ يُسْتَحَبَّ زَجْرًا وَتَأْدِيبًا؛ وَلأَِنَّ الْعَامَّةَ تَظُنُّ بِالاِسْتِسْقَاءِ لَهُمْ حُسْنَ طَرِيقِهِمْ وَالرِّضَى بِهَا، وَفِيهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ مَا فِيهَا (٣) . مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوِ احْتَاجَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَسَأَلُوا الْمُسْلِمِينَ الاِسْتِسْقَاءَ لَهُمْ فَهَل يَنْبَغِي إِجَابَتُهُمْ أَمْ لاَ؟ الأَْقْرَبُ: الاِسْتِسْقَاءُ لَهُمْ وَفَاءً بِذِمَّتِهِمْ. ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: وَلاَ يُتَوَهَّمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّا فَعَلْنَاهُ لِحُسْنِ حَالِهِمْ؛ لأَِنَّ كُفْرَهُمْ مُحَقَّقٌ مَعْلُومٌ. وَلَكِنْ تُحْمَل إِجَابَتُنَا لَهُمْ عَلَى الرَّحْمَةِ بِهِمْ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمْ مِنْ ذَوِي الرُّوحِ، بِخِلاَفِ الْفَسَقَةِ وَالْمُبْتَدِعَةِ (٤) . الثَّالِثُ: مُبَاحٌ، وَهُوَ اسْتِسْقَاءُ مَنْ لَمْ يَكُونُوا فِي مَحَلٍّ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى الشُّرْبِ، وَقَدْ أَتَاهُمُ الْغَيْثُ، وَلَكِنْ لَوِ اقْتَصَرُوا عَلَيْهِ لَكَانَ دُونَ السِّعَةِ، فَلَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ (٥) .

стр. 1942

دَلِيل الْمَشْرُوعِيَّةِ: ٣ - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ بِالنَّصِّ وَالإِْجْمَاعِ، أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ . (١) كَمَا اسْتَدَل لَهُ بِعَمَل رَسُول اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِهِ، فَقَدْ وَرَدَتِ الأَْحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي اسْتِسْقَائِهِ ﷺ . رَوَى أَنَسٌ ﵁: أَنَّ النَّاسَ قَدْ قَحَطُوا فِي زَمَنِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَدَخَل رَجُلٌ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ. فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَخَشِينَا الْهَلاَكَ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَرَفَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ فَقَال: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا غَدَقًا مُغْدِقًا عَاجِلاً غَيْرَ رَائِثٍ. قَال الرَّاوِي: مَا كَانَ فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، فَارْتَفَعَتِ السَّحَابُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا حَتَّى صَارَتْ رُكَامًا، ثُمَّ مَطَرَتْ سَبْعًا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ. ثُمَّ دَخَل ذَلِكَ الرَّجُل، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، وَالسَّمَاءُ تَسْكُبُ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبُنْيَانُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُل، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِمَلاَلَةِ بَنِي آدَمَ. قَال الرَّاوِي: وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ خَضْرَاءَ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَال: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآْكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأَْوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. فَانْجَابَتِ السَّمَاءُ عَنِ الْمَدِينَةِ حَتَّى صَارَتْ حَوْلَهَا

стр. 1943

كَالإِْكْلِيل. (١) وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَجَعَلَهُ أَصْلاً، وَقَال: إِنَّ السُّنَّةَ فِي الاِسْتِسْقَاءِ هِيَ الدُّعَاءُ فَقَطْ، مِنْ غَيْرِ صَلاَةٍ وَلاَ خُرُوجٍ. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَال: إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوَهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ. ثُمَّ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَفْعَل مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِل عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَل مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلاَغًا إِلَى حِينٍ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَزَل فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّل إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ أَوْ حَوَّل رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَل عَلَى النَّاسِ، وَنَزَل فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُول، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكُنِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِزُهُ فَقَال: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٍ، وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. (٢)

стр. 1944

وَقَدِ اسْتَسْقَى عُمَرُ ﵁ بِالْعَبَّاسِ، وَقَال: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا قَحَطْنَا تَوَسَّلْنَا إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّل بِعَمِّ نَبِيِّكَ فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ (١) . وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَسْقَى بِيَزِيدَ بْنِ الأَْسْوَدِ. فَقَال: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَسْقِي بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَسْقِي بِيَزِيدَ بْنِ الأَْسْوَدِ، يَا يَزِيدُ ارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى " فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ. فَثَارَتْ سَحَابَةٌ مِنَ الْغَرْبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ، وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ، فَسُقُوا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَلاَّ يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُمْ. (٢) حِكْمَةُ الْمَشْرُوعِيَّةِ: ٤ - إِنَّ الإِْنْسَانَ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ الْكَوَارِثُ، وَأَحْدَقَتْ بِهِ الْمَصَائِبُ فَبَعْضُهَا قَدْ يَسْتَطِيعُ إِزَالَتَهَا، وَبَعْضُهَا لاَ يَسْتَطِيعُ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ مِنَ الْوَسَائِل، وَمِنْ أَكْبَرِ الْمَصَائِبِ وَالْكَوَارِثِ الْجَدْبُ الْمُسَبَّبُ عَنِ انْقِطَاعِ الْغَيْثِ، الَّذِي هُوَ حَيَاةُ كُل ذِي رَوْحٍ وَغِذَاؤُهُ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ الإِْنْسَانُ إِنْزَالَهُ أَوِ الاِسْتِعَاضَةَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَيَسْتَطِيعُهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَشَرَعَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ سُبْحَانَهُ الاِسْتِسْقَاءَ، طَلَبًا لِلرَّحْمَةِ وَالإِْغَاثَةِ بِإِنْزَال الْمَطَرِ الَّذِي هُوَ حَيَاةُ كُل شَيْءٍ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ اللَّهُ ﷻ .

стр. 1945

أَسْبَابُ الاِسْتِسْقَاءِ: ٥ - الاِسْتِسْقَاءُ يَكُونُ فِي أَرْبَعِ حَالاَتٍ: الأُْولَى: لِلْمَحَل وَالْجَدْبِ، أَوْ لِلْحَاجَةِ إِلَى الشُّرْبِ لِشِفَاهِهِمْ، أَوْ دَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ، سَوَاءٌ أَكَانُوا فِي حَضَرٍ، أَمْ سَفَرٍ فِي صَحْرَاءَ، أَمْ سَفِينَةٍ فِي بَحْرٍ مَالِحٍ. وَهُوَ مَحَل اتِّفَاقٍ. الثَّانِيَةُ: اسْتِسْقَاءُ مَنْ لَمْ يَكُونُوا فِي مَحَلٍّ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى الشُّرْبِ، وَقَدْ أَتَاهُمُ الْغَيْثُ، وَلَكِنْ لَوِ اقْتَصَرُوا عَلَيْهِ لَكَانَ دُونَ السِّعَةِ، فَلَهُمْ أَنْ يَسْتَسْقُوا وَيَسْأَلُوا اللَّهَ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ. وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (١) . الثَّالِثَةُ: اسْتِسْقَاءُ مَنْ كَانَ فِي خِصْبٍ لِمَ كَانَ فِي مَحَلٍّ وَجَدْبٍ، أَوْ حَاجَةٍ إِلَى شُرْبٍ. قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ (٢) . الرَّابِعَةُ: إِذَا اسْتَسْقَوْا وَلَمْ يُسْقُوا. اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ: الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَكْرَارِ الاِسْتِسْقَاءِ، وَالإِْلْحَاحِ فِي الدُّعَاءِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ (٣) ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٤) وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي تَكْرَارِ الاِسْتِسْقَاءِ قَوْلُهُ ﷺ : يُسْتَجَابُ لأَِحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَل، يَقُول: دَعَوْتُ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي (٥) وَلأَِنَّ

стр. 1946

الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلاِسْتِسْقَاءِ هِيَ الْحَاجَةُ إِلَى الْغَيْثِ، وَالْحَاجَةُ إِلَى الْغَيْثِ قَائِمَةٌ. قَال أَصْبَغُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: وَقَدْ فُعِل عِنْدَنَا بِمِصْرِ، وَاسْتَسْقَوْا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً يَسْتَسْقُونَ عَلَى سُنَّةِ الاِسْتِسْقَاءِ، وَحَضَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ (١) . إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا بِالْخُرُوجِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ، وَقَالُوا: لَمْ يُنْقَل أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ (٢) . وَلَكِنْ صَاحِبُ الاِخْتِيَارِ قَال: يَخْرُجُ النَّاسُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ. وَرُوِيَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ (٣) . أَنْوَاعُهُ وَأَفْضَلُهُ: ٦ - وَالاِسْتِسْقَاءُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ. اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَقَدْ فَضَّل بَعْضُ الأَْئِمَّةِ بَعْضَ الأَْنْوَاعِ عَلَى بَعْضٍ، وَرَتَّبُوهَا حَسَبَ أَفْضَلِيَّتِهَا. فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الاِسْتِسْقَاءُ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الأَْوَّل: وَهُوَ أَدْنَاهَا، الدُّعَاءُ بِلاَ صَلاَةٍ، وَلاَ بَعْدَ صَلاَةٍ، فُرَادَى وَمُجْتَمِعِينَ لِذَلِكَ، فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَحْسَنُهُ مَا كَانَ مِنْ أَهْل الْخَيْرِ. النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ أَوْسَطُهَا، الدُّعَاءُ بَعْدَ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ

стр. 1947

وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ: وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ يُقِيمُ مُؤَذِّنًا فَيَأْمُرُهُ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ أَنْ يَسْتَسْقِيَ، وَيَحُضَّ النَّاسَ عَلَى الدُّعَاءِ، فَمَا كَرِهْتُ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ. وَخَصَّ الْحَنَابِلَةُ هَذَا النَّوْعَ بِأَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ مِنَ الإِْمَامِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَفْضَلُهَا، الاِسْتِسْقَاءُ بِصَلاَةِ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ، وَتَأَهُّبٍ لَهَا قَبْل ذَلِكَ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْكَيْفِيَّةِ. يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَهْل الْقُرَى وَالأَْمْصَارِ وَالْبَوَادِي وَالْمُسَافِرُونَ، وَيُسَنُّ لَهُمْ جَمِيعًا الصَّلاَةُ وَالْخُطْبَتَانِ، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْمُنْفَرِدِ إِلاَّ الْخُطْبَةَ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الاِسْتِسْقَاءُ بِالدُّعَاءِ سُنَّةٌ، أَيْ: سَوَاءٌ أَكَانَ بِصَلاَةٍ أَمْ بِغَيْرِ صَلاَةٍ، وَلاَ يَكُونُ الْخُرُوجُ إِلَى الْمُصَلَّى إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ إِلَى الْغَيْثِ، حَيْثُ فَعَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢) . وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَأَبُو حَنِيفَةَ يُفَضِّل الدُّعَاءَ وَالاِسْتِغْفَارَ فِي الاِسْتِسْقَاءِ؛ لأَِنَّهُ السُّنَّةُ، وَأَمَّا الصَّلاَةُ فُرَادَى فَهِيَ مُبَاحَةٌ عِنْدَهُ، وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ، لِفِعْل الرَّسُول لَهَا مَرَّةً وَتَرْكِهَا أُخْرَى (٣) . وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَدْ قَال: الاِسْتِسْقَاءُ يَكُونُ بِالدُّعَاءِ، أَوْ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ، وَالْكُل عِنْدَهُ سُنَّةٌ، وَفِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ (٤) وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَالنَّقْل عَنْهُ مُخْتَلِفٌ فِي الْمَسْأَلَةِ،

стр. 1948

فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ أَنَّهُ مَعَ الإِْمَامِ، وَرَوَى الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ مَعَ مُحَمَّدٍ (١) ، وَرَجَّحَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ مَعَ مُحَمَّدٍ (٢) وَقْتُ الاِسْتِسْقَاءِ ٧ - إِذَا كَانَ الاِسْتِسْقَاءُ بِالدُّعَاءِ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ يَكُونُ فِي أَيِّ وَقْتٍ، وَإِذَا كَانَ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ، فَالْكُل مُجْمِعٌ عَلَى مَنْعِ أَدَائِهَا فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا تَجُوزُ فِي أَيِّ وَقْتٍ عَدَا أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ. وَالْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي الْوَقْتِ الأَْفْضَل، مَا عَدَا الْمَالِكِيَّةِ فَقَالُوا: وَقْتُهَا مِنْ وَقْتِ الضُّحَى إِلَى الزَّوَال، فَلاَ تُصَلَّى قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي الْوَقْتِ الأَْفْضَل ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ (٣) : الأَْوَّل: وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الأَْوْلَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٤) : وَقْتُ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ وَقْتُ صَلاَةِ الْعِيدِ. وَبِهَذَا قَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الإِْسْفَرَايِينِيُّ وَصَاحِبُهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ: الْمَجْمُوعُ، وَالتَّجْرِيدُ، وَالْمُقْنِعُ، وَأَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ. وَقَدْ يُسْتَدَل لَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَتْهُ السُّنَنُ الأَْرْبَعُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ قَال: أَرْسَلَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ - وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ - إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنِ اسْتِسْقَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مُتَبَذِّلاً مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَل فِي الدُّعَاءِ

стр. 1949

وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ (١) . الثَّانِي: أَوَّل وَقْتِهَا وَقْتُ صَلاَةِ الْعِيدِ، وَتَمْتَدُّ إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ. لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ لأَِنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي الْوَضْعِ وَالصِّفَةِ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَقْتِ، إِلاَّ أَنَّ وَقْتَهَا لاَ يَفُوتُ بِالزَّوَال. (٢) الثَّالِثُ: وَعَبَّرَ عَنْهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالصَّحِيحِ وَالصَّوَابِ، وَهُوَ الرَّأْيُ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا (٣) : أَنَّهَا لاَ تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، بَل تَجُوزُ فِي كُل وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إِلاَّ أَوْقَاتَ الْكَرَاهَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَصَحَّحَهُ الْمُحَقِّقُونَ. وَمِمَّنْ قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ، وَصَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَاسْتَصْوَبَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّهَا لاَ تَخْتَصُّ بِيَوْمٍ كَصَلاَةِ الاِسْتِخَارَةِ، وَرَكْعَتَيِ الإِْحْرَامِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالُوا: إِنَّ تَخْصِيصَهَا بِوَقْتٍ كَصَلاَةِ الْعِيدِ لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ أَصْلاً. وَلأَِنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَأَكْثَرَ الأَْصْحَابِ. وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْخُرُوجُ إِلَيْهَا عِنْدَ زَوَال

стр. 1950

الشَّمْسِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ (١) . وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَلَمْ يُذْكَرْ عِنْدَهُمْ وَقْتٌ لَهَا، وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي تَحْدِيدِهِ. وَقَدْ يَكُونُ هَذَا؛ لأَِنَّ السُّنَّةَ عِنْدَ الإِْمَامِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ الدُّعَاءُ، وَالدُّعَاءُ فِي كُل وَقْتٍ، وَلَيْسَ لَهُ زَمَانٌ مُعَيَّنٌ. مَكَانُ الاِسْتِسْقَاءِ: ٨ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِسْقَاءَ يَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ، وَخَارِجَ الْمَسْجِدِ. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ تَقُول بِالْخُرُوجِ إِلاَّ فِي وَقْتِ الشِّدَّةِ إِلَى الْغَيْثِ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُفَضِّلُونَ الْخُرُوجَ مُطْلَقًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلاِسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلاً مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَل فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُصَلِّي الإِْمَامُ فِي الصَّحْرَاءِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلاَّهَا فِي الصَّحْرَاءِ؛ وَلأَِنَّهُ يَحْضُرُهَا غَالِبُ النَّاسِ وَالصِّبْيَانُ وَالْحُيَّضُ وَالْبَهَائِمُ وَغَيْرُهُمْ، فَالصَّحْرَاءُ أَوْسَعُ لَهُمْ وَأَرْفَقُ (٣) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِالْخُرُوجِ أَيْضًا، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ أَهْل مَكَّةَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسْجِدَيْنِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي كَذَلِكَ لأَِهْل الْمَدِينَةِ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَشْرَفِ بِقَاعِ الأَْرْضِ، إِذْ حَل فِيهِ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَّل ابْنُ عَابِدِينَ جَوَازَ الاِجْتِمَاعِ فِي مَسْجِدِ الرَّسُول ﷺ

стр. 1951

بِقَوْلِهِ: يَنْبَغِي الاِجْتِمَاعُ لِلاِسْتِسْقَاءِ فِيهِ، إِذْ لاَ يُسْتَغَاثُ وَتُسْتَنْزَل الرَّحْمَةُ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ ﷺ فِي كُل حَادِثَةٍ (١) . الآْدَابُ السَّابِقَةُ عَلَى الاِسْتِسْقَاءِ: ٩ - أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ آدَابًا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا قَبْل الاِسْتِسْقَاءِ، فَقَالُوا: يَعِظُ الإِْمَامُ النَّاسَ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ؛ لِيَكُونُوا أَقْرَبَ إِلَى الإِْجَابَةِ، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ الْجَدْبِ، وَالطَّاعَةَ سَبَبُ الْبَرَكَةِ. . قَال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَْرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢) وَرَوَى أَبُو وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَال: " إِذَا بُخِسَ الْمِكْيَال حُبِسَ الْقَطْرُ " وَقَال مُجَاهِدٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (٣) قَال: دَوَابُّ الأَْرْضِ تَلْعَنُهُمْ يَقُولُونَ: يُمْنَعُ الْقَطْرُ بِخَطَايَاهُمْ. كَمَا يُتْرَكُ التَّشَاحُنُ وَالتَّبَاغُضُ؛ لأَِنَّهَا تُحْمَل عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْبُهُتِ، وَتَمْنَعُ نُزُول الْخَيْرِ. بِدَلِيل قَوْلِهِ ﷺ : خَرَجْتُ لأُِخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ فَرُفِعَتْ (٤) .

стр. 1952

الصِّيَامُ قَبْل الاِسْتِسْقَاءِ: ١٠ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى الصِّيَامِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ، وَالْخُرُوجِ بِهِ إِلَى الاِسْتِسْقَاءِ. لأَِنَّ الصِّيَامَ مَظِنَّةُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ (١) . . . وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ الشَّهْوَةِ، وَحُضُورِ الْقَلْبِ، وَالتَّذَلُّل لِلرَّبِّ. قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: يَأْمُرُهُمُ الإِْمَامُ بِصَوْمِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ قَبْل الْخُرُوجِ، وَيَخْرُجُونَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَهُمْ صِيَامٌ. وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْخُرُوجِ بَعْدَ الصِّيَامِ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ مُفْطِرِينَ؛ لِلتَّقَوِّي عَلَى الدُّعَاءِ، كَيَوْمِ عَرَفَةَ (٢) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ بِالصِّيَامِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَيَخْرُجُونَ فِي آخِرِ أَيَّامِ صِيَامِهِمْ. الصَّدَقَةُ قَبْل الاِسْتِسْقَاءِ: ١١ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ قَبْل الاِسْتِسْقَاءِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَمْرِ الإِْمَامِ بِهَا، قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَأْمُرُهُمُ الإِْمَامُ بِالصَّدَقَةِ فِي حُدُودِ طَاقَتِهِمْ (٣) . وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَأْمُرُهُمْ بِهَا، بَل يَتْرُكُ هَذَا لِلنَّاسِ بِدُونِ أَمْرٍ؛ لأَِنَّهُ أَرْجَى لِلإِْجَابَةِ، حَيْثُ

стр. 1953

تَكُونُ صَدَقَتُهُمْ بِدَافِعٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، لاَ بِأَمْرٍ مِنَ الإِْمَامِ. آدَابٌ شَخْصِيَّةٌ: ١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى آدَابٍ شَخْصِيَّةٍ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَهَا النَّاسُ قَبْل الاِسْتِسْقَاءِ، بَعْدَ أَنْ يَعِدَهُمُ الإِْمَامُ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ : وَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ (١) فَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْخُرُوجِ لِلاِسْتِسْقَاءِ: التَّنَظُّفُ بِغُسْلٍ وَسِوَاكٍ؛ لأَِنَّهَا صَلاَةٌ يُسَنُّ لَهَا الاِجْتِمَاعُ وَالْخُطْبَةُ، فَشُرِعَ لَهَا الْغُسْل، كَصَلاَةِ الْجُمُعَةِ. وَيُسْتَحَبُّ: أَنْ يَتْرُكَ الإِْنْسَانُ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ، فَلَيْسَ هَذَا وَقْتَ الزِّينَةِ، وَلَكِنَّهُ يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ، وَيَخْرُجُ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ، وَهِيَ ثِيَابُ مِهْنَتِهِ (٢) ، وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا خَاشِعًا مُتَذَلِّلاً مُتَضَرِّعًا مَاشِيًا، وَلاَ يَرْكَبُ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِهِ ذَهَابًا إِلاَّ لِعُذْرٍ، كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ. وَالأَْصْل فِي هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلاً مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا وَهِيَ مُسْتَحَبَّاتٌ لَمْ يَرِدْ فِيهَا خِلاَفٌ (٣) . الاِسْتِسْقَاءُ بِالدُّعَاءِ: ١٣ - قَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ الاِسْتِسْقَاءَ هُوَ دُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ، وَلَيْسَ فِيهِ صَلاَةٌ مَسْنُونَةٌ فِي جَمَاعَةٍ. فَإِنْ صَلَّى النَّاسُ وُحْدَانًا جَازَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ

стр. 1954

اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (١) الآْيَةَ، وَقَدْ اسْتَدَل لَهُ كَذَلِكَ بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ وَاسْتِسْقَائِهِ بِالْعَبَّاسِ ﵁ مِنْ غَيْرِ صَلاَةٍ، مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الاِقْتِدَاءِ بِرَسُول اللَّهِ ﷺ . وَقَدْ عَلَّل ابْنُ عَابِدِينَ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَال: الْحَاصِل أَنَّ الأَْحَادِيثَ لَمَّا اخْتَلَفَتْ فِي الصَّلاَةِ بِالْجَمَاعَةِ وَعَدَمِهَا عَلَى وَجْهٍ لاَ يَصِحُّ مَعَهُ إِثْبَاتُ السُّنِّيَّةِ، لَمْ يَقُل أَبُو حَنِيفَةَ بِسُنِّيَّتِهَا، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ، كَمَا نَقَل بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ، بَل هُوَ قَال بِالْجَوَازِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّدْبُ وَالاِسْتِحْبَابُ، لِقَوْلِهِ فِي الْهِدَايَةِ: لَمَّا فَعَلَهُ الرَّسُول ﷺ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ سُنَّةً؛ لأَِنَّ السُّنَّةَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ. وَالْفِعْل مَرَّةً وَالتَّرْكُ أُخْرَى يُفِيدُ النَّدْبَ (٢) . وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: فَقَالُوا بِسُنِّيَّةِ الدُّعَاءِ وَحْدَهُ، وَبِسُنِّيَّتِهِ مَعَ صَلاَةٍ لَهُ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي تَقَدَّمَ. الاِسْتِسْقَاءُ بِالدُّعَاءِ وَالصَّلاَةِ: ١٤ - الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالُوا: الاِسْتِسْقَاءُ يَكُونُ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ وَالْخُطْبَةِ، لِلأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ خُطْبَةَ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، وَمَا

стр. 1955

تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ لاَ يُثْبِتُ الْخُطْبَةَ؛ لأَِنَّ طَلَبَ السُّقْيَا مِنْ رَسُول اللَّهِ وَقَعَ لَهُ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَالْخُطْبَةُ سَابِقَةٌ (١) فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ عَلَى الإِْخْبَارِ بِالْجَدْبِ. تَقْدِيمُ الصَّلاَةِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَتَأْخِيرُهَا: ١٥ - فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ: الأَْوَّل: تَقْدِيمُ الصَّلاَةِ عَلَى الْخُطْبَةِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْوْلَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْل أَبِي هُرَيْرَةَ: صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَطَبَنَا وَلِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: صَنَعَ فِي الاِسْتِسْقَاءِ كَمَا يَصْنَعُ فِي الْعِيدِ؛ وَلأَِنَّهَا صَلاَةٌ ذَاتُ تَكْبِيرَاتٍ، فَأَشْبَهَتْ صَلاَةَ الْعِيدِ (٢) . الثَّانِي: تَقْدِيمُ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّلاَةِ وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ، وَخِلاَفُ الأَْوْلَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَهِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيل، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٣) . وَدَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَطَبَ وَصَلَّى، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَرَجَ يَسْتَسْقِي حَوَّل إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّل رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ

стр. 1956

فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . الثَّالِثُ: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْخُطْبَةِ قَبْل الصَّلاَةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ؛ لِوُرُودِ الأَْخْبَارِ بِكِلاَ الأَْمْرَيْنِ، وَدَلاَلَتِهَا عَلَى كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ. كَيْفِيَّةُ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ: ١٦ - لاَ يُعْلَمُ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِصَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ خِلاَفٌ فِي أَنَّهَا رَكْعَتَانِ، وَاخْتُلِفَ فِي صِفَتِهَا عَلَى رَأْيَيْنِ: الرَّأْيُ الأَْوَّل، وَهُوَ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ لِمُحَمَّدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِي الأُْولَى سَبْعًا، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ مِثْل صَلاَةِ الْعِيدِ، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ صَلاَةَ الاِسْتِسْقَاءِ يُكَبِّرُونَ فِيهَا سَبْعًا وَخَمْسًا. (٢) الرَّأْيُ الثَّانِي: وَهُوَ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَالْقَوْل الثَّانِي لِمُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ: تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَصَلاَةِ النَّافِلَةِ وَالتَّطَوُّعِ؛ لِمَا رُوِيَ

стр. 1957

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرَا التَّكْبِيرَ (١) ، فَتَنْصَرِفُ إِلَى الصَّلاَةِ الْمُطْلَقَةِ. وَاتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ؛ لأَِنَّهَا صَلاَةٌ ذَاتُ خُطْبَةٍ (٢) ، وَكُل صَلاَةٍ لَهَا خُطْبَةٌ فَالْقِرَاءَةُ فِيهَا تَكُونُ جَهْرًا؛ لاِجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلسَّمَاعِ، وَيَقْرَأُ بِمَا شَاءَ، وَلَكِنِ الأَْفْضَل أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِمَا كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدِ، وَقِيل: يَقْرَأُ بِسُورَتَيْ ق وَنُوحٍ (٣) ، أَوْ يَقْرَأُ بِسُورَتَيِ الأَْعْلَى وَالْغَاشِيَةِ (٤) ، أَوْ بِسُورَتَيِ الأَْعْلَى وَالشَّمْسِ. وَحَذْفُ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ بَعْضِهَا أَوِ الزِّيَادَةُ فِيهَا لاَ تُفْسِدُ الصَّلاَةَ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ بَعْضَهَا أَوْ زَادَ فِيهِنَّ لاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ بَعْضَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّائِدَةِ فَهَل يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ؟ قَالُوا: فِيهَا الْقَوْلاَنِ، مِثْل صَلاَةِ الْعِيدِ (٥) . كَيْفِيَّةُ الْخُطْبَةِ وَمُسْتَحَبَّاتُهَا: ١٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يَخْطُبُ الإِْمَامُ خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتَيِ الْعِيدِ بِأَرْكَانِهِمَا وَشُرُوطِهِمَا وَهَيْئَاتِهِمَا، وَفِي الْجُلُوسِ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَجْهَانِ كَمَا فِي الْعِيدِ أَيْضًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 1958

الْمُتَقَدِّمِ؛ وَلأَِنَّهَا أَشْبَهَتْهَا فِي التَّكْبِيرِ وَفِي صِفَةِ الصَّلاَةِ (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: يَخْطُبُ الإِْمَامُ خُطْبَةً وَاحِدَةً يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَل فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ مَا فَصَل بَيْنَ ذَلِكَ بِسُكُوتٍ وَلاَ جُلُوسٍ؛ وَلأَِنَّ كُل مَنْ نَقَل الْخُطْبَةَ لَمْ يَنْقُل خُطْبَتَيْنِ (٢) . وَلاَ يُخْرِجُ الْمِنْبَرَ إِلَى الْخَلاَءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ؛ لأَِنَّهُ خِلاَفُ السُّنَّةِ. وَقَدْ عَابَ النَّاسُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ عِنْدَ إِخْرَاجِهِ الْمِنْبَرَ فِي الْعِيدَيْنِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ. وَيَخْطُبُ الإِْمَامُ عَلَى الأَْرْضِ مُعْتَمِدًا عَلَى قَوْسٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ عَصًا، وَيَخْطُبُ مُقْبِلاً بِوَجْهِهِ إِلَى النَّاسِ (٣) . وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْخُطْبَةَ عَلَى الأَْرْضِ مَنْدُوبَةٌ، وَعَلَى الْمِنْبَرِ مَكْرُوهَةٌ (٤) . أَمَّا إِذَا كَانَ الْمِنْبَرُ مَوْجُودًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الصَّلاَةُ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ فَفِيهِ رَأْيَانِ: الْجَوَازُ، وَالْكَرَاهَةُ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ (٥) ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمَرْجُوحِ: يُكَبِّرُ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا فِي صَلاَةِ الْعِيدِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ: يَسْتَبْدِل بِالتَّكْبِيرِ الاِسْتِغْفَارَ، فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي أَوَّل الْخُطْبَةِ

стр. 1959

الأُْولَى تِسْعًا، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعًا، يَقُول: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، وَيَخْتِمُ كَلاَمَهُ بِالاِسْتِغْفَارِ، وَيُكْثِرُ مِنْهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَمِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآْيَةَ، وَيُخَوِّفُهُمْ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْجَدْبِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَالإِْنَابَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبِرِّ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ: يَسْتَقْبِل الإِْمَامُ النَّاسَ فِي الْخُطْبَةِ مُسْتَدْبِرًا الْقِبْلَةَ، حَتَّى إِذَا قَضَى خُطْبَتَهُ تَوَجَّهَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو وَفِي لَفْظٍ: فَحَوَّل إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ يَدْعُو (١) . صِيَغُ الدُّعَاءِ الْمَأْثُورَةُ: ١٨ - يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بِمَا أُثِرَ عَنِ النَّبِيِّ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو فِي الاِسْتِسْقَاءِ فَيَقُول: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مُرِيعًا غَدَقًا مُجَلِّلاً سَحًّا عَامًّا طَبَقًا دَائِمًا. اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْبِلاَدِ وَالْعِبَادِ وَالْخَلْقِ مِنَ اللأَّْوَاءِ وَالضَّنْكِ مَا لاَ نَشْكُو إِلاَّ إِلَيْكَ. اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الأَْرْضِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا، فَإِذَا مُطِرُوا. قَالُوا:

стр. 1960

اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا. وَيَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِفَضْل اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ. (١) وَرُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، حِينَ قَال لَهُ الرَّجُل: يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكَتِ الأَْمْوَال، وَانْقَطَعَتِ السُّبُل، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُغِيثَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَال: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. (٢) وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ: " لِيَكُنْ مِنْ دُعَائِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، اللَّهُمَّ امْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَا، وَإِجَابَتِكَ فِي سُقْيَانَا، وَسِعَةِ رِزْقِنَا، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ أَقْبَل عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَعَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَقَرَأَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَتَيْنِ، وَيُكْثِرُ مِنْ الاِسْتِغْفَارِ، وَمِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ اسْتَسْقَى فَكَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ الاِسْتِغْفَارَ، وَقَال: لَقَدِ اسْتَسْقَيْتُ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ.

стр. 1961

رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ: ١٩ - اسْتَحَبَّ الأَْئِمَّةُ رَفْعَ الْيَدَيْنِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ (١) . وَأَنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطَيْهِ. وَفِي حَدِيثٍ لأَِنَسٍ فَرَفَعَ الرَّسُول ﷺ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِينَ حَدِيثًا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ. وَذَكَرَ الأَْئِمَّةُ: أَنَّهُ يَدْعُو سِرًّا وَجَهْرًا، فَإِذَا دَعَا سِرًّا دَعَا النَّاسُ سِرًّا، فَيَكُونُ أَبْلَغُ فِي الْبُعْدِ عَنِ الرِّيَاءِ. وَإِذَا دَعَا جَهْرًا أَمَّنَ النَّاسُ عَلَى دُعَاءِ الإِْمَامِ (٢) . وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بَعْضَ الدُّعَاءِ سِرًّا، وَبَعْضَهُ جَهْرًا، وَيَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ فِي دُعَائِهِ مُتَضَرِّعًا خَاشِعًا مُتَذَلِّلاً تَائِبًا. الاِسْتِسْقَاءُ بِالصَّالِحِينَ: ٢٠ - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الاِسْتِسْقَاءِ بِأَقَارِبِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِالصَّالِحِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِالتَّقْوَى وَالاِسْتِقَامَةِ، لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَال: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا قَحَطْنَا تَوَسَّلْنَا إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّل بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، فَيُسْقَوْنَ (٣) .

стр. 1962

وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَسْقَى بِيَزِيدَ بْنِ الأَْسْوَدِ فَقَال: " اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَسْقِي بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَسْقِي بِيَزِيدَ بْنِ الأَْسْوَدِ. يَا يَزِيدُ ارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ، فَثَارَتْ سَحَابَةٌ مِنَ الْمَغْرِبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ، وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ، فَسُقُوا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَلاَّ يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُمْ (١) . التَّوَسُّل بِالْعَمَل الصَّالِحِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَسَّل كُلٌّ فِي نَفْسِهِ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ. وَاسْتَدَل عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ، وَهُمُ الثَّلاَثَةُ الَّذِينَ آوَوْا إِلَى الْغَارِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، فَتَوَسَّل كُل وَاحِدٍ بِصَالِحِ عَمَلِهِ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الصَّخْرَةَ، وَقَشَعَ الْغُمَّةَ، وَخَرَجُوا يَمْشُونَ (٢) . تَحْوِيل الرِّدَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ: ٢١ - قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ (٣) : يُسْتَحَبُّ تَحْوِيل الرِّدَاءِ لِلإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ، لِفِعْل الرَّسُول ﷺ لَهُ، وَلأَِنَّ مَا فَعَلَهُ الرَّسُول ﷺ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ. وَقَدْ

стр. 1963

عُقِل الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ، وَهُوَ التَّفَاؤُل بِقَلْبِ الرِّدَاءِ، لِيَقْلِبَ اللَّهُ مَا بِهِمْ مِنَ الْجَدْبِ إِلَى الْخِصْبِ. وَهُوَ خَاصٌّ بِالرِّجَال دُونَ النِّسَاءِ عِنْدَ الْجَمِيعِ. وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ: إِنَّ تَحْوِيل الرِّدَاءِ مُخْتَصٌّ بِالإِْمَامِ فَقَطْ دُونَ الْمَأْمُومِ؛ لأَِنَّهُ نُقِل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ أَصْحَابِهِ (١) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُسَنُّ تَقْلِيبُ الرِّدَاءِ؛ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ فَلاَ يُسْتَحَبُّ تَحْوِيل الرِّدَاءِ فِيهِ، كَسَائِرِ الأَْدْعِيَةِ (٢) . كَيْفِيَّةُ تَقْلِيبِ الرِّدَاءِ: ٢٢ - قَال الْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ (٣) : يَقْلِبُ الْمُسْتَسْقُونَ أَرْدِيَتَهُمْ، فَيَجْعَلُونَ مَا عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ، وَمَا عَلَى الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ، وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَوَّل رِدَاءَهُ، وَجَعَل عِطَافَهُ الأَْيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ، وَجَعَل عِطَافَهُ الأَْيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْمَنِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ نَقَل تَحْوِيل الرِّدَاءِ جَمَاعَةٌ، كُلُّهُمْ نَقَلُوهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَل أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ. وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي

стр. 1964

الرَّأْيِ الرَّاجِحِ (١) : إِنْ كَانَ الرِّدَاءُ مُدَوَّرًا بِأَنْ كَانَ جُبَّةً يَجْعَل الأَْيْمَنَ عَلَى الأَْيْسَرِ، وَالأَْيْسَرَ عَلَى الأَْيْمَنِ، وَإِنْ كَانَ الرِّدَاءُ مُرَبَّعًا يَجْعَل أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ، وَأَسْفَلَهُ أَعْلاَهُ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَل أَسْفَلَهَا أَعْلاَهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ جَعَل الْعِطَافَ الَّذِي فِي الأَْيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْمَنِ، وَاَلَّذِي عَلَى الأَْيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ، وَيَبْدَأُ بِتَحْوِيل الرِّدَاءِ عِنْدَ الْبَدْءِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (٢) . الْمُسْتَسْقُونَ ٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى، أَنَّ السُّنَّةَ خُرُوجُ الإِْمَامِ لِلاِسْتِسْقَاءِ مَعَ النَّاسِ، فَإِذَا تَخَلَّفَ فَقَدْ أَسَاءَ بِتَرْكِ السُّنَّةِ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ. تَخَلُّفُ الإِْمَامِ عَنْ الاِسْتِسْقَاءِ: ٢٤ - فِي مَسْأَلَةِ تَخَلُّفِ الإِْمَامِ رَأْيَانِ: الرَّأْيُ الأَْوَّل: وَهُوَ رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ: إِذَا تَخَلَّفَ الإِْمَامُ عَنْ الاِسْتِسْقَاءِ أَنَابَ عَنْهُ. فَإِذَا لَمْ يُنِبْ لَمْ يَتْرُكِ النَّاسُ الاِسْتِسْقَاءَ، وَقَدَّمُوا أَحَدَهُمْ لِلصَّلاَةِ، كَمَا إِذَا خَلَتِ الأَْمْصَارُ مِنَ الْوُلاَةِ قَدَّمُوا أَحَدَهُمْ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ، كَمَا قَدَّمَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ حِينَ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عُمَرَ وَبَنِيَّ عَوْفٍ، وَقَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ حِينَ تَأَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 1965

لِحَاجَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ (١) . قَال الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا جَازَ فِي الْمَكْتُوبَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى. الرَّأْيُ الثَّانِي: لاَ يُسْتَحَبُّ الاِسْتِسْقَاءُ بِالصَّلاَةِ إِلاَّ بِخُرُوجِ الإِْمَامِ، أَوْ رَجُلٍ مِنْ قِبَلِهِ. وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، فَإِذَا خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ دَعَوْا وَانْصَرَفُوا بِلاَ صَلاَةٍ وَلاَ خُطْبَةٍ (٢) . مَنْ يُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُمْ، وَمَنْ يَجُوزُ، وَمَنْ يُكْرَهُ: ٢٥ - يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ خُرُوجُ الشُّيُوخِ وَالضُّعَفَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَجَزَةِ وَغَيْرِ ذَاتِ الْهَيْئَةِ مِنَ النِّسَاءِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: بِخُرُوجِ مَنْ يَعْقِل مِنَ الصِّبْيَانِ، أَمَّا مَنْ لاَ يَعْقِل فَيُكْرَهُ خُرُوجُهُمْ مَعَ الْجَمَاعَةِ لِلصَّلاَةِ. وَاسْتَدَلُّوا لِخُرُوجِ مَنْ ذُكِرَ بِقَوْل الرَّسُول ﵊: هَل تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ. (٣) إِخْرَاجُ الدَّوَابِّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ: ٢٦ - فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ: الأَْوَّل: يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الدَّوَابِّ؛ لأَِنَّهُ قَدْ تَكُونُ السُّقْيَا بِسَبَبِهِمْ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ؛ لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَوْلاَ عِبَادٌ لِلَّهِ
следующие страницы →